Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَحْنُ على وَشْكِ البَدْءِ بدراسةِ رسالة كورِنثوس الثانية والأصحاح الثَّالث؛ وهي دراسة مُهمَّة جدًّا جدًّا (ابتداءً مِنَ العددِ السَّادسِ مِنْ هذا الأصحاح إلى نهايةِ الأصحاح) وسوفَ نَدرُسُ عن مَجْدِ العهدِ الجديد. مَجْد العهدِ الجديد.

والآن، أودُّ أن أقولَ لكم بضعة أمورٌ في هذا الصَّباح أرجو أن تَفهموها لأنَّها نِقاطٌ جوهريَّة لهذه العِظَة ولهذه السِّلسلة الَّتي سنُرَكِّزُ فيها على دِراسةِ هذا الأصحاح. فهذا واحدٌ مِنْ أصعبِ المَقاطِع، إنْ لم يكن أصعب مَقطع، في رسالة كورِنثوس الثانية. فهو صَعْبُ التَّفسير، وصَعْبُ الفَهمِ ما لم تُخَصِّصوا وقتًا للتَّأمُّلِ فيه.

وفي الوقتِ نفسِه، كما هي الحالُ غالبًا، عندما تَزولُ الصُّعوبة، فإنَّهُ يَكشِفُ عن عُمْقٍ رائعٍ في هذه الرِّسالة. فهذا المقطعُ، تحديدًا، هو مَقطعٌ عميق. وهذا هو ما يَقولُهُ بولسُ بطريقة رائعة. فهو رائعٌ جدًّا وعَميقُ التَّأثير. وفضلاً عن ذلك، فإنَّهُ ليسَ مَقطعًا مُستقلًّا بذاتِه.

فهذا الجُزءُ المُحَدَّدُ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ لَهُ تأثيرات واسِعَة النِّطاق في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. وَهُوَ واحدٌ مِنْ تلكَ المقاطِعِ الحاسِمَةِ الَّتي تَتركُ تأثيرًا في كُلِّ اتِّجاه. وإنْ فَهِمْنا لُبَّ ما يَقولُهُ الرَّسولُ بولسُ هنا فإنَّنا سنَفهمُ العهدَ القديمَ والعهدَ الجديد، وسَنَفهمُ شريعةَ مُوسى والإنجيل. فهو مَقطعٌ عميقٌ ومُهِمٌّ جدًّا في الكتابِ المقدَّس.

كذلك، إنَّهُ مَقطعٌ وَثيقُ الصِّلة وقابِلٌ جِدًّا للتَّطبيقِ على الواقِعِ الَّذي نَجِدُ أنفُسَنا فيه في الكنيسة الإنجيليَّة في أمريكا اليوم. وأودُّ أنْ أُضيفَ قائلاً إنَّه عندَ القراءةِ الأولى لهذا النَّصِّ، أيْ إنْ قامَ أيٌّ مِنْكُم بقراءةِ هذا النَّصِّ، رُبَّما ستَشعرونَ بالتَّشويشِ قليلاً عندَ قراءةِ كُلِّ عَدَدٍ فيه لأنَّ الأمرَ يَقتضي نَظرة فاحِصَة، وتَدقيقًا، ودراسةً لِفَهْمِ مَا يَقولُهُ النَّصّ.

وحَتَّى عندما تَفعلونَ ذلك، رُبَّما تَحُكُّونَ رُؤوسَكُم قائلين: "هذا حَسَنٌ ولا بأسَ بِهِ، ولكِنْ ما علاقَةُ ذلك بحياتِنا اليوم، وبالكنيسة في هذا الجزءِ مِنَ العالم في هذا الوقتِ تحديدًا؟" وأودُّ أنْ أقولَ لكم إنَّهُ وَثيقُ الصِّلة (كما سَتَرَوْنَ في هذا الصَّباح وَمِنْ خِلالَ هذه السِّلسِلَةِ كُلِّها) بِطُرُقٍ مُحَدَّدة جدًّا جِدًّا.

وسوفَ أُجَزِّئُ هذا النَّصَّ إلى مَقاطِعَ صغيرة، كما اعْتَدْتُ أنْ أَفعلَ خِلالَ السَّنواتِ الماضية. وأنا لن أُعَجِّلَ في ذلك لأنِّي أريدُ مِنكم أنْ تَفهموه. فهو نَصٌّ أساسِيٌّ. وكُلُّ عِظَة سَتُبْنى على العِظَة الَّتي تَسْبِقُها، ولن يكونَ بمقدوري أنْ أُكَرِّرَ ذلكَ الأساس في كُلِّ أُسبوع.

لِذا، إنْ أردتُم حَقًّا أنْ تَفهموا هذا النَّصَّ، وأردتُم أنْ تَفْهَموا تَطبيقاتِهِ وتأثيرَهُ الرَّائِع، فإنَّ أوَّلَ شيءٍ ينبغي أنْ تَفعلوه هو أنْ تأتوا يومَ الأحد لأنَّكُم ستُلاقونَ صُعوبة بالغة في فَهْمِهِ ومُتابَعَةِ ما يَجري إنْ لم تأتوا بانتظامٍ كُلَّ أُسبوع. لذا، أريدُ مِنكم أنْ تكونوا أُمَناء. وأريدُ مِنكم أنْ تُفَكِّروا في ذلك. وأريدُ منكم أنْ تُتابعوا جَيِّدًا هذه الحقائق – لا بهدفِ الفَهْمِ فقط، بل لأجْلِ ما سَيَعْنيه ذلكَ الفَهْم لَكُم، ولكنيسَتِنا، وَلِعِلَّةِ المَسيح.

وسوفَ أسيرُ بِبُطْءٍ وهدوءٍ قَدْرِ استطاعتي لِتوضيحِ النِّقاطِ الجوهريَّةِ في هذا النَّصّ. فهذا مَقطعٌ كِتابِيٌّ انتظرتُ كُلَّ هذه السِّنين الطَّويلة حَتَّى أَعِظَ عَنْهُ. لذا، لن أكونَ في عَجَلَةٍ مِنْ أمري لإنهائِه. فسوفَ أكونُ مُعَلِّمًا أكثرَ مِنْ واعِظ، وأُستاذًا أكثرَ مِنْ راعٍ. وقد تبدو هذه الدِّراسة دراسة صَفِّيَّة أكثر مِن خِدمة كَنَسِيَّة. وقد تَشعرونَ، بادئَ الأمر، أنَّكُم تَحصلونَ على مَعلوماتٍ تَثقيفيَّة أكثر مِمَّا تحصلونَ على رِسالةٍ مُشَجِّعة. وقد تَشعرونَ أنَّ الموضوعَ لاهُوتِيٌّ أكثرَ مِمَّا هو عَمَلِيّ. ولكِن عليكم بالصَّبْر. فهذا نَصٌّ كِتابِيٌّ مُهِمٌّ جِدًّا جدًّا.

كانَ مَا سَبَق تَمْهيدًا للمُقدِّمة! والآنْ، نأتي إلى المُقدِّمة. فالفَهْمُ الصَّحيحُ للكنيسة المسيحيَّة والخادِم المسيحيّ صَارَ ضَبابِيًّا جِدًّا بسببِ التَّركيزِ على الأسرارِ والطُّقوسِ في الكنيسة الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة، والكنيسة اليونانيَّة الأرثوذكسيَّة، والجَماعاتِ البروتستنتيَّة الطَّقسيَّة. فإنجيلُ العهدِ الجديد النَّقِيّ والصَّحيح والواضِح، والإيمانُ المسيحيُّ الأصيلُ يُواجِهُ تَهديدًا قَوِيًّا مِنَ الكنيسة الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة، والكنيسة اليونانيَّة الأرثوذكسيَّة، والكنيسة الطَّقسيَّة البروتستنتيَّة – أيْ مِنَ التَّمَسُّكِ المُبالَغ فيه بالطُّقوسِ الكنسيَّة.

والحقيقة هي أنَّ هذه المَعركة هي الَّتي قادَتْ إلى الإصْلاح – عندما انْفَصَلَت الحَرَكَةُ الإنجيليَّةُ عنِ الطَّقسيَّة، والشَّعائريَّة، والكَهَنوتيَّة (أوْ ما يُسَمَّى بالأسرارِ المُقَدَّسَةِ)، وبالمسيحيَّةِ الآلِيَّة الَّتي تَصيرُ فيها الكنيسةُ مَسيحًا بَديلاً تَرْتَبِطُ بِهِ مِنْ خلالِ المَظاهِرِ الخارجيَّةِ، والطُّقوسِ، والأسرارِ، والوظيفةِ الكَهنوتيَّة. فالكنيسةُ تَصيرُ مَسيحًا بَديلاً يَحِلُّ مَحَلَّ المَسيحِ الحَقيقيِّ، والنَّاسُ يَرتبطونَ بالكنيسةِ مِنْ خلالِ وسائِلَ آليَّة وليسَ مِنْ خلالِ الارتباطِ باللهِ الحَيِّ مِن خلالِ المسيح. وكثيرونَ مِنكُم يَفهمونَ هذا الأمر.

ولا أُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلتُ إنَّ نحوَ خمسينَ بالمئة مِن النَّاسِ الَّذينَ يأتونَ إلى كنيسةِ "غريس" (Grace Community Church) خَلَصُوا مِنَ الكنيسةِ الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة أو مِنْ خَلفيَّة طَقسيَّة أخرى. فأغلَبُهم جاءوا مِن خلفيَّة رُومانيَّة كاثوليكيَّة. والخِدمةُ الكَنَسِيَّةُ هي خِدمة طقسيَّة. وهي خدمة قائمة على الشَّعائِر. وهي خِدمة آلِيَّة. وهي خِدمة خارجيَّة. والخُدَّامُ يَنظرونَ إلى أنفُسِهِم بوصفهم عامِلين، وكَهَنَة، ورجالَ دِيْن يقومونَ بأعمالٍ ماديَّة ويقومونَ بحركاتٍ جسديَّة ويُمارسونَ طُقوسًا ماديَّةً مُعَيَّنة.

وهذا بَعيدٌ كُلَّ البُعْدِ عَنْ حقيقةِ المسيحيَّةِ الحقيقيَّة حيثُ توجدُ فيها خِدمة حقيقيَّة روحيَّة نابعة مِنَ القلب، وحيثُ يَخْدِمُ فيها الخُدَّامُ لا بوصفهم كَهَنَةً ورجالَ دِيْن وَحَسْب، بل بوصفهم أنبياءَ، ونُظَّارًا، وخُدَّامًا، ورُعاةً، ومُعَلِّمين. والفَرْقُ بينَ الاثنين كبير جِدًّا كالفرقِ بينَ العهدِ القديم والعهدِ الجديد في الكتابِ المقدَّس.

وقد كانَ يُنْظَرُ دائمًا إلى الدِّيانة الطَّقسيَّة في المسيحيَّة التاريخيَّة القَويمة بأنَّها بِدعة خَطيرة. وهي بِدعة اجْتاحت الكنيسةَ بِلا هَوادَة منذُ العُصورِ المُظلِمَة إذْ حَلَّت الطُّقوسُ الخارجيَّةُ مَحَلَّ العبادة الداخليَّة، وحَلَّ المَسيحُ البَديلُ مَحَلَّ المَسيحِ الحَقيقيّ، وحَلَّت الطُّقوس غير الشَّخصيَّة مَحَلَّ الخلاصِ الشَّخصيّ، وصارتِ الشَّعائِرُ والأسرارُ الكَنسيَّةُ وَسائلَ نِعْمَة عِوَضًا عن أن تكونَ رُموزًا للنِّعمة. وهذا كُلُّهُ أَدَّى إلى ظُهورِ الإصْلاحِ البروتستنتيّ.

فالخُدَّامُ لا يُنْظَرُ إليهم في الإيمانِ المسيحيِّ الحقيقيِّ بوصفِهم رِجالاً يَتَبَوَّأونَ رُتْبَةً كَنَسِيَّةً عاليةً وَيُؤدُّونَ خِدمةً طَقسيَّةً، بل إنَّ الخُدَّامَ في الإيمانِ المسيحيِّ القَويم يُنْظَرُ إليهم بوصفِهم رِجالاً يُعايِنونَ وَجْهَ اللهِ ويَسمعونَ صَوتَهُ، ويَخرُجونَ مِنْ حَضْرَتِهِ لكي يُكَلِّموا شَعبَهُ. وأنا أقولُ لكم، يا أحبَّائي، إنَّهُ يجب على الكنيسة أنْ تَتَصَدَّى للفسادِ الطَّقسيِّ المُتَفَشِّي في وقتِنا الحاضرِ كما فَعَلَتِ المسيحيَّةُ الحقيقيَّةُ دائمًا. وهذا هو تمامًا ما سَتَرَوْنَ أنَّ بولسَ يَفْعَلُهُ في هذا الأصحاح.

فهو لا يَتَصَدَّى لِطَقسيَّة شَبيهَة بما نَراهُ اليوم في الكنيسة الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة أوِ الكنيسة اليونانيَّة الأرثوذكسيَّة، أو في الكنيسة البروتستنتيَّة الأسقفيَّة العُليا. فهو لا يَتَصَدَّى لذلكَ النَّوع مِنَ الطَّقسيَّة، بل يَتَصَدَّى بالحَرِيِّ للطَّقسيَّة الأصليَّة الَّتي اجْتاحَت الكنيسة، وهي: التَّهْويد. ولكِنَّها، في الحقيقة، طَقسيَّة مِنْ ذاتِ النَّوع. والنَّصُّ الَّذي أمامَنا رائعٌ وَغَنِيٌّ لأنَّهُ يُساعِدُنا في التَّفكيرِ بوضوح في هذه المسألة المُختصَّةِ بِفَصْلِ الإيمانِ المسيحيِّ الحقيقيِّ عنِ الطَّقسيَّة، وعنِ الوَهْم، وعنِ الخِداعِ والضَّلالِ والهَرطقةِ القائلةِ إنَّهُ يُمكِنُكَ أنْ تُقيمَ علاقةَ سليمةَ معَ اللهِ مِنْ خلالِ وسائلَ خارجيَّة.

وبولس، في الوقتِ الَّذي كَتَبَ فيهِ هذه الرِّسالة، كانَ يُواجِهُ طَاعونًا مُهْلِكًا اسْمُهُ "الطَّقسيَّة". وكانَ هذا الطَّاعونُ يَزْحَفُ على الإيمانِ المسيحيِّ مِنْ خلالِ المُهَوِّدينَ الَّذينَ يُنادونَ بأنَّ الطُّقوسَ المُوسويَّةَ هي عناصر ضروريَّة في الخلاص، بما في ذلك الخِتان الجَسَدِيّ. وقد كانوا يُدْعَوْنَ "أَهْلْ الخِتان". وكانوا يَتمسَّكونَ بالطُّقوس، وبالسَّبْت، وبالأعياد، وبالاحتفالاتِ، وبالشَّعائِر. وكانوا يُنادونَ بأنَّ هذه الشَّعائر هي وسيلة للحُصولِ على النِّعمة، ووسيلة للحصولِ على البَرَكة.

والحقيقة هي أنَّ هذا هو تمامًا ما نُواجِهُهُ اليوم. وهو أمرٌ يُهَدِّد جِدًّا طَهارةَ الكنيسة. ورُبَّما سَمِعْتُم (أوْ رُبَّما لم تَسمعوا) المَثَلَ التوضيحيَّ الَّذي أَشَرْتُ إليهِ في الأسبوعِ الماضي. فقد تَسَلَّمْتُ في مَكتبي وثيقةً تتألَّف مِن خمس وعشرينَ صفحة صَاغَتْها لَجنةٌ مؤلَّفَةٌ مِنْ عُلماء مِنَ الكنيسة الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة وقادة إنجيليِّين مَعروفين، وهي بعُنوان: "بيان التَّحالُف الكاثوليكيّ-الإنجيليّ".

وقد اجتمعَ هؤلاء لكي يَصيغوا مَعًا بَيانًا يُعَبِّر عنِ التَّعاوُن والوِفاق والتَّحالُف بين الإنجيليَّة الأصيلة والرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة. والوثيقة مُزْعِجَة جِدًّا، إلى أقصى الحُدود. فهي تقولُ أمورًا كهذهِ: "يجب علينا أنْ نُقِرَّ، بوصفِنا إنجيليِّين، أنَّ الرُّوم الكاثوليك هُمْ إخوتُنا وأخواتُنا في المسيح". وقد كنتُ أَتَمَنَّى لو أنَّ ذلكَ الكلامَ صَحيحٌ. صحيحٌ أنَّ هناكَ مؤمنين في الكنيسة الرُّومانيَّة الكاثوليكيَّة، ولكِنَّهُم الاستثناء.

وتَمضي الوثيقةُ إلى ما هو أبعَد مِن ذلك إذْ تقول: "يجب علينا أنْ نَعترِف بخطيئَتِنا المُتَمَثِّلَة في مُحاولةِ تَبشيرِهم، ويجب علينا أنْ نُقِرَّ بأنَّ هذه خطيَّة". وحَتَّى إنَّ الوثيقةَ تقول: "وبالرَّغمِ مِنْ وجودِ بِضعةِ اختلافاتٍ بيننا، لا يجوزُ لنا أنْ نَسمحَ لهذه الاختلافات أنْ تَفْصِلَنا لأنَّنا واحدٌ في المسيح".

أيَّةَ خِلافات؟ خِلافاتٌ كهذه: الكاثوليك يَرَوْنَ أنَّ المعموديَّة هي وسيلة للنِّعمة؛ في حين أنَّنا نَرى أنَّ المعموديَّة هي رَمْزٌ للنِّعمة. وهناكَ فَرْقٌ هائل بين النَّظرَتَيْن. وتقولُ الوثيقةُ إنَّهُ لا يَجوزُ لنا أنْ نَسمحَ لذلكَ الخِلاف أنْ يَفْصِلَ وِحْدَتَنا في المسيح. ولكِنْ إنْ كنتَ تَرى أنَّ المَعموديَّة هي وسيلة للنِّعمة، فإنَّكَ لستَ في المسيح لأنَّ هذا يعني أنَّكَ تُؤمِنُ بأنَّ الخَلاصَ بالأعمال.

وتَستمرُّ الوثيقةُ بالطريقة نفسِها خمسًا وعِشرينَ صفحة مُؤكِّدَةً حقيقةَ أنَّنا واحدٌ في المسيح: الرُّومُ الكاثوليك، والمسيحيُّون الَّذينَ يُمَثِّلونَ الكنيسة الآليَّة، والمسيحُ البديل، والكنيسة الطَّقسيَّة والشَّعائريَّة ... أنَّ الجميعَ واحدٌ معَ الكنيسة الحقيقيَّة. وهذا أمرٌ مُخيفٌ ... مُخيفٌ حَقًّا. فَهُوَ هَدْمٌ للإصلاح. وهو تمامًا ما يَتحدَّثُ عنهُ بولسُ هُنا.

والحقيقة هي أنَّكم ستجدونَ بعضَ الرُّوم الكاثوليك المعروفين "يَتوسَّلونَ" لأجلِ هذه الوَحدة لأنَّهم يريدون أن يَحْتَووا الآخرينَ في نِظامِهِم. وَهُم يَتوسَّلونَ لأجلِ هذه الوَحدة على أساسِ أنَّ الكاثوليكيَّة هي المسيحيَّة الوحيدة الصَّحيحة لأنَّها تَضُمُّ [بِمَعناها الرُّوحِيِّ] المِيثاقَ الجديد، وَ [بِمَعناها الرَّسميِّ] المِيثاقَ القديم، وأنَّها تُمَثِّلُ تَمثيلاً حقيقيًّا العهدَ القديم والعهدَ الجديد. وعندما يقولونَ ذلك فإنَّهم يُظْهِرونَ عَدَمَ فَهْمِهِم لحقيقة أنَّ المِيثاقَ القديم قد مَضَى، وأنَّهُ لا يوجد مكانٌ للطُّقوس، وأنَّهُ لا يوجد مَكانٌ للشَّعائِر الَّتي توقَّفَت. وهذهِ هي تَحديدًا الخَلفيَّةُ الَّتي يَكْتُبُ مِنها بولسُ هذا النَّصّ.

والآن، اسمَحوا لي أنْ أُعطيكُم خَلفيَّة قصيرة لكي نَتَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِ هذا النَّصّ. فرسالةُ كورِنثوس الثانية هي أكثر رسالة شخصيَّة كَتَبَها بولُس. ويمكننا القول إنَّهُ يَمْتازُ في هذه الرسالة بأكبرِ قَدْرٍ مِنَ الشَّفافِيَة. وفي الأصحاحِ السَّادس، فإنَّهُ يقولُ ذلكَ بصورة رئيسيَّة إذْ نَقرأُ في العدد 11: "فَمُنَا مَفْتُوحٌ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الْكُورِنْثِيُّونَ. قَلْبُنَا مُتَّسِعٌ". فهو صادِقٌ تمامًا. "أنا لم أَكُنْ مُنافقًا يومًا. ولم أُخْفِ شيئًا عنكم. فقد قلتُ لكم كُلَّ شيء. وقد فَتَحتُ قلبي وكنتُ شَفَّافًا تَمامًا. فأنتُم تَرَوْنَ أعماقَ نَفسي".

فهذه أكثر رِسالَة يُعَبِّرُ فيها عن مَشاعِرِه. ويمكنكم أنْ تَشعروا بأعماقِ قلبِه في هذه الرِّسالة أكثر مِن أيِّ رسالة أخرى كَتَبَها مِنْ أَصْلِ جَميعِ الرَّسائلِ الثلاثَ عَشرةَ في العهدِ الجديد. والأمرُ لا يَقتصرُ على أنَّ بولسَ يُظْهِرُ صَراحَةً وَشَفَافِيَةً قُصوى هُنا، ولا أنَّهُ يَقولُ كُلَّ ما في قلبه دُوْنَ تَحَفُّظٍ، بل إنَّ هذه الرِّسالة كُتِبَت إلى الكنيسةِ الَّتي نَجَحَتْ في أَسْرِ مَشاعِرِهِ أكثرَ مِنْ أيِّ كنيسة أخرى. ولا أدري لماذا! ولكِنَّهُ كانَ يُحِبُّ هذه الرَّعيَّة مَحَبَّةً فريدة – بل فريدة جدًّا. فَهُوَ يَدعوهم في رسالة كورِنثوس الأولى 4: 14: "أولادَهُ الأحبَّاء" الَّذينَ وَلَدَهُم.

وَهُوَ يقول في رسالة كورِنثوس الثانية والأصحاح 12 إنَّهُم أولادُه (في العدد 14). ثُمَّ في العدد 15: "وَأَمَّا أَنَا فَبِكُلِّ سُرُورٍ أُنْفِقُ" [أيْ: أُعطي كُلَّ شيءٍ لَدَيَّ] "وَأُنْفَقُ [أيْ: أَبْذُل حَياتي] لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَإِنْ كُنْتُ كُلَّمَا أُحِبُّكُمْ أَكْثَرَ أُحَبُّ أَقَلَّ!" فَهُوَ يقولُ لهم: "أنا أُحِبُّكُم أكثر! فَهَلْ مِنَ الإنصافِ أنْ تُحِبُّوني أَقَلّ؟"

ولأنَّ هذه الرَّعيَّة أَسَرَتْ قَلْبَ بولُس أكثر مِنْ أيِّ رَعيَّة أخرى، كانتْ قُدرتُهم على إيذاءِ مَشاعِرِهِ أكبرَ مِنْ غَيرِهِم. وقد فَعَلوا ذلك. فقد فَتَحَ بابَ قلبِهِ على مِصْراعَيْه لهم. وقد صَارَ مَكشوفًا تمامًا لهم، وشَفَّافًا تمامًا لهم. وقد أَحبَّهم مَحَبَّةً أكثرَ مِنَ الآخرين. ولكنَّهُم طَعَنوهُ في الصَّميم.

وبسببِ مَحبَّتِه القويَّة لهم حَزِنَ حَقًّا، وكانَ مَكسورَ القلبِ على خَطاياهم وعلى تَمَرُّدِهِم. فقد كانت هناك مشاكلُ عديدة تَجْعَلهُ مُكْتَئِبًا. وكانت هناك تهديداتٌ ومؤامراتٌ تَسْتَهِدفُ حَياتَهُ كُلَّ يوم. والأرجَحُ أنَّهُ كانَ يُعاني مَرَضًا شِبْهَ فَتَّاك. لِذا فإنَّ الحَديثَ عَنِ اقترابِ مَوْتِهِ يَتكَرَّرُ بطريقةٍ أو بأخرى في كُلِّ هذه الرِّسالة.

فهو يقول في الأصحاح 4 والعدد 8: "مُكْتَئِبِينَ ... مُتَحَيِّرِينَ". وفي العدد 9: "مُضْطَهَدِينَ، مَطْرُوحِينَ". وفي العدد 10: "حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ". وفي العدد 11: "لأنَّنا...نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ". وفي العدد 12: "إِذًا الْمَوْتُ يَعْمَلُ فِينَا". وفي الأصحاح السَّادس والعدد 4: "في شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ". وفي الأصحاح السابع والعدد 5: "مِنْ خَارِجٍ خُصُومَاتٌ، مِنْ دَاخِل مَخَاوِفُ". وفي الأصحاح الحادي عشر والعدد 23: "في السُّجونِ أكثر، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً. مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلاً وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ". وكُلُّ الأخطارِ الَّتي شَهِدَها في حَياتِه: "فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ".

"عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: "التَّرَاكُمُ" ("ميريمنا" – “merimna) في العدد 28: "التَّراكُمُ" أوِ الضَّغْطُ النَّاجِمُ عنِ التَّعامُلِ مَعَ المَسيحيِّينَ غير الأُمَناء. فقد كَسَرَتْ هذه الكنيسةُ قَلْبَهُ مِئَةَ مَرَّة في اليوم. فقد كانوا قد وُهِبوا مواهبَ روحيَّة كثيرة جدًّا إذْ نَقرأُ عن ذلك في رسالة كورِنثوس الأولى 1: 5، أو بالأحرى في الأعداد 5-7. فقد حَصَلوا على كُلِّ عِلْمٍ، وكُلِّ حِكمة، ولم يكونوا ناقِصينَ في أيِّ مَوهبة.

فقد كانوا موهوبينَ جِدًّا، ويمتلكونَ موقعًا استراتيجيًّا جدًّا، ولديهم نِعمة خاصَّة وهي أنَّ بولسَ نَفسَهُ رَعَى كنيسَتَهُم نَحْوَ سَنَتَيْن. فقد كانوا يَملِكونَ الكثير، ولكنَّهم كانوا يَعيشونَ في فَوْضى. وقد كانت بينهم نِزاعات، وفوضى، وانقسامات، وخلافات، وغَيْرَة، وكِبرياء، وخطايا جنسيَّة، وسِفاح قُرْبَى، ودَعاوى بينَ المؤمنين، وزِنَى، وإساءة مُعاملة في الزَّواج، ونَقصُ محبَّة للمؤمنينَ الأضعَف. وقد كانوا قد وقعوا في فَخِّ عِبادةِ الأوثان. وقدِ أساؤوا استخدامَ مائدةِ الرَّبِّ. وقد كانوا يأتونَ إلى وَليمةِ المحبَّة وَهُمْ سَكارَى. وكانوا يُسيئونَ استخدامَ مواهِبِهم الرُّوحيَّة. وحَتَّى أنَّهُم جَدَّفوا على المسيح، وكانت هناكَ فَوضى في خِدمات العِبادة، وكانت هناك مفاهيم خاطئة بينهم عن القيامة. وقد رفضوا أنْ يُساعِدوا القِدِّيسينَ المُعْوَزين. وقد تَحَدَّثَ بولسُ عن كُلِّ هذه القضايا في رسالة كورِنثوس الأولى.

والآن، هناك مُشكلة أخرى وهي مُشكلة البِدعة المُدَمِّرة لِمَنْ يُنادونَ بِضرورة مُمارسةِ الطُّقوس (أيْ: أَهْلِ الخِتان"، أو المُهَوِّدين) الَّذينَ جاءوا إلى الكنيسة وقالوا: "يجب عليكم أنْ تَحفظوا النِّظامَ القديم. فيجب عليكم أنْ تَحْفَظُوا السَّبْتَ والشَّريعةَ والشَّعائرَ والغَسلاتِ والتَّطهير وَكُلَّ الطُّقوس". وقد كُسِرَ قَلْبُهُ مَرَّةً أُخرى بسببِ ذلك. فهذا الخَلْطُ المُدَمِّرُ بينَ الطُّقوسِ الخارجيَّةِ والعبادةِ القلبيَّةِ الحقيقيَّة للهِ أَحْزَنَهُ.

فلم يكن يَكفيه أنَّهُ مُصابٌ بِمَرَضٍ فَتَّاك. ولم يَكُن يَكفيهِ أنَّهُ حَزينٌ ومُغْتَمٌّ بسببِ الخطايا الَّتي تَحَدَّثَ عنها في رسالَتِهِ الأولى. ولم يَكُن يَكفيهِ أنَّهُ كانَ وَحيدًا ويَشعُرُ بالوَحدة، وأنَّهُ كانَ يَنتظرُ تِيْطُس أنْ يأتي ويَنْضَمَّ إليه. ولم يَكُن يَكفيهِ أنَّهُ واجَهَ شَغَبًا بسببِ خِدمَتِهِ في أفسُس وأنَّهُ اضْطُرَّ إلى الهَرَبِ مِنْ هُناكَ للنَّجاةِ بحياتِه. ولم يكن يَكفيه أنَّهُ جاءَ إلى تَرُواس وشَعَرَ بالحُزْنِ والغَمِّ، وأنَّهُ ضُرِبَ حَتَّى إنَّهُ بالرَّغْمِ مِنْ وُجودِ بابٍ مَفتوحٍ للخِدمة فإنَّهُ أَدارَ ظَهْرَهُ للمَكانِ وغادَرَهُ في يأسٍ شَديد. فقد كَابَدَ ألمًا كافِيًا في حَياتِهِ وخِدمَتِهِ ولم يَكُن بحاجة إلى هذا الألمِ الَّذي كانَ أسوأَ الكُلِّ، وَهُوَ أنْ تَقَعَ كَنيسَتُهُ الحَبيبَة في فَخِّ المَظاهرِ الخارجيَّة، والطَّقسيَّة، والشَّعائِر.

وقد كَتَبَ "إيه. تي. روبرتسون" (A.T. Robertson): "معَ إنَّ بولس كانَ قادرًا على رؤيةِ الجانبِ المُشرِقِ مِنْ حياةِ الخادِم، فإنَّهُ كانَ يَعرِفُ أيضًا الجانبَ المُظْلِم. فقد كانت هناكَ سُحُبٌ كثيفةٌ في حياتِه يُمْكِنُ أنْ تَحْجُبَ النُّور. وعندما أرادَ بولسُ أنْ يَفتَخِرَ بعَمَلِهِ بالمُقارنةِ بِعَمَلِ المُهَوِّدينَ في كورِنثوس، فإنَّهُ يَذكُرُ ضِيقاتِه إذْ يَذْكُرُ المَرَّاتِ الَّتي سُجِنَ فيها، والجَلْداتِ الَّتي تَلَقَّاها، وانْكِسارَ السَّفينَةِ فيه، والأخطارَ المُتَنَوِّعَةَ الَّتي واجَهَها، والأسهارَ غالبًا، وجوعَهُ وَعَطَشَهُ. وهو يقول: ’إِنْ كَانَ يَجِبُ الافْتِخَارُ، فَسَأَفْتَخِرُ بِأُمُورِ ضَعْفِي‘".

أمَّا الآن، فإنَّ بولسَ لا يَستطيعُ أنْ يَفتخرَ حَتَّى بِضَعْفِهِ. فهو لا يَستطيعُ أنْ يَفعلَ أيَّ شيء. ويقول "إيه. تي. روبرتسون" إنَّهُ رَجُلٌ مَكْسورٌ. فَهُوَ مَكسورٌ في الرُّوحِ وفي الجسد. ونحنُ نَراهُ على هذه الحال حينَ يَكْتُب.

والآن، يجب عليكم أن تتذكَّروا شيئًا: أنَّ الرَّاعي وَالواعِظ يستطيع أنْ يَفهمَ هذا الأمر لأنَّنا نَختبرُ ذلكَ جميعًا. فهناكَ أمران يُحْزِنان قَلبَ الرَّاعي ويَكسِرانَهُ. الأوَّلُ هو خطايا رَعِيَّتِه، والثَّاني هو أخطاؤُهم العَقائديَّة. وهذا هو تحديدًا ما يَتحدَّثُ عنهُ بولُس في رسالَتَيْهِ إلى أهلِ كورِنثوس. فَهُوَ يُعالِجُ في الرِّسالةِ الأولى موضوعَ الخطيَّة، ويُعالِجُ في الرِّسالةِ الثَّانية موضوعَ العقيدة.

وخَشْيَةَ أنْ أَضَعَ نَفسي في فِئَةٍ لا أَنتمي إليها، أعتقدُ أنِّي أَفْهَمُ ما يَشْعُرُ بِهِ بولسُ هُنا لأنِّي صِرْتُ مُثَقَّلاً مِثْلَهُ، ومَضغوطًا مِثْلَهُ في نَفسي، وقَلِقًا مِثْلَهُ، وَصَارِمًا جِدًّا في مُعالَجَةِ نَفْسِ هَاتَيْنِ المُشكِلَتَيْن. فما الَّذي يَهْدِمُ الكنيسة؟ الخطيَّة والأخطاء العَقائديَّة.

والنَّاسُ يَسألونَني: "لماذا تَكْتُبُ الكُتُبَ الَّتي تَكْتُبُها؟" لأنِّي مُلْزَمٌ (على غِرارِ الرَّسولِ بولُس أوْ على غِرارِ أيِّ رَجُلٍ أمينٍ لِدَعْوَتِهِ) بأنْ أَحْمي الكنيسةَ مِنَ السُّقوطِ في الخطيَّة ومِنَ السُّقوطِ في الأخطاء. فالدِّفاعُ عَنِ المسيحيَّة الحقيقيَّة ليسَ عَمَلاً ثانويًّا، يا أحبَّائي. فهو ما نَفعَلُه. فهو ليس عَمَلاً جانبيًّا. بل هو ما نَحْيا لأجلِه.

والآن، أنا أَفهمُ ذلك، وأَفهمُ الصِّفَة المُنتَصِرَة للخدمة الَّتي يَصِفُها في الأصحاحِ الثَّاني والأعداد 14-17. وأنا أَفهمُ أنَّ هناكَ فَرَحًا ونُصرةً في الخدمة. وأنا أَفهمُ أنَّ اللهَ يَستخدِمُنا ويَقودُنا في مَوْكِبِ النُّصرةِ مِنْ جِهَةِ الخِدمة. ولكِنْ في الوقتِ نفسِه، مَعَ أنَّنا مُنتصِرونَ في المسيح في هذه الدَّعوة الرَّائعة الَّتي دُعينا إليها بأنْ نكونَ كارِزينَ بالإنجيل، فإنَّنا نُجاهِدُ دائمًا وأبدًا على هَاتَيْنِ الجَبْهَتَيْن: أنْ نَبقي الكنيسةَ طاهِرَةً في نَمَطِ حَياتِها، ونَقِيَّة في لاهوتِها.

وبولُس لم يَشَأ أنْ يكونَ هناكَ أيُّ شخصٍ يُفْسِدُ حَياةَ رَعِيَّتِه. وهو لم يَشَأ أنْ يكونَ هناكَ أيُّ شخصٍ يُفْسِدُ أذْهانَ رَعِيَّتِه. ومِنْ بينِ الأشياءِ الَّتي يَقولُها عنِ الخادِمِ الكُفْءِ إذْ إنَّ الحديثَ عنِ الخادِمِ الكُفْءِ يَبتدئُ في هذا المَقطَعِ (في العددِ السَّادِس): "...الَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ". قولوا لهؤلاءِ المُهَوِّدينَ إنَّ العَهْدَ القديمَ قد مَضَى. فهو شَيءٌ انْقَضى بِكُلِّ ذبائِحِهِ وطُقوسِهِ. فقد مَضَى".

ففي اليهوديَّةِ، كانتِ الذَّبيحةُ تُقَدَّمُ تِلْوَ الذَّبيحة، تِلْوَ الذَّبيحة، تِلْوَ الذَّبيحة. أليسَ كذلك؟ وكذلكَ هي حالُ الرُّومِ الكاثوليك. فَهُمْ يُقيمونَ القُدَّاسَ تِلْوَ القُدَّاسِ، تِلْوَ القُدَّاسِ، تِلْوَ القُدَّاسِ، تِلْوَ القُدَّاسِ، تِلْوَ القُدَّاس. وهل تَعلمونَ ما هو القُدَّاس؟ إنَّهُ تَقديمُ ذَبيحة المَسيح المَرَّة تلو الأخرى. وَهُوَ أمرٌ يُوازي تَهويِدَ كَنيسةِ العهدِ الجديد.

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ الآن أنَّهُ في دِفاعِهِ عن صِحَّةِ خِدمَتِه ضِدَّ المُهَوِّدينَ أنَّهُ يقول: الخادِمُ الحَقيقيُّ يُعْرَفُ لأنَّهُ يَكْرِزُ بالعهدِ الجديد". فالمَرءُ لا يكونُ خادِمًا حَقيقيًّا إنْ كانَ يَرى نَفْسَهُ خادِمًا طَقسيًّا أو شَعائِرِيًّا. بل إنَّ الخادمَ الحقيقيَ يَكْرِزُ بالعهدِ الجديد. وقد كانَ هذا هوَ الَّذي جَعَلَهُ يَنْطَلِقُ في الحديثِ في بقيَّةِ الأصحاح. وبقيَّةُ الأصحاحِ يَتحدَّثُ عن مَجْدِ العهدِ الجديد ... عن مَجْدِ العهدِ الجَديد، واضْمِحلال العهدِ القديم.

أمَّا فيما يَختصُّ، يا أحبَّائي، بكنيسةِ الرُّوم الكاثوليك، والكنيسة اليونانيَّة الأرثوذكسيَّة، والكنيسة البروتستنتيَّة العُليا، فإنَّها، بصورة رئيسيَّة دِيانة قائمة على نَمَطِ العهدِ القديم إذْ إنَّها خارجيَّة. وكثيرونَ مِنكُم يَعلمونَ ذلك لأنَّكم خَرَجتُم مِنها، وكُنتُم فيها رُبَّما لسنواتٍ طويلة، ولم تكونوا تَعرفونَ اللهَ، ولا تَعرِفونَ المسيحَ، ولا تَعرفونَ يَقينَ خَلاصِكُم لأنَكم لم تكونوا مُخَلَّصين. أمَّا أنْ تَنْعَقِدَ لَجْنَةٌ معًا وتُقَرِّر أنَّ جميعَ الرُّومِ الكاثوليك، والكنيسة اليونانيَّة الأرثوذكسيَّة والكنيسة الطَّقسيَّة هُم إخوة وأخوات مُتساوون في يسوعَ المسيح، فإنَّ هذه واحدة مِن أقوى الضَّرْباتِ الَّتي سَمِعْتُ طَوالَ حياتي أنَّها وُجِّهَتْ إلى الكنيسةِ الإنجيليَّة.

وماذا عَسانا أنْ نَقول؟ تَوَقَّفوا عنْ تَبشيرِ الأشخاصِ في هذه الأنظمة؟ فيا لها مِن فِكرة مُريعَة! وهل يجب علينا أنْ نَعترف بأنَّنا نَقترِف خطيئةً إنْ شَهِدْنا أمامَ شخصٍ عَالِقٍ في هذه الدِّياناتِ الطَّقسيَّةِ الخارجيَّة وأنْ نُديرَ ظُهورَنا لاحتياجِهِم الرُّوحِيّ؟ فالطَّقسيَّة هي بِدعة مُهْلِكَة. ويجب أنْ يُنْظَر إليها على هذا الأساس.

والآن، يَقولُ بولُس إنَّهُ يجب علينا أنْ نكونَ خُدَّامًا لِعَهدٍ جديد. وأنا أَعلَمُ أنَّكَ تَتَساءَل: "وما هو العهدُ الجديد؟ فأنا أريدُ أنْ أَتَحَقَّقَ مِنْ فَهمي لذلك". وأنا أريدُ أن أفعلَ ذلك. لذا، سأخبركُم في هذا الصَّباحِ عنِ العهدِ الجديد. وسوفَ نَتأمَّلُ في هذا المَقطعِ في المَرَّة القادمة. ولكنِّي أريدُ أن أخبركم عن العهد الجديد. وأرجو أن تُصغوا بانتباهٍ شديدٍ جِدًّا جِدًّا لأنَّهُ أمرٌ جَوهري.

فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 26: 28 (ولا حاجةَ إلى أنْ تَفتحوا عليه، بل يكفي أنْ تَستمعوا). فقد قالَ يسوع حينَ كانَ مَعَ تلاميذِهِ في العِلِّيَّة في العَشاءِ الأخير، وَهُوَ يُمْسِكُ الكأسَ في يَدِه: "هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْد". "فَهُوَ عَهْدٌ جَديدٌ بِدَمي" [وإليكُم ما قال:] الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ..." [لأجْلِ مَاذا؟] "... لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا".

وهذا هو ما يُمَيِّزُ العهدَ الجديد. فهو عهدٌ يُوَفِّرُ، مِن خلالِ موتِ المَسيح، غُفرانَ الخَطايا. والآن، لديَّ الكَثير لأقولَهُ عن هذا الموضوع. وبعدَ أنْ أقول ما أَوَدُّ أن أقولَهُ في هذا الصَّباح، ستَبقى لديكم أسئلة. ولكِنْ في الأسابيعِ القادمة، ستَجِدونَ الإجابة على أسئلتكم.

ومِنَ المؤكَّد أنَّ الكورِنثيِّينَ كانوا يَعلمونَ هذا. فقد كانوا يَعرفونَ العهدَ الجديد. فقد كانوا يَجتمعونَ حولَ مائدةِ الرَّبِّ. وقد كانَ بولُسُ يَرعى كَنيسَتَهُم. وقد عَلَّمَهُم كُلَّ ذلك. وقد كانوا مُخَلَّصينَ بالإيمان بالعهدِ الجديد. وقد كانوا يَحتفلونَ بالعهدِ الجديدِ في كُلِّ مرَّة يَشتركونَ فيها في عَشاءِ الرَّبِّ. فقد كانوا يَعرفونَ العهدَ الجديد. وقد كانوا يَفهمونَ أنَّهُ كانَ عهدًا بِدَمِ المسيح تُغْفَرُ مِنْ خِلالِهِ الخطيَّة بصورة دائمة وإلى الأبد. لِذا، فإنَّ تلكَ الذَّبيحة لم تَكُن بحاجة إلى ماذا؟ إلى التَّكرار.

وقد تقول: "إن كانوا يَعلمونَ ذلك، وإن كانوا يَعلمونَ أنَّ العهدَ الجديد قد غَفَرَ الخطيَّة وأنَّ ذبيحةَ المسيح كانت ذبيحة كاملة، لماذا أَداروا ظَهْرَهُم لَهُ؟ وكيفَ وَقَعوا في هذا الفَخِّ؟ وكيفَ صَدَّقوا الكِذبةَ والخِداعَ بأنَّ الطُّقوسَ والشَّعائرَ والمَظاهرَ الخارجيَّةَ هي وسيلة للنِّعمة؟"

هل تريدونَ أنْ تَعلموا شيئًا؟ لقد كانَ العهدُ القديمُ، بِكُلِّ روعَتِهِ وَمَجْدِهِ، يُشيرُ وَحَسْب إلى المُخَلِّص. فقد كانَ رُموزًا وَحَسْب. فَكُلُّ تلكَ الذَّبائح، وكُلَّ تلكَ الغَسلات، وكُلُّ تلك الطُّقوس، والخِتان، لقد كانَ ذلكَ كُلُّهُ رَمزيًّا وليسَ حقيقيًّا. وقد كانَ كُلُّهُ يَرْمِزُ إلى الحقيقة. ولا يمكنكم أنْ تَجْعَلوا الظِّلَّ والصُّورة مُساوِيَيْن للحقيقة؛ وإلَّا فإنَّكُم تُشَوِّهونَ الحقيقة. فإنْ جَعَلتُم الرَّمْزَ وَسيلةَ الخلاصَ، تكونونَ قد شَوَّهْتُم الخلاصَ تَشويهًا مُريعًا. وقد كانَ بولسُ يَعلم ذلك. لذا فإنَّهُ يَهتمُّ جِدًّا بالتَّحَدُّثِ عنه.

ورُبَّما تقول: "مِنَ المؤكَّد أنَّ الكورِنثِيِّينَ كانوا يَعلمونَ ذلك". أجل، أليسَ أمرًا مُدهشًا أنَّهم كانوا يَعلمونَ ذلك لأنَّهُ عَلَّمَهُم ذلك؛ وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فقد وَقَعوا في هذه البِدعة المُهْلِكَة؟ ألا تَظُنُّونَ أنَّ هذا الأمرَ عَجيبٌ؟ إنَّهُ عَجيبٌ بعدَ أنْ رَعاهُم بولسُ نَفسُهُ! فقد تَظُنُّونَ أنَّ الحالَ ستكونُ أفضل مِن ذلك.

اسمَعوني: إنْ كانت الكنيسةُ الَّتي رَعاها بولُس قد سَقَطَت في هذا الفَخِّ، لا توجد لديَّ أوهامٌ بخصوصِ هذه الكنيسة لأنَّني أنا الرَّاعي وَحَسْب. لِذا، يجب عليَّ أنْ أَسْهَرَ عليكُم. وهذا هو ما يَدعونا إلى فَهْمِ العهدِ الجديد.

والآن، سوفَ أَصْحَبُكُم إلى نَصٍّ كِتابِيٍّ هو عِبرانِيِّين 8. عِبرانِيِّين 8. الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح الثَّامِن. فأنا أريدُ منكم أنْ تَفهموا العهدَ الجديد. حَسَنًا؟ وأفضلُ مَقْطَعٍ كِتابِيٍّ يُساعِدُكُم على فَهْمِهِ هو هذا: عِبرانِيِّين 8. ومعَ أنَّنا لن نتمكَّنَ مِنَ التَّعَمُّقِ في كُلِّ ما جاءَ هنا، فإنَّكُم ستَحصلونَ على ما يَكفي لِفَهْمِ ذلك. فالعددُ السَّادسُ يَتحدَّثُ عنِ المسيحِ الَّذي هو رَئيسُ كَهَنَةٍ أفضل مِن هارون وأفضل مِنَ الكَهَنَة اللَّاوِيِّين إذْ نَقرأ: "وَلكِنَّهُ الآنَ قَدْ حَصَلَ عَلَى خِدْمَةٍ أَفْضَلَ [والحَديثُ هُنا هُوَ عنِ المَسيح] بِمِقْدَارِ مَا هُوَ وَسِيطٌ أَيْضًا [لِماذا؟] لِعَهْدٍ أَعْظَمَ، قَدْ تَثَبَّتَ عَلَى مَوَاعِيدَ أَفْضَلَ".

 

فالعهدُ الجديدُ هو ماذا؟ إنَّهُ عهدٌ أفضل. وقد تقول: "ولماذا هو عهدٌ أفضل؟" أوَّلاً، لأنَّه يوجد وَسيطٌ أفضل. فالعهدُ الجديدُ هو عهدٌ بِدَمِ المَسيح. وهذا عهدٌ أفضل. فهُناكَ وَسيطٌ أفضل. وَسيط! وَما هو الوَسيط؟ إنَّهُ شخصٌ يَقِفُ بينَ فَريقَيْن مُتخاصِمَيْن ويُصالِحُهُما معًا. فهو وَسيطٌ في نِزاعٍ أو خِلاف. ولكي يكونَ وَسيطًا جِيِّدًا، يجب أنْ يُمَثِّلَ كِلا الطَّرَفَيْنِ تَمثيلاً صَحيحًا. أليسَ كذلك؟

وهل تَعلمونَ أنَّهُ كانَ يوجد في العهدِ القديم وُسطاء للعهدِ القديم؟ فبحسب ما جاءَ في غَلاطِيَّة 3: 19، وخروج 20: 19، وتَثنية 5: 5، كانَ مُوْسَى وَسيطًا. فقد كانَ وَسيطًا في العهدِ القديم إذْ إنَّهُ وَقَفَ بينَ الإنسانِ والله. وقد كانَ الأنبياءُ وُسطاءَ إلى حَدٍّ ما لأنَّهم عَمِلوا على تَبليغ كلمة الله للنَّاس. وقد كانَ الكَهَنَة وُسطاء لأنَّهم عَمِلوا على توصيل حاجاتِ النَّاس لله. إذًا، فقد كانَ مُوسَى وسيطًا. وكانَ الأنبياءُ وُسطاء. وكانَ الكَهَنة وُسطاء.

وكما تَعلمون، كانَ هؤلاء [لِنَقُلْ إنَّهم كانوا] وُسَطاءَ حَقيقيِّين، ولكِنَّهُم كانوا أمامَ مُشكلةٍ كبيرة. فَهُمْ لم يكونوا قادرينَ على تَمثيلِ الطَّرَفَيْن تمثيلاً مُتَساوِيًا. فَمُوسى كانَ إنسانًا، ولكنَّهُ لم يكن الله. أليس كذلك؟ والأنبياءُ كانوا بَشَرًا، ولكنَّهم لم يكونوا الله. والكهنة كانوا بَشَرًا، ولكنَّهم لم يكونوا الله. فالوسيطُ الكامِلُ ينبغي أنْ يكونَ إنسانًا وإلهًا. لِذا فإنَّ الرَّسولَ بولسَ يَقولُ في رِسالَتِهِ إلى تيموثاوس: "لأَنَّهُ يُوجَدُ ... وَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ".

فقد كانَ هؤلاء وُسَطاء رَمْزِيُّينَ يُحاولونَ أنْ يُصَوِّروا لنا كيفَ سيكونُ الوَسيطُ الحقيقيُّ. فَهُمْ لم يكونوا وُسَطاءَ زائِفين، بل كانوا وُسَطاءَ حَقيقيِّين. صحيحٌ أنَّ هناكَ بعضَ الدِّياناتِ الزَّائفةِ الَّتي لديها وُسطاء زائفونَ تمامًا، ولكِنْ في اليهوديَّة، كانَ هناكَ وُسطاء حقيقيُّون، ولكنَّهم لم يكونوا فَاعِلينَ تمامًا، ولم يكونوا أكْفاءَ تَمامًا، بل كانوا مُجَرَّدَ ظِلالٍ لأنَّهم لم يكونوا يُمَثِّلونَ اللهَ تَمثيلاً كامِلاً.

ولكِنْ في العهدِ الجديد، نحنُ لسنا في حاجة إلى أيِّ كَهَنَة. أليسَ كذلك؟ ونحنُ لسنا بحاجة إلى أيِّ بَشَر ليكونوا وُسطاءَ بينَنا وبينَ الله. ونحنُ لسنا في حاجة إلى أيِّ قِدِّيسين. فنحنُ لدينا الوَسيط: المسيح. ونحنُ لسنا في حاجة إلى الذَّهابِ للبحثِ عنه. فهو فينا. ونحنُ لسنا في حاجة إلى أنْ نَطلُب مِن مَريم أنْ تَطْلُبَ مِنْهُ أنْ يَتَحَنَّنَ علينا ويُعْطينا ما نَحْنُ بحاجة إليه.

فالعهدُ الجديدُ هو عهدٌ أفضل لأنَّهُ يوجد وسيطٌ أفضل. ثانيًا، إنَّهُ عهدٌ أفضل لأنَّهُ يُقَدِّمُ وُعودًا أفضل. وُعودًا أفضل. فجميعُ العُهودِ قائمة على الوُعود. فهذه هي طبيعةُ العُهود. والعهدُ القديمُ قَطَعَ بِضْعَة وُعود. ولكِنَّ العهدَ الجديدَ يَقْطَعُ وَعْدًا أفضل. أتَعلمونَ ما هو؟ أنَّهُ بذبيحة واحدة (هي ذبيحة المسيح) فإنَّهُ سَيَمْحو مَرَّةً خَطايانا إلى الأبد. وهذا وعدٌ أفضل: الغُفرانُ التَّامُّ والكاملُ لخطايانا مِنْ خلالِ دَمِ ذَبيحةٍ واحدة: الربّ يسوعَ المسيح. والنُّقطةُ الجوهريَّةُ هي أنَّ كُلَّ ما تحتاجونَ إليهِ موجودٌ في العهدِ الجديد. أليسَ كذلك؟

وكما تَرَوْن، حينَ تَنظرونَ إلى كنيسةِ الرُّومِ الكاثوليك فإنَّ كُلَّ ما تَرَوْنَهُ هو جميع هذه الذبائح المُتَكَرِّرة مِن خلالِ القُدَّاسِ طَوالَ الوقت. وأنتُم تَرَوْنَ كُلَّ هؤلاءِ الأشخاصِ الذينَ يَرْتَدونَ مَلابِسَ كَهَنوتيَّة مِنْ كَهَنَةٍ وبابواتٍ وأحْبارٍ، وغيرِهم. وَهُمْ مُستمرُّونَ في مُمارسةِ العهدِ القديمِ بطريقة مُختلفة. وَلكِنَّ خَلْطَ ذلكَ بالعهدِ الجَديدِ يُشَوِّه نَقاوةَ الإيمانِ المسيحيِّ الحَقيقيّ. فَفَتْحُ الذِّراعَيْنِ وَقَبولُ ذلك يُشْبِهُ أنْ يَقولَ الرَّسولُ بولُس لأهلِ كورِنثوس في رسالته الثَّانية: "هذه رسالة قصيرة. أنا مُتَحَمِّسٌ جِدًّا لأنَّكُم قَبِلتُم المُهَوِّدين". التَّوقيع: "بولُس". بِكُلِّ تأكيد!

انظروا إلى العدد 7 مِنْ عِبرانِيِّين 8: "فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ذلِكَ الأَوَّلُ بِلاَ عَيْبٍ لَمَا طُلِبَ مَوْضِعٌ لِثَانٍ". فإنْ كانَ بمقدورِ العهدِ الأوَّل أنْ يَفعلَ ذلك، لما كان هناكَ عَهْدٌ ثَانٍ. ولكِنَّهُ لم يَكُنْ بلا عَيْب. والحقيقة هي أنَّ العدد 8 يقول: "لأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ لاَئِمًا"، ثُمَّ نَجِدُ بَقِيَّةَ المَقطعِ وُصولاً إلى العدد 12، وَهُوَ اقتباسٌ مُباشِرٌ مِنَ النبيِّ إرْميا في سِفْر إرْميا والأصحاح 31. فقد وَعَدَ إرْميا بعهدٍ جديد. وهذا العَدَد مُقتبسٌ مُباشرةً مِنْ ذلكَ الأصحاح.

فقد كانَ العهدُ القديمُ يَحوي عُيوبًا. فقد كانَ يَحوي عُيوبًا حقيقيَّة. لِذا، كانَ لا بُدَّ مِنْ وُجودِ عهدٍ جديد. وإليكُم سبعة عوامِل وَصْفِيَّة تُبَيِّنُ طبيعةَ العهدِ الجديد: أوَّلا، إنَّهُ يَقول: "هُوَذَا أَيَّامٌ تَأتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، حِينَ أُكَمِّلُ ... عَهْدًا جَدِيدًا". فالصِّفةُ الأوَّلى بخصوصِ العهدِ الجديد هي أنَّهُ مِنَ الله. إنَّهُ مِنَ الله: "أنا أُكَمِّلُ ... عَهْدًا جَدِيدًا". فهذا هو ما يَقولُهُ الرَّبُّ. فهو قائمٌ على سِيادةِ اللهِ. فهو قَصْدُهُ وخُطَّتُهُ. وَهُوَ كذلكَ مِنْ قبلِ تأسيسِ العالَم.

ثانيًا، إنَّهُ مُختلِف. فهو يقولُ في العدد 9: "لاَ كَالْعَهْدِ الَّذِي عَمِلْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ...". فهو لن يكونَ كذلكَ العهد. بل هو مُختلِف. وهو ليسَ نُسْخَة مُحَسَّنة. بل هو عهدٌ جديد. فطبيعَتُهُ الأساسيَّة مُختلفَة. فهو عهدٌ جديد. وَهُوَ "جديدٌ" بمعنى أنَّهُ مُختَلِف.

ثالثًا، وهذه نُقطة مُهِمَّة حَقًّا: إنَّهُ عَهْدٌ مُبْرَمٌ مَعَ إسرائيل. فهذا العهدُ مُبْرَمٌ معَ إسرائيل، كما هي حالُ العهدِ القديم. فكما هي حالُ العهدِ القديم، فإنَّ هذا العهدَ الجديد سيكونُ معَ إسرائيل. انظروا إلى ما جاءَ في العدد 8: "مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ"، "وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا". وفي العدد 10: "لأَنَّ هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ".

والآنْ، هل أنتُم مُستعِدُّونَ لسماعِ ما سأقول؟ فَكِّروا معي: إنَّ اللهَ لم يُبْرِمْ يومًا عهدًا معَ الأُمَم. قَطّ! لذا فقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا 4: 22: "لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُود".

والآن، قد تقول: "حسنًا! وهل هذا يعني أنَّ الأُمَمَ سيُتركونَ خارِجًا؟" لا، لا، لا! فلنرجِع إلى الوراءِ كثيرًا، إلى العهدِ معَ إبراهيم. وَهُوَ عَهْدٌ يَسْبِقُ العهدَ مَعَ مُوسى. فلنرجِع إلى العهدِ معَ إبراهيم إذْ إنَّ اللهَ قال: "سأُخرِجُ شَعْبًا مِنْ صُلْبِ إبراهيم. وفي ذلكَ الشَّعْب ستتَبارَكُ جَميعُ أُمَمِ الأرض".

فَهُوَ يُبْرِمُ عَهْدَهُ معَ الشَّعب. فالعهدُ ليسَ حَصْرِيًّا لذلك الشَّعب. بل هُمْ فقط الشَّعبُ الَّذي يُمَثِّلُه أمامَ بقيَّةِ العالمِ نيابةً عن ذلك العهد. والأُمَمُ يستطيعونَ، بالإيمان، أنْ يَشتركوا في بَرَكاتِ العهدِ الجديد كما اشتركَ الأُمَمُ في بَرَكاتِ العهدِ القديم. فقد كانَ بمقدورِ الأممِ أنْ يَشتركوا في العهدِ المُوسَوِيّ. وقد كانَ بمقدورهم أنْ يكونوا أُمَمًا يَخافونَ اللهَ. أليسَ كذلك؟ وقد كانَ بمقدورهم أنْ يَعْقِدوا العَزْمَ على إطاعةِ عهدِ مُوسى وأنْ يُقَدِّموا الذَّبائح.

والأمرُ نَفسُهُ يَصِحُّ على العهدِ الجديد. فبمقدورِ الأمم أنْ يَدخُلوا في العهدِ الجديدِ بالإيمان. صحيحٌ أنَّهُ جاءَ مِنْ خلالِ إسرائيل. فالنَّسْلُ المَسيحانِيُّ جاءَ مِنْ إسرائيل. فقد جاءَ المسيحُ مِنْ بني إسرائيل. والخُطَّةُ بِرُمَّتِها جاءَتْ مِنْ خلالِ بني إسرائيل. ورِسالةُ الأنبياءِ جاءت مِنْ خلالِ بني إسرائيل. والكَهَنوتُ كانَ كَهَنوتًا لاوِيًّا مِنْ صُلْبِ إبراهيم. ولَكِنْ إنْ آمَنَ أيُّ أُمَمِيٍّ فإنَّهُ يَصيرَ ابْنًا حقيقيًّا لإبراهيم. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَقرأُ في رسالة غلاطيَّة والأصحاحِ الثَّالث: "اعْلَمُوا إِذًا [كما يَقولُ بولُس] أَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ. وَالْكِتَابُ إِذْ سَبَقَ فَرَأَى أَنَّ اللهَ بِالإِيمَانِ يُبَرِّرُ الأُمَمَ، سَبَقَ فَبَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ «فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الأُمَمِ»". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 29: "فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ".

إذًا، معَ أنَّ العهدَ قُطِعَ معَ إسرائيل، فإنَّ الأُمَمَ حَصَلوا عليه. والحقيقة هي أنَّ هناكَ أُمَمًا في العهدِ الجديد أكثرَ مِنَ اليهود. أليسَ كذلك؟ لأنَّ اليهودَ رَفَضوا". ولكِنَّ رسالة رُومية تُخبرُنا أنَّهُ سيأتي يومٌ يَخْلُصُ فيهِ جَميعُ إسرائيل.

إذًا، العهدُ الجديدُ هُوَ مِنْ عِنْدِ الله. وَهُوَ مُختلفٌ عنِ القديم. وَهُوَ مُبْرَمٌ معَ إسرائيل. فَهُوَ عهدٌ جديد. وهذا يعني أنَّ العهدَ القديمَ قد مَضَى.

رابعًا، إنَّهُ ليسَ عهدًا ناموسيًّا إذْ نَقرأُ في العدد 9: "لاَ كَالْعَهْدِ الَّذِي عَمِلْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَثْبُتُوا فِي عَهْدِي، وَأَنَا أَهْمَلْتُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ".

ففي العهدِ الجديد، يَستمرُّ اللهُ في تَطهيرِنا مِنْ كُلِّ خطيَّة. ولا يجب علينا أنْ نَرْجِعَ إلى الوراء مَرَّةً تِلْوَ المَرَّة، ولا أنْ نُقَدِّمَ ذبيحةً أُخرى، ولا أنْ نَفْعَلَ كُلَّ ما كانوا يَفعلونَهُ في العهدِ القديمِ في مُحاولةٍ للحُصولِ ثانيةً على نِعْمَتِهِ الصَّالحة.

خامسًا، انظروا إلى العدد 10. فهذا العهدُ ليسَ مكتوبًا فقط مِنْ قِبَلِ اللهِ، ولا هو مُختلفٌ فقط عنِ القديم، ولا هو فقط مُبْرَمٌ معَ بني إسرائيل، ولا هُو فقط غير ناموسيّ، بل إنَّهُ داخليٌّ وليسَ خارجيًّا إذْ نقرأُ في العدد 10: "لأَنَّ هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ [وإليكُم ما يقول]: أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي أَذْهَانِهِمْ، وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا". فهو عهدٌ دائمٌ، وراسخٌ. وَهُوَ علاقة داخليَّة مَكتوبة على الأذهانِ والقُلوب، لا على الحِجارة، ولا على الورق، ولا مِنَ الخارِج، بل مِنَ الدَّاخل. وقد قالَ حِزْقيال إنَّ الربَّ سيَضَعُ رُوحَهُ فيهم. فهو داخليٌّ وليسَ خارجيًّا.

سادسًا، إنَّهُ شَخصيٌّ إذْ نقرأُ في العدد 11: "وَلاَ يُعَلِّمُونَ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلاً: اعْرِفِ الرَّبَّ". بعبارة أخرى، لن تُضْطَرَّ إلى التَّجَوُّلِ وإخبارِ كُلِّ شخصٍ في الخارج: "اعرفِ الرَّبَّ ... اعْرِفِ الرَّبَّ ... اعْرِفِ الرَّبَّ". لماذا؟ "لأَنَّ الْجَمِيعَ سَيَعْرِفُونَنِي". فسوفَ أكونُ في داخِلِهِم "مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ". فشريعَتُهُ موجودة فينا. وَرُوحُهُ موجودٌ فينا. هذا هو العهدُ الجديد.

 

أخيرًا، إنَّهُ يُقَدِّمُ الغُفرانَ الكامِل. انظروا إلى العدد 12: "لأَنِّي أَكُونُ صَفُوحًا عَنْ آثَامِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ". وهذا هو حَجَرُ الأساسِ للعهدِ الجديد. فهذا هو ما يَحتاجُ إليهِ البَشَر أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر. فَهُمْ بحاجة إلى الغُفرانِ النِّهائيِّ والتامِّ والكاملِ لخطاياهم.

ثُمَّ يَخْتِمُ الكاتِبُ حَديثَهُ في العدد 13 بأقوى عباراتٍ في العهدِ الجديد بهذا الخُصوص. استمعوا إلى ما يقول: "فَإِذْ قَالَ..." أيْ: حينَ يقولُ اللهُ، مِنْ خلالِ إرْميا في الأصحاح 31 مِنْ سِفْر إرْميا. "فَإِذْ قَالَ «جَدِيدًا» [وبعضُ التَّرجماتِ تَقول: "عَهْدًا جديدًا"]. ""فَإِذْ قَالَ «جَدِيدًا» عَتَّقَ [ماذا؟] الأَوَّلَ". فهذا هو ما يقولُه.

فقد أخذَ الطُّقوسَ والشَّعائرَ والدِّيانةَ الرَّمزيَّةَ وجَعَلَها عَتيقَةً. لذا فإنَّكم لا تأتونَ إلى هُنا للمشاركةِ في ذلك. ونحنُ لا نَمشي حامِلينَ كُلَّ تلكَ الأشياءِ المُعَلَّقة والمُتَدَلِّيَة والمُزخرَفَةِ. وأنتُم لا تَرَوْنَ أشياءَ مُقَدَّسَةً على الجُدران، ولا يوجد حَرْقُ بَخورٍ، ولا دُخان، ولا مَذابِح، ولا كُلّ تلكَ الأشياء. فهذه أمور عَتيقة.

وعندما تُمارِسُها ثانيةً فإنَّكَ في الحقيقة تُمارِسُ التَّهويد. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَفتحَ ذِراعَيْكَ وأنْ تَقْبَلَ كُلَّ هذه الأشياء في العَقيدة الإنجيليَّة الحقيقيَّة. وهذا هو سَبَبُ حُدوثِ الإصلاح. فلا يمكنكَ أنْ تقول: "بالنِّسبة إلى بعضِ المَسيحيِّين فإنَّ المعموديَّة هي وسيلة للنِّعمة. وهي بالنِّسبة إلى البعضِ الآخر رَمْز للنِّعمة". فإنْ فَعلتَ ذلكَ تَكونُ قد قُلْتَ لآلافِ الأشخاصِ الَّذينَ تَعَمَّدوا ثانيةً واستُشهِدوا لأجلِ ذلك أنَّهُم ماتوا لأجلِ شيءٍ تافِه لأنَّهُم ماتوا لأجْلِ موضوعِ المَعموديَّة. فالعهدُ القديمُ عَتيق. ولا يُمْكِنُنا أنْ نَسْمَحَ بحدوثِ ذلك.

ونقرأُ في نهاية العدد 13: "وَأَمَّا مَا عَتَقَ وَشَاخَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الاضْمِحْلاَل". وهذه كلماتٌ مُهينة في نَظَرِ اليهود. وإنْ لم تَكُن تُصَدِّق ذلك، حاوِل أنْ تَقولَ ذلك في أوَّلِ زِيارَةٍ لَكَ لإسرائيل في أحدِ المَجامِعِ الحَسيديَّة المحليَّة (local Hasidic synagogue). وسوفَ ترى إنْ كنتَ ستَنجو بحياتِكَ حينَ تقول لهم إنَّ العهدَ القديمَ عَتيقٌ. ولكنَّهُ كذلك.

وهذا حَجَرُ عَثْرَة حقيقيّ ليهودٍ كثيرين. فَمِنَ الصَّعبِ على اليهودِ أنْ يُدركوا أنَّ العهدَ القديمَ (بِكُلِّ شَرائِعِهِ وطُقوسِهِ وشَعائِرِهِ) كانَ مُجَرَّدَ رَمْز، وأنَّهُ بعدَ مَجيءِ العهدِ الحقيقيِّ فإنَّ الرُّموزَ قد أُبْطِلَت. ولكِنَّ اللهَ حَرَصَ على توضيحِ ذلك. أليسَ كذلك؟ فقد فعلَ ذلكَ عندما شَقَّ حِجابَ الهيكلِ مِنْ أعلى إلى أسفل عند موتِ يسوعَ المسيح.

وبعدَ أَقَلِّ مِنْ خمسِ سنواتٍ مِنْ كِتابةِ هذا الجُزءِ مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانيِّين، لم تَعُد أورُشليمُ كما كانت عليه. وقد دُمِّرَ الهيكل، واختفت العبادة وانتَهَت. وقد بَقِيَ هُناكَ فقط الدَّمارُ الَّذي خَلَّفَهُ القائدُ الرُّومانيُّ "تيطُس" في ذلك المكان. وقد اختفى نِظامُ الذَّبائحِ بأسرِه، واختفى كُلُّ شيءٍ. وهو ما زالَ مُخْتَفِيًا حتَّى يومِنا هذا.

لماذا؟ لأنَّهُ لا حاجةَ إليه. أمَّا أنْ نَخْتَلِقَ شكلاً جديدًا لَهُ مِنْ خلالِ طُقوسٍ نُسَمِّيها "مَسيحيَّة" فإنَّ هذا يعني أنَّنا نُحاوِلُ إحياءَ شيءٍ ماتَ ولم يَعُد لَهُ وُجود. وهذا أمرٌ يُثيرُ الفَوضى ويُشَوِّشُ بَساطَةَ الحَقَّ المسيحيِّ القويم. فقد انْتَهى العهدُ القديمُ وَحَلَّ مَحَلهُ العهدُ الجديد.

والآن، أَوَدُّ أن أَخْتِمَ بأنْ أطلبَ منكم أن تَفتحوا على الأصحاحِ التَّاسعِ قليلاً – العدد 11. فهذا سيُعطيكُم مُلخَّصًا عن هذا العهد الجديد: "وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ" [أيِ العهد الجديد]، "فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ" [فَهُوَ عَهْدٌ يمتازُ بوجودِ رئيسِ كَهَنةٍ أفضل، ووعودٍ أفضَل، ومَسْكَنٍ أفضل]، "غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هذِهِ الْخَلِيقَةِ [فَهُوَ مَسْكَنٌ سَماوِيٌّ]".

والآن، لاحِظوا الآتي: إنَّ جميعَ ما فَعَلَهُ المسيح كانَ: "لَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ". فَكَمْ مَرَّة كانَ ينبغي لرئيسِ الكَهنةِ أنْ يَدخُلَ إلى هُناك؟ طَوالَ الوقتِ. وإلى قُدسِ الأقداسِ مَرَّةً كُلَّ سنة.

ولكِنَّ يَسوعَ دَخَلَ مَرَّةً واحدةً، فوجدَ فِداءً "مُؤقَّتًا" إلى أنْ يَحينَ مَوعِدُ القُدَّاسِ القادِم! لا، بل وَجَدَ "فِدَاءً أَبَدِيًّا". "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَال مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ!" فالذَّبائحُ في العهدِ القديمِ كانت تُطَهِّرُ الجسدَ بصورة مؤقَّتة. ولكِنْ كم بالحَرِيِّ يَفْعَلُ دَمُ المَسيحِ مِنْ جِهَةِ التَّطهيرِ الأبديِّ؟

ثُمَّ نقرأُ في العدد 15: "وَلأَجْلِ هذَا هُوَ وَسِيطُ [ماذا؟] عَهْدٍ جَدِيدٍ، لِكَيْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّونَ إِذْ صَارَ مَوْتٌ لِفِدَاءِ التَّعَدِّيَاتِ الَّتِي فِي الْعَهْدِ الأَوَّلِ يَنَالُونَ وَعْدَ الْمِيرَاثِ الأَبَدِيِّ". فَموتُ المسيحِ غَسَلَ خطايا شعبِ العهدِ القديم. فلم يكن يوجدُ في ذلكَ العهد ما يَستطيع أنْ يَفعلَ ذلك. ولكِنَّ العهدِ الجديدَ يَعْمَلُ بأَثرٍ رَجْعِيٍّ في التَّاريخ، وَحَتَّى إنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَ العهدِ القديم.

وقد تقول: "حسنًا! وكيفَ يَقْدِرُ أن يَفعلَ ذلك؟" لأنَّهم كانوا يَنظرونَ إلى العهدِ القديم نَظرةً صحيحة. فقد كانوا يُدركونَ أنَّهُ رَمْزٌ للوَسيطِ الآتي. أَتذكرونَ الآيةَ الَّتي تقول إنَّ مُوسَى نَظَرَ إلى المُستقبَل ورأى المسيح؟ فقد رَأَوْا العهدَ القديمَ على حَقيقَتِهِ – أيْ أنَّهُ رَمْزِيٌّ.

ولكِنَّ اليهودَ في زَمَنِ يَسوع، والأشخاصَ الذينَ قاوَموا بولسَ أخذوا تلكَ الرُّموز. وعِوَضًا عن أنْ يَرَوْا أنَّها تَرْمِزُ إلى المسيح، جَعَلوا دِيانَتَهُم قائمةً على كُلِّ تلكَ الرُّموز. وقد كانت لديهم ديانَة آلِيَّة كالمسيحيَّة الزَّائفة الَّتي لدينا اليوم.

وإنْ كانتِ الأشياءُ العَتيقةُ رُموزًا جَيِّدةً، كم بالحَرِّي يكونُ الشَّيءُ الحقيقيُّ الَّذي تَرْمِزُ إليه؟ وإنْ كانَ العهدُ الخارجيُّ والماديُّ والمؤقَّتُ يُحَقِّقُ قَصْدَ اللهِ جَيِّدًا جِدًّا، كم بالحَرِيِّ يُحَقِّقُ العهدُ الدَّاخليُّ والرُّوحِيُّ والأبديُّ مَقاصِدَهُ المُقدَّسة والأبديَّة؟ فنحنُ لدينا رَئيس كَهَنَة أفضل، ومَسْكَن أفضل. وقد قَدَّمَ ذَبيحةً أفضل، وقَطَعَ وَعْدًا أفضل، لا فِداءً مؤقَّتًا، بل فِداءً أبديًّا، ومَرَّةً واحدةً إلى الأبد غُفران الخَطايا.

وقد كَتَبَ "إسحاق واطس" (Issa Watts): "لم تَكُن جميعُ دِماءِ الحَيَواناتِ على المَذابِحِ اليهوديَّةِ قادرة أنْ تُعطي ضَميرَ الآثِمِ سلامًا أوْ أنْ تَغْسِلَ خَطاياه. أمَّا المسيحَ، الحَمَل السَّماويّ، فَيُبْعِدُ خطايانا بعيدًا لأنَّهُ ذَبيحةٌ أفضل مِنها، ولأنَّهُ دَمٌ أَثْمَنُ مِنْها". هذا هو العهدُ الجديد. والخادِمُ الحقيقيُّ والكنيسةُ الحقيقيَّة هُما عهد جديد.

يا أبانا، لقد ابتدأنا للتَّوّ في فَهْمِ هذه الحقائق. ونحنُ نُبارِكُكَ ونُسَبِّحُكَ على الوُضوحِ الَّذي تَصِلُ فيهِ الحَقيقة إلى قُلوبِنا. ونحنُ نَشكُرُكَ لأنَّ دَمَ المَسيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، قد طَهَّرَ ضَمَائِرَنا مِنْ أَعْمَال مَيِّتَةٍ، مِنْ تلكَ الطُّقوسِ القديمة، لِنَخْدِمَ اللهَ الحَيَّ.

ونحنُ نَشكُرُكَ لأنَّ يسوعَ فَعَلَ كُلَّ ما فَعَلَ على الأرض طَاعَةً لَكَ بالرُّوح، ولا سِيَّما ذَبيحَتَهُ الفائقة. وبذلك فقد طَهَّرَ ضَمائِرَنا وَحَرَّرَ ضَميرَنا مِنَ الشُّعورِ بالذَّنب لكي نَتمكَّنَ مِنَ الاقترابِ مِنك بقلوبٍ مَرشوشة ومُطَهَّرة مِنَ الضَّميرِ الشِّرِّير، وبأجسادٍ مُغْتَسِلَة بِماءٍ نَقِيٍّ. ويا أبانا، لقد كانَ كَهَنَةُ العهدِ القديم يُطَهِّرونَ الخارِجَ فقط رَمزيًّا، وبطريقة ناقصة، وبطريقة مؤقَّتة. ولكِنَّ المسيحَ يُطَهِّرُ الدَّاخِل.

ويا أبانا، نَسألُكَ ألَّا تَسمَح لنا أنْ نَعْلَقَ في فَخِّ الأشياءِ الخارجيَّة، بل ساعِدنا على أنْ نكونَ أُمناء في عِبادَتِنا القلبيَّة. وليتَنا نكونُ كنيسةَ عَهْدٍ جديد حقيقيَّة، ومؤمني عهدٍ جديد حَقيقيِّين، وخُدَّامَ عهدٍ جديد حَقيقيِّين.

ونحنُ نَشكُرُكَ، يا أبانا، على هذا الامتيازِ بأنْ نَعيشَ في هذا الوقت؛ أيْ في وقتٍ تَطَلَّعَ أنبياءُ العهدِ القديم إليهِ وَفَتَّشوا عنهُ، وفي زَمَنٍ اكْتَمَلَتْ فيهِ الأشياءُ. فيا لَهُ مِنَ امتيازٍ عظيمٍ لنا! أَعْطِنا أنْ نكونَ أُمناءَ لذلكَ العهد الجديد. واحْمِ كَنيسَتَنا مِنْ تَفَشِّي الأكاذيبِ القديمة، وَمِنَ البِدَعِ المُهْلِكَة، وَمِنَ الطَّقسيَّة. ونحنُ نُصَلِّي لأجلِ كُلِّ شخصٍ حاضِرٍ هُنا، يا رَبّ، عَالِمينَ أنَّ نِعمَتَكَ الخاصَّةَ قادرة أنْ تَسُدَّ كُلَّ حاجة رُوحيَّة. باسْمِ المَسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize