Grace to You Resources
Grace to You - Resource

رِسالَةُ تَسالونيكي الأولى والأصْحاحُ الخَامِسُ. وَقَدْ وَصَلْنا إلى العَدَد 19. فَنَحْنُ نَدْرُسُ هَذهِ الوَصَايا المُسْتَقِلَّةِ الَّتي أَعْطاها الرَّسولُ بولسُ في نِهايَةِ رِسالَتِهِ إذْ يَخْتِمُ رِسالَتَهُ بِها. وَهُوَ يَذْكُرُ بِحَماسَةٍ شَديدَةٍ مَجموعَةً مِنَ العَناصِرِ الأساسِيَّةِ جِدًّا للحياةِ المسيحيَّةِ الَّتي يُقَدِّمُها في شَكْلِ وَصَايا إلى المُؤمِنينَ الفَتِيِّينَ جِدًّا في تَسالونيكي. وَإنْ بَدا أنَّ هَذِهِ الوَصَايا (الَّتي تَبتدئُ بالعدد 16 وتَنتهي بالعَدد 22) بَسيطَةٌ، أوْ حَتَّى مُفْرِطَة في البَساطَة، يَجِبُ علينا أنْ نَتذَكَّرَ أنَّهُ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّ هَذِهِ الوَصَايا بَسيطَةٌ مِنْ جِهَة، فإنَّها عَميقَةٌ جِدًّا مِنْ جِهَةٍ أُخرى. وَيَجِبُ علينا أنْ نَتَذَكَّرَ أيضًا أنَّ هَذِهِ الرَّعِيَّةَ تَضُمُّ مُؤمِنينَ حَديثي الإيمانِ نِسْبِيًّا. فَعُمْرُ الكَنيسَةِ لا يَتَجاوَزُ بِضْعَةَ أشْهُر. وَلا أَحَدَ مِنَ المُؤمِنينَ فيها كانَ يَتَجاوَزُ ذلكَ العُمْر في الإيْمان. لِذلكَ، فَقَدْ كانُوا بِحاجَةٍ إلى مَنْ يُذَكِّرُهُمْ وَيُلَخِّصُ لَهُم العَناصِرَ الأساسيَّةَ للحياةِ المسيحيَّةِ.

ولَعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ أنَّ هَذا كُلَّهُ يَأتي في سِياقِ المَقْطَعِ الخِتامِيِّ مِنَ الرِّسالَةِ إذْ يَتَحَدَّثُ بولسُ عَنْ عَلاقَةِ المؤمنينَ في الكنيسَةِ بالرَّبِّ. وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنْ تَأسيسِ رَعِيَّةٍ مُعَافاةٍ باسْتِخْدامِ اسْتِعاراتٍ مِنْ حَياةِ الرُّعَاةِ والخِرافِ. وقد لاحَظْنا أنَّهُ كانَ يُعَلِّمُ عَنْ عَلاقَةِ الخِرافِ بالرُّعاةِ، وَعَنْ عَلاقَةِ الرُّعاةِ بالخِرافِ – أيْ عَنْ عَلاقَةِ رُعاةِ الكَنيسَةِ بِشَعْبِ الكَنيسَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَحَدَّثَ عَنْ عَلاقَةِ المُؤمِنينَ بَعْضُهُمْ بِبَعْض. وَهُوَ يَتَحَدَّثُ الآنَ عَنْ عَلاقَةِ الخِرافِ (أيِ المُؤمِنينَ) بِالرَّاعي الأعْظَم (أيْ بالرَّبِّ نَفْسِهِ). وابْتِداءً بالعَدَد 16، نَجِدُ بَعْضَ الوَصَايا المُخْتَصَّةَ بِعَلاقَتِنا الرُّوحِيَّةِ بالرَّبِّ.

وَقَدْ وَصَلْنا إلى الوَصِيَّةِ الرَّابِعَةِ في العَدَد 19. فَقَدْ تَحَدَّثْنا في المَرَّاتِ السَّابِقَةِ عَنْ: "افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ"، وَ "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ، وَ "اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ" – وَهِيَ ثلاثُ وَصَايا تُعَبِّرُ عَنْ مَشيئَةِ اللهِ لَنا في المَسيحِ يَسوع. وَنَأتي الآنَ إلى الوَصِيَّةِ الرَّابِعَةِ: "لا تُطْفِئُوا الرُّوحَ". وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ مُباشِرَةٌ جِدًّا، وليسَتْ عَسِرَةَ التَّفْسيرِ في الحَقيقَةِ. ولَكِنَّها تَحْتاجُ إلى فَهْمٍ دَقيقٍ إنْ أَرَدْنا أنْ نُطَبِّقَها في هذا الزَّمَنِ الَّذي نَعيشُ فيه.

واسْمَحوا لي، في البِدايَة، أنْ أقولَ إنَّ هُناكَ فِئَةً مِنَ المُفَسِّرينَ، وَهِيَ فِئَةٌ كَبيرَةٌ في الوَاقِعِ، يَرَوْنَ أنَّ العَدَد 19 مُرْتَبِطٌ بالأعْدادِ الثَّلاثَةِ الَّتي تَليه. بِعِبارَةٍ أُخرى، فإنَّهُمْ يَقولونَ إنَّ هَذا العَدَدَ يُشيرُ إلى بعضِ الإسَاءاتِ الَّتي كانَتْ تَحْدُثُ في كَنيسَةِ تَسالونيكي فيما يَخْتَصُّ بالمَواهِبِ الرُّوحِيَّةِ. وَأنَّهُ عِنْدَما يَقولُ بُولُسُ: "لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ. لاَ تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ. امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ. امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ"، فإنَّهُ يُقَدِّمُ في الحَقيقَةِ إجْراءً تَصْحِيْحِيًّا لأنَّهُمْ كانُوا يُسيئونَ اسْتخدامَ المَواهبِ الرُّوحِيَّةِ. والمُفَسِّرونَ الذينَ يَتَمَسَّكونَ بِالرَّأيِ القائِلِ إنَّهُ يَتَحَدَّثُ هُنا عَنِ المواهبِ الرُّوحِيَّةِ يَقولونَ إنَّهُ عِنْدَما يَقولُ "لا تُطْفِئُوا الرُّوحَ"، فإنَّهُ يَعْني بِذلكَ: لا تَتَوَقَّفوا عَنْ مُمارَسَةِ بعضِ المَواهِبِ الرُّوحِيَّةِ في اجْتِماعِاتِ الكَنيسَةِ. وَبِصُورَةٍ أكْثَر تَحديدًا، عِنْدَما يَقولُ في العَدَد 20: "لاَ تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ" الَّتي تَأتي مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، فَإنَّهُمْ يُفَسِّرونَ مَا جَاءَ في العَدَدَيْن 21 و 22 وَكَأنَّهُ يَقولُ: "بِصَرْفِ النَّظَرِ عَمَّا يُقالُ، يَجِبُ عليكُمْ أنْ تَمْتَحِنوها. فإنْ كانَتْ حَسَنَةً، تَمَسَّكُوا بها. وَإنْ كانَتْ شِرِّيرَةً، امْتَنِعُوا عَنْها".

لِذلكَ، فإنَّهُمْ يُفَسِّرونَ هَذا المَقْطَعَ كُلَّهُ كما لو كانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ المواهِبِ الرُّوحِيَّةِ، أيْ عَنْ مَواهِبِ التَّنَبُّؤِ الَّتي تَحْدُثُ في الكَنيسَةِ، أوْ عَنْ كلامِ العِلْمِ، أوْ رُبَّما كَلامِ الحِكْمَةِ، أوْ رُبَّما عَنِ التَّكَلُّمِ بألْسِنَةٍ وَتَفْسيرِ الألْسِنَةِ. لِذلكَ فإنَّهُمْ يَسْتَنْتِجونَ أنَّهُ كانَ يُوْجَدُ في كَنيسَةِ تَسالونيكي سُوْءُ اسْتِخْدامٍ لهذهِ المواهِبِ. وَهُمْ يَقولونَ إنَّ هَذِهِ هِيَ طَريقَةُ بولُس في مَحاوَلَةِ تَصْحيحِ ذلك.

وَجَميعُ المُفَسِّرينَ الذينَ يَتَمَسَّكونَ بهذا الرَّأيِ يَقْرِنونَهُ بِالأصْحاحات 12-14 منْ رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى. وَهُمْ يَقولونَ إنَّ مُؤمِني تَسالونيكي لم يَكونوا يَفْهَمونَ الحَقائِقَ الَّتي وَرَدَتْ في الأصْحاحات 12 و 13 و 14 مِنْ رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى، وهيَ أصْحاحاتٌ تَتَحَدَّثُ بالتَّفْصيلِ الدَّقيقِ عَنِ الإساءَاتِ الَّتي كانَتْ تَحْدُثُ في كَنيسَةِ كورِنثوسَ فيما يَختصُّ باستخدامِ المواهبِ الرُّوحِيَّةِ. وَبِكُلِّ تَأكيدٍ، فإنَّ بُولُسَ يُصَحِّحُ ذلكَ بِألْفاظٍ دَقيقَةٍ جِدًّا جِدًّا مُبَيِّنًا طَريقَةَ استخدامِ تلكَ المواهِبِ، والأحوالَ الَّتي لا يَجوزُ استخدامُها فيها، وكيفيَّةَ تَمْييزِ الموهبةِ الحقيقيَّةِ، وكيفيَّةَ تَمييزِ الموهبةِ الزَّائفةِ، وكيفيَّةَ استخدامِ المواهبِ في الخدمةِ، وكيفيَّةَ ضَبْطِها، وَهَلُمَّ جَرًّا. وَهُناكَ الكَثيرُ مِنَ التَّفاصيلِ عَنْ ذلك. وَهُوَ يَذْكُرُ أيضًا المَواهِبَ الفضْلَى وَيُبَيِّنُ ما هُوَ أَهَمُّ مِنْ جَميعِ المَواهِبِ، ولا سِيَّما المَحَبَّة، إذْ يَتَحَدَّثُ عَنْها تَحْديدًا في الأصْحاح 13 مِنْ ذلكَ المَقطَع.

لذلكَ فَهُمْ يَقولونَ إنَّهُ كانتْ هناكَ مشاكلُ مُختصَّة بالمواهبِ الرُّوحِيَّةِ في تَسالونيكي إذْ إنَّ المؤمنينَ لم يكونوا يَتَّبِعونَ التَّعليمَ الَّذي جَاءَ مثلًا في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصحاحات 12 و 13 و 14، ولا يَفهمونَ تلكَ المبادئَ المُبَيَّنَةَ فيها. لِذلكَ فإنَّهُ هُنا يُصَحِّحُ تلكَ المُشكلة. ولكِنْ بعدَ أنْ قرأتُ مَا كَتَبَهُ أكثرُ مِنْ عَشَرَةِ مُفَسِّرينَ أوْ أَحَدَ عَشَرَ مُفَسِّرًا مِمَّنْ يُنادُونَ بهذا الرَّأيِ، يَجِبُ أنْ أَعْتَرِفَ لَكُمْ بأنِّي ما زِلْتُ غيرَ مُقْتَنِعٍ بذلك لأسْبابٍ عَديدَة.

فَقَبْلَ كُلِّ شَيء، لا يوجدُ سَبَبٌ مُقْنِعٌ للنَّظَرِ إلى هذا المقطعِ بهذهِ الطريقة. فلا يوجدُ سببٌ مُقْنِعٌ لرؤيةِ أنَّهُ يَقولُ في العدد 19 أيَّ شيءٍ غيرَ "لا تُطْفِئُوا الرُّوحِ" – نُقْطَة، بصورةٍ عامَّةٍ. ولا يوجدُ سَبَبٌ مُقْنِعٌ لرؤيةِ أنَّهُ لا يَقولُ ببساطة في العدد 20: "لاَ تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ"، وأنَّ تلكَ الكلمةَ تُستخدمُ عنِ الإعلانِ المَنْطوقِ الآتي مِنَ الوَحْيِ، وَعَنِ الإعلانِ المَكْتوبِ الآتي مِنَ الوَحْيِ، وَأنَّهُ يَقولُ ببساطَةٍ: "عندما يَتكلَّمُ الوَحْيُ، لا تَحْتَقِروه" – فَهِيَ مُجَرَّدُ جُمْلَةٍ عَامَّةٍ جِدًّا.

وفي العدد 21، نَجِدُ مَرَّةً أُخرى جُملةً عامَّةً جِدًّا: "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ. امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ". فلو أنَّهُ كانَ يَتحدَّثُ عنِ النُّبوءاتِ، ولو أنَّهُ كانَ يَتحدَّثُ عنِ الأشياءِ الَّتي كانُوا يَنْطِقونَ بها، لَقال: "تَمَسَّكُوا بِما هُوَ صَحيح، واترُكوا ما هُوَ خَطَأ". ولكِنَّهُ يَقولُ هُنا: "تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ. امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ". وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّ هذا يَتَجاوَزُ الحديثَ المُحَدَّدَ المُختصَّ بالنُّطْقِ ببعضِ أنواعِ النُّبوءاتِ.

لذلكَ فإنَّني أرى أنَّ هَذِهِ الآياتِ هِيَ مُجَرَّدُ وَصَايا مُختلفَة. لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ. فهذا موضوعٌ مُستقلٌّ. لاَ تَحْتَقِرُوا الإعلاناتِ القادِمَة مِنْ خِلالِ النُّبُوَّاتِ المَكتوبَةِ أوِ المَنطوقَةِ. امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ في حياتِكُم، فإنْ وَجَدْتُموهُ حَسَنًا، تَمَسَّكُوا بِهِ. وَإنْ وَجَدْتُمْ شيئًا سَيِّئًا، ابْتَعِدُوا عنهُ. إنَّها مَبادِئُ أساسِيَّة للحياةِ الرُّوحِيَّةِ. لِذلكَ، لا يوجدُ هُنا حَقًّا سَبَبًا قَوِيًّا يَدْعونا إلى الاعتقادِ بأنَّ النَّصَّ يَتَحَدَّثُ عَنْ أيِّ إساءَةٍ حَدَثَتْ.

فَضْلًا عن ذلك، يبدو لي أنَّهُ لو كانَتْ هُناكَ إساءَةُ استخدامٍ للمواهِبِ في كنيسةِ تَسالونيكي، أيْ في تلكَ الكَنيسَةِ الفَتِيَّةِ، لكانَ بولسُ شَغوفًا حَقًّا لِحَلِّ المشكلة لأنَّهُ كانَ سَيَرى الضَّررَ الَّذي يُمْكِنُ أنْ يَحْدُث. وفي تلكَ الحالةِ فإنَّهُ لن يكونَ غيرَ مُباشِرٍ كَما هُوَ هُنا، ولن يَتَحَدَّثَ بِصورةٍ عامَّةٍ كما يَفْعَلُ هُنا. وهذا في حالِ أنَّهُ كانَ عاقِدَ العَزْمِ على مُعالجةِ مُشكلةٍ كبيرةٍ في الكنيسة. والحقيقةُ هيَ أنَّهُ كانَ سَيَكْتُبُ للكنيسةِ في تسالونيكي مَا كَتَبَهُ للكنيسةِ في كورِنثوس لو كانتِ إساءةُ استخدامِ المواهِبِ قد ظَهَرَتْ هُناكَ أوَّلًا.

وبالمُناسَبَة، لا نُخْطِئُ أيضًا إنْ قُلْنا إنَّ المؤمنينَ في تسالونيكي لن يكونوا قد عَرَفُوا ما جاءَ في رِسالةِ كورنثوسَ الأولى والأصحاحات 12-14 لأنَّها لم تَكُنْ قد كُتِبَتْ بعد. والسَّبَبُ في أنَّها لم تَكُنْ قد كُتِبَتْ بعد هُوَ أنَّ الكنيسةَ في كورِنثوس لم تَكُنْ قد تَأسَّسَتْ بعد، وأنَّهُ لم يكُنْ هُناكَ مُؤمِنونَ مَسيحيُّونَ في تلكَ المدينةِ بعد. لذلكَ، يجبُ علينا أنْ نَفترضَ إذًا أنَّهُ لو كانتْ هناكَ مُشكلةٌ في هذا الخُصوص، فإنَّ هَذِهِ هيَ المَرَّةُ الأولى الَّتي تَظْهَرُ فيها – أيْ في كَنيسَةِ تَسالونيكي قبلَ تأسيسِ كَنيسَةِ كورِنثوس – وأنَّهُ كانَ سَيَقولُ مَا عِنْدَهُ لَها [أيْ: لكنيسةِ تَسالونيكي] بنفسِ الجِدِّيَّةِ، وبنفسِ الطُّولِ، وبنفسِ الاهتمامِ الَّذي فَعَلَهُ مَعَ مُؤمِني كُورِنثوس. لِذا، نَستنتِجُ مِن ذلكَ أنَّهُ لم تَكُنْ هُناكَ مُشكلةٌ كهذهِ هُناك. ولمْ يَكُنْ هُناكَ إجراءٌ تَصحيحيٌّ لازِمٌ. ولم تَكُنْ هُناكَ أيُّ أسبابٍ تَدْعونا إلى تَفسيرِ النَّصِّ بهذهِ الطَّريقَةِ. فَبِبَساطَةٍ، إنَّهُ يُقَدِّمُ لنا مَجموعَةً مِنَ الوَصَايا، بنفسِ الأسلوبِ الَّذي رأيناهُ يَسْتَخْدِمُهُ ابتداءً مِنَ العَدَد 16 – أيْ أنَّهُ يُلَخِّصُ مَبادِئَ عَلاقَةِ المُؤمِنِ المَسيحيِّ بِرَبِّهِ.

وَهُنا، تَقِفُ الآيَة 19 وَحْدَها كَوَصِيَّةٍ عَامَّةٍ: "لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ". والآنْ، مِنَ الواضِحِ أنَّ الجُمَلَةَ اللَّاحِقَةَ تَفتَرِضُ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَقِفُ وَراءَ الكَلامِ النَّبَوِيِّ، ولكِنَّها آيَةٌ مُستقلَّةٌ أيضًا. لذلكَ، لِنَنْظُرْ إلى هذهِ الآيَةِ كَجُمْلَةٍ مُستقلَّةٍ بِذاتِها. "لا تُطْفِئُوا الرُّوحَ" – إنَّها وَصِيَّةٌ عَامَّةٌ. والاسْتِعارَةُ هُنا وَاضِحَةٌ جِدًّا. فالكلمة "يُطْفِئ" تَعْني "يُخْمِد". وَهِيَ تَعْني "يَكْبَحْ" أوْ "يَمْنَع"، أوْ كَما هِيَ مُتَرْجَمَة هُنا: "يُطْفِئ". وَهِيَ تُستخدَمُ في إنجيل مَرْقُس 9: 48 بِمَعْنى إطْفاءِ النَّارِ. وَهِيَ تُستخدَمُ في إنْجيل مَتَّى 25: 8 بِمَعْنى إطْفاءِ المِصْباحِ. فَهَذا هُوَ مَعْناها: "يُطْفِئ" أوْ "يُخْمِد" أو "يَكْبَح" أوْ "يَسْكُبُ مَاءً على النَّارِ".

ولا شَكَّ أنَّكُمْ تَعلمونَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ في كُلِّ الكِتابِ المقدَّسِ يُصَوَّرُ كَنارٍ. ويُمْكِنُكُمْ أنْ تَرَوْا ذلكَ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ والأصحاحِ الثَّاني عندما حَلَّ رُوْحُ اللهِ على الكنيسَةِ إذْ ظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ. وَرُوْحُ اللهِ يَظْهَرُ في أماكِنَ عَديدَة كَنارٍ. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّكُمْ تَذْكُرونَ أنَّهُ في رِسالَةِ بولُس إلى تيموثاوُس، فإنَّهُ يَقولُ لَهُ: "أُذَكِّرُكَ أَنْ تُضْرِمَ أَيْضًا مَوْهِبَةَ اللهِ الَّتِي فِيكَ". بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ النَّارَ مَوْجودَة، ولكِنْ ينبغي أنْ تُلْقي فيها بعضَ الحَطَبِ لكي تُضْرِمَها ثانِيَةً لأنَّها ضَعيفَة جِدًّا. لذلكَ فإنَّ الرُّوحَ مَذْكورٌ في العَديدِ مِنَ المُناسَباتِ كَنارٍ، كَنارٍ مُلْتَهِبَة. والرَّسولُ يَقولُ: "لا تَسْكُبوا المَاءَ على النَّارِ. وَلا تُلْقُوا مَادَّةً تُبْطِئُ اشْتِعالَ النَّارِ. لا تُطْفِئُوا عَمَلَ الرُّوحِ".

والآنْ، مِنَ الواضِحِ أنَّهُ يُمْكِنُ إطْفاءُ الرُّوحِ القُدُسِ، وَإلَّا لَما كانَ قَدْ أَعْطانا هَذِهِ الوَصِيَّة. لِذلكَ، لا يَنْبَغي أنْ نَتَفاجَأَ كثيرًا بذلك. فالنَّاسُ قَدْ يُحْزِنونَ الرُّوحَ القُدُسَ. فَنَحْنُ نَقرأُ في رِسالَةِ أفَسُس 4: 30: "وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ". وَالنَّاسُ قَدْ يُقاوِمونَ الرُّوحَ القُدُسَ أيضًا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُل 7: 51 عَنْ مُقاوَمَةِ الرُّوحِ القُدُس. والنَّاسُ قَدْ يُجَدِّفونَ على الرُّوحِ القُدُسِ. ففي إنْجيل مَتَّى 12: 24-32، يَدينُ يَسوعُ القادَةَ الفَرِّيسِيِّينَ في أورُشَليمَ لأنَّهُمْ جَدَّفُوا على الرُّوحِ القُدُس.

والآنْ، لِنُجَزِّئ ذلك. فَغَيْرُ المُؤمِنينَ قَدْ يُجَدِّفُوا على الرُّوحِ القُدُسِ. وَغَيْرُ المُؤمِنينَ قَدْ يُقاوِمُوا الرُّوحَ القُدُسَ. والمُؤمِنونَ قَدْ يُطْفِئونَ الرُّوحَ القُدُسَ وَيُحْزِنونَ الرُّوحَ القُدُسَ.

وَقَدْ تَقولُ: "وَما الفَرْقُ بينَ يُطْفِئونَ وَيُحْزِنون؟" إنَّ الإطْفاءَ هُوَ شَيءٌ تَفْعَلُهُ للرُّوحِ. أمَّا الإحْزانُ فَهُوَ الطَّريقَةُ الَّتي يَتَجاوَبُ فيها الرُّوحُ مَعَ ما فَعَلْتَهُ. فالإحْزانُ يُشيرُ إلى الألمِ الشَّخصيِّ الَّذي يَشْعُرُ بهِ الرُّوحُ القُدُسُ حينَ يُطْفِئُ المُؤمِنُ النَّارَ المُقَدَّسَةَ الَّتي أَضْرَمَها الرُّوحُ في قَلْبِهِ. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تُطْفِئَ الرُّوحَ القُدُسَ دُوْنَ أنْ تُحْزِنِ الرُّوحَ القُدُس. وَلا يُمْكِنُكَ أنْ تُحْزِنَ الرُّوحَ القُدُسَ إلَّا إذا أَطْفأتَ الرُّوحَ القُدُسَ. فَهُما، بِبَساطَةٍ، وَجْهانِ لِلْمُشْكِلَةِ نَفْسِها. الوَجْهُ الأوَّلُ يَصِفُ ما تَفْعَلُهُ، والوَجْهُ الثَّاني يَصِفُ مَا يَفْعَلُهُ الرُّوحُ. فأنْتَ تُطْفِئُ، وهُوَ يَحْزَنُ. وَهُوَ يَحْزَنُ لأنَّكَ تُطْفِئُ. لِذلكَ، بِصِفَتِنا خِرافًا تَرْغَبُ في أنْ تَرْتَبِطَ بالرَّاعي الأعْظَمِ ارْتِباطًا سَليمًا، يجبُ علينا ألَّا نُطْفِئَ الرُّوحَ القُدُسَ.

ولكي نَفْهَمَ هذا، يَجِبُ علينا أنْ نَتَحَدَّثَ لِدَقيقَةٍ أوْ دَقيقَتَيْنِ عَنْ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ، وَكيفَ نُطْفِئُهُ. ويجبُ علينا أنْ نَكونَ عَمَلِيِّينَ جِدًّا في هذا الخُصوص. وأعتقدُ أنَّنا بِمَقْدورِنا أنْ نَفْعَلَ ذلك. رُبَّما تَذكُرُونَ أنَّهُ عندما اقْتَرَبَ مَوْعِدُ مَوْتِ رَبِّنا وَصَارَ صَلْبُهُ وَشيكًا، أنَّهُ وَعَدَ بأنَّهُ سَيُرْسِلُ مُعينًا آخَرَ، أيِ الرُّوحَ القُدُسَ، رُوْحَ الحَقِّ الَّذي هُوَ مِثْلُهُ تَمامًا. فَقَدْ وَعَدَ وَعْدًا يَتَضَمَّنُ الآتي: "سوفَ يَأتي الرُّوحُ القُدُسُ بَعْدَ أنْ أَصْعَدَ إلى أبي. فسوفَ أُرْسِلُ الرُّوحَ القُدُسَ. وَهُوَ سَيَقومُ بنفسِ الدَّوْرِ الَّذي قُمْتُ بِهِ أنا في حَياتِكُمْ. فَهُوَ، أيِ الرُّوحُ القُدُسُ، أُقْنومٌ آخَرُ في الثَّالوثِ. فَهُوَ اللهُ. وَهُوَ سَيأتي وَيَقومُ بالدَّوْرِ الَّذي قُمْتُ بِهِ أنا في حياةِ التَّلاميذ". وَهُوَ يَقولُ في الحَقيقَةِ: "لقد كُنْتُ مُعَلِّمًا لَكُمْ، وَهُوَ سَيَكونُ مُعَلِّمَكُمْ في المُستقبَل. وقد كنتُ صَديقًا لَكُمْ، وَهُوَ سَيَكونُ صَديقًا لَكُمْ. وَقَدْ كُنْتُ مُرْشِدًا لَكُمْ، وَهُوَ سيكونُ مُرْشِدًا لكم. وقد كنتُ النَّبْعَ الرَّئيسيَّ لَكُمْ، وَهُوَ سيكونُ النَّبْعَ الرَّئيسيَّ لَكُم. وقد كُنْتُ المُعينَ لَكُمْ، وَهُوَ سيكونُ المُعينَ لَكُمْ. وقد كنتُ أنا المُعَزِّي لَكُمْ، وَهُوَ سيكونُ المُعَزِّي لَكُمْ".

بعبارةٍ أُخرى، "إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سيَقومُ بالدَّوْرِ الَّذي كُنْتُ أَقومُ بِهِ أنا. فقد فَعَلْتُ ذلكَ مِنْ خِلالِ وُقوفي بِجانِبِكُمْ، وَهُوَ سَيَفْعَلُ ذلكَ مِنْ خِلالِ العَمَلِ فيكُمْ. فقد كنتُ أنا النَّارَ مِنْ حَوْلِكُمْ، وَهُوَ سيَكونُ النَّارَ فيكُم". لذلكَ فقد وَعَدَ الرَّبُّ يَسوعُ بأنْ يُرْسِلَ في يومِ الخمسين وَما بعدَ ذلكَ إلى كُلِّ شَخْصٍ يُؤمِنُ بالمسيحِ يَوْمًا، أنْ يُرْسِلَ الرُّوحَ القُدُسَ لِيَسْكُنُ في ذلكَ المُؤمِن. فجميعُ المُؤمِنينَ المسيحيِّينَ يَسْكُنُ فيهم رُوْحُ اللهِ. وَهُوَ يَسْكُنُ هُناكَ كَنارٍ لا لِتُطْفَأ، بَلْ لِتُضْرَمَ إلى أَقْصَى حَدٍّ مُمْكِن.

وأعتقدُ أنَّهُ مِنَ المَألوفِ، ليسَ فقط في حياةِ المُؤمِنينَ، بل أيضًا في حَياةِ كُلِّ كَنيسَةِ يَسوعَ المَسيحِ، أنْ نُطْفِئَ نَارَ الرُّوحِ. واسْمَحُوا لي أن أتكلَّمَ بالمَعْنى العامِّ أوَّلًا. فكما أَشَرْتُ مؤخَّرًا في كِتابي عَنْ "كِفايَتِنا في المسيحِ" (Our Sufficiency in Christ)، فإنِّي أُوْمِنُ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ قَدْ أُطْفِئَ كثيرًا وبصورةٍ خطيرةٍ في يومِنا هذا. لذلكَ فإنَّهُ حَزينٌ جِدًّا بسببِ ما يَحْدُثُ في الكَنيسَةِ.

أوَّلًا، أنا أُوْمِنُ أنَّهُ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّ التَّصَوُّفَ الظَّاهِرَ في الحَرَكَةِ الخمسينيَّةِ يَعِدُ بِتَمْجيدِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ، فإنَّهُ يُطْفِئُ مَقاصِدَهُ التَّقديسيَّةَ. وَأنا أعْلَمُ أنَّهُ مِنَ الصَّعْبِ جِدًّا على المَرْءِ أنْ يَقولَ هَذا الكَلامَ، أوْ أنْ يَسْمَعَ هَذا الكَلامَ، وَلا سِيَّما للمُؤمِنِ لأنَّهُ إذا كانَ هُناكَ أيُّ شَيءٍ يُمْكِنُنا أنْ نَفْتَرِضَ أنَّهُ صَحيحٌ فيما يَخُصُّ الحَرَكَةَ الخَمسينيَّةَـ فَهُوَ أنَّهُمْ، يَحْرِصُونَ أكْثَرَ مِنَ الآخَرينَ جَميعًا، على تَمْجيدِ الرُّوحِ القُدُسِ. فَهُمْ يَتحدَّثونَ دائمًا عنِ الرُّوحِ القُدُسِ. وَهُمْ يَتحدَّثونَ دائمًا عنْ مَواهِبِ الرُّوحِ. وَهُمْ يَتحدَّثونَ دائمًا عنْ قُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ. وَهُمْ يُرَكِّزونَ كثيرًا على هذا النَّوعِ مِنْ لاهوتِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي هُوَ مِنْ تَصْميمِهِم. ولكِنَّ الحَقيقَةَ هِيَ أنَّهُ مَهْما تَحَدَّثُوا عَنْ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ، فإنَّهُمْ في الحَقيقَةِ يُطْفِئونَ عَمَلَ التَّقْديسِ الحَقيقيّ الَّذي يقومُ بِهِ الرُّوحُ القُدُسُ بِسَبِ سُوْءِ تَمْثيلِهِمْ لَهُ، وبسببِ توفيرِ بَدائِلَ زائِفَةَ للشَّيءِ الحَقيقيِّ. إنَّهُ إطْفاءٌ للرُّوحِ القُدُسِ عَلى مُسْتَوىً عَالٍ.

لَقَدْ قَامَ الخَمسينيُّنونَ بِتَحْجيمِ الرُّوحِ القُدُسِ إذْ إنَّهُمْ صَوَّروهُ في صُورَةِ جِنِّيٍّ إلَهِيٍّ يَقومُ فقط بأشياءٍ يَراها النَّاسُ، أوْ يَشْعُرونَ بِهاـ أوْ يَسْمَعونَها. أمَّا إنْ لم يُشاهِدوا تِلْكَ الأشياءَ أوْ يَشْعُروا بِها أوْ يَسْمَعوها، فإنَّهُ لم يَقُمْ بِها. وَهُوَ يَقومُ بتلكَ الأشياءِ بِحَسَبِ الطَّلَب. لِذلكَ، مَعَ أنَّ الحَرَكةَ الخمسينيَّةَ مَهْووسَةٌ بالرُّوحِ القُدُسِ، فإنَّها، في الوقتِ نَفْسِهِ، تُطْفِئُ عَمَلَ التَّقْديسِ الحَقيقيِّ الَّذي يَقومُ بِهِ الرُّوحُ. وعندما تَضَعُ مِعْيارًا خاطِئًا للتَّقْديسِ، ومِعْيارًا خاطئًا للحَياةِ الرُّوحِيَّةِ، فإنَّكَ تُطْفِئُ الرُّوح.

وَقد أَشَرْتُ أيضًا في الكِتابِ إلى أنَّ الهَوَسَ الحَالِيَّ بِعِلْمِ النَّفْسِ يُطْفِئُ أيضًا عَمَلَ الرُّوحِ بسببِ الاسْتِعاضَةِ عَنِ الشَّيءِ الحَقيقيِّ بِشَيءٍ زَائِفٍ. فَهُمْ يَلْتَجِئونَ إلى الحِكْمَةِ البَشَرِيَّةِ، والمَصادِرِ البشريَّةِ، والقُوَّةِ البشريَّةِ المُعَلَّبَةِ في شَكْلِ أساليبَ بَشَرِيَّة كَطَريقَةٍ لِحَلِّ المَشاكِلِ الرُّوحِيَّةِ. وَهُمْ يَرْفُضونَ القُوَّةَ الحَقيقيَّةَ الوَحيدَةَ، والحَلَّ الحَقيقيَّ الوَحيدَ، أيْ إنَّهُمْ يَرْفُضونَ الرُّوحَ القُدُسَ الَّذي لا يَقْدِرُ أَحَدٌ سِواه أنْ يَشْفي خَطايا حَياتِنا وَأنْ يَجْعَلَنا قِدِّيسين. ويجبُ علينا أنْ نَطْرَحَ السُّؤالَ التَّالي: هَلْ نَحْنُ بِحاجَةٍ إلى مُعالِجينَ نَفْسِيِّين، أَمْ أنَّنا بِحاجَةٍ إلى الرُّوحِ القُدُس؟ إنَّ أغلبيَّةَ الكَنائِسِ المُعاصِرَةِ الَّتي تَقولُ إنَّها تُؤمِنُ بالرُّوحِ القُدُسِ تَقولُ أيْضًا إنَّنا بِحاجَةٍ إلى مُعالِجينَ نَفْسِيِّين.

وَأنا أَقولُ في كِتابي: "لقد صَارَ التَّقْديسُ النَّفْسِيُّ بَديلًا عَنِ الحَياةِ المُمْتَلِئَةِ بالرُّوحِ. فَما النَّفْعُ مِنْ طَلَبِ تَعْزِيَةِ الرُّوحِ القُدُسِ إنْ كانَتِ المَشاكِلُ العَاطِفِيَّةُ العَميقَةُ لا تُحَلُّ إلَّا مِنْ قِبلِ عُلَماءِ نَفْسٍ مُدَرَّبين، أوْ لا تُحَلُّ إلَّا إذا تَمَكَّنَ النَّاسُ مِنْ مُجابَهَةِ حَياتِهِمْ فَقَطْ عَنْ طَريقِ التَّلامُسِ مَعَ طُفولَتِهِمْ، أوْ لا تُحَلُّ إلَّا إذا كانَتِ الحُلولُ لأعْمَقِ جِراحِ الحَياةِ مَدْفُونَة فينا. وَلَكِنْ لو كانَتْ هذهِ الأشياءُ صَحيحَة، لَما احْتَجْنا إلى الرُّوحِ القُدُسِ، بَلْ لَكُنَّا بِحاجَةٍ إلى مُعالِجٍ نَفْسِيٍّ". وَهَذا هُوَ بالضَّبْط الطَّريقُ الَّذي اخْتارَهُ مَسيحيُّونَ كَثيرونَ. وَمِنْ شَأنِ هَذا أنْ يُطْفِئَ الرُّوحَ القُدُسَ.

لقَدْ تَلَقَّيْتُ مُؤخَّرًا رِسالَةً مِنْ مُسْتَمِعَةٍ لِبَرْنامَجِنا الإذاعِيِّ. وَقَدْ ضَمَّنْتُ هَذِهِ الرِّسالَةَ في كِتابي. ولَكِنِّي سأقرأُها لَكُمْ لِمُجَرَّدِ تَذْكيرِكُمْ بِما يَفْعَلُهُ النَّاسُ. وَمِنَ الواضِحِ أنَّ هَذِهِ المُسْتَمِعَة قَدْ تَأثَّرَتْ بِعِلْمِ النَّفْسِ المَسيحيِّ الواسِعِ الانْتِشارِ، وَبِعِلْمِ النَّفْسِ غيرِ المَسيحيِّ الَّذي صَادَفَتْهُ في حَياتِها. لِذلكَ فَقَدْ كَتَبَتْ هَذِهِ الرِّسالَة. وَأرْجُو أنْ تَتَأمَّلُوا مَلِيًّا في كَلِماتِها. فَقَدْ كَتَبَتْ: "لَمْ أُوافِقُكَ يَوْمًا الرَّأيَ بِخُصوصِ عُلَماءِ النَّفْسِ، ولا بِخُصوصِ وَضْعِهِمْ جَميعًا في فِئَةٍ وَاحِدَةٍ سَواءٌ كَانُوا مَسيحيِّينَ أَمْ غَيْرَ مَسيحيِّين. وَبَعْدَ أنْ أَدْرَكْتُ مُؤخَّرًا أحْداثًا سابِقَةً كانَتْ قَدْ حَدَثَتْ في حَياتي، صَارَ الأمْرُ مُزْعِجًا أكْثَرَ مِنَ السَّابِقِ. وَأنا أَتساءَلُ إنْ كُنْتَ تُدْرِكُ حَجْمَ الضَّرَرِ الَّذي تُسَبِّبُهُ حينَ تَدْعُو النَّاسَ الَّذينَ يُعانونَ مَشاكِلَ عاطِفِيَّةً عَميقَةٍ إلى عَدَمِ طَلَبِ المُساعَدَةِ الَّتي يَحْتاجونَ إليها. فَإنْ كُنْتَ قَدْ نَشَأتَ في بيئَةٍ عَائِلِيَّةٍ نَموذَجِيَّةٍ، رُبَّما سَتَجِدُ صُعوبَةً في فَهْمِ الجِراحِ العَميقَةِ الَّتي أَصَابَتِ النَّاسَ وَتَرَكَتْ بَصْمَتَها في كُلِّ أجْزاءِ كِيانِهِمْ. وَفي أغْلَبِ الأحْيانِ، فإنَّ الأحْداثَ الَّتي يَخْتَبِرُها المَرْءُ في طُفولَتِهِ لا تَطْفُو إلى السَّطْحِ إلَّا في فَتْرَةِ المُراهَقَةِ أوِ الرُّشْدِ. وَحينَ تُوْصِي النَّاسَ فقط بِدِراسَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ والصَّلاةِ، فَكَأنَّكَ تَضَعُ ضِمادَةً على جُرْحٍ يَحْتاجُ إلى عَمَلِيَّةٍ جِراحِيَّةٍ. فَإنْ صَارَ المَرْءُ مَسيحيًّا فإنَّ هذا لا يَحُلُّ المُشكلةَ أيضًا. فقد كُنْتُ أعتقدُ أنَّ هَذا يَحُلُّ المُشْكِلَةَ، وَلَكِنَّهُ لا يَحُلُّها لأنَّ الأشْخاصَ الَّذينَ يُعانُونَ مَشاكِلَ مُعَيَّنة قَدْ يَعتقدُونَ أنَّ خِبْراتِهِم الحَياتِيَّةَ الماضِيَةَ عَادِيَّة؛ وبالتَّالي فإنَّهُمْ قَدْ يَدْفِنُونَ أَعْمَقَ الجِراحِ في قُلوبِهِمْ. وَلأنَّ هَذِهِ المَشاكِلَ تَبْقى دُوْنَ حَلٍّ، فإنَّهُمْ يَحْمِلونَها مَعَهُمْ إلى حَياتِهِمِ الزَّوْجِيَّةِ وَيَبْتَدِئونَ دَوْرَةً أُخرى".

والآنْ، اسْمَحُوا لي أنْ أَتَوَقَّفَ هُنا وَأنْ أَقولَ الآتي: إنَّ الفِكْرَةَ الأساسيَّةَ الَّتي تُحاوِلُ هَذِهِ السَّيِّدَةُ أنْ تُوَضِّحَها هِيَ أنَّ دِراسَةَ الكِتابِ المُقَدَّسِ، والصَّلاةَ، وَخِدْمَة الرُّوحِ هِيَ مُجَرَّدُ ضِمادَةٍ، وَأنَّ عِلْمَ النَّفْسِ هُوَ عَمَلِيَّةٌ جِراحِيَّةً عَميقَة. أَتَرَوْنَ المَعْنى الَّذي تَقْصِدُهُ هُنا؟ فَما تَقولُهُ في الحَقيقَةِ هُوَ عَكْسُ الحَقِّ – عَكْسُ الحَقِّ تَمامًا. فَعِلْمُ النَّفْسِ هُوَ الضِّمادَة. وَكَلِمَةُ اللهِ، والصَّلاةُ، وَقُوَّةُ الرُّوحِ هِيَ العَمَلِيَّةُ الجِراحِيَّةُ العَميقَةُ. وَلَكِنْ هَذِهِ هِيَ العَقليَّةُ الَّتي تَجْتاحُ الكَنيسَةَ.

كَذلكَ فإنَّ الرِّسالَةَ تَقول: "إنَّ أَبْسَطَ جَوابٍ هُوَ أنَّ هَذا كُلَّهُ يَحْدُثُ بِسَبَبِ الخَطِيَّة". لَكِنْ هَلْ هَذا تَبْسيطٌ للأمْرِ، أَمْ أنَّهُ الحَقيقَة؟ وَهِيَ تَقولُ: "اطْلُبْ مِنَ اللهِ أنْ يَغْفِرَ لَكَ، واغْفِرْ أنْتَ للآخَرين، واقرأ كِتابَكَ المُقَدَّسَ، وَصَلِّ، واطْلُبْ مِنَ اللهِ أنْ يُساعِدَكَ على أنْ تَكونَ في حَالٍ أفْضَل؛ ولكِنْ يَجِبْ عليكَ أيْضًا أنْ تَتَحَدَّثَ عَمَّا فَعَلَتْهُ الخَطِيَّةُ. فَإنْ لم يَكُنِ الشَّخْصُ مُدْرِكًا للمُشكلةِ الَّتي صَارَتْ مَدْفونَةً عَميقًا في اللَّاوَعْي، كيفَ سَيَتَمَكَّنُ مِنْ حَلِّها؟ فالشَّخْصُ المُصابُ بِكَسْرٍ في سَاقِهِ لَنْ يَسْتَفيدَ مِنْ دَهْنِ سَاقِهِ المَكْسُورَةِ بِمَرْهَمٍ. فَما لَمْ تَكْتَشِفِ السَّبَبَ الحَقيقيَّ للألمِ، لَنْ تَنَالَ الشِّفاءَ".

إنَّها تُعَبِّرُ مَرَّةً أُخرى عَنْ فِكْرَتِها الأساسيَّةِ. فالكِتابُ المُقَدَّسُ، والصَّلاةُ، وَخِدْمَةُ الرُّوحِ القُدُسِ تُشْبِهُ وَضْعَ مَرْهَمٍ على المُشْكِلَةِ، وَلَكِنَّها لا تُساعِدُ في حَلِّها. وَلَكِنْ إنْ أَرَدْتَ حَلًّا، يجبُ أنْ تَبْحَثَ عَمَّا هُوَ أَعْمَقُ مِمَّا تُقَدِّمُهُ لَكَ المَصَادِرُ الرُّوحِيَّةُ. وَهَذا أمْرٌ مُدْهِشٌ! فَضْلًا عَنْ ذلكَ، إنَّ مَا تَقولُهُ هَذِهِ السَّيِّدَةُ لا يَعْكِسُ سِوى أفْكارَ "فرويد" القائِمَة على الإلْحادِ وَعلى نَظَرِيَّةِ التَّطَوُّرِ إذْ إنَّها تَقولُ إنَّ النَّاسَ يَشْعُرونَ بِما يَشْعُرونَ بِهِ لأنَّهُمْ يَدْفنونَ كَمًّا كَبيرًا مِنَ المَشاعِرِ في اللَّاوَعْيِ. فَكُلُّ شَيءٍ مُخَبَّأُ تَحْتَ السَّطْحِ. وَلا بُدَّ أنْ يَطْفُو كُلُّ شَيءٍ على السَّطْحِ لكي يَتَحَقَّقَ الشِّفاءُ. وَهَذا، دُوْنَ شَكٍّ، يُناقِضُ الحَقَّ الكِتابِيَّ وَلا يَمُتُّ بِصِلَةٍ لِعَمَلِ الرُّوحِ القُدُس.

وَتُتابِعُ السَّيِّدَةُ رِسَالَتَها قائِلَةً: "لَقَدْ تَلَقَّى الأطِبَّاءُ النَّفسانِيُّونَ المَسيحيُّونَ تَدْريبًا. وَهُمْ قادِرونَ أكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ على الوُصُولِ إلى جَذْرِ هَذِهِ المَشاكِلِ الخَطيرَةِ. فالصَّديقُ أوِ المُسْتَمِعُ الجيِّدُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدِّمَ عَوْنًا كبيرًا لأنَّ الأمْرَ عَميقٌ جِدًّا. والرَّاعي لَديهِ رَعِيَّة كامِلَة يَرْعاها. فكيفَ عَساهُ أنْ يُبَرِّرَ الوقتَ الَّذي سَيَصْرِفُهُ في حَلِّ مَشاكِلِ مَجْموعَةٍ صَغيرَةٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ؟ فالحَياةُ تَزْدادُ تَعْقيدًا. والعَلاقاتُ تَزْدادُ هَشاشَةً بسببِ ذلكَ. وَأنْتَ لا تَعْتَقِدُ أنَّهُ يَنْبَغي للمُؤمِنينَ المَسيحيِّين أنْ يَلْتَجِئُوا إلى المَشورَةِ المَسيحيَّةِ! إنَّني أتَساءَلُ، وأتساءَلُ، وأتساءَلُ، وأتساءَل!

"وأنا أَتَساءَلُ: كَمْ عَدَدُ الأشْخاصِ الَّذينَ تَمَّ إقْناعُهُمْ بِعَدَمِ طَلَبِ المُساعَدَةِ المُتَخَصِّصَةِ الَّتي هُمْ في حَاجَةٍ مُلِحَّةٍ إليها؟ وَإنَّني أَقْشَعِرُّ حينَ أُفَكِّرُ في المَسؤوليَّةِ المُلْقاةِ عليكَ لأنَّ صَوْتَكَ يَصِلُ إلى النَّاسِ عَبْرَ الأَثِيْرِ مُشَجِّعًا النَّاسَ على عَدَمِ طَلَبِ المُساعَدَةِ الَّتي يَحْتاجونَها. وَأَرْجو بِأمانَةٍ أنْ نَكونَ قَدْ أَسَأنا فَهْمَ المَعْنَى الحَقيقيَّ الَّذي قَصَدْتَهُ. وِلَتوضيحِ قَصْدي تَمامًا، أنا لا أُوافِقُكَ الرَّأيَ بأنَّهُ لا يَجوزُ للمُؤمِنينَ المسيحيِّينَ أنْ يَطْلُبوا المَشُورَةَ النَّفسيَّةَ المُتخصِّصَةَ. فَإنْ كانَتْ هُناكَ حَاجَةٌ، يجبُ عليهِمْ أنْ يَطْلُبوا المُساعَدَة". وَهِيَ تَقولُ أُمورًا أُخرى في الرِّسالَةِ لا حَاجَةَ إلى تَكْرارِها.

وَلَكِنَّ النُّقْطَةَ الَّتي أُريدُ أنْ أُوَضِّحَها لَكُمْ هِيَ أنَّ هَذا الرَّأيَ هُوَ رَأيٌ شَائِعٌ، أيْ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يُعالِجُ الأُمورِ مُعالَجَةً سَطْحِيَّةً، وَأنَّهُ مَا لَمْ تَنْزِعِ الطَّبَقاتِ، نَفْسِيًّا وَعِلاجِيًّا، لِتَرى ما يَكْمُنُ تَحْتَها، لَنْ تَتَمَكَّنَ مِنَ الحُصولِ على الشِّفاءِ العَميقِ الَّذي تَحْتاجُ إليه. وَأَوَدُّ أنْ أقولَ، بِبَساطَةٍ، لِمِثْلِ هَذِهِ المَرأةِ، أوْ لِبَقِيَّةِ الأشخاصِ الَّذينَ يُفَكِّرونَ بهذهِ الطَّريقَةِ، هُوَ: هَلْ هِيَ تَبْحَثُ عَنِ الإجاباتِ في المَكانِ المُناسِبِ؟ وَهَلْ هِيَ مُدْرِكَة حَقًّا للحَلِّ الحَقيقيِّ؟ وَهَلْ هُناكَ حَقًّا شَخْصٌ مُؤهَّلٌ أكْثَرَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس؟ وَهَلْ مَا نَعْنيهِ هُوَ أنَّهُ لو كانَ اللهُ يَعْرِفُ مَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ الآن، لَما كَانَ وَضَعَ الرُّوحَ القُدُسَ فينا لِيَقودَنا إلى طَريقِ الكَمالِ، بَلْ لَكانَ أَعْطَى كُلًّا مِنَّا طَبيبَهُ النَّفْسِيَّ الشَّخصيَّ؟ وَهَلْ عَانى رَبُّنا كَثيرًا لأنَّهُ لَمْ يَتَجَسَّدْ وَيَأتِ إلى الأرْضِ قَبْلَ مَجيءِ "فرويد"؟

هُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ يُصَدِّقونَ ذلِكَ. وَهَذا ليسَ أمْرًا حَديثًا، بَلْ هُوَ أمْرٌ مَذْكُورٌ في الأصْحاحِ الثَّالِثِ مِنْ رِسالَةِ غَلاطِيَّة. فالرَّسولُ بولُسُ يَقولُ في رِسالَةِ غَلاطِيَّة 3: 3: "أَهكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ! أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟" هَلْ وَجَدْتُمْ وَسيلَةً أوْ طَريقَةً بَشَرِيَّةً، أوْ عِلاجًا بَشَرِيًّا، أوْ وَسيلَةً بَشَرِيَّةً قادِرَةً على الوُصولِ إلى الأعْماقِ لأنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لا يَسْتَطيعُ أنْ يَفْعَلَ ذلك؟ وَما أَعْنيه هُوَ: هَلْ هَذا سَخيفٌ؟ "أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟" وَما الَّذي يَقْصِدُهُ بذلك؟ فَكِّروا في الأمْر. هَلْ تُؤمِنونَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَسْتَطيعُ أنْ يَقومَ بِعَمَلِ الخَلاصِ؟ وَعَمَلِ التَّغْييرِ؟ وَعَمَلِ التَّبْريرِ؟ فَقَدْ جَاءَ الرُّوحُ القُدُسُ إلى حَياتِكُمْ. وَقَدْ قَامَ مِنْ خِلالِ قُوَّةِ الإنْجيلِ بِنَقْلِكُمْ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ، وَمِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، وَمِنْ جَهَنَّمَ إلى السَّماءِ، وَمِنَ الخَطِيَّةِ إلى القَداسَةِ، وَمِنْ أنْ تَكونوا أولادَ إبليسَ إلى أنْ تَكونوا أولادَ اللهِ. فَإنْ كَانَ الرُّوحُ القُدُسُ قَدْ فَعَلَ هَذا كُلَّهُ، ألا يَقْدِرُ أنْ يَقومَ بِعَمَلِ التَّقْديسِ؟

أنْتُمْ تُؤمِنونَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ كانَ قَوِيًّا بِما يَكْفي لِتَبْكيتِكُمْ عَنْ خَطاياكُمْ، وَلِجَعْلِكُمْ تُدْرِكونَ بُطْلَ مُحاوَلاتِكُم الذَّاتِيَّةِ لإرْضاءِ اللهِ بِطَريقَتِكُمْ؟ وَأنْتُمْ تُؤمِنونَ أنَّ الرُوحَ القُدُسَ كَانَ قَوِيًّا بِما يَكْفي لِجَعْلِكُمْ تَتَخَلُّونَ عَنِ الشُّعورِ بِعَارِ الخَطِيَّةِ والخَوْفِ مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَلِجَعْلِكُمْ تَتْرُكونَ خَطاياكُمْ وَتَتَّبِعونَ المَسيحَ؟ وَهَلْ تَقْصِدونَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ كَانَ قَوِيًّا بِما يَكْفي لِبَثِّ رُوْحِ الحَياةِ في الإنْجيلِ وَجَعْلِهِ يَأتي إليكُمْ بِصِفَتِهِ الحَقَّ بالرُّغْمِ مِنْ مَوْتِكُمِ الرُّوحِيِّ، وَأنَّ رُوْحَ اللهِ كانَ قَوِيًّا بِما يَكْفي لِتَجْديدِكُمْ، وَلِجَعْلِكُمْ إنْسانًا جَديدًا تَمامًا، وَلِغَرْسِ بِذْرَةِ حَياةِ اللهِ فيكُمْ، وَأنَّهُ فَعَلَ كُلَّ هَذا، وَلَكِنَّهُ لا يَسْتَطيعُ الآنَ أنْ يُعالِجَ مَشَاكِلَكُمْ؟ يبدو لي أنَّ العَمَلَ الصَّعْبَ قَدْ أُنْجِزَ. فعندما نِلْتُمُ الخَلاصَ، أيْ في لَحْظَةِ اهْتِدائِكُمْ، فإنَّ رُوْحَ اللهِ قَامَ بِتَغييرِ قُلوبِكُمْ وَتَجْديدِها تَمامًا. فقد حَدَثَ تَغْييرٌ جَذْرِيٌّ، وَمُعْجِزِيٌّ، وَخارِقٌ للطَّبيعَةِ. وَهُوَ الأمْرُ الَّذي فَرَزَكُمْ عَنِ الخَطِيَّةِ وَكَرَّسَكُمْ للهِ. وَهُوَ الأمْرُ الَّذي وَضَعَكُمْ في جَسَدِ المَسيحِ. فالرُّوحُ القُدُسُ سَكَنَ فِيْكُمْ إلى الأبَد. وَهُوَ الَّذي أَعْطاكُمُ المَواهِبَ الرُّوحِيَّةَ لِكَيْ تَخْدِمُوا بِها. وَهُوَ الَّذي ضَمِنَكُمْ وَخَتَمَكُمْ إلى المَجْدِ الأبديِّ. وَهُوَ الَّذي سَكَبَ مَحَبَّةَ اللهِ في قُلوبِكُمْ وَأعْطاكُمُ القُدْرَةَ على أنْ تَعْبُدوا اللهَ وأنْ تُحِبُّوا البَشَر. فَقَدْ قامَ بِكُلِّ هَذا العَمَلِ في وقتِ خَلاصِكُمْ.

وَيَقولُ بُولُسُ لِمُؤمِني غَلاطِيَّة وَلأيِّ شَخْصٍ آخَرَ يُؤمِنُ بَنَفسِ هَذِهِ الحَماقَةِ: "هَلْ تَقولونَ لي أنَّهُ فَعَلَ كُلَّ هَذا، وَأنَّكُمُ الآنَ لا تَثِقون بأنَّهُ سَيَفْعَلُ مَا تَبَقَّى؟ وَقَدِ الْتَجَأتُمْ إلى مَصْدَرٍ بَشَرِيٍّ مَا، وَأنَّكُمْ تُفَكِّرونَ الآنَ أنَّهُ فيما يَخْتَصُّ بِمَشاكِلِ الحَياةِ فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُشْبِهُ الضِّمادَةَ، وَأنَّ عِلْمَ النَّفْسِ يُشْبِهُ العَمليَّةَ الجِراحِيَّةَ العَميقَة؟ هَذِهِ هِيَ الحَماقَةُ بِعَيْنِها – إنَّها حَماقَة. انْظُروا إلى عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ. وَلْنتَفَكَّرُ في ذلك. لقد تَحَدَّثْنا عَنْ حَقيقَةِ أنَّهُ في الثَّقافَةِ المَسيحيَّةِ الَّتي نَعيشُ فيها اليومَ، هُناكَ إطْفاءٌ للرُّوحِ مِنْ خِلالِ الاتِّكالِ على عِلْمِ النَّفْسِ، وَمِنْ خِلالِ الأفْكارِ التَّصَوُّفِيَّةِ للحَرَكَةِ الخَمْسينيَّةِ. وَقَدْ أَضَفْتُ في الكِتابِ قِسْمًا خَاصًا عَنِ الذَّرائِعِيَّةِ. فَهُناكَ أُناسٌ يُطْفِئونَ الرُّوحَ القُدُسَ مِنْ خِلالِ الاسْتِعاضَةِ عَنِ الوَعْظِ القَوِيِّ بالتَّحايُلِ، وَمِنْ خِلالِ الاسْتِعاضَةِ عَنِ التَّعْليمِ القَوِيِّ والتَّفْسيرِ القَويمِ للكِتابِ المُقَدَّسِ بالتَّرْفيهِ. وَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّ الكَنيسَةَ تَنْمو ليسَ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ، بَلْ مِنْ خِلالِ الذَّكاءِ في تَطْبيقِ نَفْسِ الأفْكارِ الإبْداعِيَّةِ المُسْتَخْدَمِةِ في المَشاريعِ التِّجارِيَّةِ.

وَالآنْ، ماذا عَنِ الحَياةِ الشَّخصيَّةِ؟ لِنَتْرُكْ تلكَ الصُّورَةَ الكَبيرَةَ وَنُرَكِّزُ علينا أنا وَأنْتَ. فما الَّذي يُريدُ الرُّوحُ القُدُسُ أنْ يَفْعَلَهُ فِيَّ، وَلَكِنِّي قَدْ أُطْفِئُهُ؟ بِبَساطَةٍ مُتَناهِيَةٍ: إنَّهُ يُريدُ أنْ يَسيرَ بِكَ في طَريقِ القَداسَةِ المُتَنامِيَة. هَلْ تَفْهَمونَ هذا؟ إنَّهُ يُريدُ أنْ يَسيرَ بِكَ في طَريقِ القَداسَةِ المُتَنامِيَة. وَما مَعْنَى الكَلِمَة "مُقَدَّس"؟ مُنْفَصِل. فَهُوَ يُريدُ أنْ يَفْصِلَكَ أكْثَرَ فَأكْثَرَ عَنِ الخَطِيَّةِ. وَكُلَّما زَادَ بُعْدُكَ عَنِ الخَطِيَّةِ زَادَ قُرْبُكَ مِنَ اللهِ. فَالقَداسَةُ هِيَ عَمَلِيَّةُ انْفِصالٍ. وَهُوَ يُريدُ أنْ يُنْشِئَ فيكَ تَناقُصًا في تَكْرارِ الخَطِيَّةِ ... تَناقُصًا في تَكْرارِ الخَطِيَّةِ، وَتَناقُصًا في الخُضوعِ لِسُلْطانِ التَّجْرِبَةِ، وَتَنَاقُصًا في الانْشِغالِ بالعَالَمِ، وَتناقُصًا في الخُضوعِ للجَسَدِ، وَيُريدُ أنْ يَزيدَ أشْواقَكَ نَحْوَ اللهِ. فَهَذِهِ هِيَ عَمَلِيَّةُ التَّقْديسِ. إنَّها تَقَدُّمٌ نَحْوَ القَداسَةِ. هَذا هُوَ عَمَلُهُ.

أمَّا القَصْدُ مِنْ وَراءِ ذَلِكَ، بِكُلِّ تَأكيد - إنَّ القَصْدَ الأَسْمَى مِنْ وَراءِ ذلكَ هُوَ يَسوعُ المَسيح. "أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ". أليسَ كَذَلِك؟ "لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". فَأنا أُريدُ أنْ أَكونَ مِثْلَ المَسيح. وَقَدْ قالَ المُرَنِّمُ دَاوُد: "أَمَّا أَنَا فَبِالْبِرِّ أَنْظُرُ وَجْهَكَ. أَشْبَعُ إِذَا اسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ". فَهَذا هُوَ هَدَفي. وَقَدْ قالَ بُولُسُ: "يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ" (غَلاطِيَّة 4: 19). وَقد قالَ في رِسالَةِ كُولوسي: "الَّذِي نُنَادِي بِهِ مُنْذِرِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، بِكُلِّ حِكْمَةٍ، لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". فَنَحْنُ نُريدُهُمْ أنْ يَكونوا مُشابِهينَ للمَسيح. وَنَحْنُ نُريدُكُمْ أنْ تَكونوا مُشابِهينَ للمَسيح. ونَحْنُ نُريدُكُمْ أنْ تَنْتَهُوا جَمِيعًا إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ (أَفَسُس 4: 13). لذلكَ فإنَّ الرُّوحُ القُدُسَ يُريدُ أنْ يَتَقَدَّمَ بِكُمْ مِنَ المَكانِ الَّذي أنْتُمْ فيهِ الآنْ إلى أنْ تَصيرُوا مُشَابِهينَ للمَسيح مِنْ خِلالِ السَّيْرِ في طَريقِ القَداسَةِ المُتَنامِيَة. فهَذا هُوَ التَّقْديسُ. إنَّهُ عَمَلِيَّةُ فَرْزٍ، وَعَمَلِيَّةُ فَصْلٍ أكْثَرَ فأكْثَر. فَهَذا هُوَ مَا يُريدُ أنْ يَفْعَلَهُ. فالقَداسَةُ تُشْبِهُ البِذْرَةَ الَّتي زُرِعَتْ لَحْظَةَ خَلاصِكَ والتي تَنْمُو. وَبيْنَما هِيَ تَنْمُو، فإنَّها تَحْمِلُ المَزيدَ والمَزيدَ والمَزيدَ والمَزيدَ مِنَ الثَّمَرِ. وَهَذا هُوَ عَمَلُ الرُّوحِ القُدُسِ.

وَقَدْ قَدَّمَ الكَاتِبُ الطَّهُورِيُّ العَظيمُ "جُوْن أُوين" (John Owen) بَعْضَ الأفْكارِ الغَنِيَّةِ إذْ قال: "التَّقْديسُ هُوَ عَمَلٌ مُباشِرٌ لِروحِ اللهِ في نُفوسِ المُؤمِنينَ إذْ يُطَهِّرُ وَيُنَقِّي طَبيعَتَهُمْ مِنَ التَّلَوُّثِ وَالفَسادِ الَّذي تَسَبَّبَتْ بِهِ الخَطِيَّةُ، وَيُجَدِّدُ فيهِم صُوْرَةَ اللهِ؛ وبالتَّالي يُمَكِّنُهُمْ مِنْ خِلالِ النِّعْمَةِ الرُّوحِيَّةِ الدَّائِمَةِ أنْ يَخْضَعُوا للهِ بِحَسَبِ شُروطِهِ وَوَصاياه المُبَيَّنة في العَهْدِ الجَديدِ مِنْ خِلالِ قُوَّةِ حَياةِ وَمَوْتِ يَسوعَ المَسيح".

إنَّهُ عَمَلُ الرُّوح القُدُسِ في نَفْسِكَ إذْ يُطهِّرُكَ، وَيُنَقِّيكَ، وَيَغْسِلُكَ مِنْ نَجاسَةِ الخَطِيَّةِ فيما أنْتَ تَصيرُ أكْثَرَ فَأكْثَر عَلى صُوْرَةِ اللهِ. أوْ بإيْجازٍ أكْبَر، إنَّ مَا يَقْصِدُهُ هُوَ الآتي: إنَّهُ التَّجْديدُ الشَّامِلُ لِطَبيعَتِنا بِواسِطَةِ الرُّوحِ القُدُسِ لِيَجْعَلَنا مُشَابِهينَ لِيَسوعَ المَسيح.

وَالآنْ، هَذا هُوَ ما يَرْغَبُ الرُّوحُ في عَمَلِهِ. فَعِلْمُ النَّفْسِ لا يَسْتَطيعُ أنْ يَفْعَلَ ذلك. والحِكْمَةُ البَشَرِيَّةُ لا تَسْتَطيعُ أنْ تَفْعَلَ ذلك. وَلا يُمْكِنُ لأيِّ شَيءٍ آخَرَ غَيْرَ الرُّوحِ القُدُسِ أنْ يَفْعَلَ ذلك. فالشَّخْصُ الوَحيدُ القادِرُ أنْ يَفْعَلَ ذلكَ هُوَ الرُّوحُ القُدُس. وَقَدْ تُطْفِئُ الرُّوحِ في أثناءِ عَمليَّةِ التَّقْديسِ تِلْكَ مِنْ خِلالِ الاسْتِعاضَةِ عَنْها بالخِبراتِ الصُّوفِيَّةِ، أوِ العَواطِفِ، أوِ المَشاعِرِ، أوِ الأساليبِ – أيِ الأساليبِ العِلاجِيَّةِ الخِادِعَةِ أوِ الزَّائِفَةِ أوِ المُضَلِّلَةِ أوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ. أوْ مِنْ خِلالِ الذَّرائِعِيَّةِ، أوِ الخِبْراتِ الَّتي تُرَكِّزُ على الأشياءِ الخارِجِيِّةِ أوِ الحَدْسِ أوِ الذَّاتِ. أوْ مِنْ خِلالِ عِلْمِ النَّفْسِ أوِ العَواطِفِ أوِ المَشاعِر. فَكُلُّ هَذا لَنْ يَفْعَلَ أبدًا مَا يَفْعَلُهُ الرُّوحُ القُدُسُ ولا يَسْتَطيعُ أَحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَفْعَلَهُ. وَالآنْ، في أثناءِ هَذهِ العَمَلِيَّةِ المُقَدَّسَةِ، هُناكَ بِضْعَةُ أُمورٍ يَفْعَلُها الرُّوحُ القُدُسُ فيكُمْ وَيَنْبَغي أنْ تَعْرِفُوها. فَهِيَ مُكَوِّناتُ هَذِهِ العَمَلِيَّة. وَهِيَ تُؤلِّفُ هَذِهِ العَمَلِيَّة.

أوَّلًا، إنَّهُ يُنيرُ الكَلِمَة – إنَّهُ يُنيرُ الكَلِمَة. فنحنُ نَقرأُ في رسالةِ بطرسَ الأولى 2: 2: "وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ". فأنتُم تَنْمُونَ بواسطةِ الكلمة. وإنْ أردتُم أنْ تَتقدَّمُوا في طريقِ القداسةِ، وأنْ تَنفصلوا أكثرَ عنِ الخطيَّةِ وتَقتربوا أكثرَ مِنَ اللهِ، فإنَّ عمليَّةَ التَّقَدُّمِ هذهِ تَحْدُثُ مِنْ خلالِ الكلمةِ حينَ تَقْبَلُوا الحَقَّ. "لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ". فأنتُم تَتَغَذُّونَ على الكلمة. وحينَ تَفْعَلونَ ذلكَ تَنْمُون. والرُّوحُ هُوَ العَامِلُ في الكلمة. ولعلَّكُمْ تَذكرونَ أنَّ الرُّوحَ هُوَ مُنْشِئُ الكَلِمَة. فنحنُ نقرأُ في رسالةِ بُطرسَ الثَّانية 1: 20 و 21: "بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". فالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ مُنْشِئُ الكِتابِ المُقَدَّسِ. لذلكَ فَهُوَ الَّذي كَتَبَ الكِتابَ المقدَّسَ. وليسَ هذا فقط، بل إنَّنا نَقرأُ في رِسالةِ يوحنَّا الأولى 2: 20 و 27 أنَّهُ يَسْكُنُ فينا وَيَمْسَحُنا لكي لا نَحْتاجَ إلى مُعَلِّمينَ بَشَرِيِّين.

بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ الأمْرَ لا يَقْتَصِرُ على أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ كَتَبَ الكَلِمَة، بل إنَّهُ يَسْكُنُ فينا وَيُنيرُ الكَلِمَة وَيُفَسِّرُها لَنا. وَهَذا مُهِمٌّ جِدًّا. فَهُوَ يَفْتَحُها لَنا. لذلكَ فإنَّ يَسوعَ يَقولُ في إنْجيل يوحناَّ 14: 26 وإنْجيل يوحنَّا 16: 13: "سوفَ أُرْسِلُ إليكُمُ الرُّوحَ القُدُسَ. فَهُوَ رُوحُ الْحَقِّ. وَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى الْحَقِّ. وَهُوَ يُريكُمُ الحَقَّ. وَهُوَ يَشْهَدُ لَكُمْ بِالأشياءِ الآتيةِ مِنْ عِنْدِ الآبِ فيما يَخْتَصُّ بي". ارْجِعُوا إلى رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى قَليلًا إذْ أَوَدُّ أنْ أُريكُمْ العَدَدَ التَّاسِعَ مِنَ الأصْحاحِ الثَّاني، وبِضْعَ آياتٍ أُخرى. رِسالَةُ كورِنثوسَ الأولى 2: 9 – فَهُناكَ جُمْلَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا وَرَدَتْ فيها. فَقَدْ جَاءَ في العَدَد 9: "بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ". وَهُوَ يَقْتَبِسُ مَا جاءَ في سِفْرِ إشَعْياء 64 و 65: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ". ولنتوقَّفْ عِنْدَ هَذِهِ النُّقْطَة.

فبالنِّسْبَةِ إلى أولئكَ الذينَ يُحِبُّونَ اللهَ ويَعْرِفونَ اللهَ، فإنَّ اللهَ قَدْ أَعَدَّ لَهُمْ بَعْضَ الأشياءِ الرَّائِعَةِ. وَهِيَ كُلُّها مُخْتَصَّة بعمليَّةِ التَّقديسِ تِلْكَ – أيْ بالبَرَكَةِ والمَجْدِ. فقد أَعَدَّ اللهُ هَذِهِ الأشياءَ. وَلَكِنْ أَرْجُو أنْ تُلاحِظُوا أنَّ هُناكَ طَريقَتَيْنِ لا يُمْكِنُنا بِهِما أنْ نَعْرِفَ تلكَ الأشياء. فلا يُمْكِنُكُمْ أنْ تَرَوْها أوْ أنْ تَسْمَعوها. هَذِهِ هِيَ الطَّريقَةُ الأولى. لِذا، نَسْتَنْتِجُ أنَّ ذلكَ الواقِعَ الرُّوحِيَّ العَظيمَ، وذلكَ الحَقَّ الرُّوحِيَّ العَظيمَ لا يُمْكِنُ أنْ يُعْرَفَ بالتَّجْرِبَةِ. والمَذْهَبُ التَّجْريبيُّ هُوَ، بِبَساطَةٍ، طَريقَةٌ للمُلاحَظَةِ، المُلاحَظَةِ المَوْضُوعِيَّةِ. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَجِدَ تلكَ الأشياءَ في عالَمِكَ. ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَراها، وَلا يُمْكِنُكَ أنْ تَسْمَعَها. فهذهِ الوَقائِعُ الرُوحِيَّةُ العَظيمَةُ لا يُمْكِنُ اكْتِشافُها بواسِطَةِ العقلِ البشريِّ بأيِّ طَريقةٍ عِلْميَّةٍ. فلا يُمْكِنُ لأيِّ طريقةٍ مَوْضُوعِيَّةٍ، أوْ حِسابِيَّةٍ، أوْ عِلْميَّةٍ، أوْ مَحْسُوسَةٍ أنْ تَكْتَشِفَ هذهِ الأشياءَ. هَلْ تَسْمَعونَ مَا أقول؟ فَهِيَ ليسَتْ مُتاحَةً للعقلِ البشريِّ مِنْ خلالِ العمليَّةِ العِلْميَّةِ البشريَّةِ، وهيَ لا يُمْكِنُ أنْ تُكْتَشَفَ بالتَّجْرِبَةِ.

أمَّا الطَّريقَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ أنَّها لَمْ تَخْطُرْ على بَالِكَ أيضًا. لِذلكَ، فَهِيَ ليسَتْ مُتاحَةً بشكلٍ مَوضُوعِيٍّ، وَلا بشكلٍ شَخْصِيٍّ. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْرِفَها بالتَّجْرِبَةِ، ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْرِفَها بالحَدْسِ. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَصِلَ إلى الحَقِّ الإلهيِّ مِنْ خِلالِ المَشاعِرِ. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْرِفَ الحَقَّ المُختصَّ باللهِ مِنْ خِلالِ عَاطِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ. فأنْتَ لا تَقولُ على غِرارِ بَعْضِ النَّاسِ: "حسنًا! أنا أَعْرِفُ وَحَسْب ما أُوْمِنُ بِهِ". فهذا لا صِلَةَ لَهُ بالحَقِّ - بالضَّرورَة. فلا يُمكنُكَ أنْ تَعْرِفَ الحَقَّ الإلهيَّ (الَّذي يَجْعَلُكَ تَنمُو، والذي هُوَ الغِذاءُ الرَّئيسيُّ لِحَياتِكَ، والذي يُقَدِّسُكَ، والذي يُحَرِّكُكَ في عمليَّةِ الانْفِصالِ تلكَ لِتَصيرَ أكْثَرَ قُرْبًا مِنَ القَداسَةِ، وَأكْثَرَ شَبَهًا بالمَسيحِ)، لا يُمْكِنُكَ أنْ تَعْرِفَ ذلكَ بالمُلاحَظَةِ الخارِجِيَّةِ، ولا يُمكنُكَ أنْ تَعْرِفَ ذلكَ بالحَدْسِ الدَّاخِلِيِّ. فهذا غيرُ مُمْكِنٍ. فالطَّريقةُ الوحيدةُ لِمَعرفةِ ذلكَ، بِحَسَبِ ما جَاءَ في العَدَدِ العَاشِرِ، هِيَ: "فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ" – كيف؟ "بِرُوحِهِ". فَرُوحُ اللهِ هُوَ الَّذي كَتَبَ الكِتابَ المُقَدَّسَ، وَهُوَ الَّذي يُنيرُ الكِتابَ المُقَدَّسَ لَنا. وَهُوَ الَّذي يَعْمَلُ على جَعْلِهِ حِيًّا بالنِّسْبَةِ إلينا. فلا تُوْجَدُ خِبْرَةٌ مَشروعَةٌ ... خِبْرَةٌ رُوحِيَّةٌ ... لا تُوْجَدُ خِبْرَةٌ مَسيحيَّةٌ وَرُوْحِيَّةٌ مَشروعَةٌ ليسَتْ تَجاوُبًا عاطِفِيًّا إلى حَدٍّ مَا تُجاهَ الحَقِّ المُعْلَنِ في الكَلِمَةِ، والذي يَصيرُ حَيًّا في قُلوبِنا بواسِطَةِ الرُّوحِ.

فَعَلى سَبيلِ المِثالِ، إذا شَعَرْتَ في وقتٍ مِنَ الأوقاتٍ بِفَرَحٍ غَيْرِ عَادِيٍّ وغيرِ مَألوفٍ، أيْ بِفَرَحٍ لا يُنْطَقُ بِهِ، وَبِفَرَحٍ غامِرٍ وَابْتِهاجٍ شَديدٍ، وَإذا رُحْتَ تُرَنِّمُ وَتُسَبِّحُ وَرُبَّما تَذْرِفُ دُموعَ الفَرَحِ، وَتَشْعُرُ بِمَشاعِرَ غَامِرَةٍ مِنَ السَّعادَةِ. وَإنْ بَلَغَتْ مَشاعِرُكَ ذُرْوَةَ الفَرَحِ لأنَّكَ نِلْتَ الخَلاصَ، فإنَّ السَّبَبُ هوَ ليسَ مُجَرَّدَ حَدْسٍ نَبَعَ مِنْ داخِلِكَ، بَلْ إنَّ السَّبَبَ هُوَ أنَّكَ تَعْرِفُ الحَقَّ المُرْتَبِطَ بِتَجاوُبِكَ، وَأنَّ رُوْحَ اللهِ قَدْ أَحْيا ذلكَ الحَقَّ في ذِهْنِكَ وَحَرَّكَ عَواطِفَكَ. وَهذا لا يَحْدُثُ في الفَراغ. فالخِبْراتُ العَاطِفِيَّةُ الَّتي لَيْسَتْ سِوى مَشاعِرَ في الفَراغِ هِيَ ليسَتْ خِبْراتٍ مَسيحيَّةٍ رُوْحِيَّةٍ حَقيقيَّةٍ.

مِنْ جِهَةٍ أُخرى، لِنَنْظُرْ إلى الكَفَّةِ الأُخرى للمِيْزان. فإذا شَعَرْتَ بِحُزْنٍ شَديدٍ، وَغَمٍّ، وَرُحْتَ تَبْكي وَتَذْرِفُ الدُّموعَ لأنَّكَ تَعْلَمُ بِوُجودِ شَيءٍ خَاطِئٍ في حَياتِكَ، فإنَّ الرُّوحَ هُوَ الَّذي أَحْيا ذلكَ فيكَ. لذلكَ فقد تَأَجَّجَتْ عَواطِفُكَ مُحاوِلَةً أنْ تَتعامَلَ مَعَ عَمَلِ رُوْحِ اللهِ في تَبْكيتِكَ. لذلكَ، فإنَّ رُوْحَ اللهِ هُوَ الَّذي كَتَبَ الكَلِمة. وَرُوْحُ اللهِ، بصِفَتِهِ المَسْحَةَ، هُوَ الَّذي يُفَسِّرُ الكَلِمَةَ لَنا حينَ نَدْرُسُها بأمانَةٍ. وَرُوحُ اللهِ هُوَ الَّذي يُحْيي الكَلِمَةَ في قُلوبِنا فَيُنْشِئُ فينا كُلَّ شَيءٍ – مِنَ الألمِ العَميقِ الَّذي نَشْعُرُ بِهِ حينَ نُخْطِئُ، إلى الفَرَحِ الغَامِرِ والتَّسْبيحِ بِسَبِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ. فهذا هُوَ عَمَلُهُ. وَهَذِهِ هِيَ الطَّريقَةُ الَّتي يَعْمَلُ مِنْ خِلالِها في حَياتِنا. وَالكَلِمَةُ هِيَ جَوْهَرُ هَذا كُلِّهِ.

وَنَقرأُ في المَزْمور 19 أنَّ الكَلِمَة تُغَيِّرُ الإنْسانَ بِمُجْمَلِه. فالكَلِمَةُ تُصَيِّرُ الْجَاهِلَ حَكِيمًا. والكَلِمَةُ تُفَرِّحُ القَلْبَ. والكَلِمَةُ تُنيرُ العَيْنَيْنِ. والكلمةُ تَثْبُتُ إلى الأبَد. والكَلِمَةُ تُنْشِئُ فينا بِرًّا شَامِلاً. إنَّها تَفْعَلُ هذا كُلَّهُ. ونحنُ نَعْلَمُ أنَّها تُعَلِّمُنا، وتُرْشِدُنا، وَتُؤدِّبُنا، وَتُدَرِّبُنا لكي نَكونَ مُتَأَهِّبينَ لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ. وَهَذا يَعْني أنَّ الرُّوحَ يَتَحَرِّكُ مِنْ خِلالِ الكَلِمَةِ بِوَصْفِهِ مُنْشِئً لَها، وَأنَّهُ يَتَحَرَّكُ مِنْ خِلالِ الكَلِمَةِ بِوَصْفِهِ مُفَسِّرًا لَها، وَأنَّهُ يَتَحَرَّكُ مِنْ خِلالِ الكَلِمَةِ بِوَصْفِهِ مُطَبِّقًا لَها، وَأنَّهُ هُوَ الَّذي يُحْيي الكَلِمَة في قُلوبِنا. فَهَذا هُوَ ما يَفْعَلُهُ لكي يُبْعِدَنا عَنِ الخَطِيَّةِ وَيُقَرِّبَنا مِنَ القَداسَةِ مِنْ خِلالِ إحْياءِ الكَلِمَةِ فينا. فهذا هُوَ عَمَلُهُ.

وَلَكْنَّكَ قَدْ تُطْفِئُ الرُّوحَ. كيف؟ حينَ لا تَدْرُسُ كلمةَ اللهِ وَلا تَجْتَهِدُ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكًّى. وحينَ تُسِيءُ اسْتِخْدامَ كلمةِ اللهِ ولا تُفَصِّلُها باسْتِقامَة. وحينَ لا تَقْبَلُها بِوَداعَةٍ، كَما جَاءَ في يَعْقوب 1: 21. وَقَدْ تُطْفِئُ الرُّوحَ حينَ لا تُطَبِّقُ كَلِمَةَ اللهِ في حَياتِكَ لأنَّكَ تَصيرُ سَامِعًا لَها فَقَطْ وليسَ عَامِلًا بِها. وقد تُطْفِئُ الرُّوحَ حينَ لا تُخَبِّئُ كَلِمَةَ اللهِ في قَلبِكَ، ولا تُفَتِّشُ فيها باجْتِهادٍ، ولا تَرْغَبُ فيها. وقد تُطْفِئُ الرُّوحَ حينَ لا تَسْمَحُ لَها بأنْ تَسْكُنَ فيكَ بِغِنَىً، كَما يَقولُ بولُسُ في الأصْحاحِ الثَّالِثِ مِنْ رِسالَةِ كُولوسي.

وَهُناكَ شَيءٌ ثَانٍ يَقومُ بِهِ الرُّوحُ القُدُسِ. فَفي أثْناءِ السَّيْرِ بِنا في دَرْبِ الانْفِصالِ في سَبيلِ القَداسَةِ، فإنَّهُ يَزيدُنا قُرْبًا مِنَ اللهِ. وَهَذا عُنْصُرٌ جَوهريٌّ في نُمُوِّنا الرُّوحِيِّ. فنحنُ في حَاجَةٍ إلى صَرْفِ وَقْتٍ مَعَ اللهِ. فَإنْ أَرَدْتُ أنْ أَقْتَرِبَ إلى اللهِ أكْثَر وَأنْ أَلْتَصِقَ بِهِ أكْثَر، وَإذا أَرَدْتُ أنْ تَكونَ عَلاقَتي بِهِ أكْثَرَ حَلاوَةً، وَأَكْثَرَ غِنَىً، وَأكْثَرَ مِلْئًا، يجبُ عليَّ أنْ أَصْرِفَ وَقْتًا مَعَهُ. لذلكَ فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ الَّذي يُقَرِّبني إليهِ بهذهِ الطَّريقَةِ وَيَجْذِبُني إليهِ بهذهِ الطَّريقَةِ. والرُّوحُ القُدُسُ، كَما جَاءَ في رُومية 8، هُوَ الَّذي يَجْعَلُني أَصْرُخُ قائلًا: "يَا أَبَا الآبُ". والرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يُعْطينا اليَقينَ بأنَّنا أولادُ اللهِ. وَبُولُسُ يَقولُ، مَرَّةً أُخرى، في رِسالَةِ غَلاطِيَّة 4: 6 إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ الَّذي يَجْعَلُنا نَصْرُخُ قَائِلينَ: "يَا أَبَا الآبُ". وَهَذا يَعْني: "بابا" أوْ "أبي". وَهُوَ لَفْظٌ يَدُلُّ على المَوَدَّةِ، والمَعَزَّةِ، وَالعَلاقَةِ الحَميمَةِ. فالرُّوحُ يُريدُ ذلك. فَهُوَ يُريدُ أنْ يَجْذِبَنا إلى الصَّلاةِ، وَإلى العَلاقَةِ والشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ. وَهُوَ يُريدُنا أنْ نَرْكُضَ كَما يَرْكُضُ الأبناءُ الأحِبَّاءُ إلى أبيهم المُحِبِّ.

والحَقيقَةُ هِيَ أنَّ الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَقولانِ: "يا أَبَا الآبُ" جَديرَتانِ بالمُلاحَظَة. ففي الآيَةِ الَّتي وَرَدَتْ في رِسالَةِ رُومية، نَرى أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُريدُ أنْ يَجْذِبَنا إلى العَلاقَةِ الحَميمَةِ معَ اللهِ لأجْلِ الضَّمانِ، أيْ لِكَيْ نَتَيَقَّنَ مِنْ خَلاصِنا، وَلِكَيْ نَتَمَتَّعَ بالثِّقَةِ الرَّائِعَةِ والمُبْهِجَةِ النَّابِعَةِ مِنْ مَعْرِفَتِنا بأنَّنا أولادُ اللهِ، وبأنَّهُ يُحِبُّنا حُبًّا جَمًّا. أمَّا الآيَةُ الَّتي وَردَتْ في رِسالَةِ غَلاطِيَّة فإنَّها لا تُرَكِّزُ على اليَقينِ. فَفي رِسالَةِ غَلاطِيَّة، يُريدُ الرُّوحُ القُدُسُ أنْ يَجْذِبَنا إلى العَلاقَةِ الحَميمَةِ معَ الآبِ لا لأجْلِ اليَقينِ، بَلْ لأجْلِ المَوارِدِ. فَنَحْنُ بِحاجَةٍ إلى الدُّخولِ إلى حَضْرَةِ اللهِ لا لأجْلِ التَّمَتُّعِ بالشَّرِكَةِ فقط، بَلْ أيضًا لكي نُقَدِّمَ لَهُ طِلْباتِنا. فَنَحْنُ نَصْرُخُ "يا أَبَا الآبُ"، مِنْ جِهَة، لأنَّنا نُريدُ أنْ نَحْتَفِلَ بالعَلاقَةِ. وَنَحْنُ نَصْرُخُ "يا أَبَا الآبُ"، منْ جِهَةٍ أُخرى، لأنَّ لَدينا حَاجاتٍ مُلِحَّة. وَهَذا لا يَخْتَلِفُ في شَيءٍ عَمَّا يَفْعَلُهُ أبناؤُكُم. فَهُمْ يأتونَ إليكُمْ أحْيانًا لِلحُصولِ على جُرْعَةِ حَنانٍ. وَلَكِنَّهُمْ قَدْ يَأتونَ إليكُمْ أحْيانًا لِطَلَبِ شَيءٍ يُريدونَهُ. وَنَحْنُ نَصْرُخُ "يا أَبَا الآبُ" في كِلْتا الحَالَتَيْن.

إذًا، مَا الَّذي يُريدُ الرُّوحُ أنْ يَفْعَلَهُ؟ إنَّهُ الرُّوحُ الَّذي يَعْمَلُ في قُلوبِنا، كَما يَقولُ بُولُسُ، ويَجْعَلُنا نَصْرُخُ "يا أَبَا الآبُ". وَهُوَ الرُّوحُ الَّذي يُعْطينا تلكَ الرَّغبةَ الشَّديدَةَ في الشَّرِكَةِ وَالعَلاقَةِ الحَميمَةِ مَعَ اللهِ. وَهُوَ الَّذي يَجْعَلُ اللهَ (الَّذي يَبْدو بَعيدًا في دِياناتِ العَالَمِ) إلهًا مُحِبًّا بالنِّسْبَةِ إلينا، وَعَطوفًا، وَمُهْتَمًّا، وَمُتَفَهِّمًا – إلهًا يُريدُ أنْ يَغْمُرَنا بِمَحَبَّتِهِ. فالعَلاقَةُ الحَميمَةُ معَ اللهِ هِيَ جُزْءٌ مُهِمٌّ جِدًّا مِنْ نُمُوِّنا. وكيفَ نَصيرُ آباءَ رُوْحِيِّينَ؟ بأنْ نَجْتازَ مُستوياتِ النُّموِّ الرُّوحِيِّ الثَّلاثَة: أيْ أنْ نَنْتَقِلَ مِنَ الطُّفولَةِ الرُّوحِيَّةِ إلى الرُّشْدِ الرُّوحِيِّ ثُمَّ إلى الأُبُوَّةِ الرُّوحِيَّةِ. فالأطفالُ الرُّوحِيُّونَ يَعْرِفونَ المَبادِئَ الأسَاسِيَّة. والرَّاشِدونَ رُوْحِيًّا يَعْرِفونَ العَقيدَةَ. وَهَذا مُوَضَّحٌ في رِسالَةِ يُوحَنَّا الأولى 2: 12 و 13. والآباءُ الرُّوحِيُّونَ يَعْرِفونَ ذاكَ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. فلا يُمْكِنُني أنْ أَعْرِفَ اللهَ الأزليَّ مَعرفةً عميقةً إلَّا إذا صَرَفْتُ وقتًا طَويلًا مَعَهُ. أليسَ كذلك؟ لذلكَ، في أثناءِ عمليَّةِ النُّمُوِّ الرُّوحِيِّ والتَّقديسِ هَذِهِ، عندما أَتَقَدَّمُ نَحْوَ المَزيدِ مِنَ القَداسَةِ، فإنَّ مَعْرِفَتي باللهِ تَزْدادُ وَتَزْداد. وَقَدْ صَرَخَ بولُسُ قائِلًا: "لأَعْرِفَهُ". فَهَذا هُوَ شَوْقُ قَلبي. فأنا أُريدُ أنْ أَعْرِفَهُ على نَحْوٍ أفْضَل، وَأنْ أعْرِفَهُ على نَحْوٍ أعْمَق، وَأنْ أعْرِفَهُ أكْثَر. والرُّوحُ القُدُسُ يُحَرِّكُنا في هذا الاتِّجاه. فَهُوَ يَرْغَبُ، وَهُوَ يَعْمَلُ، وَهُوَ يَقودُنا إلى شَرِكَةٍ أَغْنَى وَأكْثَرَ حَميميَّةً مَعَ اللهِ. لذلكَ فإنَّهُ يَسْمَحُ بالضِّيقاتِ في حَياتِنا – لأنَّ الضِّيقاتِ هِيَ الَّتي تَدْفَعُنا إلى تلكَ الشَّرِكَة. أليسَ كذلك؟ فَهَذا ضَرورِيٌّ جِدًّا.

وَقَدْ تُطْفِئُ الرُّوحَ القُدُسَ مِنْ خِلالِ عَدَمِ قَبولِ تَجارِبِ الحَياةِ، وَمِنْ خِلالِ الاسْتِسْلامِ للمَرارَةِ والغَضَبِ، وَمِنْ خِلالِ تَرْكِ الصَّلاةِ، وَمِنْ خِلالِ عَدَمِ التَّمَتُّعِ بالشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ. وَقَدْ تُطْفِئُ عَمَلَ الرُّوحِ بأنْ لا تَعْبُدَ اللهَ، وَبأنْ لا تُلْقي عَليهِ هَمَّكَ. وَقَدْ تُطْفِئُ عَمَلَ الرُّوحِ ذاكَ بأنْ تَعْمَلَ بِقُوَّتِكَ الجَسَدِيَّةِ، وبأنْ تُصَمِّمَ على اسْتِخْدامِ مَوارِدِكَ البشريَّةِ، وبأنْ تَقولَ: "لَنْ ألْتَجِئَ إلى اللهِ في أيِّ شَيءٍ. فأنا لَدَيَّ كُلُّ مَا أحْتاجُ إليه. وَأنا قَادِرٌ على تَدْبيرِ أُموري بِنَفْسي". وَقَدْ تُطْفِئُ الرُّوحَ القُدُسَ بأنْ تَشْعُرَ بالنَّقْصِ دَائِمًا، وبأنْ لا تَثِقَ في مَحَبَّةِ اللهِ، وبأنْ تَقولَ: "إذا الْتَجَأتُ إليهِ فإنَّهُ لا يُحِبُّني"، وبأنْ لا تَتَّكِلَ على قُدْرَتِهِ قائلًا: "إنَّهُ لا يَمْلِكُ مَا أَحْتاج". فَأيُّ أَمْرٍ كَهَذا أوْ أمْرٍ مُشَابِهٍ قَدْ يُطْفِئُ ذَلِكَ العَمَلَ الَّذي يَقومُ بِهِ الرُّوحُ القُدُس.

وَهُناكَ شَيءٌ ثالِثٌ يَقومُ بِهِ الرُّوحُ القُدُس. فَفي أَثْناءِ جَعْلِنا مُشابِهينَ للمَسيحِ، فإنَّهُ يُمَجِّدُ المَسيحَ بالنِّسْبَةِ إلينا – أنَّهُ يُمَجِّدُ المَسيحَ بالنِّسْبَةِ إلينا. وَقَدْ تَقولُ: "لِماذا يَفْعَلُ ذلك؟" لأنَّ القَصْدَ مِنْ قَداسَتِنا هُوَ أنْ نَصيرَ مُشابِهينَ للمَسيح. أليسَ كذلك؟ وَكَما ذَكَرْتُ، فإنَّ بُولُسَ يَقولُ في رِسالَةِ غَلاطِيَّة 4: 19: "يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ". فَالنُّقْطَةُ الجَوهريَّةُ هِيَ أنْ نَصيرَ مُشابِهينَ للمَسيح. فَعِنْدَما نَسْتَيْقِظُ بِشَبَهِهِ، وعندَما نَراهُ كَما هُوَ، سَنَكونُ مِثْلَهُ. فَهَذا هُوَ القَصْدُ. وَهَذِهِ هِيَ المُكافَأة، وَهَذا هُوَ الهَدَفُ الَّذي قَالَ بولُسُ في رِسالَةِ فيلبِّي 3 إنَّهُ يَسْعَى إليهِ. وَإنْ أَرَدْتُ أنْ أكونَ مُشابِهًا للمَسيحِ، يجبُ عليَّ أنْ أَعْرِفَ المَسيحَ كَما هُوَ. وإذا قُلْنا إنَّنا نَسْلُكُ فيهِ (كَما جَاءَ في رِسالَةِ يوحنَّا الأولى 2: 6)، يَنْبَغِي أنْ نَسْلُكَ كَمَا سَلَكَ هُوَ. وَإنْ قُلْنا إنَّنا ثَابِتونَ فيهِ، وَإنَّنا نَنْتَمي إليهِ، وَإنَّنا خَاصَّتُهُ، يَجِبُ علينا أنْ نَسْلُكَ كَما سَلَكَ هُوَ. وإنْ أرَدْنا أنْ نَفْعَلَ ذلكَ، يجبُ علينا أنْ نَرى كَيْفَ سَلَكَ.

إذًا، مَا الَّذي يَفْعَلُهُ الرُّوحُ القُدُسُ؟ إنَّهُ يُرينا المَسيحَ. وَهُوَ يَجْعَلُ المَسيحَ مُمَجَّدًا بالنِّسْبَةِ إلينا. فقد قالَ يَسوعُ في إنْجيل يُوحَنَّا 15: 26 ويوحنَّا 16: 14 و 15: "عِنْدَما يَأتي الرُّوحُ، فإنَّهُ سَيَشْهَدُ لي. وَهُوَ سَيُريكُمْ أشياءَ تَخْتَصُّ بي. فَهَذا هُوَ ما سَيَفْعَلُهُ. فَهُوَ سَيَجْعَلُكُمْ تَرَوْنَني. وَهُوَ سَيُعْلِنُ لَكُمْ ذَاتي". وَقَدْ قالَ يَسوعُ: "لقد أتيتُ لِكَيْ أُعْلِنَ لَكُمَ الآبَ". وقد قالَ يَسوعُ: "الرُّوحُ سَيَجيُ لِيُعْلِنَ لَكُمْ ذاتي. فَهُوَ سَيَجْعَلُكُمْ تَرَوْنَني". وَهُوَ يَقودُ النَّاسَ دائمًا إلى نَسْبِ المَجْد إلى يَسُوعَ المَسيح. ونحنُ نَقرأُ في رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى 12: 3: "لِذلِكَ أُعَرِّفُكُمْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِرُوحِ اللهِ يَقُولُ: «يَسُوعُ أَنَاثِيمَا». وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ". فَهُوَ يَنْسِبُ الرُّبوبيَّةَ دائِمًا إلى المَسيح. وَهُوَ يُعْطي المَجْدَ دائمًا للمسيح. لِذلكَ فإنَّهُ يُريدُ مِنَّا أنْ نُطيلَ النَّظَرَ إلى مَجْدِ المَسيح. وَهُوَ يُريدُ مِنَّا أنْ نَرى ذاكَ الَّذي هُوَ هَدَفُ التَّقَدُّمِ الرُّوحِيِّ.

انْظُروا إلى رِسالَةِ كورِنثوسَ الثَّانية 3: 18. وَهِيَ آيَةٌ رائِعَةٌ جِدًّا يَتِمُّ إغْفالُها غَالِبًا. لذلكَ فإنِّي أكْتُبُها تَحْتَ اسْمي أحْيانًا حينَ أُوَقِّعُ كِتابًا لأحدِ الأشخاصِ. فَنحنُ نَقرأُ في رِسالَةِ كورِنثوسَ الثَّانية 3: 18: "وَنَحْنُ جَمِيعًا" [أيْ المُؤمِنونَ المَسيحيُّونَ] "نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ". فقد كانَ يَتَحَدَّثُ عَنْ مُوْسَى وَعَنْ تَجَلِّي مَجْدِ اللهِ في وَجْهِهِ. فَهَلْ تَذكُرونَ أنَّ مُوْسَى صَعِدَ إلى الجَبَلِ، وَأنَّهُ رَأى مَجْدَ اللهِ، وَأنَّ ذَلِكَ ظَهَرَ في وَجْهِهِ، وَأنَّهُ كانَ يَضَعُ بُرْقُعًا على وَجْهِهِ؟ وَيَقولُ بولُسُ: "نَحْنُ ليسَ لَدينا أيُّ بُرْقُعٍ. وَنَحْنُ ليسَ لَدينا أيُّ شَيءٍ يَقِفُ بَيْنا وبينَ المَجْدِ. وَنَحْنُ ليسَ لَدينا أيُّ عَائِقٍ". فالبُرْقُعُ قَدْ رُفِعَ في المَسيح. وَنَحْنُ نَنْظُرُ كَما في مِرْآةٍ وَنَرى مَجْدَ الرَّبِّ. وَهَذِهِ جُمْلَةٌ عَظيمَةٌ. وَما هِيَ المِرآةُ الَّتي تَعْكِسُ مَجْدَ الرَّبِّ؟ إنَّها الكِتابُ المُقَدَّسُ – فَنَحْنُ نَراهُ هُنا. لِذلكَ، عندما تَدْرُسُ كَلِمَةَ اللهِ، فإنَّ مَجْدَ يَسوعَ المسيحِ يَنْعَكِسُ بِقُوَّة مِنْ خِلالِها. وَلا يَهُمُّ إنْ كُنَّا نَتَحَدَّثُ عنِ العهدِ القديمِ أوِ العهدِ الجديدِ. فالمَسيحُ هُوَ الفِكرةُ الجَوهريَّةُ في كُلِّ مَكانٍ. وعندما تَتَأمَّلونَ في كلمةِ اللهِ، دُوْنَ حِجابٍ، وَدُوْنَ بُرْقُعٍ، لأنَّكُمْ في المَسيحِ، فَعِنْدَما تَنْظُرونَ في هذهِ المِرآةِ الَّتي تَعْكِسُ مَجْدَ الرَّبِّ في وُجوهِكُمْ، عِنْدَما تَفعلونَ ذلكَ – اسْتَمِعُوا إلى هَذا: أنْتُمْ تَتَغَيَّرونَ إلى تلكَ الصُّورَةِ عَيْنِها.

أَتَرَوْن! فعندما نَدْرُسُ كَلِمَةَ اللهِ وَنَرى مَجْدَ الرَّبِّ؛ أيْ عِنْدَما يَسْطَعُ مَجْدَ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ بِقُوَّةٍ مِنْ خِلالِ مِرْآةِ الكَلِمَةِ، فإنَّهُ يَكادَ يُعْمينا أحْيانًا. فَعلى غِرارِ مُوْسَى، لقد اخْتَبَأنا في الصَّخْرَةِ وَرَأينا مَجْدَهُ بِكُلِّ بَهائِهِ. وعندما نَنْظُرُ إلى مَجْدِ المَسيحِ المُنْعَكِسِ في كَلِمَةِ اللهِ، فإنَّنا نَتَغَيَّرُ بِواسِطَةِ ذلكَ المَجْد. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "مِنْ مُسْتَوى مِنَ المَجْدِ إلى مُسْتَوىً آخَرَ مِنَ المَجْدِ". مِنْ مَجْدٍ إلى مَجْدٍ، إلى مَجْدٍ، إلى مَجْدٍ، إلى مَجْدٍ. ومَنْ يَفْعَلُ هَذا؟ نَقرأُ في نِهايَةِ العَدَدِ: "كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ". فَهَذا هُوَ عَمَلُ الرُّوحِ. إنَّهُ عَمَلُهُ. وَهَلْ نُريدُ أنْ نُطْفِئَ ذلك؟ وَهَلْ نُريدُ أنْ نُخْمِدَ ذلك؟

إنَّ الرُّوحَ يُغَيِّرُنا. وَالكَلِمَة "نَتَغَيَّرُ" هِيَ في الحَقيقَةِ نَفْسُ الكَلِمَةِ الَّتي تُرْجِمَتْ في مَتَّى 17: "تَغَيَّرَتْ" لِوَصْفِ مَا حَدَثَ لِيَسوعَ حينَ كَانَ على الجَبَلِ، كَما تَذْكُرونَ، إذْ تَغَيَّرَتْ هَيْئَــتُهُ قُدَّامَهُمْ. وَقَدْ كانَ هَذا مُدْهِشًا جِدًّا. فَمَجْدُ الرَّبِّ ظَهَرَ على وَجْهِ مُوسَى، أيْ مِنَ الخَارِجِ. وَلَكِنَّ يَسوعَ أَظْهَرَ مَجْدَهُ، وَهُوَ شَيْءٌ مِنَ الدَّاخِلِ. وَما يَقولُهُ بُولُسُ مُدْهِشٌ جِدًّا إذْ يَقول: أنْتُمُ المُؤمِنونَ تُشْبِهونَ يَسوعَ أكْثَرَ مِمَّا تُشْبِهونَ مُوْسَى لأنَّ المَجْدَ ليسَ خَارِجِيًّا، بَلْ إنَّ المَجْدَ هُوَ مِنَ الدَّاخِلِ". وَقَدْ تَغَيَّرْتُمْ حَرْفِيًّا مِنَ الدَّاخِلِ ... لَقَدْ تَغَيَّرْتُمْ مِنَ الدَّاخِلِ وَحَصَلْتُمْ على نَفْسِ نَوْعِ المَجْدِ الَّذي أَظْهَرَهُ يَسوعُ وَذَلِكَ بِواسِطَةِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُس.

لِذلكَ، في هذهِ العَمَلِيَّةِ الَّتي يُسَيِّرُكَ فيها الرُّوحُ في طَريقِ القَداسَةِ، فإنَّهُ يُريدُ أنْ يُنيرَ الكَلِمَةَ لَكَ؛ وَهُوَ أمْرٌ يَجْعَلُكَ تَنْمُو. وَهُوَ يُريدُ أنْ يَجْذِبَكَ إلى عَلاقَةٍ حَميمَةٍ مَعَ الآبِ أوْ أنْ يَجْذِبَكَ إلى دَرْبِ العَلاقَةِ الحَميمَةِ؛ وَهُوَ أمْرٌ يَجْعَلُكَ تَنْمُو. وَهُوَ يُريدُ أيضًا أنْ يُعْلِنَ المَسيحَ لَكَ بِمَجْدٍ مُدْهِشٍ لكي تَرى بوضوحٍ الصُّوْرَةَ الَّتي سَتَصيرُ عليها. وحينَ تُرَكِّزُ على تلكَ الصُّورَةِ وَتَغْرَقُ في بَحْرِ الذُّهولِ والمَحَبَّةِ والتَّسْبيحِ، سَتَجِدُ أنَّ رُوْحَ اللهِ يُسَيِّرُكَ بِتَصْميمٍ على دَرْبِ التَّشَبُّهِ بالمَسيح. وَيا لَها مِنْ فِكْرَة!

وَلَكِنَّكَ قَدْ تُخْمِدُ ذلكَ أيضًا. وَقَدْ تُطْفِئَ ذلكَ أيضًا. وَهَذا قَدْ يَحْدُثُ إنْ لَمْ تُكَلِّفْ نَفْسَكَ عَناءَ دِراسَةِ كَلِمَةِ اللهِ، وَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرى جَمالَ المَسيحِ، وَإنْ كُنْتَ تَسْتَخْدِمُ الكِتابَ المقدَّسَ فقط كوَسيلَةٍ لِحَلِّ مَشاكِلِكَ وَلا تَسْمَحْ لَهُ بأنْ يُعْلِنَ المَسيحَ لَكَ، وَإنْ لم تَكُنْ مُتَواضِعًا وَلَمْ تَعْتَرِفْ أنَّهُ يُعْوِزُكَ مَجْدُ المَسيحِ حَتَّى الآنْ وَأنَّكَ بِحاجَةٍ مُلِحَّةٍ إلى أنْ تَرى مَجْدَهُ وَأنْ تَنْتَقِلَ إلى مُسْتَوىً جَديدٍ مِنَ المَجْدِ. فالكِبْرياءُ الرُّوحِيَّةُ سَتُعيقُكَ، وَعَدَمُ التَّواضُعِ سَيُعيقُكَ. وَكُلُّ هذهِ الأشياءِ سَتُطْفِئُ عَمَلَ الرُّوحِ، وَتُخْمِدُهُ، وَتَكْبَحُهُ، وَتُحْزِنُ قَلْبَهُ.

النُّقْطَةُ الرَّابِعَةُ في عَمَلِيَّةِ التَّقْديسِ الَّتي يُجْريها الرُّوحُ القُدُسُ في حَياتِكَ هِيَ أنَّهُ يُريدُ أنْ يَقودَكَ إلى مَشيئَةِ اللهِ ... يُريدُ أنْ يَقودَكَ إلى مَشيئَةِ اللهِ. وَمَا الَّذي نَعْنيهِ بذلك؟ هُناكَ جَانِبان: الأوَّلُ هُوَ أنَّ هَذا يَعْني الطَّاعَةَ لِمَشيئَةِ اللهِ المُعْلَنَةِ ... الطَّاعَةَ لِمَشيئَةِ اللهِ المُعْلَنَةِ – أيِ المُعْلَنَة في الكِتابِ المُقَدَّسِ. فَهُوَ يُريدُ أنْ يُغَيِّرَكَ وَيَجْعَلَكَ مُطيعًا. وَهُوَ يُريدُ أنْ يَحْفِزَ قَلْبِكَ، وَيَحْفِزَ ضَميرَكَ، وَيُبَكِّتَ ذِهْنَكَ، وَيُحَرِّكَكَ. فَنَحْنُ نَقرأُ في سِفْرِ إرْميا 10: 23: "عَرَفْتُ يَا رَبُّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ طَرِيقُهُ. لَيْسَ لإِنْسَانٍ يَمْشِي أَنْ يَهْدِيَ خَطَوَاتِهِ". بِعِبارَةٍ أُخرى، فإنَّ إرْميا يَقولُ: "هُناكَ شَيءٌ وَاحِدٌ أَعْرِفُهُ يَقينًا وَهُوَ أنِّي لا أَسْتَطيعُ أنْ أُديرَ دَفَّةَ حَياتي". وَهُوَ مُحِقٌّ تَمامًا. فَلِسانُ حَالِهِ هُوَ: "أنا لا أسْتَطيعُ أنْ أُديرَ حَياتي، وَأنا لا أَسْتَطيعُ أنْ أُوَجِّهَ خَطَواتي". ثُمَّ إنَّهُ يَصْرُخُ إلى الرَّبِّ قائلًا: "لَيْتَكَ، يا رَبُّ، تَفْعَلُ ذلكَ. وَلَيْتَكَ تُرْشِدُني في طَريقِ مَشيئَتِكَ. فأنا لا أسْتَطيعُ أنْ أَفْعَلَ ذلكَ بِمُفْرَدي".

وَنَقرأُ في سِفْرِ حِزْقيال 36: 27 عَنِ البُعْدِ الأوَّلِ لِهذا الأمْرِ، أيْ عَنْ وَعْدِ اللهِ في المِيْثاقِ الجَديد: "وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي، وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَ بِهَا". فَهُنا يَكْمُنُ الحَلُّ. "سَوْفَ أُعْطيكُمْ رُوْحي في العهدِ الجَديدِ مِنْ خِلالِ المَسيحِ. سَوْفُ أُعْطيكُمْ رُوْحي، وَهُوَ سَيَقودُكُمْ إلى طَاعَتي". فَهَذا هُوَ ما قَالَهُ. هُوَ سَيَقودُكُمْ إلى الطَّاعَةِ. وَهُوَ سَيَحْفِزُكُمْ على إِطَاعَةِ مَا تَقولُهُ الكَلِمَة.

وَنَقْرَأُ في المَزْمور 143: 10 هَذِهِ الكَلِماتِ المُذْهِلَةِ: "عَلِّمْنِي أَنْ أَعْمَلَ رِضَاكَ، لأَنَّكَ أَنْتَ إِلهِي". ثُمَّ نَقرَأُ: "رُوحُكَ الصَّالِحُ يَهْدِينِي فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ". إذًا، مِنْ جِهَة، فإنَّ الرُّوحَ يُعَلِّمُنا أنْ نُطيعَ الكَلِمَة. وَمِنْ جِهَةٍ أُخرى، فإنَّ الرُّوحَ يَهْدينا في أرْضٍ مُسْتَوِيَة. وَقَدْ تَقولُ: "وَما مَعْنى هَذا؟" أنَّ هَذا هُوَ عَمَلُ الرُّوحِ شَخْصِيًّا؛ أيْ أنَّهُ قَدْ لا يَرْتَبِطُ بالضَّرورَةِ بالكِتابِ المُقَدَّسِ. فالرُّوحُ يَهْدينا، وَيَحْفِزُنا، وَيَدْفَعُنا، وَيَحْصُرُنا، وَيُبَكِّتُنَا لِكَيْ نُطيعَ ما نَعْرِفُهُ مِنَ الكِتابِ المُقَدَّسِ. ولَكِنَّ الرُّوحِ يَفْعَلُ المَزيدَ أيضًا إذْ إنَّهُ يَقودُنا في ظُروفِ الحَياةِ الَّتي لا يَتَحَدَّثُ الكِتابُ المُقَدَّسُ عَنْها. فالكِتابُ المُقَدَّسُ لا يُخْبِرُني أيْنَ يَنْبَغي أنْ أَخْدِم. وَالكِتابُ المُقَدَّسُ لا يُخْبِرُني أيْنَ يَنْبَغي أنْ أَعِظ. وَلا يُخْبِرُني ما يَنْبَغي أنْ أَقولَ عِنْدَما أَعِظُ في مَكانٍ مُعَيَّن. فَهُناكَ أُمورٌ كَثيرَةٌ في حَياتي أَحْتاجُ فيها إلى إرْشادِ الرُّوحِ القُدُس. فَهُوَ يَهْديني في طَريقٍ مُستقيمَة. لِذلكَ، هُناكَ الإرْشادُ المَوْضُوعِيُّ للرُّوحِ إذْ إنَّهُ يَحْفِزُنا على إطاعَةِ الكَلِمَةِ. وَهُناكَ الإرْشادُ الذَّاتِيُّ للرُّوحِ إذْ إنَّهُ يُخاطِبُ قُلوبَنا مِنْ خِلالِ الظُّروفِ وَالعِنايَةِ الإلهيَّةِ، وَيُشَجِّعُنا، وَيَقودُنا في دَرْبِ الظُّروفِ والفُرَصِ والمَسؤوليَّةِ. وَهَذا مُعَبَّرٌ عَنْهُ بِطَريقةٍ جَميلَة. وَأنا أُحِبُّ الكَلِماتِ الَّتي وَرَدَتْ في إشَعْياء 30. وَأرْجُو أنْ تَسْمَحوا لي بِقراءَةِ العَدَدَيْن 20 و 21: "وَمَعَ أَنَّهُ يُعْطِيكَ خُبْزًا فِي المِحْنَةِ، وَمَاءً فِي الضَّنْكِ" - بعِبارَةٍ أُخرى: مَعَ أنَّ ظُروفَكُمْ سَتَكونُ قَاسِيَةً، "فَإِنَّ مُعَلِّمَكَ لَنْ يَحْجُبَ نَفْسَهُ عَنْكَ مِنْ بَعْدُ، بَلْ تَرَى عَيْنَاكَ مُعَلِّمَكَ". ثُمَّ نَقْرَأُ: "وَتَسْمَعُ أُذْنَاكَ كَلِمَةً صَادِرَةً مِنْ خَلْفِكَ قَائِلَةً: «هَذِهِ هِيَ الطَّرِيقُ لاَ تَحِيدُوا عَنْهَا يَمِينًا أَوْ يَسَارًا اسْلُكُوا فِيهَا»". وَهَذِهِ قِيادَةٌ ذاتِيَّةٌ للرُّوحِ. فَسَوْفَ تَسْمَعونَ صَوْتًا يَقولُ: "افْعَلُوا هَذا"، وَ "لا تَفْعَلوا ذَاكَ". وَهُوَ ليسَ صَوْتًا مَسْمُوعًا، بَلْ حَضًّا قَوِيًّا. فَحينَ تَعْكِفُ على دِراسَةِ الكَلِمَةِ وَتَكونُ أَمِينًا في الصَّلاةِ، فإنَّ رُوْحَ اللهِ يَهْمِسُ لِضَميرِكَ، وَيَهْمِسُ لِذِهْنِكَ: "افْعَلْ هَذا" ... "لا تَفْعَلْ ذَلِك" ... "افْعَلْ هَذا" ... "اسْلُكْ في هَذِهِ الطَّريق" ... "هَذا هُوَ مَا أُريدُهُ مِنْك". وَهُوَ يَفْعَلُ ذلكَ مِنْ خِلالِ أَشْواقِكَ، أيْ مِنْ خِلالِ أشْواقِكَ الرُّوحِيَّةِ، أيْ أشْواقِكَ الطَّاهِرَةِ. وَهُوَ يُنيرُ ذِهْنَكَ وَيُحَرِّكُ مَشاعِرَكَ: " سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ" وَهُوَ مَاذا؟ "يُقَوِّمُ سُبُلَك". فَهُوَ سَيَجْعَلُكَ تَتَجَنَّبُ العَوائِقَ، والصُّعوباتِ، وَيَجْعَلُكَ تَمْشَي في طَريقٍ مُسْتَقيمَةٍ.

لِذا فإنَّ عَمليَّةَ التَّقْديسِ تَنْطَوي على تَقَدُّمٍ، وَهِيَ تَعْني أنَّهُ يَنْبَغي لي أنْ أَفْعَلَ مَشيئَةَ اللهِ. وَهَذا يَحْدُثُ، في المَقامِ الأوَّلِ، حينَ يَحْفِزُني الرُّوحُ القُدُسُ على إطاعَةِ كَلِمَةِ اللهِ، وَحينَ يُبَكِّبُتي، وَأحْيانًا حينَ يُؤدِّبُني عِنْدَما لا أَفْعَلُ ذلك. ثُمَّ إنَّ رُوْحَ اللهِ يُنَظِّمُ أُمورَ حَياتي، وَالأحْداثَ، والظُّروفَ، وَيَهْمْسُ في ضَميري وَمِنْ خِلالِ أَشْواقي، وَيَهْديني في الاتِّجاهِ الَّذي يُريدُ مِنِّي أنْ أَسْلُكَ فيه. وَهَذا كُلُّهُ يَجْعَلُني أَسيرُ في عَمليَّةِ التَّقْديس.

وَقَدْ تُطْفِئُ ذلكَ أيضًا بِسَبَبِ الأنانِيَّةِ – أيْ حينَ أقولُ: "أُريدُ أنْ أَفْعَلَ مَا أَشاء، وَأُريدُ أنْ أَفْعَلَ ذلكَ بالطَّريقَةِ الَّتي أُريد. وَلا أُريدُ أنْ أُطيعَ تلكَ الوَصِيَّة. وَأنا لَسْتُ مُهْتَمًّا بتلكَ الخِدْمَةِ". إنَّها المَشيئَةُ الشَّخصيَّةُ، والعِنادُ، والكِبْرياءُ، والفُتورُ، وعَدَمُ المُبالاةِ، وَعَدَمُ رَهافَةِ الحِسِّ تُجاهَ إرْشادِ الرُّوحِ القُدُس لأنِّي لا أُبالي حَتَّى في اسْتِشارَتِهِ. فَأنا لَسْتُ مُهْتَمًّا في ذلك. وَهَذِهِ الأشياءُ تُطْفِئُ الرُّوحَ.

خَامِسًا وَأخيرًا، إنَّهُ يُقَوِّينا مِنَ الدَّاخِلِ. فَهَذِا التَّقَدُّمُ كُلُّهُ يَتَطَلَّبُ قُوَّةً دَاخِلِيَّةً. وَكَما ذَكَرْنا للتَّوِّ: "لَيْسَ لإِنْسَانٍ يَمْشِي أَنْ يَهْدِيَ خَطَوَاتِهِ". فَأنا لا أمْلِكُ القُوَّةَ اللَّازِمَةَ. وَكما قالَ زَكَرِيَّا: "لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ". فأنا لا أسْتَطيعُ أنْ أَفْعَلَ ذلكَ بِمُفْرَدي. لِذلكَ فَقَدْ صَلَّى بُولُسُ قائلًا في الأصْحاحِ الثَّالِثِ مِنْ رِسالَةِ أَفَسُس: "أنا أُصَلِّي أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ" (أَفَسُس 3: 16). والطَّريقَةُ الوَحيدَةُ الَّتي يُمْكِنُكُمْ مِنْ خِلالِها أنْ تَفْعَلُوا مَشيئَةَ اللهِ، والطَّريقَةُ الوَحيدَةُ الَّتي يُمْكِنُكُمْ مِنْ خِلالِها أنْ تَخْتَبِروا مَحَبَّةَ اللهِ، والطَّريقَةُ الوَحيدَةُ الَّتي يُمْكِنُكُمْ مِنْ خِلالِها أنْ تَرَوْا أَبْعَدَ مِمَّا تَطْلُبونَ أوْ تَفْتَكِرُونَ، والطَّريقَةُ الوَحيدَةُ الَّتي يُمْكِنُكُمْ مِنْ خِلالِها أنْ تُمَجِّدُوا المَسيحَ في الكَنيسَةِ هِيَ عِنْدَما تَكونُ قُوَّتُكُمْ نَابِعَةً مِنَ الرُّوحِ القُدُس. لِذلكَ فإنَّ بولُسَ يَقولُ في الأصْحاحِ الثَّاني عَشَرَ مِنْ رِسَالَةِ كُورِنُوسَ الثَّانِيَة: "عِنْدَما أكونُ ضَعيفًا بِقُوَّتي البَشَرِيَّةِ فإنِّي أَصِيْرُ قَوِيًّا لأنَّهُ عِنْدَما تَنْفَدُ مَصَادِري البَشَرِيَّة فإنِّي أُلْقي بِنَفْسي على الله". فالقُوَّةُ تَأتي مِنَ الرُّوحِ. لِذلكَ فإنَّهُ يَمُدُّنا بالقُوَّةِ عِنْدَما نُواظِبُ على الثَّباتِ في الكَلِمَة، وَعلى الصَّلاةِ، وَعلى الطَّاعَةِ. وَحَتَّى عِنْدَما نَمُرُّ في تَجارِب، فإنَّنا نُلْقي بأنْفُسنا بالكَامِلِ عليهِ لأنَّهُ مُعينُنا الوَحيدُ وَمَصْدَرُ قُوَّتِنا الوَحيد.

فَلا يُمْكِنُكُمْ أنْ تَشْهَدُوا مِنْ دُوْنِ قُوَّتِهِ. وَقَدْ قالَ يَسوعُ: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا". وَلا يُمْكِنُكُمْ أنْ تَنْتَصِروا على الخَطِيَّةِ مِنْ دُوْنِ قُوَّتِهِ لأنَّكُمْ لا تَقْدِرونَ أنْ تَفْعَلوا ذلكَ في الجَسَد. فالجَسَدُ لا يَقْدِرُ أنْ يَنْتَصِرَ على الجَسَد، بَلْ إنَّ الرُّوحُ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يَقْدِرُ أنْ يَنْتَصِرَ عليه. ولا يُمْكِنُكُمْ أنْ تَنْتَصِرُوا على الشَّيْطانِ لأنَّ أَسْلِحَتَنا الحَرْبِيَّةَ في تلكَ المَعْرَكَةِ ليسَتْ جَسَدِيَّة، بَلْ هِيَ أسْلِحَة رُوحِيَّة قَوِيَّة يُعْطينا إيَّاها الرُّوحُ. وَلا يُمْكِنُكُمْ أنْ تَتَيَقَّنُوا مِنْ خَلاصِكُمْ لأنَّ الخَلاصَ لا يُمْكِنُ أنْ يُوْهِبَ لَكُمْ إلَّا مِنْ خِلالِ خَتْمِ الرُّوحِ. وَلا يُمْكِنُكُمْ أنْ تَخْدِمُوا بِفاعِلِيَّة بِمَعْزِلٍ عَنْ قُوَّةِ الرُّوحِ. ولا يُمْكِنُكُمْ أنْ تُسَبِّحُوا اللهَ بِمَزاميرَ وَتَرانيمَ وَأغاني رُوْحِيَّة، ولا أنْ تُرَنِّمُوا وَتُنْشِدُوا في قُلوبِكُمْ للرَّبِّ إلَّا إذا كُنْتُمْ مَمْلوئينَ بالرُّوحِ. ولا يُمْكِنُكُمْ أنْ تَتَمَتَّعُوا بعِلاقاتٍ سَليمَةٍ في الزَّواجِ، وَلا في العائِلَةِ، وَلا في أيِّ مَكانٍ آخَرَ إلَّا إذا كُنْتُمْ مَمْلوئينَ بالرُّوحِ. فَقُوَّةُ الرُّوحِ القُدُسِ هِيَ الَّتي تُمَكِّنُنا مِنَ القِيامِ بِكُلِّ شَيءٍ.

وَقَدْ تُطْفِئُوا ذلكَ أيضًا مِنْ خِلالِ كِبْريائِكُمْ، وَعَدَمِ التَّواضُعِ، وَعَدَمِ الإقْرارِ بِضَعْفِكُمْ، وَعَدَمِ الإقْرارِ بِحاجَتِكُمْ، وَعَدَمِ الإقرارِ باتِّكالِكُمْ عَليه. وَقَدْ تُطْفِئونَ عَمَلَ الرُّوحِ هَذا بأنْ تَتَّكِلُوا على جَسَدِكُمْ وَعلى قُدْرَتِكُمْ. فأيُّ خَطِيَّةٍ تُخْمِدُ هَذا الشَّيءَ بِمُجْمَلِه. وَالآنْ، لِماذا يَنْبَغي لَكُمْ أنْ تُعالِجُوا الخَطِيَّةَ في حَياتِكُمْ؟ لأنَّ البَديلَ هُوَ إطْفاءُ رُوْحِ اللهِ، وَتَعْطيلُ عَمَلِيَّةَ التَّقْديسِ الرُّوحِيِّ في حَياتِكُمْ، وَإحْزانُ قَلْبِ الرُّوحِ، وَجَلْبِ التَّأديبِ على أنْفُسِكُمْ، وَحِرْمانِ أنْفُسكُمْ البَرَكاتِ في حَياتِكُمِ الشَّخصيَّة.

إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَقومُ بِعَمَلٍ عَظيمٍ. فَهُوَ يُنيرُ الكَلِمَةَ، وَيزيدُكُمْ قُرْبًا مِنَ اللهِ، وَيُعْلِنُ لَكُمْ مَجْدَ يَسوعَ المسيحِ الَّذي هُوَ غَايَةُ حَياتِكُمْ، وَيَهْديكُمْ إلى مَشيئَةِ اللهِ، وَيُقَوِّيكُمْ في حَياتِكُم الرُّوحِيَّةِ، وَخِدْمَتِكُمْ، وَحَرْبِكُم الرُّوحِيَّة. إنَّهُ يَفْعَلُ هذا كُلَّهُ. فهُوَ رُوْحٌ قَوِيٌّ. وَأعتقدُ أنَّ أَجْمَلَ تَلْخيصٍ لِخِدْمَتِهِ هُوَ مَا جَاءَ في إشَعْياء 11. اسْتَمِعُوا فَقَطْ إلى هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتي وَرَدَتْ في سِفْرِ إشَعْياء 11: 2 والتي يَصِفُ فيها النَّبِيُّ الرُّوحَ القُدُسَ بهذهِ الطَّريقَةِ إذْ يَقول: "وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ". فَالرُّوحُ القُدُسُ سَيُعْطيكُمْ حِكْمَةً، وَفَهْمًا، وَمَشُورَةً، وَقُوَّةً، وَمَعْرِفَةً، وَمَخافَةً للرَّبِّ، وَعِبادَةً للهِ. فَهُوَ الرُّوحُ القُدُسُ الَّذي يَفْعَلُ كُلَّ شَيءٍ تَحْتاجُونَ إليهِ. فَما الَّذي تَحْتاجونَ إليهِ أكْثَرَ مِنَ الحِكْمَةِ، والفَهْمِ، وَالمَشورَةِ، وَالقُوَّةِ، والمَعْرِفَةِ، وَمَخافَةِ الرَّبِّ؟ فَأنْتُمْ لَسْتُمْ في حَاجَةٍ إلى مَا هُوَ أكْثَرُ مِنْ ذلك. وَهَذا هُوَ عَمَلُهُ. وَهَذا هُوَ مَا يُريدُ أنْ يَفْعَلَهُ في حَياتِكُم.

وَلَكِنَّكُمْ سَتُخْمَدونَ إنْ لم تَكونوا مَمْلوئينَ بالرُّوحِ (كَما جَاءَ في أَفَسُس 5: 18)، وَإنْ لَمْ تَسْلُكوا في الرُّوحِ (كَما جاءَ في غَلاطِيَّة 5: 25). فالآيَتانِ تَصِفانِ الشَّيءَ نَفْسَهُ. فالامْتِلاءُ بالرُّوحِ يَعْني أنْ يَمْلأَني، وَأنْ يُهَيْمِنَ على كُلِّ شَيء. والسُّلوكُ بالرُّوحِ يَعْني، بِبَساطَةٍ، أنْ أَضَعَ قَدَمَيَّ في الطَّريقِ الَّذي يَخْتارُهُ لي. وَعِنْدَما تَسْلُكونَ في الرُّوحِ، فإنَّ الرُّوحَ سَيَقومُ بِعَمَلِهِ التَّقْديسِيِّ.

وَمَعَ أنَّنا لا نُريدُ أنْ نُطْفِئَ الرُّوحَ في الكَنيسَةِ اليومَ، فَإنَّنا نَفْعَلُ ذلكَ على نِطاقٍ وَاسِعٍ. وَمَعَ أنَّنا لا نُريدُ أنْ نُطْفِئَ الرُّوحَ في حَياتِنا الفَرديَّةِ والشَّخصيَّةِ، فإنَّنا نَفْعَلُ ذلكَ إنْ لم نَسْمَحْ لِروحِ اللهِ أنْ يُتَمِّمَ هَذِهِ الأشياءَ الخَمْسَةَ في أثْناءِ جَعْلِنا مُشابِهينَ للمَسيح. وَليتَ اللهَ يُساعِدُنا على أنْ نَكونَ أُمنَاءَ، وعلى ألَّا نُطْفِئَ أوْ نُحْزِنَ الرُّوحَ القُدُسَ. لِنَحْنِ رُؤوسَنا للصَّلاة:

نَحْنُ نَعْلَمُ، يَا أَبَانَا، أنَّ الطَّريقَةَ الوَحيدَةَ لإبْطالِ قُوِّةِ الخَطِيِّةِ البَاقِيَةِ فينا، وَقُوَّةِ الرَّغَباتِ الشِّرِّيرَةِ فينا، وَقُوَّةِ التَّجارِبِ في حَياتِنا، هِيَ أنْ نَسْلُكَ في الرُّوحِ وَنَمْتَلِئَ بالرُّوحِ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ الامْتِلاءِ بِالرُّوحِ يَعْني الرُّجوعَ إلى أعْمالِ الجَسَدِ، والفَسادِ الأدَبِيِّ، وَالنَّجاسَةِ، والخَطايا الجَسَدِيَّةِ، والزِّنا، والسِّحْرِ، والعَداوَةِ، والخِصامِ، والغَيْرَةِ، والغَضَبِ، والنِّزاعاتِ، والخِلافاتِ، والتَّحَزُّباتِ، والحَسَدِ، والعَرْبَدَةِ، وَالخَطايا المُشَابِهَةِ لِهَذِهِ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أنَّنا لَسْنا حَتَّى مَنْ نَخْتارُ القِيَامَ بهذهِ الأشياءِ عَنْ وَعْيٍ. فإنْ لَمْ نَكُنْ نَخْضَعُ لِسُلْطانِ رُوْحِ اللهِ، فإنَّ هَذِهِ الأشياءَ سَتَحْدُثُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِها. وَالدِّفاعُ الوَحيدُ ضِدَّ سُلْطانِ التَّجْرِبَةِ، والخَطِيَّةِ، والشَّيْطانِ هُوَ سُلْطانُ رُوْحِكَ. لِذلكَ، سَاعِدْنا، يا رَبُّ، على ألَّا نُطْفِئَ الرُّوحَ، بَلْ أنْ نُعْطيهِ مُطْلَقَ الحُرِّيَّةِ في أنْ يَعْمَلَ في حَياتِنا، وَأنْ يَتَحَرَّكَ بالطَّريقَةِ الَّتي لا يُمْكِنُ لأحَدٍ سِواه أنْ يَتَحَرَّكَ بِها، وَأنْ يُكَمِّلَ تَقْديسَنا، وَأنْ يَجْعَلَنا مُشَابِهينَ للمَسيحِ الَّذي باسْمِهِ نُصَلِّي. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize