Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لا أَدري كيفَ تَجِدونَ جَميعُكُم هذه الدِّراسة، ولكنِّي مُستَمتِعٌ جِدًّا بدراسَةِ رسالةِ كورنثوس الثانية والأصحاح الثالث. والحقيقة هي أنَّ هذه الدِّراسة غنيَّة جدًّا حَتَّى إنَّنا قد نَستمرُّ فيها إلى أنْ يَحدُثَ الاختطاف. وسوفَ يكونُ الأصحاحُ الثالثُ مِن رسالة كورنثوس الثانية هو مِحْوَر دراستِنا في هذا الصباح. وأودُّ أن أُشجِّعَكم على أنْ تَفتحوا كُتُبَكُم المقدَّسة إنْ سَمَحْتُم. وهذا هو الجُزءُ الرابعُ في هذه السِّلسلة الَّتي سندرسُ فيها الأعداد مِنْ 6 إلى 18، وهي بعُنوان: "مَجْد العهد الجديد". ولا أدري كم سيكونُ عددُ الأجزاء. ولكِنْ مِنَ الواضحِ أنَّهُ ستكونُ هناكَ أجزاءٌ أخرى. فهذا مَقطعٌ ثَمينٌ جدًّا مِنْ كلمةِ اللهِ. وهو مَقطعٌ لا يَجوزُ أنْ نَدْرُسَهُ باستخفاف، بل يجب علينا أنْ نَفهمَ كُلَّ الغِنى الَّذي فيه قَدْرَ استطاعَتِنا.

والآيات 2كورنثوس 3: 6-18 هي أَشْبَهُ بالنُّسخة المُختصرة للرِّسالة إلى العِبرانيِّين. فهي تأخذُ الرسالة إلى العبرانيين، وتأخذُ الفكرة العظيمة لتَفَوُّق العهد الجديد، وتُلَخِّصُها في هذا المقطعِ الصَّغير. وحينَ تَتَعَمَّقونَ في هذا المقطع، لا يمكنكم أنْ تَستوعبوا كُلَّ ما فيه، بل إنَّكم تَجِدونَ أنفسَكُم مُرْغَمينَ على التَّوسُّعِ في العديدِ مِنَ الأشياء الموجودة (كما قُلنا سابقًا) في الرسالة إلى العبرانيين وفي أماكِن أخرى مِنَ الكتاب المقدَّس.

وابتداءً مِنَ العدد 6 إلى نهايةِ الأصحاح، يُريدُ بولُس أن يُبَيِّنَ بوضوحٍ تامٍّ أنَّ العهدَ الجديد يَتفوَّقُ على العهد القديم. والسَّببُ في أنَّ هذا الأمرَ مُهِمٌّ هو أنَّهُ جاءَ إلى مدينة كورِنثوس (الَّتي خَدَمَ فيها بولسُ بكُلِّ أمانة وزَرَعَ فيها تلكَ الكنيسة العظيمة) جاءَ مُعَلِّمونَ كَذَبة ورُسُلٌ كَذَبة أرادوا أنْ يُقْنِعوا الرَّعيَّة بأنَّ العهدَ القديمَ مُساوٍ للعهد الجديد. وقد أرادوا أنْ يُقْنِعوا الرَّعيَّةَ بضرورة الاستمرار في مُمارسة الطُّقوسَ الموسويَّة والشَّعائرَ الموسويَّة، وأنَّهُ ينبغي الحِفاظُ على تلك الشَّعائر، وبأنَّ العهدَ القديمَ دائمٌ على غِرارِ العهدِ الجديد، وبأنَّهُ أبديٌّ (إنْ شِئْتُم) كما هي حالُ العهدِ الجديد، وبأنَّ أهميَّتَهُ مُساوية لأهميَّةِ العهدِ الجديد، وبأنَّهُ مُساوٍ للعهدِ الجديد.

لِذا فقد كانوا يَفرِضونَ على البساطةِ الَّتي في المسيح كُلَّ التَّقاليدِ المُوسويَّة (بَدْءًا مِنَ الخِتانِ فَصاعِدًا)، وكانوا يُشَوِّشونَ النَّاسَ ويُشَوِّهونَ بساطةَ الإنجيل. وقد تحدَّثنا عن كيفَ أنَّ الطَّقسيَّة والكَّهنوتيَّة؛ وهي كَلِمَة تُستخدَمُ لوصفِ نوعِ الخدمة الَّتي يقومُ بها الكَهَنة مِنْ طُقوس وشَّعائر ومُمارسات خارجيَّة روتينيَّة تَميلُ إلى تَشويهِ الحقيقة الرُّوحيَّة.

وكما هو واضحٌ، فإنَّ بولسَ يُدافِع عن نفسِهِ في رسالة كورنثوس الثانية. فالرِّسالة كُلُّها هي دفاعٌ عن خِدمته ونَزاهَتِه الشَّخصيَّة. وواحدٌ مِنَ البَراهينِ الَّتي يَستخدمُها للدفاعِ عن نفسه هو أنَّهُ كانَ خادِمًا للعهدِ الجديد. فهو يقولُ في العدد 6 إنَّ اللهَ "جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ". وهذا، بالمُناسبة، يُناقِضُ المُعَلِّمينَ الكذبة الَّذينَ ما زالوا يَخدِمونَ العهدَ القديم.

فبولسُ يقول إنَّ العهدَ الجديد أفضل جِدًّا، وإنَّ أيَّ خادمٍ حقيقيٍّ للهِ يَخْدِمُ إنجيلَ العهدِ الجديد، وَحَقَّ العهدِ الجديد، لا طُقوسَ العهدِ القديم وناموسيَّتِه. فالعهدُ الجديدُ هو الإنجيلُ الَّذي يَكْرِزُ بهِ بولُس. والعهدُ الجديدُ يُكْرَزُ بِهِ مِنْ قِبَلِ كُلِّ الوُعَّاظِ الأُمناءِ طَوالَ التّاريخِ في حياةِ الكنيسة.

لِذا، كَجُزْءٍ مِنْ دِفاعه عن نفسه وخِدمته، فإنَّهُ يتحدَّثُ عن موضوعِ العهدِ الجديد فيقول: "لماذا تَحَوَّلتُم عَنِّي مَعَ أنَّني خادِمٌ أمينٌ للعهدِ الجديد لِتَتْبَعوا خُدَّامَ العهدِ القديم الزَّائِفين؟ لماذا تَفعلونَ ذلكَ معَ أنَّ العهدَ الجديدَ أَسْمَى مِنَ العهدِ القديم؟"

لِذا، في الوقتِ الَّذي يُدافِعُ فيه عن نفسه بوصفِهِ راعيًا حقيقيًّا، ورسولاً حقيقيًّا، وواعِظًا حقيقيًّا، ومُعلِّمًا حقيقيًّا لأنَّهُ يُعَلِّمُ العهدَ الجديد، فإنَّهُ يَسمحُ لنا برؤيةِ غِنى هذا العهدِ الجديد. لذا فإنَّهُ يَسْتَرْسِلُ إلى ما وراء الدِّفاعِ عن نفسه ويَدْخُلُ في صُلْبِ لاهوتِ العهدِ الجديد. ومعَ أنَّهُ يَفعلُ ذلكَ بإيجاز، فإنَّ كلماتِهِ غَنِيَّة دُوْنَ أَدنى شَكّ.

وهو يَرفُضُ الخلاصَ بالأعمال، ويَرفضُ الخلاصَ بالخِتان والطُّقوس والشَّعائِر. فهو يَرفضُ هذه الأشياء تمامًا. وهو يريدُ مِنَّا أنْ نَرفُضَها نحنُ أيضًا. فالخلاصُ ليسَ قائمًا على الطُّقوس. فهو لا يقومُ على أيِّ طَقْس. وهو لا يقومُ على الشَّعائر. وهو لا يقومُ على المُمارساتِ الدِّينيَّة أيًّا كانتْ تلكَ الطُّقوسُ أوِ المُمارسات. فالخلاصُ قائمٌ على العهدِ الجديد.

وما هو العهدُ الجديد؟ إنَّ العهدَ الجديدَ هو ببساطة: وَعدٌ. فالكلمة "عَهْد" تَعْني "وَعْد". والعهدُ الجديدُ هو وَعْدٌ بالخلاص. وهذا يعني الغُفرانَ التَّامَ لِكُلِّ خطاياك مِنْ خلالِ موتِ يسوعَ المسيحِ وقيامَتِه. فهذا هو وَعْدُ الله. فاللهُ وَعَدَ بأنْ يَغْفِرَ خَطِيَّتَك، وبأنَّهُ لن يَعود يَذكُرُ خطايانا بَعْد، وبأنَّهُ سيُبْعِدُها عَنَّا كبُعدِ المَشرقِ عنِ المَغْرِب، وبأنَّهُ سيَغفرُها تمامًا وبصورة كاملة بسبب ما فَعَلَهُ يسوعُ المسيحُ على الصَّليب. فهذا هو الوَعْدُ الجديد. وهذا هو العهدُ الجديد. وهذا هو الإنجيل. فالعهدُ الجديدُ والإنجيلُ هُما الشَّيءُ نَفسُهُ. وبولسُ يقول: "أنا كارزٌ بالإنجيل. وأنا كارزٌ بالعهدِ الجديد". وكذلك هي حالُ كُلِّ خادِمٍ أمين.

وقد تقول: "حسنًا! وماذا كانَتِ الغايةُ مِنَ العهدِ القديم؟" لقد تَحدَّثنا عن ذلكَ في الأسابيع الثَّلاثة الماضية. وأنا لن أُعيدَ ذلك، بل سأكتفي بالقول إنَّ العهدَ القديمَ كانَ يَتألَّف مِنْ ثلاثة أجزاء: الشَّريعة المدنيَّة، والشَّريعة الطَّقسيَّة، والشَّريعة الأخلاقيَّة. وقد كانتِ الغايةُ مِنَ الشريعة المدنيَّة هي أنْ تَضَعَ قَوانينَ لحياةَ بني إسرائيل بطريقة فريدة لكي يكونوا شعبًا مُفْرَزًا ومُنفصِلاً عنِ الأُمم الوثنيَّة والشُّعوبِ الَّتي تَعبدُ آلهة عديدة في زَمَنِهم. وقد جَعَلَتْهُم يعيشونَ بطريقة فريدة يمكننا أنْ نُسَمِّيها اليوم "نَمَطَ حَياةٍ مُحَلَّل"، وفَصَلَتْهُم عنِ الأمم الَّتي قد تُلَوِّثُهم وتُؤثِّرُ سلبيًّا في شَهادَتِهم.

أمَّا الجانبُ الطَّقسيُّ مِنَ النَّاموسِ (بِكُلِّ ما فيهِ مِن رُموزٍ، ونظامِ ذَبائح، وخِتان، وسَبْت، وأعياد، واحتفالات) فإنَّهُ يَختصُّ بالقصدِ مِنَ الخلاص. وقد كانَ القَصْدُ مِنْ تلك الأمورِ دائمًا هو أنْ تُظْهِرَ خُطَّة الله الفِدائيَّة (أيْ حاجةَ الإنسانِ إلى أنْ يَخْلص)، وكيفَ سيقومُ اللهُ بتنفيذِها. لِذا، فقد كانت كُلُّ تلك الأشياء رَمزيَّة. وقد كانت مُجَرَّدَ صُوَر.

والجُزءُ المَدَنِيٌّ الَّذي فَرَزَ إسرائيلَ كأُمَّة فريدة قد وُضِعَ جانِبًا لأنَّنا صِرْنا شعبًا واحدًا (يَهودًا وأُمَمًا) في الكنيسة. وقد وُضِعَ الجُزءُ الطَّقسيُّ جانِبًا لأنَّ الصُّوَرَ تَتلاشَى عندَ مَجيءِ الشَّيءِ الحقيقيّ. والحقيقة صارت حاضرة في المسيح.

أمَّا الجانبُ الثالثُ مِنَ النَّاموسِ فكانَ الجُزء الأخلاقيّ. وهذا هو الجزءُ الدَّائمُ والأبديُّ لأنَّ اللهَ أَعْلَنَ مِنْ خلالِ الشريعةِ الأخلاقيَّةِ صِفاتِهِ ومَشيئَتَهُ للإنسان. ولكِنَّ الشَّريعةَ الأخلاقيَّةَ لا تَقدرُ أنْ تُخَلِّصَك. وهي، بذلكَ، لا تَختلِف في شيءٍ عن الشريعة الطقسية الَّتي لا تَقدر أنْ تُخَلِّصَك لأنَّها مُجَرَّد صُوَر. والشريعة المدنيَّة لم تَكُن قادرة أنْ تُخَلِّصَك لأنها كانت مُجَرَّدَ طريقة لتنظيمِ الحياةِ خارجيًّا.

وكذلكَ فإنَّ الشريعة الأخلاقيَّة لا تستطيعُ أن تُخَلِّصَكَ أيضًا. فكُلُّ ما تَفعلُه هو أنَّها تَقودُكَ إلى مَعرفةِ خطيَّتِك على حقيقتِها. وبسببِ شُعورِكَ باليأس، فإنَّها تَقودُكَ إلى اللهِ مُتَضَرِّعًا أنْ يَرحَمَكَ ويُسبِغَ عليكَ نِعْمَتَهُ. وهذا هو ما فَعَلَهُ قِدِّيسو العهدِ القديم. وهذا هو ما فَعَلَتْهُ البَقيَّة. وهذا هو ما فَعَلَهُ اليهودُ الحقيقيُّون. فقد كانَ اليهوديُّ الحَقيقيُّ يَنظرُ إلى النَّاموسِ، ويَنظرُ إلى حياتِهِ ويقول: "لا يمكنني أنْ أَحفظَ النَّاموس". وكانَ يَصْرُخُ طَلبًا للرَّحمة.

وَمِنَ المُؤسفِ والمُحزِنِ أنَّ بقيَّةَ اليهودِ نَظروا إلى الشريعة الأخلاقيَّة وقالوا: "حسنًا! أنا لا أستطيعُ أنْ أحفظَها جَيِّدًا جِدًّا. ولكنِّي أَعلمُ أنَّ الخلاصَ يَكْمُنُ في الشَّريعة الطقسيَّة. ولأنِّي لا أستطيعُ أنْ أحفظَ الشريعة الأخلاقيَّة، سأَستخدمُ الشريعة الطقسيَّة وسيلةً للخلاص". وقد كانَ ذلكَ أكثر سُوءًا لأنَّ الشريعة الأخلاقيَّة لم تكن تَقتلهم فقط، بل إنَّهم أخذوا حَرْفَ الشريعة الطقسيَّة وفَرَضوها بالإضافة إلى الشريعة الأخلاقيَّة كما لو كانت عُنْصُرًا مُخَلِّصًا. وحينئذٍ قُتِلوا حَقًّا آنذاك. فَحَرْفُ النَّاموسِ كانَ مُهْلِكًا بِحَقّ. وقد قُلنا سابقًا أنَّنا نَقْصِدُ بالحَرْف: الجانبَ الخارجيَّ الطَّقسيَّ مِنَ النَّاموس.

فقد أَعْطَى اللهُ الجُزءَ الطَّقسيَّ مِنَ النَّاموس لكي يُبَيِّنَ للإنسانِ حاجَتَهُ إلى الفِداءِ وذلكَ مِنْ خلالِ الرُّموزِ والصُّوَر. وقد أَعْطَى اللهُ الجُزءَ المَدنيَّ مِنَ النَّاموس لكي يَفْرِزَ شَعبَهُ للأسبابِ الَّتي ذَكَرتُها لكم؛ أيْ لكي يكونوا شُهودًا في العالمِ، ولكي لا يَتلوَّثوا بسهولة مِن خلالِ الاحتكاكِ بالأُمَمِ الأخرى. وقد أَعْطَى اللهُ الشريعة الأخلاقيَّة لكي يَكْسِرَ ظَهْرَ الإنسان، ولكي يُريهِ مَشيئَتَه؛ أيْ لكي يُظْهِرَ مَشيئَتَهُ للبشر، ولكي يُبَيِّنَ للإنسان أنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يَعيشَ بموجِبِ هذه الشريعة. وقد كانَ القَصْدُ مِنْ هذا كُلِّهِ هُوَ أنْ يَدْفَعَ الإنسانَ إلى الاتِّكالِ على رَحمةِ الله. وقد كانَ اللهُ يُسْبِغُ رَحْمَتَهُ عليهم ويَغفِر لهم مِنْ خلالِ عملِ المسيح الَّذي كانَ يُرْمَزُ إليهِ مِنْ خِلالِ نِظامِ الذَّبائح.

وقد تَحَدَّثنا عن كُلِّ هذه الأمور. وأنا لا أريدُ أنْ أُكَرِّرَ الكَلامَ أو أقولَ ما هو أكثر مِن ذلك. فلننتقل إلى النَّصِّ الَّذي أمامَنا الآن. فبولسُ يُشيرُ إلى العَهْدِ الأفضل (الَّذي هو العهد الجديد)، وإلى العهدِ الأسْمى (الَّذي هو العهد الجديد). ومِن خلالِ إظهارِ أنَّ العهدَ الجديدَ أفضل، فإنَّهُ يَذكرُ ثماني نِقاط لكي يُبَيِّنَ تَفَوُّقَ وَسُمَوَّ العهد الجديد. وبقيامِهِ بذلك فإنَّهُ يَرفُضُ العهدَ القديم.

أوَّلاً، إنَّهُ يقولُ إنَّ العهدَ الجديدَ يُعطي حَياةً. وقد تحدَّثنا عن ذلكَ مِنْ خلالِ التَّأمُّلِ في العدد 6. ولن نُعيدَ ذلكَ مَرَّةً أخرى. فهو يقول: "الَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ. لاَ الْحَرْفِ بَلِ الرُّوحِ. لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي". فالعهدُ الجديدُ هو عهدٌ يُعطي حياةً. أمَّا العهدُ القديمُ فلم يكن بمقدورِهِ أنْ يَفعلَ ذلك. فكُلُّ ما كانَ بمقدورِ النَّاموسِ أن يَفعلَهُ هو أنْ يَقتُلَكَ. فقد كانَ عاجِزًا عن إعطائِكَ حياةً. والحقيقة هي أنَّهُ يَصِفُهُ في العدد 7 بأنَّهُ "خِدْمَةُ الْمَوْتِ". فالعهدُ القديمُ قاتِلٌ. والنَّاموسُ قاتِلٌ.

فعندما تَقرأُ ناموسَ اللهِ، وتنظرُ إلى حياتِكَ الشخصيَّة، سَتَرى أنَّكَ مَيِّتٌ. وما مَعنى ذلك؟ إنَّكَ تَموتُ مَوْتًا حَيًّا ناشئًا عنِ الشُّعورِ بالعارِ، والذَّنبِ، والنَّدَمِ، والعَجْزِ، والإحباطِ لأنَّكَ لا تستطيعُ أنْ تَحيا بحسب ناموسِ الله. وَهُوَ يَقتلُكَ أيضًا أبديًّا لأنَّكَ كَسَرْتَ الآنَ ناموسَ اللهِ. وبحسب ما جاءَ في رسالة غلاطيَّة 3: 10، فإنَّكَ مَلعونٌ. وبحسب غلاطيَّة 3: 13، فإنَّكَ مَلعونٌ. وتلك اللَّعنة تَعني: لَعنة أبديَّة. لِذا فإنَّ النَّاموسَ قاتِلٌ جَماعِيّ. فهو أكبرُ قاتلٍ جَماعيٍّ في كُلِّ العُصور. فهو يَحْكُمُ على النَّاسِ جميعًا بالفَشَلِ والدَّينونةِ، ويُحاكِمُهُم ويَدينَهُم. فالنَّاموسُ قاتِلٌ. أمَّا العهدُ الجديدُ فيُعطي حَياةً.

ثانيًا، نَقرأُ ابتداءً مِنَ العدد 7 أنَّ العهدَ الجديدَ يُنْشِئُ بِرًّا. والآنْ، اسمحوا لي أنْ أَقرأَ ذلكَ النَّصَّ على مَسامِعِكُم ابتداءً مِنَ العدد 7: "ثُمَّ إِنْ كَانَتْ خِدْمَةُ الْمَوْتِ، الْمَنْقُوشَةُ بِأَحْرُفٍ فِي حِجَارَةٍ، قَدْ حَصَلَتْ فِي مَجْدٍ، حَتَّى لَمْ يَقْدِرْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى وَجْهِ مُوسَى لِسَبَبِ مَجْدِ وَجْهِهِ الزَّائِلِ، فَكَيْفَ لاَ تَكُونُ بِالأَوْلَى خِدْمَةُ الرُّوحِ فِي مَجْدٍ؟ لأَنَّهُ إِنْ كَانَتْ خِدْمَةُ الدَّيْنُونَةِ مَجْدًا، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا تَزِيدُ خِدْمَةُ الْبِرِّ فِي مَجْدٍ!" فَهُوَ يُجْري الآنَ مُباينةً حَيَّةً جِدًّا بينَ النَّاموسِ الَّذي تَتَّسِمُ خِدْمَتُهُ بأنَّها خِدمة دَينونة، وبينَ العهدِ الجديدَ الَّذي تَتَّسِمُ خِدمَتُهُ بأنَّها خِدمة بِرّ.

فالعهدُ الجديدُ يُنشِئُ بِرًّا. فهو يُنشئُ بِرًّا. وهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا جدًّا "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لا يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا". أليسَ كذلك؟ ونَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاح 3 أنَّهُ لا يَتبرَّر جَسَدٌ أمامَ الله. فلا يمكنكَ أنْ تَحصل على البِرّ، ولا يمكنكَ أنْ تَستوفي شُروطَ اللهِ بأنَّكَ فاضِلٌ ومُقَدَّسٌ وبارٌّ مِنْ خلالِ أَدائِكَ. فإذا كَسَرْتَ، كما قُلتُ في غلاطيَّة 3، إذا كَسرتَ جُزءًا واحدًا منَ النَّاموس، تَصيرُ مَلعونًا مِنَ النَّاموس. فالأمرُ لا يَتطلَّب أكثر مِنْ تَعَدٍّ واحِدٍ مَرَّةً واحدةً لكي تَصيرَ مَلعونًا. لذا، فقد كانت هذه الخِدمة خِدمة موت. وقد كانت (كما يَدعوها في العدد 9) "خِدمة دَينونة". ولكنَّها على النَّقيضِ تَمامًا للعهدِ الجديد الَّذي هو خِدمة بِرّ ... خِدمة بِرّ.

والآنْ، لتوضيحِ تَفَوُّقِ العهدِ الجديد، فإنَّ الرسولَ بولس يَرجِعُ إلى العهد القديم فيَذكرُ واحدةً مِنْ أكثرِ القِصَصِ المُدهشةِ وغيرِ الاعتياديَّة والعجيبة في كُلِّ العهد القديم؛ وهي قصَّة وردت في سِفْر الخروج والأصحاح 34. فلنرجِع إلى سِفْر الخروج 34. وتحديدًا، سنبتدئ بالنَّظر إلى النَّصِّ الَّذي يَبتدئُ مِنَ العدد 29.

فنحنُ نَقرأُ هنا عَمَّا اختبَرَهُ مُوسَى على جبل سِيْناء. وهي قصَّة مُدهشة. فقد صَعِدَ موسى، كما تَعلمون، بِحَسَبِ أَمْرِ اللهِ لكي يَتَسَلَّمَ النَّاموس. وقد صَعِدَ إلى هناك وتَكَلَّمَ معَ الله فأعطاهُ اللهُ النَّاموس. فقد أعطاهُ اللهُ ناموسًا يَعْكِسُ طبيعَتَهُ بوصفِهِ إلهًا قُدُّوسًا، ويَعكِسُ مَشيئَتَهُ للإنسان. وَهُوَ النَّاموسُ الَّذي سَيَكْسِرُ الإنسانَ ويُعيدهُ إلى اللهِ مُتَوَسِّلاً لأجلِ النِّعمة والرَّحمة؛ وَهُما شيئانِ سيمنَحُهُما اللهُ بناءً على حقيقةِ ما سيَفعَلُهُ يسوعُ المسيحُ ذاتَ يومٍ نِيابَةً عنِ الخاطئِ التَّائب.

ولكِنْ في العدد 29، لِنَبتدئ بالقراءة. فد كانَ مُوسى على الجَبَل معَ الله. وسوفَ تَرَوْنَ في العدد 28 أنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ كَلِمَاتِ العَهْد؛ أيِ الوَصايا العَشَرَ الَّتي تُلَخِّصُ العهدَ القديم. "وَكَانَ لَمَّا نَزَلَ مُوسَى مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِ مُوسَى، عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ الْجَبَلِ، أَنَّ مُوسَى لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ جِلْدَ وَجْهِهِ صَارَ يَلْمَعُ فِي كَلاَمِهِ مَعَهُ". فقد كانَ فوقَ الجَبَل يَتكلَّمُ معَ الله. واللهُ رُوحٌ. وأنتُم تَعلمونَ أنَّ الرُّوحَ ليسَ لهُ جَسَد وعظام. لِذا فإنَّ الرُّوحَ غيرُ مَنظور. ولكِنَّ اللهَ جَعَلَ نفسَهُ مَنظورًا. واللهُ قد يَجعل نَفسَهُ مَنظورًا بأنْ يُظْهِرَ مَجْدَ طَبيعَتِهِ مِنْ خِلالِ نُور. ونحنُ نَسَمِّي ذلكَ "شَكينَة" (أيْ: سَحابَة المَجْد)، وهي كَلِمَة تَعني: "حُضور". وقد ظَهَرَتْ شَكينَةُ مَجْدِ اللهِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ في سِفْر الخروج. والحقيقة هي أنَّني أعتقد أنَّ أَحَدَ مَظاهِرِ شَكينَةِ مَجْدِ اللهِ ظَهَرَ في السَّحابِ وعَمودِ النَّارِ إذْ إنَّ اللهَ استخدَمَ هاتين الوسيلَتَيْن لاقتيادِ بني إسرائيلَ نَهارًا وليالاً. ولعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ عندَما اكتملَ بناءُ خيمةِ الاجتماع في نهايةِ سِفْر الخروجِ أنَّ مجدَ اللهِ، أوْ أنَّ السَّحابةَ المَجيدةَ، أنَّ هذه السَّحابة البَهِيَّةَ الَّتي تُمَثِّلُ اللهَ حَلَّتْ على خَيمةِ الاجتماع.

لِذا، عندما أَعلنَ اللهُ نَفسَهُ، أعلنَ حُضورَهُ الرُّوحيَّ بأنْ أَظْهَرَ كُلَّ صِفاتِهِ في شَكْلٍ نُوْرٍ مَنظور. فقد أَظْهَرَ اللهُ نَفْسَهُ بطريقة مُعْجِزِيَّة وخارقة للطبيعة لِمُوسَى. لِذا، فإنَّكُم تَذكرونَ أنَّ موسى صَعِدَ إلى الجبل. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ قالَ للهِ في الأصحاح 33: "أَرِنِي مَجْدَكَ". فقالَ اللهُ: "سَأَدَعُكَ تَرى القَليلَ مِنْ مَجدي". وقد خَبَّأَهُ في نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخرة واجتازَ مَجْدُهُ مِنْ أمامِهِ. وقد كانَ ذلكَ النُّورُ المُشِعُّ السَّاطِعُ هو طريقةُ اللهِ في إظهارِ نَفسِه. فقد كانَ موسى معَ الله. وقد كانَ في حَضرةِ الله. وعندما نَزَلَ مِنْ على الجبل، لم يَكُن يَعلمُ ما حَدَثَ لأنَّهُ، بِكُلِّ تأكيد، لم يَكُن يَستطيعُ أنْ يَرى وَجْهَهُ. لِذا، لم يَكُن يَعلمُ أنَّ جِلْدَ وَجْهِهِ كانَ يَلْمَعُ لأنَّهُ تَكَلَّمَ مَعَ الله. فقد نَزَلَ وكانَ وَجْهُهُ يَلْمَعُ كالمِصْباح. فقد كانَ لامِعًا وَمُشرِقًا. وحينَ أقولُ إنَّهُ كانَ لامعًا، فإنَّني أَعني أنَّهُ كانَ لامِعًا حَقًّا.

ونقرأُ في العدد 30: "فَنَظَرَ هَارُونُ وَجَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى وَإِذَا جِلْدُ وَجْهِهِ يَلْمَعُ، فَخَافُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ". فقد بَقَوْا بعيدينَ عنه لأنَّهُ كانَ يَلْمَع. وهو لم يكن يَلمع قليلاً، بل كانَ يَلمعُ بِشِدَّة. وكانَ لَمَعانُهُ قويًّا جدًّا حَتَّى إنَّنا نَقرأُ في العدد 31: "فَدَعَاهُمْ مُوسَى. فَرَجَعَ إِلَيْهِ هَارُونُ وَجَمِيعُ الرُّؤَسَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ". بعبارة أخرى: لقد دَعاهُم قائلاً: "تَعالَوْا، تَعالوا، تَعالوا. لا تَخافوا".

"فَكَلَّمَهُمْ مُوسَى. وَبَعْدَ ذلِكَ اقْتَرَبَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَوْصَاهُمْ بِكُلِّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ مَعَهُ فِي جَبَلِ سِينَاءَ. وَلَمَّا فَرَغَ مُوسَى مِنَ الْكَلاَمِ مَعَهُمْ، جَعَلَ عَلَى وَجْهِهِ بُرْقُعًا. وَكَانَ مُوسَى عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ يَنْزِعُ الْبُرْقُعَ حَتَّى يَخْرُجَ". وقد كانَ يَفعل ذلك لكي يَحْصَل على مَزيدٍ مِنَ المجد في وَجْهِه. وعندما كانَ يَخْرُج كانَ يُكَلِّمُ بني إسرائيلَ ويُخبرهُم بما يُوصي الرَّبُّ. "فَإِذَا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ وَجْهَ مُوسَى أَنَّ جِلْدَهُ يَلْمَعُ كَانَ مُوسَى يَرُدُّ الْبُرْقُعَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يَدْخُلَ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ".

 

وإليكُم طريقةَ قِيامِهِ بذلك: فقد كانَ يَتَكَلَّمُ مَعَ الله. وعندما كانَ يَخرُج، كانَ وَجْهُهُ يَتَوَهَّجُ كالشَّمس. فقد كانَ مِثْلَ شَمْسٍ صَغيرة. فقد كانَ مُتوهِّجًا. والحقيقة هي أنَّهُ كانَ يَتَوَهَّجُ بِشِدَّة حَتَّى إنَّ النَّاسَ كانوا يَعْجَزونَ عنِ النَّظرِ إليه. فقد كانوا يَنْظُرونَ فقط صَوْبَهُ، ويَشْعُرونَ بالوَهْجِ، ويَسمعونَ الصَّوتَ. ولكِنْ لم يكن بمقدورهم أنْ يَنظروا إليهِ مُباشرةً. وعندما كانَ موسى يتوقَّفُ عنِ التكلُّمِ بكلماتِ اللهِ المُباشِرة، كانَ يَضَعُ بُرقُعًا على وجهِهِ لكي لا يُعْمي النَّاسَ بذلكَ الوَهج. فهو لَمَعانٌ يُعْمي العَيْنَيْن. وحينَ يعودُ إلى الدَّاخل لكي يَتَكَلَّمَ معَ الله، كانَ يَرفعُ البُرقُع. وعندما يَخرجُ، كانَ يَتَكَلَّمُ والبُرقعُ مَرفوعٌ. وعندما كانَ يَفْرُغُ مِنَ الكلام، كانَ يَضَعُ البُرقُعَ ثانيةً.

والآنْ، ما الَّذي كانَ يَجري هُنا؟ إنَّ التَّشبيَهَ الَّذي يُريدُ بولسُ أنْ يُبَيِّنَهُ، والمَثَلَ التوضيحيَّ الَّذي يَراهُ بولس هنا هو مَثَلٌ توضيحيٌّ عن مَجْدِ النَّاموس. فلنرجِع إلى نَصِّنا لِنَرى ذلك.

فنحنُ نَقرأُ في العدد 7: "ثُمَّ إِنْ كَانَتْ خِدْمَةُ الْمَوْتِ [أيِ العهدُ القديمُ أوِ النَّاموس]، الْمَنْقُوشَةُ بِأَحْرُفٍ فِي حِجَارَةٍ [على اللَّوْحَيْن]، قَدْ حَصَلَتْ فِي مَجْدٍ، حَتَّى لَمْ يَقْدِرْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى وَجْهِ مُوسَى لِسَبَبِ مَجْدِ وَجْهِهِ الزَّائِلِ". وأرجو أنْ تتوقَّفوا هُنا قليلاً. فهذا هو المَعنى المقصود. فعندما نَزَلَ مُوسى عنِ الجبلِ بعدَ أنِ التقى اللهَ وتَلَقَّى النَّاموس، كانَ يَحْمِلُ في وَجْهِهِ نَفْسَ لَمَعانِ اللهِ، ونفسَ مَجْدِ اللهِ؛ أيْ: الشَّكينَة. وأقربُ شيءٍ يمكنكم أنْ تَجِدوه في الكتاب المقدَّس يُشبهُ ذلك هو ما جاءَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 17. فهل تَذكرونَ حادِثَةَ تَجَلِّي الرَّبّ؟ فعندما تَجَلَّى الربُّ وصارَ مُشِعًّا جِدًّا، خافَ الأشخاصُ الحاضِرونَ هُناك. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ التلاميذَ الَّذينَ كانوا هناكَ سَقَطوا كالأمواتِ وأُغْمِيَ عَليهم. والفرقُ هو أنَّ الربَّ يَسوعَ حَجَبَ جَسَدَهُ فَظَهَرَ المجدُ مِنَ الدَّاخل. أمَّا في حالة موسى، فقدِ انعكسَ المجدُ مِنَ الخارِج. فقد كانَ مُوسى يُشْبِهُ القمرَ إنْ جازَ القول لأنَّهُ عَكَسَ المَجْد.

ولكِنْ تُلاحظونَ في العدد 7 أنَّ النَّاموسَ جاءَ في مجد. فقد كانَ مجدُ اللهِ مُنعكِسًا على وجهِ موسى عندما كانَ يَقومُ بتوصيلِ النَّاموس. وما يَقولُهُ هنا هو أنَّ النَّاموسَ مَجيدٌ، وأنَّهُ يَعْكِسُ مجدَ الله. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الرسولَ بولسَ كانُ مُتَّهَمًا مِنْ قِبَلِ المُهَوِّدينَ وأهْلِ الخِتانِ بأنَّهُ مُعارِضٌ للنَّاموس، أو أنَّهُ يَتَكَلَّمُ ضِدَّ النَّاموس، أو أنَّهُ يُسيءُ إلى النَّاموس، أو أنَّهُ يُقَلِّلُ مِنْ شأنِ النَّاموس، أو أنَّهُ يتجاهلُ النَّاموس، أو أنَّهُ يُهْمِلُ النَّاموس، أو أنَّهُ يُهين النَّاموس. ولكنَّهُ لم يَفعل ذلكَ قَطّ. فقد كانَ يُدركُ أنَّ النَّاموسَ أوِ العهدَ القديمَ قد جاءَ في مجد ... أنَّهُ جاءَ في مجد.

فعندما أَعطى اللهُ النَّاموسَ، ونَزَلَ مُوْسى عنِ الجبلِ وَهُوَ يَحْمِلُهُ، كانَ ذلكَ في مَجْد. والحقيقة هي أنَّ المجدَ كانَ كثيرًا جدًّا حتَّى إنَّ بني إسرائيل لم يتمكَّنوا مِنَ النَّظر مُباشرةً إلى وجهِ مُوسى بسببِ المجدِ المُنْعَكِسِ مِنْ وَجهِه. فقد كانَ يَلْمَعُ بِشِدَّة. وقد كانتِ الشَّكينة عظيمة جدًا حتى إنَّهم لم يتمكنوا من النظر إلى وجههِ مُباشرةً. والفِعْلُ المُستخدمُ هنا يُشيرُ إلى تَثْبيتِ النَّظَرِ عليه، أوِ التَّحديقِ إليه، أوْ إطالةِ النَّظَرِ إليه.

ويمكنكَ أن تَخرجَ في يومٍ كهذا، يومٍ دافئٍ، أو عندما تُشْرِقُ الشَّمس وتكونُ ساطعَةً، ويمكنكَ أنْ تَعْرِفَ أنَّها مُشْرِقَة وأنْ تَلمَسَ وجودَها إذْ يكونُ وَهْجُها واضحًا بالنِّسبة إليك. وإنْ جاءَ شخصٌ إلى بيتِكَ بعدَ ظُهْرِ اليوم وقال: "أريدُ أنْ أُصَوِّرَكَ"، فإنَّكَ تَقِفُ هُناكَ وتُغلِقُ عينيكَ قليلاً. وأنتُم تَعلمونَ ما أتحدَّثُ عنه. وبالرغم مِن ذلك فإنَّكَ لا تنظر إلى الشمس لأنَّكَ إذا نظرتَ إلى الشمس ستشعر أنَّكَ أُصِبْتَ بالعَمى. لذا فإنَّكَ تَنظر حولها، أو أسفلها، أو إلى جانبها، ولكنَّكَ تَشعرُ بذلك الوهج.

وهذا هو تمامًا ما كانَ يحدثُ هنا. فقد عَجِزوا عنِ النظر إلى وجهِ موسى. إنَّهُ موسى. وقد كانوا يَعرفونَهُ. وهو لم يَبْدُ بهذا الشَّكلِ مِن قَبْل. فهناكَ شيءٌ مَجيدٌ جدًّا حدث. وهناكَ شيءٌ خارقٌ حَدَث، وتحديدًا: إعطاء النَّاموس في حَضرةِ الله. وقد كانَ المجدُ فائقًا جدًّا، وساطعًا جدًّا، وعظيمًا جدًّا حتَّى إنَّهُ كانَ يُشبهُ التَّحديقَ في الشَّمس. لِذا فقد عَجِزوا عن النظر إلى وجهِه. لِذا، عندما انتهى مِنَ التكلُّمِ بكلامِ الربِّ وأرادَ أنْ يَتخاطَبَ مع الشَّعب بالطريقة العاديَّة، كانَ يَضَعُ البُرقُعُ على وجهه. فلولا ذلك لأَعْماهُم.

وبولسُ يُشيرُ إلى أنَّ النَّاموس جاءَ بِمَجْدٍ مِنَ الله. وقد كانَ ذلكَ المجدُ واضحًا لكل شخصٍ رأى موسى يَنْزِلُ عن الجبل، ولكل شخصٍ آخر يَقرأُ القصَّة. فخدمةُ الموتِ كانت مَجيدةً لأنَّها عَكَسَتْ مشيئةَ اللهِ، وطبيعةَ اللهِ، وشخصَ اللهِ، ومجدَ الله. ولكِنْ بالرَّغمِ مِنْ مَجْدِ النَّاموس، فإنَّهُ كانَ مجدًا محدودًا. صَحيحٌ أنَّهُ كانَ مِنْ عندِ اللهِ، ولكنَّهُ كانَ قاتِلاً. وصحيحٌ أنَّهُ أَتَى مِنْ عندِ اللهِ (وأرجو أن تلاحظوا العدد 9) ولكنَّهُ كانَ خِدمةَ دينونة، لا خِدْمَةَ خلاص. فقد كانَ قاتِلاً. وقد كانَ مُصَمَّمًا لِجَعْلِ الخُطاةِ يُدركونَ خطيَّتَهُم. وقد كانَ مُؤدِّبًا لنا لكي يَقودَنا إلى المسيح. وقد كانَ قَيْدًا لكي يُغْلِقَ عليهم (كما يقولُ بولُس في رسالة غلاطيَّة والأصحاح 3).

فالعهدُ القديمُ (بِشرائعهِ المَدنيَّة والأخلاقيَّة والطَّقسيَّة) كانَ قادرًا فقط على إصدارِ الأوامِر، وقادرًا فقط على توضيحِ الأمور، وقادرًا فقط على إعطاءِ رُموز. ولكِنْ لم يكن بمقدورِهِ أنْ يُعطي حَياةً، ولم يكن بمقدورِهِ أنْ يُعطي بِرًّا. فقد كانَ مُهْلِكًا – ولا سِيَّما حينَ يَقْتَصِرُ استخدامُهُ على حَرْفِ النَّاموس. وهو أمرٌ مُختلفٌ وليسَ مُرادِفًا للنَّاموس. ويمكنكم أنْ تَرَوْا ذلكَ في رسالة رُومية 2: 27-29. فقد كانَ قاتِلاً، ولكِنْ كانَ لَهُ مَجْد. فَهُوَ مِنْ تَصْميمِ الله. وقد جاءَ حَقًّا مِنَ السَّماء. وقد كانَ مشيئةَ الله.

والآن، إنْ كانَ هذا صحيحًا، أيْ إنْ كانَ للعهدِ القديمِ مَجْد، انظروا إلى العدد 8: "فَكَيْفَ لاَ تَكُونُ بِالأَوْلَى خِدْمَةُ الرُّوحِ فِي مَجْدٍ؟" والعبارة "خِدْمَة الرُّوح" هي مُصطلحٌ يَستخدِمُهُ بولُس للإشارة إلى العهدِ الجديد. فهو يُسَمَّي العهدَ الجديدَ "خِدمة الرُّوح". فالنَّاموسُ المكتوبُ على حجر كانَ قاتلاً. أمَّا النَّاموسُ المكتوبُ على القلبِ بالرُّوح القُدُس فإنَّهُ يُعطي حياةً ويُنشئُ بِرًّا. فالنَّاموسُ المكتوبُ على حجر يَدين. أمَّا النَّاموسُ المكتوبُ على القلبِ بالرُّوحِ القُدُس فإنَّهُ يُخَلِّص.

لِذا، فإنَّ هذا العهدَ أفضل جِدًّا مِنَ العهد القديم. وَهُوَ يقول: "فَكَيْفَ لاَ تَكُونُ بِالأَوْلَى خِدْمَةُ الرُّوحِ فِي مَجْدٍ؟" وهذه خُلاصة واضحة. وكما قلتُ مِرارًا ... ولا أريدُ أن يَفوتَكُم ذلك، لا سِيَّما أنَّ أُناسًا كثيرينَ طَرَحوا هذا السُّؤال. وقد ذَكَرْتُ هذا الأمرَ مِرارًا: إنَّ قِدِّيسَ العهدِ القديم، أوِ الشَّخصَ الَّذي خَلَصَ حَقًّا في العهد القديم قد خَلَصَ لأنَّهُ انكَسَرَ أمامَ النَّاموسِ، ولأنَّهُ عَرَفَ أنَّهُ لا يستطيعُ أنْ يَحفظَ النَّاموس، وعَرَفَ أنَّهُ خاطئ، وجاءَ إلى اللهِ وَتَضَرَّعَ لأجلِ الرَّحمة والنِّعمة والغُفران مِنَ الله. فقد جاءَ تائِبًا، وجائعًا وعَطِشًا إلى البِرِّ، ومُتواضِعًا ونائِحًا على إثْمِهِ كما هُوَ مَذكورٌ في التَّطويبات في إنجيل مَتَّى والأصحاح 5. وقد تَضَرَّعَ إلى اللهِ لكي يَرْحَمَهُ لأنَّهُ خاطئ (كما هي حالُ العَشَّارِ الَّذي قَرَعَ على صَدرِهِ) لأنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ مُنْعِمٌ وَرَحوم. وقد كانَ اللهُ رَحومًا ومُنْعِمًا للخاطئِ التَّائب، وَغَفَرَ لَهُ كُلَّ خطاياه بناءً على ما كانَ المَسيحُ سيَفعله نيابةً عن ذلك الخاطئ في المستقبل.

وهذه هي طريقةُ عَمَلِ الخلاص دائمًا. فهي لم تكن مُختلفة يومًا. بل هو دائمًا بالنِّعمة مِن خلالِ الإيمان بناءً على عَمَلِ المسيح – سَواءٌ حَدَثَ ذلكَ قَبْلَ عَمَلِ المسيح أَمْ بَعْدَهُ. فعندما كانَ أَحَدُ اليهودِ في العهد القديم يَخْلَص، كانَ يَخلَص بالنِّعمة مِن خلالِ الإيمان. وفجأةً، صارَ ذلكَ النَّاموس (أيِ النَّاموسُ الأخلاقيُّ الَّذي كانَ ذاتَ مَرَّة قاتِلاً بالنِّسبة إليه) صارَ طَريقَ بَرَكَة. وصارَ مَوْقِفُ الخاطِئِ مُشابِهًا لموقفِ داود في المزمور 119 إذْ يقول: كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ! الْيَوْمَ كُلَّهُ هِيَ لَهَجِي". فأنا أتأمَّلُ فيها طَوالَ الوقت. ففجأةً، عوضًا عن يكونَ النَّاموسُ قاتِلاً، صارَ النَّاموسُ طَريقَ حَياةٍ وبَرَكة، وصارَ بالنِّسبة إليهِ أَحْلى مِنَ العَسَلِ وَقَطْرِ الشِّهَاد، وأَثْمَنُ مِنَ الذَّهَب. وهذا لا يَعني أنَّ مَوقِفَهُ مِنَ النَّاموسِ هو الَّذي خَلَّصَه، بل إنَّ خَلاصَهُ غَيَّرَ موقِفَهُ مِنَ النَّاموس.

ثُمَّ نأتي إلى العدد 9 فَنَجِدُ حُجَّةً مُتَدَرِّجَةً مِنَ الأصغَر إلى الأكبر: "لأَنَّهُ إِنْ كَانَتْ خِدْمَةُ الدَّيْنُونَةِ مَجْدًا [أيْ: إنْ كانَ النَّاموسُ، الَّذي يَدينُ ويَقتُل، لَهُ مَجْدٌ]، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا تَزِيدُ خِدْمَةُ الْبِرِّ فِي مَجْدٍ!" وَهُنا، نَجِدُ أنَّهُ يُطْلَقُ على خِدمةَ المَوْتِ اسْمٌ آخر. فهي خِدمةُ الحُكْمِ بالموت، أو خِدمةُ الحُكْمِ بالهلاك، أوْ خِدْمَةُ القَضاءِ، أو خِدمةُ الدَّينونة. فقد كانَ للعهدِ القديمِ مَجْد. فقد كانَ لهُ مجدٌ حَقًّا. وقد كانَ مِنْ عِنْدِ الله. وعندما نَزَلَ مُوسى مِنْ على الجَبَل، كانَ هُناكَ مَجْدٌ على وَجْهِهِ.

والآنْ، إنْ كانَ ذلكَ العهد القديم (الَّذي يُهْلِك النَّاس، ويَقتُلهم، ويَدينَهُم، ويَحكُم عليهم بالدَّينونة) إنْ كانَ لَهُ مَجْد، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا تَزِيدُ خِدْمَةُ الْبِرِّ فِي مَجْدٍ. وما هي خِدمةُ البِرّ؟ إنَّهُ العهدُ الجَديدُ وَحَسْب ... العهدُ الجديد. فهو لَهُ مَجْدٌ عَظيمٌ لأنَّهُ يُنْشِئُ بِرًّا.

ارْجِعُوا إلى رسالة رُومية 3: 21. ففي العدد 20، يَقولُ بولُس: "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ [لا يَتَبَرَّرُ جَسَد]. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ". ولكن انظروا إلى العدد 21 إذْ يقول: "وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاء". فقد رَأَوْا أنَّ العهدَ الجديدَ آتٍ، ولكِنَّ بِرَّ اللهِ كانَ مُعْلَنًا إذْ نَقرأُ في العدد 22: "بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُون". فالنَّاموسُ لم يكن يُعْطي بِرًّا. بل إنَّ البِرَّ كانَ يأتي مِنْ خلالِ الإيمانِ بيسوعَ المسيح لِكُلِّ مَنْ يُؤمِن.

وما الَّذي يَمْنَحُهُ العهد الجديد؟ البِرّ. فالعهدُ الجديد يُغَيِّرُ نَظرةَ اللهِ إلى الخاطئ. وَهُوَ يُغَيِّرُ مَوقِفَهُ. فهو يَراهُ مَكْسُوًّا بِبِرِّ المسيح: "لأَنَّهُ قَدْ أَلْبَسَنِي ثِيَابَ الْخَلاَص" (كما قالَ إشعياء) إذْ يَصيرُ المؤمنُ مَكْسُوًّا بِبِرِّ المسيح، ويَحصُلُ على بِرِّ المسيحِ الَّذي يُحْسَبُ لَهُ وَيُوْدَعُ في حِسابِه.

واسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً توضيحيًّا جَيِّدًا على ذلك. افتحوا على رسالة فيلبِّي والأصحاح الثالث. ولنستخدِم بولس كَمَثَلٍ توضيحيّ. فهذا واحِدٌ مِنَ الأصحاحاتِ المُفَضَّلة لديَّ في كُلِّ الكتاب المقدَّس. فقد كانَ بولسُ يَعلمُ أنَّ العهدَ القديمَ جاءَ في مَجْد. ولكِنْ إنْ جاءَ أيُّ شخصٍ وَنَادى بأنَّ العهدَ القديم هو وسيلة للخلاص فإنَّهُ عَدُوٌّ للإنجيل. هل تَفهمونَ ذلك؟ فأيُّ شخصٍ يُنادي بأنَّ العهدَ القديم هو وسيلة للخلاص يكونُ عَدُوًّا للإنجيل.

والحقيقة هي أنَّ بولسَ يَصِفُ في رسالة فيلبِّي 3: 2 هذا النَّوعَ مِنَ الوُعَّاظِ قائلاً: "اُنْظُرُوا الْكِلاَبَ. انْظُرُوا فَعَلَةَ الشَّرِّ. انْظُرُوا الْقَطْعَ". فَكُلُّ شخصٍ يَقولُ إنَّ الخِتانَ، أوِ الطُّقوس المُوسويَّة، أو أيًّا مِنْ تلك الأشياء، أوْ إنَّ بُلوغَ مُستوىً مُعَيَّن مِنَ الأخلاق بحسب النَّاموس يُخَلِّص هو كَلْبٌ وَفاعِلُ شَرٍّ. وبالمُناسبة، لقد كانَتِ الكِلابُ مُتَطَفِّلَةً وَشَرِسَةً. وقد كانتِ الكِلابُ مَنبوذَةً، وقَذِرَةً ووَسِخَة، وتأكُلُ القُمامة. وكانَ الجَميعُ يَستخِدُمها كَرَمْزٍ للحقارة في الأزمنة القديمة. فبُطرسُ يقولُ: "كَلْبٌ قَدْ عَادَ إِلَى قَيْئِهِ". فقد كانتِ الكلابُ حَقيرةً، وبَرِّيَّةً، وهائمةً في الشَّوارِع. وهذا هو ما يَقولُهُ عن أولئكَ الَّذينَ يَكرِزونَ بالعهدِ القديمِ كوسيلة للخلاص، أو كعُنصُرٍ يُسْهِمُ في الخلاص.

ولكِنْ لِنَنظُر إلى بولُس. فإنْ كانَ هناكَ شَخصٌ يَعيشُ بمُقتضى العهدِ القديم فإنَّهُ بولُس قبلَ اهتدائِهِ. وهو لم يكن يَعيشُ بمُقتضى العهدِ القديم وحسب، بل كانَ يَتْبَعُ حَرْفَ النَّاموس. فقد كانَ يحاولُ أنْ يَخْلصَ بِحِفْظِ حَرْفِ النَّاموسِ والأشياءِ الخارجيَّة. فلننظر إلى ذلك. فهو يقول في العدد 4: "مَعَ أَنَّ لِي أَنْ أَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ أَيْضًا. إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ فَأَنَا بِالأَوْلَى".  

"فسوفَ أَضَعُ إنجازاتي البشريَّة مُقابِلَ إنجازاتِ الآخرين. فإنْ كُنَّا نَخْلص بالجسد، وإنْ كنَّا نخلص بأعمالِ النَّاموس، وإن كُنَّا سنخلص بالجهدِ البشريِّ والطُّقوسِ والشَّعائرِ والأمورِ الرُّوتينيَّة وكُلِّ تلكَ الأشياء، فإنَّني أَضَعُ أوراقَ اعْتِمادي مُقابِلَ أوراقِ أيِّ شخصٍ آخر".

وإليكُم أوراق اعتمادي: "مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ". فهذا أمرٌ تُحَتِّمُهُ الشَّريعة. وقد فَعلتُ ذلك. فقد خَتَنَني أَبَواي. "مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ"، أيْ مِنَ الشَّعْبِ المُختار. "مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ"، أيْ مِنْ واحِدٍ مِنْ أَشْرَفِ سِبْطَيْن أَمينَيْن وَهُما "بَنيامين ويَهوذا" عندما انقسمت المملكة. "عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ".

وما مَعنى ذلك؟ "أنا لم أَكْسِر أيَّ تَقليد. فقد حَفِظْتُ كُلَّ التَّقاليد". وبِلُغَةِ اليوم، يُمكنُنا أنْ نقولَ إنَّهُ كانَ يَنتمي لمجموعةِ الحَسيديم القويمة. فهو لم يُساوِم يومًا على التَّقاليد. فقد كانَ تَقليديًّا. وقد حَفِظَ التَّقليدَ حَرفيًّا. "مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ [كُنْتُ مُكَرِّسًا للنَّاموس] فَرِّيسِيٌّ". وقد كانَ يوجدُ نحو سِتَّةِ آلافِ فَرِّيسيٍّ في العالم في ذلك الوقت. وقد كانوا مُتَطَرِّفينَ، وكانوا غَريبي الأطوارِ مِنْ جِهَةِ تَعامُلِهِم معَ دَقائِقِ وَتفاصيلِ النَّاموس. وقدِ اختارَ بولس أنْ يُكَرِّسَ نَفسَهُ لِحَرْفِ النَّاموسِ الموسويِّ قدرَ استِطاعَتِهِ.

وَهُوَ يَمْضي قائلاً: "وإنْ جاءَ شخصٌ وتَعَدَّى على أيِّ شيءٍ في ذلك العهد، أوْ جاءَ شخصٌ وقالَ إنَّهُ يوجد شيءٌ أفضل مِنَ العهد القديم، ولا سِيَّما أولئكَ المَسيحيِّين، كنتُ أَضْطَهِدُهُ. فقد كنتُ غَيورًا إلى هذا الحَدِّ على العهدِ القديم". "مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ". فَقد كنتُ أفعلُ كُلَّ ما يمكنني فِعْلُه بحسبِ النَّاموس. ولا يوجد شخصٌ يمكن أنْ يُهاجِمَني قائلاً: ’أَنْتُ مُلامٌ على ذلك‘". فقد كانَ مُدَقِّقًا.

فنحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ مُتَمَسِّكٍ بِحَرْفِ النَّاموس. ولا أعتقد حَتَّى أنَّهُ كانُ مُخَلَّصًا. ولا أعتقد حَتَّى أنَّه كانَ مَفديًّا؛ لأنَّهُ كانَ يَتِّكِلُ على كُلِّ هذه الأشياء. ولا أعتقد حَتَّى أنَّهُ بَلَغَ المَرحلةَ الَّتي تَحَدَّثَ عنها في رُومية 7 عنِ النَّاموس. فقد رأى النَّاموسَ على حقيقَتِه وأدركَ أنَّهُ قَتَلَهُ. ولكِنَّهُ خَلَصَ وَهُوَ في طَريقِهِ إلى دِمَشْق إذْ أَدْرَكَ حالَتَهُ على حَقيقَتِها.

ولكِنِ انظروا إلى ما حَدَثَ لَهُ عِنْدَما اختبرَ ذلك إذْ يقول في العدد 7: "لقد كُنْتُ أَحْسِبُ أنَّ كُلَّ تلكَ الأشياءِ رِبْحٌ لي. فقد جَمَعْتُ كُلَّ ذلكَ في خَانَةِ الأرباح. وقد كانَ ذلكَ هُوَ أساسُ خَلاصي، يا أصدقائي. فقد كنتُ عازِمًا على أنْ أَتَبَرَّرَ بالنَّاموس. ولكِنْ حينَ رأيتُ المسيح، أي في ذاتِ اللَّحظةِ الَّتي رأيتُ فيها المسيح، حَسِبْتُ كُلَّ شيءٍ ماذا؟ "خَسارَةً". فَضْلاً عن ذلكَ فإنَّهُ يقولُ أيضًا في العدد 8: "بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ". وسوفَ أُخبرُكُم بما يمكنكم أنْ تَفعلوه بِكُلِّ العهدِ القديم: يمكنكم أنْ تَضَعوهُ في سَلَّةِ القُمامَة". وَهُوَ هُنا لا يُقَلِّلُ مِنْ شَأنِ ناموسِ اللهِ الأخلاقيِّ، بل إنَّهُ يَتَحَدَّثُ وَحَسْب عنِ النَّظَرِ إلى العهد القديم كَوسيلة للخلاص.

فهل تَعلمونَ عَلاقَةَ الخِتانِ في اليومِ الثَّامِن بالخلاص؟ لا شيء. وهل تَعلمونَ العلاقةَ بينَ كَوْنِكُم مِنْ بَني إسرائيل وبينَ الخلاص؟ لا شيء. فالخلاصُ ليسَ بالطُّقوس. وَهُوَ ليسَ بالانتماءِ إلى عِرْقٍ مَا. وهل تَعلمونَ قيمَةَ أنْ تكونوا مِنْ سِبْطِ بَنْيامين؟ لا شيء. فالخلاصُ ليسَ بالامتيازات. وهل تَعلمونَ قيمةَ أنْ تَكونوا عِبرانِيِّينَ مِنَ العِبرانِيِّين؟ لا شيء. فالخلاصُ ليسَ بالتَّقاليد. وهل تَعلمونَ قيمةَ أنْ تكونوا فَرِّيسيِّينَ وأنْ تَحفظوا النَّاموس؟ الخلاصُ ليسَ بالمُمارساتِ الدِّينيَّة. وهل تَعلمونَ مَعنى أنْ تكونوا مُضْطَهِدينَ للكنيسة بسببِ غيرَتِكُم؟ لا شيء. فالخلاصُ ليسَ بالغَيْرَة، وَهُوَ ليسَ بالأخلاقِ الخارجيَّة. فَكُلُّ هذه الأشياء لا قيمةَ لها. فهي كُلُّها "سكوبالون" (skubalon). وبالمناسبة، فإنَّ هذه الكلمة تُشيرُ إلى فَضَلاتِ الإنسان أو أيِّ فَضَلات. فهي تَعني: "فَضَلات". وهو يقول: "لقد نَظرتُ إلى تلك الأشياء فوجدتُها نُفاية، وقُمامة، وفَضَلات".

وقد تقول: "لماذا تُسارعُ في ذِكْرِ هذا كُلِّه؟ العدد 9: "لأنَّني حينَ رأيتُ المسيح، وُجِدْتُ فيه، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَان". ويا لها مِنْ كلماتٍ حاسِمَة! "فقد رأيتُ ما كنتُ أبحثُ عنهُ دائمًا: البِرّ. ولكِنَّهُ كانَ مِنْ خلالِ المسيح. وقد كانَ بالإيمان. لا بالنَّاموسِ مِن خلالِ الأعمال. لذا، فإنَّ تلكَ الأشياء نُفاية. إنَّها نُفاية".

صَحيحٌ أنَّ العهدَ القديمَ كانَ لهُ مجد. افتحوا على رسالة كونثوس الثانية والأصحاح الثالث. فقد كانَ للعهد القديم مجد، ولكنَّهُ لا يُقارَن بمجدِ العهد الجديد. في الحقيقة، انظروا إلى العدد 10: "فَإِنَّ الْمُمَجَّدَ أَيْضًا [أيِ العهد القديم] لَمْ يُمَجَّدْ مِنْ هذَا الْقَبِيلِ لِسَبَبِ الْمَجْدِ الْفَائِق". لِذا، عندما تَنظرونَ إلى العهد القديم بالمُقارنة مع العهد الجديد، كأنَّ العهدَ القديمَ ليسَ له مجد. فهذا هو ما يَقولُهُ. فعندما تُقارِنوا مَجْدَ العهدِ القديم بمجدِ العهدِ الجديد الَّذي يَفوقُهُ جِدًّا في المجد، سيبدو أنَّ العهدَ القديم ليسَ لهُ مجد. وحينَ تنظرونَ إليه ستقولونَ إنَّهُ "نُفاية".

وبولُس يقول: "لا يَتَجَرَّأ أحدٌ منكم على قَبولِ آراءِ المُهَوِّدينَ، والخِتان، والمُمارساتِ الدِّينيَّة. ولا يَجرؤ أحدٌ منكم على السَّعيِ وراءَ بعضِ الطُّقوسِ الَّتي تُفْسِدُ البَساطَةَ الَّتي يَتَّسِمُ بها إنجيلُ يسوعَ المسيح. فهناكَ مَجدٌ عظيمٌ في العهد الجديد حَتَّى إنَّ العهد القديم يبدو أمامَهُ لا شيء ... لا شيء".

وقد تقول: "حسنًا! ولكِنْ هل ما يزالُ ناموسُ اللهِ الأخلاقيّ مُهِمًّا؟" بِكُلِّ تأكيد. لأنَّ ناموسَ اللهِ الأخلاقيِّ ما يزالُ الحَجَرَ الَّذي ينبغي أنْ يَكْسِرَ ظَهْرَ الخاطِئ. ويجب علينا أنْ نَكْرِزَ بذلكَ النَّاموس وأنْ نَحْفَظَ هذا النَّاموس. وبالمناسبة، فإنَّ النَّاموسَ الأخلاقيَّ مُكَرَّرٌ في العهدِ الجديد. أليسَ كذلك؟ فالشريعة المَدنيَّة وُضِعَتْ جانبًا لأنَّ شعبَ إسرائيل لم يَعُد موجودًا. فالأُمَمُ واليهودُ صاروا واحدًا. والشريعةُ الطَّقسيَّة وُضِعَتْ جانبًا. فلم يعد هناك سَبْت، ولا أَهِلَّة، ولا أعياد، ولا نِظام ذابح. وقد دُمِّرَ الهيكل ولم تعد هناك ذبائح، ولا سبت. فقد زالَتْ كُلّ تلك الأشياء. ولكِنَّ النَّاموسَ الأخلاقيَّ مُكَرَّرٌ ومُعادٌ المَرَّة تلو المرَّة في العهد الجديد. وَهُوَ يُكَرَّرُ ويُعادُ مَرَّةً أخرى لكي يُبَيِّنَ للخاطئِ خَطيئَتَه.

ولكِنَّ العهدَ القديمَ، في ذاتِهِ، عَديمُ الفائدة تمامًا. وَحَتَّى إنَّ التَّأمُّلَ المُبَجَّلَ في قداسةِ اللهِ لا يَقْدِرُ أنْ يُخَلِّص. ولكِنْ عندما جاءَ العهدُ الجديد، فإنَّهُ قَدَّمَ بالنِّعمة مِنْ خلالِ الإيمان ما كانَ العهدُ القديمُ عاجِزًا عَنْ تَقديمِه.

وأقولُ لكم، مَرَّةً أُخرى: كَما تَرَوْنَ، فإنَّ التَّمَسُّكَ بالتَّقاليد، وبالكَهَنوت، وبالتَّدَيُّن (كما هي حالُ كنيسة الرُّومِ الكاثوليك، أوِ الكنيسة الأرثوذكسيَّة اليونانيَّة، أوِ الكنائس البروتستنتيَّة الطّقسيَّة) بِكُلِّ ما يَنطوي عليهِ ذلك مِنْ وُقوفٍ، وجُلوسٍ، وإشعالِ الشُّموع، وانْحناء، والقيام بهذا الأمرِ أو ذاك، والذَّهابِ إلى هُنا أو هُناك، والقيامِ بكل تلك الأشياء، وكُلِّ تلك الأمور الخارجيَّة، وكُلِّ تلك الطقوس هي مُجَرَّد فَساد. وكما قُلتُ لكم في الأسبوعِ الماضي: إنَّ تلكَ الأشياء ليست كِتابيَّة أصلاً. فعلى أقَلِّ تقدير، كانَ المُهَوِّدونَ يُدافِعونَ عن عَهْدٍ لَهُ بعضُ المجد، معَ أنَّهُ كانَ مَجْدًا زائلاً. أمَّا الإنجيليَّة المَزعومة (أو رُبَّما ينبغي أنْ أقول: الطَّقسيَّة المسيحيَّة المَزعومة) فإنَّها ليست قائمة على سَابِقَة كِتابيَّة. وهي لم يَسْبِق أنْ كانَ لها مجد. لِذا فإنَّها ليست نَهْجًا مَجيدًا. لهذا، يجب عليكم أنْ تَبتعدوا عنها كُلَّها. فَكُلُّ ما تَحتاجون إليه هو النِّعمة والإيمان بالمسيح؛ أيْ بَساطَة المسيح، والعلاقة الشخصيَّة المُتاحة مِنْ خلالِ قُوَّةِ الرُّوح القُدُس العامِلَة في القلب.

والآنْ، يَذكرُ الرَّسولُ نُقطةً ثالثة. حَسَنًا؟ وسوفَ نَتحدَّثُ عن هذه النقطة الثالثة ونَخْتِمُ دَرْسَنا في هذا الصَّباح. فَتَفَوُّقُ العهد الجديد قائمٌ على حقيقة أنَّهُ يُعطي حياةً ويُنشئُ بِرًّا. ثالثًا: إنَّهُ دائمٌ. انظروا إلى نهاية العدد 7. فالعهدُ الجديدُ دائمٌ. وسوفَ تُلاحظونَ أنَّ هذه نقطة مُدهشة يَذكُرُها. فهو يقول في نهاية العدد 7: "حَتَّى لَمْ يَقْدِرْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى وَجْهِ مُوسَى لِسَبَبِ مَجْدِ وَجْهِهِ" ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "الزَّائِل". والنُّقطة الجوهريَّة هي أنَّ المجدَ الَّذي كانَ ظاهرًا على وَجْهِ مُوسى كانَ مُؤقَّتًا. فبعدَ تلك المواجهة وذلك الاختبار، اختفى المجد. فقد زَال. والحقيقة هي أنَّهُ زَالَ حَتَّى وَهُوَ ما يَزالُ هُناك يَتَكَلَّمُ معَ الشَّعب. وعندما كانَ يَضَعُ البُرقعَ على وجهه، كانَ المجدُ يَختفي.

فقد كانَ مَجْدًا زائلاً. والفِعْلُ نَفسُهُ يُستخدَمُ في رسالة كورِنثوس الأولى 2: 6 ويُتَرْجَم: "يُبْطَل". لِذا فإنَّ مَجْدَ النَّاموسِ يُصَوَّر بهذه الصُّورة في ذِهْنِ بولُس. فهو يَرى تَشبيهًا لمَجْدِ النَّاموس. وَهُوَ يَرى قَصْدًا للهِ في تلك القصَّة الرائعة لكي يُرينا أنَّهُ معَ أنَّ العهدَ القديمَ كانَ له مجد، فإنَّهُ كانَ مَجْدًا زائلاً ومَجْدًا مُضْمَحِلًّا. فالنَّاموسُ لم يكن حَلًّا دائمًا. والنَّاموسُ لم يكن عِلاجًا دائمًا. والنَّاموسُ لم يُقْصَدْ مِنْهُ يومًا أنْ يكونَ الكلمة الفَاصِلَة في عِلاجِ مُشكلةِ الخُطاة. والنَّاموسُ لم يُعْطَ يَوْمًا لكي يُخَلِّص. فلم يكن بمقدورِهِ أنْ يكونَ الكلمة الفَاصِلَة.

وأذكُرُ أنَّني ذاتَ مَرَّة كُنْتُ في إسرائيل قبلَ سَنَواتٍ طويلة، وأنَّني كنتُ أَنزِلُ في فُندقٍ مُجاورٍ للمَجْمَع. فقد كانت غُرفَتي قريبة جِدًّا مِنَ المَجمع حَتَّى إنَّني إنْ مَدَدْتُ يَدي فإنَّني ألْمَسُه. وكانَ ذلك في السَّبْت. وكانوا هُناكَ يَتَعَبَّدون. وقد سَمِعْتُهم ساعةً تلو الأخرى تلو الأخرى. ولا شَكَّ أنَّ هذا جَعَلَني أُدركُ حقيقةَ أنَّ هؤلاءِ النَّاس مُستعبَدونَ للعهد القديم، وأنَّهُم لن يَسمحوا بالعهد الجديد ولن يَحتملوه. وإذا حاولتَ أنْ تُقَدِّمَهُ لهم، فإنَّهم يَصيرونَ عُدوانيُّينَ جِدًّا ويَغضبونَ بسببِ رَفضهم له. وكم يَرْغَبُ المرءُ في أنْ يقولَ لهم: "ولكِنْ ... ولكِنْ ... ولكِنَّ النَّاموسَ لم يَكُنْ يومًا الكلمة الفاصِلَة بخصوص مُشكلة الخُطاة. فهو لا يَقدرُ أنْ يُخَلِّص".

فهو لم يُعْطَ يومًا ليكونَ الإعلانَ الكامِلَ والتَّامَ عنِ القَصْدِ الفِدائيِّ للهِ، أو ليكونَ والوسيلة الَّتي يُمْنَحُ بِها البِرّ. بل إنَّهُ أُعْطِيَ فقط لكي يُشيرَ إلى شيءٍ أعظم. فهو لم يكن كافيًا، ولم يكن دائمًا. صَحيحٌ أنَّهُ كانَ يَقولُ للنَّاس ما ينبغي أنْ يَفعلوا، ولكنَّهُ لم يكن يُمَكِّنُهُم مِنَ القيام بذلك. فالعهد القديم كان قادرًا على توفير أساسٍ للدينونة، ولكِنْ ليسَ للخلاص. أساسًا للدَّينونة، ولكِنْ ليسَ للتَّبرير. أساسًا لاستحقاقِ العِقاب، ولكِنْ ليسَ للطَّهارة. فقد كانَ ينبغي إضافة شيء ما.

وقد تقول: "حسنًا! وهل كانَ اليهودُ يَعلمونَ أنَّ العهدَ الجديدَ قادِم؟ هل أُخْبِروا يومًا بذلك؟" بُكُلِّ تأكيد. فقد بَيَّنَ إرْميا ذلك بوضوحٍ تامٍّ لا مَثيلَ لَهُ. فهو يقول في سِفْر إرْميا 31: 31: "هَا أَيَّامٌ تَأتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا. لَيْسَ كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ". فهو ليسَ كذلكَ العهد. "بَلْ هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا.

... لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْد". لِذا، فقد كانَ ينبغي لهم أنْ يَعلَموا أنَّ العهدَ القديمَ ليسَ العهدَ الأخير.

والتَّبايُنُ هو بينَ عهدٍ مؤقَّتٍ وزائلٍ وبينَ عهدٍ دائمٍ وأبديٍّ. فالعهدُ الَّذي أعلَنَهُ مُوسى كانَ مَجيدًا، ولكنَّهُ كانَ زائلاً. فقد كانَ هُناكَ يومٌ يَزولُ فيهِ مَجْدُه. أمَّا العهدُ الجديد فإنَّهُ يأتي ويكونُ أبديًّا. فالعهدُ الجديدُ لا يَزول.

انظروا إلى ما يَقوله النصُّ في العدد 10: "فَإِنَّ الْمُمَجَّدَ أَيْضًا لَمْ يُمَجَّدْ مِنْ هذَا الْقَبِيلِ لِسَبَبِ الْمَجْدِ الْفَائِقِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الزَّائِلُ فِي مَجْدٍ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا يَكُونُ الدَّائِمُ فِي مَجْدٍ!" فهل تريدونَ أنْ تَسمعوا خَبَرًا سَارًّا؟ لقد كانَ هناكَ عهدٌ قديم، وعهدٌ جديد. ونحنُ لا نَنتظر عهدًا جديدًا جِدًّا. فهذه هي النهاية لأنَّ هذا العهدَ أبديٌّ. فالعهدُ الجديدُ هو الكلمة الفاصِلَة الَّتي تقولُ إنَّ الخلاصَ هو بالنِّعمة مِنْ خلالِ الإيمان.

فقد كانَ لخدمة الموت والدَّينونة مجد. وقد كانت مُعطاةً مِنَ الله. وقد كانت مُقَدَّسة وعادلة وصالحة. وقد كانت هي مِعيار البِرّ. وبالنِّسبة إلى المؤمِنين، أيْ بالنِّسبة إلى الأشخاصِ الَّذينَ غَفَرَ اللهُ لهم وخَلَّصَهُم، كانت طَريقَ بَرَكَة. ولكِنَّ مَجْدَ العهدِ الجديدِ أعظَم. فَمَجْدُ العهدِ الجديدِ أعظم. ومِنْ دُونِ العهد الجديد، كانَ العهدُ القديمُ سَيُلقي بالجنسِ البشريِّ كُلِّه في جَهَنَّم.

وقد كانت خِدمةُ أنبياءِ العهدِ القديمِ (ولا وَقْتَ لدينا للحديثِ عن هذه النُّقطة)، ولكِنَّ خِدمةَ أنبياءِ العهدِ القديم كانت تتمركزُ حولَ دَعوةِ النَّاسِ إلى التَّوبة. وقد نادَوْا بذلكَ المَرَّة تلو المَرَّة تلو المَرَّة إلى زَمَنِ يُوحَنَّا المعمدان: توبوا، توبوا، توبوا، توبوا، توبوا. فقد كانت هذه هي النُّقطة الجوهريَّة. فأنتُم تُفْحَصونَ في ضَوْءِ النَّاموس. والناموسُ يَكْشِفُ خَطيَّتَكُم. ويجب عليكم أنْ تَتـوبوا.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ ما حَدَثَ هو أنَّ أغلبيَّةَ اليهودِ كانوا يَعرفونَ أنَّهم لا يَقدرونَ أنْ يَحفظوا الشريعةَ الأخلاقيَّة. لذا فقد ابتكروا طريقةً للخلاص: "آه! نحنُ لا نستطيع أنْ نَحفظَ الشريعة الأخلاقيَّة، ولكِنْ ما سنفعله، وما سنحفظه هو الشريعة الطَّقسيَّة. والشريعةُ الطقسيَّة ستُخَلِّصُنا". لِذا فقد فَرَضوا الشريعة الطقسية فوقَ الشريعة الأخلاقيَّة بوصفِها المُخَلِّص. وهذا هو مَعنى أنَّهُم كانوا يَتَعَبَّدونَ بحسب حَرْفِ النَّاموس. وقد كانَ ذلكَ شيئًا مَلعونًا.

ولكِنْ لنأخُذ يهوديًّا حقيقيًّا كانَ يُؤمِنُ حَقًّا. فما الذي كانَ يَفعلُه؟ لقد كانَ يأتي إلى اللهِ تائبًا، ويَتضرَّعُ إليهِ كي يُسْبِغَ نِعْمَتَهُ عليه ويَرحَمَه. وقد كانَ يَنظرُ إلى الشريعة الطَّقسيَّة كَرَمْزٍ لشيءٍ سيُوفِّرُهُ اللهُ له في وقتٍ ما في المستقبل. فقد كانَ يَعلمُ أنَّ اللهَ سَيُدَبِّر. وقد كانَ يَعلمُ أنَّ اللهَ مُنْعِمٌ، وأنَّ اللهَ رَحيمٌ لأنَّ هذه هي طبيعةُ الله. وَهُوَ يُلقي بنفسِهِ على رَحمةِ اللهِ ونِعمَتِه. وَهُوَ يَحصل على الفداء على أساسِ ما كانَ المسيحُ مُزْمِعًا أنْ يَفْعَلَهُ نيابةً عنه.

ولكِنْ بالنِّسبة إلى أغلبيَّةِ اليهود، فإنَّ الأغلبيَّةَ السَّاحقةَ (بِمَعْزِلٍ عنْ تلكَ البقيَّة الأمينة) كانوا يَكْسِرونَ النَّاموس، ولا يَتوبونَ توبةً حقيقيَّة، ولا يُمارسونَ إيمانًا مُخَلِّصًا باللهِ، ولا يَتَّكِلونَ على نِعمةِ اللهِ، بل على أعمالهم، وعلى حِفْظِ الطُّقوسِ الدينيَّة الخارجيَّة. وقد كانَ ذلكَ قاتِلاً بِحَقّ. وقد جاءَ الأنبياءُ ودَعوهُمْ دائمًا إلى التَّوبة، ودَعوهُم إلى التَّوبة، ودَعوهُم إلى التَّوبة. فهذه هي دائمًا الرسالة. وما يُحَيِّرُني هو كيفَ أنَّ هؤلاءِ النَّاسِ يقولونَ اليوم إنَّهُ لا يجب علينا أنْ نَكْرِزَ بالتَّوبة. فهذه هي دائمًا الرِّسالة.

لِذا، في الحقيقة، ما كانَّ لَهُ مَجْد يبدو في هذه الحالة بلا مَجْد عندَ مُبايَنَتِهِ بالعهدِ الجديد. ونقرأُ في العدد 11 (وسَنَخْتِمُ بعدَ ذلك): "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الزَّائِلُ فِي مَجْدٍ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا يَكُونُ الدَّائِمُ فِي مَجْدٍ!" فقد كانَ هُناكَ مَجْدٌ يَظْهَرُ على وجهِ مُوسى. وقد كانَ يَتلاشى لأنَّهُ لم يكن نابعًا مِنَ الدَّاخل، بل كانَ مُجَرَّدَ انعكاسٍ. فما دامَ في حَضرةِ الله، كانَ المجدُ يَنعَكِس. ولكنَّهُ كانَ يَتلاشَى. أمَّا العهدُ الجديد فَلَهُ مَجْدٌ دائم.

والعهدُ الجديدُ دائمٌ لأنَّهُ خِتامُ خُطَّةِ اللهِ، ولأنَّهُ الأكثر مَجْدًا. فهو الكلمة الفَاصِلَة. فالإنجيلُ هو الكلمة الفاصِلَة. فلا توجد كلمة أُخرى سِواه. فهو الكُلُّ في الكُلّ. فهو ليسَ الإنجيل - أو هو ليسَ العهد القديم والعهد الجديد بالإضافة إلى التَّقليد، وبالإضافة إلى "ماري بيكر إيدي باترسون غلوفر فراي" (Mary Baker Eddy Patterson Glover Frye)، بالإضافة إلى كِتاب المُورمون، بالإضافة إلى كذا، وكذا، وكذا. فخدمةُ العهد الجديد هي كُلُّ ما نحنُ بحاجة إليه. والإنجيلُ هو كُلُّ ما تَدعو الحاجة إليه بوضوح في العهد الجديد. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في نهاية سِفْر الرُّؤيا: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَاب".

وسوفَ تَستمرُّ خدمة العهد الجديد ولن تُستبدل بأخرى يومًا ما لأنَّهُ لا يوجد ما يمكن القيام به أكثر مِمَّا حَدَث، ولا يوجد ما يمكن أن يُقال أكثرَ مِمَّا قِيْل. فقد اكتملَ الكُلُّ في المسيح. فقد أَكْمَلَ مَرَّةً وإلى الأبد فِداءَ شَعبِهِ. ولا يوجد حَقٌّ أَسْمَى مِنْ هذا. فهذا هُوَ كُلُّ شيء. وليتَنا نَفهمُ بطريقةٍ جديدة غِنَى الإنجيل فيما نَنمو. ولكِنَّنا لن نَفْهَمَ يومًا شيئًا يَفوقُ ما يُعَلِّمُهُ الإنجيل. ولن نَفهمَ يومًا شيئًا يَفوقُ ما يُعَلِّمُهُ العهد الجديد. فلا يوجد ما هو أكثر مِن ذلك. ونحنُ لا نَجلسُ وننتظرُ عَهْدًا ثالثًا يَنْزِلُ علينا.

فقد كانَ الرُّسُلُ الكذبة والمُعَلِّمونَ الكذبة في كورِنثوس يَتَفاخَرونَ بِقِدَمِ تَعاليمهم، ويَتباهونَ بأنَّهُم يَمْتازونَ بِحِفْظِ الطُّقوسِ المُوسويَّة. ولكِنَّ بولسَ يَهْدِمُ تلكَ الأُسُس الوَاهِيَة لعبادتهم ويُبرهنُ على أنَّها ليست أكثر مِنْ سِجْنٍ مُزَيَّنٍ مِنَ الخارج. والخادِمُ أوِ الواعظُ أوِ العهدُ الجديدُ يُقَدِّمُ الرِّسالةَ الصحيحة؛ وهي رسالة رجاء ورسالة بِرّ، لا رسالة دينونة. فنحنُ لا نريدُ ديانةً صُوفيَّةً مِنْ نَوْعٍ ما. ونحنُ لا نُريدُ طُقوسًا مُبَهْرَجَةً تُشيرُ إلى حقيقة روحيَّة. فنحنُ لدينا الحقيقة في المسيح بِقُوَّةِ الرُّوح القُدُس.

وبولسُ يُطالِبُ بوجودِ رِجالٍ يَنقلونَ لا رسالةً منقوشةً على حجارة، بل رسالةَ الصَّليب. لا رسالةَ سِيْناء، بل رسالةَ الجُلجُثة. وَهُوَ يُحَذِّرُ الكورِنثيِّين ويدعوهم إلى رَفْضِ المُهَوِّدينَ الطَّقسيِّينَ الَّذينَ يُنادونَ بديانة غريبة، وإلى رَفْضِ المُعَلِّمينَ الَّذينَ يَكْرِزونَ بشريعة سيناء، والشريعة الخارجيَّة، والرُّموز، وبِكُلِّ ما لَهُ علاقة بالتَّدَيُّنِ الأجوف.

ويُقَدِّم "إيه. تي. روبرتسون" (A. T. Robertson) تَعليقًا مُدهشًا على هذا المقطعِ فيقول: "لقد عَمِلَ حُبُّ الأشياءِ الخارجيَّة على قَتْل الحياة الداخليَّة وعلى صَلْبِ يسوعَ النَّاصريَّ بسبب إصرارِهِ على الحياة الروحيَّة وتوبيخِهِ للطَّقسيَّة المُجَرَّدة الَّتي كانَ يُمارِسُها الكَتَبَة والفَرِّيسيُّون. وقد سَارَ استفانوس على خُطى يسوعُ حينَ وَبَّخَ الفَرِّيسيِّينَ على تحريفهم للدِّيانة الحقيقيَّة وحاولَ أنْ يُقَدِّمَ التفسيرَ الروحيَّ لمَملكةِ اللهِ كما شَرَحَهُ يسوع. وقد تَحَوَّلَ بولسُ مِنْ فَرِّيسيٍّ مُضْطَهِدٍ إلى مُفَسِّرٍ رُوحِيٍّ ليسوعَ، وَحَلَّ مَحَلَّ استفانوس الَّذي سُرَّ قَبْلَ ذلكَ بِموتِه. فقد قَاوَمَ يَسوعُ واستفانوس الفَرِّيسيَّة الرَّسميَّة في اليهوديَّة الَّتي كانت سائدةً في زَمانِهم. وقد أَكْمَلَ بولسُ المعركةَ معَ الفرِّيسيَّة في الإطارِ المسيحيِّ لأنَّها كانت تحاولُ أنْ تَفْرِضَ قيودَ اليهوديَّة المُشَوَّهَةِ على مَسيحيَّة يسوع. وقد كَتَبَ يقول إنَّ الرَّجاءَ الوحيدَ في إنقاذِ نَفسِ الإنسانِ كانَ في خَطَر. فقد اضطرَبَتْ رُوحُ بولُس في أعماقِه. وقد جَابَهَ هذا الأمرَ بِكُلِّ ما أُوْتِيَ مِنْ قُوَّة. وقد كانَ يخوضُ مَعركةً شَرِسَةً معَ هؤلاءِ المَسيحيِّينَ المُهَوِّدين الَّذينَ يحاولونَ أنْ يُدَمِّروا المسيحيَّة الرُّوحيَّة مِنْ خلالِ المُباينة هُنا بينَ اليهوديَّة والمسيحيَّة. والمعركة بين عُبوديَّة النَّاموسيَّة والمسيحيَّة الروحيَّة لم تَتَوَقَّف يومًا. وبولسُ يَضَعُ مِعْيارَهُ في رسالة كورنثوس الثانية، ورسالة غلاطيَّة، ورسالة رُومية. وقد أَكْمَلَ لوثَر المعركة بعدَ مِئاتِ السِّنين. والخطرُ حَقيقيٌّ دائمًا" [نهاية الاقتباس].

إذًا، فإنَّ العهدَ الجديدَ مُتَفّوِّقٌ لأنَّهُ: يُعطي حَياةً، ويُنشِئُ بِرًّا، ولأنَّهُ دائم. وسوفَ نَتَعَلَّمُ المزيدَ في المرَّة القادمة. دَعونا نُصَلِّي:

نَشكرُكَ، يا أبانا، مَرَّةً أخرى، على حَقِّكَ الواضح جدًّا والمؤثِّر جدًّا لأنَّهُ يَتكلَّم بقوَّة إلى قُلوبِنا. ونحنُ نَسألُك، يا أبانا، أنْ تَلْمَسَ كُلَّ نَفْسٍ هُنا بروحِكَ، وأنْ تُعطي حياةً، وتُنشئَ بِرًّا. خَلِّصْ، يا رَبّ. خَلِّص الخُطاة. وانْشِئْ توبةً وَنَدَمًا. وليتَ كُلَّ شخصٍ هُنا لا يَعرفُ المُخَلِّصَ مَعرفةً حقيقيَّةً يأتي بقلبٍ مُتَحَمِّسٍ وتائبٍ، ويَطلب الغُفرانَ بالنِّعمة مِنْ خلالِ ما عَمِلَهُ المسيحُ على الصَّليب. ونحنُ نَشكرُكَ لأنَّ يسوعَ ماتَ لكي يَدفعَ أُجرةَ خطايانا لكي تَتَمَكَّنَ مِنْ تقديمِ النِّعمةِ لنا نحنُ الَّذينَ نُؤمِن. ونحنُ نَسألُكَ، يا أبانا، أنْ تُعطي إيمانًا، وأنْ تُعطي نِعْمَةً، وأنْ تُعطي خَلاصًا لِكُلِّ قلبٍ مُحتاج. وكم نَشكرُكَ، يا رَبّ، لأنَّهُ لا حَاجَةَ إلى أنْ نَقَعَ في فَخِّ النَّاموسيَّةِ، بل يُمكننا أنْ نَتمتَّعَ بالحُريَّة بالإيمان، وببركةِ النِّعمة مِنْ خلالِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize