Grace to You Resources
Grace to You - Resource

مَرَّةً أخرى، إنَّهُ لَفَرَحٌ عظيمٌ لنا في هذا الصَّباح أنْ نَعودَ إلى كلمةِ الله. فالعبادة يجب أن تكون بالرُّوحِ والحَقّ. وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّنا عَبَدْنا بالرُّوح. والآنَ نأتي إلى التَّأمُّلِ في حَقِّ اللهِ الَّذي دَفَعَنا إلى تلكَ العِبادة. افتحوا كِتابَكُم المُقدَّس على رسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاح الثَّالث. فنحنُ نَتَقَدَّم في دراسةِ هذه الرِّسالة الرَّائعة. وقد وَصَلنا الآن إلى الأصحاحِ الثَّالث. ونحنُ نَدْرُسُ المَقطَعَ المُمتَدَّ مِنْ بِدايةِ العددِ السَّادِس إلى نهايةِ العدد الثَّامِن عَشَر بعُنوان: "مَجْد العهد الجديد". مَجْد العهد الجَديد.

ونَجِدُ مُقَدِّمَةَ هذا المَقطع في العدد السَّادِس. واسمحوا لي أنْ أقرأَهُ على مَسامِعِكُم: "الَّذِي جَعَلَنَا [أي: الله] كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ. لاَ الْحَرْفِ بَلِ الرُّوح. لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي". وسوفَ نَتوقَّفُ عندَ هذه النُّقطة: عَهْد جَديد.

ويجب علينا، بِصِفَتِنا مؤمنين، أنْ نَفهمَ طبيعةَ العهد الجديد، وأنْ نَفهمَ لا فقط طَبيعَتَهُ وتَعريفَهُ، بل أنْ نَفهمَ أيضًا علاقَتَهُ بالعُهودِ الأخرى، ولا سِيَّما علاقَتَهُ بما يُسَمَّى: "العهد القديم" أو النَّاموس الَّذي أُعطِيَ مِن خلالِ مُوسى. فاستيعابُ العهدِ القديمِ والعهدِ الجديد يَجعلُنا نَستوعِبُ تاريخَ الفداءِ والقَصْدَ الإلهيَّ.

أمَّا إذا أَسَأنا فَهْمَ هذَيْنِ العَهْدَيْن والعلاقة بينهما فإنَّنا سَنُسيءُ فَهْم الكتابَ المقدَّسَ وقَصْد اللهِ مِنَ الخلاص. ومِنَ المُحزِنِ أنْ نقول إنَّهُ كانَ هُناكَ (وما يَزالُ هناكَ) الكثيرُ مِنْ سُوءِ الفَهْمِ بخصوصِ هذا الموضوع. وسوفَ أفعلُ كُلَّ ما في وُسْعِي للمساعدة في تَخفيفِ أيِّ سُوْءِ فَهْمٍ وَرَسْمِ بعضِ الخُطوطِ الفاصِلَة الواضحة لكي تَجِدوا طريقةً للفَهْم.

والآن، قَبلَ أنْ نَبتدئَ بِدراسةِ هذا النَّصِّ والتحدُّثِ عنِ العهدِ الجديد، أريدُ مِنكُم أن تَفتحوا كِتابَكُم المقدَّس على الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح الحادي عشر، إذْ أَوَدُّ أنْ أَستخدمَ هذا النَّصَّ كَمُقَدِّمة. الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح الحادي عشر. وقد سُمِّيَ هذا الأصحاحُ "قاعَة مَشاهير المؤمِنين"، أو "قاعَة مَشاهير الإيمان"، أو "أبطال الإيمان". فهو يَذْكُرُ لَنا أسماءَ ومَآثِرَ أبطالِ العهدِ القديم أو قِدِّيسي العهدِ القديم.

ونحنُ لا نَجْهَلُ فِكرةَ "قاعَةِ المَشاهير" في مُجتمَعَنِا. فنحنُ لدينا العديدَ مِنْ قاعاتِ المَشاهير لتَكريمِ أصْحابِ المَآثِرِ المُختلِفينَ في حُقولٍ مُختلفة ومجالاتٍ مُختلفةٍ في الحياة. وقاعةُ المَشاهير هي مَكانٌ تُعْرَضٌ فيهِ أسماءُ الأبطالِ ومَآثِرُهم لكي تَذكُرهُم جَميعُ الأجيالِ بسببِ مآثِرِهم، وبسببِ إنجازاتِهم، وبسببِ فَرادَتِهم. ونحنُ نَجِدُ هُنا قاعَةَ مَشاهير كَهَذِه.

فنحنُ نَجِدُ هُنا لائِحَةً بأسماءِ هؤلاء. وبالمُناسَبة، فإنَّها ليسَت لائحة شامِلَة، بل تَذكُرُ بعضًا مِنهم فقط. فليست كُلُّ الأسماءِ الَّتي يُمكن أن تُذكَر هُنا مَذكورة هُنا، بل بعضًا مِنها فقط. فهي تَذْكُرُ بعضَ أَشْرَفِ قِدِّيسي العهدِ القديم هُنا. وقد تَمَّت الإشارة إلى بعضِ هؤلاء فقط بسبب مَآثِرِهم. ولكِنَّها لائِحَةُ شَرَف. وهي تُخَلِّدُ جَميعَ الأبطالِ الَّذينَ يَذْكُرُهُم رُوحُ اللهِ هُنا بسببِ إيمانِهم. فهي إِشَادَةٌ بإيمانِ رِجالٍ وَنِساءٍ أَظْهَروا ثِقَةً فائقةً وعميقةً وَمُغَيِّرةً للحياة في الرَّبِّ في وَسْطِ أَحْلَكِ الظُّروف.

والحقيقة هي أنَّ أبطالَ الإيمانِ هؤلاء هُم قُدْواتٌ ينبغي أنْ نَحْتَذي بها لأنَّ الأصحاحَ الثَّاني عَشَر يَبتدئُ بالكلماتِ التَّالية: "لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْل، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا".

فهؤلاءِ الأشخاصُ هُم قُدْواتٌ لنا. وَهُم أَمْثِلَة حَسَنَة لَنا. وَهُمْ سَحابة أو مَجموعة عَظيمة مِنَ الشُّهود. وما الَّذي يَشهدونَ عنه؟ وما الَّذي يُشيرونَ إليه؟ إلى صِدْقِ الإيمان، وإلى مَناقِبِ الإيمان، وإلى فَرادَةِ الحياةِ بالإيمان، وإلى بَرَكَةِ العَيْشِ بالإيمان. فَهُمْ شَهاداتٌ حَيَّة على الإيمان. وَهُمْ أبطالُنا، وقُدْواتُنا، والأُسوةُ الَّتي يَنبغي أنْ نَتَمَثَّلُ بها.

ولنَرجِع إلى بدايةِ الأصحاحِ الحادي عشر. فنحنُ نَقرأُ في العدد الثَّاني: "فَإِنَّهُ فِي هذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ". وما مَعنى العِبارَة "في هذا؟" الإيمان. "وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى". فقد كانَ الإيمانُ هو السَّببُ في الثَّناءِ عليهم. والثَّناءُ لم يَأتِ فقط مِنْ خلالِ بَشَر، بل بالحَرِيِّ مِنَ الله. فقد حَصَلوا على التَّزكيةِ مِنَ اللهِ بسببِ إيمانِهم.

فهناكَ هابيل (في العدد 4). وهناكَ أخنوخ. وفي العدد 7 هناكَ نُوح. وفي العدد 8: إبراهيم. وفي العدد 11: سارة. وفي العدد 20 هناكَ إسحاق. وفي العدد 21 هناكَ يعقوب. وفي العدد 22 هناكَ يوسُف. وفي العدد 23 هناكَ مُوسى. ثُمَّ نَجِدُ اسْمًا رُبَّما لا نَتَوَقَّعُهُ البَتَّة في العدد 31: راحاب الزَّانية. فهي قُدوة في الإيمان. ثُمَّ في العدد 32، هناكَ مجموعة مِنَ الأمثلة. فهناكَ جِدعون، وبَاراق، وشَمشون، ويَفتاح، وداود، وصموئيل، وأنبياء مِثْل إشعياء، ودانيال، وإرْميا، وحِزْقيال.

فهؤلاء هُم قاعَة المشاهير. وهي ليست لائحةً شاملةً، بل نَماذِجَ فقط. فهناكَ أسماء كثيرة أخرى يمكن ذِكْرُها أيضًا. ونَقرأ: "الَّذِينَ بِالإِيمَانِ [في العدد 33] قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ، أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضَعْفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ، هَزَمُوا جُيُوشَ غُرَبَاءَ".

 

ثُمَّ نقرأُ عنْ بَطَلاتِ إيمان: "أَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِقِيَامَةٍ. وَآخَرُونَ عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا النَّجَاةَ لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ. [وَآخَرُونَ عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا النَّجَاةَ لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ]. وَآخَرُونَ تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ وَجَلْدٍ، ثُمَّ فِي قُيُودٍ أَيْضًا وَحَبْسٍ. رُجِمُوا، نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا قَتْلاً بِالسَّيْفِ، طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مِعْزَى، مُعْتَازِينَ مَكْرُوبِينَ مُذَلِّينَ، وَهُمْ [رِجالٌ وَنِساءٌ] لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ. تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ وَجِبَال وَمَغَايِرَ وَشُقُوقِ الأَرْضِ". ويا لها مِنْ لائحةٍ رائعة! وَيا لها مِنْ لائِحَةِ شَرَف!

ثُمَّ نأتي إلى الآية الَّتي تَصْدِمُنا أكثرَ مِنْ غَيرِها وهي الآية 39: "فَهؤُلاَءِ كُلُّهُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ بِالإِيمَانِ". وهذا هو تمامًا ما جاءَ في العدد الثَّاني. فالأصحاحُ كُلُّهُ يَذكرُ أمثلةً على هؤلاء. فقد شَهِدَ اللهُ لهم بسببِ إيمانِهم. وبالرَّغمِ مِن عَظَمَتِهم، وبالرَّغمِ مِنَ أنَّهُم بَرْهَنوا على إيمانهم بطريقة رائعة، وبالرَّغمِ مِنَ اتِّكالهم العظيم على اللهِ، وبالرَّغمِ مِن أنَّ حياتَهم هي قُدوة لنا، وبالرَّغم مِن أنَّهم الأمثلة والقُدوات الَّتي يَنبغي أنْ نَحتذي بها، فإنَّ نهايةَ العدد 39 تقول: "لَمْ يَنَالُوا الْمَوْعِدَ"!

ماذا؟ هل هذا يَعني أنَّ هناكَ أشخاصًا يُضْرَبُ المَثَلُ بإيمانِهم وحياتِهم الفَاضلة، وأنَّ هناكَ أُناسًا يُمْكِنُ أنْ نَتَّخِذَهُمْ مِعيارًا لحياةِ الاتِّكالِ على اللهِ في وَسْطِ أَحْلَكِ ظُروفِ الحياةِ لأنَّهم لم يكونوا مُتَقَلْقِلين، وأنَّ هناكَ رِجالاً ونساءً هُمْ أَعْمِدَةُ تاريخِ الفِداءِ في العهدِ القديم؛ وأنَّهُ بالرَّغمِ مِن كلِّ ذلكَ الإيمان وكُلِّ تلك التَّزكية الإلهيَّة فإنَّهم لم يَنالوا ما وُعِدُوا بِه؟ كيفَ يُمكن لشيءٍ كهذا أنْ يَحْدُث؟ نَقرأُ في العدد 40: "إِذْ سَبَقَ اللهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئًا أَفْضَلَ" [أيْ في وَقْتِنا نَحْن] "لِكَيْ" [ماذا؟] "لكي لاَ يُكْمَلُوا بِدُونِنَا" [أيْ: بِدونِ زَمانِنا].

اسمعوا ما سأقول: إنَّ الكلمة "يُكْمَل" تُستخدَمُ في الرسالة إلى العِبرانِيِّين كَمُرادِفٍ للخلاص. لذا فإنَّ ما قَصَدَهُ هُنا هو أنَّهُ بالرَّغمِ مِنْ عَظَمَةِ إيمانِهم، وبالرَّغمِ مِنْ نُبْلِ إيمانِهم، وبالرَّغمِ مِنْ أنَّ إيمانَهُمْ هو قُدوة لنا، لم يَكُنْ بمقدورِهم أنْ يَخْلَصوا مِنْ دُونِ وَعْدٍ تَحَقَّقَ في زَمانِنا. إذًا، ما الَّذي قَصَدَهُ؟ إنَّهُ يَقولُ إنَّهُ بِمَعْزِلٍ عنِ العهدِ الجديدِ بيسوعَ المسيح، لا يوجد خلاص لِقِدِّيسي العهدِ القديمِ هؤلاء. فهذا هو ما قَصَدَ أنْ يَقولَهُ.

وقد تقول: "مَهْلاً مِنْ فَضْلِك! هل تَعني أنَّهم لم يكونوا مُخَلَّصين؟" لا! فَمِنَ الواضِحِ أنَّهم نَالوا الخَلاص. ولكنَّهم لم يَخلَصوا مِن خلالِ حِفْظِ النَّاموس (أيْ ناموسِ مُوسَى) لأنَّهُ "بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّر". فَهُمْ لم يَخلَصوا بسببِ وجودِ شيءٍ فيهم جَعَلَهُم مُسْتَحِقِّينَ الخلاصَ أو لأنَّ اللهَ خَلَّصَهُم على أساسِ استحقاقِهم.

فالطريقةُ الوحيدةُ الَّتي كانَ يُمكنُهم مِنْ خِلالِها أنْ يَحصُلوا على غُفرانِ خَطاياهُم (انتبهوا إلى ما سأقول) والتي يُمكنهم مِن خلالِها أنْ يُمْنَحوا الخَلاصَ هو أنْ يُكَفَّرَ عن خطاياهُم. وهذا لم يَحدُث إلَّا مِن خلالِ المسيح. والحقيقةُ الرَّائعةُ هي أنَّ اللهَ الَّذي يَعْلَمُ كُلَّ شيءٍ مُسَبَّقًا، والذي كانَ قد خَطَّطَ لموتِ ابْنِهِ مُسَبَّقًا، قد طَبَّقَ ما سيَحدُث لاحقًا على حَياتِهم في المَاضي. ولكِنْ لو لم يكن هناكَ عَهْدٌ جديد لما نَالوا الخَلاص.

وهذه نُقطة مُهِمَّة ينبغي أنْ تَفهموها. فَأيًّا كانَ مُستوى أمانَتِهم، وأيًّا كانَ مُستوى تَكريسهم لتطبيقِ شريعةِ مُوسى، وأيًّا كانت عَظَمَةُ إيمانِهم باللهِ وتوبتهم عن الخطيَّة، لو لم يكن المسيحُ هو "حَمَلُ اللهُ المَذبوح مُنذُ تأسيسِ العَالَم" لما كانَ هُناكَ أيُّ خَلاصٍ لهم.

ولكن اسمعوني جَيِّدًا: إنَّ يسوعَ المسيحَ هُوَ الوَعْد. وقد جاءَ. وقد ماتَ. وقد كَفَّرَ عنِ الخطيَّة. وقد قامَ مِنَ الأمواتِ وقَدَّمَ فِداءً كامِلاً. وحَتَّى قبلَ أنْ يَحْدُثَ ذلك، فإنَّ اللهَ طَبَّقَ ما كانَ يَعلمُ أنَّهُ سَيَجري، وما خَطَّطَ لأنْ يَجري، وما كانَ قد حَدَثَ في قَصْدِهِ الأزليِّ – طَبَّقَهُ عليهم في الماضي.

وقد تقول: "كيفَ خَلَصَ النَّاسُ في العهدِ القديم؟" لقد خَلَصوا بالإيمان. ولكِنْ مَهْلاً! هل خَلَصوا فقط لأنَّهم آمَنوا؟ لا. بل خَلَصوا لأنَّ اللهَ قَبِلَ إيمانَهُم لأنَّ يسوعَ المسيحَ كانَ سَيَحْمِلُ خَطاياهُم. فقد كانَ ينبغي وجود ذبيحة عنِ الخطيَّة. وهذا هو تمامًا ما قَصَدَهُ كاتِبُ الرسالة إلى العِبرانِيِّين.

ويمكنكم أنْ تنظروا إلى أعظمِ الأمثلةِ على الإيمان في العهد القديم. فهؤلاءِ الأشخاص مَرُّوا بأسوأ أحوال مُمكنة دونَ أنْ يَتَزَعْزَع إيمانُهم. ويمكنكم أن تقولوا لهم إنَّهُ مهما كانَ إيمانُكُم عظيمًا، ومهما كنتُم مُتَدَيِّنين، ومهما كنتُم مُكَرَّسين، ومهما حاولتم أنْ تَلتَزِموا بتطبيقِ شريعةِ اللهِ وأنْ تُحافظوا على ثِقَتِكُم باللهِ الحَيِّ، لو لم يُصْلَب يسوعُ المسيحُ ويَمُت، لَهَلَكْتُم في جَهَنَّم.

فَلَمْ يكن بمقدورِهم أنْ يُكْمَلوا بِدونِنا. وما قَصَدَهُ هو: "بِدونَ مَا حَدَثَ في زَمانِنا"، أو: "بِدونِ الإنجيل". فقد كانوا يَترقَّبونَ ذلك. وقد كانوا يَرْجُونَ ذلك. والحقيقة هي أنَّ هذا يَسري حَتَّى على إبراهيم إذْ نَقرأُ في العدد 10 مِنَ الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح 11: "كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ". فقد كانَ يَنْظُرُ إلى ما هو أبعد مِنْ حَياتِهِ وزَمانِهِ وأحوالِهِ.

وقد فَضَّلَ مُوْسَى (بحسب العدد 25): "أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّة". لماذا؟ لأنَّهُ نَظَرَ إلى "عَارِ المَسِيح". ولكِنْ مَهْلاً! كيفَ عَرَفَ عَارَ المَسيح؟ وكيفَ عَرَفَ عنِ المَسيح؟ لقد عَرَفَ عنْ نَبِيٍّ أَعْظَم لأنَّ اللهَ أَعْلَنَ ذلكَ لَهُ.

فقد عَرَفَ أنَّ اللهَ سيُرسِلُ فَادِيًا لأنَّهُ كانَ قادرًا على رُؤيةِ ذلكَ مُجَسَّمًا ومَرْموزًا إليهِ مِنْ خِلالِ كُلِّ ذبيحَةٍ حَيَوانِيَّةٍ قَدَّمَها. وقد فَضَّلَ أنْ يَحتمِلَ الألمَ، وأنْ يَحتَمِلَ تَعييرَ المَسيحِ لأنَّهُ حَسَبَ ذلكَ "غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاة". فقد خَلَصَ قِدِّيسو العهدِ القديمِ بالإيمان. لقد خَلَصوا بالإيمان. بالإيمانِ باللهِ، وبالإيمانِ بأنَّ اللهَ سَيُدَبِّرُ ذبيحةً تَرْفَعُ خطاياهُم.

وقد فَعَلَ اللهُ ذلكَ مِنْ خلالِ المسيح. ولكِنْ لو أنَّ المسيحَ لم يأتِ يومًا ولم يَمُت يومًا، لَكانَ هؤلاءِ الأبطال الأكثر وَقارًا، والأكثر تَدَيُّنًا، والأكثر أمانَةً، والأكثر وَفاءً، والأكثر تَضحِيَةً في تاريخِ الفِداء قد مَضَوْا إلى جَهَنَّمَ إلى أبدِ الآبِدينَ لأنَّهُ لا توجد طريقة يَخْلَصونَ بها بِمَعْزِلٍ عنْ موتِ يسوعَ المسيحِ على الصَّليب. وَهُوَ موتٌ يَسْري على الماضي والمُستقبَل، ويُغَطِّي خطايا جَميعِ الذينَ يُؤمِنون.

فقد دَبَّرَ اللهُ في المسيحِ شيئًا أفضَل، شَيئًا أفضلَ مِنَ الَّذي كانَ لديهم. فما كانَ لديهم هو عَهْدُ ناموس. وَهُوَ جَيِّدٌ. وَهُوَ لا بأسَ به. وَهُوَ صحيح. ولكِنْ كانَ لا بُدَّ مِنْ وُجودِ المَزيد لأنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ عَهْدُ النَّاموسِ هو أنَّهُ أَشارَ إلى ماذا؟ إلى خَطاياهُم.

لِذا، مِنْ وَقْتِ هابيل، وأخنوخ، ونوح، وإبراهيم، وسارة، وإسحاق، ويعقوب، ويوسُف، وموسى، إلى وقتِ راحاب، وجِدعون، وباراق، وشَمشون، ويَفتاح، وداود، وصموئيل، والأنبياء، وكُلَّ شخصٍ آخر، لقد كانوا يَرْجُونَ شيئًا أفضل. فقد كانوا يَرْجُونَ فِداءً كامِلاً. ولم يكن ذلكَ الفِداءُ مُمْكِنًا مِنْ دونِ الربِّ يسوعَ المسيح.

وإليكُم السَّبَب. انظروا إلى رسالة بُطرس الأولى 1: 10. رسالة بُطرس الأولى 1: 10. فنحنُ نَقرأُ: "الْخَلاَصَ [الَّذي بالمَسيح] الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ". وهي آيةٌ تَتحدَّثُ عنِ الأنبياء. فقد حَصَلوا على الوَعْدِ مِنَ الرَّبِّ بأنَّهُ سيَغْفِرُ الخطيَّة، وأنَّ اللهَ سَيُقَدِّمُ ذَبيحةً، وأنَّ الخطيَّةَ سَتُرْفَع. وقد كَتَبوا عن ذلك.

وعندما كَتَبوا عن ذلك، فإنَّ الآيةَ تَقولُ إنَّهُم فَتَّشُوا وبَحَثوا عنهُ بعناية. وهل تَعلمونَ ماذا كانوا يَفعلون؟ لقد كانوا يَبحثونَ في كُلِّ ما كَتَبوه. ونحنُ نَقرأُ في العدد 11 أنَّهم كانوا يَبحثونَ عنِ الشَّخصِ والوقتِ؛ أيْ: مَتى سيَحدث ذلك؟ ومَنْ سيكونُ ذلكَ الشَّخص؟ فمَنْ هُوَ ذاكَ؟ وما الوقتُ الَّذي قَصَدَهُ الرُّوحُ القُدُسُ إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا؟

فقد عَرَفوا أنَّ هناكَ خادِمًا مُتألِّمًا سيأتي. وقد عَرَفوا أنَّ فادِيًا سيأتي. وقد عَرَفوا أنَّهُ بَعْدَ تلكَ الآلامِ ستأتي أَمْجاد. ولكِنْ مَتى؟ وَمَنْ؟ فخلاصُهُم كانَ قائمًا على إيمانِهم بأنَّ اللهَ سيُرسِلُ فادِيًا. وقد فَعَلَ اللهُ ذلك مِنْ خلال يسوعَ المسيح.

فالناسُ في العهدِ القديم لم يَخْلَصوا يومًا مِن خلال حِفْظ النَّاموس، بل كانوا يَخلَصونَ مِن خلالِ الاتِّكالِ على نِعمةِ اللهِ ورَحمةِ اللهِ وغُفرانِ اللهِ للخطايا الَّتي كانَ النَّاموسُ يُشيرُ إليها. وهذه هي النُّقطة الجوهريَّة. والآن، اسمعوني: مَعَ أنَّ خَلاصَهُم لم يكن مُمْكِنًا مِن دون ذبيحة المسيح في المستقبل، فإنَّ ذلكَ لم يَجعلهم مُؤمِنينَ مِنَ المَرتبة الثَّانية.

فَهُمْ ليسوا مُؤمِنينَ مِنَ المرتبة الثانية. بل إنَّهم مؤمِنونَ مِنَ المَرتبة الأولى. وَهُم مؤمنونَ مِن أعلى مَقام. والحقيقةُ هي أنَّهُم مِثال على الإيمان الحقيقيّ والتَّقِيّ حَتَّى أنَّ عِبرانِيِّين 11 يُشير إليهم بوصفِهم الأبطالَ الَّذينَ ينبغي أنْ نَقْتَدي بهم. فَهُمْ ليسوا أَقَلَّ شَأنًا مِنًّا. بل هُمْ سَحابةٌ مِنَ الشُّهود الَّذينَ يُقَدِّمونَ لنا قُدوةً حَسَنَةً في الإيمان.

والآنْ، لِنَعُد إلى نَصِّنا. ففي نَصِّنا هُنا، يَتحدَّثُ بولسُ عنِ الفَرْقِ بينَ العهدِ القديم والعهدِ الجديد. وَهُوَ يحاول أن يُشيرَ إلى أنَّ العهدَ القديمَ لَهُ دَوْر. وَدَوْرُهُ هو أنْ يَرْمِزَ ويُشيرَ إلى العهد الجديد. ولكِنْ بعدَ أنْ جاءَ العهدُ الجديدُ فإنَّ العهدَ القديمَ قد صارَ عَتيقًا (كما جاءَ حَرفيًّا في عبرانيِّين 8: 13).

ولكِنْ كما تَرَوْن، فقد جاءَ مُعَلِّمونَ كذبة إلى كنيسةِ كورِنثوس وراحوا يُعَلِّمونَ عنِ العهدِ القديم. وقد قالوا إنَّهُ يجب على المؤمنِينَ أنْ يُخْتَنوا، وإنَّهُ يجب عليهم أنْ يَحفظوا ناموسَ مُوسى، وإنه يجب عليهم أن يمارسوا كُلَّ الطُقوس، وكُلَّ الشَّعائِرِ، وكُلَّ المُمارساتِ الأخرى؛ وإلَّا فإنَّ اللهَ لن يَقبلهم. وقد وَقَعَ بعضُ المؤمنينَ، ويا للأسف، في ذلكَ الفَخّ الَّذي يُطالِبُ المؤمنينَ أنْ يعيشوا بحسب العهد القديمِ ويقولُ إنَّ العهدَ الجديدَ هو بِدْعَة. فقد كانَ للعهدِ القديمِ قَصْدٌ. ولكِنَّ ذلكَ القصدَ يَصيرُ لاغِيًا حينَ يأتي العهدُ الجديد.

ومِنَ الواضحِ أنَّ هذه المسألة المُختصَّة بالعهد القديم والعهد الجديد هي مسألة مُهمَّة في العهد الجديد. فهي موجودة في كُلِّ مكان لأنَّ العهدَ الجديدَ كانَ يَمُرُّ بتلك المرحلة الانتقاليَّة. والحقيقة هي أنَّ اليهودَ كانوا يَغضبونَ جِدًّا (بصورة عامَّة) مِنَ الرسولِ بولس بسبب تلك المسألة حَتَّى إنَّهُم سَعَوْا إلى قَتْلِه. فَهُمْ لم يكونوا مُستعدين لقبول أنَّ العهدِ القديمَ قدِ اضْمَحَلَّ، وأنَّ العهدَ الجديدَ قد جاءَ في يسوعَ المسيح. ولكِنَّ هذا هو ما كانَ قد حدث في الحقيقة.

وهل تُصَدِّقونَ أنَّ هناكَ أشخاصًا كانوا مُنْتَمينَ إلى الكنيسة ومؤمنينَ، ولكنَّهم حاولوا أنْ يَتمسَّكوا بمُمارساتِ العهدِ القديم؟ وعلى غِرارِ المُعَلِّمينَ الكذبة في كورِنثوس، رُبَّما كانَ بعضٌ منهم يؤمنونَ بأنَّ الحفاظَ على طُقوسِ العهدِ القديم هو جُزءٌ لا يَتجزَّأُ مِنَ الخلاص. لذا فقد راوَغوا في موضوعِ الخلاصِ حَتَّى لم يَعُد بمقدورِهم أنْ يَخلَصُوا.

ولكِنْ بالنِّسبة إلى آخَرين، أيْ إلى الأشخاصِ الَّذينَ جاءوا إلى المسيحِ بالإيمانِ والتَّوبة، فقد خَلَصُوا. ثُمَّ إنَّهُ قِيْلَ لَهُم: "بعدَ أنْ خَلَصْتُم، يجب عليكم أنْ تَحفظوا كُلَّ شَرائِعِ مُوسَى تلك". وقد حَفِظَ بعضٌ مِنهم السَّبتَ، ورأى بعضٌ منهم أنَّه يجب عليهم أنْ يُخْتَنوا وأنْ يَخْتِنوا الأُمَمَ أيضًا. وقد شَعَرَ بعضٌ منهم أنَّهُ يجب عليهم أنْ يَتْبَعوا الشَّرائعَ المُختصَّةَ بالطَّعام.

لِذا، كانَ لا بُدَّ أنْ يُعالِجَ بولُس كِلا المَسألتَيْن: مَسألةَ أولئكَ الَّذينَ تَلاعَبوا بعقيدةِ الخلاص مِنْ خلالِ إضافةِ الأعمالِ والطقوسِ إليها؛ ومسألة أولئكَ الَّذينَ آمنوا بعقيدة الخلاص النقيَّة وآمنوا بالمسيحِ وفقًا للشروط السَّليمة ولكنَّهم يَظُنُّونَ الآنَ أنَّه يجب عليهم أنْ يُضيفوا إلى ذلك أمورًا أخرى مِثلَ مُمارسةِ جميعِ طُقوسِ ناموسِ مُوسى. وقد كانَ كِلا الفَريقَيْنِ مُخطئٌ. فأنتَ لستَ بحاجة إلى الطُّقوسِ الموسويَّة لكي تَخْلَص. وأنتَ لستَ بحاجة إلى الاحتفاظِ بها بوصفكَ مُؤمِنًا لأنَّ ذلكَ النَّاموسَ قدِ اضْمَحَلَّ.

لِذا فإنَّهُ في هذا النَّصِّ تَحديدًا (أيْ في رسالة كورنثوس الثانية والأصحاح الثالث)، يَعْلَمُ أنَّهُ يُواجِهُ مُهَوِّدينَ نامُوسِيِّينَ موجودينَ في كورِنثوس للتَّرويجِ لهذا النَّوعِ مِنَ الدِّيانةِ الطَّقسيَّةِ. وهو يريدُ أنْ يَتطرَّقَ إلى أنَّ كُلَّ تلك الأمور الرَّمزيَّة والتصويريَّة والتَّشبيهيَّة قد أُبْطِلَتْ لأنَّ الحقيقة قد ظَهَرَتْ هُنا في المسيح.

وهو يقول في العدد 6 إنَّنا "خُدَّامُ عَهْدٍ جَدِيد". خُدَّامُ عهدٍ جديد. وهذا العهدُ الجديد لَهُ سَبْعٌ سِماتٍ مُمَيِّزَة – سَبْعُ سِماتٍ مُمَيِّزَة. واسمحوا لي أنْ أذكُرَها لكم: إنَّهُ يُحْيِي. وَهُوَ يُثْمِرُ بِرًّا. وَهُوَ دائمٌ. وَهُوَ واضحٌ. وَهُوَ يَتَمَرْكَزُ حولَ المسيح. وَهُوَ مُحَرِّرٌ. وَهُوَ مُغَيِّرٌ.

 

وسوفَ أَذكُرُ هذه السِّماتِ مَرَّةً أخرى: إنَّهُ يُحْيي. وَهُوَ يُثْمِرُ بِرًّا. وَهُوَ دائمٌ، وَواضحٌ، وَيَتَمَرْكَزُ حولَ المسيح. وَهُوَ مُحَرِّرٌ وَمُغَيِّرٌ. وهذه هي السِّماتُ الفائقة للعهدِ الجديد بحسبِ النَّصِّ الَّذي أمامَنا. وهي أمجادٌ رائعةٌ وعظيمةٌ للعهدِ الجديد.

ولنتأمَّل في السِّمَةِ الأولى. وقد تحدَّثنا عن ذلك قبلَ بِضعة أسابيع حينَ تأمَّلنا في العدد السَّادس. ولكنِّي أريدُ أنْ نَتحدَّثَ عنها مَرَّةً أخرى. لذا، أريدُ أنْ أُراجِعَ المُراجَعَة. ولكنِّي أريدُ أنْ أقولَ بضعةَ أشياء أكثر مِمَّا قُلتُهُ سابقًا.

انظروا إلى العدد 6. أوَّلاً، العهدُ الجديدُ يُحْيِي. فنحنُ "خُدَّامُ عَهْدٍ جَدِيدٍ. لاَ الْحَرْفِ بَلِ الرُّوحِ. لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي". والآن، أريدُ منكم أن تَفهموا ما يقولُهُ هذا العَدَد. وسوفَ يتطلَّبُ الأمرُ قليلاً مِنَ التَّفكيرِ مِنكم للقيامِ بذلك لأنَّهُ مُهِمٌّ جدًّا جدًّا.

وسوفَ تُلاحظون في العدد 7 أنَّ العهدَ القديم (أيْ: النَّاموس) يُسَمَّى "خِدْمَةُ المَوْت". وهو يُسَمَّى في العدد 9: "خِدمة الدَّينونة". هل هذا واضِح؟ فالعهدُ القديمُ قَاتِلٌ. وقد أَوْضَحْنا ذلكَ في المرَّة السَّابقة.

والآنْ، رَكِّزوا معي بعناية. إنَّ العهدَ القديمَ قَاتِلٌ. وسوفَ نَتَجَنَّبُ الحَديثَ عنِ العدد 6 قليلاً. فسوفَ نتحدَّث فقط عن فكرةِ خِدمةِ الموت وخِدمةِ الدَّينونة. فلماذا أَعْطى اللهُ النَّاموس؟ يقولُ الرسولُ بولس إنَّ النَّاموسَ أُعْطِيَ "بِسَبَبِ التَّعَدِّيَات". حسنًا؟ فاللهُ أَعطى النَّاموسَ لِيُظهِرَ للإنسانِ مِقدارَ خَطيَّتِه. والنَّاموسُ، بحسب بولُس، هو مُعَلِّمُنا ومُدَرِّسُنا الَّذي يَقودُنا إلى المسيح.

بعبارة أخرى، إنَّهُ يُرينا حاجَتَنا المَاسَّة إلى فَادٍ. فاللهُ وَضَعَ نَاموسًا أوْ مِعيارًا. فالوصيَّة صالحة. وهي مُقَدَّسة. فلا توجد مُشكلة في النَّاموس. بل إنَّ المُشكلة تَكْمُنُ في الخاطئ. أليسَ كذلك؟ فهو لا يَستطيعُ أنْ يَحفظَ النَّاموس. والآن، اسمعوني جَيِّدًا:

في ذلك النَّاموس، هناكَ مبادئ أدبيَّة مُطْلَقَة وثابتة لا تَتغيَّر البَتَّة. ولكِنْ أيضًا في ذلك النَّاموس، هناكَ رُموزٌ للفِداءِ الآتي. لِذا فقد كانَ اليَهوديُّ المُلْتَزِمُ بالعهدِ القديم يَسْعى جاهدًا لإطاعةِ المبادئِ الأدبيَّةِ للنَّاموس، وكانَ في الوقتِ نَفسِه يُمارِس الطُّقوس الَّتي تَرْمِزُ إلى تلكَ المبادئ الأدبيَّة وتَرْمِزُ إلى ذلكَ الفِداء الآتي؛ أو بالأحرى: كانت تَرمِزُ إلى خطاياهُم، وإلى عَجْزِهِم عنْ بُلوغِ ذلكَ المِعيارِ الأدبيِّ. ومِنَ الأمثلةِ على ذلك "الخِتان" الَّذي كانَ يَرمِزُ إلى التَّطهير الَّذي هُناكَ حاجةٌ ماسَّةٌ إليهِ في القلب. وقد كانت جميع الغَسْلاتِ والمَعموديَّاتِ والطُّقوسِ رُموزًا إلى الحاجة إلى التَّطهير.

إذًا، فقد كانت هناك شريعة أدَبيَّة حقيقيَّة. وقد كانت تَحْوي رُموزًا ينبغي القيامُ بها خارجيًّا. فَمِنَ الواضِحِ أنَّ الشَّريعةَ الأدبيَّةَ موجودة في الدَّاخِل، وأنَّ الطُّقوسَ كانت تُمارَسُ خارجيًّا. فقد كانتِ الشَّريعةُ الأدبيَّة هي مِعيارُ اللهِ للحياةِ. أمَّا الرُّموزُ فكانت صُوَرًا وتشبيهاتٍ واستعاراتٍ ورُموزًا لِعَمَلِ الفداءِ الَّذي سيتحقَّق في المسيح.

والآنْ، لننظر إلى الجانبِ الأدبيِّ. فمعَ أنَّ النَّاموسَ كانَ طَريقَ الحياةِ، لم يكن بمقدورِ الخاطئِ أنْ يَحْفَظَهُ. فقد كانَ عاجِزًا عن تطبيقِه. فمهما حاولَ، لم يكن بمقدورِهِ أنْ يُطَبِّقَهُ. والحقيقة هي أنَّ الرسولَ بولسَ ظَنَّ حَقًّا أنَّهُ شخصٌ بارٌّ جِدًّا. وقد ظَنَّ أنَّهُ شخصٌ صَالِحٌ ِجِدًّا. وأنتُم تَسمعونَ النَّاسَ يقولونَ ذلكَ طَوالَ الوقت: "أعتقد أنَّني صَالحٌ جِدًّا. ففي نهايةِ المَطاف، أنا واثقٌ أنَّ حَسَناتي تَفوقُ سَيِّئاتي".

وقد ظَنَّ الرسولُ بولس أنَّهُ شخصٌ صالحٌ جدًّا. وَهُوَ يقول في رسالة رومية 7: 9: "أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ بِدُونِ النَّامُوسِ عَائِشًا قَبْلاً". فقد كنتُ أظُنُّ أنَّني شخصٌ صالحٌ. "وَلكِنْ لَمَّا جَاءَتِ الْوَصِيَّةُ عَاشَتِ الْخَطِيَّةُ، فَمُتُّ أَنَا". لقد مُتُّ. "فَوُجِدَتِ الْوَصِيَّةُ الَّتِي لِلْحَيَاةِ هِيَ نَفْسُهَا لِي لِلْمَوْتِ". ثُمَّ إنَّهُ يقولُ شيئًا آخَر: لأَنَّ الْخَطِيَّةَ، وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ ... الخطيَّة خَدَعَتْنِي بِهَا وَقَتَلَتْنِي".

والآنْ، أريدُ منكم أنْ تُتابِعوا ما يَلي. فهو يقول: "النَّاموسُ قَتَلَني حَقًّا". فقد قَتَلَني بثلاثِ طُرُق: فَمِنْ جِهَة: لقد أَوْجَدَ النَّاموسُ مَوْتًا حَيًّا. فقد كنتُ أَظُنُّ أنِّي حَيٌّ، ثُمَّ رأيتُ النَّاموسَ فَمُتُّ. وما الَّذي تَعنيهِ بأنَّكَ مُتَّ؟ لقد كنتُ مُحْبَطًا، وحزينًا، ويائسًا، وأشعُرُ بالذَّنبِ والعار. فهو مَوْتٌ حَيٌّ. فقد قَتَلَ فَرَحي. وقد قَتَلَ سَلامي. وقد قَتَلَ ثِقَتي. وقد قَتَلَ رَجائي. وقد قَتَلَ إنْجازي. فقد كنتُ أَظُنُّ أنِّي على ما يُرام إلى أنْ رأيتُ ناموسَ اللهِ حَقًّا. وحينَ رأيتُ حَقًّا ناموسَ اللهِ، قلتُ لنفسي: "أنا لستُ على ما يُرام. بل أنا في وَرطة حقيقيَّة". وقد شَعرتُ باليأس. إنَّهُ مَوْتٌ حَيٌّ.

وَمِنْ جِهة ثانية، إنَّهُ لم يَقْتُلهُ وحَسْب مِنْ خلالِ الموتِ الحَيِّ، بل إنَّهُ قَتَلَهُ أيضًا مِنْ خلالِ تَوَقُّعِ الموتِ الأبديِّ. بعبارة أخرى، مِنْ خلالِ الموتِ الرُّوحِيِّ. فقد قَتَلَهُ رُوحيًّا. بعبارة أخرى، فإنَّ الأصحاحَ الثَّالثَ مِنْ رسالة غلاطيَّة يُعَبِّرُ عن ذلكَ أَوْضَحَ تَعبير: "لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ". فإنْ حاولتَ أنْ تَسْلُكَ في هذا النَّاموسِ الأخلاقيِّ بمُفردِك، وبنفسِك، وبأعمالِك، فإنَّكَ تحتَ لَعْنَة. لماذا؟ "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ»".

 

بعبارة أخرى، إذا كَسَرْتَ ناموسًا واحدًا مَرَّةً واحدةً، فإنَّكَ مَلعونٌ. ونحنُ لا نتحدَّثُ هنا عن لَعنةٍ بِمَعنى أنَّكَ ستشعرُ بالإحباطِ والعارِ والذَّنب. بل نَتحدَّثُ عن لَعنةٍ بِمَعنى أنَّكَ ستكونُ مُنفصِلاً عنِ اللهِ إلى الأبد. فالنَّاموسُ قَتَلَني حَقًّا. فقد أَرَاني أنَّني لستُ الإنسانَ الَّذي كنتُ أَظُنُّ أنِّي هو. والحياةُ تأخذُ شَكْلَ مَوْتٍ حَيٍّ، وإحباطٍ، وعَدَمَ شُعورٍ بالإنجاز. فقد قَتَلَني بِمَعنى أنَّهُ حَكَمَ عَلَيَّ باللَّعنةِ الأبديَّة.

اسمَعوني: في ذلكَ الوقتِ تَحديدًا، عَمِلَ النَّاموسُ عَمَلَهُ. فقد كانَ هذا هو ما ينبغي أنْ يَفْعَلَهُ. فقد كانَ ينبغي لَهُ أنْ يَحْشُرَ النَّاسَ في الزَّاوية، أيْ أنْ يَحْشُرَهُمْ ولا يَتْرُكُ لهم أيَّ مَهْرَبٍ مِنْ حقيقةِ أنَّهُمْ خُطاةٌ بائسونَ وتحتَ الدَّينونة. فقد كانَ هذا هو عَمَلُه. لِذا، عندما قامَ بذلك، كانَ يقومُ تَمامًا بما ينبغي أنْ يَقومَ به. فقد كانَ طَريقَ حَياةٍ. لقد كانَ طَريقَ حَياةٍ لا يُمْكِنُ بُلوغُهُ. وقد كانَ ذلكَ هُوَ ما يَجْعَلُ الخاطئَ يُدرك أنَّهٌ مَيِّتٌ حَقًّا. وبهذا فقد كانَ خِدمةَ موتٍ وخِدمةَ دينونة. فقد كانَ قاتِلاً. قاتِلاً بِحَقّ. ولكِنَّهُ قد أُعْطِيَ للقيامِ بذلك الأمر تَحديدًا.

والآنْ، لنأخُذ قِدِّيسًا مِنْ قِدِّيسي العهدِ القديم. حسنًا؟ لنأخذ أيَّ شخصٍ تُريدون: مُوسى أو أيَّ شخصٍ آخر مِثْلَ إشعياء أوْ إرْميا. فهل تَعلمونَ ما الَّذي حَدَث؟ لقد كانوا يَعلمونَ أنَّ الخلاصَ كانَ بالإيمان لأنَّهم كانوا يَعلمونَ أنَّ إيمانَ إبراهيم هو الَّذي جَعَلَ اللهَ يُبَرِّرَهُ. أَتَذكرونَ ذلك؟ فقد آمَنَ إبراهيمُ باللهِ فَحَسِبَهُ لَهُ برًّا. أليسَ كذلك؟ وقد كانوا يَعلمونَ أنَّ نُوْحًا خَلَصَ بالنِّعمَة. أَتَذكرون؟ فقد وَجَدَ نُوْحٌ نِعْمَةً.

لِذا، فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ عاشوا في العهدِ القديمِ وَفَهِموا حَقًّا أنَّ الخلاصَ يَحْدُثُ حينَ تأتي إلى اللهِ بالإيمان وتَقبلُ نِعْمَتَه. ولكِنْ ما الأمرُ الَّذي يَسْبِقُ ذلك؟ إدراكُ خَطيئَتِك، وعَجْزك، وعَدَم قُدرَتِكَ على القيامِ بأيِّ شيء. أَتَرَوْن؟ فَهُناكَ جَانِبٌ مِنْ سُقوطِنا يَجْعَلُنا نَظُنُّ أنَّنا نَستطيعُ أنْ نَنْهَضَ مِنْ تِلقاءِ أنفُسِنا، وأنَّنا نستطيعُ أنْ نُحَقِّقَ ما يُريدُ اللهُ مِنَّا أنْ نُحَقِّقَه بِمُفرَدِنا. ولكِنَّنا لا نَخْلَصُ ما لم نُدرِك إفلاسَنا التَّامَّ، وما لم نَصِلْ إلى تلكَ النُّقطةِ الَّتي تَنْعَدِمُ فيها ثِقَتُنا بأنفُسِنا، وما لم نَبْكي وَنَقْرَع على صُدورِنا قائِلين: "اللهُمَّ ارْحَمْني، أنا الخاطئ".

فهل تَذكرونَ ذلكَ الشَّخصَ العَشَّارَ الَّذي فَعَلَ ذلكَ في الهيكل في إنجيل لوقا والأصحاح 18؟ وهل تُدركونَ أنَّهُ لم يَكُن مَسيحيًّا مِنَ العهدِ الجديد؟ فقد كانَ خاطِئًا مِنَ العهدِ القديم يَعيشُ تحتَ حُكْمِ النَّاموس. وقد فَعَلَ النَّاموسُ في حياتِه ما يَنبغي أنْ يَفعلَهُ النَّاموسُ تمامًا. فقد قَادَهُ إلى النُّقطةِ الَّتي قَرَعَ فيها على صَدْرِهِ قائلاً: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ". وهذا هو ما كانَ ينبغي للنَّاموس أنْ يَفعلَهُ: أنْ يَحْشُرَكَ في الزَّاوية.

وقبلَ إعْطاءِ النَّاموس، لم يَكُنِ النَّاسُ يَفهمونَ عُمْقَ وأبعادَ آثامِهِم. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 17 أنَّ اللهَ تَغاضَى "عَنْ أَزْمِنَةِ الجَهْلِ"، وأنَّهُ كانَ صَبورًا، وأنَّهُ كانَ طَويلَ الأناةِ أكثر لأنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّهُ لا يوجد ناموسٌ صَارِمٌ وواضِحٌ، أوْ واضِحٌ جِدًّا، يُمْكِنُ الحُكْمُ على النَّاسِ مِنْ خلالِه بأنَّهُم أشرار. لِذا فقد كانَ صَبورًا أكثَر. ولكِنْ عندما جاءَ النَّاموس، صارَ هُناكَ مِعْيارٌ.

لِذا، إليكُم ما كانَ يَحْدُثُ آنَذاك. فقد كانَ الشَّخصُ الَّذي يَعيشُ في العهدِ القديمِ (سَواءٌ كانَ يَهوديًّا أو رُبَّما مُتَهَوِّدًا مِنَ الأُمَم) يَخْضَعُ لِنَاموسِ اللهِ. وقد كانَ يَرى حَالَتَهُ على حَقيقَتِها. ورُبَّما كانَ يَرى النَّاموسَ بأَضْيَقِ صُوَرِه: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، ومِنْ كُلِّ قُدرَتِك. وتُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". ورُبَّما كانَ يَقول: "أنا لا أُحُبُّ الربَّ الإلَهَ مِنْ كُلِّ قلبي، ونَفسي، وفِكري، وقُدرتي". فهذا أَمْرٌ يَفوقُ قُدرَتي ومَشاعِري".

فَرُبَّما فَهِمَ النَّاموسَ وأنَّ النِّصْفَ الأوَّلَ مِنَ الوصايا العشر يَختصُّ بالعلاقةِ باللهِ، وأنَّ النِّصفَ الثاني يَختصُّ بالعلاقةِ بالنَّاسِ الآخرين. ورُبَّما وَجَدَ أنَّهُ تَعَدَّى أحيانًا على ناموسِ الله. أو رُبَّما تَعَلَّمَ كُلَّ شرائعِ النَّاموسِ الموجودة في شريعةِ مُوسى والمذكورة في أسفارِ موسى الخمسة في العهدِ القديم. وفي أيِّ مَكانٍ تَقاطَعَ فيهِ معَ ناموسِ اللهِ، كانَ يَقولُ في نفسِه: "لا يُمكنني أنْ أَحْفَظَ النَّاموس". وحينئذٍ، كانَ يَنظرُ إلى عَجْزِهِ وَيَأسِهِ ويقول: "أنا هَالِكٌ لا مَحالَة ... أنا هَالِكٌ".

وكما قالَ بولُس (أو بالحَرِيِّ: كما فَعَلَ العَشَّارُ)، فإنَّهُ يَقرَعُ على صَدرِهِ ويقول: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الخَاطِئ. فأنا عاجِزٌ عن تَخليصِ نَفسي. وأنا هَالِكٌ. وأنا حَيٌّ مَيِّت. وأنا في طريقي إلى الموتِ الأبديّ. ماذا يمكنني أن أفعل؟ وكيفَ أَخرجُ مِن هذه الوَرطة؟" وقد كانَ يَرجِعُ إلى الله لأنَّهُ قد سَمِعَ أنَّ اللهَ هُوَ إلَهٌ مُنْعِمٌ. وَهُوَ كذلكَ بِكُلِّ تأكيد. فعندما قالَ مُوسَى لله: "أَرِنِي مَجْدَكَ". قالَ اللهُ لَهُ: "سوفَ أَدَعُكَ تَرى نِعْمَتي ورَحمَتي" لأنَّ هذا هوَ ما يُظْهِرُ مَجْدَهُ.

فقد كانوا يَعلمونَ أنَّ اللهَ مُنْعِمٌ. فحقيقةُ أنَّ آدَمَ وحَوَّاءَ عَاشَا بعدَ خَطيئَتِهِما تَعني أنَّ اللهَ مُنْعِمٌ. أليسَ كذلك؟ فقد سَمَحَ اللهُ بِفدائِهِما. وقد كانوا يَعلمونَ أنَّ اللهَ مُنْعِمٌ. لِذا، في وَسْطِ يأسِهم بسببِ خطاياهُم، بعدَ أنْ قِيْلَ لهم بوضوح ما هي خطيئتهم لأنَّهم وُزِنُوا بحسبِ ناموسِ اللهِ، كانَ الخاطئُ يأتي بقلبٍ تائبٍ ونادِمٍ مِثلَ ذلكَ العَشَّار الَّذي جاءَ يَقْرَعُ على صَدْرِه قائلاً: "يا رَبّ، لم يَعُد لديَّ مكانٌ أَختبئ فيه. ولم تَعُد لديَّ مَوارِد. فأنا عاجِزٌ عن حِفْظِ النَّاموس. فهو يَقْتُلُني. وأنا مَيِّتٌ لا مَحالَة. وكُلُّ ما يمكنني أن أفعلَهُ هو أنْ أُلقي نفسي على رَحْمَتِك و نِعمَتِك. أرجوكَ أنْ تُخَلِّصني".

وفي النُّقطةِ الَّتي كانوا يُمارِسونَ فيها الإيمانَ، كانوا يَخْلَصون. وقد تقول: "حسنًا! وكيفَ كانَ بِمَقدورِ اللهِ أنْ يَمْحُو خَطاياهُم؟" لأنَّ يسوعَ كانَ سيأتي، ولأنَّ جَسَدَهُ كانَ سيَحملُ الخطايا الَّتي كانَ اللهُ يَغْفِرُها. فهكذا كانَ النَّاسُ في العهدِ القديمَ يَخلَصون. "بالإيمانِ مِنْ خِلالِ النِّعمة". وقد كانَ النَّاموسُ يَقومُ بِدَوْرٍ مُنْعِمٍ لأنَّهُ كانَ يَجْذِبُهم إلى تلكَ النُّقطة. فقد كانَ هذا هو الشيء الَّذي ينبغي أنْ يَقومَ به.

ولكِنْ هل تَعلمونَ ما الَّذي حدث؟ لقد كانَ النَّاموسُ يَقْتُلُ بهاتَيْنِ الطَّريقَتَيْن. ولكِنْ كانت هناكَ طريقة ثالثة يَقْتُلُ بِها النَّاموس. وعندما يَقتُلُ بهذه الطريقة فإنَّهُ يَقتُل حَقًّا. إنَّهُ يَقتُل حَقًّا. انظروا إلى رسالة رُومية 9: 31. والآنْ، تابِعوا بِدِقَّة شديدة رُومية 9: 31: "وَلكِنَّ إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ يَسْعَى فِي أَثَرِ نَامُوسِ الْبِرِّ، لَمْ يُدْرِكْ نَامُوسَ الْبِرِّ!" يا للعَجَب!

إنَّ الحديثَ هُنا هو عن إسرائيل. فقد كانوا يَسْعَوْنَ في أَثَرِ البِرِّ مِنْ خلالِ الناموس. ولكنَّهم لم يَتَمَكَّنوا مِنْ تَحقيقِ ذلك. والآن، اسمعوا جَيِّدًا: لقد كانَ النَّاموسُ قادرًا (اسمعوني جَيِّدًا): لقد كانَ بمقدورِ الناموسِ أنْ يُساعِدَكَ على إدراكِ البِرّ؟ كيف؟ مِن خلالِ إظهارِ خَطاياك. وحينَ تُدركُ استحالةَ بُلوغِ البِرّ، فإنَّكَ سَتُلقي نفسكَ بالإيمان على رَحْمَةِ اللهِ ونِعمَتِهِ وغُفرانِه.

وبتلك الطريقة، كانَ بمقدورِ الناموس أنْ يَقودَكَ إلى البِرّ. وبتلك الطريقة، كانَ بمقدورِهِ أنْ يُحَقِّقَ غَايَتَهُ القائمة على النِّعمة؛ مَعَ أنَّهُ لم يكن بمقدورِكَ أنْ تَخْلَص مِن خلالِ إطاعَتِه لأنَّهُ لم يكن بمقدورِكَ أنْ تُطيعَهُ طاعةً كاملة. ولكِنْ على الأقل، كانَ بمقدوركَ أنْ تَعلَم عَجْزَكَ. ثُمَّ إنَّ النَّاموسَ يَقودُكَ إلى البِرِّ الَّذي يَهَبهُ اللهُ لِلَّذينَ يُؤمِنون.

ولكِنَّ إسرائيلَ لم يَبلُغْ يومًا النُّقطةَ الَّتي يَفهمُ فيها الغايةَ مِنَ النَّاموس. وهل تَعلمونَ ماذا فَعَلوا؟ نَقرأُ في العدد 32: لِمَاذَا لم يُدْرِكْهُ يومًا؟ "لأَنَّهُ فَعَلَ ذلِكَ لَيْسَ بِالإِيمَانِ، بَلْ كَأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ". فهل تَعلمونَ ماذا فعلوا؟ عِوَضًا عن أن يَنظرَ اليَهوديُّ إلى النَّاموسِ الأدبيِّ ويقول: "أنا عاجِزٌ. وأنا إنسانٌ حَيٌّ ولكنِّي مَيِّت. وأنا سأصرِفُ الأبديَّةَ مِنْ دُونِ الله. اللَّهُمَّ ارْحَمْني، أنا الخاطئ"، فإنَّهُم رَفَضوا قَبولَ ذلك. وقد رَفضوا أنْ يَقبلوا تَقييمَ حالَتِهم. لذا فقد التَفَتُوا إلى الجانبِ الطَّقسيِّ. أليسَ كذلك؟ وقالوا: "حسنًا! نَحْنُ نَعْلَمُ ما نَحْنُ فاعِلون. سوفَ نَصيرُ أبرارًا مِن خلالِ حِفْظِ كُلِّ الطُّقوس". لِذا، فقد وَضَعُوا كُلَّ هذا النِّظامَ الدِّينيِّ القائمَ على الطُّقوسِ، والكَهَنوتِ، والشَّعائِرِ، والمَظاهرِ الخارجيَّة.

وهذا هو تمامًا ما قَصَدَهُ بولس حينَ قال إنَّهم لم يُدْرِكُوا النَّاموس. فَهُم لم يُدركوهُ بمَعنى أنَّهُم لم يَستوعبوا يومًا قَصْدَهُ لأنَّهم أرادوا أنْ يَسْعَوْا في أَثَرِهِ بالأعمال. فقد كانوا عاجِزينَ عنِ القيامِ بهذا الجانبِ (أيِ الجانبِ الأدبيِّ) بالأعمال. ولكنَّهم يَستطيعونَ، بِكُلِّ تأكيد، أنْ يَقوموا بالجانبِ الطَّقسيِّ. أليسَ كذلك؟

والآن، هل يُذَكِّرُكُم هذا الأمر بنفسِ النَّوعِ مِنَ الطَّقسيَّة والشَّعائريَّة الَّتي نَراها اليوم في الكنائسِ الأرثوذكسيَّة اليونانيَّة، وكنائس الرُّوم الكاثوليك، والكنائسِ البروتستنتيَّة الطَّقسيَّة حيثُ لا يُدركُ النَّاسُ حَقًّا أنَّ قَصْدَ اللهِ مِنَ الشَّريعة الأدبيَّة هو أنْ يَشعروا باليأسِ، والنَّدَمِ، والانكسارِ، والانسحاقِ، والتَّوبةِ. ولكنَّهم يَستعيضونَ عن ذلكَ كُلِّهِ بالطُّقوسِ، والوُقوفِ، والجُلوسِ، وإشعالِ الشُّموعِ، والقيامِ بكُلِّ تلك الأشياء، ومُمارسة كُلِّ تلك الأمورِ بطريقة آلِيَّة ظَنًّا مِنهُم أنَّ اللهَ سيَقبلُ ذلكَ كما لو كانَ تَدَيُّنًا حقيقيًّا وبِرًّا.

لِذا فإنَّ اللهَ يُبْغِضُ الطَّقسيَّة: لأنَّها ضَلالَةٌ تَقودُ إلى الهَلاكِ لأنَّهُ لا يمكنكَ مِنْ خِلالِها أنْ تُدْرِكَ القَصدَ الحقيقيَّ للنَّاموس. ونحنُ نقرأُ في رسالة رُومية 10: 3 أنَّ اليهودَ "كَانُوا يَجْهَلُونَ بِرَّ اللهِ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ".

ولتبسيطِ الأمر، لقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ كانَ أَقَلَّ بِرًّا مِنْهُم، أوْ بالحَرِيِّ: لقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ كانَ أَقَلَّ بِرًّا مِمَّا هو عليه في الحقيقة. وقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُم أكثر بِرًّا مِمَّا هُمْ عليه في الحقيقة، وأنَّهُم على ما يُرام. ويا لها مِنْ خِدْعَة مُريعَة! أليسَ كذلك؟ لِذا فقد كانَ يَسوعُ يَتَجَرَّأُ على النَّظَرِ إلى عُيونِ أكثرِ فئة مُتديِّنَة، ومُدَقِّقة، وطَقسيَّة، وناموسيَّة، ومُلتزمة بشريعة مُوسى مِنَ اليهود (أي: الفَرِّيسيِّين)، وأنْ يقولَ لهم: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ. ... حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأتُوا".

وأوَدُّ أنْ أقولَ لكم، يا أحبَّائي، إنَّ هناكَ أُناسًا عالِقينَ لا في الطُّقوسِ اليهوديَّةِ اليوم، بل إنَّ هُناكَ أُناسًا عَالِقينَ في طُقوسِ كنيسةِ الرُّوم الكاثوليك، وفي الطقسيَّةِ الأرثوذكسيَّة. وطَقسيَّةٌ كهذهِ تَتَمَحْوَرُ حولَ الرُّموزِ لا يمكن أنْ تُعالِج المسائل الأدبيَّة المُختصَّة بموتِهم الرُّوحِيِّ، ولا يُمْكِن أنْ تَقودَهم إلى الانكسارِ، والتَّوبةِ، والنَّدَمِ، وقَبولِ يسوعَ المسيحِ بالنِّعمَة مِنْ خلالِ الإيمان.

وهذا موتٌ حقيقيٌّ لأنَّكَ الآنَ شَوَّهْتَ كُلَّ قَصْدِ ناموسِ اللهِ. ومِنْ جِهَةِ الموتِ، أنتَ مَيِّتٌ حَقًّا. وبعدَ أنْ قُلْتُ هذا كُلَّهُ، فإنِّي لم أَبتدئ بعد بقراءة مُلاحظاتي!

وهذا كُلُّهُ يَقودُنا إلى العدد السَّادس الَّذي وَصَلْنا إليه. والآنْ، انظروا إلى ما جاءَ فيه: فهو يقولُ إنَّنا خُدَّامُ عَهْدٍ جديد. والآن، اسمعوا جَيِّدًا: "لاَ الْحَرْفِ بَلِ الرُّوحِ. لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي". اسمعوا ما سأقولُهُ لكم. فهل تَعلمونَ شيئًا؟ حَتَّى في زَمَنِ العهدِ القديم، فإنَّ الحَرْفَ كانَ يَقْتُل، والرُّوحَ كانَ يُحْيي. فَحَتَّى في زمنِ العهدِ القديمِ، كانَ هذا الأمرُ صَحيحًا.

وما المَقصودُ بالحَرْف؟ أعتقد أنَّ الكَلِمَة "حَرْفَ" هُنا ليسَت مُجَرَّدَ مُرادِفٍ للنَّاموس. فأنا لا أعتقدُ أنَّ هذا هو المقصود. وأنا لا أعتقدُ أنَّها مُرادفٌ مُباشِرٌ للناموس. بل إنِّي أعتقد أنَّهُ لَفْظٌ يُعَبِّرُ عنْ تَشويهِ القصدِ الحقيقيِّ للنَّاموس. فقد كانَ القصدُ الحقيقيُّ للنَّاموس هو أنْ يَجعلَ الإنسانَ يُدركُ خَطيئَتَهُ، وعَجْزَهُ، ويأسَهُ، وقُنوطَهُ. وبعدَ أنْ يُدركَ أنَّهُ غَارِقٌ في مُستنقعِ الخطيَّةِ، ويُدركَ أنَّهُ عاجِزٌ عنِ القيامِ بأيِّ شيءٍ بخصوصِ حالَتِهِ تلك، فإنَّهُ يُلقي نَفسَهُ على رَحْمَةِ اللهِ ونِعْمَتِهِ ويأتي إليهِ بالإيمان. وحينَ يأتي، فإنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُ. بِكُلِّ تأكيد!

والآيتان إشعياء 55: 6 و 7 تُعَبِّران عن ذلك بوضوحٍ تامٍّ. وهُناكَ آياتٌ كثيرة أخرى تَفعل ذلك في الأسفارِ النَّبويَّة. لِذا، اسمعوني: إنَّ بولسَ لا يَستخدمُ الكلمة "حَرْف" كمُرادِفٍ بَسيطٍ للنَّاموس. بل إنَّ "الحَرْفَ" هُنا يُشيرُ بالحَرِيِّ إلى الشَّيءِ الوحيدِ المُتَبَقِّي لدى الشَّخصِ النَّاموسِيِّ نتيجةَ سُوْءِ فَهْمِ النَّاموسِ، أو نَتيجةَ سُوءِ استخدامِ النَّاموسِ لأنَّ النَّاموسَ رُوحِيٌّ (كما جاءَ في رسالة رُومية 7: 14). فَحَرْفُ النَّاموسِ يَعني الانفصالَ عن رُوحِ النَّاموسِ (وَهِيَ سِمَتُهُ الحَقيقيَّة). فَهُوَ ما أَسْماهُ الشَّارِحُ "كرانفيلد" (Cranfield) الَّذي شَرَحَ رِسالة رُومية: "النَّموسُ المَمْسوخ". فقد جُرِّدَ مِنْ مَعْناه.

لِذا فقد وَجَدَ اليهودُ أنفُسَهُم أمامَ نَاموسٍ كانَتِ الغايةُ مِنْهُ هي أنْ يَكْشِفَ عن حالَتِهم الخاطئة ويَقودَهُم إلى الله. والطريقةُ الوحيدةُ لحدوثِ ذلك هي أنْ يَقْبَلوا حَقًّا رُوْحَ النَّاموس، وأنْ يَقبَلوا حَقًّا القَصْدَ مِنَ النَّاموس، وأنْ يَقبلوا حَقًّا الجانِبِ الدَّاخليَّ مِنْهُ. ولا شَكَّ أنَّ ذلكَ يَتَطَلَّبُ الرُّوحَ القُدُسَ أيضًا. ويُمكنكم أنْ تَنظروا إلى الكلمة "رُوح" هُنا بِمَعنى: "القَصْد أو الجوهر الأدبيِّ للنَّاموس"، أو بِمَعنى: "الرُّوح القُدُس". فَهذا التَّفْسيرُ أوْ ذاكَ مَقبولٌ لَدَيَّ.

فنحنُ خُدَّامُ عهدٍ جديد. وفي العهدِ الجديد، نحنُ نَتعامَلُ معَ الرُّوحِ القُدُس. ونحنُ نَتعاملُ معَ الأمورِ المُختصَّةِ بالقلب، والأمورِ المختصة بالرُّوح، والأمورِ المختصة بالدَّاخل. لا معَ الطقوس الخارجيَّة لأنَّ الطقوسَ الخارجيَّة تَقْتُل. أمَّا الرُّوحُ (أيِ الرُّوحُ القُدُسُ) فَإنَّهُ يُحْيِي.

وهذا يَقودُنا، مَرَّةً أخرى، إلى آيةٍ أُخرى نَخْتِمُ بِها وهي رُومية 2: 27. والحقيقةُ هي أنَّني أَجِدُ صُعوبةً في تَرتيبِ كُلِّ هذهِ الأمور في ذِهني فيما أتحدَّثُ إليكُم. ولكنِّي سأستمرُّ في تَفسيرِ هذا النَّصِّ. وسوفَ نَتقدَّمُ فيهِ أكثر يومَ الأحدِ القادِم. ولكِنْ يجب أنْ نَتحدَّث عن العدد 27 مِنْ رسالة رُومية والأصحاحِ الثَّاني. فهل تَرَوْنَ الكلمة "كِتاب" أوْ فقط الكلمة "حَرْف" (كما هُوَ في النَّصِّ الأصليِّ) في مُنتصفِ العدد 27؟ ضَعُوا خَطًّا تحتَ هذه الكلمة حينَ أقرأُها:

"إِذًا إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ [أيِ الأُمَمِيُّ] يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ، ... ألا يَدينُكَ أَنْتَ الَّذِي فِي الكِتَابِ [أوِ: الحَرْفِ] وَالخِتَانِ تَتَعَدَّى النَّامُوسَ؟" فهُنا، يُمكنكُم أنْ تَرَوْا أنَّ الكَلِمَة "حَرْف" تَختلِف عنِ النَّاموس. وأنا أحاولُ فقط أنْ أُثْبِتَ النُّقطةَ الَّتي ذَكَرْتُها عندَ حَديثي عَمَّا جاءَ في رسالة كورِنثوس الثانية والأصحاحِ الثالثِ بأنَّ الحَرْفَ يَختلفُ عنِ النَّاموس. فالحَرْفُ هو تَفسيرُ النَّاموس بطريقة تُجَرِّدُهُ مِنْ مُحتواه الأدبيِّ والرُّوحيِّ وتَجْعَلُهُ خارجيًّا فقط.

والشخصُ الَّذي يَفعل ذلك (كما جاءَ في العدد 28) هو ليسَ يهوديًّا حقيقيًّا: "لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيًّا، وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَانًا، بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ [بِماذا؟] بِالْكِتَابِ [أوِ: الحَرْفِ] هُوَ الْخِتَانُ. لِذا، نَرى هُنا مَرَّةً أخرى أنَّ بولُس يَستخدِمُ الكلمة "حَرْف" لا كَمُرادِفٍ للكلمة "ناموس"، بل كطريقة لوصفِ سُوءِ فَهْمِ النَّاموس، وسوءِ إدراكِهِ، وسوءِ استيعابِهِ.

وحِفْظُ الحَرْفِ يَعني مُمارسة كُلِّ الطُّقوسِ الخارجيَّة مِنْ دُوْنِ المُبالاةِ بالمُحتوى الأدبيِّ حَتَّى إنَّكَ لا تُدركُ يومًا أنَّكَ خاطئ، ولا تُعَبِّر يومًا عن توبَتِك، ولا تأتي يومًا مِنْ خِلالِ النِّعمةِ إلى الإيمانِ وقَبولِ يسوعَ المسيح. فأنتَ تُبالي فقط بالرُّموز. وهذا ضَلالٌ يَقودُ الناسَ إلى الظَّنِّ بأنَّهم على وِفاقٍ معَ قَصْدِ اللهِ في حين أنَّهم ليسوا كذلك.

وهذا قاتِلٌ حقيقيٌّ. قاتلٌ حقيقيٌّ. وهذا أمرٌ يَصْعُبُ جِدًّا التَّعافي مِنه. فقد تَتعافى مِنْ قَصْدِ النَّاموسِ الرَّامي إلى قَتْلِكَ لأنَّهُ، في الحقيقة، يَسعى إلى دَفْعِكَ إلى اليأسِ مِنْ خطاياك لأنَّ هذا سَيَقودُكَ إلى المسيح. أمَّا إذا كنتَ قد بَلَغْتَ النُّقطةَ الَّتي تَعيشُ فيها لأجْلِ الدِّيانةِ الطقسيَّةِ، فإنَّكَ قد تَجاوَزْتَ نُقطةَ الاعترافِ بخطاياك لأنَّكَ غارِقٌ في كِذْبَةٍ مُهْلِكَة.

وكما قُلتُ، فإنَّكُم لا تُواجِهونَ نفسَ خَطَرِ التَّهويدِ ونفسَ المُشكلة اليوم. ولكنَّنا نُواجِهُ مُشكلةَ الدِّيانةِ الطَّقسيَّةِ القائمة على الشَّعائرِ والتي هي سائِدَة جِدًّا في كنيسة الرُّوم الكاثوليك حيثُ إنَّ جُموعًا غَفيرةً مِنَ النَّاسِ يَشعرون أنَّهم يَتمتَّعونَ بعلاقة معَ اللهِ بسبب القيامِ ببعضِ الطُّقوسِ الخارجيَّة. والحقيقةُ هي أنَّها ضَلالة مُخيفَة.

وكما قُلتُ يومَ الأحدِ الماضي، إنْ كُنَّا سَنُغْمِضُ أعيُنَنا، وَنَفْتَحُ ذِراعَيْنا، ونُعْلِنُ للعالَمِ كُلِّهِ أنَّ جميعَ هؤلاءِ الناسِ هُم إخوة وأخوات لنا في المسيح لأنَّهم يَستخدِمونَ اسْمَهُ، وأنَّهُ يجب علينا (بِحَسَبِ ما تُطالِبُنا بِهِ تلكَ الوثيقة الَّتي ذَكَرْتُها في الأسبوعِ الماضي) أنْ نَعْتَرِفَ بخطيَّتِنا لأنَّنا نُحاولُ أنْ نُبَشِّرَ الكاثوليك، فإنَّ هذا يَعني أنَّنا انْضَمَمْنا إلى هذه البِدعة. ولكِنْ لا يَجوزُ لنا أنْ نَفعلَ ذلك. فمَصيرُهُم الأبديُّ على المِحَكِّ. وَصِدْقُ حَقِّ اللهِ على المِحَكِّ أيضًا.

وفي الأسبوعِ القادِمِ، سَنَدْرُسُ المَزيد. دَعونا نُصَلِّي: نَشكُركَ، يا أبانا، على العهدِ الجديدِ في المسيح. فالعهدُ الجديدُ هو الوحيدُ الَّذي يُحْيي مِنْ خلالِ الرُّوح لأنَّ الرُّوحَ هو الوحيدُ الَّذي يَقدرُ أنْ يَدخُلَ القلبَ وأنْ يكونَ جُزْءًا مِنَ الحياةِ الَّتي تَتِمُّ فيها مُعالجةُ الخطيَّة. ونحنُ نَشكرُكَ لأنَّهُ حينَ جاءَ العهدُ الجديد، فإنَّ العهدَ القديمَ أُبْطِلَ مَعَ جَميعِ كُلِّ تلكَ الطُّقوسِ الخارجيَّةِ وكُلِّ تلكَ الشَّعائرِ الَّتي كانت جَميعُها رَمْزًا للتَّطهيرِ الحقيقيِّ والذبيحةِ الحقيقيَّة والاغتسالِ الحقيقيِّ بالمسيح. وحينئذٍ، فقد أُبْطِلَتْ كُلُّ تلكَ الرُّموز لأنَّ الحقيقة موجودة هُنا.

والآن، نحنُ الَّذينَ قُتِلْنا بواسطةِ النَّاموسِ، نَجِدُ بسببِ المسيحِ وسُكْنى الرُّوحِ، نَجِدُ أنَّ النَّاموسَ، النَّاموسَ نَفسَهُ، هُوَ طَريقُ الطَّاعة، وطريقُ الحياةِ، وطريقُ البَرَكَة، وطريقُ الفرح، وطريقُ الإنجازِ لأنَّنا نَستطيعُ مِنْ خلالِ الرُّوحِ أنْ نُطيعَ النَّاموس. وكما قالَ بولُس في رسالة رُومية والأصحاح 8، كَما أنَّ النَّاموسَ قَتَلَنا، فإنَّ المَسيحَ وَهَبَنا حَياةً. والآن، صارَ النَّاموسُ صَديقًا لَنا، وحَياةً لنا، وَبَرَكة.

وأنا أُصَلِّي، يا أبانا، لأجلِ الأشخاصِ العَالِقينَ في ضَلالَةِ الدِّيانة الخارجيَّة مِنْ دُوْنِ أنْ يَتمتَّعوا بعلاقةٍ بِكَ. لَيْتَنا نَصِلُ إلى هؤلاءِ النَّاسِ ونَقودُهُم إلى النَّظَرِ لا إلى تلكَ الطُّقوس، بل إلى النَّظَرِ إلى وَصايا الكِتابِ المقدَّسِ الَّتي تَكْشِفُ عَنْ إثْمِهِم وخطيئتهم والتي تَهْدِفُ إلى اقتيادِهم إلى المسيح.

وليتَنا نَفعلُ كُلَّ ما في وُسْعِنا لمساعدةِ هؤلاء على الاستماعِ إلى صَوْتِ الرُّوحِ القُدُسِ المُبَكِّتِ لكي يأتوا إلى التَّوبة الحقيقيَّة ويَجِدوا غُفرانَكَ. ونحنُ نَشكُرُكَ على ما وَفَّرْتَهُ في المسيح لِقِدِّيسي العهدِ القديم الَّذينَ لم يُكْمَلوا بِدونِهِ، ونَشكُرُكَ على ما وَفَّرْتَهُ لنا فيه. ساعِدنا على أن نكونَ شَعْبًا يَحْيا بالإيمان. وإنْ كانت هُناك يومًا لائِحَةُ شَرَف لمُؤمِني العهدِ الجديد، كَمْ سَنَفْرَحُ إنْ ذُكِرَتْ أسماؤُنا فيها.

ساعِدْنا على أنْ نَكونَ قُدوةً حَسَنَةً على الإيمانِ بيسوعَ المسيح بوصفِنا خُطاةً تائِبينَ أَلْقَيْنا أنفُسَنا على رَحْمَتِكَ مِنْ خِلالِه. نُصَلِّي هذا باسْمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize