Grace to You Resources
Grace to You - Resource

النَّصُّ الَّذي سَنَتأمَّلُ فيهِ في هَذا الصَّباحِ هُوَ آيَةٌ واحِدَةٌ، آيَةٌ واحِدَةٌ قَصيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ الآيَة 20 مِنَ الأصْحاحِ الخامِسِ. رِسالةُ تَسالونيكي الأولى 5: 20 إذْ يَقولُ الرَّسولُ بولُس: "لاَ تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ". والحَقيقَةُ هِيَ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ كِتابٌ مُدْهِشٌ بِطُرُقٍ عَديدَةٍ جِدًّا. وهُناكَ زَوايا عَديدَة مُختلِفَة يُمْكِنُ للمَرْءِ أنْ يَنْظُرَ مِنْ خِلالِها إلى السِّماتِ المُدْهِشَةِ للكِتابِ المقدَّسِ. واسْمُحوا لي أنْ أَذْكُرَ لَكُمْ بَعْضَ الأساليبِ الفَريدَةِ أكْثَر مِنْ غَيْرِها. قبلَ سَنواتٍ، ابتدَأَ رَجُلُ أعْمالٍ إسْرائيليّ اسْمُهُ "زيئيل فيتيرمان" (Ze-el Fetterman) بالتَّفْكيرِ في قِصَّةِ دَمارِ سَدُوم وَعَمُورَة. وَقَدْ قَرأُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ: "وَإِذَا دُخَانُ الأَرْضِ يَصْعَدُ كَدُخَانِ الأَتُونِ". وَقَدِ خَمَّنَ أنَّ حَريقًا كَهَذا قَدْ يَدُلُّ على وُجودِ غَازٍ تحتَ الأرْض. وَقَدْ خَمَّنَ أيضًا أنَّ وُجودَ غَازٍ تحتَ الأرضِ يَعْني وُجودِ نِفْطٍ تحتَ الأرْض. وَقَدْ كانَ مُحِقًّا. فَفي سَنَة 1953، ابتَدَأَ العَمَلُ في أوَّلِ مَشروعٍ إسْرائيليٍّ لِحَفْرِ بِئْرِ نِفْطٍ بالقُرْبِ مِنَ المَوْقِعِ الأثَرِيِّ لِسَدوم وَعَمورَة.

كَذلِكَ، قَامَتْ شَرِكَة "ستاندرد أُويل" (Standard Oil Company) باكْتِشافِ النِّفْطِ وَعَمِلَتْ وَقْتًا طَويلًا في مَشاريعِ حَفْرِ آبارِ النِّفْطِ في مِصْر. وَمِنَ المُتَعارَفِ عَليهِ أنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ تَقومُ بهذا العَمَل. وَلَكِنَّ السَّبَبَ الرَّئيسيَّ الَّذي دَفَعَهُمْ إلى الذَّهابِ إلى تلكَ الأرْضِ القَديمَةِ والبَحْثِ عَنِ النِّفْطِ فيها غَيْرُ مَعْروفٍ للجَميع. فَهُناكَ مَنْ يَقولُ إنَّ واحِدًا مِنْ أعْضاءِ مَجْلِسِ إدارَةِ شَرِكَة "ستاندرد أُويل" كانَ يَقرأُ الأصْحاحَ الثَّاني مِنْ سِفْرِ الخُروجِ، وَأنَّ العَدَد الثَّالِثَ فيه جَذَبَ انْتِباهَهُ إذْ قَرَأَ أنَّ سَفَطَ الْبَرْدِيِّ الَّذي صَنَعَتْهُ أُمُّ مُوْسَى لِطِفْلِها كَانَ مَطْلِيًّا بِالْحُمَرِ وَالزِّفْتِ. وَقَدْ فَكَّرَ هذا الرَّجُلُ في أنَّهُ حيثُ يُوْجَدُ زِفْتٌ، لا بُدَّ أنْ يُوْجَدَ نِفْط. وَإنْ كانَ هُناكَ نِفْطٌ في زَمَنِ مُوْسَى، مِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُ مَا زالَ مَوجودًا. لذلكَ فقد أَرْسَلَت الشَّرِكَةُ "تشارلز ويتشيت" (Charles Witchet)، وَهُوَ عَالِمٌ جيولوجيٌّ وخَبيرُ نِفْطٍ، لِلقيامِ بالتَّحَرِّياتِ. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُ اكتَشَفَ نِفْطًا هُناك.

وَإليكُمْ قِصَّتي المُفَضَّلة. فَقَدْ جَاءَ في مَجَلَّةِ "ذا وورلد كريستيان دايجست" (The World Christian Digest) أنَّ شُرْطِيًّا في "حَيْفا" يَعْرِفُ الكِتابَ المُقَدَّسَ كَانَ يَتَتَبَّعُ عِصابَةً مِنَ المُهَرِّبين. وَلِكَيْ لا يَلْفِتُوا الأنْظارَ، كانُوا يَسْتَخْدِمونَ عَرَبَةً تَجُرُّها الحَميرُ للتَّجْوالِ في المَدينَةَ. وَقَدْ نَجَحَ الشُّرْطِيُّ في الإمْساكِ بِعَدَدٍ مِنَ الحَميرِ، وَلَكِنَّ المُهَرِّبينَ هَرَبُوا. لِذلكَ فقد حَرَمَ الشُّرْطِيُّ تِلْكَ الحَميرِ مِنَ الطَّعامِ بِضْعَةَ أيَّامٍ ثُمَّ أَطْلَقَها. وَكما تَوَقَّعَ (بِحَسَبِ مَا جَاءَ في إشَعْياء 1: 3: "اَلثَّوْرُ يَعْرِفُ قَانِيَهُ وَالْحِمَارُ مِعْلَفَ صَاحِبِهِ")، فَقَدْ قَادَتِ الحَميرُ الجَائِعَةُ الشُّرْطَةَ مُباشَرَةً إلى المُهَرِّبين.

إنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ كِتابٌ مُدْهِشٌ. وَعلى مَرِّ العُصُورِ، فإنَّ حَياةَ أُناسٍ كَثيرينَ تَتَمَرْكَزُ حَوْلَ الكِتابِ المُقَدَّسِ. فَهُوَ كِتابٌ ثَمينٌ وَفَريدٌ أيضًا. وَإحْدى القِصَصِ المُفَضَّلَةِ لَدَيَّ هِيَ قِصَّةُ فَتاةٍ صَغيرَةٍ في فَرَنْسا كانَتْ فَقيرَةً وَعَمْياء. وَكانَتْ قَدْ حَصَلَتْ على إنْجيل مَرْقُسْ بِلُغَةِ المَكْفُوفينَ الَّتي تُعْرَفْ باسْم "بريل" (Braille) وَتَعَلَّمَتْ كيفَ تَقرَأُ باسْتِخْدامِ أطْرافِ أَصابِعِها. وَبِسَبَبِ شَغَفِها الكَبيرِ بالكِتابِ المُقَدَّسِ وَقِراءَتِها الدَّائِمَةِ لَهُ، صَارَتْ أَطْرافُ أَصابِعِها خَشِنَةً. وَبِسَبَبِ خُشُونَةِ أَصابِعِها، لَمْ تَعُدْ قَادِرَةً على تَمْييزِ الحُروفِ. وذاتَ يَوْمٍ، كانَتْ تلكَ الفَتاةُ مُتَشَوِّقَةً جِدًّا لقراءةِ الكِتابِ المقدَّسِ؛ لذلكَ فقد أَزالَتِ الجِلْدَ عَنْ أطْرافِ أصابِعِها في مُحاوَلَةٍ لِزِيادَةِ قُدْرَتِها على الحِسِّ. ولَكِنَّها أَتْلَفَتْ أَعْصابَ الأصابِع. وَتَقولُ القِصَّةُ إنَّها حينَ شَعَرَتْ أنَّها مُضْطَرَّةٌ للتَّخَلِّي عَنْ كِتابِها المَحْبوبِ، راحَتْ تَبْكي، ثُمَّ وَضَعَتْ شَفَتَيْها على صَفَحاتِ إنْجيل مَرْقُس وَقَبَّلَتْهُ وَقالَتْ: "وَداعًا! وَداعًا" وَكَمْ كانَتْ دَهْشَتُها كَبيرَةً حينَ وَجَدَتْ أنَّ شَفَتَيْها (الحَسَّاسَتَيْنِ أكْثَرَ مِنْ أَصابِعِها) تَمَكَّنَتا مِنْ تَمْييزِ شَكْلِ الحُروفِ. وَقَدْ صَرَفَتِ اللَّيْلَ كُلَّهُ في قِراءَةِ كَلِمَةِ اللهِ بِشَفَتَيْها، وامتلأَ قَلْبُها فَرَحًا بسببِ هَذِهِ الفُرْصَةِ الجَديدَة.

وَقَدْ لَخَّصَ يَسوعُ هَذا كُلَّهُ بِقَوْلِهِ: "لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ". فالكِتابُ المُقَدَّسُ كِتابٌ مُدْهِشٌ وَلا مَثيلَ لَهُ. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُ يَنْبَغي لِشَخْصٍ مَا أنْ يَضَعَ مُلْصَقًا تَحْذيريًّا على الكِتابِ المُقَدَّسِ يَقول: "تَحْذير: هَذا الكِتابُ قَدْ يُسَبِّبُ الإدْمان. والاسْتِخْدامُ الدَّائِمُ لَهُ يُسَبِّبُ فُقْدانَ القَلَقِ، وَتَناقُصَ الرَّغْبَةِ في الكَذِبِ، والغِشِّ، والشَّهْوَةِ، والكَراهِيَةِ، والسَّرِقَةِ. أمَّا الأعْراضُ المُتَوَقَّعَةُ فَهِيَ ازْديادُ مَشاعِرِ الفَرَحِ، والسَّلامِ، والمحبَّةِ، واللُّطْفِ".

إنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ أَفْضَلُ كِتابٍ في العَالَم. وَلا يُوْجَدُ كِتابٌ آخَرُ يُنَافِسُهُ في رَوْعَتِهِ. وَقَدْ كانَ الرَّسولُ بولُسُ يُفَكِّرُ في تَفَوُّقِ الكِتابِ المُقَدَّسِ حينَ كَتَبَ تلكَ الآيَةَ الَّتي قَرَأتُها قبلَ قَليل. فَعِنْدَما كَتَبَ: "لاَ تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ" (أوِ النُّبوءاتِ، أوِ الأقوالِ النَّبَوِيَّةِ)، فإنَّهُ كانَ يُفَكِّرُ في إعْلانِ اللهِ. وَهُوَ يَتَحَدَّثُ هُنا عَنْ مَوْقِفِنا تُجاهَ إعْلانِ اللهِ، سَواءٌ كانَ مَنْطُوقًا أوْ مَكْتوبًا. وَلا تَنْسَوْا أنَّ هَذا العَدَدَ، أيِ العَدَد 20، هُوَ جُزْءٌ مِنَ المَبادِئِ الأساسيَّةِ للحَياةِ المسيحيَّةِ. فَهُوَ يُذَكِّرُنا في العَدَد 16 بأنْ نَفْرَحَ كُلَّ حِيْن، ثُمَّ أنْ نُصَلِّي بِلا انْقِطاعٍ، ثُمَّ أنْ نَشْكُرَ في كُلِّ شَيءٍ. وَآخِرُ شَيءٍ تحَدَّثْنا عَنْهُ هُوَ أنَّهُ قالَ: "لا تُطْفِئُوا الرُّوحَ". والآنْ، يُتابِعُ بُولُسُ حَديثَهُ مُنْتَقِلًا إلى مَوْضُوعٍ فَريدٍ وَمُسْتَقِلٍّ بِذاتِهِ إذْ يَقول: "لا تَحْتَقِرُوا إعْلانَ اللهِ".

وَلَعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ أنَّ هَذا كُلَّهُ جُزْءٌ مِنْ أُسُسِ إنْشاءِ رَعِيَّةٍ مُعَافَاةٍ. وَهُوَ أَمْرٌ يَتَطَلَّبُ أنْ تَتَمَتَّعَ الخِرافُ بِعَلاقَةٍ سَليمَةٍ بالرَّاعي الأعْظَم. وَقَدْ تَحَدَّثَ الرَّسولُ بولسُ عَنْ كيفَ يَنْبَغي للكَنيسَةِ أنْ تَتَعامَلَ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ: القَادَةُ مَعَ الرَّعِيَّةِ، والرَّعِيَّةُ مَعَ القَادَةِ، والرَّعِيَّةُ مَعَ الرَّعِيَّةِ، والآنْ: الرَّعِيَّةُ مَعَ الرَّبِّ. وَهَذِهِ كُلُّها عَناصِرُ مُهِمَّة في إنْشاءِ كَنيسَةِ فَاعِلَةٍ. وَهَذِهِ الوَصَايا الأخيرَة مُباشِرَة جِدًّا وَمُحَدَّدَة جِدًّا: فَالوَصِيَّةُ "لا تُطْفِئُوا الرُّوحَ" وَاضِحَة تَمامًا. والعَدَد 21: "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ" وَاضِحٌ جِدًّا. "تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ" – وَاضِحٌ جِدًّا. "امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ" – وَاضِحٌ جِدًّا. والوَصِيَّةُ الوَحيدَةُ الَّتي قَدْ تَكونُ مُرْبِكَةً قَليلًا هِيَ الثَّانِيَة: "لا تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ" – أوِ الأقوالَ النَّبَوِيَّة. لِذلكَ، يَجِبُ علينا أنْ نَتَأمَّلَ بِعِنايَةٍ في هذهِ الوَصِيَّةِ وَأنْ نَعْرِفَ تَمامًا المَعْنى الَّذي قَصَدَهُ.

وَكُملاحَظَةٍ هَامِشِيَّةٍ للأشخاصِ الَّذينَ يَرْغَبونَ في مَعْرِفَةِ التَّرْكيبِ النَّحْوِيِّ لهذهِ الوَصايا الخَمْسَةِ ابْتِداءً مِنَ العَدَد 19، فإنَّ الفَاعِلَ يَأتي أوَّلًا، أيْ هَكذا: "الرُّوحُ، لا تُطْفِئوه. النُّبُوَّاتُ، لا تَحْتَقِروها. كُلُّ شَيءٍ، امْتَحِنوه. الحَسَنُ، تَمَسَّكُوا بِهِ. الشَّرُّ، امْتَنِعُوا عَنْهُ". لِذلكَ فإنَّ التَّركيزَ يَنْصَبُّ على ذَلِكَ الفَاعِلِ. وَهَذا أُسْلوبُ تُوْكيدِيٌّ جِدًّا في اللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ. وَالآنْ، لِنُلْقِ نَظْرَةً على بَعْضِ العَناصِرِ المُحَدَّدَةِ في هَذِهِ الآيَةِ والتي تُساعِدُنا في فَهْمِ مَعْناها. فالكَلِمَة "يَحْتَقِر" تَعْني: "يَزْدَري". وَهِيَ تَعْني: "يَحُطُّ مِنْ شَأنِ كَذا" أوْ "يُقَلِّلُ مِنْ شَأنِ كَذا". والنُّبوءاتُ "بروفيتياس" (propheteias) هِيَ كَلِمَةٌ أُخرى مُهِمَّةٌ جِدًّا في الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَهِيَ تَتَطَلَّبُ مِنَّا دِراسَةً أكْثَرَ لِفَهْمِها. وَلَكِنَّها تَعْني مَبْدَئِيًّا: "أَقْوالَ اللهِ" – أَقْوالَ اللهِ.

وَأقوالُ اللهِ تَنْدَرِجُ تَحْتَ فِئَتَيْن: الأقوالُ المَنْطُوقَةُ، والأقوالُ المَكْتوبَة. وَمِنَ المُهِمِّ أنْ تَفْهَمُوا ذلك. فالكلمة "بروفيتياس" (propheteias)، وَهِيَ الكَلِمَةُ المُستخدَمَةُ هُنا، تُسْتَخْدَمُ في العهدِ الجديدِ للإشارَةِ إلى كُلٍّ مِنَ الكَلامِ المَنْطُوقِ وَالكَلامِ المَكْتُوبِ. وَهَذا مُهِمٌّ جِدًّا لأنَّهُ عِنْدَما تَنْتَقِلونَ إلى تَفْسيرِ هَذِهِ الآيَةِ، لَنْ تَجِدُوا في النَّصِّ أيَّ شَيءٍ قَدْ يُسَاعِدُكُم. لِذلكَ، يَجِبُ عليكُمْ أنْ تَنْظُروا إلى الكلمةِ نَفْسِها، ثُمَّ يَجِبُ أنْ تَبْحَثُوا عَنْ نُصُوصٍ أُخرى وَتَرَوْا كيفيَّةَ اسْتِخْدامِها. فَهِيَ تُسْتَخْدَمُ أحْيانًا للحَديثِ عَنِ الكَلامِ المَنْطُوقِ، وَأحيانًا أُخرى للحَديثِ عَنِ الكَلامِ المَكْتُوبِ.

واسْمَحُوا لي أنْ أَذْكُرَ لَكُمْ بَعْضَ الأمثلةِ التَّوضيحيَّةِ على ذلك. افْتَحُوا الكِتابَ المُقَدَّسَ على الأصْحاح 12 مِنْ رِسالَةِ رُومية. وَلِمُساعَدَتِكُمْ على فَهْمِ مَعْنى هذهِ الكلمةِ لكي تَفْهَمُوا بوضوحٍ هذا التَّفْسيرَ، سَتَجِدونَ في الأصحاحِ الثَّاني عَشَرَ مِنْ رِسالَةِ رُومية لائِحَةً بالمواهبِ الرُّوحِيَّةِ. وَتَبْتَدِئُ تلكَ القائِمَةُ مِنَ العَدَدِ السَّادِسِ إذْ نَقْرَأُ في العَدَدِ السَّادِسِ: "وَلكِنْ لَنَا مَوَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ النِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَنَا". وَهَذا يَعْني أنْ نُمارِسَها بِحَسَبِ ذلك. ثُمَّ نَقْرَأُ: "أَنُبُوَّةٌ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِيمَانِ". وَنَجِدُ هُنا أنَّ الكَلِمَةَ نَفْسَها مُسْتَخْدَمَة. وَهِيَ تُشيرُ هُنا إلى الكَلامِ، إلى مَوْهِبَةِ الكَلامِ. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّنا نَجِدُ في الأصحاحِ الرَّابِعِ مِنْ رِسالةِ بُطرسَ الأولى أنَّ المَواهِبَ الرُّوحيَّةَ تُقْسَمُ إلى فِئَتَيْن: مَواهِبِ التَّكَلُّمِ، وَمَواهِبِ الخِدْمَةِ. والكَلِمَةُ تُشيرُ إلى التَّكَلُّمِ أمامَ الآخَرينَ – لا بالمَعْنى النَّبَوِيِّ، بَلْ إنَّها تُشيرُ إلى الوُقوفِ أمامَ الآخَرينَ وَتَوْجيهِ الكَلامِ إليهم. وَهِيَ تَعْني حَرْفِيًّا: مُخاطَبَةُ الجَماهير أوْ إعْلانُ شَيءٍ أمامَ النَّاسِ. فَهذهِ المَوهِبَةُ، مَوْهِبَةُ النُّبوَّةِ، الَّتي أُعْطِيَتْ لِبَعْضِ المُؤمِنينَ، هِيَ مَهارَةٌ يَمْنَحُها الرُّوحُ القُدُسُ لأشْخاصٍ مُعَيَّنينَ لإعلانِ كَلِمَةِ اللهِ أمامَ النَّاسِ. إنَّها مَهارَةٌ يَمْنَحُها الرُّوحُ القُدُسُ لأشْخاصٍ مُعَيَّنينَ لإعلانِ كَلِمَةِ اللهِ أمامَ النَّاسِ.

وَإذا نَظَرْنا إلى العهدِ الجديدِ، وَإلى الوقتِ الَّذي أُعْطِيَتْ فيهِ مَوْهِبَةُ النُّبوَّةِ بِمِلْئِها، سَنَرى فِئَتَيْنِ ... فِئَتَيْنِ. فأحْيانًا، عندما كانَ أحدُ الأشخاصِ يُمارِسُ هذهِ المَوهِبَةَ، كانَتْ إعْلانًا. فأحْيانًا، كانَتْ كَلامًا لَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ بِهِ مِنْ قَبْل. فَقَدْ كانَتْ كَلِمَةً مُباشِرَةً مِنَ اللهِ. وَأحْيانًا، لم تَكُنْ كذلك. فَقَدْ كانَتْ أحْيانًا مُجَرَّدَ تَكْرارٍ أوْ إعْلانٍ لِمَا قالَهُ اللهُ سَابِقًا أوْ لِما كُتِبَ سَابِقًا. وَلَكِنَّ الكَلِمَة "نُبوَّة" لا تُخْبِرُنا بالضَّرورَة أيَّ شَيءٍ عَنْ نَوْعِ الكَلامِ، أيْ مَا إذا كانَ إعْلانًا جَديدًا أَمْ شَيئًا أُعْلِنَ في السَّابِقِ؛ بل إنَّها تُخْبِرُنا فقط عَنْ طَريقَةِ صِياغَةِ ذلك. فَهِيَ إعْلانٌ عَامٌّ.

وَأحْيانًا، قَدْ تَكونُ النُّبُوَّةُ عَمَلِيَّةً جِدًّا – قَدْ تَكونُ أحْيانًا عَمليَّةً جِدًّا. فَمَثَلاً، في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُل 11: 27 و 28، نَجِدُ تَعْبيرًا عَمَلِيًّا جِدًّا عَنِ النُّبوَّةِ. فنحنُ نَقرأُ في العَدَد 27: "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ انْحَدَرَ أَنْبِيَاءُ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. وَقَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ اسْمُهُ أَغَابُوسُ، وَأَشَارَ بِالرُّوحِ أَنَّ جُوعًا عَظِيمًا كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَصِيرَ عَلَى جَمِيعِ الْمَسْكُونَةِ". وَهُنا، يَتَحَدَّثُ اللهُ مِنْ خِلالِ هذا الرَّجُلِ مُعْطِيًا نُبوَّةً عَمليَّةً جِدًّا. فَهِيَ لم تَكُنْ عَقيدَةً. وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا يَنْبَغي أنْ يُدَوَّنَ في الكِتابِ المُقَدَّسِ كَسِفْرٍ أوْ جُزْءٍ مِنْ سِفْرٍ. وَهِيَ لم تَكُنْ شَيْئًا لاهُوتِيًّا. بَلْ كانَتْ أمْرًا عَمَلِيًّا وَحَسْب. وقَدْ كانَ هذا الأمْرُ يَحْدُثُ كَثيرًا. فَأنْبياءُ العهدِ الجديدِ كانُوا يَنْطِقونَ بكلامِ اللهِ مُباشَرَةً فيما يَخْتَصُّ بالحياةِ العمليَّةِ وَخِدْمَةِ الكَنيسَةِ. وَنَقْرَأُ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُل 15: 32: "وَيَهُوذَا وَسِيلاَ، إِذْ كَانَا هُمَا أَيْضًا نَبِيَّيْنِ، وَعَظَا الإِخْوَةَ بِكَلاَمٍ كَثِيرٍ وَشَدَّدَاهُمْ". فَنَحْنُ نَقرأُ هُنا عَنْ نَبِيَّيْنِ مِنْ أنْبياءِ العهدِ الجَديدِ يَعِظانِ وَحَسْب. إنَّهُما يَعِظانِ وَحَسْب. وَلا شَكَّ أنَّهُما كانَا يَعِظانِ بِكَلامٍ مُشَجِّعٍ لم يَكُنْ إعْلانًا مُباشِرًا في تلكَ اللَّحْظَةِ، ولكِنَّهُما قاما، بِبَساطَةٍ، بِنَقْلِ كَلامٍ سَابِقٍ كَانَ اللهُ قَدْ قالَهُ لِتَشجيعِ القِدِّيسين. ورُبَّما كانَ هُناكَ عُنْصُرٌ خَارِقٌ للطَّبيعَةِ في ذلك. وَلَكِنَّنا لا نَعْلَمُ ذلكَ يَقينًا لأنَّ النَّصَّ لا يُخْبِرُنا شيئًا عَنْ هذا الأمْر عَلى غِرارِ مَا جَاءَ في الأصْحاحِ الحادي عَشَرَ مِنْ سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ إذْ نَقْرَأُ هُناكَ أنَّ "أَغَابُوسُ" كانَ يَتَحَدَّثُ بالرُّوحِ.

لِذا فإنَّ الكَلِمَة "نُبُوَّة" هِيَ لَفْظٌ فَضْفاضٌ يُشيرُ إلى الإعلانِ العامِّ عَنْ رِسالَةٍ مِنَ الله. فَقَدْ تكونُ تلكَ الرِّسالَةُ جَديدَة. وَقَدْ كانَتِ الحَالُ كذلكَ في أزْمِنَةِ العهدِ الجَديدِ على أَقَلِّ تَقْدير لأنَّهُمْ كانُوا مَا زَالُوا يَتَلَقَّوْنَ الإعلانَ، وَكانَ اللهُ ما زَالَ يَتَحَدَّثُ مُباشَرَةً على فَمِ نَبِيٍّ، أوْ قَدْ تكونُ الرِّسالَةُ مُجَرَّدَ تَكْرارٍ. أيْ أنَّها قَدْ تَكونُ، بِبَساطَةٍ، تَكْرارًا أمامَ النَّاسِ لِكلامٍ كانَ اللهُ قَدْ قَالَهُ في وقتٍ سَابِقٍ وَأَعْلَنَهُ مُسَبَّقًا. أمَّا الجُزْءُ المُعْجِزِيُّ في ذلكَ فَهُوَ أنَّ الإعلانَ الجَديدَ، سَواءٌ كَانَ عَمَلِيًّا أَمْ عَقائِدِيًّا، كانَ فَريدًا في زَمَنِ الكَنيسَةِ البَاكِرَةِ. فَفي أغْلَبِ الأحْيان، حَتَّى في الأزْمِنَةِ القَديمَةِ، كانَتْ مَوهِبَةُ النُّبُوَّةِ تُشيرُ غالِبًا إلى القُدرةِ على إعلانِ كَلِمَةِ اللهِ الَّتي أُعْلِنَتْ مِنْ قَبْل. وَفي رُومية 12: 6، هَذا هُوَ تَحْديدًا ما يَقولُهُ بولُس. وَأرْجُو أنْ تَفْتَحُوا على تلكَ الآيَةِ لأنِّي أُريدُ مِنْكُمْ أنْ تُلاحِظُوا شَيئًا مُهِمًّا جِدًّا. فَهُوَ يَقولُ في رُومية 12: 6: "مَنْ وُهِبَ النُّبُوءَةَ، فَلْيَتَنَبَّأْ بِحَسَبِ مِقْدَارِ الإِيمَانِ". وَأَوَدُّ أنْ أَقْرَأَ لَكُمْ التَّرْجَمَةَ الحَرْفِيَّةَ لِما جاءَ في النَّصِّ اليُونانِيِّ: "أَنُبُوَّةٌ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِيمَانِ"، وليسَ: "إلى إيمانِهِ" [كما جاءَ في بعضِ التَّرْجَماتِ الإنجليزيَّة]. فلا يُوْجَدُ هُنا ضَميرٌ مُتَّصِلٌ يَدُلُّ على المِلْكِيَّةِ في النَّصِّ الأصْلِيِّ.

والعِبارَةُ "بالنِّسْبَةِ إلى" مُهِمَّة جِدًّا. "أنالوجيا"، "أنالوجيا" (analogia)، وَهِيَ الكَلِمَةُ الَّتي اشْتُقَّتْ مِنها الكلمةُ الإنجليزيَّةُ "أنالوجي" (analogy). فعندما نَقولُ إنَّ شَيئًا مَا يُماثِلُ شَيْئًا آخَر، فإنَّنا نَعني بذلكَ أنَّهُ مُناظِرٌ لَهُ. فإنْ قُلْتُ إنَّ ذَلِكَ الحَقَّ مُماثِلٌ لِهذا الحَقِّ، فإنَّني أَعْني أنَّ هُناكَ عَلاقَةُ تَشابُهٍ بينَهُما؛ أيْ أنَّ سِمات هَذا الشَّيءِ تُماثِلُ ذلكَ الشَّيء. لِذلكَ فَقَدِ اعْتادَ المُصْلِحونَ على قَوْلِ العِبارَة: "أنالوجيا سكريبتورا" (analogia scriptura)؛ أيْ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَتَّفِقُ مَعَ نَفسِهِ دائِمًا. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ لا يُناقِضَ نَفْسَهُ.

لِذا، مَا الَّذي يَعْنيه في رُومية 12: 6؟ أنَّ مَوهبةَ النُّبوَّةِ هَذِهِ يجبُ أنْ تُستخدَمَ وَفْقًا للإيمان. وَهِيَ جُملةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا. وَفْقًا للإيمان. وَمَا "الإيمان"؟ لَقَدِ اسْتُخْدِمَت الكَلِمَة "إيمان" مِرارًا في العهدِ الجَديدِ كَمُرادِفٍ للحَقِّ المَسيحيِّ المُعْطَى مِنَ اللهِ؛ أيِ العَقيدَةِ ... كَمُرادِفٍ للحَقِّ المَسيحيِّ المُعْطَى مِنَ اللهِ؛ أيْ إعلانِ اللهِ. فنحنُ نَقرأُ في أعمالِ الرُّسُل 6: 7: "وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا فِي أُورُشَلِيمَ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ" – أيْ للعَقيدَةِ أوِ الحَقِّ. وَفي رِسالَةِ يَهُوذا، يُذَكِّرُ يَهُوذا القَارِئَ بأنَّنا يَنْبَغي أنْ نَجْتَهِدَ لأجْلِ الإيمان. أيَّ إيْمانٍ؟ "الإِيمَان الْمُسَلَّم مَرَّةً لِلْقِدِّيسِين"، أوِ الإعلانُ الَّذي نَعْلَمُ أنَّهُ كَلِمَةُ اللهِ. ونَقرأُ في العَدَد 20 مِنْ رِسالَةِ يَهُوذا: "ابْنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى إِيمَانِكُمُ الأَقْدَسِ".

لِذا فإنَّ بولُسَ يَقولُ في رُومية 12: 6: "مَنْ يَتَنَبَّأُ يَنْبَغي أنْ يَتَكَلَّمَ كَلِمَةَ اللهِ، ويَنبغي أنْ يَكونَ كَلامُهُ مُتَوافِقًا تَمامًا مَعَ الإيمانِ المُعْلَنِ أصْلًا مِنَ اللهِ". أتَفْهَمونَ ذلك؟ لِذا، يجبُ على الشَّخصِ الَّذي يَتكَلَّم أنْ يَتكلَّمَ بِما يَتَوافَقُ مَعَ الإيمان. فَهَذِهِ هِيَ الطَّريقَةُ التي تُسْتَخْدَمُ فيها تلكَ الكَلِمَة. لِذلكَ، إنْ كانَ بولُسُ يَقولُ: "لا تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ"، وَكُنَّا نَسْألُ أنْفُسَنا: "مَا الَّذي يَعْنيه"، يُمْكِنُنا أنْ نَقولَ، أوَّلًا، إنَّهُ يَعْني تِلْكَ الأقوالَ الَّتي يَتَفَوَّهُ بِها الرِّجالُ الذينَ أُعْطُوا مَواهِبَ، وَهِيَ أقْوالٌ تَتَّفِقُ تَمامًا مَعَ مَاذا؟ مَعَ كَلِمَةِ اللهِ ... مَعَ كَلِمَةِ اللهِ. وَفي سِفْرِ الرُّؤيا، بالقُرْبِ مِنَ النِّهايَة، نَقرأُ في الأصْحاح 19 والعَدَد 10: "فَخَرَرْتُ أَمَامَ رِجْلَيْهِ لأَسْجُدَ لَهُ". وَالمُتَكَلِّمُ هُنا هُوَ يُوحَنَّا. "فَقَالَ لِيَ [أيِ المَلاكُ]: «انْظُرْ! لاَ تَفْعَلْ! أَنَا عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ شَهَادَةُ يَسُوعَ. اسْجُدْ للهِ!" ثُمَّ نَقرأُ: "فَإِنَّ شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النُّبُوَّةِ»". فَالنُّبُوَّةُ تَشْهَدُ ليسوعَ المَسيحِ. والنُّبُوَّةُ تَتَّفِقُ مَعَ مَا تُعْلِنُهُ كَلِمَةُ اللهِ. فَإذا وَقَفَ أيُّ شَخْصٍ في أيِّ وَقْتٍ وَراحَ يَتَكَلَّمُ، يُمْكِنُنا أنْ نَحْكُمَ على صِحَّةِ مَا يَقول مِنْ خِلالِ امْتِحانِ اتِّفاقِها التَّامِّ مَعَ الكِتابِ المُقَدَّسِ. فالنُّبُوَّاتُ لا يُمْكِنُ أنْ تَكونَ مُختلفةً عَنْ كَلِمَةِ اللهِ المَكْتوبَة.

وبالمُناسَبَة، في رُومية 12، يَأتي الحَديثُ عَنْ مَوهِبَةِ النُّبُوَّةِ في لائِحَةٍ تَخْلُو مِنْ أيِّ إشارَةٍ إلى أيِّ مَوْهِبَةٍ مُعْجِزِيَّةٍ. فلا تُوْجَدُ أيُّ مَواهِبَ مُعْجِزِيَّةً في رُومية 12. فَقَدْ وَرَدَ الحَديثُ عَنْ بَعْضٍ مِنْها في رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى 12، ولكَنْ ليسَ في رُومية 12. لِذلكَ، يُمْكِنُنا أنْ نَعْرِفَ أنَّ هَذِهِ المَوهبةَ ليسَتْ مَوهبةً مُعْجِزِيَّةً. بَلْ هِيَ، بِبَساطَةٍ، إعْلانٌ للحَقِّ يَتَّفِقُ تَمامًا مَعَ كَلِمَةِ اللهِ.

وَلَكِنْ لِنَذْهَبْ إلى رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى والأصْحاحِ الثَّاني عَشَر. فأنا أُريدُكُمْ أنْ تَتَقَدَّمُوا خُطْوَةً أُخرى. رِسَالَة كُورِنثوس الأولى 12: 10. فَنَحْنُ نَرى هُنا نَفْسَ هذهِ المَوهبةِ مَرَّةً أُخرى. ولكِنْ في هذهِ المَرَّةِ، نَجِدُها مَذكورَةً في آيَةٍ تَتَحَدَّثُ عَنِ المواهبِ المُعْجِزِيَّةِ. فَهُوَ يَتحدَّثُ عَن اسْتِخْدامِ المَواهِبِ فَيَقولُ في 1كورِنثوس 12: 10: "وَلآخَرَ نُبُوَّةٌ، وَلآخَرَ تَمْيِيزُ الأَرْوَاحِ، وَلآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ [أيْ: لُغاتٍ]، وَلآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ [أيْ: تَرْجَمَةَ تِلْكَ اللُّغاتِ]". وَتَجِدونَ هُنا بعضَ المواهبِ المُعجِزيَّةِ الَّتي كانَتْ خَاصَّةً بعهدِ الرُّسُل. ولكِنَّ مَوهبةَ النُّبُوَّةِ تُذْكَرُ هُنا أيضًا، وَلَكِنَّها تُذْكَرُ هذهِ المَرَّة بينَ مَواهِبَ مُعْجِزِيَّة. لِذلكَ فإنَّنا نَستَنتِجُ أنَّ هُناكَ أوقاتًا، في زَمَنِ الرُّسُلِ، كانتْ فيها هذهِ الموهبةُ مُعْجِزِيَّةً في الحَقيقَةِ، ولا سِيَّما عندما كانَ النَّبِيُّ يَحْصُلُ حَرفيًّا على إعلانٍ مُباشِرٍ مِنَ اللهِ لَمْ يُعْطَ في السَّابِق. لِذلكَ، في بعضِ الأوقاتِ، كانَتْ هذهِ المَوهبةُ تَحْوي عُنْصُرًا مُعْجِزِيًّا. وبانْتِهاءِ عَصْرِ الإعلانِ الَّذي كَثُرَتْ فيهِ المُعْجِزاتُ، أيْ بِمَوْتِ الرُّسُلِ، بَقِيَ لدينا المَعْنى غيرُ المُعْجِزِيُّ لتلكَ الموهبةِ – أيِ الإعلانُ العامُّ عَنِ الحَقِّ الإلهيِّ الَّذي يَتَّفِقُ تَمامًا مَعَ الكَلِمَةِ المَكتوبَة.

لِذلكَ، فقد جاءَتْ أوقاتٌ كانَ فيها الرَّسولُ في عهدِ الرُّسُلِ يَنْطِقُ بإعلانٍ. وفي أغلبِ الأوقاتِ، حَتَّى في ذلكَ العَصْرِ، كانَ الأنبياءُ يُكَرِّرونَ فَقَطْ مَا كَانَ اللهُ قَدْ أَعْلَنَهُ في السَّابِق. وَهَذا يَتَّفِقُ بِكُلِّ تَأكيدٍ مَعَ الطَّريقَةِ الَّتي تُسْتَخْدَمُ فيها هذهِ الموهبة اليوم.

فَضْلاً عن ذلك، أُريدُ أنْ أَصْحَبَكُمْ إلى الأصْحاحِ الرَّابِع عَشَر مِنْ رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى لأنَّهُ يَجِبُ عليكُمْ أنْ تَفْهَموا هذهِ الموهبةَ. وَقَدْ تَقولونَ: "لِماذا؟" لأنَّهُ يَقولُ في العَدَدِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاح 12: "لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا". وَلا أنا أيضًا. بَلْ أُريدُ مِنْكُمْ أنْ تَفْهَموها. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 14: 1: "اِتْبَعُوا الْمَحَبَّةَ، وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ، وَبِالأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا". إنَّهُ كَلامٌ مُهِمٌّ جِدًّا. اسْمَعُوا جَيِّدًا: إنَّ هَذا الكَلامَ لَمْ يُكْتَبْ لِفَرْدٍ، بَلْ كُتِبَ لِكَنيسَة. فلا يُمْكِنُ لأيِّ شَخْصٍ أنْ يَسْعَى بِجِدٍّ للحُصولِ على مَوْهِبَةٍ رُوحيَّةٍ وَأنْ يَحْصُلَ عليها. بَلْ هُوَ يَقولُ إنَّهُ عِنْدَما تَجتمعُ الكَنيسَة، يجبُ عليكُم أنْ تَكونوا مُتَشَوِّقينَ جِدًّا إلى عَمَلِ المواهبِ الرُّوحيَّةِ، ولكِنْ بالأوْلَى أنْ تَتَنَبَّأوا – جَميعًا. فَهُوَ لا يَقولُ إنَّهُ يَنبغي للمؤمنِ الفَرْدِ أنْ يَطْلُبَ هذهِ الموهبةَ الرُّوحيَّةَ إنْ لم يَكُنْ يَمْتَلِكُها، بل يَقولُ إنَّهُ يَجِبُ على الكَنيسَةِ كَكُلّ أنْ تَرْغَبَ في اسْتِخْدامِها. لِماذا؟ نَقرأُ في العَدَد 3: "وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ، فَيُكَلِّمُ النَّاسَ بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ [أيْ: تَعْزِيَةٍ]". فَهِيَ تَبْني. وَهِيَ تَحُضُّ. وَهِيَ تُعَزِّي. فَالنُّبُوَّةُ تَفْعَلُ هذا كُلَّهُ. والتَّنَبُّؤُ يَفْعَلُ هذا كُلَّهُ. لِذلكَ فإنَّها مُهِمَّةٌ لِحَياةِ الكَنيسَة.

ثُمَّ نَقرأُ في العَدَدِ السَّادِسِ: "إِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ مُتَكَلِّمًا بِأَلْسِنَةٍ [أيْ: لُغَاتٍ]، فَمَاذَا أَنْفَعُكُمْ، إِنْ لَمْ أُكَلِّمْكُمْ إِمَّا بِإِعْلاَنٍ، أَوْ بِعِلْمٍ، أَوْ بِنُبُوَّةٍ، أَوْ بِتَعْلِيمٍ؟" وَهُوَ يَقولُ هُنا أيضًا إنَّ النُّبُوَّةَ تُسْتَخْدَمُ بطريقةٍ عَقلانِيَّةٍ ومُفيدةٍ تُسْهِمُ في البُنْيانِ والوَعْظِ والتَّعْزِيَة.

ثُمَّ انْظُروا إلى العَدَد 39 مِنَ الأصْحاحِ نَفْسِهِ. فَهُوَ يَقولُ مَرَّةً أُخرى: "إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ جِدُّوا لِلـتَّــنَــبُّــؤِ". ثُمَّ يَقولُ: "وَلاَ تَمْنَعُوا التَّكَلُّمَ بِأَلْسِنَةٍ". فَقَدْ كانَ استخدامُ الألْسِنَةِ مَسْمُوحًا في الأزْمِنَةِ القَديمَةِ. ولَكِنِّي أقولُ إنَّهُ إنْ كُنْتُمْ تَتَشَوَّقونَ إلى وُجودِ شَيءٍ في اجْتِماعِكُمْ، تَشَوَّقُوا إلى النُّبُوَّةِ. لِماذا؟ لأنَّها تَبْني، وَلأنَّها تَحُضُّ، وَلأنَّها تُعَزِّي. لِماذا؟ لأنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ القادِرَة أنْ تَبْنيكُمْ. وَلأنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ الَّتي تَدْعُوْكُمْ إلى حَياةِ القَداسَةِ. وَلأنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ مَصْدَرُ تَعْزِيَتِكُمْ. لِذلكَ، إنْ أرادَ أَحَدٌ أنْ يَتَنَبَّأَ، فَلْيَتَنَبَّأ بِما تُعْلِنُهُ كَلِمَةُ اللهِ.

فَعَلَى سَبيلِ المِثال، انْظُروا إلى رِسَالةِ كورِنثوسَ الأولى 14: 37: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ رُوحِيًّا، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ". بِعِبارةٍ أُخرى، إنْ كانَ أَحَدٌ يَقولُ إنَّهُ نَبِيٌّ، يجبُ عليهِ أنْ يَتَكَلَّمَ كَلامًا صَحيحًا يَتَوافَقُ تَمامًا مَعَ كُلِّ مَا أَكْتُبُ لأنِّي أكْتُبُ بأمانَةٍ وَصَايا اللهِ. لِذلكَ، يَجِبُ على كُلِّ شَخْصٍ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ أنْ يَقولَ كَلامًا مُتَوافِقًا تَمامًا مَعَ الكِتابِ المُقَدَّسِ.

وَهُو يُقولُ في العَدَد 24 مِنَ الأصْحاح 14: "إِنْ كَانَ الْجَمِيعُ يَتَنَبَّأُونَ، فَدَخَلَ أَحَدٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ أَوْ عَامِّيٌّ، فَإِنَّهُ يُوَبَّخُ مِنَ الْجَمِيعِ. يُحْكَمُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَمِيعِ". بِعِبارةٍ أُخرى، إنْ جَاءَ غيرُ مُؤمِنٍ لحُضورِ الاجْتِماعِ وكُنْتُمْ تَتَنَبَّأونَ وَتُعْلِنونَ كلمةَ اللهِ، فإنَّهُ سَيَسْمَعُها، وَيَفْهَمُها، وَيَتَبَكَّتُ بِها. ثُمَّ يَقولُ في العَدَد 25: "وَهكَذَا تَصِيرُ خَفَايَا قَلْبِهِ ظَاهِرَةً. وَهكَذَا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ وَيَسْجُدُ للهِ، مُنَادِيًا: أَنَّ اللهَ بِالْحَقِيقَةِ فِيكُمْ".

وَهُوَ يَقولُ في العَدَد 23: "إِنِ اجْتَمَعَتِ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، فَدَخَلَ عَامِّيُّونَ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَفَلاَ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَهْذُونَ؟" فَهَذا لَنْ يَكونَ لَهُ أيُّ تَأثيرٍ كِرازِيٍّ. لِذا فإنَّ النُّبُوَّةَ هِيَ إعْلانٌ للحَقِّ الإلهيِّ بِما يَتَّفِقُ تَمامًا مَعَ الكِتابِ المُقَدَّسِ. وَهِيَ كِرازِيَّةٌ. وَهِيَ تَبْني. وَهِيَ تَحُضُّ. وَهِيَ تُعَزِّي. هَذِهِ هِيَ النُّبُوَّةُ. فَهِيَ إعْلانٌ للحَقِّ الإلهيِّ أَمَامَ النَّاسِ. وَالآنْ، نَحْنُ لا نَعيشُ في العَصْرِ الرَّسُولِيِّ. فنحنُ نَقرأُ في رِسالَةِ أَفَسُس 2: 20 أنَّ الكَنيسَةَ مَبْنِيَّة على أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأنْبياء. وَمَعَ أنَّنا بَعيدونَ زَمَنِيًّا عَنْ ذلكَ الأساسِ، فإنَّنا مَا زِلْنا نَمْلِكُ مَوهِبَةَ النُّبُوَّةِ الَّتي هِيَ إعْلانُ كَلِمَةِ اللهِ.

وَالآنْ، بَعْدَ أنْ ذَكَرْنا ذلك، يَجِبُ أنْ نَقولَ إنَّ النُّبُوَّةَ ليسَتْ مَنْطُوقَةً فقط، بَلْ هِيَ مَكْتوبَة أيضًا. وَقَدِ تَكَرَّرَ في العَهْدِ الجَديدِ اسْتِخْدامُ الكَلِمَة "بروفيتياس" (propheteias) للإشارَةِ إلى الإعلانِ المَكْتوبِ. افْتَحُوا على إنْجيل مَتَّى 13. فنحنُ بِحاجَةٍ إلى القِيامِ بهذهِ الدِّراسةِ الكِتابِيَّةِ لأنَّ هذهِ الآيَةَ قَدْ تَكونُ مُرْبِكَةً للبَعْضِ، وَقَدْ أَرْبَكَتْ أُناسًا كَثيرينَ. وَبِصَراحَةٍ، فإنَّ أغلبيَّةَ المُفَسِّرينَ مُشَوَّشُونَ بِخُصوصِها. وَنَحْنُ نَجِدُ في إنْجيل مَتَّى 13: 14 الكَلِمَةَ نَفْسَها: "بروفيتياس" (propheteias). وَهِيَ تُشيرُ هُنا إلى إشَعْياء. مَتَّى 13: 14: "فَقَدْ تَمَّتْ فِيهِمْ نُبُوَّةُ إِشَعْيَاءَ". ثُمَّ إنَّهُ يَمْضِي مُقْتَبِسًا مَا جَاءَ في نُبوءَةِ إشَعْياء نَفْسِها - في الأصْحاحِ السَّادِسِ مِنْها. لِذلكَ، فإنَّ الكَلِمَة "نُبُوَّة" هُنا لا تُشيرُ إلى الكَلامِ، بَلْ إلى الكِتابَةِ. فَهِيَ لا تُشيرُ إلى الكَلامِ المَنْطُوقِ، بَلْ إلى الكَلامِ المَكْتوبِ. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّها تُشيرُ هُنا إلى النَّبِيِّ إشَعْياء في العَهْدِ القَديم.

وَالآنْ، افْتَحُوا عَلى رِسالَةِ رُومية، على نِهايَتِها – على الأصْحاحِ الأخيرِ مِنْها. رِسالَة رُومية وَالأصْحاح 16. وَتَجِدُونَ هُنا جُمْلَةً مُدْهِشَةً جِدًّا في العَدَد 26. فَفي رُومية 16: 26، يَقولُ بُولُس: "وَلكِنْ ظَهَرَ الآنَ" – وَهُوَ يُشيرُ هُنا، بِكُلِّ تَأكيدٍ، إلى الإنْجيلِ، وَإلى إعْلانِ السِّرِّ الَّذِي كَانَ مَكْتُومًا فِي الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ؛ أيْ إلى العَهْدِ الجَديدِ المُشارِ إليهِ في العَدَد 25 فَيَقولُ: "وَلكِنْ ظَهَرَ الآنَ". كيفَ؟ مِنْ خِلالِ "الكُتُبِ النَّبَوِيَّةِ". بِعِبارةٍ أُخرى، فإنَّ هَؤلاءِ الرِّجالِ الذينَ كَتَبُوا الأسفارَ المُقَدَّسَةَ كانُوا يَقُومُونَ بِخِدْمَةٍ نَبَوِيَّةٍ. وَقَدْ تَكَلَّموا أمامَ النَّاسِ. وَقَدْ كَتَبُوا أمامَ النَّاسِ. وَقَدْ قَدَّمُوا كَلِمَةَ اللهِ إلى النَّاسِ، إمَّا في صِيْغَةٍ مَنْطُوقَةٍ وَ/أو في صِيْغَةٍ مَكْتُوبَةٍ. لِذلكَ فإنَّنا نَعْلَمُ إذًا أنَّ الكَلِمَةَ "نُبُوَّة" قَدْ تُشيرُ إلى الكَلامِ أوْ قَدْ تُشيرُ إلى الكَلِمَةِ المَكْتُوبَةِ.

افْتَحُوا، مِنْ فَضْلِكُمْ، على رِسالَةِ بُطْرُسَ الثَّانِيَة – رِسالَةِ بُطرُسَ الثَّانِيَة والأصْحاحِ الأوَّلِ إذْ يَقولُ في العَدَد 19: "وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ". ثُمَّ إنَّهُ يُعَرِّفُها في العَدَد 20 فَيَقولُ عَنْها إنَّها "نُبُوَّةُ الْكِتَابِ". و "الكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ" أوْ "نُبُوَّةُ الكِتابِ" هُنا تَسْتَخْدِمُ الكَلِمَةَ نَفْسَها ثَانِيَةً. وَهِيَ تُشيرُ هُنا إلى الكِتابِ المُقَدَّسِ المُوْحَى بِهِ. فَهذِهِ العِبارَةُ الصَّغيرَةُ "نُبُوَّةُ الكِتابِ" في العَدَد 20 كانَتِ اللَّفْظَ المُسْتَخْدَمَ للإشارَةِ إلى العَهْدِ القَديمِ كَكُلّ. وَهُوَ الكَلِمَة النَّبَوِيَّة. وَهَذا يَعْني أنَّ العَهْدَ القَديمَ يَجْمَعُ بينَ دَفَّتَيْهِ إعلانًا نَبَوِيًّا. وَقَدْ تُشيرُ كَلِماتُ بُطْرُس إلى العَهْدِ الجَديدِ أيضًا لأنَّهُ يَقولُ: "لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ [قَديمَةٌ أَمْ جَديدَةٌ] بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". وَهُوَ يَتَحَدَّثُ هُنا عَنِ النُّبُوَّةِ بِصِفَتِها أسْفارًا مَكْتوبَةً ... أسْفارًا مَكْتُوبَةً.

ثُمَّ افْتَحُوا على سِفْرِ الرُّؤيا 1: 3. وَيُمْكِنُكُمْ أنْ تَكْتَفُوا بالاسْتِماعِ فَقَطْ إنْ شِئْتُمْ. فَيُوَحَّنا يَتَحَدَّثُ عنِ الرُّؤيا فَيَقولُ: "طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّةِ". وَهُوَ يُسَمِّي سِفْرَ الرُّؤيا هُنا "النُّبُوَّة" ... "النُّبُوَّة". وفي الأصْحاحِ الأخيرِ مِنْ سِفْرِ الرُّؤيا، يُشيرُ يُوحَنَّا ثَلاثَ مَرَّاتٍ إلى سِفْرِ الرُّؤيا بِوَصْفِهِ "النُّبُوَّة" – "النُّبُوَّة" (في العَدَد 10، والعَدَد 18، والعَدَد 19). وَالآنْ، لِنَضَعْ هَذا كُلَّهُ جَانِبًا، واسْمَحُوا لي أنْ أُلَخِّصَ لَكُمْ ذلك. حَسَنًا؟ فأحْيانًا، تُسْتَخْدَمُ الكَلِمَة "بروفيتياس" (propheteias) للإشارَةِ إلى الكَلامِ المَنْطُوقِ؛ أيْ إلى إعْلانِ اللهِ عَلى لِسانِ أَحِدِ الأنْبياء. ولَكِنْ في كُلِّ الأوقاتِ، يَجِبْ أنْ يكونَ الكَلامُ المَنْطوقُ مُتَوافِقًا تمامًا مَعَ الكَلِمَةِ المَكْتوبَة. وَأحْيانًا، تُسْتَخْدَمُ الكلمة "نُبُوَّة" للإشارَةِ إلى الكَلِمَةِ المَكتوبَة. إذًا، في كِلْتا الحَالَتَيْن، فإنَّ الكَلِمَة "نُبُوَّة" تَرْتَبِط بالكِتابِ المقدَّسِ. حَسَنًا؟ فَهِيَ إمَّا أنْ تُشيرَ إلى الكِتابِ المُقَدَّسِ، أوْ إلى الكَلامِ المَنْطوقِ الَّذي يَتَّفِقُ تَمامًا مَعَ الكِتابِ المُقَدَّسِ. والنُّقْطَةُ الَّتي يَتَحَدَّثُ عَنْها بُولُسُ واضِحَة تَمامًا. فَعِنْدَما يَقولُ: "لاَ تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ"، فإنَّهُ يَعْني: "لا تَزْدَرُوا أوْ تَسْتَهينوا بإعلانِ اللهِ المَكْتوبِ في الكِتابِ المُقَدَّسِ. فَسَواءٌ قَرَأتُموهُ أَمْ سَمِعْتُموهُ، لا تَسْتَخِفُّوا بِهِ، وَلا تُقَلِّلوا مِنْ أهميَّتِهِ، وَلا تَسْتَهينُوا بِهِ أوْ تُقَلِّلُوا مِنْ قيمَتِهِ".

لَقَدْ قالَ أيُّوبُ إنَّهُ يُقَدِّرُ كَلِمَةِ اللهِ أكْثَرَ مِنْ طَعامِهِ اليَوْمِيِّ (أيُّوب 23: 12). وَقَدْ كانَ إرْميا يَتَغَذَّى عليها كُلَّ يَوْمٍ بِفَرَحٍ. وَلَعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ الوَصِيَّةَ الرَّائِعَةَ الَّتي أَوْصَى بِها الرَّبُّ يَشوعَ إذْ نَقْرَأُ في سِفْرِ يَشوع 1: 8: "لاَ يَبْرَحْ سِفْرُ هذِهِ الشَّرِيعَةِ [أيِ الكِتابُ المُقَدَّسُ وَالأسْفارُ المُقَدَّسَةُ] مِنْ فَمِكَ، بَلْ تَلْهَجُ فِيهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ. لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تُصْلِحُ طَرِيقَكَ وَحِينَئِذٍ تُفْلِحُ" (يَشوع 1: 8). وَنَقْرَأُ في سِفْرِ التَّثْنِيَة أنَّ الرَّبَّ أَوْصَى الشَّعْبَ بوضوحٍ شَديدٍ جِدًّا بِخُصوصِ كيفيَّةِ التَّعامُلِ مَعَ كَلِمَةِ اللهِ بِتَكْريسٍ شَديدٍ إذْ قَالَ لَهُمْ في سِفْرِ التَّثْنِية 6: 6: "وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ، وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلَى أَبْوَابِكَ". بِعِبارَةٍ أُخرى، فإنَّهُ يَقولُ: امْلأ حَياتَكَ كُلَّها بِكَلِمَةِ اللهِ. ... امْلأ حَياتَكَ كُلَّها بِكَلِمَةِ اللهِ.

وَنَقْرَأُ في المَزمورِ الأوَّلِ: "طُوْبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ"، بَلْ يَسْلُكُ في الحَقِّ الإلَهِيِّ. فالآيَةُ تَقولُ إنَّ الشَّخْصَ الَّذي يُكَرِّسُ حَياتَهُ كُلَّها للكَلِمَةِ يَجِدُ مَسَرَّتَهُ "فِي نَامُوسِ الرَّبِّ"، "وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلاً". فَهَذا هُوَ الرَّجُلُ البارُّ. لِذلكَ فإنَّنا لا نَحْتَقِرُ الكِتابَ المُقَدَّسَ، بَلْ نُرَفِّعُهُ وَنَنْظُرُ إليهِ بإجْلالٍ. "طُوْبَى لِلْكَامِلِينَ طَرِيقًا، السَّالِكِينَ فِي شَرِيعَةِ الرَّبِّ. طُوبَى لِحَافِظِي شَهَادَاتِهِ. مِنْ كُلِّ قُلُوبِهِمْ يَطْلُبُونَهُ" (المَزْمور 119: 1 و 2). وَيَقولُ داوُدُ: "كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ!" إذًا، فإنَّ هذهِ الآيَةَ تُوْصينا بأنْ نَنْظُرَ بِجِديَّةٍ تَامَّةٍ إلى الكِتابِ المُقَدَّسِ: "لا تَحْتَقِرُوا كَلِمَةَ اللهِ"، بَلْ عَامِلُوها باحْترامٍ تَامٍّ. فَهَذا هُوَ مَا يَقولُهُ.

وَهَذا لَنْ يَحْدُثَ إلَّا مِنْ قِبَلِ المُؤمِنينَ المَسيحيِّينَ فَقَط. فَنَحْنُ نَقرأُ في رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى 2: 10 أنَّ اللهَ أَعْلَنَ لَنَا ذَلِكَ بِرُوحِهِ. ثُمَّ نَقرأُ في العَدَد 14 (أيْ في رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى 2: 14): "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ [أيِ الإنْسانَ الَّذي لَمْ يُوْلَدْ ثانِيَةً، أوِ الإنسانَ غيرَ المَسيحيَ] لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا". فالإنْسانُ الَّذي لَمْ يُوْلَد ثانِيَةً لا يُمْكِنُ أنْ يَحْتَرِمَ الكِتابَ المُقَدَّسَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَفي الكِتابَ المُقَدَّسَ حَقَّهُ مِنَ التَّقْديرِ. وَقَدْ قالَ "مارتِن لوثَر": "إنَّ الإنسانَ الَّذي لم يُوْلَدْ ثانِيَةً يُشْبِهُ عَمودَ مِلْحٍ. وَهُوَ يُشْبِهُ زَوْجَةَ لُوْط. وَهُوَ يُشْبِهُ خَشَبَةً وَحَجَرًا. وَهُوَ يُشْبِهُ تِمْثالًا لا حَياةَ فيهِ لا يَقْدِرُ أنْ يَستخِدَمَ عَيْنَيْهِ أوْ فَمَهُ، ولا حَواسَّهُ وَلا قَلْبَهُ إلَّا إذا اهْتَدَى وَوُلِدَ ثانِيَةً بِواسِطَةِ الرُّوحِ القُدُس". نِهايَةُ الاقْتِباس.

فَأقْصَى مَا يُمْكِنُ للإنْسانِ غَيْرِ المُخَلَّصِ أنْ يَفْعَلَهُ هُوَ أنْ يَقْضِمَ لِحَاءَ الكِتاب المُقَدَّسِ دُوْنَ أنْ يَصِلَ حَقًّا إلى اللُّبِّ. وَقَدْ قَدَّمَ الفيلسوفُ الدَّانِماركِيُّ "كيركيغارد" (Kierkegaard) تَشبيهًا قَوِيًّا لتوضيحِ النَّهْجِ الخاطِئِ في النَّظَرِ إلى الكِتابِ المُقَدَّسِ. فَقَدْ كانَ يَنْظُرُ إلى جَميعِ هَؤلاءِ النَّاسِ في الأوْساطِ الأكاديميَّةِ مِمَّنْ يَدَّعُونَ أنَّهُمْ باحِثونَ في الكِتابِ المُقَدَّسِ. وَهُوَ يَقولُ: "عِنْدَما يُخْطِئُ الصَّبِيُّ الصَّغيرُ، يَجِبُ على أبيهِ أنْ يُؤدِّبَهُ. وَلَكِنْ عِندما يَذْهَبُ الأبُ لإحْضارِ العَصَا، فإنَّ الصَّبِيَّ يَحْشُو الجُزْءَ الخَلْفِيَّ مِنْ بِنْطَالِهِ بِالعَديدِ مِنْ قِطَعِ القِماشِ. وَعِنْدَما يَعودُ الأبُ وَيَضْرِبُهُ بالعَصَا، فإنَّ الصَّبِيَّ لا يَشْعُرُ بالألمِ لأنَّ قِطَعَ القِماشِ تَمْتَصُّ ضَرَباتِ العَصَا. وَهذا الصَّبِيُّ الصَّغيرُ يُمَثِّلُ عَلَماءَ الكِتابِ المُقَدَّسِ. فَهُمْ يَحْشُونَ عُقولَهُمْ بالمَعاجِمِ، وَكُتُبِ التَّفْسيرِ، وَالفَهارِسِ. وَبسببِ ذلكَ فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ لا يَصِلُ إليهِم بِصِفَتِهِ كَلِمَةَ اللهِ. فَلأنَّهُمْ أَبْطَلُوا قُوَّتَهُ بِسَبَبِ تَحْصينِ أنْفُسِهِمْ بالمَعلوماتِ الأكاديميَّةِ، فإنَّهُمْ لا يَسْمَعونَ البَتَّةَ الكِتابَ المُقَدَّسَ بِوَصْفِهِ كَلِمَةَ اللهِ. وَلَكِنْ لو تَخَلَّوْا عَنْ تلكَ الكُتُبِ الَّتي يَحْشُونَ بِها عُقولَهُمْ – مَعَ أنَّها مُهِمَّةٌ إنْ أَحْسَنُوا اسْتِخْدامَها، كَما هُوَ مُوَضَّحٌ في قِصَّةِ ’رِسالَةِ الحُبِّ‘ – فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ قَدْ يَصِلُ إليهِمْ بِصِفَتِهِ كَلِمَةَ اللهِ".

إنَّ السَّماحَ للكِتابِ المُقَدَّسِ بالوُصولِ إلينا بِصِفَتِهِ كَلِمَةَ اللهِ هُوَ عَمَلٌ خَاصٌّ يَقومُ بِهِ الرُّوحُ القُدُس. ولا يُمْكِنُ لأحدٍ سِوى الأشخاصَ الَّذينَ يَسْكُنُ فيهِم الرُّوحُ القُدسُ أنْ يُطيعُوا هَذِهِ الوَصِيَّةَ بِعَدَمِ احْتِقارِ كَلِمَةِ اللهِ. فَهُناكَ أشْخاصٌ في كُلِّياتِ اللَّاهوتِ، والجامِعاتِ، والكَنائِسِ في جَميعِ أرْجاءِ أمْريكا وَحَوْلَ العَالَمِ يَزْعُمونَ أنَّهُمْ تَلاميذُ الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَلَكِنَّ أدْمِغَتَهُمْ مَحْشُوَّةٌ كَثيرًا جِدًّا حَتَّى إنَّ كَلِمَةَ اللهِ لا تَقْدِرُ أنْ تَلْمَسَهُمْ. وَهُمْ أُنَاسٌ لا يَعْرِفونَ الحَقَّ لأنَّ قُلوبَهُمْ لَمْ تَعْرِفْ سُكْنَى الرُّوحِ القُدُس. أمَّا الأشخاصُ الَّذينَ يَعْرِفونَ الرُّوحَ القُدُسَ، والَّذينَ يَعْرِفونَ اللهَ الحَيَّ فَيُمْكِنُهُمْ أنْ يَفْهَمُوا الحَقَّ وَأنْ يَرَوْهُ بوضوح. ولكِنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يُنْكِرونَ صِدْقَ الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَصِحَّتَهُ، وَسُلْطانَهُ، وَوَحْيَهُ، وَعِصْمَتَهُ، إنَّما يُبَيِّنونَ أنَّهُمْ يَتَعَدُّونَ على وَصِيَّتِهِ القائِلَة: "لاَ تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ" – أيْ لا تُقَلِّلُوا مِنْ شَأنِ الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَلا تَسْتَخِفُّوا بِهِ، وَلا تَزْدَرُوا بِهِ.

والحَقيقَةُ، يا أحِبَّائي، هِيَ أنَّكُمْ إذا كُنْتُمْ تَحْتَقِرونَهُ، لا يُمْكِنُكُمْ أنْ تَحْيَوا الحَياةَ المسيحيَّةَ لأنَّ الخَارِطَةَ الوَحيدَةَ، والبُوصَلَةَ الوَحيدَةَ، والمُرْشِدَ الوَحيدَ لَدَيْكُمْ هُوَ الكِتابُ المُقَدَّسُ. وَكُلُّ ما سَيَتَبَقَّى لَديكُمْ هُوَ الجُهْدُ البَشَرِيُّ – أيْ أنْ تَعْمَلُوا أعمالًا صَالِحَةً في مُحاوَلَةٍ لاكْتِسابِ الحَقِّ في دُخولِ السَّماء. ولكِنْ ما لَمْ يَسْكُنُ الرُّوحُ فيكُم، ومَا لم تُقَدِّرُوا كَلِمَةَ اللهِ – ليسَ فقط في أذْهانِكُمْ، بل مِنْ خِلالِ طَاعَتِكُمْ لَها، فإنَّكُمْ تَحْتَقِرونَ النُّبُوَّةَ وَتَكْسِرونَ هَذِهِ الوَصِيَّةَ المُباشِرَةَ.

وَالآنْ، في خِتامِ هَذا الحَديثَ الَّذي طَالَ في مُحاوَلَةٍ لِمُساعَدَتِكُمْ على فَهْمِهِ، أَوَدُّ أنْ أَطْرَحَ عليكُمْ سُؤالَيْن: لِماذا لا يَجُوزُ لي أنْ أحْتَقِرَ الكِتابَ المُقَدَّسَ؟ لِماذا لا يَجُوزُ أنْ اَفْعَلَ ذلك؟ وَسَوْفَ أُجيبُ عَنْ ذلكَ باخْتِصارٍ شَديد:

السَّبَبُ الأوَّلُ، بِسَبَبِ طَبيعَتِهِ الفَريدَةِ – بِسَبَبِ طَبيعَتِهِ الفَريدَةِ. وَقَدْ تَحَدَّثْنا في البِدايَةِ عَنْ تَفَرُّدِ الكِتابِ المُقَدَّسِ. ولَكِن اسْمَحُوا لي أنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ طَبيعَتِهِ مِنْ خِلالِ شَهَادَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ:

أوَّلًا، إنَّهُ كِتابٌ ذُوْ سُلْطانٍ. فالكِتابُ المُقَدَّسُ كِتابٌ ذُوْ سُلْطانٍ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 1: 2: "اِسْمَعِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَأَصْغِي أَيَّتُهَا الأَرْضُ، لأَنَّ الرَّبَّ يَتَكَلَّمُ". فعندَما يَتكلَّمُ اللهُ، مِنَ الأفْضَلِ أنْ تَسْتَمِعُوا. فالكِتابُ المُقَدَّسُ ذُوْ سُلْطانٍ.

ثَانيًا، إنَّهُ كِتابٌ مَعْصُومٌ مِنَ الخَطَأ – مَعْصُومٌ مِنَ الخَطَأ. وَهَذا يُشيرُ إليهِ بِأسْرِهِ، وَبِجُمْلَتِهِ، وَبِرُمَّتِهِ. فَهُوَ لا يَنْقُصُ في شَيءٍ وَلا يُخْطِئُ في شَيء. فنحنُ نَقرأُ في المَزْمور 19: 7: "نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ" ... "نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ". فَهُوَ تَامٌّ، وَشَامِلٌ، وَكَامِلٌ.

ثَالثًا، إنَّهُ كِتابٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الخَطَأ. فَكَما أنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الخَطَأِ بِجُمْلَتِهِ، فإنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الخَطَأِ في كُلِّ جُزْءٍ فيه. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الأمْثال 30: 5 و 6: "كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ نَقِيَّةٌ". كُلُّ كَلِمَة ... كُلُّ كَلِمَةٍ. وَقَدْ قالَ يَسوعُ "لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّاموسِ". فَكَلِمَةُ اللهِ ذَاتُ سُلْطانٍ. لِذلكَ، عِنْدَما يَتَكَلَّمُ اللهُ، مِنَ الأفْضَلِ أنْ تَسْتَمِعُوا. وَكَلِمَةُ اللهِ مَعْصُومَةٌ مِنَ الخَطَأِ بِمَعْنى أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ بِمُجْمَلِهِ يَخْلُو مِنَ الخَطَأ. وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الخَطَأِ بِمَعْنى أنَّهُ لا تُوْجَدُ أخْطاءٌ في أيِّ جُزْءٍ مِنَ المَخطوطاتِ الأصليَّةِ. فَكُلُّ كَلِمَةٍ فيهِ نَقِيَّة.

رابعًا، إنَّهُ كِتابٌ فيه كُلُّ الكِفايَة – فيهِ كُلُّ الكِفايَةِ. فَهُوَ قَادِرٌ على رَدِّ النَّفْسِ تَمامًا، كَما جَاءَ في المَزْمور 19، وَعلى جَعْلِ الجَاهِلِ حَكيمًا، وعلى مَلْءِ القَلْبِ فَرَحًا، وعلى إِنارَةِ العَيْنَيْن. فَهُوَ فيهِ كُلُّ الكِفايَة. وَهُوَ قَادِرٌ أنْ يَجْعَلَ إنْسانَ اللهِ كَامِلًا ومؤهَّلًا تَمامًا لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ. وَهُوَ قَادِرٌ أنْ يُحَكِّمَكَ للخَلاصِ، كَما جَاءَ في رِسالَةِ تيموثاوُسَ الثَّانية 3: 15-17. فَهُوَ كَافٍ لِكُلِّ شَيءٍ.

خَامِسًا، إنَّهُ كِتابٌ فَعَّالٌ – كِتابٌ فَعَّالٌ. وَلَعَلَّكُمْ تَذكرونَ مَا جَاءَ في سِفْرِ إشَعْياء 55 إذْ نَقرأُ: "هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ". فَهِيَ فَعَّالَة. فعِنْدَما يَتَكَلَّمُ اللهُ، فإنَّ كَلِمَتَهُ تَنْجَحُ في تَحْقيقِ الهَدَفِ مِنْها.

سَادِسًا، إنَّهُ كِتابٌ مَصِيرِيٌّ – كِتابٌ مَصِيرِيٌّ. وَما الَّذي أَعْنيهِ بذلك؟ إنَّ تَجاوُبَكَ مَعَ كَلِمَةِ اللهِ يُقَرِّرُ مَصيرَكَ الأبديَّ. "اَلَّذِي مِنَ اللهِ يَسْمَعُ كَلاَمَ اللهِ. لِذلِكَ أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَسْمَعُونَ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ اللهِ". فَعِندما يُنْكِرُ الإنْسانُ سُلْطانَ الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَعِصْمَتَهُ مِنَ الخَطَأِ، وَتَنَزُّهَهُ عَنِ الخَطَأِ، وَكِفايَتَهُ، وفَاعِلِيَّتَهُ، فإنَّهُمْ يَكْشِفونَ عَنْ حَالَتِهِمِ الرُّوحِيَّةِ. فإنْ لم تَكُنْ تَسْمَعُ كَلامَ اللهِ فإنَّكَ لا تَنْتَمي إلى اللهِ. فَهَذا هُوَ مَا قَالَهُ يَسوعُ. أمَّا إذا كُنْتَ تَسْمَعُ كَلامَ اللهِ، فإنَّكَ تَنْتَمي إلى اللهِ. لِذلكَ فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ كِتابٌ مَصيرِيٌّ لأنَّهُ يُقَرِّرُ مَصيرَ الإنْسانِ الأبديّ.

إذًا، لِماذا لا يَجُوزُ لَنا أنْ نَحْتَقِرَ الكِتابَ المُقَدَّسَ؟ السَّبَبُ الأوَّلُ: بِسَبَبِ طَبيعَتِهِ الفَريدَةِ.

أمَّا السَّبَبُ الثَّاني فَهُوَ: بِسَبَبِ فَوائِدِهِ الكَثيرَةِ – بِسَبَبِ فَوائِدِهِ الكَثيرَةِ.

الفائِدَةُ الأولى هِيَ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ مَصْدَرُ الحَقِّ. فَقَدْ قالَ يَسوعُ في إنْجيل يُوحَنَّا 17: 17: "كَلاَمُكَ هُوَ حَقٌّ". وَيا لَها مِنْ حَقيقَةٍ عَظيمَةٍ جِدًّا! "كَلامُكَ هُوَ حَقٌّ".

الفائِدَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ أنَّهُ مَصْدَرُ السَّعادَةِ. إنَّهُ مَصْدَرُ السَّعادَةِ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الأمْثال 8: 34: "طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَسْمَعُ لِي". وَقَدْ قالَ يُوحَنَّا في رِسالَتِهِ الأولى 1: 4: "نَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً". وَنَقرأُ في إنْجيل لُوقا: "طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ وَيَحْفَظُونَهُ". وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذا التَّطْويبُ في لوقا 6: 47 و 48، وفي لوقا 11: 27 و 28، وفي كُلِّ الكِتابِ المُقَدَّسِ. وَنَقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا 1: 3: "طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ ... أَقْوَالَ النُّبُوَّةِ". فَالكِتابُ المُقَدَّسُ هُوَ مَصْدَرُ الفَرَحِ والسَّعادَةِ والبَرَكَةِ.

الفائِدَةُ الثَّالِثَةُ هِيَ أنَّهُ مَصْدَرُ النُّصْرَةِ. "خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ". فَهَذا هُوَ ما يَقولُهُ المُرَنِّمُ. وَنَقرأُ في رِسالَةِ أفَسُس 6: 17: "خُذُوا ... سَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ". فعندما جُرِّبَ يَسوعُ، كَما جَاءَ في إنْجيل مَتَّى 4: 1-11، أَجَابَ في كُلِّ مَرَّةٍ جُرِّبَ فيها بِماذا؟ بالكِتابِ المُقَدَّسِ. فَقَدْ قالَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ: "مَكْتُوبٌ". أَجَل! فكلمةُ اللهِ هِيَ مَصْدَرُ نُصْرَتِنا على التَّجارِبِ. وَهِيَ مَصْدَرُ سَعادَتِنا. وَهِيَ مَصْدَرُ الحَقِّ.

الفائِدَةُ الرَّابِعَةُ هِيَ أنَّهُ مَصْدَرُ النُّمُوِّ. وَلَعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ أنَّنا أَشَرْنا مِرارًا إلى رِسالَةِ بُطْرُسَ الأولى 2: 2: "وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ". فَكَلِمَةُ اللهِ هِي مَصْدَرُ نُمُوِّنا. وَقَدْ وَصَفَ "سبيرجن" (Spurgeon) كَلِمَةَ اللهِ بهذهِ الكلماتِ الرَّائِعَةِ: "إنَّها الكَلِمَةُ الَّتي تُنَقِّي المُؤمِن. وَهِيَ الحَقُّ الَّذي يُطَهِّرُهُ. والكِتابُ المُقَدَّسُ يَصيرُ حَيًّا وَفاعِلًا بواسِطَةِ الرُّوحِ القُدُسِ". وَهَذا صَحيحٌ. فَكَلِمَةُ اللهِ تُطَهِّرُ وَتُنَقِّي. وَهَذا هُوَ مِفْتاحُ النُّمُوِّ. لِذلكَ فقَدْ قالَ يَسوعُ في الأصْحاح 15 مِنْ إنْجيلِ يُوحَنَّا إنَّ كَلِمَةَ اللهِ تُشْبِهُ مِقَصَّ تَقْليمِ الأشْجارِ. فَهِيَ تَقْطَعُ الأغْصانَ الَّتي لا لُزومَ لَها لكي تَصِلَ العُصَارَةُ الَّتي تُساعِدُ على النُّمُوِّ إلى الأغْصانِ المُثْمِرَةِ. فَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ المَصْدَرُ الوَحيدُ للحَقِّ، والمَصْدَرُ الوَحيدُ للسَّعادَةِ، والمَصْدَرُ الوَحيدُ للنُّصْرَةِ، وَالمَصْدَرُ الوَحيدُ للنُّمُوِّ.

الفائِدَةُ الخَامِسَةُ هِيَ أنَّهُ مَصْدَرُ الإرْشادِ. فنحنُ نَقرأُ في المَزمور 19: 8 أنَّ "وَصَايَا الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ". والمَقصودُ بذلكَ هِيَ أنَّها طَّريقٌ مُسْتَقيمَةٌ لَنا. فَهِيَ طَريقٌ مُسْتَقيمَةٌ يَنْبَغي أنْ نَسْلُكَ فيها. وَنَقرأُ أيضًا في المَزْمور 119: 105: "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي". فَهِيَ الطَّريقُ. وَهِيَ السِّراجُ الَّذي يُنيرُ الطَّريقَ. وَهِيَ الدَّرْبُ الَّذي يَنْبَغي أنْ نَسْلُكَ فيه. وَهِيَ تَجْعَلُنا حُكَماء. وَهِيَ تَكْشِفُ لَنا إرادَةَ اللهِ.

الفائِدَةُ السَّادِسَةُ هِيَ أنَّهُ مَصْدَرُ الرَّجاءِ – إنَّهُ مَصْدَرُ الرَّجاءِ. فالمُرَنِّمُ يَقولُ مِرارًا وتَكرارًا في المَزْمور 119: "أَمَلي في كَلِمَتِكَ" ... "رَجائي في كَلامِكَ" ... "رَجائي في وَصاياكَ" – أيْ في الكِتابِ المُقَدَّسِ. لِذلكَ، فإنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ مَصْدَرُ الحَقِّ، والسَّعادَةِ، والنُّصْرَةِ، والنُّمُوِّ، والإرْشادِ، والرَّجاءِ. وَيُمْكِنُنا أنْ نُضيفَ الكَثيرَ إلى هذهِ اللَّائِحَةِ، وَلَكِنَّكُمْ فَهِمْتُم الفِكْرَة. لِذلكَ، لا عَجَبَ أنَّهُ يَنْبَغي لنا أنْ نَرْغَبَ فيها أكْثَرَ مِنَ العَسَلِ وَقَطْرِ الشِّهادِ، والذَّهَبِ، بَلْ وَحَتَّى الإبْريز؟ إذًا، لِماذا نَجِدُّ في طَلَبِها؟ بِسَبَبِ طَبيعَتِها الفَريدَةِ، وَبِسَبَبِ فَوائِدِها الكَثيرَةِ الرَّائِعَةِ.

ثُمَّ نَأتي إلى النُّقْطَةِ الأخيرَةِ وَهِيَ: كَيْفَ يُمْكِنُنا أنْ نَجِدَّ في طَلَبِها؟ وكَيْفَ يُمْكِنُني أنْ أَتَحَقَّقَ مِنْ عَدَمِ احْتِقاري لَها؟ الأمْرُ بَسيطٌ جِدًّا. كَيْفَ يُمْكِنُكَ أنْ تَتَيَقَّنُوا مِنْ عَدَمِ احْتِقارِكُمْ لكلمةِ اللهِ؟ اسْتَمِعوا جَيِّدًا:

أوَّلًا، صَدِّقُوها – صَدِّقُوها. فَالأمْرُ يَبْتَدِئُ مِنْ هُنا. فَقَدْ قَالَ يَسوعُ للنَّاسِ مِرارًا وتَكرارًا: "صَدِّقوني – صَدِّقُوا مَا أَقول". وَقَدْ قالَ في إنْجيل يُوحَنَّا 5: 24: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ". صَدِّقُوها. بِعِبارَةٍ أُخرى: "اقْبَلوها". فَهَذا هُوَ ما قَالَهُ بولُسُ لأهْلِ تَسالونيكي: "نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ، لأَنَّكُمْ إِذْ تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ اللهِ، قَبِلْتُمُوهَا ... كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ اللهِ".

ثانِيًا، أَكْرِمُوها – أَكْرِمُوها. وَما الَّذي نَعنيهِ بذلك؟ احْتَرِموها، وَارْفَعُوها عَالِيًا. وكيفَ نَفْعَلُ ذلك؟ بأنْ نُطيعَها – بأنْ نُطيعَها. وَلا تَغِشُّوا كَلِمَةَ اللهِ (كَما جَاءَ في رِسالةِ كورِنثوسَ الثَّانية 2: 17). أيْ لا تَسْتَخْدِمُوا كَلِمَةَ اللهِ بِطَريقَةٍ خَبيثَةٍ لتحقيقِ مَصالِحِكُم الشَّخصيَّةِ وَمَقاصِدِكُم الخَاصَّةِ. وَهُوَ يَقولُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الثَّانية 4: 2 إنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَغِشُّونَ كَلِمَةَ اللهِ. ولَكِنْ يَجِبْ عليكُمْ أنْ تُكْرِموها، وَأنْ تَرْفَعوها، وَأنْ تُقَدِّرُوها.

ثالِثًا، أَحِبُّوها. فَقَدْ قالَ دَاوُدُ في المَزمور 119: 97، كَما ذَكَرْتُ سَابِقًا: "كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ!" وحينَ تَصِلونَ إلى نِهايَةِ المَزمور 119، تَجِدونَ العَديدَ مِنَ الجُمَلِ الَّتي تُكَرِّرُ الفِكْرَةَ نَفْسَها. فنحنُ نَقرَأُ في المَزمور 119: 140: "كَلِمَتُكَ مُمَحَّصَةٌ جِدًّا، وَعَبْدُكَ أَحَبَّهَا". إنَّها مَشاعِرُ عَميقَة، وَأشْواقٌ عَميقَة. وَهَذا هُوَ ما قَصَدَهُ بُطْرُسُ حينَ قال: "كَما يَشْتَهي الأطْفَالُ الحَليبَ، اشْتَهُوا أنْتُمْ كَلِمَةَ اللهِ".

رَابِعًا، أَطيعوها – أَطيعوها. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّ أعْظَمَ احْتِقارٍ للكِتابِ المُقَدَّسِ هُوَ أنْ تَقولَ إنَّكَ تُؤمِنُ بِهِ دُوْنَ أنْ تُطيعَهُ. "إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي". فإنْ قُلْتُمْ إنَّكُمْ ثَابِتونَ في المَسيحِ، يَنْبَغي أنْ تَسْلُكوا كَما سَلَكَ هُوَ. وكيفَ سَلَكَ هُوَ؟ في طَاعَةٍ كامِلَةٍ لِكلمةِ اللهِ. وَلَعَلَّكُمْ تَذكُرونَ أنَّ يَسوعَ ضَرَبَ مَثَلَ البَيْتَيْن في الأصْحاحِ السَّابِعِ مِنْ إنْجيلِ مَتَّى، وَأنَّ وَاحِدًا مِنْهُما سَقَطَ عِنْدَما هَبَّتِ العَاصِفَةُ، وَأنَّ الآخَرَ بَقِيَ صَامِدًا. وَقَدْ كانَ الفَرْقُ هُوَ أنَّ وَاحِدًا مِنَ الشَّخْصَيْنِ "لَمْ يَفْعَلْ مَشيئَةَ أبي"، وَأنَّ الآخَرَ "فَعَلَ مَشيئَةَ أبي".

خَامِسًا، دَافِعُوا عَنْها. فنحنُ نَقرأُ في رِسالَةِ يَهوذا والعَدَدِ الثَّالِثِ: "اجْتَهِدُوا لأَجْلِ الإِيمَانِ". بِعِبارَةٍ أُخرى، اشْتَرِكُوا في الدِّفاعِ عَنِ الكِتابِ المُقَدَّسِ.

سَادِسًا، ادْرُسوهَا. فقد قالَ بُولُسُ: "اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَةِ". كُونوا مِثْلَ أهْلِ بِيْرِيَّة الشُّرَفاء الَّذينَ "قَبِلُوا الْكَلِمَةَ بِكُلِّ نَشَاطٍ فَاحِصِينَ الْكُتُبَ كُلَّ يَوْمٍ: هَلْ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا؟" وَكُونوا مِثْلَ أَبُلُّوسَ الَّذي قيلَ عِنْهُ إنَّهُ كانَ مُقْتَدِرًا في الأسْفارِ المُقَدَّسَةِ. وَنَقرأُ أيضًا: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً" (كُولوسي 3: 16).

سَابِعًا وَأخيرًا، نَادُوا بِها – نَادُوا بِها. فإذا كُنْتُمْ تُؤمِنونَ بِكَلِمَةِ اللهِ بأمانَةٍ وَإخْلاصٍ، وَتَحْتِرِمونَها، وتُحِبُّونَها، وَتُطيعونَها، وَتُدافِعونَ عَنْها، وَتَدْرُسونَها، وَتُنادُونَ بِها، لا يُمْكِنُ أنْ تُقَلِّلُوا مِنْ شَأنِها، وَلا يُمْكِنُ أنْ تَحْتَقِروها، بَلْ إنَّها سَتَكونُ جُزْءًا لا يَتَجَزَّأُ مِنْ نَسيجِ حَياتِكُمْ.

وفي الخِتام، كُنْتُ أَقْرَأُ مُلاحَظَةً صَغيرَةً عَنْ "مَارْتِن لوثَر" وَعَنْ كيفيَّةِ دِراسَتِهِ للكِتابِ المُقَدَّسِ. وَهُوَ يَقولُ: "أنا أَدْرُسُ الكِتابَ المُقَدَّسَ كَما لَوْ كُنْتُ أَلْتَقِطُ التُّفَّاحَ. فَأنا أَهُزُّ الشَّجَرَةَ كُلَّها أوَّلًا لكي تَسْقُطَ الثِّمارُ النَّاضِجَةُ. ثُمَّ إنَّني أَهُزُّ كُلَّ جِذْعٍ. وَبَعْدَ أنْ أَنْتَهي مِنْ هَزِّ جَميعِ الجُذوعِ فإنَّني أَهُزُّ كُلَّ غُصْنٍ. ثُمَّ إنَّني أَهُزُّ كُلَّ غُصَيْنٍ. ثُمَّ إنَّني أبْحَثُ تَحْتُ كُلِّ وَرَقَةٍ. فأنا أَبْحَثُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ بِمُجْمَلِه كَما لو كُنْتُ أَهُزُّ الشَّجَرَةَ كُلَّها. ثُمَّ إنَّني أَهُزُّ كُلَّ جِذْعٍ إذْ أَدْرُسُ الكِتابَ المُقَدَّسَ سِفْرًا سِفْرًا. ثُمَّ إنَّني أَهُزُّ كُلَّ غُصْنٍ إذْ أُدَقِّقُ النَّظَرَ في الأصْحاحاتِ. ثُمَّ إنَّني أَهُزُّ كُلَّ غُصَيْنٍ إذْ أُدَقِّقُ النَّظَرَ في الفَقَراتِ وَالجُمَلِ وَالكَلِماتِ والمَعاني".

إنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ كِتابٌ فَريدٌ حَقًّا. "عِنْدَما أَتْعَبُ، فَإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ فِراشِي. وَفي الظَّلامِ، هُوَ سِراجي. وَعِنْدَما أَجوعُ، هُوَ خُبْزي. وَعِنْدَما أَخافُ، هُوَ دِرْعُ القِتالِ. وَعِنْدَما أَمْرَضُ، هُوَ الدَّواءُ الشَّافي. وَعِنْدَما أَشْعُرُ بالوَحْدَةِ، هُوَ رَفيقي. وَإذا كُنْتُ أَعْمَلُ، فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ أَداتي. وَإذا كُنْتُ أَعْزِفُ فإنَّهُ قيثارَتي ذاتُ الألْحانِ العَذْبَة. وَإذا كُنْتُ جَاهِلًا، فإنَّهُ مَدْرَسَتي. وَإذا كُنْتُ أَغْرَقُ، فإنَّهُ أرْضي اليَابِسَة. وَإذا كُنْتُ أَشْعُرُ بالبَرْدِ، فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ النَّارُّ الَّتي تُدَفِّئُني. وَهُوَ يُعْطيني أَجْنِحَةً إنْ كُنْتُ أَرْغَبُ في التَّحْليقِ. وَإنْ حَلَّ الظَّلامُ فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ الشَّمْسُ. وَفي وَسَطِ البَشاعَةِ، فإنَّهُ وَاحَةٌ بَديعَةٌ. وَإذا عَطِشْتُ، فإنَّ مِياهَهُ تَجْري بَارِدَةً. وَإذا اخْتَنَقْتُ فإنَّ هَواءَهُ عَليلٌ. وَكَما أنَّكَ وَهَبْتَ نَفْسَكَ لي، كَمْ بالحَرِيِّ يَنْبَغي لي أنْ أَهِبَ نَفْسي لَكَ، أيُّها الكِتابُ العَظيم!" لِنَحْنِ رُؤوسَنا للصَّلاة:

نَحْنُ نَعْلَمُ، يا أَبانا، أنَّنا إنْ أَرَدْنا أنْ نَكونَ خِرافًا أَمينَةً، وَإنْ أَرادَتْ رَعِيَّتُنا أنْ تَنْمُو لتكونَ رَعِيَّةً مُعافَاةً، لا يُمْكِنُنا أنْ نَسْتَخِفَّ بِكَلِمَتِكَ أوْ بإعْلانِكَ. فَكَلامُ الشَّاعِرِ مُناسِبٌ تَمامًا: "كَما أنَّكَ وَهَبْتَ نَفْسَكَ لي، كَمْ بالحَرِيِّ يَنْبَغي لي أنْ أَهِبَ نَفْسي لَكَ، أيُّها الكِتابُ العَظيم!" والجَوابُ هُوَ: بأنْ نَمْتَنِعَ عَنِ احْتِقارِكَ وَعَنِ الاسْتِخْفافِ بِكَ، وَبأنْ نَحْتَرِمَكَ جِدًّا، وَنُؤمِن بِكَ، وَنُكْرِمَكَ، وَنُحِبَّكَ، وَنَدْرُسَكَ، وَنُدافِعَ عَنْكَ، وَنُنادي بِكَ. لِذلكَ نَسْألُكَ، يا رَبُّ، أنْ تَجْعَلَنا شَعْبًا يُحِبُّ الكِتابَ المُقَدَّسَ، وَشَعْبًا يُمَجِّدُ اسْمَكَ. باسْمِ المَسيحِ نُصَلِّي. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize