Grace to You Resources
Grace to You - Resource

حَسَنًا! لِنَفْتَحْ كُتُبَنا المُقَدَّسَةَ وَلْنَصْرِفْ وَقْتًا في دِراسَةِ كَلِمَةِ اللهِ. لِنَفْتَحْ على الأصْحاحِ الخَامِسِ مِنْ رِسالَةِ تَسالونيكي الأولى ... الأصْحاحِ الخَامِسِ مِنْ رِسالَةِ تَسالونيكي الأولى. فَقَدِ ابْتَدَأنا في يومِ الأحدِ المَاضِي وَسَنُكْمِلُ في هَذا الصَّباحِ دِراسَةَ العَدَدَيْن 12 و 13. وَاسْمَحُوا لي أنْ أَقْرَأَ هَاتينِ الآيَتَيْنِ لَكُمْ – 1تَسالونيكي 5: 12 و 13: "ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَعْرِفُوا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ بَيْنَكُمْ وَيُدَبِّرُونَكُمْ فِي الرَّبِّ وَيُنْذِرُونَكُمْ، وَأَنْ تَعْتَبِرُوهُمْ كَثِيرًا جِدًّا فِي الْمَحَبَّةِ مِنْ أَجْلِ عَمَلِهِمْ. سَالِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا".

إنَّ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ تَتَحَدَّثانِ عَنْ كَيْفَ يَنْبَغي للرَّعِيَّةِ أنْ تُعامِلَ الرَّاعي، وَكَيْفَ يَنْبَغي للرُّعاةِ أنْ يُعامِلُوا الرَّعِيَّةَ في إطارِ الشَّرِكَةِ المَسيحيَّةِ في الكَنيسَة. وَرُبَّما تَذْكُرونَ أنَّنا تَحَدَّثْنا يومَ الأحدِ المَاضي عَنْ مَسؤوليَّةِ الرَّاعي تُجاهُ الخِرافِ، وكيفَ يَنْبَغي للرُّعاةِ أنَّ يَعْتُنوا بِخِرافِهِمْ. وَلا شَكَّ أنَّ تلكَ الرِّسالَةَ كانَتْ قَريبَةً مِنْ قَلْبي بِصِفَتي رَاعِيًا لَدَيْهِ رَعِيَّةٌ وَمَسؤوليَّةٌ أمامَ اللهِ في أنْ يَقومَ بِهَذِهِ الرِّعَايَةِ. وَقَدْ كانَتْ تلكَ الرِّسالَةُ تُعَبِّرُ أيضًا عَنْ قُلوبِ جَميعِ الرُّعاةِ وَالشُّيوخِ في كَنيسَةِ النِّعْمَةِ (Grace Church).

وَبَيْنَما كُنْتُ أَتَأمَّلُ في الأشياءِ الَّتي قُلْتُها في الأسبوعِ المَاضي، وفي المَسؤوليَّاتِ، وفي الأفْراحِ، وفي الصُّعوباتِ، وفي التَّجارِبِ، وفي الضِّيقاتِ، والمَشَقَّاتِ الَّتي تُرافِقُ عَمَلَ الرَّاعي، تَذَكَّرْتُ أنَّهُ قَبْلَ بِضْعَةِ أشْهُرٍ كُنَّا أنا وَ "فِل جُونسون" (Phil Johnson) نَتَناوَلُ طَعامَ الغَداءِ، فَقالَ لي: "أَتَدْري يا ’جُون‘ أنَّهُ يَجِبُ عليكَ أنْ تَكْتُبَ مَقالَةً افْتِتاحِيَّةً أُخرى لِمَجَلَّةِ "ماستربيس" (Masterpiece Magazine) الَّتي سَتَصْدُرُ قَريبًا جِدًّا؟ فَما المَوْضُوعُ الَّذي تُحِبُّ أنْ تَكْتُبَ مَقالَةً افْتِتاحِيَّةً عَنْهُ؟" وَبَيْنَما كُنْتُ أَتَناوَلُ شَطيرَةَ الدَّجاجِ في الشَّارِعِ، قُلْتُ: "أَتَدْري يا ’فِل‘ أنِّي أُحِبُّ أنْ أكْتُبَ مَقالَةً عَنْ سَبَبِ كَوْني رَاعِيًا لِكَيْ يَعْرِفَ الجَميعُ أنَّهُ مَهْما كانِت الهَيْئَةُ الَّتي أَبْدُو عليها في العَالَمِ الخَارِجِيِّ، فإنَّ جَوْهَرَ كُلّ شَيءٍ هُوَ الرِّعايَة. وَهَذا هُوَ مَا دَعَاني اللهُ إلى القِيامِ بِهِ. وَهَذا هُوَ حَقًّا ما أَنا عَليهِ".

فَقال: "حسنًا! وكيفَ سَتَفْعَلُ ذلك؟" قُلْتُ: "مَاذا لَوْ كَتَبْتُ مَقالَةً عَنِ الأسْبابِ العَشْرَةِ الَّتي تَجْعَلُني رَاعِيًا؟" وَقَدْ ذَكَرْتُ الكَلِمَة ’عَشْرَةَ‘ دُوْنَ تَفْكيرٍ". فَقال: "وَهَلْ يُمْكِنُكَ أنْ تُفَكِّرَ في عَشَرَةِ أسْبابٍ؟" فقلتُ: "أَعتقدُ أنِّي أسْتَطيعُ ذلك. هَلْ لَدَيْكَ قَلَمٌ؟" وقدِ ابْتَدَأَ في الكِتابَةِ بينَما رُحْتُ أَذْكُرُ عَشَرَةِ أَسْبابٍ تَجْعَلُني رَاعيًا. وقد صَارَ ذلكَ مَقالَةً نُشِرَتْ في العَدَدِ الأخيرِ مِنْ مَجَلَّةِ "ماستربيس"، في الجُزْءِ الافْتِتاحِيِّ الَّذي أَكْتُبُ فيهِ دائمًا مَقالَةً.

وَكُنْتُ قَدِ ابْتَدَأتُ في التَّفْكيرِ في هذا المَوْضوعِ في الأصْلِ عِنْدَما قَرَأتُ سِيْرَةَ حَياةِ "جوناثان إدواردز" (Jonathan Edwards) الَّتي كَتَبَها "إيان مُوراي" (Ian Murray) إذْ تَعَرَّفْتُ على جَميعِ المَشَقَّاتِ الَّتي وَاجَهَها في كَنيسَتِهِ. فَقَدْ كانَ يَرْعَى كَنيسَةً، ولكِنَّهُمْ طَرَدوهُ بِقَرارٍ مِنَ الأغلبيَّةِ بَعْدَ كُلِّ ذلكَ الوَقْتِ الَّذي صَرَفَهُ في خِدْمَةٍ مُبارَكَةٍ. فقد كانَ "جوناثان إدواردز" القائِدَ الرَّئيسيَّ للنَّهْضَةِ الأمريكيَّةِ العَظيمَةِ، وَلأعْظَمِ انْتِعاشٍ حَدَثَ للأُمَّةِ. وَلَكِنْ يَبْدو أنَّ كَنيسَتَهُ لَمْ تَأخُذْ ذلكَ في الحُسْبانِ.

وَمَعَ أنَّهُ مَضَى عَلى كَوْني رَاعِيًا نَحْوَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرينَ سَنَة وَلا أَتَوَقَّعُ مَصِيْرًا كَهَذا، فَإنِّي أَعْلَمُ مَعْنى أنْ يَتَعَرَّضَ الرَّاعي للنَّقْدِ. وَأنا أَعْلَمُ مَعْنى أنْ يَكونَ مُعَرَّضًا دائمًا للاتِّهامِ مِنْ دَاخِلِ الكَنيسَةِ وَخارِجِها. وَصَدِّقُوني أنَّهُ جَاءَتْ أوْقاتٌ كَانَتْ فيها فِكْرَةُ تِرْكِ الكَنيسَةِ تُراوِدُ فِكْري. وَقَدْ كانَ هُناكَ سُؤالٌ يَطْرَحُ نَفْسَهُ دَائِمًا وَهُوَ: "لِمَ لا تَتْرُكُ كَنيسَةَ النِّعْمَةِ وَتَفْعَلَ شَيْئًا آخَرَ؟" ولكِنِّي لم أُفَكِّرْ طَويلًا أوْ جِدِّيًّا في القِيامِ بذلكَ لأنِّي أُحِبُّ دَعْوَةَ اللهِ لي، ولأنِّي أُحِبُّ مَكاني، ولأنِّي أُحِبُّ رَعِيَّتي. لذلكَ فقد بَقِيْتُ مُكَرَّسًا تَمامًا وَمِنْ كُلِّ قَلْبي لِخِدْمَتي الرَّعويَّة. وَهُناكَ العَديدُ مِنَ الأسْبابِ الَّتي دَفَعَتْني إلى ذلك. واسْمَحُوا لي أنْ أَذْكُرَ لَكُمْ بإيْجازٍ هَذِهِ الأسْبابَ العَشَرَةَ الَّتي جَعَلَتْني قِسًّا، أوِ الَّتي جَعَلَتْني رَاعِيًا.

أوَّلًا، الكَنيسَةُ هِيَ المُؤسَّسَةُ الوَحيدَةُ الَّتي وَعَدَ المَسيحُ أنْ يَبْنيها وَأنْ يُبارِكَها. فقد قال: "أَبْنـِــي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا". وَأنا أَجِدُ تَعزيةً عَظيمَةً وَثِقَةً كَبيرَةً في حَقيقَةِ أنِّي جُزْءٌ مِنْ أَعْظَمِ مُؤسَّسَةٍ على وَجْهِ الأرْضِ، وَهِيَ الكَنيسَةُ المَحَلِّيَّةُ. وَأنا أَشْكُرُ اللهَ على أنِّي أَقُوْمُ بِدَوْرٍ صَغيرٍ في عَمَلِ الرَّبِّ العَظيمِ في بِناءِ الكَنيسَةِ.

ثانيًا، أنا رَاعٍ لأنَّ وَظائِفَ الجَسَدِ بِأسْرِها تَحْدُثُ في الكَنيسَةِ. فَما أنْ تَخْرُجوا خَارِجَ الكَنيسَةِ حَتَّى تَنْفَصِلونَ عَنْ مَكانِ الاحْتِفالِ، وَمَكانِ العِبادَةِ، وَمَكانِ مَائِدَةِ الرَّبِّ، وَمَكانِ المَعْمودِيَّةِ، وَمَكانِ التَّشْجيعِ، وَمَكانِ البُنْيانِ، وَمَكانِ التَّعْليمِ. وَإذا كُنَّا سَنَأتي كَما قالَ المُرَنِّمُ، وَنَعْبُدُ وَنَسْجُدُ، وَإنْ كُنَّا سَنَأتي للاشْتراكِ في مِائِدَةِ الرَّبِّ، وَإذا كُنَّا سَنَأتي إلى مِياهِ المَعْمودِيَّةِ، وَإذا كُنَّا سَنَأتي مِنْ أجْلِ الحُصولِ على الطَّعامِ الرُّوحِيِّ، وَالتَّعَلُّمِ، والتَّغذيةِ، وَالتَّلْمَذَةِ، وَمِنْ أجْلِ التَّمَتُّعِ بِغِنى الشَّرِكَةِ، فإنَّ هَذا كُلَّهُ يَحْدُثُ في الكَنيسَةِ المَحَلِيَّةِ.

ثالثًا، أنَا رَاعٍ لأنَّ الوَعْظِ هُوَ الوَسيلَةُ الرَّئيسيَّةُ الَّتي يَسْتَخْدِمُها اللهُ لِإسْباغِ نِعْمَتِهِ. فالرَّسولُ بولُسُ يُوْصي تيموثاوُسُ بأنْ يَعِظَ بالكَلِمةِ. فَمِنْ خِلالِ الوَعْظِ بالكَلِمَة، وَمِنْ خِلالِ المُناداةِ بالكَلِمَةِ يَتِمُّ تِغْذِيَةُ الرَّعِيَّةِ، وَبُنْيانُها، وَتَشْجيعُها، وَتَقْوِيَتُها، وَتَحْفيزُها، وَمُواجَهَتُها، وَتَبْكيتُها، وَتَوْبيخُها، وَإنذارُها، وَرَدُّها. وَقَدْ أَعْطاني اللهُ هذا الامْتيازَ بأنْ أَعِظَ بِرِسَالَتِهِ كُلَّ يَوْمِ أَحَد، مَرَّةً في الصَّباحِ، وَمَرَّةً في المَساءِ. وَأَقولُ بِصَراحَةٍ أنَّ السَّبَبَ في وُجودِ خِدْمَة مَسائيَّة يَوْمَ الأحَدِ هُوَ أنَّنا نُريدُ فُرْصَةً أُخرى للمُناداةِ بذلكَ الحَقِّ وَبِكُلِّ تلكَ الأشياءِ المُرافِقَة لَهُ.

رابعًا، أنا رَاعٍ لأنِّي قَادِرٌ أنْ أَنْهَمِكَ في الدِّراسَةِ وَالشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ طَوالَ حَياتي. فَأنا لا أُطيقُ الانْهِماكَ في الأُمورِ الإدارِيَّةِ والتَّنْظيميَّةِ، وَلا أنْ أَنْشَغِلَ في الأُمورِ الثَّانَوِيَّةِ وَالأمورِ التَّافِهَةِ، وَالتَّفاصيلِ البَعيدَةِ عَنْ كَلِمَةِ اللهِ لأنِّي مُنْهَمِكٌ جِدًّا في الأُمورِ المُخْتَصَّةِ بالكِتابِ المُقَدَّسِ. وَقَدْ سَألَني أَحَدُ الأشخاصِ هَذا السُّؤالَ في الأسْبوعِ المَاضي: "مَا الَّذي يَدْفَعُكَ؟" فَقُلْتُ: "إنَّها مَحَبَّتي لِكَلِمَةِ اللهِ. فَهَذا هُوَ مَا يَدْفَعُني". وَحَقيقَةُ أنِّي أسْتَطيعُ أنْ أَصْرِفَ حَياتي كُلَّها في القِيامِ بِما أُحِبُّ القِيامَ بِهِ هِيَ حَقيقَةٌ مُدْهِشَةٌ جِدًّا. وَقَدْ كُنْتُ أَتَحَدَّثُ إلى لاعِبِ كُرَةِ سَلَّةٍ مُحْتَرِفُ قَبْلَ بِضْعَةِ أسابيعَ فَقُلْتُ: "مَا الشَّيءُ الَّذي تُحِبُّهُ أكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ فيما تَقومُ بِهِ؟" فَقال: "الشَّيءُ أُحِبُّهُ أكْثَرَ مِنْ أيِّ شَيءٍ آخَرَ فيما أَقومُ بِهِ هُوَ أنِّي أَفْعَلُ مَا أُحِبُّ أنْ أَفْعَلَهُ". وَهَذا يَصُحُّ عَلَيَّ أنا أيضًا.

والحَقيقَةُ هِيَ أنَّ مَا أُحِبُّ القِيامَ بِهِ يَقودُني إلى الشَّرِكَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالخَاصَّةِ والدَّائِمَةِ مَعَ اللهِ عَبْرَ صَفَحاتِ الكِتابِ المُقَدَّسِ. إنَّ الدُّكْتور "رُوسْكَب" (Rosscup) هُوَ جُزْءٌ مِنْ كُلِّيَّةِ اللَّاهوتِ خَاصَّتِنا. وَهُوَ يَكْتُبُ كِتابًا عَنِ الوَعْظِ التَّفْسيرِيِّ. وَهُوَ كِتابٌ نَنْتَظِرُهُ بِشَوْقٍ شَديد. وَهُوَ يَكْتُبُ فَصْلًا عَنِ الصَّلاةِ والوَعْظِ التَّفْسيرِيِّ. وَقَدْ كَتَبَ إلَيَّ مُلاحَظَةً صَغيرَةً قالَ فيها: "أَلا كَتَبْتَ لي فَقْرَةً أوْ أكْثَر عَنْ دَوْرِ الصَّلاةِ في تَحْضيرِكَ". وَقَدْ كَانَ مِنْ دَواعي سُروري أنْ أَكْتُبَ لَهُ مُسَوَّدَةً، وَهِيَ مَا تَزالُ على مَكْتَبي بانْتِظارِ تَنْقيحِها يَوْمَ غَدٍ أوْ قَريبًا. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ الصَّلاةَ لا تَنْفَصِلُ عَنِ الاسْتِعْدادِ أوِ التَّحْضير.

فَلا يُمْكِنُني خِلالَ فَتْرَةِ التَّحْضيرِ أنْ أَنْفَصِلَ عَنِ التَّحَدُّثِ المُستمرِّ مَعَ اللهِ - لأنِّي أُريدُ أنْ أَعْرِفَ فِكْرَهُ، وَقَلْبَهُ، وَمَشيئَتَهُ، وَأريدُ أنْ أُطَبِّقَ في قَلْبي كُلَّ ما أَدْرُسَهُ، وَأَتَعَلَّمَهُ، وَمَا سَأَعِظُ بِهِ عَاجِلًا أَمْ آجِلًا. فَأنْتُمْ تَرَوْنَ الجَانِبَ العَامَّ فِيَّ، ولَكِنْ هُناكَ جَانِبًا خَاصًّا مِنِّي يَعْرِفُهُ اللهُ، وَلا يَعْرِفُهُ سِوى الله. فأنْتُمْ تَرَوْنَني مُدَّةَ سَاعَتَيْنِ يَوْمَ الأَحَدِ: سَاعَةً في الصَّباحِ وَسَاعَةً في اللَّيْلِ إنْ كُنْتُمْ رُوْحَانِيِّينَ حَقًّا. وَأنْتُمْ تَرَوْنَني سَاعَةً واحِدَةً فقط إنْ لم تَكونوا رُوْحَانِيِّينَ. وَهَذا بَعيدٌ جِدًّا عَنِ الثَّلاثينَ سَاعَة، وَهِيَ الحَدُّ الأدْنى مِنَ السَّاعاتِ الَّتي أَصْرِفُها في الشَّرِكَةِ الشَّخصيَّةِ مَعَ اللهِ وَفي التَّحْضيرِ لهذهِ السَّاعَةِ أوِ السَّاعَتَيْنِ الَّتي تَرَوْنَني فيها. وَهَذا فَرَحُ الخِدْمَةِ، وَحُبُّ الخِدْمَةِ، وَشَغَفُ الخِدْمَةِ.

خَامِسًا، أنا رَاعٍ لأنِّي مَسؤولٌ مُباشَرَةً أمامَ اللهِ عَنْ حَياةِ النَّاسِ الذينَ ائْتَمَنَني على رِعايَتِهِم. وأنا أُحِبُّ تلكَ المَسْؤولِيَّة. فأنا لا أُمانِعُ في أنْ أُعَلِّمَ مِنْ خِلالِ بَرْنامَجٍ إذاعِيٍّ. وَأنا لا أُمانِعُ في تَأليفِ الكُتُبِ. وَأنا لا أُمانِعُ في إرْسالِ كَلامي إلى أُناسٍ لا أَعْرِفُهُمْ – سَواءٌ سَمِعوني على الإذاعَةِ أوْ سَمِعوني على شَريطٍ، أوْ قَرَأوا كِتابًا مِنْ كُتُبي. ولكِنَّ عَلاقَتي بِرِعَيَّتي تُشْبِهُ عَلاقَةَ الرَّاعي بِالخِرافِ. وَقَدْ أَعْطاني اللهُ هَذا الامْتيازَ وَدَعاني لَلسَّهَرِ على نُفوسِ هؤلاءِ لأنِّي سَأُقَدِّمُ حِسَابًا للهِ. والطَّريقَةُ الوَحيدَةُ الَّتي يُمْكِنُني مِنْ خِلالِها أنْ أقومَ بتلكَ الدَّعْوَةِ هِيَ مِنْ خِلالِ الكَنيسَةِ المَحَلِّيَّةِ. فلا يُمْكِنُني أنْ أَكونَ مَسؤولًا عَنْ حَياةِ النَّاسِ مِنْ خِلالِ بَرْنَامَجٍ إذاعِيٍّ. وَلا يُمْكِنُني أنْ أَكونَ مَسؤولًا عَنْ حَياةِ النَّاسِ الذينَ يَسْتَمِعونَ إلَيَّ مِنْ خِلالِ شَريطٍ أوْ مِنْ خِلالِ قِراءَةِ كِتابٍ. ولَكِنْ يُمْكِنُني فقط أنْ أكونَ مَسؤولًا أمامَ اللهِ عَنْ نُفوسِ الخِرافِ الَّتي في رَعِيَّتي. فَقَدْ دُعِيْتُ إلى ذلكَ. وَأنا أُريدُ أنْ أكونَ أَمينًا لِتلكَ الدَّعْوَة.

سَادِسًا، أنا مَسؤولٌ أيضًا أمامَ اللهِ تُجاهَ النَّاسِ في كَنيسَتي. فأنا لَسْتُ مَسْؤولًا فقط أمامَ اللهِ عَنْ أَفْرادِ رَعِيَّتي، بَلْ أنا مَسؤولٌ أيْضًا تُجاهَ رَعِيَّتي مِنْ جِهَةِ أنْ يَكونوا أُمَناءَ تُجاهَ اللهِ. فَكُلُّ شَيْءٍ وَاضِحٌ أَمامَ أعْيُنِكُمْ. فَبَعْدَ نَحْوِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرينَ سَنَةً (إذْ إنَّني سَأحْتَفِلُ بالذِّكرى السَّنويَّةِ الثَّانيةِ والعِشْرينَ في التَّاسِعِ مِنْ شَهْرِ شباط/فبراير)، فَفي كُلِّ هَذِهِ السِّنين، كُلُّ شَيءٍ وَاضِحٌ أمَامَكُمْ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَكْشوف. وَهَذا يَشْمَلُ الأشياءَ المُخْتَصَّةَ بِزَوْجَتي، وَأبنائي، وَحياتي العائليَّة، وَجَوانِبِ قُوَّتي الشَّخصيَّة، وَجَوانِبِ ضَعْفي، والأشياءِ الَّتي أُحِبُّها، وَالأشياءِ الَّتي لا أُحِبُّها، وَأسْلوبِ حَياتي. فَكُلُّ شَيءٍ مَكْشُوفٌ أمامَ أعْيُنِكُمْ. وَأنا أُحِبُّ جِدًّا تلكَ المُسَاءَلَة.

وَقَدْ تَقولونَ: "لِماذا؟" لأنَّها تَجْعَلُني أَحْسِبُ حِسَابًا دَائِمًا. وَهِيَ تُشَجِّعُني دائمًا على عَكْسِ نُوْرِ المَسيحِ في كُلِّ شَيْءٍ أَقولُهُ أوْ أَفْعَلُهُ لأنَّ هَذِهِ هِيَ الطَّريقَةُ الوَحيدَةُ الَّتي يُمْكِنُني فيها أنْ أُدَعِّمَ الرِّسالَةَ. فالنَّاسُ قَدْ يَسْمَعوني على الإذاعَةِ، ولكِنَّهُمْ لا يَعْرِفونَ شَيْئًا عَنْ مَحَبَّتي. وَهُمْ قَدْ يَسْمَعونَ شَريطًا، أوْ يَقْرَأونَ كِتابًا، ولكِنَّهُمْ لا يَعْرِفونَ شَيْئًا عَنْ نَمَطِ حَياتي. وَلَكِنَّكُمْ تَعْرِفون. وَأنا أَعْلَمُ أنَّكُمْ تَعْرِفون. وَهَذا النَّوْعُ مِنَ المُسَاءَلَةِ جَيِّدٌ جِدًّا جِدًّا بالنِّسْبَةِ إلَيَّ.

سَابِعًا، أَنا رَاعٍ لأنِّي أُحِبُّ التَّحَدِّي المُتَمَثِّلَ في تَشْكيلِ فَريقٍ قِيادِيٍّ فَعَّالٍ مُؤلَّفٍ مِنَ الأشْخاصِ الَّذينَ وَضَعَهُمُ اللهُ في الكَنيسَةِ. وَأنا أُوْمِنُ حَقًّا أنَّ إعْدادَ قائِدٍ فَعَّالٍ في الكَنيسَةِ هُوَ أصْعَبُ مَهَمَّةٍ على وَجْهِ الأرْضِ. وَهُناكَ أسْبابٌ عَديدَةٌ لذلك. وَواحِدٌ مِنْها، على سَبيلِ المِثالِ، هُوَ أنَّهُ عِنْدَما تَبْدَأُ مَشْروعًا تِجارِيًّا أوْ شَرِكَةً تِجارِيَّةً وَتَرْغَبُ في أنْ يَكونَ هَذا المَشْروعُ نَاجِحًا، يُمْكِنُكَ أنْ تُوَظِّفَ أيَّ شَخْصٍ تَشاء. وَلَكِنْ عِنْدَما تُريدُ أنْ تَبْني كَنيسَةً، يَجِبُ عليكَ أنْ تَقْبَلَ بِما يُعْطيهِ اللهُ. وَهَذا أمْرٌ مُخْتَلِفٌ جِدًّا ... مُخْتَلِفٌ جِدًّا. وَهِيَ مُؤسَّسَةٌ تَطَوُّعِيَّةٌ. لذلكَ فإنَّكَ لا تَكْتَفي بِما يُقَدِّمُهُ اللهُ، بَلْ إنَّكَ تَكْتَفي أيضًا بِما يُقَدِّمُهُ شَعْبُ اللهِ. وَفي خِضَمِّ هَذا التَّحَدِّي الصَّعْبِ، فإنَّكُمْ مَدْعُوُّونَ لِبناءِ فَريقٍ قِيادِيٍّ يَسْتَطيعُ أنْ يُسْهِمَ في امْتِدادِ مَلَكوتِ اللهِ.

وَبِصَراحَةٍ، أنا لا أَقولُ هَذا بِدافِعِ اليَأسِ، بَلْ أَقولُهُ لأنِّي أُريدُ مِنْكُمْ أنْ تَعْرِفوا أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَقولُ: "لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ". وَهَذا مَذْكُورٌ في رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى 1: 26. فَنَحْنُ في الأصْلِ أُناسٌ عَادِيُّونَ في هذا العَالَمِ. أليسَ كذلك؟ وأنا أشْكُرُ اللهَ مِرَارًا وَتَكْرارًا لأنَّهُ لَمْ يَضَعْني في كَنيسَةٍ تَحْوي أُناسًا يَظُنُّونَ أنَّهُمُ النُّخْبَة. وَأنا لَمْ أَرْغَبْ يَوْمًا في أنْ أَكونَ رَاعِيًا لِكَنيسَةٍ مُؤلَّفَةٍ مِنَ النُّخْبَةِ. بَلْ كُنْتُ أَرْغَبُ في أنْ أكونَ راعِيًا لكنيسَةٍ تَعْكِسُ جَانِبَ الصَّليبِ مِنْ جَسَدِ المَسيحِ بِمُجْمَلِه، وَإلى كَنيسَةٍ لا تَحْوي سِوى عَدَدًا قَليلًا مِنَ الأشْخاصِ الَّذينَ يَعْتَبِرُهُمُ العَالَمُ أقوياءَ أوْ شُرَفاءَ، لأنَّ ما يَهُمُّني هُوَ أنْ يَكونَ الأغلبيَّةُ مِنَّا أُمَناء. وَأنا أَرى نَفْسي واحِدًا مِنْ هَؤلاءِ. وَمِنْ دَواعي فَرَحِي أنْ أَرى رُوْحَ اللهِ يَبْني فَريقًا قِيادِيًّا وَأنْ يَسْتَخْدِمَ كَنيسَتَنا لانْتِشارِ مَلَكوتِهِ. وَيا لَهُ مِنْ تَحَدٍّ!

ثَامِنًا، أنا رَاعٍ لأنَّ الرِّعايَةَ تَضُمُ الحَياةَ كُلَّها ... الحَياةَ كُلَّها. وَلا أَدْري مَا رَأيُكُمْ في ذلكَ، ولَكِنِّي أُحِبُّ المُغامَرَةَ وَأُحِبُّ التَّنْويعَ. وَإذا أَرَدْتَ حَياةً حَافِلَةً بالمُغامَرَةِ والتَّنْويعِ، كُنْ رَاعِيًا. فَلا يُوْجَدُ يَوْمانِ مُتَشابِهانِ. لا يُوْجَدُ يَوْمَانِ مُتَشابِهان. فَأنا لَمْ أُخْلَقْ لأعْمَلَ كَالآلَة. فَلَوْ كُنْتُ كذلكَ لَكُنْتُ في مَكانٍ مَا تَحْتَ السَّريرِ أُرَدِّدُ أَحْرُفَ الهِجاءِ اليُونانِيَّةِ في غُضونِ أَسابيعَ قَليلَة لَوْ كُنْتُ أَعْمَلُ كَالآلَة. وَلَكِنَّ ذَلِكَ يُثيرَ جُنوني. فَعَقْلي يَتُوقُ إلى التَّنْويعِ. وَالسَّبَبُ في ذلكَ هُوَ أنَّ اللهَ خَلَقَني لِهَذِهِ الغَايَةِ. وَهَذا يَصُحُّ على الخِدْمَةِ. فَأنا أَتَقَبَّلُ الحَياةَ كُلَّها. وَأنا قادِرٌ على مُشارَكَةِ الأهْلِ فَرْحَتَهُمْ عِنْدَما يُرْزَقونَ بِطِفْلٍ. وَأنا قادِرٌ على مُشارَكَةِ الأهْلِ حُزْنَهُمْ عِنْدَما يَموتُ أَحَدُ أبنائِهِمْ. وَأنا قادِرُ على مُشارَكَةِ فَرَحِ الزَّواجِ. وَأنا قَادِرٌ على مُشارَكَةِ أَهْلِ المَيِّتِ حُزْنَهُمْ.

فَكُلُّ ما تَزْخُرُ بِهِ الحَياةُ مَكْشُوفٌ للرَّاعي. كُلُّ الأفْراحِ، والمَباهِجِ، وَالأوقاتِ السَّعيدَةِ في الحَياةِ، وَكُلُّ المَآسي، والصُّعوباتِ، والتَّجارِبِ، وَآلامِ الحَياةِ – إنَّها مُغامَرَةٌ مُدْهِشَةٌ يُمْكِنُ أنْ تَبْتَدِئَ في أيِّ لَحْظَةٍ لأنَّهُ في أيِّ وَقْتٍ قَدْ يَحْدُثُ أيُّ شَيْءٍ غَيْرِ مَألوفٍ. وَأنا مُشْتَرِكٌ في ذلكَ بِطَريقَةٍ مَا. وَإنَّهُ لِفَرَحٌ لي أنْ يَكونَ لِي دَوْرٌ خَارِجَ نِطاقِ العِظَة لأنَّ العِظَةَ هِيَ الجُزْءُ الَّذي يُمْكِنُ التَّكَهَّنُ بِهِ في الخِدْمَةِ. ولكِنِّي أُحِبُّ أنْ أَدْخُلَ نِطاقَ الأمورِ الَّتي لا يُمْكِنُ التَّكَهُّنُ بِها مِنْ خِلالِ الوُقوفِ في الثَّغْرِ نِيابَةً عَنِ اللهِ وَنِيابَةً عَنِ المَسيحِ في حَياةِ النَّاسِ.

وَأنا رَاعٍ لِسَبَبَيْنِ آخَرَيْنِ. تَاسِعًا، أنا أَخافُ ألَّا أَكونَ رَاعِيًا. وهذهِ هِيَ الحَقيقَة. عِنْدَما كُنْتُ في الثَّامِنَة عَشْرَة مِنْ عُمْري، سَمَحَ اللهُ بأنْ أُقْذَفَ مِنْ سَيَّارَةٍ تَسيرُ بِسُرْعَةِ تَزيدُ عَنِ المِئَةِ كيلومِتْرٍ في السَّاعَة وَأنْ أَسْتَقِرَّ على ظَهْري، وَأنْ أَنْزَلِقَ على الشَّارِعِ مَسافَةَ مِئَةِ مِتْرٍ. وَبِنِعْمَةِ اللهِ فإنِّي لَمْ أَمُتْ. وَبِنِعْمَةِ اللهِ، كَرَّسْتُ نَفْسي لأصِيْرَ رَاعِيًا لأنَّني كُنْتُ أَعْلَمُ قَبْلَ ذَلِكَ الحَادِثِ أنَّ اللهَ قَدْ دَعاني للقِيامِ بذلك. ولكِنِّي كُنْتُ مُتَمَرِّدًا. وقد قَرَّرْتُ أنَّهُ إنْ كانَ الرَّبُّ يُريدُ أنْ يَتَصَدَّى لي بهذهِ الطَّريقِةِ، فإنِّي سَأخْضَعُ لِمَشيئَتِهِ وَأكونُ رَاعِيًا أوْ أيَّ شَيءٍ آخَرَ يُريدُ مِنِّي أنْ أكون. وفي كُلِّ مَرَّةٍ أَحُكُّ فيها ظَهْري، أَشْعُرُ بالنُّدوبِ الَّتي تَرَكَها ذلكَ الحَادِث لأنَّها مَا تَزالُ مَوْجودَة لِتَذْكيري أنَّهُ يَجِبُ عليَّ أنْ أكونَ أمينًا لِخِدْمَتي الرَّعويَّةِ، وَإلَّا فَسَوْفَ يَكونُ هُناكَ طَريقٌ سَريعٌ آخَرُ في حَياتي في المُستقبل. وَلا بَأسَ في ذلك.

عَاشِرًا وَأخيرًا، أنا رَاعٍ لأنَّ المُكافآتِ الَّتي أَحْصُلُ عليها مِنْ هذهِ الخِدْمَةِ رَائِعةٌ بِحَقّ. وَيَنْبَغي أنْ أَقولَ لَكُمْ إنِّي أَشْعُرُ أنَّكُمْ تُحِبُّونَني، وَتُقَدِّرونَني، وَتَحْتاجونَ إلَيَّ، وَتَثِقونَ بي، إلخ، إلخ. لماذا؟ ليسَ لِشَيءٍ صَالِحٍ فِيَّ، بل لأنِّي أَداةٌ في يَدِ اللهِ لِتَغْييرِ حَياةِ النَّاسِ. فَعِنْدَما يَسْتَخْدِمُكَ اللهُ للوَعْظِ بِكَلِمَتِهِ، وَلِتَعْليمِ كَلِمَتِهِ، وَلِتَطْبيقِ كَلِمَتِهِ، فإنَّ حَياةَ النَّاسِ تَتَغَيَّرُ وَتَشْعُرُ بِقيمَةِ الحَياةِ الرَّائِعَةِ والمُدْهِشَةِ. فالحَياةُ قَيِّمَةٌ جِدًّا بالنِّسْبَةِ إلَيَّ بِسَبَبِ مَا يَسْتَخْدِمُها اللهُ لِتَحْقيقِهِ.

وَأنا أَعْلَمُ أنَّكُمْ تُصَلُّونَ لأجْلي. وَأنا أَعْلَمُ أنَّكُمْ تَهْتَمُّونَ بي. أنا أَعْلَمُ ذلك. وَأنا مَدينٌ بالامْتِنانِ للهِ على ذلكَ لأنِّي لا أسْتَحِقُّهُ. ولكِنِّي أَفْهَمُ ذلك. وَهَذا جُزْءٌ مِنْ كَوْنِ الرَّاعي قَناةً لتوصيلِ نِعْمَةِ اللهِ إلى النَّاسِ. ومَعَ أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَقومُ بالعَمَلِ كُلِّهِ، وَأنَّ رُوْحَ اللهِ هُوَ الَّذي يَقومُ بِكُلِّ هَذا العَمَل، عِنْدَما تُقَدِّمُونَ الشُّكْرَ للهِ فإنَّهُ يَمُرُّ بِطَريقَةٍ مَا مِنْ خِلالِ القَناةِ الَّتي جَاءَ مِنْها. وَهَذِهِ حَقيقَةٌ رَائِعَةٌ وَمُبْهِجَةً.

وَبَعْدَ كُلِّ مَا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ أوْ يُفْعَلَ، فإنَّ الفَرَحَ النَّاجِمَ عَنْ كَوْنِ المَرْءِ رَاعِيًا يَنْجُمُ عَنِ التَّجاوُبِ والمَحَبَّةِ المُتَبادَلَيْنِ بَيْنَ الخِرافُ والرَّاعي. وَأُريدُ أنْ تَعْلَموا أنَّهُ طَوالَ السِّنينِ الَّتي خَدَمْتُ فيها هُنا، لَمْ يَأتِ وَقْتٌ خَدَمْتُ فيهِ بِلا فَرَحٍ، وَلَمْ يَأتِ وَقْتٌ خَدَمْتٌ فيهِ بِلا شُعورٍ بالرِّضَا، ولم يَأتِ وَقْتٌ خَدَمْتٌ فيهِ وَأنا أَشْعُرُ بِغِيابِ المَحَبَّةِ. فَقَدْ أَحْبَبْتُموني دائِمًا، وَقَدْ شَجَّعْتُموني دائمًا. وَهذا التَّجاوبُ الَّذي أَبْدَتْهُ الرَّعِيَّةُ تُجاهَ الرَّاعي هُوَ الَّذي جَعَلَ هَذِهِ الخِدْمَةَ مُبْهِجَةً جِدًّا لي. وأعتقدُ أنَّ أيَّ شَخْصٍ في الخِدْمَةِ سَيَقولُ ذلك. وَبَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الأسْبابِ العَشَرَةِ الَّتي ذَكَرْتُها لَكُمْ، فإنَّ النُّقْطَةَ الجَوهريَّةَ هيَ أنِّي مَوْجودٌ في الخِدمةِ بسببِ المُكافآتِ العَظيمَةِ، وَهِيَ مُكافآتٌ أبديَّةٌ. فَهُناكَ قيمةٌ أبديَّةٌ للعَلاقةِ بينَ الرَّاعي وَخِرافِهِ – وَيا لَهُ مِنْ حَقٍّ جَليل!

وأعتقدُ أنَّ جَميعَ الرُّعاةِ في هذهِ الرَّعِيَّةِ، وَجَميعَ الشُّيوخِ في هذهِ الكنيسَةِ يُوافِقونَني الرَّأي في أنَّ فَرَحَ الخِدْمَةِ مُرْتَبِطٌ بِمَوْقِفِ الخِرافِ مِنَ الرَّاعي. فَعِنْدَما يَقومُ اللهُ بتوصيلِ الحَقِّ مِنْ خِلالي إليكُمْ، وَأنْتُمْ تَعمَلونَ على تَوْصيلِ الشُّكْرِ مِنْ خِلالي إليهِ، فإنَّ هَذا يُفْضي إلى فَرَحٍ عَظيمٍ. وَيَنْبَغي أنْ أَقولَ لَكُمْ أنَّ هَذا ليسَ شَيْئًا يَخْتَبِرُهُ الجَميع. فَالشَّوارِعُ المُؤدِّيَةُ إلى العَديدِ مِنَ الكَنائِسِ مَا زالَتْ تَحْمِلُ آثارَ عَجَلاتِ السَّيَّاراتِ المُسْرِعَةِ لِرُعاةٍ غَادَرُوا بِسُرْعَة بَعْدَ أنْ أُهينوا وَطُرِدُوا مِنْ قِبَلِ الرَّعِيَّةِ القَاسِيَةِ وَغَيْرِ الشَّكُورَةِ. وَلَكِنَّ هَذا لَمْ يَحْدُثْ لي.

وَلَكِنَّ هَذا يَطْرَحُ السُّؤالَ الَّذي يُجيبُ عَنْهُ النَّصُّ، وَهُوَ: كَيْفَ يَنْبَغي للرُّعاةِ أنْ يُعَامَلُوا؟ أيْ كَيْفَ يَنْبَغي لَكُمْ أنْ تُعامِلُوا الرَّاعي؟ وَأنا أُقَدِّمُ هَذِهِ العِظَةَ بِبَعْضِ التَّرَدُّدِ لأنَّ شَخْصًا مَا قَدْ يَقولُ بِكُلِّ تَأكيد: "يَبْدو أنَّ شَخْصًا مَا قَدْ ضَايَقَ ’جُون‘. لذلكَ فإنَّهُ يَعِظَ بهذهِ الرِّسالَةِ لِكَيْ يُوَبِّخَهُ". ولكِنَّ هَذا ليسَ صَحيحًا. فأنْتُمْ تَعْرِفونَ أنَّنا قَدْ وَصَلْنا في دِراسَتِنا لهذهِ الرِّسالَةِ إلى الأصْحاحِ الخَامِسِ وَالعَدَدَيْن 12 و 13. أليسَ كذلك؟ وأنتُم تَعرِفونَ أنَّنا مُلْتَزِمونَ بِخُطَّةِ اللهِ، وليسَ بِخُطَّتي الشَّخصيَّةِ.

إذًا، كَيْفَ يَنْبَغي للخِرافِ أنْ تُعامِلَ الرُّعاةَ؟ لَقَدْ تَحَدَّثْنا في الأسْبوعِ المَاضي عَنْ كَيْفَ يَنْبَغي للرُّعاةِ أنْ يُعامِلُوا الخِرافَ. وَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ إنَّهُ باسْتِطاعَتِكُمْ أنْ تَعيشوا عَلى نَحْوٍ غَيْرِ مَسْؤولٍ لِمُدَّةِ أُسْبوعٍ – وَقَدِ انْقَضى هَذا الأسْبوع. لقدِ انْقَضَى وَقْتُ المَرَحِ، وابْتَدَأَ وَقْتُ الجِدِّ يا أحِبَّائي. وَإليكُمْ مَسْؤوليَّةَ الخِرافِ تُجاهَ الرَّاعي. والآنْ، بالنِّسْبَةِ إلى بعضِ الأشخاصِ، فإنَّهُمْ لا يُفَكِّرونَ حَتَّى في ذلك. فَأحْيانًا يَكونُ الأمْرُ أكْثَرَ مِنْ مُزاحٍ. وَهَذا يُشْبِهُ الرَّاعي الَّذي كانَ يَتَضايَقُ وَيَتَشَتَّتُ تَفْكيرُهُ بِسَبَبِ رَجُلٍ كانَ يَنامُ كُلَّ يَوْمٍ أَحَدٍ في أثناءِ عِظَتِهِ. وَقَدْ كانَ الرَّجُلُ عُضْوًا بارِزًا في الكَنيسَةِ. وَقَدْ كانَ يَنامُ في كُلِّ عِظَةٍ. وَأخيرًا قَالَ الرَّاعي: "لا أُبالي إنْ كانَ عُضْوًا بارِزًا، وَلا أُبالي إنْ كانَ مُعْطِيًا سَخِيًّا. فَسَوْفَ أُواجِهُهُ". فَقال: "لِماذا، يا سَيِّدي، تَنامُ عِنْدَما أَعِظُ؟" فَهَذا يَنُمُّ عَنْ قِلَّةِ احْتِرامٍ". فَأجابَ الرَّجُلُ: "هَلْ تَعْتَقِدُ أنِّي كُنْتُ سَأنامُ لَوْ لَمْ أَكُنْ أَثِقُ بِك؟" اسْمَعوني: أنا لا أُريدُ هَذا النَّوْعَ مِنَ الثِّقَةِ إنْ كانَ الأمْرُ هَكَذا بالنِّسْبَةِ إليكُمْ.

كَيْفَ يَنْبَغي للرَّعِيَّةِ أنْ تُعامِلَ رُعَاتَها؟ كَيْفَ يَنْبَغي للرَّعِيَّةِ أنْ تُعامِلَ رُعاتَها؟ إنَّ المَقالَةَ التَّالِيَةَ بِعُنْوان: "كَيْفَ تَتَخَلَّصُوا مِنَ الرَّاعي" نُشِرَتْ في نَشْرَةِ إحْدى الكَنائِسِ. اسْتَمِعُوا إلى مَا جَاءَ فيها: "قَبْلَ وَقْتٍ ليسَ بِالطَويلِ، جَاءَتْ مَجْموعَةٌ مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الرِّجالِ العِلْمانِيِّينَ مِنْ كَنيسَةٍ مُجاوِرَةٍ لِمُقابَلَتي. وَقَدْ أَرادوا مِنِّي أنْ أَنْصَحَهُمْ وَأنْ أَقْتَرِحَ عَليهِمْ طَريقَةً لائِقَةً وَغيرَ مُؤلِمَةٍ للتَّخَلُّصِ مِنْ رَاعي كَنيسَتِهِم. وَأعتقدُ أنِّي لم أَتَمَكَّنْ مِنْ مُساعَدَتِهِمْ كَثيرًا. وَفي ذلكَ الوقتِ، لَمْ أَكُنْ قَدْ فَكَّرْتُ جِدِّيًّا في ذلكَ الأمْر. ولكِنْ بَعْدَ ذلكَ، فَكَّرْتُ في الأمْرَ مَلِيًّا. وفي المَرَّةِ القَادِمَةِ الَّتي سَيَأتي فيها أيُّ شَخْصٍ إلَيَّ طَلَبًا للنَّصيحَةِ بِخُصوصِ كيفيَّةِ التَّخَلُّصِ مِنَ الرَّاعي، إليكُمْ مَا سَأقولُهُ لَهُ:

"أوَّلًا، انْظُرْ إلى الرَّاعي مُباشَرَةً في عَيْنَيْهِ في أثْناءِ العِظَةِ وَقُلْ ’آمين‘ بَيْنَ الحِيْنِ وَالآخَر فَيَنْتَفِخُ غُرورًا حَتَّى المَوْت. ثانِيًا، رَبِّتْ على ظَهْرِهِ، وَامْتَدِح النِّقاطَ الجَيِّدَةَ الَّتي ذَكَرَها فَيَعْمَلُ جَاهِدًا حَتَّى المَوْت. ثالثًا، أَعِدْ تَكْريسَ حَياتِكَ للمَسيحِ واطْلُبْ مِنَ الوَاعِظِ أنْ يُعْطيكَ عَمَلًا تَقومَ بِهِ، ولا سِيَّما بَعْضَ الأشْخاصِ الضَّالِّينَ الَّذينَ يُمْكِنُكَ أنْ تَرْبَحَهُمْ للمَسيح، فَيَموتُ بالجَلْطَةِ. رابعًا، قُمْ بإقْناعِ الكَنيسَةِ بالاتِّحادِ في الصَّلاةِ لأجْلِ الوَاعِظِ، فَيَصيرُ فَعَّالًا جِدًّا حَتَّى إنَّ كَنيسَةً أكْبَرَ سَتَخْطَفَهُ مِنْ بينِ أيْديكُمْ".

وَهَذا يُثيرُ عَدَدًا مِنَ الأسئلةِ المُهِمَّةِ عندما نُفَكِّرُ فيهِ. وعلى أيِّ حَالٍ، كيفَ يَنْبَغي أنْ نُعامِلَ الرَّاعي؟ في دِراسَةٍ مَسْحِيَّةٍ تَضَمَّنَتْ ثلاثَةُ آلافِ كَنيسَةٍ وَراعٍ وَعِلْمانِيٍّ، تَمَّ طَرْحُ السُّؤالِ التَّالي: "مَا هِيَ الأسْبابُ الرَّئيسيَّةُ الَّتي تَجْعَلُ النَّاسَ يَتْرُكونَ الكَنيسَة؟" كانَ الرَّدُّ الأكْثَر شُيوعًا هُوَ: "أنا لا أُحِبُّ الرَّاعي". وَالآنْ، مَا هُوَ وَاجِبُكُمْ؟ لِنَرْجِعْ إلى النَّصِّ. فَقَدْ تَحَدَّثْنا عَنْ مَسؤوليَّةِ الرُّعاةِ تُجاهَ خِرافِهِمْ. وَقَدْ قُلْنا إنَّهُ يَنْبَغي لَهُمْ أنْ يَتْعَبوا بينَ الخِرافِ؛ وَهَذِهِ هِيَ النُّقْطَةُ الأولى. ثَانِيًا، يَجِبُ عليهِمْ أنْ يُمارِسُوا السُّلْطَةَ على الخِرافِ. وَيَجِبُ عليهِمْ أنْ يُنْذِروا الخِرافَ. وَقَدْ تَحَدَّثْنا بالتَّفْصيلِ عَنْ هَذِهِ الأُمورِ الثَّلاثَةِ.

النُّقْطَةُ الأولى هِيَ أنَّهُ يَنْبَغي أنْ يَتْعَبوا بينَ الخِرافِ إذْ تُلاحِظُونَ أنَّ العَدَدَ 12 يَقول: "الَّذِينَ يَتْعَبُونَ بَيْنَكُمْ" - أيْ أنَّهُ يَنْبَغي على الرُّعاةِ، والشُّيوخِ، والنُّظَّارِ أنْ يَعْمَلُوا بِجِدٍّ، وَأنْ يَعْمَلوا إلى حَدِّ الإجْهادِ مِنْ خِلالِ الحَياةِ المُضَحِّيَةِ بينَ الخِرافِ. وَنَحْنُ نَرى التَّكْريسَ الكَامِلَ هُناكَ. وَهَذا يُرينا دَوْرَ الخَادِمِ فيما يَخْتَصُّ بالتَّواضُعِ. ثُمَّ لاحِظُوا أيْضًا، مِنْ فَضْلِكُمْ، أنَّهُمْ "يُدَبِّرُونَكُمْ فِي الرَّبِّ". فَهُمْ يَمْلِكونَ سُلْطَةً على الخِرافِ مِنْ خِلالِ دَعْوَةِ الرَّبِّ. فَمِنْ أجْلِهِ، وَمِنْ خِلالِ مَشيئَتِهِ، وَلأجْلِ مَجْدِهِ، يَجِبُ عليهِمْ أنْ يُدَبِّروا، وَيُرْشِدوا، وَيَقودُوا. ثُمَّ نَقْرَأُ في نِهايَةِ العَدَد 12 أنَّهُ يَنْبَغي لَهُمْ أنْ يُنْذِروا الخِرافَ وَيُعَلِّموهُمْ. فالتَّعْليمُ عُنْصُرٌ جَوْهَرِيٌّ. وَيَجِبُ عليهِمْ أنْ يَكونوا مُعَلِّمينَ أَكْفاءَ، وَأنْ يَكونوا بَارِعينَ في تَفْصيلِ كَلِمَةِ الحَقِّ بالاسْتِقامَةِ.

والآنْ، لِنَتَحَدَّثْ عَنْ مَسؤوليَّةِ الخِرافِ تُجَاهَ رُعاتِهِمْ. وَهَذا أمْرٌ أَساسِيٌّ جِدًّا جِدًّا. وَمَا أَعْنيهِ هُوَ أنَّ الكَنيسَةَ يَجِبُ أنْ تَعْلَمَ هَذا. فَهَذا الأمْرُ جَوْهَرِيٌّ في عَلاقَتِنا مَعًا. فَقَدْ تَكونُ بَعْضُ الخِرافِ قَاسِيَةً جِدًّا على الرُّعاةِ. وَقَدْ يَقولُ البَعْضُ: "نَحْنُ نَظُنُّ أنَّ الخِرافَ مَخْلوقاتٌ ظَريفَةٌ وَمَحْبوبَةٌ لأنَّ الخِرافَ الوَحيدَةَ الَّتي نَتَعامَلُ مَعَها تَكونُ مَحْشِيَّةً". وَهَذا صَحيحٌ. فَإنْ تَعامَلْتُمْ مَعَ الخِرافِ - وَأنا قَدْ تَعَامَلْتُ مَعَها بِما يَكْفي لِمَعْرِفَةِ أنَّها ضَعيفَةٌ، وَمَغْلوبٌ على أمْرِها، وَغَيْرُ مُنَظَّمَةٍ، وَمَعَرَّضَةٌ للتَّيَهانِ، وَكَثيرَةُ المَطالِبِ، وَوَسِخَة، وَلَها أَظْلافٌ حَادَّةٌ. وَعِنْدَما وَصَفَنا الرَّبُّ بالخِرافِ، فإنَّهُ كانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الخِرافِ كَخِرافٍ وَلَيْسَ عَنْها بِصِفَتِها خِرافًا مَحْشِيَّةٍ.

وَقَدْ تَجْعَلُ الخِرافُ حَياةَ الرَّاعي خَالِيَةً مِنَ البَهْجَةِ إنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْها. وَقَدْ تَجْعَلُ الحَياةَ تَعِسَةً إنْ لَمْ تَكُنْ مُطيعَةً. لذلكَ، لِنَنْظُرْ إلى الصِّفاتِ الثَّلاثِ أوِ المَبادِئِ الثَّلاثَةِ الَّتي نَشْتَرِكُ فيها بِصِفَتِنا خِرافًا تُجاهَ رُعاتِنا.

أوَّلًا، قَدِّرُوا رُعاتَكُمْ. فَنَحْنُ نَقْرَأُ في العَدَد 12: "ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَعْرِفُوا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ بَيْنَكُمْ وَيُدَبِّرُونَكُمْ فِي الرَّبِّ وَيُنْذِرُونَكُمْ". والكَلِمَة "تَعْرِفُوا" هِيَ تَرْجَمَة للكَلِمَة اليُونانِيَّة "أُوْيدا" (oida)، وَمَعْناها الحَرْفِيُّ هُوَ: "يَعْرِف". وَهِيَ كَلِمَةٌ عَامَّةٌ تُسْتَخْدَمُ في كُلِّ العَهْدِ الجَديدِ بِمَعْنى: "يَعْرِف". ولكِنَّها تَعْني نَوْعَ المَعْرِفَةِ الَّذي يَأتي بالخِبْرَةِ؛ أيْ أنْ تَتَعَلَّمَ أنْ تَعْرِفَ، وَأنْ تَعْرِفَ مِنْ خِلالِ الخِبْرَةِ، وَأنْ تَصِلَ إلى تِلْكَ المَعْرِفَةِ مِنْ خِلالِ التَجْرِبَةِ. وَهِيَ تَحْمِلُ هُنا فِكْرَةَ المَعْرِفَةِ العَميقَةِ، والمَعْرِفَةِ الَّتي تَحْمِلُ في طَيَّاتِها الاحْتِرامَ والتَّقْديرَ. والمَعْنَى المَقْصُودُ هُنا هُوَ أنْ تَعْرِفَ وَأنْ تُقَدِّرَ. وَرُبَّما كَانَتْ التَّرْجَمَةُ الفُضْلَى هِيَ: "أنْ تَحْتَرِموهُمْ". وَهُناكَ تَرْجَمَةٌ أُخرى وَهِيَ: "أنْ تُقَدِّرُوا الَّذينَ يَتْعَبونَ بَيْنَكُمْ"، أوْ "أنْ تَحْتَرِموا الَّذينَ يَتْعَبونَ بَيْنَكُمْ".

وَهِيَ لا تَعْني "أنْ تَعْرِفوا أَسْماءَهُمْ". فَهُوَ لا يَتَحَدَّثُ هُنا عَنْ هَذِهِ المَعْرِفَةِ السَّطْحِيَّةِ. وَهِيَ لا تَعْني أنْ تَعْرِفُوا فَقَطْ أَسْماءَ أبْنائِهِمْ، أو أسْماءَ زَوْجاتِهِمْ، أوْ عُنْوانَهُم البَريدِيّ، أوْ عُنْوانَ سَكَنِهِمْ، أوِ الجَامِعَةِ الَّتي تَخَرَّجُوا مِنْها، أوْ نَوْعَ السَّيَّارَةِ الَّتي يَقُودونَها، أوْ أيَّ شَيءٍ مِنْ هذا القَبيل. بَلْ هِيَ تَعْني أنْ تَعْرِفوهُمْ مَعْرِفَةَ عَميقَةً وَحَميمَةً تُؤدِّي إلى تَقْديرِهِمْ، وَأنْ تَعْرِفوهُمْ مَعْرِفَةً تَكْفي للاهْتِمامِ بِهِمْ. والكَلِمَة "تَعْرِفُوا" تُتَرْجَمُ أحْيانًا بِمَعْنى العَلاقَةِ الجَسَدِيَّةِ بينَ الرَّجُلِ وَالمَرأةِ، أوِ إلى المَعْرِفَةِ العَميقَةِ، أو إلى المَعْرِفَةِ الحَميمَةِ الَّتي تَنْشَأُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالمَرأةِ والتي تُفْضِي إلى الحَمْلِ وَالوِلادَةِ. وَهِيَ تُشيرُ إلى مَعْرِفَةَ شَخْصٍ مَا وَمَعْرِفَةِ قِيْمَةِ ذلكَ الشَّخْص.

وَأنا غَالِبًا أَتَلَقَّى تَعْليقًا عِنْدَما أَرُدُّ عَلى أسْئِلَةِ النَّاسِ الَّذينَ يَسْتَمِعونَ إلى عِظاتي. فَهُمْ يَقولونَ لي في أَغْلَبِ الأحْيانِ: "أنا أَشْعُرُ أنِّي أعْرِفُكَ. صَحيحٌ أنِّي لم أَلْتَقِ بِكَ شَخْصِيًّا مِنْ قَبْل، وأنِّي لم أَصْرِفْ وَقْتًا طَويلًا مَعَكَ، ولكِنِّي أَشْعُرُ أنِّي أعْرِفُكَ". وَما يَقْصِدُهُ هَؤلاءِ في الحَقيقَةِ هُوَ أنَّهُ بِسَبَبِ اسْتِماعِهِمْ لِوَقْتٍ طَويلٍ جِدًّا إلى سَكْبِ قَلْبِ الوَاعِظِ، فإنَّهُمْ يَشْعُرونَ بهذا الشُّعورِ بأنَّهُمْ يَعْرِفونَ ذلكَ الشَّخْصَ. وَأنا أَرُدُّ دائِمًا وَأقول: "حَسَنًا! إذا كُنْتَ تَسْتَمِعُ إليَّ، فأنْتَ تَعْرِفُني لأنَّ مَا تَسْمَعهُ يُعَبِّرُ عَنْ شَخْصِيَّتي". فَأنا لَسْتُ مَا أبْدُو عليه. والحَقيقَةُ هِيَ أنِّي أقولُ للنَّاسِ طَوالَ الوَقْتِ عِنْدَما ألْتَقي بِهِمْ وَيَقولون: "آه! لَقَدِ اسْتَمَعْتُ إليكَ على الإذاعَةِ لِسَنَواتٍ"، فإنِّي أقولُ لَهُم: "أنا أَعْلَمُ أنِّي أَبْدو بِحالٍ أَفْضَل على الإذاعَةِ". فالأمْرُ لا صِلَةَ لَهُ بالشَّكْلِ. فأنْتُمْ لا تَعْرِفونَني مِنْ خِلالِ شَكْلي فقط، بَلْ تَعْرِفوني مِنْ خِلالِ مَعْرِفَةِ مَشاعِري. أليسَ كذلك؟ وَأنْتُمْ تَعْرِفُوني مِنْ خِلالِ مَعْرِفَةِ ما يَصْدُرُ عَنْ قَلْبي. وأنْتُمْ تَعْرِفونَني مِنْ خِلالِ مَعْرِفَةِ شَغَفِ حَياتي.

مِنَ السَّهْلِ أنْ تَكونَ فَظًّا، وَمِنَ السَّهْلِ أنْ تَكونَ ناقِدًا، وَمِنَ السَّهْلِ أنْ تَكونَ غَيْرَ مُبالٍ تُجاهَ شَخْصٍ لا تَعْرِفُهُ مَعرفةً عَميقةً وحَميمَة. ولكِنْ عندما تَعْرِفُ شخصًا مَا، وَتَعْرِفُهُ مِنْ خِلالِ التَّجْرِبَةِ، وَتَفْهَمُ مَشاعِرَهُ وَعَواطِفَهُ القَلبيَّةَ، هُناكَ احْتِرامٌ مُعَيَّنٌ يَتَوَلَّدُ مِنْ ذلكَ النَّوْعِ مِنَ المَعْرِفَةِ. لذلكَ، مِنْ واجِبِكُمْ أنْ تَعْرِفُوا قَادَتَكُمْ. فَإذا كُنْتُمْ سَتُظْهِرونَ لَهُمُ الاحْتِرامَ، والتَّقْديرَ، والإعْجابَ، وَإذا كُنْتُمْ سَتُدْرِكونَ قيمَتَهُمْ وَقَدْرَهُمْ، يَجِبُ عليكُمْ أنْ تَعْرِفوهُمْ. وَعِنْدَما تَعْرِفوهُمْ، يَجِبُ عليكُمْ أنْ تُظْهِروا لَهُمْ هذا النَّوْعَ مِنَ الاحْتِرامِ.

وَالآنْ، يَقْتَضي التَّنويهُ إلى أنَّ النَّصَّ يُشيرُ ضِمْنِيًّا أيضًا إلى الدَّعْمِ المَالِيِّ. وَأقولُ مَرَّةً أُخرى في هَذا الشَّأنِ إنَّني أَتَنازَلَ عَنْ حَقِّي في ذلك. فأنا لا أُريدُ عَلاوَةً، وَأنا لَنْ أَقْبَلَ أيَّ عَلاوَةٍ، وَأنا لا أُطالِبُ بِعَلاوَةٍ. ولكِنْ مِنَ المُهِمِّ أنْ تَعْلَموا أنَّ الرَّابِطَ في النَّصَّ يُشيرُ ضِمْنِيًّا إلى أنَّ هَذا التَّقْديرَ يَتَضَمَّنُ تَقْديمَ الدَّعْمِ المَالِيِّ. وَلِكَيْ أُبَيِّنَ لَكُمْ ذلك، يَلْزَمُكُمْ فَقَطْ أنْ تَنْظُروا إلى رِسالَةِ تيموثاوسَ الأولى 5: 17. فَإذا نَظَرْتُمْ سَريعًا إلى هَذِهِ الآيَةِ سَتَجِدونَ أنَّها تَقولُ: "أَمَّا الشُّيُوخُ الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا [أيِ الذينَ يَقومونَ بِعَمَلِهِمْ خَيْرَ قِيامٍ] فَلْيُحْسَبُوا أَهْلاً لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ، وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ".

فَنَحْنُ نَقْرَأُ هُنا عَنْ شُيوخٍ مُدَبِّرينَ. وَهُمْ رِجالٌ يَسْتَأهِلونَ الإكْرامَ. وَجَدارَتُهُمْ هَذِهِ تَجْعَلُهُمْ أَهْلًا لِكَرامَةٍ مُضَاعَفَةٍ أوْ "تِيْمِيه" (timē). والآنْ، مَا مَعْنى ذلك؟ قَدْ يَكونُ مَعْناها: "الاحْتِرام". وَقَدْ يَكونُ مَعْناها: "التَّقْديرُ الشَّديد". وَلَكِنَّ النَّصَّ هُنا يُبَيِّنُ أنَّها قَدْ تَعني أيْضًا الأَجْر. فَقَدْ تَحَدَّثَ في الآياتِ السَّابِقَةِ (وَتَحْديدًا في الآيات 3-16) عَنْ إكْرامِ الأرامِلِ. وَهُوَ يَتَحَدَّثُ الآنَ عَنْ إكْرامِ الخُدَّامِ، ولا سِيَّما الرُّعاة. وَهُوَ يَقولُ إنَّهُمْ إنْ كانُوا يُدَبِّرونَ حَسَنًا، فإنَّهُمْ يَكونونَ أَهْلًا لِـ " تِيْمِيه" (timē) مُضَاعَفَة. وبالمُناسَبَة، في عَدَدٍ مِنَ المُناسَباتِ في العهدِ الجَديدِ (مِثْلَ مَتَّى 27: 6، وَ 1كورِنثوس 6: 20) فإنَّ الكلمة " تِيْمِيه" (timē) تَقْتَرِنُ بالمَالِ. لذلكَ فإنَّهُ يَقولُ: "قَدِّمُوا لَهُمُ الاحْترامَ والمُكافَأةَ، واجْعَلوها مُضاعَفَةً: أيْ كَرامَةً مُضاعَفَةً، واحْترامًا مُضاعَفًا، وَأَجْرًا سَخِيًّا". لِماذا؟ لأنَّكُمْ تُكَافِئونَ الشُّيوخَ المُدَبِّرينَ حَسَنًا، أيِ الشَّيوخَ الأُمَناءَ الَّذينَ يَتْعَبون. فَهُمْ أَهْلٌ لذلك. وَهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذلك.

وبالمُناسَبَة، وَكُملاحَظَةٍ هَامِشِيَّةٍ، لا يُوْجَدُ شَخْصٌ يُمْكِنُكُمْ أنْ تَثِقُوا بِهِ أكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ التَّقِيِّ فيما يَخْتَصُّ بالمَوارِدِ الَّتي تُقَدِّمُوها لَهُ. فَهَلْ مِنْ يَدٍ يُمْكِنُكُمْ أنْ تَضَعُوا فيهِا ذلكَ المَالَ أَفْضَلَ مِنْ يَدِ رَجُلٍ تَقِيٍ سَيَسْتَخْدِمُ ذلكَ المَالَ لِمَجْدِ الرَّبِّ؟ وفي نِهايَةِ الآيَةِ نَقْرَأُ: "وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ". فَفيما يَخُصُّ أولئكَ الذينَ يَتْعَبونَ في الكَلِمَةِ، ائْتَمِنوهُمْ على أمْوالِ الرَّبِّ. وَكافِئوهُمْ. وَأظْهِرُوا الإكرامَ لَهُمْ بِطَريقَةٍ مَلْمُوسَةٍ.

لِذَلِكَ، هُناكَ تَسَلْسُلٌ هُنا. فالشُّيوخُ أَهْلٌ للكَرامَةِ. والشُّيوخُ أَهْلٌ للكَرامَةِ والمُكافَأةِ. والشُّيوخُ الَّذينَ يَتْعَبونَ وَيُدَبِّرونَ حَسَنًا هُمْ أَهْلٌ لِكَرامَةٍ مُضاعَفَةٍ. والشُّيوخُ الَّذين يَتْعَبونَ وَيُدَبِّرونَ حَسَنًا وَيَتَخَصَّصُونَ في الوَعْظِ والتَّعليمِ هُمْ أَهْلٌ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ للاحْتِرامِ وَالمُكافأةِ. لذلكَ، يَجِبُ إظْهارُ التَّقْديرِ، والاحْتِرامِ، والإعْجابِ، والإكْرامِ، والدَّعْمِ لِكُلِّ رَاعٍ أَمين. وَهُناكَ آيَةٌ بَسيطَةٌ جِدًّا وَمُباشِرَةٌ تَقولُ هَذا. لِنَرْجِعْ إلى الأصْحاحِ التَّاسِعِ مِنْ رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى. وَسَوْفَ نَسيرُ بِسُرْعَة في النُّقْطَتَيْنِ القادِمَتَيْنِ. وَلَكِنْ لِنَرْجِعْ إلى الأصْحاحِ التَّاسِعِ مِنْ رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى. وَلَنْ أَصْرِفَ وَقْتًا طَويلًا في شَرْحِ النُّقْطَةِ. ولكِنَّنا نَجِدُ مَبْدَأً في العَدَد 14 (في 1كورِنثوس 9: 14) يُلَخِّصُ هَذا الأمْرَ: "هكَذَا أَيْضًا أَمَرَ الرَّبُّ: أَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ، مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُونَ". ... الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ، مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُونَ. وَهَذا يَعْني أنَّكَ إذا كُنْتَ تُكَرِّسُ حَياتَكَ للقِيامِ بذلكَ، يَنْبَغي أنْ تُلاقي الدَّعْمَ اللَّازِمَ للقيامِ بذلك. والآنْ، يُمْكِنُكُمْ أنْ تَرْجِعُوا مَرَّةً أُخرى إلى النَّصِّ الَّذي نَتَأمَّلُ فيهِ، أيْ إلى رِسالَةِ تَسالونيكي الأولى وَالأصْحاحِ الخَامِسِ.

إذًا، الشَّيءُ الأوَّلُ الَّذي يَنْبَغي للرَّعِيَّةِ أنْ تُقَدِّمَهُ للقادَةِ أوِ الشُّيوخِ أوِ الرُّعاةِ هُوَ الاحْتِرام. وَهَذا يَتَضَمَّنُ المُكافأةَ. أيْ أنْ تَدْعُموهُمْ، وَتُكْرِموهُمْ مُضاعَفًا، وَتَكونوا أَسْخِياءَ مَعَهُمْ، لا أنْ تَكْتَفوا بِتَقْديمِ الحَدِّ الأدْنى الذي لا يَكادُ يَكْفيهِمْ. بَلْ أنْ تُظْهِروا سَخاءً عَظيمًا، واحْتِرامًا، وتَقْديرًا – عَالِمينَ أنَّهُمْ سَيَكونونَ وُكَلاءَ صَالِحينَ في مَا تَأتَمِنوهُمْ عَليهِ. إذًا، ما هِيَ مَسؤوليَّةُ الرَّعِيَّةِ؟ الاحْتِرامُ، والاعْتِبارُ، والإكْرامُ، والتَّقْديرُ.

ثانيًا، وهَذا الأمْرُ يُبْنى على الأوَّل، هُوَ أنْ تَعْتَبِروهُمْ. فَنَحْنُ نَقرأُ في العَدَد 13: "وَأَنْ تَعْتَبِرُوهُمْ كَثِيرًا جِدًّا فِي الْمَحَبَّةِ مِنْ أَجْلِ عَمَلِهِمْ". وَهَذِهِ النُّقْطَةُ تُشْبِهُ النُّقْطَةَ الأولى ولا تَخْتَلِفْ عَنْها كَثيرًا. فالكَلِمَة "يَعْتَبِرُ" هِيَ تَرْجَمَةٌ للكلمةِ اليونانيَّةِ "هِيْجِيومَاي" (hēgeomai)، وَمَعْناها: "يُقَدِّر"، أوْ "يَعْتَبِر"، أوْ "يُفَكِّر". وَهِيَ تَعْني أنْ تَفْعَلُوا مَا هُوَ أكْثَر مِنَ الواجِبِ الأوَّلِ لأنَّ النَّصَّ يَقولُ: "وَأنْ تَعْتَبِرُوهُمْ" كَيْف؟ "كَثِيرًا جِدًّا". وَهَلْ تَعْلَمونَ مَعْنى هَذِهِ العِبارَةِ في النَّصِّ اليُونانِيِّ؟ إنَّها تَعْني: "فَوْقَ كُلِّ حَدٍّ" ... "فَوْقَ كُلِّ حَدٍّ". ثُمَّ نَأتي إلى العِبارَةِ الرَّئيسيَّةِ: "في المَحَبَّةِ" ... "فِي المَحَبَّةِ مِنْ أَجْلِ عَمَلِهِمْ". لا بِسَبَبِ شَخْصِيَّتِهِم. فَهَذِهِ ليسَتْ مُسَابَقَةً في الشَّخصيَّةِ، بَلْ: "مِنْ أجْلِ عَمَلِهِمْ". فَيَجِبُ عليكُمْ أنْ تَعْتَبِروهُمْ فَوْقَ كُلِّ حَدٍّ. فَيَجِبُ عليكُمْ أنْ تَعْتَبِروا الرَّاعي الأمينَ فَوْقَ كُلِّ حَدٍّ. والنُّقْطَةُ هِيَ أنَّهُ لا يُوْجَدُ حَدٌّ لذلك. فلا يُوْجَدُ حَدٌّ للاعْتِبارِ الَّذي يَنْبَغي أنْ تُظْهِروهُ لذلكَ الرَّجُل، ولا يُوْجَدُ حَدٌّ لتلكَ المَحَبَّةِ الَّتي يَنْبَغي أنْ تَظْهِروها لذلكَ الرَّجُل. فَيَنْبَغي أنْ تُحِبُّوا ذلكَ الرَّجُل.

وَمَا مَعْنى المَحَبَّة؟ إنَّها تُشيرُ إلى الخِدْمَةِ المُضَحِّيَةِ مِنْ أجْلِهِ. وَهِيَ تَعْني العَاطِفَةُ مِنْ نَحْوِهِ. لا بِسَبَبِ شَخْصِيَّتِهِ، ولا لأنَّهُ عَمِلَ مَعَكَ مَعْروفًا، بَلْ مِنْ أجْلِ عَمَلِهِ – أيْ لأنَّهُ يُقَدِّمُ لَكُمْ كَلِمَةَ اللهِ، وَلأنَّهُ يُغَذِّي نُفوسَكُم الجَائِعَة. وَنُلاحِظُ في رِسالَةِ غَلاطِيَّة 4: 14 أنَّ بُولُسَ يَقولُ: "وَتَجْرِبَتِي الَّتِي فِي جَسَدِي لَمْ تَزْدَرُوا بِهَا وَلاَ كَرِهْتُمُوهَا". فَقَدْ كانَ لَدى بُولُس وَضْعٌ جَسَدِيٌّ خَاصٌّ يَجْعَلُ النَّاسَ يَنْفُرونَ مِنْ وُجُودِهِ. وَهُوَ يَقولُ: أَنْتُمْ لَمْ تَنْفُرُوا مِنْ ذلك". فَلَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيءٌ جَذَّابٌ في ذلكَ الرَّجُل. "لَمْ تَزْدَرُوا بِهَا وَلاَ كَرِهْتُمُوهَا، بَلْ كَمَلاَكٍ مِنَ اللهِ قَبِلْتُمُونِي، كَالْمَسِيحِ يَسُوعَ".

وَهَذِهِ هِيَ الرُّوحُ المَطْلُوبَةُ. وَهَذا هُوَ المَوْقِفُ المَطْلُوبُ. فَبِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ شَخْصِيَّتي، وَبِصَرْفِ النَّظَرِ عَنِ الأشياءِ الَّتي قَدْ يَنْفُرُ النَّاسُ مِنْها [كَالمَرَضِ المَقيتِ مَثَلًا]، فإنَّكُمْ "كَمَلاَكٍ مِنَ اللهِ قَبِلْتُمُونِي، كَالْمَسِيحِ يَسُوعَ". ثُمَّ يَقولُ في العَدَد 15: "لَوْ أَمْكَنَ لَقَلَعْتُمْ عُيُونَكُمْ وَأَعْطَيْتُمُونِي". والبَعْضُ يَعْتَقِدُ أنَّهُ كانَ يُعاني مَرَضًا ارْتِشاحِيًّا مَقيتًا في عَيْنَيْهِ. لذلكَ فإنَّهُ يَقولُ: "لأَنِّي أَشْهَدُ لَكُمْ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ لَقَلَعْتُمْ عُيُونَكُمْ وَأَعْطَيْتُمُونِي".

وَهَذا هُوَ الاعْتِبارُ الَّذي يَفُوقُ كُلِّ حَدٍّ. "لَقَدْ أَحْبَبْتُموني بالرَّغْمِ مِنْ حَالَتي الصِّحِيَّةِ المَقيتَةِ. وَقَدْ أَحْبَبْتُموني بالرَّغْمِ مِنْ حَقيقَةِ أنِّي لا أَمْلِكُ أيَّ جَاذِبِيَّةٍ جَسَدِيَّةٍ. وَلَوْ أَمْكَنَ، لَقَلَعْتُمْ عُيونَكُمْ مِنْ أجْلي". إنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ هَذِا النَّوْعِ مِنَ المَحَبَّةِ المُضَحِّيَةِ. وَلَعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ أنَّهُ في الرِّسالَةِ إلى أهْلِ غَلاطِيَّة، فإنَّ بُولُسَ يَكْتُبُ هَذِهِ الرِّسالَةَ وَيَقولُ لَهُمْ في الحَقيقَةِ: "لَقَدْ كانَتِ الحَالُ هَكَذا. فَما الَّذي جَرَى وَغَيَّرَ ذلك؟" وَهُوَ يَكْتُبُ بانْكِسارِ قَلْبٍ: "مَا الَّذي جَرَى وَغَيَّرَ ذلك؟ وَمَا الَّذي بَدَرَ مِنِّي فَتَغَيَّرَتْ مَحَبَّتُكُمْ تُجَاهِي؟"

إذًا، يَجِبُ على الخِرافِ أنْ تَعْتَبِرَ الرَّاعِي. فَضْلًا عَنْ ذلكَ، لا يَكْفي أنْ يُقَدِّمُوا الاحْترامَ والمُكافأةَ للشَّخْصِ الَّذي عَرَفوهُ بِوَصْفِهِ رَاعِيًا لَهُمْ، بَلْ يَجِبُ عليهم أنْ يُحِبُّوا الرَّاعي فَوْقَ كُلِّ حَدٍّ، إلى حَدِّ التَّضْحِيَّةِ الشَّخصيَّةِ مِنْ أجْلِهِ. لِماذا؟ ليسَ مِنْ أجْلِ شَخْصِيَّتِهِمْ، بَلْ مِنْ أجْلِ عَمَلِهِم. فَهُمْ مَدْعُوُّونَ مِنَ اللهِ. وَهُمْ مُفْرَزونَ لِعَمَلِ خَاصٍّ. وَيَجِبُ على الرَّعِيَّةِ أنْ تَحْتَرِمَهُمْ، وَأنْ تُظْهِرَ التَّقْديرَ المُحِبَّ تُجاهَ العَمَلِ الَّذي دُعُوا إليهِ. فَنَحْنُ نَقْرَأُ في إنْجيل يُوحَنَّا 13: 20: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمُ: الَّذِي يَقْبَلُ مَنْ أُرْسِلُهُ يَقْبَلُنِي، وَالَّذِي يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي". فَعِنْدَما تَقْبَلونَ الرَّاعي، فَإنَّكُمْ تَقْبَلونَ الرَّاعي الأعْظَمَ الَّذي أَرْسَلَهُ، وَتَقْبَلونَ بِمَحَبَّة اللهَ الَّذي أَرْسَلَ الرَّاعي الأعْظَم.

إذًا، يَجِبُ عليكُمْ أنْ تُقَدِّرُوا شُيوخَكُمْ، وَرُعاتَكُمْ. وَيَجِبُ أنْ يَكونَ تَقْديرُكُمْ لَهُمْ فَوْقَ كُلِّ حَدٍّ. فَمَهْما كانَ تَقْديرُكُمْ لَهُمُ الآنَ، ضَاعِفُوهُ بِمَحَبَّة. فَيَجبُ عليكُمْ أنْ تُحِبُّوهُمْ مِنْ أجْلِ عَمَلِهِم. فَإنْ لَمْ تَفْعَلوا ذلكَ فَإنَّكُمْ تَعْصُونَ هَذِهِ الكَلِماتِ المُباشِرَةِ الَّتي وَرَدَتْ في الكِتابِ المُقَدَّسِ. وَهَذِهِ المَحَبَّةُ تَعْني أنَّكُمْ تَتَمَنوْنَ الأفْضَلَ لَهُمْ. وَتِلْكَ المَحَبَّةُ تَعْني أنْ تَتَغاضوْا عَنْ جَوانِبِ الضُّعْفِ وَالوَهْنِ لَدَيْهِمْ. وتلكَ المَحَبَّةُ تَعْني أنْ تَتَكَلَّمُوا بالخَيْرِ عَنْهُمْ. وَتلكَ المَحَبَّةُ تَعْني أنْ تُشَجِّعُوهُمْ. وَتلكَ المحبَّةُ تَعْني أنْ تَرْفَعوهُمْ بِصِفَتِهِمْ رِجالًا مَدْعُوِّينَ مِنَ اللهِ، وَبِصِفَتِهِمْ رِجالًا يُعَلِّموكُمُ الحَقَّ.

ثَالِثًا وَأخيرًا، فَإنَّهُ يَقولُ في العَدَد 13: "سَالِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا". وَهَذا هُوَ الشَّيءُ الثَّالِثُ: اخْضَعُوا لِرُعاتِكُمْ. فَما مِنْ شَيْءٍ يُؤدِّي إلى الحُزْنِ، وَتَشْتيتِ الانْتِباهِ، وَالضِّيقِ، وَالألَمِ أكْثَرَ مِنَ الخِلافاتِ في الكَنيسَةِ. وَهَذِهِ الفِكْرَةُ المُخْتَصَّةُ بالمُسَالَمَةِ تَتَكَرَّرُ كَثيرًا في العَهْدِ الجَديد. وَنَحْنُ نَعْرِفُها جَيِّدًا. فَهِيَ مَذْكورَةٌ في كُلِّ العَهْدِ الجَديدِ إذْ تَجِدونَها في رُومية 14: 19، وفي 2كورِنثوس 13: 11، وفي أَفَسُس 4: 3، وَفي كُولوسي 3: 15، وفي يَعْقوب 3: 18. فَهِيَ تَتَكَرَّرُ مِرارًا وتَكْرارًا لأنَّ العَهْدَ الجَديدَ يَدْعو إلى السَّلامِ. وَلَكِنَّ الأمْرَ هُنا مُحَدَّدٌ جِدًّا. فَهُوَ يُشيرُ في هَذا السِّياقِ إلى العَلاقَةِ بينَ الخِرافِ والرَّاعي إذْ يَجِبُ أنْ تَتَّصِفَ العَلاقَةُ بالمُسَالَمَة. وَالمَغْزَى هُوَ: اخْضَعُوا للرُّعاةِ. ... اخْضَعُوا. فَلا حَاجَةَ للنِّزاعِ. وَلا حَاجَةَ للخِلافِ. وَمِنَ الواضِحِ أنَّ النَّصَّ يَفْتَرِضُ مُسَبَّقًا أنَّ الرَّاعي أَمينٌ. وَعِنْدَما يَكونُ الرَّجُلُ أمينًا في القِيامِ بِعَمَلِهِ على خَيْرِ وَجْهٍ بِقُوَّةِ رُوْحِ اللهِ، يَجِبُ عَليكُمْ أنْ تَخْضَعُوا لَهُ. فَهَذِهِ وَصِيَّةٌ كِتابِيَّةٌ.

وَالآنْ، افْتَحُوا على عِبْرانِيِّين 13، وَسَوْفَ نَخْتِمُ هَذِهِ النُّقْطَةَ بِهَذا النَّصِّ الكِتابِيِّ تَحْديدًا. عِبْرانِيِّين 13: 7. وَهُناكَ ثَلاثُ آياتٍ في عِبرانِيِّين 13 مُوَجَّهَة إلى الرَّعِيَّةِ وَكَيْفَ يَنْبَغي أنْ تَتَعامَلَ مَعَ الرَّاعي. فَنَحْنُ نَقرأُ في العَدَدِ السَّابِعِ: "اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ"، أيْ قَادَتَكُمْ - تَذَكَّروهُمْ. وَمَنْ هُمْ هَؤلاء؟ "الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ". وَالتَّذَكُّرُ هُنا هُوَ بِمَعْنى التَّعْبيرِ عَنِ المَحَبَّةِ، والتَّعبيرِ عَنِ المَشاعِرِ: "اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ". فَقَدْ كَلَّموكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. لذلكَ، اذْكُرُوا نَتيجَةَ سُلوكِهِمْ، وَكَيْفَ بَارَكَ اللهُ حَياتَهُمْ وَاسْتَخْدَمَهُمْ اسْتِخْدامًا مَجيدًا. وَتَمَثَّلوا بإيمانِهِمْ، واعْلَموا أنَّ يَسوعَ المَسيحَ، الَّذي هُوَ هُوَ أَمْسًا واليومَ وَإلى الأبَدِ، سَيَتَعامَلْ مَعَ طَاعَتِكُمْ كَما تَعامَلَ مَعَ طَاعَتِهِمْ. ثُمَّ نَقرأُ: "لاَ تُسَاقُوا بِتَعَالِيمَ مُتَنَوِّعَةٍ وَغَرِيبَةٍ". لِذلكَ، اذْكُروا أولئكَ الذينَ عَلَّموكُمُ الحَقَّ، وَاعْتَبِروهُمْ، وَأَحِبُّوهُمْ، وَقَدِّرُوهُمْ.

وَفي العَدَد 17، يُضيفُ كاتِبُ الرِّسالَةِ مَزيدًا مِنَ الوَصَايا المُباشِرَةِ إذْ يَقولُ أوَّلًا: "اذْكُروهُمْ"؛ أيِ اذْكُروهُمْ بِقَلْبٍ شَكُورٍ. وَهُوَ يَقولُ الآنَ في العَدَد 17: "أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا [لَهُمْ]" ... "أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا [لَهُمْ]". وَقَدْ تَقولُ: "حَسَنًا، أعتقدُ أنَّهُمْ قَدْ يَكونوا مُخْطِئين". إنَّ الوَصِيَّةَ تَقولُ: أَطيعُوهُمْ وَاخْضَعُوا لَهُمْ. فَهُمْ مَنْ سَيُعْطُونَ حِسَابًا، وليسَ أنْتُمْ. فَلا تَظُنُّوا يَوْمًا أنَّهُ بِإمْكانِكُمْ أنْ تَتَجاهَلُوا قَادَتَكُمْ. فَهُمْ مَنْ سَيُعْطُونَ حِسَابًا. لِذلكَ، مَا لَمْ يَطْلُبوا مِنْكُمْ أنْ تَفْعلُوا شَيئًا لا يَتَوافَقُ مَعَ الكِتابِ المُقَدَّسِ، أوْ لا يَتَوافَقُ مَعَ كَلِمَةِ اللهِ، أوْ لا يَتَوافَقُ مَعَ حَياةِ التَّقْوى، أوْ مَا لَمْ يَطْلُبوا مِنْكُمْ أنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا خاطِئًا، يَجِبُ عليكُمْ أنْ تُطيعوهُم. فنَحْنُ لَدينا مَسؤوليَّة كَبيرَة بِوَصْفِنا رُعاةً. وَنَحْنُ سَنُعْطي حِسَابًا. لذلكَ، أَطيعُوا قَادَتَكُمْ. "أَطِيعُوا مُرْشِدِيكُمْ وَاخْضَعُوا لَهُمْ. لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا".

وَهَذِهِ جُمْلَةٌ قَوِيَّةٌ جِدًّا. وَهِيَ جُمْلَةٌ مُرْعِبَةٌ لأيِّ شَخْصٍ مِنَ القَادَةِ الرُّوحِيِّينَ – سَواءٌ كانَ هَذا الشَّخْصُ أنا أوْ أيَّ رَاعٍ أوْ شَيْخٍ آخَر. فَنَحْنُ لَدينا وَاجِبٌ كَبيرٌ. وَنَحْنُ سَنُعْطي حِسَابًا للهِ. وَهَذا تَحْذيرٌ جَادٌّ يَنْبَغي أنْ نَتَعايَشَ مَعَهُ. فَأنا أَعيشُ تَحْتَ هَذا التَّحْذيرِ طَوالَ الوَقْتِ. فَأنا مَسْؤولٌ أمامَ اللهِ عَنِ الخِرافِ. وَأنا مَسْؤولٌ أمامَ اللهِ عَنْ قَراراتي. وَنَحْنُ، بِصِفَتِنا جَماعَة، مَسؤولونَ أمامَ اللهِ عَنْ قَراراتِنا وَعَنْ طَلَبِ الحِكْمَةِ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. لذلكَ فإنَّنا لا نَفْعَلُ أيَّ شَيْءٍ لا نَتَّفِقُ عليهِ بالإجْماعِ فيما بَيْنَنا بِصِفَتِنا شُيُوخًا، لأنَّنا نُريدُ أنْ نَحْرِصَ كُلَّ الحِرْصَ على أنَّنا نَعْرِفُ فِكْرَ اللهِ أثناءَ قِيادَتِنا لَكُمْ لأنَّنا سَنُعْطي حِسَابًا.

لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "أَطيعُوا". فَالرَّعِيَّةُ العَنيدَةُ التي تُريدُ أنْ تَفْعَلَ مَشيئَتَها تَسْرِقُ الفَرَحَ مِنْ قُلوبِ رُعاتِها وَتَضَعُ بَدَلًا مِنْهُ حُزْنًا. تَابِعُوا مَا يَقولُهُ العَدَد 17: "لِكَيْ يَفْعَلُوا ذلِكَ بِفَرَحٍ، لاَ آنِّينَ، لأَنَّ هذَا غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ". فَهَلْ تُريدونَ كَنيسَةً بَائِسَةً؟ إذًا، اجْعَلُوا الرَّاعي بَائِسًا. وَهَلْ تُريدونَ راعِيًا بائِسًا؟ لا تَخْضَعُوا لَهُ. فَإنْ لَمْ تَخْضَعُوا سَتَنْهَبونَ الفَرَحَ مِنْ قَلْبِهِ فَيَصيرُ رَجُلًا بَائِسًا، وَتَصيرونَ رَعِيَّةً بائِسَةً. فَالرَّعِيَّةُ العَنيدَةُ التي تُريدُ أنْ تَفْعَلَ مَشيئَتَها تَسْرِقُ الفَرَحَ مِنْ قُلوبِ قَادَتِها وَلا تُعْطي نَفْسَها سِوى الألم. وَهُوَ يَقولُ إنَّ هَذا "غَيْرُ نَافِعٍ لَكُمْ". فَهُوَ لَنْ يُساعِدَكُمْ في شَيْء. فَلَنْ تَسْتَفيدُوا شَيئًا إنْ كانَ رَاعيكُمْ حَزينًا، أوْ إنْ كانَ رَاعيكُمْ مَغْمُومًا.

وَلا شَكَّ أنَّ النَّبِيَّ إرْميا كانَ يَعْرِفُ ذلكَ تَمامًا. فَقَدْ كانَتْ خِدْمَةُ إرْميا خَالِيَةً مِنَ الفَرَحِ بِسَبَبِ النَّزاعاتِ الكَثيرَةِ. وَقَد كانَ يَشْعُرُ بالألمِ الدَّائِمِ بِسَببِ الشَّعْبِ المُتَمَرِّدِ الَّذي يَرْفُضُ أنْ يَخْضَعَ لِما يَقولُهُ لَهُمْ، مَعَ أنَّها كانَتْ كَلِمات اللهِ. وَهُوَ يَقولُ في الأصْحاحِ التَّاسِعِ: "يَا لَيْتَ رَأسِي مَاءٌ، وَعَيْنَيَّ يَنْبُوعُ دُمُوعٍ، فَأَبْكِيَ نَهَارًا وَلَيْلاً قَتْلَى بِنْتِ شَعْبِي. يَا لَيْتَ لِي فِي الْبَرِّيَّةِ مَبِيتَ مُسَافِرِينَ، فَأَتْرُكَ شَعْبِي وَأَنْطَلِقَ مِنْ عِنْدِهِمْ". بِعِبارَةٍ أُخرى، كُنْتُ سَأتْرُكُ هَذا المَكانَ وَأتْرُكُ هَذا الشَّعْبَ العَنيدَ، والمُتَمَرِّدَ، والمُكابِرَ، والقَاسي القَلْبِ لو كانَ بِمَقْدوري أنْ أَتْرُكَهُ وَأمْضي. "لأَنَّهُمْ جَمِيعًا زُنَاةٌ، جَمَاعَةُ خَائِنِينَ. «يَمُدُّونَ أَلْسِنَتَهُمْ كَقِسِيِّهِمْ لِلْكَذِبِ. لاَ لِلْحَقِّ قَوُوا فِي الأَرْضِ. لأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ شَرّ إِلَى شَرّ، وَإِيَّايَ لَمْ يَعْرِفُوا، يَقُولُ الرَّبُّ»". فَقَدْ كانَ إرْميا النَّبِيَّ البَاكي. وَقَدْ اخْتَبَرَ يَسوعُ الأمْرَ نَفْسَهُ: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! ... كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا!" ... وَلَمْ تُريدُوا! وَقَدْ بَكَى. لَقَدْ بَكَى.

لذلكَ، يَجِبُ على الرَّعِيَّةِ أنْ تَحْيا في سَلامٍ مَعَ قَادَتِها. فَلا يَجوزُ أنْ تَتَخاصَمُوا. ولا يَجوزُ أنْ تَتَنازَعُوا. بَلْ يَجِبْ أنْ تَخْضَعُوا وأنْ تُطِيعُوا. فَهُمْ مَنْ سَيُعْطُونَ حِسابًا للهِ على مَا يَفْعَلونَهُ، وليسَ أنْتُمْ. فَإنْ تَبِعْتُمْ قِيادَتَهُمْ بِأمانَةٍ، وَفَعَلْتُمْ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْكُمْ، ولكِنَّهُمْ أَضَلُّوكُمْ بِطَريقَةٍ أوْ بِأُخرى، أوِ اتَّخَذُوا قَراراتٍ غَيْر حَكيمَةٍ، فإنَّهُمْ سَيُعْطونَ حِسَابًا للهِ عَنْ ذلك. أمَّا أنْتُمْ فَسَتَحْصُلونَ على البَرَكَةِ لأنَّكُمْ أَطَعْتُمْ – طَالَما أنَّهُمْ لا يَطْلُبونَ مِنْكُمْ أنْ تَفْعَلُوا أمْرًا خاطِئًا. فَفي هَذِهِ الحَالَةِ، يَجِبُ عليكُمْ أنْ تَطَبِّقوا الحَقَّ الكِتابِيَّ.

إنَّها واجِباتٌ بَسيطَةٌ. أليسَ كذلك؟ وَإنْ أرادَتِ الكَنيسَةُ أنْ تَكونَ غَنيَّةً، وَعَذْبَةً، وَفَرِحَةً، وَمُبارَكَةً، يَجِبُ على الرُّعاةِ أنْ يَقوموا بَمَسؤوليَّاتِهِمْ وَأنْ يُنَفِّذُوا واجِباتِهِمْ تُجاهَ الخِرافِ، وَيَجِبُ على الخِرافِ أنْ تَقومَ بَمَسؤوليَّاتِها وَأنْ تُنَفِّذَ واجِباتِها تُجاهَ الرُّعاةِ. وهذا يَعْني أنَّهُ يَنْبَغي أنْ تُقَدِّروهُمْ مِنْ جِهَةِ الاحْتِرامِ والمُكافأةِ. وَيَنْبَغي أنْ تَعْتَبِروهُمْ فَوْقَ كُلِّ حَدٍّ آخَر في المَحَبَّةِ وَأنْ تُقَدِّمُوا أيَّ تَضْحِيَةٍ مِنْ أجْلِهِمْ. وَهَذا يَعْني أنْ تَرْفَعوهُمْ، وَأنْ تَتَحَدَّثوا عَنْهُمْ بالخَيْرِ، وَأنْ تُشَجِّعوهُمْ، وَأنْ تَفْعَلوا كُلَّ ما في وُسْعِكُمْ لِجَعْلِ خِدْمَتِهِمْ إيجابِيَّةً لأنَّهُمْ قَناةُ البَرَكَةِ الَّتي يَسْتَخْدِمُها اللهُ لِتَوصيلِ الحَقِّ إليكُمْ. ثالِثًا، يَجِبُ أنْ تَخْضَعُوا لَهُمْ لكي تَجْعَلوا الكَنيسَةَ مَكانًا يَعُمُّهُ السَّلامُ. وَهَذا يَتَطَلَّبُ مِنْكُمْ أنْ تَتَجَنَّبوا جَميعَ الخِلافاتِ.

فَعِنْدَما تَتَصَرَّفُ الرَّعِيَّةُ هَكذا، وَيَتَصَرَّفُ الرُّعاةُ هَكَذا، فإنَّ الكَنيسَةَ تَصيرُ مَكانًا مُفْعَمًا بالفَرَحِ والسَّلامِ كَما شَاءَ اللهُ أنْ تَكون. وَهَذا يُذَكِّرُني بِما حَدَثَ عِنْدَما صَارَ شَاوُلُ مَلِكًا. فَنَحْنُ نَقْرَأُ في سِفْرِ صَموئيلَ الأوَّلَ 10: 26: "وَذَهَبَ مَعَهُ الْجَمَاعَةُ الَّتِي مَسَّ اللهُ قَلْبَهَا". وَعِنْدَما عَلِمَ شَاوُلُ أنَّ "نَاحَاشَ" أَرادَ أنْ يُشَوِّهَ شَعْبَ اللهِ، حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ عليهِ، كَما تَقولُ كَلِمَةُ اللهِ. وَعِنْدَما أَمَرَ شَاوُلُ الشَّعْبَ أنْ يَجْتَمِعُوا، نَقْرَأُ أنَّهُمْ خَرَجُوا كَرَجُلٍ واحِدٍ. وَهَذا مَذْكورٌ في الأصْحاحِ الَّذي يَليه، أيْ في الأصْحاحِ الحَادي عَشَر. فَنَحْنُ نَرى هُنا جَماعَةً مِنَ الأشْخاصِ الَّذينَ مَسَّ اللهُ قَلْبَهُمْ، والَّذينَ خَرَجُوا مَعَ مَلِكِهِمْ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ.

وَهَذا النَّوْعُ مِنَ الوَحْدَةِ، وَهَذا النَّوْعُ مِنَ الاتِّحادِ هُوَ مَا يَدْعُونا اللهُ إليهِ في الكَنيسَةِ. فَهُوَ يَدْعو الرَّاعي والخِرافَ إلى الانْسِجامِ التَّامِّ. وَهَذا يَحْدُثُ عِنْدَما يَتْعَبُ الرَّاعي حَتَّى الإجْهاد، وَيَقودُ الرَّعِيَّةَ، وَيُرْشِدُها، وَيُطْعِمُها، وَعِنْدَما تُقَدِّمُ الرَّعيَّةُ للرَّاعي كُلَّ التَّقْديرِ، والدَّعْمِ، والحُبِّ، والخُضوع. فالرُّعاةُ الأُمناءُ والرَّعِيَّةُ الأمينَةُ يُسْهِمونَ في امْتِدادِ المَلَكوتِ وَيُعْطُونَ المَجْدَ للهِ. ولا يَسَعُني التَّفْكيرَ في أنَّنا قَدْ نَرْغَبُ في القِيامِ بأيِّ شَيءٍ آخَرَ سِوى إِطَاعَةِ هَذِهِ الوَصَايا مِنْ جِهَتِنا وَمِنْ جِهَتِكُمْ لِكَيْ نَخْتَبِرَ مِلْءَ بَرَكَةِ اللهِ الَّتي وَعَدَ بِها كُلَّ مَنْ يُطيع. لِنَحْنِ رُؤوسَنا للصَّلاة:

يَا أَبَانا، لَقَدِ انْقَضى الوَقْتُ بِسُرعَةٍ كَبيرةٍ جِدًّا، ولكِنَّنا نَشْعُرُ أنَّهُ امْتَلأَ بِبَعْضِ التَّعليمِ المُباشِرِ وَالمُفيدِ لَنا جَميعًا. أَشْكُرُكَ، يا أَبَانا، على هذا الامْتيازِ العَظيمِ في أنَّكَ دَعَوْتَني إلى الخِدْمَةِ بالرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ اسْتِحقاقي. وَأشْكُرُكَ على البَرَكَةِ الخَاصَّةِ المُتَمَثِّلَةِ في هَذِهِ الرَّعِيَّةِ بالنِّسْبَةِ إلَيِّ. فَهُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ لَمْ يَحْظَوْا بهذا الامْتيازِ في أنْ يَنالُوا الحُبَّ، والتَّقديرَ، والاحْتِرامَ، والمُكافأةَ، وَالطَّاعَةَ. أشْكُرُكَ، يا أبي، على ذلكَ. فَأنا لا أَحْسَبُ هَذا أَمْرًا مُسَلَّمًا بِهِ لأنِّي أَعْلَمُ أنَّهُ ليسَ شَيئًا يُمْكِنُني أنْ أَحْصُلَ عَليهِ بِجَدارَتي أوْ أنْ أُخَطِّطَ لَهُ، بَلْ هُوَ شَيءٌ أَحْصُلُ عَليهِ بالنِّعْمَةِ. وَأنا أَشْكُرُكَ على ذلك. كَذلكَ، أَشْكُرُكَ بالنِّيابَةِ عَنْ هَذِهِ الرَّعِيَّةِ لأنَّكَ أعْطَيْتَهُمْ خِلالَ السَّنواتِ المَاضِيَةِ العَديدَ مِنَ الرُّعاةِ الأُمَناءِ الَّذينَ قَادُوهُمْ، لَيْسَ فَقَطْ مِنْ عَلى هَذا المِنْبَرِ، بَلْ في كُلِّ الخَدَماتِ الَّتي تَقومُ بِها هَذِهِ الكَنيسَةِ سَواءٌ كَانَتْ خِدْمَة الأطْفالِ، أوْ خِدْمَة الشَّبيبَةِ، أوْ جَميع خَدَماتِ الرَّاشِدينَ وَخَدَماتِ الكِرازَةِ.

لَقَدْ أَعْطَيْتَ، يا أَبانا، العَديدَ مِنَ الرُّعاةِ الأُمَناءِ الَّذينَ تَعِبُوا وَكَدُّوا بَيْنَ الخِرافِ، والذينَ دَبَّروا أَحْوالَ الرَّعِيَّةِ بِأمانَة. وَقَدْ أَعْطَيْتَ العَديدَ مِنَ الرُّعاةِ الأُمناءِ الَّذينَ عَلَّمُوا الرَّعِيَّةَ كَلِمَةَ اللهِ. وَنَحْنُ نُريدُ، يا أبانا، أنْ نَحْفَظَ هَذِهِ الوَحْدَانِيَّةَ بِرِبَاطِ السَّلامِ الَّذي وَهَبْتَهُ لَنا مِنْ خِلالِ الاسْتِمرارِ في أنْ نَكونَ أُمَناء. وَصَلاتي بالنِّيابَةِ عَنْ هَذِهِ الرَّعِيَّةِ هِيَ أنْ تَمْلأَ قُلوبَهُمْ بالتَّقْديرِ، وبالاحْتِرامِ وَالمَحَبَّةِ العَميقَيْنِ للخُدَّامِ مِنْ أجْلِ تَعَبِهِمْ، وليسَ مِنْ أجْلِ شَخصيَّتِهِمْ أوْ مِنْ أجْلِ أيِّ شَيءٍ يَخْتَصُّ بِهِمْ وَيَجْعَلُهُمْ مَحْبُوبين. وَأُصَلِّي أنْ تَجْعَلَهُمْ يَسْلُكونَ في الطَّاعَةِ والخُضوعِ لِقَادَتِهِمْ لكي يَكونَ هُناكَ فَرَحٌ عَظيمٌ في هَذِهِ الكَنيسَةِ. وَإنْ كانَ هُناكَ أيُّ قَلْبٍ يُصَارِعُ مِنْ أجْلِ قَبولِ هَذِهِ الأشْياءِ بِسَبَبِ وُجودِ مَرارَةٍ، أوْ بِسَبَبِ وُجودِ عَداوَةٍ أوْ نِزاعٍ أوْ تَمَرُّدٍ، نُصَلِّي، يا رَبُّ، أنْ تُطَهِّرَ هَذِهِ القُلوبَ وَأنْ تُعْطينا تَناغُمًا حُلْوًا. اجْعَلْ كُلَّ الرُّعاةِ أُمَناءَ، واجْعَلِ الخِرافَ أُمَناءَ أيْضًا لكي نَتَمَكَّنَ مِنْ تَمْثيلِكَ في هَذا العَالَمِ، ولكي نَخْتَبِرَ مِلْءَ الفَرَحِ البَرَكَةِ والقُوَّةِ الَّتي تَنالُها هَذِهِ الجَماعَةُ المُبارَكَةُ مِنَ المُؤمِنينَ في العَالَمِ عِنْدَما تُلامِسُ الأشخاصَ الَّذينَ هُمْ في حَاجَةٍ مُلِحَّةٍ لِمَسيحِنا. مِنْ أجْلِ ذلكَ نُصَلِّي وَنَطْلُبُ أنْ تَتَمَجَّدَ. باسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize