Grace to You Resources
Grace to You - Resource

فيما تَفتحونَ كُتُبَكُم المقدَّسة على رسالة كورِنثوس الثانية والأصحاح الثالث، نَعودُ إلى هذا النَّصِّ في الآيات 6-18 عن مجد العهد الجديد مَرَّةً أخرى في هذا الصباح. وأودُّ أن أعترفَ لكم أنَّني أَمُرُّ بوقتٍ عصيبٍ في فَهْمِ هذا النَّصّ. وقد كنتُ أعلمُ أنَّ هذا سيحدث، ولكنَّ ذلكَ يَفوقُ تَوقُّعاتي. فالنَّصُّ يَحوي الكثير. وهناكَ مسائل كثيرة جدًّا تَنْشَأُ مِنْ هذا النَّصِّ أَوَدُّ أنْ أتحدَّثَ عنها فيما نَصْرِفُ وَقْتَنا في دراسَتِه. وإذْ نَنظرُ إلى هذا النص، أودُّ أن أُذكِّرَكم بأنَّ الرسولَ بولس يُدافع هنا عن نفسه ضِدَّ بعضِ الاتِّهاماتِ الَّتي وجِّهَت إليهِ بأنَّهُ مُعَلِّمٌ زائف.

وَهُوَ يقولُ إنه مُعلمٌ حقيقيٌّ لعِدَّةِ أسبابٍ. فعلى أقَلِّ تقدير، إنَّهُ يَكْرِزُ بالعهدِ الجديد (كما يَذكُرُ في العدد 6). وهو يَخْدِمُ أوْ هُوَ خادِمٌ للعهدِ الجديد. وهو يُدافعُ عن نفسه مِنْ خلالِ رَبْطِ نَفسِهِ بالعهدِ الجديد. ثُمَّ إنَّهُ يَخوضُ حَديثًا يُبايِنُ فيهِ بينَ العهدِ الجديد والعهدِ القديم لأنَّ المُعلِّمين الكذبة (أيِ المُعلِّمينَ الكذبة الحقيقيِّين) كانوا قد جاءوا إلى كورِنثوس مِن خلالِ المُهَوِّدينَ وأَهْلِ الخِتان وَراحُوا يُعَلِّمونَ العهدَ القديم. لِذا فقد أرادَ بولسَ مِنْ مُؤمِني كورنثوس أنْ يَفهموا أنَّ العَبْدَ الحَقيقيَّ للهِ، والخادِمَ الحقيقيَّ، والواعظَ الحقيقيَّ، والنبيَّ الحقيقيَّ، والرَّسولَ الحقيقيَّ يَكْرِزُ بِحَقِّ العهدِ الجديد، لا العهدِ القديم. وهذه هي النُّقطة الجوهريَّة الَّتي دَفَعَتْهُ إلى قَوْلِ هذه الكلمات.

وبعدَ أنْ قالَ عَنْ نفسِهِ إنه خادمٌ للعهدِ الجديد فإنَّهُ يَنطلقُ في شَرْحِ تَفَوُّقِ العهدِ الجديد على العهد القديم. وقد تحدَّثنا عن ذلك خلال الأسابيع الأربعة الماضية. وهذا هو الأسبوع الخامس. والآن، اسمحوا لي أن أُعطيكم خَلفيَّة سريعة تُساعِدُكُم في فَهْمِ ما يَجري هنا. فأكثر خِدعة فَعَّالة لدى الشَّيطان هي الدِّيْن. لِذا فإنَّهُ يَتَنَكَّرُ كَملاكِ نُور. وهذا هو أيضًا السَّبب في أنَّ أعوانَهُ يَتَنَكَّرونَ بهيئةِ ملائكةِ نُور؛ في حين أنَّهُم في الحقيقة شياطين الظُّلمة وأنَّهُم يُقَدِّمونَ الدَّينونةَ للنَّاسِ مِنْ خلالِ الدِّيْن.

فَأَكثرُ أساليبِ الشَّيطانِ دَهاءً وتأثيرًا هي مِنْ خلالِ الدِّيْن الَّذي لا يُخَلِّص، بل يَلْعَنُ النَّاسَ لأنَّهُ يَجعلُهم يَتوهَّمونَ بأنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام بينهم وبينَ الله. ومِنَ الواضحِ أنَّ العالمَ غَارِقٌ في هذه الخِدعة الشَّيطانيَّة. فالعالمُ غارِقٌ في التَّدَيُّنِ الَّذي لا يُخَلِّص، وفي التَّديُّنِ الَّذي يَلْعَنُهُم ويُرسلهُم إلى جَهَنَّم الأبديَّة. وأنا أُشيرُ هُنا إلى الدِّيانةِ الشَّيطانيَّةِ القائمةِ على الطُّقوسِ والشَّعائرِ وأعمالِ البِرِّ الذَّاتِيِّ، وعلى الدِّيانةِ القائمةِ على الأداءِ، والدِّيانةِ القائمةِ على الجُهدِ البشريِّ، وعلى الدِّيانةِ القائمةِ على الأسرارِ المُقَدَّسة الَّتي تَقودُ النَّاسَ إلى أبديَّةٍ مِنْ دُوْنِ اللهِ لأنَّها تَخدعهُم ولا تَكشِف لهم حالَتَهُم الحقيقيَّة.

وكما قلتُ لكم مَرَّاتٍ عديدة عَبْرَ السِّنين، هناكَ ديانَتان فقط في العالَم. ديانَتان فقط: هناكَ المسيحيَّة الحقيقيَّة القائمة على الخلاصِ بالنِّعمة مِنْ خلالِ الإيمانِ بالمسيحِ وحدَهُ؛ وهناكَ ديانة أخرى وهي ديانةُ الإنجازاتِ البشريَّة، والأعمال البشريَّة، والجهدِ البشريِّ، والطُّقوسِ البشريَّة. وكُلُّ الدِّياناتِ في العالم (مَا خَلا المسيحيَّة الحقيقيَّة) هي في الحقيقة شكل آخر لتلك الخِدعة المُهْلِكَة نفسِها. فهي تُنادي بأنَّ الشَّخصَ يستطيع أنْ يَتمتَّعَ بعلاقةٍ سليمةٍ معَ اللهِ مِنْ خلالِ جُهْدٍ خارجيٍّ ما، أو مِن خلالِ أعمالٍ أخلاقيَّةٍ ما، أو مِن خلالِ بعض الطُّقوس. وهذه خِدعة مُهْلِكَة تَخدَعُ أغلبيَّةَ العالَم؟

وهذا يُفَسِّرُ، على سبيلِ المِثال، كيفَ أنَّ "البابا" (Pope) يَقول إنَّ البُوْذِيِّينَ يَعبُدُونَ نَفسَ الإلهِ الَّذي يَعْبُدُهُ هُوَ، وأنَّهُ ينبغي أنْ يُحْسَبَوا إخوةً لَهُ. وهذا يُفَسِّرُ كيفَ أنَّهُ يقول إنَّ المُسلِمينَ ينبغي أنْ يُحسَبوا إخوةً وأخواتٍ لَهُ لأنَّهم يُعبُدونَ نفسَ الإلهِ الَّذي يَعبُدُهُ هو. وهذا يُفَسِّرُ كيفَ أنَّ الأُمّ تريزا (Mother Teresa) تُديرُ مَأوى تُؤْوِي فيهِ المَرضى والمُحْتَضرينَ في "كَلْكُتَّا" (Calcutta) يَضُمُّ صُورةً لأحدِ آلِهَةِ الهِندوس. لأنَّ ذلكَ كُلَّهُ هو ديانة طَقسيَّة، وديانة قائمة على الإنجازِ البشريِّ، أوِ البِرِّ الذَّاتيِّ، أوِ البِرِّ النَّاشئِ عنِ الطُّقوسِ أوِ الشَّعائرِ أوِ الأعمالِ الخارجيَّةِ أو ما شَابَهَ ذلك.

والحقيقةُ هي أنَّ كنيسةَ الرُّوم الكاثوليك، وبعضَ أشكالِ الكنيسة الأرثوذكسيَّة اليونانيَّة، وبعضَ أشكالِ الكنيسة البروتستنتيَّة لديها سِماتٌ مُشتركَة معَ دياناتٍ غير مسيحيَّة أكثر مِنَ السِّماتِ المُشتركة معَ الإنجيلِ الحقيقيِّ ليسوعَ المسيح. فَهُمْ مُتَحَمِّسونَ لتلكَ الدِّياناتِ أكثر لأنَّها دياناتٌ قائمة على الأعمالِ الخارجيِّةِ والطُّقوسِ والأسرارِ الكَنسيَّةِ والأداءِ والشَّعائرِ. وهي تبدو ديانة غير مسيحيَّة أكثر مِمَّا تبدو مسيحيَّة حقيقيَّة. لِذا فإنَّنا لا نُصْدَمُ حينَ نَسمعُ البابا يَقولُ أقوالاً كهذه يُعَبِّرُ فيها عَنْ قَبولِ أشخاصٍ مِنَ الواضحِ جِدًّا أنَّهم غير مُسيحيِّين.

وفي الوقتِ نفسه، لا يُمْكِنُنا نحنُ المَسيحيُّونَ الحَقيقيُّونَ أنْ نَقبلَ الشَّكلَ الوَثنيَّ لكنيسةِ الرُّوم الكاثوليك. فالحِفاظُ على الإنجيلِ النَّقِيِّ، وَفَصْلُهُ عن كُلِّ تلكَ الأشكالِ الدِّينيَّة (حَتَّى عن تلكَ الَّتي تَدَّعي أنَّها مُكَرَّسة لإلَهِ الكتابِ المقدَّس) هو واحدٌ مِنْ أعظمِ المَهامِّ المُلقاةِ على عاتِقِ الوُعَّاظ. وهي مُهِمَّة لا يمكن التَّخَلِّي عنها. وقد واجَهَ بولسُ نفسَ تلك المُهِمَّة في كورِنثوس. ولعلَّكم تَذكرونَ أنه ذَهَبَ إلى هناك وكَرَزَ بالإنجيل، وأنَّه أقامَ هناكَ نحوَ سَنَتَيْن، وأَسَّسَ كنيسة. وقد كانَ كُلُّ شيءٍ يسيرُ حَسنًا في الظَّاهِر مِنَ النَّاحية اللَّاهوتيَّةِ على أَقَلِّ تقدير، مَعَ أنَّهُ كانت هناكَ مشاكل تَختصُّ بالخطيَّة هناك. ولكِنْ كانَ كُلُّ شيء يبدو على ما يُرام مِنْ جِهَة فَهْم الإنجيل إلى أنْ جاءَ بعضُ اليهودِ إلى هناك وقالوا لهم: "لكي تكونوا مَسيحيِّينَ حَقًّا، لا يَكفي فقط أنْ تَقبلوا يسوع، بل يجب عليكم أنْ تَحفظوا طُقوسَ العهد القديم وشَعائِره". لِذا فقد نَادُوا بالخلاصِ بيسوعَ بالإضافة إلى الطُّقوسِ والشَّعائرِ والأعمال. ولكِنَّ بولسَ يَقولُ في هذا المقطَعِ إنَّ ذلكَ غير صحيح. فالخلاصُ ليسَ بالعهدِ القديمِ والعهدِ الجديد، بل إنَّ العهدَ الجديدَ وَحدَهُ هو الَّذي يُخَلِّص. وقد كانَ المُعلِّمونَ الكذبة يُعَلِّمونَ أنَّ الخلاصَ هو مِنْ خلالِ الخِتان (الَّذي هُوَ طَقْسٌ) أو مِنْ خلالِ الشَّعائِرِ والأمورِ الرُّوتينيَّة، والأعمال. لِذا فقد شَوَّهُوا رسالةَ الحَقِّ الإنجيلِيِّ القويم. لِذا فإنَّ بولسَ يَكتُبُ لكي يُخْبِرَ أهلَ كورِنثوس بأنَّ ما كانَ يَكْرِزُ به هو الحَقّ إذْ كانَ يَكرِزُ بالعهدِ الجديد.

وما تَرَوْنَهُ يَفعَلُهُ هُنا هو ما ينبغي لكُلِّ رَاعٍ أمينٍ أنْ يَفعلَه. فيجب عليكَ أنْ تَحمي رَعِيَّتَكَ مِنْ الخِدَعِ الشَّيطانيَّة الَّتي تأتي في شكلِ ديانة زائفة. فالشَّيطانُ يَمْتَلِكُ دَهاءً يُمَكِّنُهُ حَتَّى مِنْ نَشْرِ تلك الخِدَع تحتَ اسمِ المسيحيَّة إنِ اضْطُرَّ إلى ذلك إنْ كانَ هذا يَخْدِمُ قَصْدَهُ مِنْ خلالِ التَّرويجِ لذلكَ بِدَهاء. ولكِنْ يجب على جَميعِ الأشخاصِ الَّذينَ جاءَ في العدد 6 أنَّهم خُدَّامٌ أُمناء وأنَّهُم خُدَّامُ العهدِ الجديدِ الَّذي هو بِدَمِ المسيحِ، يجب عليهم أنْ يَتحمَّلوا المسؤوليَّةَ الَّتي يُمارِسُها بولسُ هُنا بأنْ يُحَذِّروا الشَّعبَ مِنَ الدِّيانةِ الَّتي لا تُخَلِّص، والمُخادِعَة والمُهْلِكَة – سَواءٌ كانت تَحْمِلُ اسْمَ المسيحيَّة أو غَيرِها.

فيجب على كنيسة كورِنثوس وكُلِّ شخصٍ آخر أنْ يَرفضَ تمامًا كُلَّ الجهود الرَّامية إلى تَشويهِ الإنجيلِ مِنْ خلالِ الأعمالِ أو الطُّقوسِ أوِ الشَّعائِرِ. وقد تحدَّثنا عن ذلكَ كُلِّه. وهذه مُراجَعَة وحَسْب. والآنْ، عندَما يَذكرُ بولس هذه النُّقطة، فإنَّهُ يُبَيِّنُ كيفَ أنَّ العهدَ الجديد حَلَّ مَحَلَّ العهد القديم. وهو يريد منهم أنْ يَرَوْا أنَّ العهدَ القديم اضْمَحَلَّ (كما جاءَ في عِبرانِيِّين 8) أو أنَّهُ صارَ الآنَ لاغِيًا. فالرِّسالة إلى العِبرانِيِّين بِأسرِها تَتحدَّثُ عنِ العهد الجديد بالمُبايَنَة معَ العهد القديم. وهذا كُلُّهُ مُلَخَّصٌ في رسالة كورنثوس الثانية. لِذا، لنرجِع إلى النَّصِّ الرَّئيسيِّ الَّذي يتحدَّثُ عن هذه المَسألة وهو: عِبرانِيِّين 9: 15. اسمعوا بعناية ما جاءَ في هذا النَّصّ:

"وَلأَجْلِ هذَا هُوَ..." [أي: المَسيح الَّذي تَمَّت الإشارة إليه بِكُلِّ تأكيد في العدد 14] "...هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ". والآن، تابِعُوا ما يَقول: "لِكَيْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّونَ إِذْ صَارَ مَوْتٌ لِفِدَاءِ التَّعَدِّيَاتِ الَّتِي فِي الْعَهْدِ الأَوَّلِ...". هل رأيتُم ذلك؟ بعبارة أخرى: فإنَّ موتَ يَسوعَ المسيحِ دَبَّرَ فِداءً للتَّعَدِّياتِ الَّتي اقْتُرِفَتْ مِنْ قِبَلِ الشَّعبِ الَّذي عاشَ تحتَ العهدِ الأوَّل. فهذا هو ما يَقولُهُ. وتَجِدونَ هُنا، مَرَّةً أخرى، إشارةً واضحةً جِدًّا إلى أنَّ النَّاسَ في العهد القديم، أيِ الذينَ كانوا يعيشونَ في العهد القديم قَبْلَ حَتَّى أنْ يُوْلَدَ المسيح، أو قَبْلَ حَتَّى أنْ يموتَ ويَقومَ ثانيةً، أنَّ النَّاسَ الَّذينَ كانوا يعيشونَ في ذلكَ الوقت قبلَ وُقوعِ أحداثِ الإنجيل كانوا يَخلَصونَ مِنْ خلالِ ما كانَ المَسيحُ مُزْمِعًا أنْ يَفْعَلَهُ.

وهذه نُقطة مِنَ المُهِمِّ جدًّا جدًّا أنْ تَفْهَموها. فقد صارَ المسيحُ، بسببِ موتِهِ الكَفَّاريِّ الكامِلِ عنِ الخطيَّة، صارَ وَسيطَ عهدٍ جديدٍ أفضل. والطريقةُ الوحيدةُ الَّتي كانَ بمقدورِ الشَّخصِ أنْ يأتي بِها إلى الله هي أنْ تُدْفَعَ أُجرةُ خطيَّتِه بالكامِل مِنْ خلالِ الموت. وقد دَفَعَ يسوعُ تلكَ الأُجرة بموتِهِ بَديلاً عن جَميعِ الذينَ يُؤمِنونَ ويَتوبونَ في كُلِّ عَصْر. فقد صارَ الجِسْرَ. وقد صارَ الوَسيطَ، بل الوسيطَ الوحيدَ بينَ اللهِ والإنسان لأنَّهُ صَالَحَ الاثنَيْن معًا إلى الأبد.

ونحنُ نَقرأُ في الرسالة إلى العِبرانيِّين أنَّ المسيحَ قَدَّمَ مِنْ خلالِ ذَبيحَتِهِ الوحيدة ما تَعْجَزُ عنهُ جَميعُ الذَّبائحِ الَّتي كانَ يُقَدِّمُها الكاهِنُ في العهدِ القديم. فقد كانت تلك الذَّبائحُ رَمْزًا وَحَسْب. فموتُهُ هُوَ الَّذي كَفَّرَ عنِ التَّعَدِّيات، والأُجرةُ دُفِعَتْ كاملةً، والخطاةُ تَصالَحوا إلى الأبد معَ الله. ولكِنْ لاحِظوا الآتي: أيَّة خطايا؟ وخَطايا مَنْ؟ التَّعَدِّيات الَّتي اقْتُرِفَتْ في العهدِ الأوَّل؟ ولا أَدري كيفَ لا يَفهمُ النَّاسُ هذا الأمر. ولا أدري كيفَ يَظُنُّ النَّاسُ أنَّ النَّاسَ في العهد القديم كانوا يَخلصون لأنَّهم كانوا يَحفظونَ النَّاموس، أو أنَّهم كانوا يخلصون لأنهم كانوا يَحتفظونَ في قلوبهم بالرَّجاءِ المَسيحيانِيّ. فربَّما حاولوا أنْ يُطيعوا النَّاموس. وهذا شيءٌ نَبيلٌ فَعَلوه.

ومَنِ الواضِحِ أنَّهم لو كانوا قد خلصوا، فإنَّ هذا يعني أنَّهم قد رأوا أنَّ النَّاموسَ هو طريقُ الحياة، وأنَّهم أطاعوهُ بسرور بقدرِ استطاعتهم بوصفِهِم خُطاةً. ولكِنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّ حِفْظَ النَّاموسِ أو وجودَ رَجاءٍ مَسيحانِيٍّ يُخَلِّصُ في ذاتِهِ هُمْ أشخاصٌ لا يَفهمونَ النُّقطةَ الجوهريَّة. فالشيءُ الوحيدُ الَّذي كانَ يُخَلِّصُ هؤلاء النَّاس هو ما كانَ يسوعُ المسيحُ مُزْمِعًا أنْ يَفعلَهُ على الصَّليب. لِذا فإنَّهُ يقولُ إنَّ مَوْتَهُ صَارَ لِفِدَاءِ التَّعَدِّيَاتِ الَّتِي فِي العَهْدِ الأَوَّلِ. انظروا إلى الأمرِ بالطَّريقة التَّالية: لقد كانَ مَوْتُ يسوعَ المسيح يَعْمَلُ بأَثَرٍ رَجْعِيٍّ. فقد كانَ يَعْمَلُ بأثَرٍ رَجعيٍّ ويُغَطِّي تَعَدِّيات الماضي. انظروا إلى رسالة رُومية 3: 24 و 25. وأنتُم تَعلمونَ أنَّني إنْ كُنْتُ أَسْتَفيضُ في الحديثِ عن هذه النُّقطة المُختصَّةِ بالإنجيل قليلاً، فإنَّني قدِ اسْتَفَضْتُ بها على مَدى سَنواتٍ طويلة وَكَتَبْتُ عنها عَدَدًا مِنَ الكُتُب لأنَّني لا أستطيعُ أنْ أستوعِبَ أنَّ الكنيسةَ مُشَوَّشَة بِخُصوصِها. فلا يوجد موضوع أكثر أهميَّة منْ فَهْمِ الإنجيل فَهْمًا سليمًا. أليسَ كذلك؟

رسالة رُومية 3: 24 و 25: "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً [أوْ غِطاءً] بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ". إذًا، التَّبريرُ هو هِبَة بالنِّعمة مِنْ خلالِ الفداءِ الَّذي بالمسيح. فاللهُ قَدَّمَ يَسوعَ كَفَّارةً عن خطايانا بِدَمِهِ بالإيمان. والآن، استمعوا إلى الكلماتِ التالية: "لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ". وهذه نُقطة حاسِمَة. فاللهُ تَغاضَى عَنْ خَطايا الأشخاصِ الذينَ آمَنوا بِهِ قَبْلَ مَجيءِ المسيح. ولكِنْ كانَ ينبغي أنْ يأتي المسيح لكي يَجْعَلَ تَغاضي الله عن تلكَ الخَطايا عَمَلاً بَارًّا. هل تَفهمونَ ذلك؟

فاللهُ سيكونُ غيرَ بَارٍ لو أنَّهُ تَجاهَلَ خَطاياهُم، أو لو أنَّهُ تَغاضَى عن خطاياهم بطريقة مِزاجيَّة. فلو أنَّهُ فَعَلَ ذلكَ لَرُبَّما قالَ أحدُ الأشخاصِ: "أيُّ نَوْعٍ مِنَ الآلِهَةِ أنْتَ حَتَّى تَتَغاضَى عن خطاياهم؟ أينَ الذَّبيحة عن خطاياهم؟ وأينَ تَحقيقُ العَدالة؟ وأينَ تَحقيقُ البِرّ؟ وأينَ هي مَطالِبُ النَّاموس؟ وكيفَ تَغْفِرُ وَحَسْب لهؤلاءِ الخُطاة؟ وكيفَ تَكونُ رَحيمًا ومُنْعِمًا معَ أولئكَ الخُطاة؟ وإلى أنْ جاءَ المسيح، اسمعوني جيِّدًا: إلى أنْ جاءَ المسيح لكي يُقَدِّمَ الذَّبيحةَ الكَفَّاريَّة الكاملة، كانَ يُمْكِنُ لكثيرين أنْ يقولوا إنَّ اللهَ غيرُ عادِلٍ، أوْ غيرُ بارٍّ، أوْ إنَّهُ خَفَّضَ مِعْيارَهُ.

لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ هُنا إنَّ اللهَ كانَ يُظْهِرُ بِرَّهُ، وإنَّهُ كانَ ينبغي لَهُ أنْ يُظْهِرَ عَدالَتَهُ بوصفِهِ إلهًا لأنَّهُ في الماضي تَغاضَى عنِ الخَطايا الَّتي ارْتُكِبَتْ سابقًا. فقد كانَ النَّاسُ سيقولون: "ما هذا الإلَهُ القُدُّوسُ الَّذي تَعبُدونَهُ؟ فهو يَختارُ الخَطايا الَّتي سيَغفرُها ويَغفرُها! أينَ هي العدالة؟ وأينَ هُوَ البِرّ؟ وأينَ هي القداسة في ذلك؟ وأينَ هو المِعيارُ المُقَدَّس؟ وأينَ هو المبدأ الَّذي يقولُ إنَّ النَّفسَ الَّتي تُخطئ تَموت؟ لِذا فَهُوَ يُقَدِّمُ المسيحَ كَفَّارَةً. ونحنُ نَرى أنَّهُ إلَهٌ عادِلٌ. والحقيقة هي أنَّهُ عادِلٌ جِدًّا وأنَّهُ بارٌّ جدًّا، وأنَّهُ مُلْزَمٌ تمامًا بناموسِهِ الَّذي لا مَفَرَّ مِنْهُ بأنَّ الخطيَّة لا يُمْكِن أنْ تُغفَر بِمَعْزِلٍ عن الموتِ الكَفَّاريِّ الكامِل.

فهو مُلْزَمٌ جِدًّا بذلك النَّاموس حَتَّى إنَّهُ صَلَبَ ابْنَهُ الحَبيب. وهذا أعظم تَعبير عن عَدالة اللهِ المُطلَقة وَبِرِّهِ المُطْلَق. لِذا فإنَّهُ يُظْهِرُ بِرَّهُ مِنْ خلالِ صَلْبِ ابْنِهِ لكي نَفهمَ أنَّ التَّغاضي عن الخطايا السَّالِفَة كانَ مُؤقَّتًا وَحَسْب، وأنَّ الكَفَّارة عن تلك الخطايا كانَتْ سَتُقَدَّمُ لاحقًا لأنَّ دَمَ يسوعَ المسيح لم يَكُنْ سَيُسْفَكُ إلَّا بعدَ مِئاتِ أوْ حَتَّى آلافِ السِّنين مِنْ مَوْتِ كَثيرٍ مِنْ مُؤمِني العهد القديم. ولا نُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلنا إنَّ خَلاصَهُمْ كانَ قد تَمَّ "على الحِساب". فقد كانَ "على الحِساب". وقد تَحَقَّقَ ذلكَ مِنْ خلالِ توبتهم، وهو مَطْلَبٌ لا بُدَّ مِنْهُ دائمًا، ومِنْ خلالِ إيمانِهم باللهِ، أي مِنْ خلالِ إيمانِهِم باللهِ وبِكُلِّ ما أَعلنَهُ اللهُ عن نفسِه.

ومِنَ الواضحِ أنَّ الإعلانَ المُتَدَرِّجَ يعني أنَّهُ في أيِّ نُقطة في تاريخِ العهد القديم، فإنَّ اللهَ أَعلنَ المزيدَ والمزيدَ والمَزيد. وما الَّذي كانَ ينبغي للمرء أنْ يُؤمِنَ به لكي يَخْلص؟ لقد كانَ ينبغي أنْ يُؤمِنَ بما أعلَنَهُ اللهُ حَتَّى تلك اللحظة، وأنْ يُؤمِنَ أنَّ اللهَ رَحيمٌ ومُنْعِمٌ، وأنَّهُ سيَغفِرُ خطاياه، وأنْ يُؤمِنَ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ في ذاتِهِ أنْ تُغْفَرَ خطاياه. وقد كانَ ينبغي أنْ يَعلَمَ في قلبِهِ وعقلِهِ أنَّ اللهَ سيقومُ بطريقةٍ ما بتَدبيرِ الكَفَّارة عن خطاياه. لِذا، ما الشَّيء الَّذي كانَ مَطلوبًا مِنَ الشَّخصِ في العهدِ القديم؟ أنْ يُؤمِنَ بالله. أنْ يُؤمِنَ بالله. "آمَنَ إبراهيمُ باللهِ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا". وأنْ يَتوبَ عن خطاياه، ويُلْقِي بنفسِهِ على رَحمةِ اللهِ ونِعمَتِهِ لأنَّهُ الوحيدُ الَّذي يَستطيعُ أنْ يَغفرَ تلك الخطيَّة، وأنْ تَعلمَ في قلبِكَ أنَّ اللهَ يستطيعُ أنْ يُقَدِّمَ الكَفَّارة المناسبة. وعلى ذلكَ الأساس، أيْ على أساسِ الإيمانِ النَّاشِئِ عنِ التَّوبة، كانَ اللهَ يَمْنَحُهُم الخلاصَ على الحِساب ... على الحِساب. فبسببِ موتِ المسيحِ الَّذي كانَ سيحدث لاحقًا، كانَ اللهُ يَتَمَهَّلُ إلى أنْ تُقَدَّم الذَّبيحة. وقد كانَ يَتغاضى عن خطايا التَّائبينَ الحقيقيِّينَ المؤمنين إلى أنْ يأتي الوقتُ الَّذي سيأتي فيهِ المسيحُ ويُعالج مشكلة خَطيَّتِهم.

وحيثُ إنَّ طُقوسَ وذبائحَ العهد القديم (اسمعوني جَيِّدًا) حيثُ إنَّها تَرمِزُ وحسب إلى ذبيحة المسيح الواحدة الَّتي تُخَلِّص حَقًّا، يمكننا أنْ نَستنتِجَ أنَّ الخلاصَ كانَ وما يَزالُ بالنِّعمة، وكانَ وما يَزالُ بالإيمان، وكانَ وما يزالُ مِنْ خِلالِ ما فَعَلَهُ المسيحُ في العهد الجديد. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ: "ما الَّذي يَدْفَعُكُم إلى الإيمانِ بأنَّكُم بحاجة إلى حِفْظِ العهد القديم كَمَطْلَبٍ لخلاصِكُم؟" ويَستخدِمُ بولسُ هذه المُناسبة لكي يُدافعَ عن نفسِه ضِدَّ المُعَلِّمينَ الكذبة، ولكي يُبَيِّنَ أنَّ العهدَ الجديدَ أفضل مِنَ القديم. والآنْ، لننظر إلى النَّصِّ مَرَّةً أخرى.

فحقيقةُ أنَّ العهدَ الجديدَ أفضل واضحة بِعِدَّة طُرُق. أوَّلاً، إنَّهُ يُعطي حَياةً. وقد تحدَّثنا عن ذلك في العدد 6. ثانيًا، إنَّهُ يُنْشِئُ بِرًّا. وقد تحدَّثنا عن ذلك في الأعداد 7 و 8 و 9. ثالثًا، إنَّهُ دائمٌ. وقد تحدَّثنا عن ذلك أيضًا في العَدَدَيْن 10 و 11. وَتَفَوُّقُ العهد الجديد (وأيضًا وُعَّاظ العهد الجديد) واضحٌ مِنْ خلالِ حقيقةِ أنَّ العهدَ الجديدَ يُعطي حياةً، ويُنْشِئُ بِرًّا، وأنَّهُ دائمٌ. والآنْ، لِنُكْمِل دراسَتَنا بِذِكْرِ النُّقطة الرَّابعة. فالعهدُ الجديدُ يُعطي رَجاءً ... فالعهدُ الجديدُ يُعطي رَجاءً. فنحنُ نَقرأُ في العدد 12: "فَإِذْ لَنَا رَجَاءٌ مِثْلُ هذَا نَسْتَعْمِلُ مُجَاهَرَةً كَثِيرَةً". فالعهدُ الجديدُ يُعطي رَجاءً. وأنتُم تَعلمونَ أنَّهُ إنْ كانَ هُناكَ شَيءٌ واحدٌ صَحيحٌ بخصوصِ العهدِ القديم فهو أنَّه لم تكن هناك ذبيحة نهائيَّة. أليسَ كذلك؟

فقد كانَ ينبغي لكَ دائمًا أنْ تُقَدِّمَ ذبيحةً أخرى. ولكِنَّ العهدَ الجديدَ قَدَّمَ ذبيحةً أخيرةً ومُطلقةً ونِهائيَّةً. فقد قَدَّمَ رَجاءً حقيقيًّا. فقد تَمَّتْ مُعالجةُ الخطيَّة حَقًّا. ورجاءُ الحياةِ الأبديَّة واضحٌ كُلَّ الوُضوح. فرجاؤُنا مُؤكَّدٌ جِدًّا. وهو راسخٌ جِدًّا. وهو لا يُنْقَض. وهو نِهائيٌّ بِكُلِّ مَعنى الكلمة حَتَّى إنَّ بولسَ يقول إنَّنا نَكْرِزُ بِجُرأة. والآنْ، ما هو الرَّجاء؟ إنَّ الجَوابَ سَهْلٌ جِدًّا. فهو الإيمانُ بأنَّ كُلَّ وعودِ العهد الجديد ستتحقَّق. وما هو وعدُ العهدِ الجديد؟ الغُفرانُ الكاملُ والتَّامُّ والدَّائمُ والأبديُّ.

وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّ إبْعادَ خَطاياكَ كَبُعْدِ المَشْرِقِ عنِ المَغْرِبِ هُوَ جُزْءٌ مِن ذلك. واللهُ فَعَلَ ذلكَ أيضًا في العهد القديم. ولكِنَّهُ فَعَلَ ذلكَ في العهد القديم (اسمعوني جَيِّدًا مَرَّةً أُخرى) بناءً على ما سيحدثُ في العهد الجديد. فالعهدُ الجديدُ يُعطي حياةً فَيَّاضَةً، وحياةً أبديَّةً، ورجاءَ السَّماء، والرَّجاءَ بأنَّ جَميعَ الوعودِ ستتحقَّق. وأحدُ جوانبِ عَظَمَةِ العهدِ الجديد هو أنَّهُ بالرَّغمِ مِنْ أنَّهُ لم يكن قد تَحَقَّقَ بعد، فإنَّهُ كانَ مُفْعَمًا بالرَّجاء. فالعهدُ الجديدُ يُعطينا لا رجاءً حَاضِرًا فَقط، بل رجاءً مُستقبليًّا أيضًا. فهو يُعطينًا رجاءً بمُستقبَلٍ مَجيد. وقد تَمَّتِ المُصادقةُ عليهِ في الماضي على الصَّليب. وَهُوَ يُطَبَّقُ في الحاضِرِ مِنْ خلالِ الإيمان. ولكِنَّ تَحقيقَهُ الكاملَ سيتِمُّ في المستقبل. لِذا فقد دَخَلْنا إلى عهدٍ جديد لم نَختبِرْهُ بعدُ بالكامِل. أليسَ كذلك؟ بِكُلِّ تأكيد.

انظروا إلى رسالة رُومية والأصحاح 8. فنحنُ نَعيشُ على الرَّجاء، كما يَقولُ بولسُ. فهذا العهدُ الجديد مُفْعَمٌ بالرَّجاء. وكما تَعلمونَ، فإنَّ العهدَ القديمَ كانَ يَخلو مِنَ الرَّجاءِ نَوْعًا مَا. فقد كانَ العهدُ القديمُ يَقْتُلُكَ وَحَسْب بسببِ خَطيئَتِك. فقد كانَ يَنْزِلُ كالمِطرقةِ المَرَّةَ تلو الأخرى، تلو الأخرى، تلو الأخرى على رأسِ الخاطئ. أمَّا العهدُ الجديدُ فيأتي ويُعطي رَجاءً. وفي رسالة رُومية 8: 18، يَقولُ بولُس: "فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا. لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ".

بعبارة أخرى، فإنَّهُ يَقول هُنا إنَّنا لا نُمانِعُ في التَّألُّمِ في هذه الحياة لأنَّ لَنا رَجاء في المجدِ الَّذي سيُستعلَن. فنحنُ نَنتظرُ بشوقٍ استعلانَ أبناءِ الله. فالاستعلانُ المَجيدُ لأبناءِ اللهِ لم يَحْدُث بعد. "إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا".

ثُمَّ نَقرأُ: "لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟ وَلكِنْ إِنْ كُنَّا نَرْجُو مَا لَسْنَا نَنْظُرُهُ فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِالصَّبْر". لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. فبولسُ يَقولُ إنَّ العهدَ الجديدَ يَزْخُرُ بالرَّجاء إذْ نَتَوَقَّعُ الاستعلانَ المجيدَ والعظيمَ والرَّائعَ لأبناءِ الله. ثُمَّ إنَّهُ يُصَلِّي قائلاً في رسالة رُومية 15: 13: "وَلْيَمْلأْكُمْ إِلهُ الرَّجَاءِ كُلَّ سُرُورٍ وَسَلاَمٍ فِي الإِيمَانِ، لِتَزْدَادُوا فِي الرَّجَاءِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ". وكما تَرَوْنَ، فإنَّنا نَحْيا في الرَّجاء.

وقد ذَهبتُ إلى المُستشفى يومَ أمس، وصَرَفْتُ نَحْوَ ساعة مع "هيرب كلينجين" (Herb Clingen). فقد أُصيبَ "هيرب" بجلطة صغيرة أخرى. وقد كانوا يُجْرُونَ بعضَ الفحوصِ على قَلْبِه ويحاولونَ أنْ يَرَوْا إنْ كانت تلك الجلطة قد أثَّرَتْ على قلبِه، أو إنْ كانت قد أَلْحَقَتْ أيَّ ضَرَرٍ بالقلب بسبب هذه الجلطة الأخيرة. وقد كُنَّا نَتبادَلُ أطرافَ الحديثِ عن صُعوبةِ الحياة حينَ يَبْلُغُ المَرءُ سِنَّ الثَّمانين، وكُلَّ هذه الأمور. وقد تَحَدَّثَ بِفَرَحٍ وبَهجة وسعادة في قلبه عن احتماليَّةِ وحقيقةِ الموت وقالَ إنَّهُ لا يَخافُ الموتَ لأنَّ الموتَ سيأخُذُه إلى حَضرةِ يسوعَ المسيح. وهذا هو مَعنى أنْ تَحيا في الرَّجاء. هذا هو مَعنى أنْ تَحيا في الرَّجاء.

 

وهذا هو ما كانَ الرسول بولس يتحدث عنه في رسالة رُومية والأصحاح 13 حينَ قال: "فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا". وعَنْ أيِّ جانبٍ مِنَ الخلاص يَتَحَدَّث؟ عنهُ بِمُجمَلِه. وفي رسالة غَلاطيَّة 5: 5، نَقرأُ المزيدَ عنِ الرَّجاءِ الَّذي في العهد الجديد: "فَإِنَّنَا بِالرُّوحِ مِنَ الإِيمَانِ نَتَوَقَّعُ رَجَاءَ بِرّ". اسمعوني: إنَّني مُخَلَّصٌ. ولكِنَّني انظر إلى حياتي وأحيا في الحقيقة في الرَّجاء. أليسَت هذه هي حالُكُم أنتُم أيضًا؟ وأنا أَفهمُ ما يَقولُهُ بولسُ في رسالة رُومية والأصحاح 7 إذْ نَقرأُ: "إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. ... وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟" أليسَ كذلك؟

وأنا أَعرِفُ مَعنى أنْ يكونَ المَرءُ مَفديًّا تمامًا ... شخصًا مَفديًّا تمامًا يَعيشُ في جَسَدٍ غيرِ مَفدِيٍّ، وأنْ يَخوض هذه الحرب الَّتي لا نهايةَ لها. وأنا لديَّ هذا الرَّجاء العظيم بأنَّ الحَربَ ستَنتهي في يومٍ ما، وبأنَّني سأكونُ بارًّا بصورة كاملة وتامَّة. لِذا، مِنْ خلالِ الرُّوحِ فإنَّنا نَنتظرُ بالإيمان أنْ يَتَحَقَّقَ رَجاءُ البِرّ. ونحنُ نَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الأوَّل: "مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ" [في العدد 18] "لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِين". فهو يقول: "أريدُ مِنكم أن تَفهموا الشَّيءَ الَّذي تَرجونَهُ. وأريدُ مِنكم أنْ تَفهموا مُكافأتَكُم الأبديَّة، وأمجادَ السَّماء، والبِرّ، ومَعنى أنْ تكونوا مُشابهينَ للمَسيح. أريدُ مِنكُم أنْ تَرَوْا ذلكَ وأنْ تَنظروا إلى الأمامِ وتَرَوْا ذلك".

"وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ". فهذا هو رجاؤُنا العظيم. ونحنُ بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. ونحنُ (كما يَقولُ بولُس في رسالة أفسُس 4: 4): "فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِد". وهذا الرَّجاءُ هُوَ بِكُلِّ تأكيد: أنْ نَكونَ مِثْلَ يسوعَ المسيح. ولا شَكَّ أنَّ بُطرسَ كانَ يَتَرَقَّبُ هذا الأمرَ كما فَعَلَ كُتَّابٌ آخَرونَ كثيرونَ لأسفارِ الكِتاب المقدَّس. ولكِن استمعوا إلى ما جاءَ في رسالة بُطرس الأولى 1: 3: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَات".

فما هو رَجاؤُنا؟ أنْ نَحصل على مِيراثٍ "لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ". فهذا هو رجاؤُنا العَظيم. "فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ" (كما يَقولُ في العدد 13). "فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح" ... "فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح". ثُمَّ إنَّهُ يَقول في العدد 21: "إِنَّ إِيمَانَكُمْ وَرَجَاءَكُمْ هُمَا فِي الله". وعودة إلى نَصِّنا، فإنَّ بولسَ يَقول في العدد 12: "فَإِذْ لَنَا رَجَاءٌ مِثْلُ هذَا" [أيْ مِثْلَ رَجاءِ العهدِ الجديد] "نَسْتَعْمِلُ مُجَاهَرَةً كَثِيرَةً"، أو حَرفيًّا: "نَستمرُّ في إظهارِ انفتاحِنا الكبير، وفي إظهارِ صَراحَتِنا على المَلأ، مِنْ دُونِ تحَفُّظ، ومِنْ دُوْنِ خوف، ومِنْ دونِ تَرَدُّد، ومنِ دُوْنِ إحْجام".

فنحنُ نَكرِزُ بِحَقِّ العهدِ الجديد دونَ خوفٍ، ودونَ أيِّ تَرَدُّد. والآنْ، أنتُم تَعلمونَ أنَّ العهدَ الجديدَ كانَ ضَربةً قويَّةً لبني إسرائيل. أنتُم تَعلمونَ ذلك. فقد كانَ ضَربةً قويَّة. ولكنَّهُ يقول: "لأنَّ العهدَ الجديدَ يَزْخُرُ بالرَّجاء، فإنَّنا نَكرِزُ بهِ دونَ خَوفٍ أيًّا كانَ نوعُ الضَّربة الَّتي يُوَجِّهُها، وأيًّا كانتِ العواقِبُ الَّتي سنُواجِهُها (والتي أَقَلُّ ما يُقالُ فيها هو أنَّها كانت عواقب مؤلمة). ولنأخُذ الكلمة "مُجاهَرَة"، وهي: "باريسيا" (parrhesia) باليونانيَّة، وتَعني: بشجاعة أو بجرأة. فهو يقول: "أنا واثقٌ جِدًّا بِوعدِ العهدِ الجديد مِن خلالِ إيماني بيسوعَ المسيح. وأنا واثقٌ جِدًّا أنَّهُ يَملأُ القلبَ برَجاءٍ لم يكن العهدُ القديمُ قادرًا على إعطائه. فهو يُلاشي اليأسَ والخوفَ والشَّكَ، ويُعطي فَرَحًا وسلامًا ورجاء".

"وأنا واثقٌ جدًّا مِنْ أنِّي شُجاعٌ وجريءٌ ومِقدامٌ، ومِنْ أنِّي أَكْرِزُ دونَ تَرَدُّدٍ، ودونَ إحْجامٍ؛ أيًّا كانت رُدودُ الفِعلِ العَنيفةِ الَّتي أحصل عليها. فلا يمكنني أن أَتراجَع. ولا يمكنني أن أتردَّد". وعلى النَّقيضِ مِن جَراءة بولُس وانفتاحِهِ، هُناكَ تَصَرُّف مُوسى في الحدثِ الَّذي يَدورُ حَوْلَهُ النَّصّ. أتَذكرونَ الحَدَثَ المذكور في سِفْر الخُروج والأصحاح 34 عندما صَعِدَ مُوسى إلى الجبل للحصولِ على النَّاموس، وعندما رأى مجدَ اللهِ الَّذي تَحَدَّثنا عنهُ في الأسبوعِ الماضي؟ انظروا إلى العدد 13: "فَإِذْ لَنَا رَجَاءٌ مِثْلُ هذَا نَسْتَعْمِلُ مُجَاهَرَةً كَثِيرَةً. وَلَيْسَ كَمَا كَانَ مُوسَى يَضَعُ بُرْقُعًا عَلَى وَجْهِهِ". وهذا مُدهِشٌ. فقد كانَ يَضَعُ بُرقُعًا على وجهه. فمُوسى لم يكن يمتلك تلك الشَّجاعة. فقد كانَ هُناكَ شَيءٌ ... كانَ هُناكَ شيءٌ في النَّاموسِ يُعْمي، ويُحْرِق، ويُؤذي حَتَّى إنَّهُ لم يكن بمقدورِكَ أنْ تَنظُرَ إليه مِنْ دونِ أنْ تَهْلَك. وقد كانَ ينبغي لموسى أنْ يُغَطِّيه.

وبولسُ يُشيرُ إلى أُسلوبِهِ المُناقِض تمامًا للأسلوب المُشار إليه في خُروج 34. فقد كانَ مُوسى مُتَرَدِّدًا. فقد كانَ يتكلَّم ثُمَّ يُغَطِّي وَجْهَهُ حالاً لكي لا يَعْمَلُ مجدُ اللهِ المُشِعُّ المُنْعَكِسُ على وَجْهِهِ عندَ إعطاءِ النَّاموسِ على إحراقِ الشَّعب. فقد كانَ ذلكَ يُشبِهُ النَّظرَ إلى الشَّمس لأنَّهُ كانَ يُمْكِنُ أنْ يَحْرِقَ أعيُنَهُم. فقد كانَ عَهْدًا حَارِقًا، ومُدَمِّرًا، ومُؤذِيًا، ومُهْلِكًا؛ مَعَ أنَّهُ كانَ مَجيدًا. لِذا فإنَّ بولسَ يقول إنَّ العهدَ الجديدَ يُعطي رَجاءً ... يُعطي رجاءً. وهو دائمٌ. وهو يُنْشِئُ بِرًّا. وهو يُعطي حَياةً.

خامسًا: إنَّهُ واضِحٌ ... إنَّهُ واضحٌ. والآنْ، أَوَدُّ أنْ أَصْحَبَكُم مَرَّةً أُخرى إلى قِصَّةِ مُوسَى. فلنرجِع قليلاً إلى سِفْر الخروج والأصحاح 34. وكما قُلتُ، فإنَّ بولسَ يَستخدمُ هذه القصة كَمَثَلٍ توضيحيٍّ. لذا، يجب علينا أنْ نَستمرَّ في العودة إليها. فَلنَرْجِع إلى سِفْر الخروج والأصحاح 34. وللأشخاص الَّذينَ لم يكونوا مَعَنا في الأسابيع الماضية، فإنَّ بولُس يُبَيِّن تَفَوُّقَ العهدِ الجديد على العهدِ القديم. وهو يَستخدِمُ مَثَلاً توضيحيًّا أو تَشبيهًا عن حياةِ مُوسى حينَ صَعِدَ إلى الجبل لاستلامِ ناموسِ اللهِ، وحينَ رأى مَجْدَ اللهِ ثُمَّ نَزَلَ لكي يَتَكَلَّمَ معَ الشَّعبِ فكانَ مَجْدُ اللهِ ظاهِرًا على وجهِه.

فهذه هي الخَلفيَّة. وبولسُ يَستنتِج عِدَّةَ استنتاجات مِمَّا حَدَث، أيْ عِدَّة استنتاجات رُوحيَّة مِن ذلك المَثَل التَّوضيحيِّ المُدهِش. انظروا إلى العدد 33 والأعدادِ الَّتي تَليه: "وَلَمَّا فَرَغَ مُوسَى مِنَ الْكَلاَمِ مَعَهُمْ، جَعَلَ عَلَى وَجْهِهِ بُرْقُعًا". والآن، هل تَذكرونَ أنَّهُ كانَ يَتَكَلَّمُ معهم بوجهٍ يُشِعُّ مجدًا، وأنَّهُم كانوا مُضْطَرِّينَ إلى النَّظَرِ جانبًا. فقد كانَ بمقدورهم أنْ يَرَوا الوَهْجَ، ولكِنْ لم يكن بمقدورهم أنْ يَنظروا إليهِ مُباشرةً. ولكِنْ عندما كانَ يَنتهي مِنَ الكلامِ مَعَهُم ويَعود إلى الحياةِ العاديَّة، كانَ يَضَعُ بُرْقُعًا على وجهِهِ لكي يُغَطِّي المَجْدَ ويتمكَّن مِنَ التحرُّك في وسط الناس مِنْ دونِ هذا الوَهْج الَّذي يُعْمي الأعيُن: فقد كانَ يَضَعُ بُرْقُعًا على وجهه.

"وَكَانَ مُوسَى عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ يَنْزِعُ الْبُرْقُعَ حَتَّى يَخْرُجَ، ثُمَّ يَخْرُجُ وَيُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا يُوصَى. فَإِذَا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ وَجْهَ مُوسَى أَنَّ جِلْدَهُ يَلْمَعُ كَانَ مُوسَى يَرُدُّ الْبُرْقُعَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يَدْخُلَ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ". لِذا فإنَّ الفِكرةَ هي أنَّهُ كانَ يَضَعُ البُرْقُعَ بعدَ أنْ يُقَدِّمَ الرِّسالةَ إلى أنْ يَدْخُلَ ليتَكلَّمَ مَعَ اللهِ مِنْ دُوْنِ بُرْقُع. ثُمَّ كانَ يَرفعُ البُرقُعَ عندَ ذهابِهِ لتوصيلِ الرِّسالة لكي يَرَوْا مجدَ ناموسِ الله. وبعدَ أنْ يُبَلِّغهُم إيَّاه، كانَ يُغَطِّي وَجْهَهُ ثانيةً.

لِذا فإنَّ بولسَ يقولُ ما يَلي بحسب ما جاءَ في العدد 13: "نحنُ لَسنا مِثْلَ مُوسَى ... نحنُ لسنا مثل موسى الَّذي كانَ يَضَعُ بُرْقُعًا عَلَى وَجْهِهِ". وما الَّذي يَعنيه هُنا؟ لقد كانَ الإخفاءُ جُزءًا لا يَتَجَزَّأُ مِنَ المجدِ الزَّائلِ للعهدِ القديم. لقد كانَ الإخفاءُ جُزءًا لا يَتجزَّأُ مِنَ العهدِ القديم. فقد كانَ ثاقِبًا جِدًا، ومُهْلِكًا جِدًّا، ومُميتًا جدًّا. وقد كانَ التَّعَرُّضُ الدَّائمُ له يُؤدِّي إلى العَمى. ولكِنْ كانَ هناكَ ما هو أكثر مِن ذلك. فيمكنكم أيضًا أنْ تَستخلِصُوا مِنْ كَلامِ بولس أنَّ العهدَ القديمَ بأسرِه كانَ مُجَرَّدَ ظِلال. فقد كانَ مَحجوبًا بصورة رئيسيَّة. ويمكنكم فقط أنْ تَحصلوا على نَظرة خاطفة إليه قبلَ أنْ يُوْضَعَ البُرْقُع. فقد كانَ مُجَرَّدَ نَماذِج، وصُوَر، ورُموز، وسِرّ مُعْلَن مِنْ خِلالِ بُرْقُع. وقد كانَ مُوسى يَعملُ على توصيلِ مجدِ العهدِ القديم بغُموضٍ مُعَيَّن.

فقد كانَ يَضَعُ بُرقُعًا على وجهه لكي يُخفي المجدَ ولا يُعمي الشَّعب. وقد استخدَمَ البُرقُعَ لأنَّ المجدَ الَّذي كانَ ظاهِرًا في وجهِهِ كانَ عظيمًا وساطِعًا. فهو لم يكن يحاولُ أنْ يُخفي حقيقةَ أنَّهُ كانَ مَجْدًا زائلاً. وهو لم يكن كاذبًا. فلماذا يحاولُ أنْ يَجعَلَهُم يُصَدِّقونَ أنَّ المجدَ الزَّائلَ لم يكن زائلاً. فقد كانوا يَعلمونَ أنَّهُ كانَ زائلاً. ولكنَّهُ لم يُبْقِ البُرقُعَ على وجهه طَوالَ الوقت، بل كانَ يَضَعُهُ فقط بعدَ أنْ يَرى اللهَ ويحصُل على المجد. فعندما كانَ يَتَكَلَّمُ معَ الله، كانَ المجدُ يعود. وقد كانَ على الأرجَح مِنْ دونِ بُرقُع حينَ كانَ يُكَلِّمُهُ (كما قُلتُ سابقًا). ثُمَّ إنَّهُ كانَ يَضَعُ البُرقُعُ إلى أنْ يَزولَ المجد. ولكِنْ كانَ هُناكَ إخفاءٌ إلى حَدٍّ ما. وهذا هو ما يَقولُهُ بولس. فقد كانَ موسى يَضَعُ بُرقُعًا عليه وحَسْب.

فهناكَ عُنصرُ إخْفاءٍ في العهد القديم. أليسَ كذلك؟ ولعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ بُطرسَ قالَ إنَّ أنبياءَ العهدِ القديم كَتَبوا، ثُمَّ فَتَّشوا عَمَّا كَتَبوهُ لكي يَعرفوا مَعنى ما كَتَبوه. فقد كانَ هُناكَ سِرٌّ. وأفضلُ مَثَلٍ على ذلك هو أنَّنا دَرَسنا سِفْر الرُّؤيا. فقد فَعَلنا ذلكَ شهرًا تلو الآخر. وقد درسنا سفر الرُّؤيا وفعلنا ما في وُسعِنا لِفَهْمِ ما سيحدث في المستقبل. ولكِنْ، بصراحة: هناكَ الكثيرُ في ذلك السِّفْر قد نَبذلُ جُهدًا كبيرًا لفهمه، ولكِنْ لا يمكن لأحدٍ سِوى الأشخاصِ الَّذينَ يعيشونَ في الوقتِ الَّذي ستحدُثُ فيه تلك الأشياء أنْ يَفهموه تمامًا.

إذًا، ماذا عَسانا أنْ نَفعل؟ نحنُ نُفَتِّشُ ونُفَتِّشُ ونُفَتِّش. وقد أخبرَني "جيم ستيتسينغر" (Jim Stetsinger) قبلَ أسبوعين أنَّ "جون كالفن" (John Calvin) كَتَبَ كُتُبَ شَرْحٍ عن كُلِّ سفرٍ مِنْ أسفار العهد الجديد، ما عدَا سفر الرُّؤيا. وقد قالَ إنَّهُ لا يَستطيعُ أنْ يَفهمَهُ. فَهُوَ سِفْرٌ مِنَ الصَّعبِ جِدًّا فَهْمُه. وحتَّى حينَ نَفهَمُهُ ستبقى أجزاءٌ منهُ لن يَفهمها سوى الأشخاص الَّذينَ يعيشونَ في وقتِ حُدوثِها. لِذا فإنَّنا نَنظرُ إليها كما كانَ الأنبياءُ يَنظرونَ إلى ما كَتَبوا ويتساءلونَ عَنْ مَعناه. فالعهدُ القديمُ يُخفي أُمورًا مُعَيَّنة، ويُخفي عَناصِرَ مُعَيَّنة. وهو أمرٌ ليسَ موجودًا في العهد الجديد. فقد كانَ عهدًا مَحْجوبًا. وقد كانَ عهدًا زائلاً. وقد كانَ الجُزءُ الزَّائلُ رَمْزًا للزَّوال.

كذلك فإنَّ البُرقُعَ يُشيرُ إلى الجُزءِ المَحجوبِ منه. ولكِنْ لا يوجد شيء مَحجوب ولا يوجد شيء زائل بخصوصِ إنجيلِ العهد الجديد. والحقيقة هي أنَّ الرسولَ بولس يتحدَّثُ في عِدَّة مواضِع مِنْ رسائِله عنِ الأسرارِ الَّتي كُشِفَتْ. أليسَ كذلك؟ وبولُس يقولُ إنَّ الأسبابَ الَّتي جَعَلَتِ اليهودَ في زمنِ موسى لا يَنظرونَ إلى وجهه، أو بالأحرى: السَّببَ الَّذي جَعَلَ مُوسى يَضَعُ البُرقُعَ على وجهه هو أنْ لا يَستمرَّ الشَّعبُ في النَّظرِ إليه لأنَّه لم يكن بمقدورهم أنْ يَستمرُّوا في التَّحديقِ دُوْنَ أنْ يُصابوا بالعَمى. والكلمة "يَنْظُر" المذكورة في العدد 13 تَعني "يُحَدِّق"، وهي تُشيرُ إلى إطالَةِ النَّظَر. وهي تُستخدَم بهذه الطريقة في إنجيل لوقا 4: 20. وهي تُستخدم أيضًا في العدد 7، كما ذَكَرنا سابقًا. لِذا فإنَّنا لن نَتحدَّثَ عن ذلكَ بالتَّفصيل.

ولم يكن هناكَ أيُّ خطأ في العهد القديم. فقد كانَ له مجد. وهو مجدُ الله. ولكِنَّهُ كانَ يَحوي عُنصرًا زائلاً. فهو لم يكن عهدًا دائمًا. أمَّا العهدُ الجديدُ فدائم. وقد كانَ العهدُ القديمُ مَحجوبًا. وهُناكَ المَزيدُ عن غُموضِهِ إذْ نَقرأُ في العدد 14: "بَلْ أُغْلِظَتْ أَذْهَانُهُمْ، لأَنَّهُ حَتَّى الْيَوْمِ ذلِكَ الْبُرْقُعُ نَفْسُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ بَاق غَيْرُ مُنْكَشِفٍ، الَّذِي يُبْطَلُ فِي الْمَسِيح". فقد كانت أذهانُهُم مُنغلِقَة. انظروا إلى العدد 15: "لكِنْ حَتَّى الْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى، الْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ". وما هو ذلك البُرقُع؟ إنَّهُ بصورة أساسيَّة: عَدَم الإيمان. فَهُمْ لم يَفهموا المجدَ الصَّحيحَ للعهد القديم بسبب عدمِ إيمانهم.

وبسبب عدم إيمانهم فإنَّ المَعنى كُلَّهُ كانَ مُبْهَمًا بالنِّسبة إليهم. فهناكَ عُنْصُرٌ مُبْهَمٌ فيهِ في جَميعِ الأحوال. ولكِنَّ عَدَمَ الإيمانِ يَجْعَلُهُ كُلُّهُ مُبْهَمًا. ونحنُ نَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 3: 8: "فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ، يَوْمَ التَّجْرِبَةِ فِي الْقَفْرِ". ونقرأ في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 3: 15: "الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ". ونقرأ في الأصحاح 4 والعدد 7: "الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ". وقد فَعَلوا ذلكَ فَحَجَّروا أذهانَهُم. فقد كانت قُلوبهم مُتَحَجِّرة، وبَليدة، وكانوا أعمياءَ ذِهنيًّا. ولعلَّكُم تَذكرونَ أنَّ موسى نَزلَ مِنْ على الجبل وحاولَ أنْ يُريهم مجدَ اللهِ مُمَثَّلاً في العهدِ القديمِ مِنْ خلالِ المجدِ الَّذي كانَ في وجهه. ولكنَّهُم رَفَضوه.

وعِوَضًا عن أنْ يُدركوا المجدَ، اختاروا طَوْعًا أنْ يكونوا أغبياءَ، واختاروا طَوْعًا أنْ لا يُؤمِنوا. وقد كانَ الأمرُ ما يزالُ كذلك في زمنِ بولس حتَّى إنَّهُ يَقولُ "لأَنَّهُ حَتَّى الْيَوْمِ"؛ أيْ حَتَّى هذا اليوم، عند قراءةِ العهدِ القديم. وَهُوَ أمرٌ كانَ يَحدثُ [بالمُناسبة] كُلَّ سَبْت في المَجمَع بحسب ما جاءَ في إنجيل لوقا 4: 17-21. فقد كانوا يَذهبونَ إلى المَجمعِ وكانَ العهدُ القديمُ يُقرأُ. "ذلِكَ الْبُرْقُعُ نَفْسُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ بَاق غَيْرُ مُنْكَشِفٍ". فالعهدُ القديمُ ما يزالُ مَحجوبًا. وَهُم ما يزالوا لا يَفهمونَ القصدَ مِنه. وَهُم يَظُنُّونَ أنَّ القصدَ مِنهُ هو أنْ يُخَلِّصَهُم. ولكنَّهُ ليس كذلك. وهُم يَظُنُّونَ أنَّ مِعيارَهُ الأخلاقيَّ أقَلُّ مِمَّا هو عليه في الحقيقة. وَهُم يُقَلِّلونَ مِنْ شأنِ بِرِّه، ومِنْ مُحاولتِهِ لِكشفِ الخطيَّة، ومِن فاعليَّتِه. وعوضًا عن أنْ يَكشِفَ خطيَّتهم، فإنَّهُم يُستخدمُونَهُ كوسيلة لإظهارِ بِرِّهِم.

فقد كانَ قَصدُهُ الطَّقسيُّ هو أنْ يَرمِزَ إلى خُطَّةِ الفداءِ في المسيح. ولكنَّهُم، دُوْنَ شَكٍّ، رَفَضوا المسيح. لِذا، فقد رَفَضوا لا فقط الجُزءَ الأدبيَّ مِنَ النَّاموس بسببِ تَخفيضِ المِعيارِ الأخلاقيِّ، بل رفضوا أيضًا الجُزءَ الطَّقسيَّ لأنَّهم لم يفهموا القصدَ والغايةَ منه. فقد كانوا جاهِلينَ جِدًّا حَتَّى إنَّ الرُّسُلَ اضْطُرُّوا إلى الكرازةِ في جميعِ أرجاءِ أورُشليم بأنَّ يسوعَ المسيحَ كانَ لا بُدَّ أنْ يَتألَّمَ ويموتَ لكي يُحَقِّقَ النُّبوءةَ المسيحانيَّة. فقد كانوا يَجهلونَ ذلكَ تمامًا. وبسببِ جَهْلِهِم وعدمُ تصديقِهم لمعنى العهد القديم، صاروا يَجلهونَ العهدَ الجديد.

ولأنَّهم لم يَفهموا فهمًا صحيحًا أنَّ الغايةَ مِنَ العهدِ القديمِ هي أنْ يَقودَهُم إلى إدراكِ الخطيَّة في الجانبِ الأدبيِّ لكي يَقودَهُم إلى إدراكِ حاجَتِهم إلى مُخَلِّص في الجانبِ الطَّقسيِّ. ولأنَّهم لم يفهموا كُلَّ ذلك، لم يَفهموا أيضًا العهدَ الجديد. لِذا فقد رَفَضَ اليهودُ في زمنِ بولس أنْ يَرَوا القصدَ مِنَ العهدِ القديم. لِذا، فإنَّهم لم يَرَوا القصدَ مِنَ العهد الجديد. فَهُم لم يفهموا القصدَ مِنَ النَّاموس. لِذا فإنَّهم لم يَفهموا أنَّ يسوعَ كانَ تَتميمُ النَّاموس. فقد كانوا بِحَقّ أولادَ آبائهم الَّذينَ حُكِمَ عليهم بالهلاك. فقد كانوا بِحَقّ أولادَ آبائهم الَّذينَ حُكِمَ عليهم بالهلاك لأنَّهم قَتلوا الأنبياءَ وَرَجَموا كُلَّ شخصٍ أرسَلَهُ اللهُ إليهم. فقد رَفضوا.

وفي إنجيل يوحنَّا 5: 46، يقولُ يسوع: "لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي". فَإِنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسى، فإنَّكم لا تَفهمونَ العهد القديم، ولن تَفهموا يومًا العهدَ الجديد. وهذا هو السَّبب في أنَّنا نَجِدُ صُعوبةً بالغةً اليوم في الكرازة إلى اليهود. فَهُمْ لا يَستوعبونَ العهدَ الجديد. أتَعلمونَ لماذا؟ لأنهم لا يستوعبونَ العهدَ القديم. فَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّهُم يَفهمونَهُ، ولكنَّهم لا يَفهمونَهُ. وَهُمْ لا يَعرفونَ أنَّهُ صُمِّمَ لكي يَقودَهُم إلى اليأسِ بخصوصِ خطاياهم، ولكي يُظْهِرَ لهم مِنْ خلالِ الرُّموزِ والصُّور خُطَّةَ فِداءِ اللهِ الَّتي تُشيرُ مُباشرةً إلى يسوعَ المسيح. ولكِنْ حيثُ إنَّهم لا يَفهمونَ العهدَ القديم، لا يمكنهم أنْ يَفهموا العهد الجديد.

فَبُرْقُعُ الجَهْلِ يُخْفِي مَعنى العهدِ القديمِ عَنِ القلبِ المُتَقَسِّي. فقد كانَ القصدُ مِنْهُ هو أنْ يَقودَهُم إلى المسيح. ولكنَّهم لم يُدركوا ذلك، ولم يستوعبوا ذلك. والحقيقة هي أنَّ التَّلاميذَ أيضًا أَظهروا هذا النَّوعَ مِنَ الجهل. وقد قالَ يسوعُ لتلميذَيْ عِمواس: "أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ! أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟" فلو عَرفتُم فقط ما عَلَّمَهُ العهدُ القديم لَفَهِمْتُم هذا. "ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ". فقد عَجِزوا عن فَهْمِ العهد الجديد لأنَّهم لم يتمكَّنوا مِنْ فَهْمِ العهدِ القديم. وبولسُ يُوضِّحُ ذلكَ هُنا.

وَهُوَ يقول إنَّ البُرقُعَ باقٍ عليهم حَتَّى اليَوْم. وقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا 5: 39: "فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ [لِمَنْ؟] لِي". صَحيحٌ أنَّ بعضَ اليهودِ عَبْرَ التَّاريخِ وفي هذا الوقتِ رأَوْا المجدَ الكاملَ للعهدِ القديم، وأنَّ بعضًا مِنهم عَرَفوا أنَّ العهدَ القديمَ يُشيرُ إلى خطيئتهم وإلى حاجتهم إلى فَادٍ. فهذا صحيحٌ بكُلِّ تأكيد. فقد كانَ هناكَ بعضُ اليهودِ مِثْلَ سِمْعان (في إنجيل لوقا والأصحاح الثَّاني)، وَمِثْلَ حَنَّة. وهُناكَ آخرونَ مِنَ البَقيَّة.

ولكِنَّ الغالبيَّة العُظمى هي المُشار إليها، ويا للأسف الشَّديد، في العدد 13. فَهُمْ بَنو إسرائيلَ الَّذينَ لم يستطيعوا أن يَنظروا إلى نهايةِ الزَّائل في زَمَنِ مُوسى لأنَّ أذهانهم كانت مُتَحَجِّرَةً ولا تَختلف في شيء عنِ النَّاسِ في هذا اليوم الَّذينَ يَقرأونَ العهدَ القديمَ وما يزالُ البُرقُعُ نَفسُهُ غيرَ مُنْكَشِفٍ لأنَّهم لا يَفهمونَهُ أيضًا. "حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى، الْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ". فهي قَساوة فكريَّة، وعدم استيعاب للعهد القديم، ورفض للعهد القديم، وعدم فَهْم للعهد القديم. لذا فقد عَجِزوا عن فَهْمِ أهميَّة العهد الجديد. ونحنُ نَقرأُ في الرسالة إلى العبرانيين 10: 28: "مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى...يَمُوتُ بِدُونِ رَأْفَةٍ".

وهذا يَسري على الجَميع. "مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى...يَمُوتُ بِدُونِ رَأْفَةٍ. فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟ فَإِنَّنَا نَعْرِفُ الَّذِي قَالَ: «لِيَ الانْتِقَامُ، أَنَا أُجَازِي...». ... مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" فإذا كنتَ تَظُنُّ أنَّهُ أمرٌ مُخيفٌ أنْ تَقَعَ بينَ يَدَي اللهِ الحيِّ بسببِ انْتـِهاكِ العهدِ القديم، فإنَّ ذلكَ لا شيء بالمُقارنة معَ مَنْ يَنْتَهِكُ العهدَ الجديد.

وبولسُ يَقولُ إنَّ هناكَ يَهودًا في هذا اليوم يَنتهكونَ العهدَ القديمَ بِعَماهم. وَهُم يَنتهِكونَ أيضًا العهدَ الجديد. وقد كانَ العهدُ القديمُ عهدًا مَخفيًّا، ومَحجوبًا، ومَستورًا، وغامضًا، ومُبْهَمًا جُزئيًّا. وبولسُ يقولُ إنَّ الفَهْمَ السَّليمَ لطبيعَتِهِ الغامضة (بأنَّهُ عهدٌ زائلٌ، وبأنَّهُ يَحوي عِباراتٍ غامضة ستتحقَّق، وبأنَّهُ يَحوي عبارات رمزيَّة ستتحقَّق بخصوصِ المسيَّا) سيؤدِّي إلى القبولِ السَّليمِ للعهدِ الجديد. فالعهدُ الجديدُ واضحٌ تمامًا ... واضحٌ تمامًا. والإيمانُ بناموسِ مُوسى كانَ يُهَيِّئُهم للإيمانِ بالمسيح.

ومَرَّةً أخرى، أعودُ إلى العَشَّارِ إذْ نَقرأُ في لوقا 18 أنَّهُ "قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ". ومِنَ النَّادِرِ أنْ نَجِدَ في العهدِ الجديدِ شخصًا يَشعرُ بالتَّبكيتِ العميقِ في قلبه بسببِ ناموسِ اللهِ فَيَتوبُ تَوبةً حقيقيَّة. فقد كانَ اليهودُ في زمنِ بولُس، وحتَّى في وقتنا هذا، يُسيئونَ فَهْمَ العهد القديم. لذا فإنَّهم يَرْفُضونَ العهدَ الجديد. فَهُمْ يَكْتَفونَ بالطُّقوس، ويَكتفونَ بالشَّعائرِ. وَهُمْ يأخُذونَ الجُزءَ الطَّقسيَّ (كما قُلتُ في المَرَّة الماضية) ويَستخدمونَهُ لتخليصهم مِنْ إخفاقهم في حِفْظِ الجُزءِ الأدبيّ.

وبالمُناسبة، لقد حَزِنَ مُوسى بسببِ هذا العَمَى في زَمانِهِ. فقد رأى ذلك. فقد حَدَثَ هذا في زمانِه إذْ كانَ الشَّعبُ مُصابًا بالعَمى، وكانت قُلوبهم مُتقسِّية، ولم يَفهموا مقاصِدَ اللهِ، ولم يُؤمِنوا، ولم يكن لديهم إيمانٌ وثقةٌ بالله. والحقيقة هي أنَّ مُوسى قالَ في سِفْر الخروج 32: 32: "وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ، وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ!" فقد كانَ مُوسى مُنزعجًا جدًّا. وكانَ حزينًا جدًّا على خطيَّةِ شَعبِهِ والظُّلمةِ الَّتي يَعيشونَ فيها حَتَّى إنَّهُ قالَ للربِّ: "إنْ لم تَكُنْ سَتُخَلِّصُهُم، امْحُني مِنْ كِتابِكَ".

ولَعَلَّكُم تَعلمونَ أنَّ بولسَ اتَّخَذَ نفسَ هذا الموقف في رسالة رومية 9: 3 إذْ قال: "فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَد". والأشخاصُ الَّذينَ لم يَتجدَّدوا حتَّى يومِنا هذا مِنْ بني إسرائيل لديهم بُرْقُعٌ على قُلوبهم، ولم يَستوعبوا بعد استخدامَ العهدِ القديم، ولا يَرَوْنَ بعد المَعنى الواضحَ وغيرَ المَحجوبِ للعهدِ الجديد. وكما قُلتُ، فإنَّ الإيمانَ الحقيقيَّ بالعهدِ القديم كانَ كَافيًا لإزالةِ البُرقُع لكي يَرَوْا المعنى الحقيقيَّ للعهدِ الجديد.

إنَّ العهدَ الجديدَ مُتَفَوِّقٌ لأنَّهُ يُعطي حياةً، ولأنَّهُ يُنْشِئُ بِرًّا، ولأنَّهُ دائمٌ، ولأنَّهُ يُعطي رَجاءً، ولأنَّهُ واضحٌ وليسَ مُبْهًمًا. سادسًا، ولن أتمكَّنَ مِنْ إنهاءِ هذه النُّقطة اليوم، ولكنَّنا سنَستعرضُها بسرعة على أقَلِّ تقدير: إنَّهُ مُتَمَرْكِزٌ حولَ المسيح ... إنَّهُ مُتمركزٌ حولَ المسيح. ارجِعوا قليلاً إلى العدد 14. فنحنُ نَقرأُ في نهايةِ العدد 14 أنَّ البُرْقُعَ "يُبْطَل فِي الْمَسِيح" ... يُبْطَلُ فِي الْمَسِيح. فَمِنْ دُونِ المسيح، اسمعوا ما سأقول: مِنْ دونِ المسيح، سيبقى العهدُ القديمُ غيرَ مَفهومٍ. هل سَمِعتُم ذلك؟ مِنْ دونِ المسيح، سيبقى العهدُ القديمُ غيرَ مَفهومٍ. فالعهدُ القديمُ لا يُفْهَم مِنْ دونِ الجديد. ولكِنْ عندما تأتونَ إلى المسيح، فإنَّ كُلَّ المَعنى يَنْجَلي، والبُرقُعُ يُرفَعُ. فعندما يأتي شخصٌ إلى المسيح، فإنَّ البُرقُعَ يُرفَعُ، ولا يعودُ هُناكَ مَا يُعيقُ الإدراكَ الرُّوحِيَّ، بل إنَّ كُلَّ شيءٍ يَصيرُ واضحًا. ونحنُ نَقرأُ في العدد 15: "لكِنْ حَتَّى الْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى، الْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ". ويا لَهُ مِنْ أمرٍ مُحْزِن!

وبحسب ما جاءَ في سِفْر أعمال الرُّسُل 13: 27، وأعمال الرُّسُل 15: 21، فإنَّ اليهودَ كانُوا أُمناءَ في مَجامِعِهِم وفي أماكِنِ تَجَمُّعِهِم إذْ كانوا يَقرأونَ ناموسَ مُوسى. ونحنُ نقرأُ في سِفْر أعمال الرُّسُل 13: 27: "لأَنَّ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ وَرُؤَسَاءَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا هذَا. وَأَقْوَالُ الأَنْبِيَاءِ الَّتِي تُقْرَأُ كُلَّ سَبْتٍ تَمَّمُوهَا، إِذْ حَكَمُوا عَلَيْهِ". فقد كانوا يَقرأونَ النَّاموسَ كُلَّ سبت، ولكنَّهم لم يَفهموا مَعناه. فقد كانوا يَقروأنهُ دونَ أنْ يَفهموه لأنَّ قُلوبَهم كانت قاسية. وما مَعنى القلب القاسي؟ إنَّهُ يَعني ببساطة أنَّهم كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُ بمقدورهم أنْ يُخَلِّصُوا أنفُسَهم. بعبارة أخرى، فإنَّ لِسانَ حَالِ القلبِ القاسي هو: "سوفَ أحفظُ الطُّقوسَ. وهذا كَفيلٌ بتخليصي. وسوفَ أعملُ أعمالاً صالحةً. وهذا كَفيلٌ بتخليصي".

ولكِنَّ القلبَ المُنْكَسِرَ والمَسحوقَ يقول: "لا يمكنني أنْ أفعلَ ذلك. فناموسُ اللهِ يَكْسِرُني، ويُحَطِّمُني، ويَسْحَقُني. لِذا فإنَّني آتي كخاطئٍ تائبٍ بِكُلِّ تواضُعٍ نائحًا على خطيئتي، وصارخًا وجائعًا إلى البِرِّ، ومُلتمِسًا الرَّحمة والمَغفرة". فهذا هو القلبُ المُنسَحِق والتَّائب. أمَّا القلبُ القاسي فيأخذُ ناموسَ اللهِ ويقول: "أنا أرى المِعيارَ. وسوفَ أُطَبِّقُ ذلكَ المِعيار. وسوفَ أستجمِعُ قُوايَ وأحفظُ ذلك. واللهُ سَيُسَرُّ. وسوفَ أُمارِسُ كُلَّ تلك الطُّقوس. وتلك الطُّقوس هي الَّتي سَتُغَطِّي كُلَّ إخفاقاتي. فسوفَ أخلَصُ مِن خلالِ التزامي الأخلاقيِّ. وسوفَ أخلَصُ بمُراعاتي للطُّقوس". وهذا هو تمامًا ما تَفعَلُهُ كُلُّ ديانة في العالم. أليسَ كذلك؟ جَميعُها!

وقد كانت هذه هي حالُ اليهود. لِذا فقد كانوا يَقرأونَ ناموسَ مُوسى دونَ أنْ يَفهموه. وكانوا يَقرأونَ العهد القديم دونَ أنْ يَفهموه. ونقرأُ في سِفْر أعمال الرُّسُل 15: 21: "لأَنَّ مُوسَى مُنْذُ أَجْيَال قَدِيمَةٍ، لَهُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مَنْ يَكْرِزُ بِهِ، إِذْ يُقْرَأُ فِي الْمَجَامِعِ كُلَّ سَبْتٍ". فقد كانوا يَقرأونَهُ المَرَّةَ تِلو المَرَّة تِلو المَرَّة تِلو المَرَّة، ولكنَّهم لم يَخضَعوا لَهُ يومًا بدافِعِ يأسِهِم مِنْ خطاياهم، ولم يطلبوا الرَّحمةَ مِنَ اللهِ بناءً على استحقاقاتِ عَمَلِ يسوعَ المسيح.

لِذا فإنَّهُ يقولُ في العدد 15: "لكِنْ حَتَّى الْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى [أيْ: كُلَّ سَبْتٍ]، الْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ". فلا يوجد خطأ في العهد. بل إنَّ المشكلة تَكْمُنُ في القلب، وفي الاستعدادِ للانكسار، والاستعدادِ للاعترافِ بالخطيَّة، والإقرارِ بالخطيَّة، والتَّوبة. وأقولُ مَرَّةً أخرى، يا أحبَّائي (وَهُوَ أمرٌ قُلتُهُ على مَرِّ السِّنين) إنَّني عاجِزٌ عَنِ استيعابِ أنْ يقومَ أيُّ شخصٍ في أيِّ مكانٍ وأيِّ زَمانٍ بابتداعِ أيِّ بِدعة تَختصُّ بالخلاص مِنْ دُوْنِ أنْ تكونَ هُناكَ تَوبة! فهذا غريبٌ جدًّا. وهذا أمرٌ لا يُدْرِكُهُ عَقْلٌ. فهذه هي تَركيبَةُ الخلاص. وهذه هي طبيعةُ الخلاص. وهذا هو جوهرُ الخلاص. وهذا هو لُبُّ الخلاص.

فالنقطةُ الجوهريةُ بخصوصِ تقسيةِ قُلوبِ بني إسرائيل هي أنَّهم لم يَنكسروا. وحيثُ يوجد انكسارٌ وانسحاقٌ للقلبِ، هُناكَ فَهْمٌ صحيحٌ لمعنى العهد القديم، وإلقاءٌ للنَّفسِ على رَحمةِ ونِعمةِ اللهِ الغَفور الَّذي كانَ حَتَّى مُؤمِنو العهد القديم يَعلمونَ أنَّهُ إلَهٌ غَفور. فقد قالَ النبيُّ: "مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ!" ثُمَّ نَقرأُ في العدد 16: "وَلكِنْ عِنْدَمَا يَرْجعُ [الإنسانُ] إِلَى الرَّبِّ يُرْفَعُ الْبُرْقُعُ". فعندما يَرجِعُ المَرءُ إلى الربِّ، يُرفَعُ البُرقُع. وبولسُ يَستخدِمُ ذلكَ المُصطلَح للإشارة إلى ما يحدث حينَ نأتي إلى المسيح بإيمان. فعندما كان موسى يَدخل لرؤية الرَّبّ، كان يَرفعُ البُرقُعَ لأنه كان يريد أن يَرى المجد مُباشرةً.

فقد كان يَتمتَّع بشيءٍ لم يكن يتمتَّع به الشَّعب. وقد تقول: "وكيفَ كانَ مُوسى يَحْتَمِل ذلكَ دُوْنَ أنْ يموت؟" لا أدري! فكيفَ كانَ الشَّعبُ يَعْجَزُ عنِ النَّظرِ إلى وجهِ مُوسى الَّذي كانَ يَعْكِسُ جُزءًا مِنْ مَجْدِ اللهِ، في حين أنَّ موسى كانَ قادرًا على النَّظرِ إلى مجدِ اللهِ الكامِل؟ لا أدري! وقد تقول: "رُبَّما لم يكن ينظر مباشرةً إليه". هذا مُحتَمَل. والحقيقة هي أنَّنا نقرأُ في سِفْر الخروج والأصحاح 33: "أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ. ولكنِّي سأدَعُكَ تَرى وَرائي فقط". لذا فقد رأى مَجْدًا مُخَفَّفًا، ولكنَّهُ كانَ مَجدًا عظيمًا غَمَرَهُ كُلَّهُ. ولا نَقرأُ أنَّ هذا قِيْلَ عنِ الشَّعب. لذا فقد كانَ المجدُ الَّذي رآهُ مُوسى مجدًا عظيمًا لأنَّهُ انتقلَ إليه. ولكِنْ حينَ رأى الشَّعبُ ذلكَ المجدَ فيه، لم يَنتقل إليهم.

لِذا، عندما نَتَتَبَّعُ نفسَ المَثَلِ التوضيحيِّ فإنَّ بولسَ يقول إنَّهُ على غِرارِ مُوسى، عندما يَدخلُ المرءُ إلى حَضرةِ الربِّ، أيْ عندما يَهتدي إلى المسيح، فإنَّ البُرقُعَ يُرْفَعُ فيَرى المجدَ مُباشرةً. فعندما يَنظرُ الخُطاةُ إلى مَجْدِ اللهِ في وجهِ يسوعَ المسيحِ فإنَّ البُرقُعَ يُرْفَع. فهو يُرفَع. وحينئذٍ فإنَّنا نَرى. والآن، افتحوا على العدد 6 مِنَ الأصحاح الرابع: "لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: «أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ»، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيح". ويا لَهُ مِنْ حَقّ! فعندما نأتي إلى المسيح، عندما نأتي إلى الربِّ يسوع، فإنَّ البُرقُعَ يُرفَع، والمَجْدُ يَظهرُ بوضوح، ومعرفة مَجْد الله تُشرِق في قُلوبِنا في وجهِ يسوعَ المسيح.

وقد كَتَبَ "فيليب هيوز" (Phillip Hughes) عن هذا الموضوع فقال: "هُناكَ نُورٌ إضافِيٌّ يُسَلَّط على هذا النَّصِّ حينَ نتأمَّلُ في ما حدثَ في حادثةِ تَجَلِّي المسيح. فعلى ذلكَ الجبل المُرتفِع، ظَهَرَ مُوسى وإيليًّا معَ المسيح، ولكِنَّ المسيحَ وَحْدَهُ هو الَّذي تَجَلَّى بِنورٍ سَماويٍّ أمامَ أعيُنِ بُطرس ويَعقوب ويوحنَّا. وقد أَضَاءَ وجْهُهُ كالشَّمس وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّور. وَلَهُ وَحْدَهُ قالَ صَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ: ’هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ‘". ويقولُ "هيوز": "بعدَ ذلك، رأى التَّلاميذُ أنَّهُ لا يوجد أحد يُخَلِّص سِوى يَسوع. فهو الَّذي يَتَمَتَّعُ بمجدٍ دائم. أمَّا مُوسى وإيليًّا فقد عَكَسا مَجْدًا ليسَ لَهُما. ولكِنَّ مجدَ المسيح هو المجد الَّذي كانَ لَهُ معَ الآبِ قبلَ تأسيسِ العالم.

وكما أنَّ المجدَ الَّذي ظَهَرَ في وجهِ مُوسى في البريَّة كانَ انعكاسًا لمجدِ يَهوه، هذا هو ما حدثَ أيضًا على جبلِ التَّجَلِّي إذْ إنَّ المجدَ الَّذي كان مُحاطًا بِهِ هو مَجْدُ نفسِ الإلَه. فالمسيحُ وحدُهُ هو المجدُ الكامل والدَّائم والإنجيليّ. وإنْ تَهتدي إليه يَعني أنْ تَهتدي إلى نُورِ العالم. وأنْ تَتبَعَهُ لا يعني أنْ تَمشي في الظُّلمة، بل أنْ يكونَ لَكَ نُورُ الحياة". لِذا فإنَّهُ يقولُ إنَّهُ عندما يَهتدي المرءُ إلى الربِّ فإنَّ البُرقُعَ يُرفَعُ حالًا مِنْ قِبَلِ اللهِ. فالفَهْمُ السَّليمُ يَغْمُرُ النَّفسَ، والإنجيلُ يَصيرُ واضحًا، والبُرقُعُ يُرفَع. لِذا فإنَّ بولسَ يُشيرُ مَرَّةً أخرى في أقوى حُجَّةٍ مُمْكِنَةٍ إلى هذا المَثَلِ التوضيحيِّ الَّذي جاءَ في سِفْر الخُروج.

واسمعوا ما جاءَ في رسالة رومية 10: 4: "لأَنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِيَ: الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ". لأَنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِيَ: "الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ." فالعهدُ الجديدُ هو عَهْدٌ مُتَفوِّق. وَهُوَ عهدٌ أفضل. بل هُوَ عهدٌ أفضل جدًّا. وَهُوَ عهدٌ قابلٌ للمُقارنة. لهذهِ الأسبابِ جَميعًا، فإنَّ بولسَ يَقولُ إنَّهُ يُعطينا حياةً (في حين أنَّ العهدَ الآخرَ كانَ قاتِلاً). وهو يُنْشِئُ بِرًّا (في حين أنَّ العهدَ الآخرَ يُظْهِرُ بِبَساطَة فَداحَةَ خَطيئَتَنا). وهو دائمٌ (في حين أنَّ العهدَ الآخرَ كانَ زائلاً). وهو يُعطي رجاءً (في حين أنَّ العهدَ الآخرَ كانَ عَديمَ الرَّجاء). وهو واضحٌ (في حين أنَّ العهدَ الآخرَ كانَ مَحجوبًا ومُخَبَّئًا في صُوَرٍ ورُموزٍ). والعهدُ الجديدُ يَتَمَرْكَزُ حولَ المسيح.

فهو يقول (في العدد 14) إنَّ البُرْقُعَ يُرْفَعُ في المَسيح. ثُمَّ نقرأُ في العدد 16: "وَلكِنْ عِنْدَمَا يَرْجعُ [المَرْءُ] إِلَى الرَّبِّ يُرْفَعُ الْبُرْقُعُ". ويا لَهُ مِنْ مَقطعٍ رائعٍ جدًّا! والآنْ، اسمعوني: سوفَ نتوقَّفُ عندَ هذه النُّقطة، ولكِنَّ بعضَ الأشخاصِ طَرَحوا عليَّ سُؤالًا وَهُوَ: "ما هو دَوْر الرُّوح القُدُس في هذا كُلِّه؟" وتحديدًا: "ما هو دور الرُّوح القُدُس في العهد القديم؟" فهلِ تَجَدَّدَ النَّاسُ؟ هلِ اختَبروا الولادةَ الجديدة؟ هلْ وُلِدوا ثانيةً؟ هلِ امتلأوا بالرُّوحِ القُدُس؟ وهل حصلوا على قُوَّةِ الرُّوح القُدُس؟ ماذا كانَ دَوْرُ الرُّوح القُدُس؟ لاحِظوا أنَّ العدد 17 يتحدَّثُ عن ذلك. لِذا، في يومِ الأحدِ القادِم، سَنَخْتِمُ دراسَتَنا بالجُزءِ السَّادِس. ولم أَكُنْ أتوقَّعُ أنْ تَمتدَّ الدِّراسةُ إلى هذا الحَدّ، ولكِنَّ الأمورَ تَسيرُ على ما يُرام. وسوفَ نتحدَّثُ عن دَوْرِ الرُّوحِ القُدُس في العهد القديم وفي العهد الجديد أيضًا.

وعندما أتوقَّفُ وأُفَكِّرُ في نِعمةِ اللهِ ورحمتِه تُجاهي (وأنا أَعلمُ أنَّكم تَشعرونَ بالمشاعر نفسِها)، فإنَّني أُدْهَشُ جِدًّا. فيا لَهُ مِنْ عَهْد! يا لَهُ مِنْ عَهْد! والآن، أَخبروني: مَنْ هُوَ الأحمَق الَّذي يَكْرِزُ بديانَةٍ طَقسيَّة؟ ومَنْ هوَ الأحمقُ الَّذي يَكرِزُ بأيِّ شيءٍ غير إنجيل يسوعَ المسيح الَّذي هُوَ قُوَّةُ اللهِ للخلاص لِكُلِّ مَنْ يُؤمِن: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ؟ ومَنْ هو الأحمق الَّذي يُريدُ أنْ يَعْتَنِقَ بِدعةً مَلعونَةً وخِدعةً مَلعونَةً في حين أنَّهُ يَمْتَلِكُ هذه الحقيقة العظيمة؟ لِذا فإنَّني أُحَذِّرُكم، يا أحبَّائي، ألَّا تَسمحوا لأنفسِكم أنْ تَقَعوا ضَحِيَّة أيِّ دِيانة تُنادي بالخلاصِ مِنْ خلالِ الأخلاق، أوِ الخلاصِ مِن خلالِ الطُّقوسِ أوِ الشَّعائرِ أوِ المظاهرِ الخارجيَّة. ورجاءً، لا تَفترِضُوا البَتَّة أنَّ أيَّ شخصٍ مُنْغَمِسٍ في ذلك هو مُؤمِن.

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما قُلْتَهُ قبلَ بِضعة أسابيع عن ذلكَ الاتِّفاقِ (أيِ الاتِّفاقِ الإنجيليِّ-الكاثوليكيِّ) الَّذي ينَصُّ على أنْ يَعترفَ المَسيحيُّونَ الإنجيليُّونَ بخطيئة تبشير الرُّوم الكاثوليك، وأنْ يَطلُبوا الغُفران. وبعدَ أنْ قُلتُ ذلك في تلكَ الخِدمة، جاءَ إليَّ رَجُلٌ وزوجَتُهُ وَهُما يَبْكيان ويقولان إنَّهُما شَعَرا بالرُّعب لأنَّهُ لَوْلا أنَّ شخصًا جاءَ إليهما وقَدَّمَ إلَيهِما إنجيلَ يسوعَ المسيحِ الصَّحيح حينَ كانا مُسْتَعْبَدَيْنِ للكاثوليكيَّة، لكانا الآنَ في طَريقِهِما إلى جَهَنَّم. لِذا، لا تَفترضوا لَحظةً أنَّ هناكَ أيَّ خَلاصٍ لأيِّ شخصٍ، أوْ أنَّهُ كانَ هُناكَ خَلاصٌ لأيِّ شخصٍ، مِنْ خلالِ الأعمالِ أوِ البِرِّ أوِ الطُّقوس. وأنا لا أُبالي بنوعيَّةِ تلكَ الطُّقوس، أو بنوعيَّةِ الأعمالِ الأخلاقيَّة أوِ الأعمالِ الدينيَّة.

فالخلاصُ بالنِّعمة فقط، مِنْ خلالِ الإيمانِ فقط بيسوعَ المسيحِ فقط. وسوفَ نَكْرِزُ بتلكَ الرِّسالة للأشخاصِ غيرِ المُتديِّنين، وللأشخاصِ المُتديِّنين، وللأشخاصِ المُستعبدينَ للأنظمة الدينيَّة الوثنيَّة، والمُستبعَدينَ للأنظمة الدينيَّة المسيحيَّة على أَمَلِ أنْ يَفهمَ الجميعُ طَريقَ الخلاصِ الصَّحيح. آمين؟

دَعونا نَحْني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي: نحنُ مُمْتَنُّونَ جِدًّا، يا إلَهَنا، لأنَّكَ رَفَعْتَ البُرقُعَ، ولأنَّكَ سَمَحتَ لنا أنْ نَرى مَجدَ المسيح. ونحنُ نَشكُرُكَ لأنَّكَ وَهْبَتنا حَياةً، ولأنَّكَ أعطيتَنا بِرًّا، ولأنَّ ما فَعلتَهُ لأجلِنا دائمٌ ويَدومُ إلى الأبد، ولأنَّكَ مَلأتَنا بالرَّجاء، ولأنَّكَ غَمَرْتَنا بِنورِ المسيحِ وجَعَلْتَنا نَنظُر إلى مَجْدِه.

فلم يَعُد هناكَ شيءٌ مَحجوب. بل إنَّنا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوف. يا أبانا، "نحنُ نَعلمُ أنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفاء، ولَيْسَ كَثِيرُونَ أقوياء، وَبِكُلِّ تأكيد، ليسَ كثيرونَ حُكماء؛ بَلْ نحنُ المُزْدَرَى وَغَيْر المَوْجُود. ولكِنَّنا نَفهمُ ما لا تَفْهَمُهُ النُّخبة الدِّينيَّة في العالم. ونحنُ نَرى المَجْدَ المَحجوبَ بالنِّسبة إليهم. ورَحْمَةٌ كهذهِ تَغْمُرُنا. ونحنُ نَشكُرُكَ ونُسَبِّحُكَ على ذلك في اسْمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize