Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لقد كانَ لنا الشَّرَف خِلال الأسابيع القليلة الماضية، وفي هذا الصَّباح، أنْ نَتأمَّلَ معًا في رسالة كورِنثوس الثانية والأصحاح الثَّالِث. فهي رِسالة غَنيَّة نابعة مِنْ قلبِ الرَّسولِ بولُس ومُوجَّهة إلى كنيسَتِهِ الحبيبة في كورِنثوس. وإذْ نَتأمَّلُ في الأصحاحِ الثَّالثِ، وتَحديدًا في الآيات مِنْ 6 إلى 18، فإنَّنا نَدْرُسُ موضوعَ "مَجْد العهدِ الجديد" – العهد الجديد. وقد ذَكَّرتُكُم في الأسابيع الماضية بأنَّ العهدَ الجديدَ هو العهدُ بِدَمِ المسيح. فهذا هو وَعْدُ الخلاصِ مِنْ خلالِ موتِ يسوعَ المسيحِ وقيامَتِه. فالعهدُ الجديدُ مَجيدٌ. والعهدُ الجديدُ فيهِ كُلُّ الكِفاية. والعهدُ الجديدُ يُخَلِّص. والعهدُ الجديدُ هو قَلْبُ الإنجيلِ المسيحيِّ الَّذي يَقولُ إنَّ يسوعَ ماتَ، وقامَ ثانيةً لكي يَغْفِرَ خطايانا، ويُلْبِسَنا رِداءَ البِرِّ، ويُعطينا حياةً أبديَّة. فنحنُ نَكْرِزُ بالعهدِ الجديد. ونحنُ نَكْرِزُ بالإنجيل. وكذلكَ فَعَلَ بولُس.

ولكِنْ، ويا للأسَف، فإنَّ بولسَ كانَ مُلاحَقًا مِنْ قِبَلِ أشخاصٍ يَكْرِزونَ بالعهدِ القديمِ أيضًا، مُحاوِلينَ أنْ يُشَوِّشُوا موضوعَ الخلاص. فإنجيلُ يَسوعَ المسيحِ كَافٍ للخلاص. ونحنُ نَقولُ دائمًا إنَّ الخلاصَ هو بالنِّعمة وحدَها، ومِنْ خلالِ الإيمانِ وَحْدَهُ، وبالمسيحِ وَحْدَهُ. فلا توجد طُقوسٌ لازِمَةٌ تُسْهِمُ في الخَلاص. ولا توجد طُقوسٌ ولا أعمالٌ بَشريَّة. فالخاطئُ، المَكسورُ، والنَّادِمُ، والمُتَّضِعُ بسببِ إثْمِهِ (رَجُلاً كانَ أَمِ امرأة) يُدركُ أنَّهُ لا يوجد مَفَرّ مِنَ الدَّينونة والعِقابِ، ويأتي إلى اللهِ، ويَتَضَرَّعُ لأجلِ النِّعمة، ويَتضرَّعُ لأجلِ الرَّحمة، ويَتضَرَّعُ لأجلِ المَغفرة. وعلى أساسِ ما فَعَلَهُ يسوعُ المَسيحُ لِتَحقيقِ عَدالةِ اللهِ وتقديمِ كَفَّارةٍ عنْ ذلكَ الخاطئ، فإنَّ اللهَ يَغْفِرُ للخاطئ، ويَقْبَلُهُ، ويُغَطِّيهِ بِبِرِّ المسيح، ويُعطيهِ الوعدَ بالحياةِ الأبديَّة. فهذا هو الإنجيلُ المَسيحيُّ.

فلا توجد طُقوسٌ تُؤدِّي أيَّ دَوْرٍ في الخَلاص. ولا توجد شَعائِرُ تُؤدِّي أيَّ دَوْرٍ فيه. لِذا، فإنَّنا (في الكنيسة المسيحيَّة الحقيقيَّة الَّتي يُفْهَمُ فيها الإنجيلُ فَهْمًا سليمًا في بيئةِ عَهْدٍ جديدٍ حقيقيَّة) لا نُمارِسُ أيَّ طُقوسٍ ولا نَستخدِمُ أيَّ رُموزٍ، بل نُقَدِّمُ تَفسيرًا واضحًا للحقيقة في يسوعَ المسيح. فنحنُ لا نَتَّكِلُ على أيِّ رُموزٍ في خلاصِنا، بل نَتَّكِلُ على حقيقةِ يسوعَ المسيح. ولكِنْ يوجد دائمًا وأبدًا (سواءٌ في زمنِ بولُس أو في زمانِنا) أُناسٌ يريدونَ أنْ يُرَوِّجُوا لما نُسَمِّيهِ الدِّيانة الرَّمزيَّة، أوِ الدِّيانة الطَّقسيَّة، أو الدِّيانة الشَّعائريَّة الَّتي تُضْفي على بعضِ السُّلوكيَّاتِ الرَّمزيَّةِ قيمةً رُوحيَّةً، وواقعًا رُوحيًّا، ونِعمةً مُخَلِّصَةً.

وقد كانَ يوجدُ في كورِنثوس أُناسٌ يَفعلونَ ذلك. فقد جاءوا وقالوا للأشخاصِ الَّذينَ كانوا قد نالوا الفِداءَ في المسيح أنَّهُ لكي يُبَرْهِنوا على صِحَّةِ فِدائِهم، ولكي يُؤكِّدوا فِداءَهُم، يجب عليهم أنْ يَحفظوا ناموسَ مُوْسَى الطَّقسيّ. وكانَ هذا يَعني أنْ يُخْتَنَ هؤلاء الأُمَم، وأنْ يَحْرِصُوا على مُمارسةِ الغَسلاتِ، والطُّقوسِ، والذبائحِ، وَهَلُمَّ جَرَّا. فقد طَالَبوا بالعودة إلى رُموزِ العهدِ القديم الَّتي صارتِ الآنَ عَتيقةً حيثُ أنَّ الأصْلَ قَدْ حَضَر. ولكِنَّ العودةَ إلى الوراءِ وإضْفاءَ قيمة جديدة على الرُّموز كانتْ أمرًا عَديمَ الجَدوى. فهي تَعني لا فقط رَفْضَ حقيقةِ الإنجيل، بل تعني أيضًا تَشويهَ القَصْدِ والمَعنى مِنَ الرُّموز. فالقَصْدُ مِنْها لم يَكُنْ يومًا أنْ تُقَدِّمَ النِّعمة. والقَصْدُ مِنْها لم يكن يومًا أنْ تُقَدِّمَ حَياةً رُوحيَّةً، بل فقط أنْ تكونَ صُوَرًا لِذاكَ الَّذي يَقْدِرُ أنْ يَفعلَ ذلك وسَيَفعلُ ذلك.

لِذا، مِنْ أجلِ مُعالجة هذه المَسألة في كورِنثوس، فإنَّ بولسَ يَكْتُبُ في هذا المَقطعِ عن أهميَّةِ أنْ يَفهمَ النَّاسُ الفَرْقَ بينَ العهدِ الجديد والعهدِ القديم. أو بتعبيرٍ أفضل: أنْ يَفهمَ النَّاسُ الانتقالَ مِنَ العهدِ القديم إلى العهدِ الجديد. فَلا صِحَّةَ للاعتقادِ بأنَّ العَهْدَيْنِ القديم والجديد مُتناقِضَان. ولا صِحَّةَ للاعتقادِ بأنَّ كُلًّا منهُما يُعارِضُ الآخر. بل إنَّ الأوَّلَ كانَ يُمَهِّدُ لمجيءِ الثَّاني. فالعهدُ القديمُ في ذاتِهِ لم يكن كاملاً. وهو لم يكن بمقدورِهِ أنْ يُخَلِّص. ولم يكن بمقدورِهِ أنْ يَمْنَحَ بِرًّا. بل كانَ ينبغي أنْ يَضْمَحِلَّ وأنْ يُسْتَعاضَ عنهُ بالعهدِ الجديد. ولكِنَّ العهدَ القديمَ كانَ لَهُ قَصْد، بل قَصْدٌ صالحٌ جِدًّا. وقد تَحَقَّقَ ذلكَ القصدُ تاريخيًّا. وعندما حانَ الوقتُ لاضْمِحلالِ ذلكَ القَصْد، اضْمَحَلَّ، وحَلَّ مَحَلهُ العهدُ الجديد.

وفي أثناءِ تَفكيري في كُلِّ أبعادِ هذا الموضوعِ، ومُحاولتي للإلمامِ بأكبرِ قدرٍ مُمكنٍ عنه مِن أجلِ مُساعَدَتِكُم على فَهْمِه، أَدركتُ أكثر أنَّ هناكَ أُناسًا في النِّطاقِ الإنجيليِّ الواسِعِ لا يَفهمونَ العلاقة بين العهد الجديد والعهد القديم، وبينَ النَّاموسِ والإنجيل، وبينَ النَّاموسِ والنِّعمة. وقدِ اتَّضَحَ لي ذلك في هذا الأسبوع بأكثرِ طريقةٍ مُدهشةٍ ومُخَيِّبَةٍ للأمَل. فقد كنتُ أتحدَّثُ إلى شخصٍ يُخبرني عن كنيسَتِه وعن راعي كنيسَتِه. وقد قالَ لي إنَّهُ بعدَ سنواتٍ في الخِدمة الرَّعويَّة، وسنواتٍ في تلك الكنيسة تحديدًا، إنَّهُ ذَهَبَ إلى الرَّاعي لكي يتحدَّثَ إليه عِنْ دَرْسٍ للكِتابِ المقدَّسِ كانَ يُعَلِّمُهُ بوصفِهِ رَجُلاً عِلمانِيًّا. وقد قالَ للرَّاعي: "كيفَ كانَ النَّاسُ في العهدِ القديمِ يَخلصون؟" وقد أجابَهُ الرَّاعي حالاً: "بِحِفْظِ النَّاموس". ولا شَكَّ أنِّي لا أَعلمُ مَدى انتشارِ سُوءِ الفَهْمِ هذا. ولكِنْ عندما تَجِدونَهُ على مُستوى القيادة الروحيَّة، فإنَّهُ أمرٌ مُحْزِنٌ حَقًّا. فلا يوجد شخصٌ واحدٌ نالَ الخَلاصَ يومًا مِنْ خلالِ النَّاموس في أيِّ عَصْرٍ. البَتَّة! فالنَّاموسُ لا يَقْدِرُ أنْ يُخَلِّص.

والآنْ، اسمَحوا لي أنْ أتحدَّثَ قليلاً عنِ النَّاموس. واسمحوا لي أنْ نَعودَ مَرَّةً أُخرى وأنْ نَشُقَّ طَريقَنا وُصولاً إلى النُّقطةِ الَّتي وَصَلْنا إليها. فعندما نتحدَّثُ عنِ النَّاموسِ في الكتابِ المقدَّس، فإنَّنا نتحدث عن الناموسِ الَّذي يُسَمَّى "ناموس مُوسَى". وهذا يعني: النَّاموس الَّذي أَعْلَنَهُ اللهُ لِمُوسَى. فاللهُ أَعلنَ ناموسَهُ لِمُوسَى. والنَّاموسُ الَّذي أَعلنَهُ اللهُ لِمُوسَى، والمُدَوَّن في العهد القديم، وتحديدًا بالطَّبع في أسفارِ الشَّريعةِ (أيِ الأسفارِ الخَمسةِ الأولى) فإنَّ ذلكَ النَّاموسَ يَحْوي ثلاثةَ عناصِر أساسيَّة ... ثلاثة عناصر: الشَّريعة المَدنيَّة، والشَّريعة الأدبيَّة، والشَّريعة الطَّقسيَّة.

والآنْ، سأحاولُ كُلَّ ما في وُسعي لكي تَفهموا القَصْدَ مِنْ هذهِ الشَّرائِع. فالشريعةُ المدنيَّة هي وَصايا الله المُختصَّة بالحياةِ الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة لِشَعْبِهِ إسرائيل. وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّ بعضَ الأشياءِ الَّتي أعطاها اللهُ في شريعَتِهِ المَدنيَّة لحياتِهم لا تَقتَصِرُ عليهم وَحْدَهُم. ولكِنْ بصورة أساسيَّة، فإنَّ اللهَ أعطاهم وصايا لحياتهم الاجتماعيَّة تَفْصِلُهُم عنِ العالمِ المُحيطِ بهم لكي لا يتأثَّروا بالوثنيَّة، ولكي يحافظوا على أنفسهم كشهادة طاهرة على اللهِ الواحِدِ في العالَم. لِذا فإنَّ ناموسَ مُوسَى يَحوي عُنْصُرًا مَدَنِيًّا كانَ مُصَمَّمًا لِجَعْلِ إسرائيل أُمَّة فريدة.

ثانيًا، هناكَ عُنصرُ أدبيٌّ. فهناكَ جُزءٌ مِنَ النَّاموسِ المُعْلَنِ لِمُوسَى يَختصُّ بالأخلاقِ أوِ الجانبِ الأخلاقيِّ. فهو لا صِلَةَ لَهُ بالسُّلوكِ الاجتماعيِّ مِنْ جِهَةِ النِّظامِ الاجتماعيِّ الاقتصاديِّ الَّذي يَجْعَلُ الأُمَّةَ مُمَيَّزَة. بل هُو يَختصُّ بالأخلاق. وهُو يَختصُّ بالسُّلوكِ تُجاهَ اللهِ وتُجاهَ الإنسانِ في النِّطاقِ الاجتماعيِّ؛ ولكنَّهُ سُلوكٌ أخلاقيٌّ. فهو الجُزءُ الأدبيُّ مِنَ النَّاموس. وهو يَختصُّ بالقلب، ويَختصُّ بالفضيلةِ والبِرِّ والخطيَّة.

أمَّا العُنصرُ الثَّالثُ في النَّاموسِ فهو العُنصرُ الطَّقسيُّ. والعُنصرُ الطَّقسيُّ في النَّاموسِ هو مَجموعة مِنَ الصُّورِ أوِ الرُّموز. وبطريقةٍ أو بأخرى، فإنَّها جميعُها مُرتبطة بالفِداء. وهي جميعُها مُرتبطة بقصدِ اللهِ الخَلاصِيّ. وهي قد تُظْهِرُ خَطيئةَ الإنسانِ وحاجَتَهُ إلى الخلاص. وهي قد تُظْهِرُ ذبيحةَ الصَّليب (كما هي الحالُ فيما يَختصُّ بالذبائحِ الحَيَوانيَّة). وهي قد تُظْهِرُ الحاجةَ إلى التَّطهير بِمَعنى الاغتسال. وهي قد تُظهِرُ الغايةَ أوِ الفائدة مِنَ الخلاصِ وهي: الرَّاحة (وتحديدًا: السَّبْت).

ولكِنَّ كُلَّ العَناصِرِ الرَّمزيَّةِ في ناموسِ مُوسى تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ قَصْدِ اللهِ الفِدائِيّ. وفي ضَوْءِ هذه العناصِرِ الثَّلاث، فإنَّ النَّاموسَ شامِلٌ جِدًّا. فقد أُعطيَ لشعبٍ مُحَدَّد. وهو يُبَيِّنُ كيفَ ينبغي لهذا الشعب أنْ يَحيا في هذا العالم ليكونَ شعبًا مُفْرَزًا. وهل تَعلمونَ أنَّهُ كانَتْ لديهم شرائع تَختصُّ بالأطعمة، وأنَّهُ كانَتْ لديهم أعيادٌ واحتفالاتٌ وأمورٌ أُخرى تَصِفُ حَياتَهُم اليوميَّة. وقد كانت لديهم عادات وتقاليد تَختصُّ بملابسهم، وبطريقةِ تحضيرِ الطَّعامِ، وهَلُمَّ جَرَّا، لكي تَفْرِزَهُم عن غيرهم. وقد كانت هناكَ طُرُقٌ ينبغي لهم مِنْ خلالِها أنْ يَتعاملوا معَ الأشياءِ الَّتي يَمْلِكونَها كالمحاصيلِ والحَيَواناتِ، وما شَابَهَ ذلك، لكي يكونوا شَعبًا يَتمتَّعُ بالاكتفاءِ الذَّاتيِّ، ولكي يَنفصلَ بعِدَّة طُرُق عن بقيَّةِ العالمِ؛ في الوقتِ الَّذي ينبغي لهم فيه أنْ يَصِلوا إلى العالَمِ كُلِّهِ مِنْ أجْلِ مُشاركةِ الحَقِّ المُختصِّ باللهِ الحقيقيّ. ولكِنَّ ذلكَ كانَ يَختصُّ بالجانبِ المَدنيِّ.

وقد كانَ النَّاموسُ الطَّقسيُّ، كما ذَكَرْتُ، صُورًا ورُموزًا. فلم يَخْلَصْ أيُّ شخصٍ مِنْ خلالِ تقديمِ ذبيحة حَيَوانيَّة. ولم يَخْلَص أيُّ شخصٍ مِنْ خلالِ مُمارسةِ الاغتسالِ الطَّقسيِّ. ولم يَخلَص أيُّ شخصٍ مِن خلالِ حِفْظِ السَّبْتِ أوْ سَنَةِ اليوُبيل. فالنَّاسُ لم يكونوا يَخلَصونَ مِنْ خلالِ حِفْظِ النَّاموسِ الطَّقسيِّ. فقد كانَ النَّاموسُ الطَّقسيُّ صُورةً عنِ الحاجةِ إلى الخلاص. والآنْ، لِنَنظُر إلى الشَّيءِ الأَهَمِّ، أيْ إلى العُنصرُ المُتَوَسِّطِ الَّذي هُوَ: الشَّريعة الأدبيَّة. اسْمَعوا ما سأقول: عندما جاءَ العهدُ الجديدُ، لم تَعُد هناكَ شريعة مَدنيَّة تُمَيِّزُ الشَّعبَ أوْ بَني إسرائيلَ كَشَعْبٍ مُفْرَزٍ. لماذا؟ لأنَّ حَائِطَ السِّياجِ المُتوسِّطَ قد هُدِم. فاليهودُ والأُمَمُ صَاروا واحدًا في المسيح. أليسَ كذلك؟ لِذا، لم تَعُد هناكَ شريعة أخلاقيَّة فريدة، أو شريعة أدبيَّة خاصَّة، أو شريعة اجتماعيَّة أو سُلوكيَّة فَريدة للكنيسة.

والآن، هُناكَ أُناسٌ ما زالوا يَعتقدونَ أنَّ هُناكَ شريعة خاصَّة. ونحنُ نُسَمِّي هؤلاء أحيانًا: "دُعَاة إِعَادَةِ البِناء" (reconstructionists)أو "دُعاة التَّدبيرِ الإلهيِّ" (theonomists) في حَالِ أنَّكُمْ سَمِعْتُم يومًا هَذَيْنِ المُصْطَلَحَيْن. فإنْ لم تَسمعوهُما مِنْ قَبْل، فإنَّ هذا جَيِّد. وإنْ لم تكونوا تَعرفونَ ما أتحدَّثُ عنه، فإنَّ هذا أفضل. ولكِنَّهم يحاولونَ أنْ يَفرِضوا الهُوِيَّةَ المَدنيَّةَ الكاملةَ الخاصَّةَ بحياةِ إسرائيل على الكنيسة؛ وَهُوَ أمرٌ لا لُزومَ لَهُ. فقد أُبْطِلَ هذا كُلُّه. فالعهدُ الجديدُ يُوَضِّحُ هذا الأمورَ لنا. فالشَّريعةُ الطَّقسيَّةُ قد أُبْطِلَتْ. ونحنُ نقرأُ في رسالة كولوسي والأصحاحِ الثَّاني: "فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ ... مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلاَل أَوْ سَبْتٍ". ومِنَ المؤكَّدِ أنَّ الرسالة إلى العِبرانيِّين تُرينا أنَّ نِظامَ الذَّبائحِ بأسْرِه قد زَال.

ولكِنَّ جَوْهَرَ النَّاموسِ هو الشَّريعةُ الأدبيَّةُ ... الشَّريعةُ الأدبيَّة. فالشريعةُ الطَّقسيَّةُ كانت مُؤقتة، وكانت تَرْمِزُ إلى العهدِ الجديدِ الَّذي كانَ سيأتي. لِذا فقد قلتُ لكم في الأسبوعَيْنِ الماضِيَيْن إنَّ المسيحيَّة القائمة على الطُّقوسِ والشَّعائرِ والمظاهرِ الرَّمزيَّةِ الخارجيَّةِ هي تَشويهٌ للحقيقة لأنَّ كُلَّ ذلكَ النَهْجُ القائمُ على الطُّقوسِ في الدِّيانة اليهوديَّة الحقيقيَّة كانَ مُجَرَّدَ صُورة عنِ العهدِ الجديد. وحالما جاءَ العهدُ الجديد فإنَّكُمْ لستُم في حاجة إلى أيٍّ مِنْ تلكَ الأشياء. وسوفَ أَقولُ المَزيدَ عن هذه النُّقطة بعدَ قليل.

والآنْ، لننظُر إلى الشَّريعةِ الأدبيَّة. ولننظر إلى الجُزءِ المُتوسِّطِ الَّذي يُدعى "الشَّريعة الأدبيَّة". واسمحوا لي أن أقولَ لكم أنَّهُ كانت هناكَ ثلاثةُ أسبابٍ لإعطاءِ الشريعة الأدبيَّة ... ثلاثةُ أسباب: السَّببُ الأوَّلُ هُوَ أنْ تُعْلِنَ اللهَ. فلا يمكنكم أنْ تَرَوْا جَوْهَرَ اللهِ بصورة أكثر وُضوحًا (أيْ أنَّكُمْ لن تَرَوْا جَوْهَرَ طبيعَتِهِ الأدبيَّة، وقداسَتِه، وصِفاتِهِ الفائِقَة) بصورة أوضح مِمَّا هي عليه في شَريعَتِه المُعْلَنَة. فهي تُعَبِّرُ عنه. فهذا هو الله. فَأَصْدَقُ تَعبيرٍ عنِ اللهِ يأتي مِنْ خلالِ شَريعَتِه. فأنتُمْ تَرَوْنَ اللهَ بوصفِهِ اللهَ القُدُّوس، القُدُّوس، القُدُّوس (كما قالتِ الملائكةُ في سِفْر إشعياء والأصحاح السَّادِس) حينَ تَنظرُ إلى شَريعَتِه. لذا فإنَّها تُعْلِنُ اللهَ. ثانيًا، الشَّريعةُ تُعْلِنُ مَشيئةَ اللهِ المُختصَّة بِسُلوكِ الإنسان. فشريعةُ اللهِ هي مِعْيارُ اللهِ لسُلوكِ الإنسان. وهذانِ القَصْدانِ الأوَّل والثَّاني للشريعة هُما السَّبب في أنَّ بولسَ قالَ إنَّ الوصيَّة مُقَدَّسة وعادِلة وصالحة لأنَّها تُعْلِنُ الحقيقة بخصوصِ اللهِ القُدُّوس ومَعاييرِهِ المُقَدَّسَة لسُلوكِ الإنسان.

ثُمَّ إنَّ هُناكَ قَصْدًا ثالثًا مِنَ الشَّريعة. فالقصدُ الثالثُ مِنَ الشريعة الأدبيَّة هو أنْ تُعْلِنَ أنَّ الإنسانَ خاطِئٌ لأنَّهُ عندما يأتي الإنسانُ الخاطئُ إلى الشَّريعةِ ويَرى اللهَ القُدُّوسَ ومَعاييرَ اللهِ المُقَدَّسة لَهُ، وعندما يَنظرُ إلى حياتِهِ، فإنَّهُ يُدركُ أنَّهُ عاجِزٌ عن بُلوغِ ذلكَ المِعيار. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ الشَّريعةَ تَكْشِفُ خَطيئَتَهُ. لِذا فإنَّ الغايةَ مِنَ الشَّريعةِ في العهدِ القديمِ، مِنْ جِهَة، هي أنْ تَفْرِزَ شعبًا يَحْيا حياةَ انفصالٍ عنِ العالم ليكونَ شاهدًا على اللهِ الحقيقيّ.

أمَّا العُنْصُرُ الثَّاني في الشَّريعة (أيِ العُنصرُ الطَّقسيُّ) فكانَ يَرْمي إلى إعطاءِ ذلكَ الشَّعب صُوَرًا تَوضيحيَّة ورَمزيَّة عنِ الفداءِ الَّذي كانوا في حاجةٍ ماسَّةٍ إليه؛ وَهُوَ فِداءٌ كانَ سيتحقَّقُ لاحقًا مِنْ خلالِ الوعدِ الَّذي قُطِعَ لهم بعهدٍ جديد. والجانبُ المُتوسِّطُ (أيِ الجانبُ الأدبيُّ) كانَ يَرمي إلى الإعلانِ عنِ اللهِ، والإعلانِ عن مشيئةِ اللهِ للإنسان، وتَرْكِ النَّاسِ في حالةٍ مِنَ الإدراكِ التَّامِ لحقيقة أنَّهم عاجِزونَ وأنَّهُم خُطاة. فاللهُ لم يُعْطِ الجُزءَ الطَّقسيَّ مِنَ الشَّريعة بهدفِ الاستمرارِ والاستمرارِ والاستمرارِ والاستمرار. وبالرَّغِمِ مِن ذلك، هذا هو ما أرادَ اليهودُ أن يَفعلوهُ بِهِ.

وقد دُعِيَ هؤلاءِ النَّاس "مُهَوِّدين" أو "مُعَلِّمينَ كذبة" أو "رُسُلاً كَذَبة" أو "أَهْلَ الخِتان" (إنْ شِئْتُم). وقد كانوا يَجُولونَ ويُلاحِقونَ بولُسَ (بِكُلِّ تأكيد) إلى كُلِّ مكانٍ توجد فيهِ كنيسة. وكانوا يُشَوِّشونَ الأمرَ قائلين: "يجب علينا أنْ نَحْفَظَ الطُّقوسَ ... يجب علينا أنْ نَحفظَ الطُّقوس ... يجب علينا أنْ نَحفظَ الطُّقوس" لأنَّهُم تَشَوَّشُوا في نُقطةٍ ما وخُدِعُوا إذْ ظَنُّوا أنَّ تلك الطُّقوس تُؤدِّي دَوْرًا في الخلاص. ولكِنَّها لم تَفعل ذلكَ يومًا ... لم تَفعل ذلكَ يومًا. ولكنَّهم كانوا يُوْصُونَ النَّاسَ بالعودة إلى رُموزِ العهدِ القديمِ الَّتي أُبْطِلَتْ مُنْذُ أنْ جاءَ المَرْموزُ إليهِ الحَقيقيّ.

فما حاجَتُكُم إلى الرَّمْز؟ فقد أرادوا أنْ يَرْجِعوا إلى الوراء وأنْ يُعَلُّوا مِنْ شَأنِ الرُّموز. وهذا أمرٌ لا طَائِلَ مِنْه. فهو، كما قُلتُ سابقًا، يَرْفُضُ لا واقعَ الإنجيلِ فحسب، بل يَرفضُ أيضًا مَعْنى الرَّمْز. فهو يَتجاهَلُ إنجيلَ الواقِعِ المُتَمَثِّلِ في المسيحِ، وإنجيلَ النِّعمةِ، ويَعودُ إلى الطَّقسيَّة الجوفاء القائمة على الرُّموز والظِّلالِ والاستعارات. وهذا هو ما كانَ يَحدثُ في كورِنثوس. وهذا هو ما كانَ بولسُ مُزْمِعًا أنْ يَتحدَّثَ عنهُ لكي يَجْعَلَهُم يُدركونَ أنَّ العهدَ القديمَ صَالِحٌ. فقد سَادَ في وقتٍ ما وكانَ لَهُ مَجْدٌ في يومٍ ما. ولكِنَّ العهدَ الجديدَ جاءَ، والقديمَ مَضَى. وهذا هو ما يَقولُهُ بصورة رئيسيَّة في هذا الأصحاح، كَما سنَرى.

وقد قلتُ لكم إنَّ هناكَ أمرًا مُشابهًا لذلك في وقتِنا الحاضِر. ففي وقتِنا الحاضِر، هناكَ موقفٌ مُشابِهٌ جِدًّا. فهناكَ مَسيحيَّة إنجيليَّة قَويمة وسليمة إذْ إنَّ هُناكَ أُناسًا يَجولونَ مِثْلَنا ويَكْرِزونَ بإنجيلِ المسيح، والخلاصِ بالنِّعمة وَحْدَها مِنْ خلالِ الإيمانِ وَحْدِهِ، وبالمسيحِ وَحْدِهِ. وهذه هي الشَّهادةُ العظيمةُ لعهدِ الإصلاح. فنحنُ نَجولُ وَنَكْرِزُ بالإنجيل. ولكِنَّ بعضَ الأشخاصِ المُشَوِّشينَ يُلاحِقونَنا أيضًا مِنَ كنيسةِ الرُّوم الكاثوليك، والكنيسة اليونانيَّة الأرثوذكسيَّة، وبعضِ الكنائسِ البروتستنتيَّة الطقسيَّة والشَّعائريَّة الَّتي تُنادي بالرَّمزيَّةِ والتَّصويريَّة كما لو كانت حَقيقة.

وهذا هو تمامًا نفسُ الشَّيءِ الَّذي يتحدَّثُ عنهُ الرَّسولُ بولُس. ولكِنَّها حالة أسوأ مِنْ عِدَّة جِهات. فَعَلى أقَلِّ تَقدير، كانَ لدى المُهَوِّدينَ مَجموعة مِنَ الرُّموزِ الَّتي وَضَعَها اللهُ وَعَيَّنَها. وعلى أَقَلِّ تقدير، كانَ بمقدورِهم أنْ يَقولوا: "إنَّ هذه الرُّموز مذكورة في الكتابِ المقدَّس. فهي مذكورة في العهدِ القديم". وعلى أقَلِّ تَقدير، كانَ بمقدورِ النَّاموسيِّينَ اليهود أنْ يَرجعوا إلى نِظامٍ صارَ الآنَ عَتيقًا، ولكنَّهُ كانَ قد وُضِعَ وَعُيِّنَ مِنَ اللهِ نَفسِهِ في العهدِ القديم.

أمَّا الرُّومُ الكاثوليك، مِنْ جِهَة أخرى، فقدِ استعاضوا عن ذلكَ برموزٍ ليست موجودة أصلاً في الكتابِ المقدَّسِ إذْ إنَّها مِنَ اختراعِهِم. صَدِّقوني أنَّها رُموزٌ تَحِلُّ مَحَلَّ الشيءِ الحقيقيّ. فالكاثوليكيَّة، عَبْرَ السِّنين، وبعضُ أشكالِ الكنيسة الأرثوذكسيَّة اليونانيَّة والأرثوذكسيَّة الشَّرقيَّة، وحَتَّى بعضُ أشكالِ البروتستنتيَّة، ابتَكَرَتْ نِظامَها غير الكِتابِيّ القائم على الأعمالِ والطُّقوس. فَنِظامُ كنيسةِ الرُّومِ الكاثوليك، مَثَلاً، يَستخدِمُ المِسْبَحَة، والصَّلاةِ إلى القِدِّيسينَ ومَريم، والصَّلواتِ المَكتوبة مُسَبَّقًا، وأعمال التَّوبة، وإكرام القِدِّيسين والملائكة، وهَكذا دَواليك. وكُلُّ هذه الأمور غير كِتابيَّة. ولا يوجد شيءٌ مِنها في العهدِ القديم. ولا يوجد شيءٌ مِنها في العهد الجديد. فهي جَميعُها مِنَ اختراعِهم. وهذا كُلُّهُ نَشَأَ مِنْ بَناتِ أفْكارِهِم وتقاليدِهم، ومَجامِعِهم، ومَراسيمِهم.

وهذه الأشياءُ تَظْهَرُ، مَثَلاً، في الكنيسة اللُّوثريَّة حيثُ إنَّهُم يُؤمِنونَ بأنَّ هناكَ نِعمة تَظْهَرُ مِنْ خلالِ الحُضورِ الحقيقيِّ للمسيح في خِدمةِ المائدة نفسِها إذْ يَصيرُ الطَّقْسُ حَقيقَةً. وَهُمْ إنَّما يُجَدِّفونَ مِنْ خلالِ هذهِ الطَّقسيَّةِ لأنَّهُمْ يَدَّعونَ أنَّ المسيحَ حاضِرٌ حَقًّا في عُنْصُرَيِّ المائِدة؛ أيْ أنَّهُ حاضِرٌ في الخُبْزِ والخَمْر. وعندما يُقامُ القُدَّاسُ وَيُقَدَّمُ لكَ الخُبْزُ والخَمْر في القُدَّاس، فإنَّهُ يُذْبَحُ حَقًّا وحَرفيًّا المَرَّةَ تِلْو الأخرى، تِلْوَ الأخرى، تِلْوَ الأخرى.

وَحَتَّى إنَّ أسوأَ أشكالِ الطَّقسيَّةِ اليهوديَّةِ لم تَتمادَى إلى هذا الحَدِّ الَّذي تَبْتَدِعُ فيهِ كُلَّ هذه الأمور الغريبة. لِذا فإنَّهُ ليسَ شيئًا لا نَراهُ اليوم. فالخلاصُ الحقيقيُّ والبسيطُ والنَّقِيُّ كما يُفْهَمُ في العهدِ الجديد يَتَشَوَّشُ دائمًا بسببِ الطَّقسيِّين. وقد كانَ ذلكَ يَحْدُثُ في القديم. وهو يَحدثُ الآن. وبولسُ يُريدُ مِنَّا أنْ نَفهمَ أنَّ العهدَ القديمَ كانَ لَهُ مَجْدٌ، ولكنَّهُ كانَ مَجْدًا مؤقَّتًا. وقد قامَ بِدورِهِ تَمامًا. وكانَتْ لَهُ مَكانَتُه. وقد خَدَمَ القَصْدَ مِنْه. أمَّا الآن، بعدَ أنْ جاءَ العهدُ الجديد، فإنَّ العهدَ الجديدَ هو العهدُ المُخَلِّص.

ولنرجِع إلى نَصِّنا. فهناكَ الكثيرُ مِمَّا يُمكِن أنْ يُقال عن كُلِّ هذهِ الأمور. لِذا، فقد كانَ العهدُ القديمُ، وتَحديدًا: النَّاموسُ الأدبيُّ، مُصَمَّمًا لِجَعْلِ النَّاسِ يُدركونَ أنَّهُم خُطاة. وقد كانَ مُصَمَّمًا لاقتيادِ الإنسانِ إلى إدراكِ الخطيَّة. ولو كُنْتَ يهوديًّا تعيشُ في العهدِ القديم، كما قلتُ لكم في المَرَّة السَّابقة، لَوَجَدْتَ نَفسَكَ أمامَ ناموسِ اللهِ، كما هِيَ حالُ اليهودِ آنذاك إذْ إنَّ النَّاموسَ كانَ يُقرأُ في كُلِّ سَبْت. فقد كانوا يَعرفونَ ناموسَ الله. وقد عَلَّموهُ لأبنائهم يومًا بعدَ يوم حينَ كانوا يَجلِسونَ، وحينَ كانوا يَقومونَ، وحينَ كانُوا يَمْشُونَ في الطَّريق. وحينَ عَرَفُوا ناموسَ اللهِ، كَشَفَ لَهُمْ عنِ اللهِ نَفْسِهِ، وكَشَفَ لَهُمْ عن مِعْيارِ قَداسةِ اللهِ لحياتهم. لِذا فقد كَشَفَ خطيَّتَهُم لأنَّهم لم يتمكَّنوا يومًا مِنَ العَيْشِ وَفْقًا لذلكَ المِعيار. لم يتمكَّنوا مِنْ ذلكَ قَطّ ... قَطّ! لِذا فقد جَعَلَهُم النَّاموسُ الأدبيُّ يُدركونَ خَطيَّتهُم.

وقد أدَّى ذلكَ إلى جَعْلِ ذلكَ الشَّخصِ الَّذي يعيشُ في العهدِ القديم (أيْ ذلكَ اليهوديُّ الَّذي يعيشُ في العهدِ القديم) إلى الشُّعورِ باليأسِ، أو إلى الشُّعورِ بالانكسارِ أوِ النَّدَمِ (وهي كلمة أُخرى تُستخدمُ أيضًا) إلى أنْ قال: "لا يمكنني أنْ أعيشَ بحسب ناموسِ الله. فأنا مَلعونٌ": "مَلْعُونٌ مَنْ لاَ يُقِيمُ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهَا" (كما جاءَ في سِفْرِ التَّثنية). لِذا فقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ إنْ كَسَرَ النَّاموسَ ولو مَرَّةً واحدةً بأيَّة طريقة فإنَّهُ سيكونُ مَلعونًا. لِذا فقد حَصَلَ هُنا على إعلانٍ لِقَصْدِ اللهِ الكامل، وفِكْرِ اللهِ الكامِل، وطبيعةِ اللهِ الكاملة، ومشيئةِ اللهِ الكاملة للإنسان. ولكنَّهُ لم يكن يَستطيعُ أنْ يَعيشَ وَفْقًا للنَّاموس. فهو خاطِئٌ أَثيم. وَهُوَ لا رَجاءَ لَهُ. وَهُوَ لا يستطيعُ أنْ يُخَلِّصَ نَفسَهُ. فما الَّذي يمكنهُ أنْ يَفعَلَه؟

وحينئذٍ ظَهَرَتْ كِذْبَةُ المُواظَبَة على تقديمِ كُلِّ الذَّبائح. وهي كِذبة تقولُ إنَّكَ إنْ واظَبْتَ على تقديمِ الذبائح، والمجيءِ إلى الهيكلِ في الأوقاتِ الصحيحة، وحَفِظْتَ السَّبْتَ، وقُمْتَ بِكُلِّ الغَسلاتِ، وأكلتَ طَعامًا مُحَلَّلاً، واهتَمَمْتَ بِكُلِّ الشَّرائعِ الخاصَّةِ بالسَّبت، إنْ فعلتَ كُلَّ ذلك فإنَّ هذا سيُخَلِّصُك. فهذا سيُخَلِّصُك. وهذا هو نوعُ اليهوديَّة الزَّائفة الَّتي ظَهَرَتْ وخَدَعَت الأُمَّة بأسرِها حَتَّى إنَّهُ في الوقتِ الَّذي جاءَ فيه يسوعُ كان كُلُّ قادةِ بني إسرائيل يؤمنونَ بأنَّ الطريقةَ الصحيحةَ لمُعالجةِ الخطيَّة هي مُمارسة الطُّقوس.

وقد كانوا يَحْرِصونَ على السُّجودِ يوميًّا وعلى الصَّلاةِ في أوقاتٍ مُعَيَّنة. وقد كانوا يَحْرِصونَ على القيامِ بكُلِّ هذه الأشياءِ الطَّقسيَّةِ الَّتي يَقومونَ بها على أَمَلِ النَّجاةِ مِنْ عُقوبةِ خَطيَّتِهم. لِذا، عِوَضًا عن رُؤيةِ أنَّ الجُزءَ الطَّقسيَّ مِنَ النَّاموس هو صُورة عنِ الفداء، فقد رَأَوْهُ كما لو كانَ وَسيلةً للفِداء – تَمامًا على غِرارِ الكنيسة الكاثوليكيَّة اليوم. ويمكنكَ أنْ تَنظُرَ إلى الرُّموزِ المُستخدمة في الكنيسة الكاثوليكيَّة وأن تقول: "مِنَ المؤكَّدِ أنَّها تَرْمِزُ إلى شيءٍ حَقيقيّ" لو كانُوا يَرَوْنَ الحقيقة. ولكِنَّ الرَّمْزَ يَحْجِبُ الحقيقة. والضَّلالُ في هذا هو أنَّكَ تَظُنُّ أنَّكَ إنْ رَكَّزْتَ على الرُّموزِ فإنَّكَ تُخَلِّصُ نَفسَك. وهذه هي نَفْسُ الضَّلالَة.

لِذا فإنَّ الناموسَ الَّذي يَقودُ الناسَ إلى إدراكِ خطيئتهم لم يُقْصَد يومًا أن يُقَدِّمَ لهم حَلًّا لخطيئتهم مِن خلالِ حِفْظِ الطُّقوس. وبالرغمِ مِن ذلك فقد صارَ ذلكَ الأمرُ الضَّلالةَ الَّتي جاءت بها اليهوديَّة. وهذا هو اليوم الضَّلالَةَ الَّتي قد تَجيءُ بها أيَّ ديانة قائمة على الطُّقوسِ والشَّعائِر. فهي ليست علاقة. وهي ليست حقيقة. بل هي مُجَرَّدُ مجموعة مِنَ الرُّموز. ولكِنَّ هذه الضَّلالة مُهْلِكَة لأنَّكَ قد تَظُنُّ أنَّها تُقَدِّمُ الحَلَّ لمُشكلةِ الخطيَّة. ولكنَّها لا تَفعلُ ذلك. لذا فإنَّنا نَرى جميعَ الأشخاصِ المُتَدَيِّنين أوِ المُتَدَيِّنينَ جِدًّا. ويمكنكَ أنْ تَذهبَ إلى أرضِ إسرائيل وتَرى شَعبًا يَهوديًّا مُتَدَيِّنًا. وما أعنيه هو أنَّهُم مُتديِّنونَ جِدًّا. وَهُم يَحْفَظونَ جَميعَ الطُّقوسِ ويَفعلونَ كُلَّ شيء. وما أعنيه هو أنَّهُم أتقياء وقَويمونَ ويَفعلونَ كُلَّ تلك الأمور.

وقد ذَهبتُ إلى الهَيكلِ (أوْ بالأحرى: إلى المَجْمَعِ؛ أيْ إلى مَوْضِعِ الهَيكلِ القديم). فقد ذهبتُ إلى هناك، وصَرفتُ ساعاتٍ هُناك، وراقبتُ هؤلاءِ الأشخاص يَتأمَّلونَ في النَّاموس، ويَدْرُسونَ حَرْفَ النَّاموس وَالتَّفاصيلَ الدَّقيقة للنَّاموس. وقد رأيتُ أُناسًا آخرينَ يَحْمِلونَ أطفالاً صِغارًا على سِيقانِهِم ويُعَلِّمونَهُم التَّوراة ويَفعلونَ كُلَّ تلكَ الأشياء. وَهُم يَفعلونَ ذلكَ ساعةَ تلو الأخرى، تلو الأخرى، ويومًا تلو الآخر، تلو الآخر، تلو الآخر. والخُلاصةُ الَّتي وَصَلوا إليها هي أنَّهم عاجِزونَ عن حِفْظِ النَّاموس. ولكي يُعَوِّضُوا عن ذلكَ النَّقص، فإنَّهم يُمارسونَ طُقوسًا مُعَيَّنةً، وشعائرَ مُعَيَّنة، ويقومونَ بأعمالٍ مُعَيَّنة إضافيَّة. فهذه هي وسيلةُ الخلاصِ بالنِّسبة إليهم.

وَهُمْ لم يَبلغوا يَومًا النُّقطةَ الَّتي يَشعرونَ فيها باليأسِ والرُّعبِ بسببِ عدمِ قُدرتهم تلك، ولا يُدركونَ عُقْمَ الدِّيانة الطَّقسيَّة، ولا يَسمحونَ لذلكَ أنْ يَقودَهُم إلى اللهِ صارِخينَ وقارِعينَ على صُدورِهم قائلين: "اللهُّمَّ ارْحَمْني، أنا الخاطئ، وخَلِّصْني بِنِعْمَتِك". فَهُم لم يَصِلوا يومًا إلى هذه النُّقطة. بل إنَّهُم يَلتجئونَ إلى الطُّقوسِ كَبَديلٍ عنِ الخلاصِ الَّذي يُقَدِّمُهُ اللهُ مِنْ خلالِ ابْنِهِ. وأقولُ، مَرَّةً أخرى، إنَّنا نُعاني المُشكلة نفسَها الآن. فهناكَ كنيسةُ الرُّوم الكاثوليك القانِعينَ بمُمارسةِ الطُّقوسِ أسبوعًا تلو الآخر، تلو الآخر، تلو الآخر. وَهُم يُؤمِنونَ في قلوبهم بأنَّ ذلكَ كَفيلٌ بِحَلِّ مُشكلةِ خطيئتهم. أليسَ كذلك؟ ولكِنَّهُ لا يَفعلُ ذلك.

وأنا لا أقولُ ذلكَ لأنِّي لا أُحِبُّ الكاثوليك. بل إنَّني أقولُ ذلكَ لأنِّي أُحِبُّهم. فَمَنْ هُوَ الأحمقُ الَّذي سيتركهم في ضَلالَتِهم؟ لِذا فإنَّ الرَّسولَ بولسَ يريدُ مِنَّا أنْ نَفهمَ ذلكَ فيقول: "انظروا! يجب عليكم أنْ تَفهموا القصدَ مِنَ النَّاموسِ بِكُلِّ عناصِرِه: فالعُنصرُ الأخلاقيُّ فيه يَرْمي إلى دَفْعِكُم إلى اليأس. والعُنصرُ الطَّقسيُّ فيه يَرْمي إلى إظْهارِ حاجَتِكُم الماسَّة إلى مُخَلِّص. فلا يجوزُ لكم أنْ تَنظروا إلى النَّاموسِ كَمُخَلِّصٍ لكم في شَكْلِهِ الطَّقسيِّ". فَخَتْنُ النَّاسِ لن يُخَلِّصَهُم. وجَعْلُهُم يُمارسونَ الشريعة المُوسويَّة الطَّقسيَّة لن يُخَلِّصَهُم. وأيُّ جُهْدٍ شخصيٍّ لحفظِ النَّاموسِ الأدبيِّ لن يُخَلِّصَك. فهو عاجزٌ عن ذلك لأنَّهُ في اللَّحظةِ الَّتي تُخْفِقُ فيها في شيءٍ واحدٍ تَصيرُ تحتَ الدَّينونة. لِذا فإنَّ بولسَ يقولُ في العدد 6 إنَّ أيَّ واعِظٍ حقيقيٍّ، وأيَّ خادِمٍ حقيقيٍّ، وأيَّ خادِمٍ حقيقيٍّ للهِ هو خادِمٌ لعهدٍ جديد ... لعهدٍ جديد.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ كُلَّ ما كانَ ينبغي للنَّاموسِ أن يَفعلَهُ هو أنْ يَجْعَلَ خطيَّتَكَ واضحة لديك. وسوفَ أذكرُ المزيدَ عن ذلك بعدَ قليل. والآنْ، حينَ يَصِفُ بولسُ العهدَ الجديدَ الأفضل ابتداءً مِنَ العدد 6، فإنَّهُ يَذكرُ ثَماني نِقاط. وقد قُلتُ في الأسبوعِ الماضي أنَّهُ ذَكَرَ سَبْعَ نِقاط، ولكنِّي وَجَدْتُ نُقطة أُخرى. لِذا فإنَّهُ سيَذكرُ في هذا الأسبوع ثماني نِقاط. والحقيقة هي أنَّهُ لن يَذكرَ أيَّ نُقطة لأنَّنا لن نَصِلَ إلى هُناك. ولكنِّي وَجَدْتُ ما لا يِقِلُّ عن ثماني طُرُق يُبَيِّنُ فيها تَفَوُّقَ العهدِ الجديد هُنا ... ثماني طُرُق.

فهو يُعْطي حَياةً، ويُنْشِئُ بِرًّا. وَهُوَ دائمٌ، ويُعطي رَجاءً. وَهُوَ واضحٌ، ويَتَمَحْوَرُ حولَ المسيح. وَهُوَ مُحَرِّرٌ ومُغَيِّرٌ للحياة. لا تَقلقوا إنْ لم تُدَوِّنوا ذلك لأنَّنا سنَقولُ المزيدَ عنها. فهناكَ ثماني عناصر يَتَفَوَّقُ فيها العهدُ الجديد. وهي تُساعِدُنا في النَّظَرِ إلى العهدِ القديمِ وَفي وَضْعِهِ في مَكانِهِ الصَّحيح. فقد تَمَّ استبدالُه. فهناكَ فُروقٌ كَبيرة وشاسِعة. إنَّها فُروقٌ مُهِمَّة. والآنْ، اسمحوا لي أنْ أُذَكِّرَكُم بالنُّقطةِ الأولى. وقد تحدَّثنا عن ذلكَ في الأسبوعِ الماضي. فالعهدُ الجَديدُ يُحْيِي (كما جاءَ في العدد 6). انظروا إلى ذلك العدد: "الَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ. لاَ الْحَرْفِ بَلِ الرُّوحِ. لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي". ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّنا تَحَدَّثنا عن ذلك؛ أيْ عن أنَّ العهدَ الجديدَ يُحْيِي لأنَّهُ رُوحِيٌّ. فهو يَحْصُلُ على القُوَّةِ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وَهُوَ داخليٌّ وليسَ خارجيًّا.

والكلمة "حَرْف" هُنا لا تُشيرُ إلى فِكرة النَّاموسِ نفسِه، بل إلى سُوْءِ تَمْثيلِهِ مِنْ خلالِ الشَّكْلِ أوِ الطَّقسيَّة. فالكلمة "حَرْف" تَعني حَرفيًّا: "سُوْء فَهْم النَّاموس". وبالمُناسَبَة، فإنَّنا نَجِدُ تَفسيرًا لها في رسالة رُومية 2: 27-29 إذْ نَقرأُ عنِ الأشخاصِ المَخْتونينَ جسديًّا والأشخاصِ غيرِ المَختونين. وهو يقولُ، مَثَلاً، في العدد 27: "إِذًا إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ، أَفَمَا تُحْسَبُ غُرْلَتُهُ خِتَانًا؟ وَتَكُونُ الْغُرْلَةُ الَّتِي مِنَ الطَّبِيعَةِ، وَهِيَ تُكَمِّلُ النَّامُوسَ، تَدِينُكَ أَنْتَ الَّذِي فِي الْكِتَابِ [أيْ في حَرْفِ النَّاموس] وَالْخِتَانِ تَتَعَدَّى النَّامُوسَ؟" وَهُوَ يُفَرِّقُ هُنا بينَ "حَرْفِ النَّاموسِ" و "النَّاموس". فهو يُفَرِّقُ بينَ الحَرْفِ والنَّاموس. وَهُوَ يقولُ أيضًا في العدد 29: "وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ [أيْ: لا بِحَرْفِ النَّاموسِ] هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ". لِذا، هُناكَ فَرْقٌ بينَ الحَرْفِ والنَّاموس. وقد أَشَرْتُ إلى ذلكَ في الأسبوعِ الماضي. لِذا، لن أتحدَّثَ عن ذلكَ بالتَّفصيل.

فالحَرْفُ هُوَ سُوْءُ فَهْمِ النَّاموس. والحرفُ هو ما قُلتُهُ لَكُم. فهو يعني أنْ تَنظُرَ إلى النَّاموسِ الأدبيِّ وتقول: "آه! إنَّ العِلاجَ يَكْمُنُ في مُمارسةِ الطُّقوس". لِذا فإنَّكَ تَبْتَدِعُ وَسيلةً خارجيَّةً آليَّةً لِمُمارسةِ هذه الأمورِ وهذه الطُّقوسِ بطريقة جسديَّة على افتراضِ أنَّها نِظامٌ يَقودُ إلى الخلاص. فهذا هو الحَرْفُ. فَهُوَ يَدين. فالنَّاموسُ يَقْدِرُ أنْ يَقْتُلَك. والنَّاموسُ سيَقتُلُكَ بالمَعنى الإيجابيِّ لأنَّهُ سيَدفَعُكَ إلى الشُّعورِ باليأسِ على أَمَلِ أنْ يَقودَكَ إلى المسيح. ولكِنَّ الحَرْفَ سَيَقْتُلُكَ بالمَعنى السَّلبيِّ. فالحرفُ سيَقتلك بكل تأكيد إلى الأبد لأنَّ الحَرْفَ يَبْدو في الظَّاهِر وكأنَّهُ الحَلُّ لمُشكلتِك. ولكنَّهُ ضَلالَةٌ ابتدَعَتْها الدِّياناتُ الزَّائفةُ والطَّقسيَّة.

فالحَرْفُ قاتِلٌ حَقًّا. لِذا فإنَّ بولسَ يقول: "انظروا! حينَ يأتي هؤلاءِ النَّاس ويَفرضونَ عليكُم طُقوسًا خارجيَّة تَتَمَثَّلُ في إساءةِ استخدامِ النَّاموسِ، وإساءةِ فَهْمِهِ، وإساءةِ استيعابِهِ، فإنَّ ذلكَ سيقتُلُكم. فالرُّوحُ هو الوحيدُ الَّذي يَقْدِرُ أنْ يُحْيي. ونحنُ نَكْرِزُ بالمسيحِ بِقوَّةِ الرُّوحِ في إنجيلِ العهدِ الجديد". فالنِّظامُ الطَّقسيُّ يَجعلُ النَّاسَ يَسْعَوْنَ وراءَ الخَلاصِ مِنْ خلالِ الحَرْفِ؛ أيْ مِنْ خلالِ الطُّقوسِ الدينيَّةِ. وهذا تَشويهٌ سَيِّئٌ جدًّا للمسيحيَّة الحقيقية.

والآنْ، لننظر إلى النُّقطة الثانية. وسوفَ نَكْتَفي بالحديثِ عنها. وكما قُلتُ لكم، لن أُعَجِّلَ في هذه الدِّراسة لأنِّي أريدُ منكم حقًّا أنْ تَفهموا هذا الموضوع. والنُّقطة الثانية هي أنَّ العهدَ الجديدَ يُنْشِئُ بِرًّا. العهدُ الجديدُ يُنشئُ بِرًّا. لننظر إلى العدد 7. وسوفَ نَبتدئُ بهذا العدد: "ثُمَّ إِنْ كَانَتْ...". دَعونا نُتَرْجِم هذه الكلمات بطريقة مُختلفة: "وحيثُ إنَّ خِدْمَةَ الْمَوْتِ، الْمَنْقُوشَة بِأَحْرُفٍ فِي حِجَارَةٍ، قَدْ حَصَلَتْ فِي مَجْدٍ...". ولنتوقَّف هنا. والآن، مِنَ المؤكَّد أنَّ بولُس اتُّهِمَ بالحَطِّ مِنْ شأنِ ناموسِ الله. فقد اتُّهِمَ بأنَّهُ كانَ مُعادِيًا لناموسِ الله. والحقيقة هي أنَّهم اعتَقلوهُ في أورُشليم لهذا السَّبب وقالوا إنَّهُ يَتَكَلَّمُ ضِدَّ النَّاموس.

وقد دَعاهُ اليهودُ مُعادِيًا للنَّاموس، أيْ شخصًا يُعارِضُ النَّاموس. فالكلمة "نوموس" (nomos) هي كلمة يونانيَّة تعني "ناموس". وقد كانوا يَتَّهِمونَهُ دائمًا بتلك التُّهمة بأنَّهُ مُعادٍ للناموسِ وللعاداتِ والتَّقاليدِ اليهوديَّة. لِذا، فإنَّهُ يُريدُ مِنَّا هنا أن نَعلمَ أنَّهُ ليسَ كذلك. فهو يَرى العهدَ القديمَ، ويَرى النَّاموسَ بالمنظارِ الصَّحيح. ولكِنَّنا لا نُجانِبُ الصَّوابَ إنْ رأيناهُ بِحَسَبِ ما جاءَ في العدد 7 بأنَّهُ خِدْمَةُ موت: فهو يقول: "إِنْ كَانَتْ خِدْمَةُ الْمَوْتِ" ... "إِنْ كَانَتْ خِدْمَةُ الْمَوْتِ".

فالنَّاموسُ قاتلٌ. وهل أنتُم مُستعدُّونَ لسماعِ ما سأقول؟ إنَّ القانونَ هو أكبرُ قاتلٍ جَماعيٍّ في تاريخِ العالَم. أجل. فالنَّاموسُ قاتِلٌ يَفوقُ كُلَّ القَتَلَة الآخرين. فَعَمَلُهُ هُوَ أنْ يَقْتُل. فناموسُ اللهِ يَعْمَلُ على القَتْل. فهو يَقْتُلُ وَحَسْب أيَّ شخصٍ يَقِفُ أمامَهُ. واسمحوا لي أنْ أُوَضِّحَ لكم ذلك بأنْ تَفتحوا على رسالة رُومية والأصحاح السَّابع. وأرجو أنْ تُرَكِّزوا على هذه الفكرة الَّتي يقولُها بولسُ الآن: "فَمَاذَا نَقُولُ؟ هَلِ النَّامُوسُ خَطِيَّةٌ؟" وإليكُم الجواب: "حَاشَا!" ... "مي غينويتو" (me genoito). لا، لا، لا، لا، لا، لا! ولا بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. البَتَّة! هذا لا يُعْقَل".

فالنَّاموسُ ليسَ خطيَّة. فلا يوجد خطأ في النَّاموس. بل هو عادِلٌ وصالحٌ تمامًا. فالنَّاموسُ ليسَ خطيَّة. بل على العَكْس. انظروا إلى العدد 7. فهي كلماتٌ قويَّةٌ جدًّا: "بَلْ لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوسِ". فكيفَ كانَ بمقدوري أنْ أعرفَ أنِّي أُخطئ لو لم يكن هناكَ ناموسٌ يُعَرِّفُ خَطيَّتي؟ وَهُوَ يُقَدِّمُ مَثَلاً توضيحيًّا فيقول: "فَإِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ الشَّهْوَةَ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّامُوسُ: «لاَ تَشْتَهِ»". فلم يكن بمقدوري أنْ أعرفَ ذلك. فلو لم يكن هناكَ ناموس، لما كانَ بالإمكان تَعريف الخطيَّة. لِذا فإنَّ بولسَ يقول: "لقد جاءَ النَّاموس لكي يُعَرِّف الخطيَّة. وبِمَعْزِلٍ عنِ النَّاموس، لم يكن بمقدوري أنْ أعلمَ أنِّي خاطئٌ. فلو لم يُخبرني أنَّ الشَّهوة خطيَّة، لن أعرِفَ أنَّهُ مِنَ الخطأِ أنْ أفعلَ ذلك". لِذا فقد جاءَ النَّاموسُ ... لاحظوا ما سأقول الآن: لقد جاءَ النَّاموسُ لكي يُعَرِّف الخطيَّة. لكي يُعَرِّفَها. فحيثُ يوجد ناموس فإنَّكَ تُدركَ أنَّ هُناكَ خطيَّة.

هل تَعلمونَ كيفَ يَعْمَلُ الإنسان؟ هل تَعلمونَ كيفَ نَعْمَلُ نحن؟ اسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً توضيحيًّا مُعاصِرًا. فلنعمل على إلغاءِ ناموسِ اللهِ مِنَ المُجتمع. حسنًا؟ فلنعمل على إلغاءِ ناموسِ اللهِ مِنَ المُجتمع. والآنْ، كيفَ سنُقَرِّر ما هو صَواب وما هو خطأ؟ لا يُمكننا ذلك. أليسَ كذلك؟ لِذا، فقد سَمِعْنا تلك السيِّدة (الَّتي تَتَرَأَّسُ أَحَدَ الأقسامِ في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس) تَتَحَدَّثُ في الإذاعة يومَ أمس وتقول: "هُناكَ سُوْءُ فَهْمٍ شَديدٍ لنا في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس. فهناكَ مَنْ يَتَّهِمُنا بالتَّفرقةِ والوقوفِ ضِدَّ المِثليِّينَ الجِنسيِّينَ مِنْ كِلا الجِنْسَيْنِ لأنَّنا نُقَدِّمُ برنامَج تدريب ضُبَّاطِ الاحتياط (ROTC) ولأنَّ الجيشَ وبرنامجَ تدريب ضُبَّاط الاحتياط يَتْبَعونَ سِياسَةً تَتَّسِمُ بالتَّفرقةِ ضِدَّ المِثليِّينَ الجِنسيِّينَ. وحيثُ إنَّ جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس تُقَدِّمُ برنامجَ تدريب ضُبَّاطِ الاحتياط، يَرى البعضُ أنَّ جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس تُفَرِّقُ ضِدَّ المِثليِّينَ الجِنسيِّين". وقد تابَعَتْ حديثَها المُطَوَّلَ قائلةً: "نحنُ لا نُفَكِّرُ البَتَّة في القيامِ بذلك. ونحنُ لا نُريدُ أنْ نَفعلَ ذلك. فجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس لديها سياسة. وسياسَتُنا هي أنَّنا نُريدُ أنْ نَقبلَ كُلَّ شخصٍ أيًّا كانت مُيولُهُ الجنسيَّة". وَهَكذا دَوالَيْك.

فنحنُ هُنا أمامَ أعظمِ مؤسَّسة تَربويَّة في جنوبِ كاليفورنيا. وهي جامعة يُفْتَرَضُ بها أنْ تُعَلِّمَ الجيلَ القادِمَ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ سيَصيرونَ قادةً للعالَم. وَهُمْ لا يَعرِفونَ شيئًا عنِ الفرقِ بينَ الصَّوابِ والخطأ. فَهُم لا يَعرفونَ شيئًا عن ذلك. وَهُم يريدونَ أنْ يَهْرَعوا بأقصى سُرعة مُمكنة إلى أَحْدَثِ برنامَجٍ إذاعيٍّ للتَّحَقُّقِ مِنْ عَدَمِ وجودِ أيِّ شَخْصٍ يَظُنُّ أنَّ الجامعة ستَتَبَنَّى مِعْيارًا قديمًا كَمِعيارِ الكِتابِ المقدَّس. لذا، لا توجد طريقة لتحديدِ ما هو صَواب وما هو خَطَأ. والآنْ، ما هي الرِّسالةُ الَّتي يُرْسِلُها هؤلاء إلى طُلاَّبهم؟ بصورة رئيسيَّة: "افعلوا ما شِئتُم. أليسَ كذلك؟ افعلوا ما يَحْلو في أعيُنِكُم". لِذا فإنَّ ما يَفعلونَهُ هُوَ أنَّهُم يقولون: "عِشْ بِحَسَبِ طَبيعَتِكَ البشريَّة وحَسْب".

وهذا هو ما قالَهُ "هيو هيفنر" (Hugh Hefner) في السِّتِّينيَّات. فلا يمكنني أنْ أنسى عندما كنتُ طالبًا في كُليَّة اللَّاهوت أنِّي قرأتُ مَقالةً في مَجلَّة "المسيحيَّة اليوم" ("كريستيانيتي توداي" – “Christianity Today) بخصوصِ مُقابلة معهُ قالَ فيها: "ما الخطأُ في مُمارسةِ الجِنسِ على المَكشوف؟" وقد كانَ يُؤسِّسُ آنذاك مَجَلَّةَ "بلايبوي" (Playboy magazine) وكُلَّ تلك الأشياء، وكُلَّ تلكَ العقليَّة. "ففي نهاية المطاف، ما الخطأُ في ذلك؟ إنَّها غريزة طبيعيَّة. أليس كذلك؟ فنحنُ نَمتلك غريزة طبيعيَّة للأكل. ونحنُ نَمتلك غريزة طبيعيَّة للشُّربِ والنَّوم. ونحنُ نَمتلك غريزة طبيعيَّة للقيامِ بهذا الأمر". وقد قالَ أيضًا: "هذا جُزءٌ مِنْ كَوْنِنا بَشَرًا. ونحنُ لدينا هذه الغريزة أكثر مِنْ غريزةِ الأكل. فما الخطأُ في القيامِ بذلك؟ فهذا سُلوكٌ بَشريٌّ وَحَسْب". وهل تَعلمونَ شيئًا؟ إنَّ الذِّهْنَ الخاطئَ والسَّاقِطَ يَقولُ وَحَسْب: "أجل! أجل". لِذا فإنَّهُ يَمْضي وَيَفعلُ ذلك. وهل تَظُنُّونَ أنَّهم يَتوقَّفونَ ويقولون: "أنا أشعرُ بالذَّنب! أنا أشعرُ بالذَّنب! أنا أشعرُ بالذَّنب!"؟ لا، ولكنَّهم لا يَعرفونَ الوَصايا.

لِذا فقد كَتَبْتُ كِتابًا بعُنوان "الضَّميرُ المُتلاشي" (Vanishing Conscience) لأنَّهُ لا يوجد نِظامٌ لِتَثقيفِ النِّظامِ التَّحذيريّ. لِذا، ما الذي سيدفعهم إلى الشُّعورِ بالذَّنبِ بخصوصِ ذلك؟ ولكِنْ إنْ وُجدَ قانونٌ أعلى مِنهم فإنَّهم يقولون: "مَهْلاً! هل مِنَ الخطأ أنْ نَفعلَ ذلك؟ هل تَعني أنَّني إنْ فَعلتُ ذلكَ فإنَّني خاطئٌ؟ وهل تَعني أنَّ الخُطاةَ يَذهبونَ إلى جَهَنَّم؟" فإنْ أَلْغَيْتُم النَّاموسَ، لن تتمكَّنوا ... لن تتمكَّنوا مِنْ توصيلِ أيِّ رِسالة. وبولُس يقول: "لقد كنتُ أشعرُ أنِّي على ما يُرام إلى أنْ عَرَفْتُ النَّاموس. وحينَ عَرَفْتُ النَّاموسَ قلتُ: ’الشَّهوة! الشَّهوة! لا يمكنكَ أنْ تَشْتَهي؟ فقد كنتُ أظُنُّ أنَّ هذا السُّلوكَ هُوَ سُلوكٌ بشريٌّ طبيعيٌّ...أنْ أشتَهي، وأشتهي، وأشتهي، وأشتهي. فقد كنتُ أشتهي كُلَّ ما أراه‘". لِذا فإنَّ النَّاموسَ يُعَرِّفُ الخطيَّة.

والآن، سوفَ أُقَدِّمُ لكم الفكرة الثَّانية. فعَمَلُ النَّاموسِ لا يَقتصرُ على تَعريفِ الخطيَّة وحسب. انظروا إلى العدد 8: "وَلكِنَّ الْخَطِيَّةَ وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ أَنْشَأَتْ فِيَّ كُلَّ شَهْوَةٍ". وكَمْ أُحِبُّ هذه الآية! فكأنَّها تَقولُ لكُلِّ شخصٍ: "لا تَرْمُش. إيَّاكَ أنْ تَرْمُش". فحالما تقولُ لشخصٍ ما: "لا تَشْتَهِ" ما الَّذي سيفعلُه؟ سَيَشْتَهي. فعندما تَستمرُّ في تذكيرهم بالنَّاموس، فإنَّ ذلكَ يُثيرُ كُلَّ شَهِيَّة لديهم. فكأنَّها تقولُ: "إنَّ الاشتهاءَ خطيَّة". ولكنَّكَ تُدركُ فجأةً أنَّ الشَّهوة تَحْدُثُ في كُلِّ جَانبٍ مِن جوانبِ حياتِك. أليسَ كذلك؟ فهي موجودة في كُلّ مكان ... في كُلّ مكان.

فهي هناكَ طَوالَ الوقت. ولكنَّ أحدًا لم يُخبركَ عنها مِنْ قَبْل. ثُمَّ عندما جاءَ النَّاموس، قالَتْ لكَ طَبيعَتُكَ الخاطئة: "لا أُحِبُّ ذلكَ النَّاموس". ثُمَّ إنَّ شيئًا ما فيكَ يَدْفَعُكَ للقيامِ بالمزيدِ مِنْ ذلكَ الشَّيء المَنْهي عنه. وهذا يُشبهُ الطِّفلَ الصَّغيرَ الَّذي يَمشي في المَتْجَر. وهناكَ لافِتَة تقول: "اللَّمْسُ مَمْنوع". وأنتَ تَقِفُ هُناكَ وتُراقِبُه. وأُمُّهُ تَنْظُرُ في الاتِّجاهِ الآخر فيذهبُ ويَلْمَسُ ذلكَ الشَّيء. أوْ إنْ رأى لافتةً تقول: "الرَّجاء عَدَم الدَّوْس على الزُّهور"، فإنَّهُ يَنظرُ حَوْلَهُ ويَدوسُ عليها لكي يَقولَ إنَّهُ فَعَلَ ذلك.

فهذه هي طبيعةُ النَّاموس. فحينَ يُواجِهُ النَّاموسُ الطَّبيعةَ الخاطئةَ للإنسان، فإنَّهُ يُعَرِّفُ خَطيئَتَهُ ويَجْعَلُها تَتفاقَم. فهل تَذكرونَ قِصَّة "سِياحَة المَسيحيّ" (Pilgrim’s Progress)؟ إذْ إنَّ النَّاموسَ دَخَلَ الغُرفةَ وابتدأَ يتصرَّفُ كالخادِمِ إذْ راحَ يَنْفُضُ الغُبارَ ويَنْفُخُ السُّخامَ والغُبار. فأنتَ لا تَعْرِفُ مِقْدارَ قَذارَةِ الأشياءِ إلَّا حينَ تَبتدئُ في لَمْسِها، وحينَ تَبتدئُ في نَفْضِ الغُبارِ عَنْها، وحينَ تَسْمَحُ لأشعَّةِ الشَّمسِ بالدُّخولِ مِنَ النَّافذة. وحينئذٍ فإنَّكَ تقول: "يا للهَوْل!" وهذا هو ما يَفعَلُهُ النَّاموس. فهو يُثيرُ الغُبارَ في كُلِّ مَكان. فهذا هو ما يَفعلُه.

وهو لا يَقْدِرُ أنْ يُنشِئَ بِرًّا. بل هو قاتِلٌ وحَسْب. فهو قاتلٌ جَماعِيٌّ. وهو يَقومُ بخِدمةِ الموت. وفي العدد 9، أو بالأحرى: في نهايةِ العدد 8، فإنَّهُ يَقولُ: "لأَنْ بِدُونِ النَّامُوسِ الْخَطِيَّةُ مَيِّتَةٌ. أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ بِدُونِ النَّامُوسِ عَائِشًا قَبْلاً. وَلكِنْ لَمَّا جَاءَتِ الْوَصِيَّةُ عَاشَتِ الْخَطِيَّةُ، فَمُتُّ أَنَا". وما الَّذي قَصَدَهُ؟ حسنًا! إنَّهُ يعني أنَّهُ ماتَ موتًا روحيًّا. فقد أدركَ أنَّ حالَتَهُ هي موتٌ روحيٌّ. وقد أدركَ أنَّهُ صارَ مُنفصِلاً عن حياةِ اللهِ، وأنَّهُ خاطئٌ، وأنَّ مَصيرَهُ هو الهلاك. "فَوُجِدَتِ الْوَصِيَّةُ الَّتِي لِلْحَيَاةِ هِيَ نَفْسُهَا لِي لِلْمَوْتِ". هِيَ نَفْسُهَا لِي لِلْمَوْتِ. وفي العدد 11: لقد "قَتَلَتْنِي. إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ، وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ".

فالمشكلة ليست في النَّاموس. بل إنَّ المشكلة هي في ماذا؟ فِيَّ أنا ... فيَّ أنا. فنحنُ نقرأ في العدد 14: "فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّة". فالنَّاموسُ (أيِ النَّاموسُ الأدبيُّ) أُعْطِيَ مِنْ قِبَلِ اللهِ لكي يَقْتُلَك. وهذا هو ما يَدْفَعُنا إلى الوَعْظِ عَنْ هذا النَّاموس. وهذا هو ما يُحَتِّمُ عليكُم أنْ يكونَ لديكم ناموسٌ أدبيٌّ. فيجب عليكم أنْ تَتَمَسَّكوا بِهِ وأنْ تُحافِظوا على المَعاييرِ العالية. لذا فإنَّهُ يَقْتُلُ النَّاسَ.

انظروا إلى رسالة غلاطيَّة والأصحاح الثَّالث. وأعتقد أنَّني سأتحدَّث قليلاً عن هذه النُّقطة ثُمَّ أَخْتِمُ حَديثي. رسالة غَلاطيَّة والأصحاح 3. إذًا، فقد أُعْطيَ النَّاموسُ للخُطاةِ لمَعرفةِ خطيَّتِهم، لا لكي يُخَلِّصَهُم. فهو لا يَستطيعُ أنْ يُنْشِئَ بِرًّا. فهو يُنْشِئُ موتًا وحَسْب. فالنَّاموسُ أَقَلُّ شأنًا. وَهُوَ لا يَقدرُ أنْ يُخَلِّص. والقِصْدُ منه هو أن يَكشِفَ الخطيَّة، وأنْ يَقودَ الخاطئَ التَّائبَ إلى الإيمانِ باللهِ، وإلى التَّضَرُّعِ إلى اللهِ لكي يُسْبِغَ عليهِ نِعْمَتَهُ وغُفرانَهُ مِنْ خلالِ ذَبيحةِ المسيح.

انظروا إلى العدد 21 هُنا: "فَهَلِ النَّامُوسُ ضِدُّ مَوَاعِيدِ اللهِ؟" وَهُوَ يَقولُ ثانيةً: "حَاشَا!" لا، لا، لا، لا! "لأَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ نَامُوسٌ قَادِرٌ أَنْ يُحْيِيَ، لَكَانَ بِالْحَقِيقَةِ الْبِرُّ بِالنَّامُوس". فالنَّاموسُ لا يُناقِضُ وُعودَ اللهِ؛ أيْ أنَّهُ لا يَناقِضُ وَعْدَ اللهِ بالحياةِ الأبديَّة والخلاص. فالنَّاموسُ لا يُناقِضُ ذلك. ولكنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يُنْشِئَ ذلك. فهو لا يَقْدِرُ أنْ يُحَقِّقَ ذلك. فلو كانَ قادرًا على القيامِ بذلك لَكانَ البِرُّ بالنَّاموس. ولكنَّهُ لا يَقْدِر. فالنَّاموسُ لا يَقدِرُ أنْ يُنشئَ بِرًّا. فالعهدُ القديمُ لا يَقدرُ أنْ يُنشئَ بِرًّا.

والآنْ، اسمعوني: لا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يُطَبِّقَ النَّاموسَ الأخلاقيَّ. لِذا فإنَّ حِفْظَ النَّاموسِ لا يَقدر أنْ يُخَلِّصَك. كما أنَّ مُمارسةَ الطُّقوسِ والرُّموزِ والأشياءِ الخارجيَّةِ لا تَقدر أنْ تُخَلِّصَك لأنَّ الشَّريعةَ الأدبيَّةَ نفسَها لم تَكُن تَقدر أنْ تُخَلِّصَكَ أيضًا. وإذا كُنْتَ يَهوديًّا في مُجتمعٍ مَدَنِيٍّ يَهوديٍّ فإنَّ هذا لا يَقدر أنْ يُخَلِّصَك. فلم يكن بمقدورِ أيٍّ مِنْ هذه الأمور أنْ تُخَلِّصَكَ. فلا يوجد في النَّاموسِ شيءٌ مُتَأصِّلٌ يَقدر أنْ يُخَلِّصَك. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في العدد 10: "مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ". فإنْ كَسَرْتَ وَصيَّةً واحدةً مَرَّةً واحدةً فإنَّ النَّاموسَ يَلْعَنُكَ. لِذا، لم يكن بمقدورِ النَّاموسِ أنْ يخَلِّصَك.

وعَودة إلى العدد 19 إذْ نَقرأ: "فَلِمَاذَا النَّامُوسُ؟ قَدْ زِيدَ بِسَبَبِ التَّعَدِّيَاتِ". بعبارة أخرى، فإنَّ النَّاموسَ جاءَ (تاريخيًّا)، واللهُ أعطى النَّاموسَ لتعريفِ الخطيَّة، ولإظهارِ فَداحَةِ الخطيَّة، ولاقتيادِ الخاطئِ إلى اليأس. ونقرأ في العدد 22: "لكِنَّ الكِتَابَ [وهي كَلِمَة مُرادِفَة للنَّاموس] أَغْلَقَ عَلَى الْكُلِّ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ، لِيُعْطَى الْمَوْعِدُ مِنْ إِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِلَّذِينَ يُؤْمِنُون". فقد كانتِ الفِكرةُ بِرُمَّتِها مِنَ النَّاموسِ هي أنْ يُغْلِقَ على الخاطئِ ويَقودَهُ إلى المُخَلِّص. ونقرأ في العدد 23: "وَلكِنْ قَبْلَمَا جَاءَ الإِيمَانُ كُنَّا مَحْرُوسِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، مُغْلَقًا عَلَيْنَا إِلَى الإِيمَانِ الْعَتِيدِ أَنْ يُعْلَنَ". لِذا فقد صارَ النَّاموسُ "بيداغوغوس" (paidagogos) لنا؛ أيْ: مُؤدِّبًا لنا لكي يقودَنا إلى المسيح.

وهذه الكلمة لا تُشيرُ إلى مُعَلِّمٍ يَجلسُ في الصَّفِّ ويُلقي مُحاضرةً. بل إنَّهُ وَصِيٌّ أخلاقيٌّ. وقد كانت تُشيرُ عادَةً إلى رَجُلٍ خَادِمٍ لم يَكُنْ يُعْنَى بتقديمِ المَعلوماتِ بِقَدْرِ ما كانَ يُعْنَى بمُرافقةِ الوَلَدِ أينَما ذَهَبَ، ومُراقَبَتِه، وتأديبِه، وتَقويمِ سُلوكِهِ بحسبِ مِعْيارٍ مُعَيَّن. فالنَّاموسُ هُوَ مُؤدِّبُنا لكي يَقودَنا إلى المسيحِ لكي نَتَبَرَّرَ بالإيمان. وهذه هي الطريقة الوحيدة الَّتي يمكن أنْ تَتَبَرَّرَ بها. وهذه هي الطريقة الوحيدة الَّتي تَبَرَّرَ بها إبراهيمُ حينَ عاشَ قبلَ النَّاموس. وهذه هي الطريقة الوحيدة الَّتي يَتبرَّرُ بها الجميع ... الجميع. وجَميعُ الَّذينَ يُؤمِنونَ (أيْ يَسيرونَ على خُطى إيمانَ إبراهيم) هُمْ بَنُو إبراهيم لأنَّهُمْ "مِنَ الإيمان".

فالإيمانُ هو الطريقة الوحيدة الَّتي يمكن أنْ تَخلصَ بها في أيِّ عَصْرٍ مِنَ العُصور. أمَّا غايةُ النَّاموسِ فهي فقط أنْ يَقودَكَ إلى الله. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ ما يَلي في العدد 25: "وَلكِنْ بَعْدَ مَا جَاءَ الإِيمَانُ، لَسْنَا بَعْدُ تَحْتَ مُؤَدِّبٍ". فيمكنكُم أنْ تَضَعوا النَّاموسَ جانِبًا لأنَّ الغايةَ مِنْهُ قد تَحقَّقَت. فيمكنكم أنْ تَضَعوهُ جانبًا. فقد اقتادَنا إلى المسيح. وبعدَ أنْ صارَ النَّاموسُ مَكتوبًا في قُلوبِنا، صارَ بِمقدورِنا أنْ نُتَمِّمَهُ (كما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح 8) بِقوَّةِ سُكْنَى الرُّوحِ القُدُس. فكُلُّ ما يَفعلُهُ النَّاموسُ هو أنَّهُ يَقتُل. لِذا فإنَّهُ يقولُ في رسالة رومية والأصحاح 3: "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّر". فكُلُّ ما يَفعلُهُ النَّاموسُ هو أنَّهُ يَجْعَلُكَ تُدرك خَطيئَتَك. فهذا هو ما يَقدر أنْ يَفعلَهُ. لِذا فإنَّها خِدْمَةُ موت.

ارجِعوا إلى رسالة كورِنثوس الثانية والأصحاح الثَّالث. وإليكُم هذه المُلاحظة الأخيرة على هذا النَّصّ. فهو يقول: "ثُمَّ إِنْ كَانَتْ خِدْمَةُ الْمَوْتِ...". ونحنُ نَعلمُ أنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ النَّاموس بسببِ الكلماتِ الَّتي تَلي ذلكَ إذْ يَقول: "الْمَنْقُوشَةُ بِأَحْرُفٍ فِي حِجَارَةٍ". وما الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ هُنا؟ الوَصَايا العَشْر. أليسَ كذلك؟ (سِفْر الخُروج 32: 15 و 16). ولعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ مُوسى كانَ على الجبل، وأنَّ اللهَ أعطاهُ النَّاموس. فقد أعطاهُ الوصايا العَشْر مَنْقوشة في حِجَارة. ونقرأُ في هَذَيْنِ العَدَدَيْن (32: 15 و 16): "فَانْصَرَفَ مُوسَى وَنَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِهِ: لَوْحَانِ مَكْتُوبَانِ عَلَى جَانِبَيْهِمَا. مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا كَانَا مَكْتُوبَيْنِ. وَاللَّوْحَانِ هُمَا صَنْعَةُ اللهِ، وَالْكِتَابَةُ كِتَابَةُ اللهِ مَنْقُوشَةٌ عَلَى اللَّوْحَيْن". فهذا هو ما كانَ يَدورُ في ذِهْنِ بولُس. فقد كانَ يُفَكِّرُ في هذا النَّصِّ المُحَدَّدِ بِكُلِّ تأكيد (أيْ في الوصايا المنقوشة على لَوْحَيْن) حينَ كَتَبَ هُنا عنِ النَّاموسِ المَنقوشِ على حِجارة.

والآنْ، ما هي الوصايا العَشْر؟ اسمعوني جِيِّدًا: إنَّها بِبَساطة: مُلَخَّصٌ للشَّريعة الأخلاقيَّة. فهي مُلَخَّصٌ للنَّاموسِ الأدبيِّ في عَشْرِ وَصايا. ولكِنْ في الحقيقة، إنَّ النَّاموسَ كُلَّهُ مُلَخَّصٌ في هذه الوصايا العَشْر كما أنَّ الوصايا العَشْرَ مُلَخَّصَةٌ في أَهَمِّ وَصِيَّتَيْن وَهُما: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ". لِذا فقد نَقَشَ اللهُ شَريعَتَهُ الأخلاقيَّة في حَجَرٍ. والقَصْدُ مِنْ تلكَ الوصايا هو أنْ تُهْلِك.

وخِلالَ سَنواتِ خِدمتي، صارَتْ لديَّ ذكرياتٌ كثيرة جِدًّا. فقد سافَرْتُ إلى جميعِ أنحاءِ العالم، كما تَعلمون، وإلى أماكِن كثيرة، وكنتُ أعودُ إلى الوَطَنِ مُحَمَّلاً بِكُلِّ أنواعِ الأشياءِ الَّتي أَهْداني إيَّاها النَّاسُ. وهذه الأشياء هي جُزءٌ مِن حياتي وذكرياتي الَّتي تُحيطُ بي في جَميعِ مَكاتِبي وَغُرَفِ دِراسَتي. وهناكَ هَديَّة ثمينة جدًّا أَهْداني إيَّاها قبلَ سنواتٍ أحدُ الأصدقاء. وهي هديَّة صغيرة وغريبة بعض الشَّيء. ولكِنْ كُلَّما نَظرتُ إليها ذَرَفْتُ دَمْعَةً في قلبي، أوْ نَزَلَتْ دَمعة مِنْ عيني.

إنَّها لوحة مرسومة بقلم رصاص ولها إطار تُصَوِّرُ شخصًا يُفترَض أنَّهُ مُوْسَى. وَهُوَ يَحْمِلُ لَوْحَيّ الحَجَر فوقَ رأسِهِ وَيَظْهَرُ في هَيئةٍ مُتَجَهِّمَةٍ. وهو على وَشْكِ تَحْطيمِ الحَجَرَيْنِ على رأسِ شخصٍ ضَعيفٍ يَرتدي مَلابِسَ رَثَّة، ويَبدو يائسًا وضعيفًا وشاحِبًا. فهو جاهزٌ حرفيًّا لتحطيمِ حَياةِ ذلكَ الشَّخص مِنْ خلالِ النَّاموس. والشَّخصُ الوحيدُ الَّذي يُحيطُ بذلكَ الشَّخصِ المِسكينِ الَّذي يَرتدي ملابسَ رَثَّة ويبدو يائسًا إذْ يَلُفُّ ذِراعَيْهِ حَوْلَ صَدْرِهِ ويُغَطِّي رأسَهُ بِكَتِفَيْهِ هو المَسيح. فَهُوَ يَحْتَمي كُلَّيًّا في المسيح لكي لا يُضْرَب. وفي هذه الحالة، إنْ كانَ النَّاموسُ سيَضرِبُ أحدًا فإنَّهُ سيضرِبُ المسيح. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّ المسيحَ سَيُحَطِّمُ النَّاموسَ ويَجْعَلُهُ رَمادًا.

وحينَ أنظرُ إلى تلكَ اللَّوحة، لا يَسَعني إلَّا أنْ أُفَكِّرَ في أنَّها تُمَثِّلُ بطريقة رائعة قَصْدَ النَاموسِ، وما يَستطيعُ المَسيحُ وَحْدُهُ أنْ يَفْعَل لِمَنْعِهِ مِنَ القيامِ بذلك لأنَّ المَسِيحَ (بحسب ما جاءَ في رسالة غلاطيَّة والأصحاح الثَّالث) "صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا". صحيحٌ أنَّ النَّاموسَ جاء. ولكِنْ ما الحياة الوحيدة الَّتي أَخَذَها؟ حَياتَهُ هو. فقد حَطَّمَتْ حَياتَهُ. ومِنْ خلالِ تَحطيمِ حياتِهِ، تَحَطَّمَ النَّاموسُ نَفسُهُ مِنْ جِهَةِ قُدرَتِهِ على إهلاكِ الشَّخصِ الَّذي يَحميه. وهذا رائع!

فالحُروفُ المنقوشة في حَجَر هي قاتلة. لِذا، إنْ كنتَ تَظُنُّ أنَّكَ ستذهبُ إلى السَّماءِ مِنْ خلالِ حِفْظِ النَّاموسِ الأخلاقيِّ، ومِنْ خلالِ كَوْنِكَ شخصًا خَلُوقًا، فإنَّكَ وَاهِمٌ. فهو سَيَسْحَقُكَ تمامًا ما لم تَحْتَمي بالمسيح. وعندما يَضْرِبُ النَّاموسُ المَسيحَ فإنَّ الضَّربةَ لَنْ تَطَالَكَ أنتَ. فالحقيقة هي أنَّهُ سيموتُ لأجلِك. وهذا حَقٌّ عظيم! وبولُس يقول: "لا تُسيئوا فَهْمي. إنَّ هذا النَّاموسَ جاءَ في مَجْد. لقد جاءَ في مَجْد". فقد كانَ هُناكَ مَجْدٌ على الجبل. فقد كانت هناكَ سَحابةٌ، وكانَ هُناكَ بَرْقٌ، ورَعْدٌ. وكانت هناكَ ملائكة لأنَّ النَّاموسَ أُعْطِيَ مِنْ خلالِ ملائكة. وقد كانَ اللهُ هُناكَ يَنْقُشُ بإصْبَعٍ مِنْ نار في لَوْحَيْنِ حَجَرِيَّيْن. فقد كانَ هناكَ مَجْدٌ في جَميعِ أرجاءِ المَكان. لذلك، لا تَظُنُّوا أنَّ النَّاموسَ فَقَدَ قيمَتَهُ.

ولا تَظُنُّوا أنَّ مُوسى رَفَعَ شَأنَ النَّاموسِ وأنَّ بولسَ حَطَّ مِنْ شأنِهِ. لا! فبولسُ لم يَحُطَّ مِنْ شأنِ ناموسِ اللهِ كما ادَّعَى أعداؤُهُ. فهو يقولُ إنَّ النَّاموسَ جاءَ "في مَجْد". فقد كانَتْ لَهُ مَكانَتُه. وقد كانُ مُقَدَّسًا، ومَجيدًا، وعادلاً، وصالحًا. ولكِنَّ الشَّيءَ الَّذي يَحْتَقِرُهُ بولُس هو ليسَ النَّاموس، بل إنَّهُ يَحْتَقِرُ سُوءَ استخدامِ النَّاموس، وسوءَ تَمْثيلِ النَّاموس. فالنَّاموسُ جاءَ في مجد، ولكِنْ ... ولكِنْ في نهايةِ العدد 7، نَقرأُ أنَّ مجدَ الناموس كانَ مِنْ أيِّ نوع؟ لقد كانَ مَجْدًا زَائِلاً. أليسَ كذلك؟ لقد كانَ مَجْدًا زَائِلاً.

فقد كانَ لَهُ مجد، ولكنَّهُ مَجْدٌ زائلٌ، ومَجْدٌ حَلَّ مَحَلَّهُ مجدُ العهدِ الجديد. فالعهدُ الجديدُ يُعْطي حَياةً. والعهدُ الجديدُ يُنْشِئُ بِرًّا. أمَّا النَّاموسُ فلا يَقدرُ أنْ يُحْيي. بل هو يُهْلِك. وَهُوَ لم يكن يَقدرُ أنْ يُنشِئَ بِرًّا. فكُلُّ ما كانَ يَفعلُهُ هو أنْ يُظْهِرَ فَداحَةَ الخطيَّة. فقد كانَ يَقْتُلُ وَيَجعلُ الإنسانَ يُدركُ الخطيَّة. أمَّا العهدُ الجديدُ فيُعطي حياةً وبِرًّا. والآنْ، هذا هو الأساسُ الَّذي يَقومُ عليهِ الجُزءُ المُتَبَقِّي مِنَ النَّصّ. فالجُزءُ المُتَبَقِّي منه هو توضيح.

وهل تَعلمونَ كيفَ يُوَضِّحُ الأمر؟ إنَّهُ يُوضِّحُهُ بأروعِ طريقةٍ وأكثَرِها تَمَيُّزًا بأنْ يَصْحَبَنا إلى حادثةٍ اختبرها مُوسَى على ذلكَ الجبل حينَ صَعِدَ لكي يَحصُلَ على النَّاموسِ مِنَ الله، وحينَ رأى اللهَ وَجْهًا لوجه وخَرَجَ مِنْ هُناكَ وَمَجْدُ اللهِ ظاهِرًا على وَجْهِهِ. وبولسُ يَختارُ تلكَ الحادثة العظيمة والرائعة في تاريخِ الفِداء كَمَثَلٍ توضيحيٍّ على المجدِ الزائلِ للعهدِ القديم الَّذي حَلَّ مَحَلّهُ المجدُ الدَّائمُ للعهدِ الجديد. لِذا، في الأسبوعِ القادِم، سنَعودُ إلى سِفْر الخُروج ونَحيا معَ مُوسَى تلك الحادثة الَّتي صارت الأساسَ لبقيَّةِ النَّصّ. دَعونا نُصَلِّي مَعًا:

لقد تَبارَكنا، يا رَبُّ، لأنَّنا فَهِمنا (ولو فَهْمًا بسيطًا) الحَقَّ العَظيمَ والعَميقَ المُختصَّ بهِبَتِكَ لنا في المسيح. ونحنُ مُمْتَنُّونَ جِدًّا لأنَّكَ فَتحتَ لنا بابَ الفَهْمِ الصَّحيح للنَّاموسِ والإنجيل؛ أيْ للعهدَيْنِ القديمِ والجَديد. ونحنُ نَعلمُ، يا أبانا، أنَّ الخلاصَ هو دائمًا بِنِعْمَتِكَ مِنْ خلالِ الإيمانِ البسيطِ للشَّخصِ الخاطئِ الَّذي يَشعرُ بالنَّدَمِ والتَّبكيتِ في قلبِهِ مِن خلالِ الرُّوحِ القُدُس. ونحنُ نُصَلِّي، يا رَبّ، مِنْ أجلِ كُلِّ شخصٍ حاضِرٍ هُنا في هذا الصَّباح يَعيشُ في الخِدعةِ المُريعةِ والرَّهيبةِ القائلةِ إنَّه يستطيعُ بطريقةٍ ما أنْ يَحْفَظَ ما يَكفي مِنَ النَّواميسِ الأخلاقيَّةِ وأنْ يكونَ صالِحًا بالقدرِ الكافي لاستحقاقِ السَّماء. ليتَكَ، يا رَبّ، تُخَلِّصهم مِنْ تلك الضَّلالة المُريعَة.

وليتَكَ، يا رَبّ، تُخَلِّص الأشخاص الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّهُمْ إنْ تَمَكَّنوا مِنَ القيامِ بِطُقوسٍ مُعَيَّنَةٍ، وَمِنَ الذَّهابِ إلى الكنيسة مَرَّاتٍ مُعَيَّنة، وَمِنْ إنارةِ عَدَدٍ كافٍ مِنَ الشُّموعِ، وَمِنْ تَكرارِ صَلواتِ المِسْبَحَة عَدَدًا مُعَيَّنًا مِنَ المَرَّاتِ، وَمِنْ تَرديدِ صلواتٍ كافية، وَمِنْ مُمارسةِ المعموديَّة بطريقة مُعيَّنة، ومِنْ مُمارسةِ القُدَّاسِ بطريقة مُعيَّنة، أوْ مِنَ الاشتراكِ في خِدمةِ المائدة، فإنَّ ذلكَ سَيُخَلِّصَهُم. خَلِّصْهُم مِنْ تلك الضَّلالةِ المُريعَة أيضًا. وأَغْلقْ على كُلِّ خاطئٍ خَطيئَتَه لَعَلَّهُ يُدرك خَطيئَتَه، ولعَلَّهُ يَرى فَداحَةَ خَطيئَتهُ في كُلِّ جانبٍ مِن جوانبِ حياتِهِ ويَراها بِكُلِّ قَباحَتِها. وليتَهُ، حينئذٍ، يأتي مُتَضَرِّعًا وتائبًا إلى المسيح الَّذي سَيَتَلَقَّى الضَّربةَ عنِ القلبِ التَّائب. ونحنُ نَشكُرُكَ لأنَّ العهدَ الجديدَ الَّذي في المسيح يُحْيي، ويُعطي حَياةً فَيَّاضَةً، وحياةً أبديَّةً، ويُنشئُ بِرًّا مِماثِلاً لِبِرِّ المسيح الَّذي يُحْسَب لنا ويُغَطِّينا. ونحنُ نَشْكُرُكَ، يا أبانا، لأجلِ ذلك.

خَلِّصْنا مِنْ كُلِّ سُقوطٍ في مِثْلِ هَذِهِ الفِخاخ، ومِنَ السُّقوطِ في فَخِّ الأشياءِ الخارجيَّة حَتَّى نُدركَ أنَّ الحقيقةَ تَكْمُنُ في يسوعَ المسيح. وليتَنا نَتَمَثَّلُ ببولُس ونَشْهَدُ عن حقيقةِ أنَّنا كُنَّا نَفْعَلُ هذا كُلَّهُ إلى أنْ رأينا القيمةَ الفائقةَ لمعرفةِ المسيح. وحينئذٍ صارَ كُلُّ شيءٍ نُفاية. وليتَنا نَتَمَثَّلُ ببولُس في السَّعْي إلى معرفةِ المسيح، وقُوَّةِ قِيامَتِهِ، وشَرِكَةِ آلامِه، مُتَشَبِّهينَ بِموتِهِ. أعْطِنا حَياةً مُتمركِزَةً حولَ المسيح لِمَدْحِ اسْمِهِ وَلِمَجْدِهِ. نَطْلُبُ هذا باسْمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize