Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَعودُ في دِرَاسَتِنا لكلمةِ اللهِ في هذا الصَّباح إلى رسالة تسالونيكي الأولى والأصحاحِ الخامِس. وإذْ نأتي بسُرعة إلى خِتامِ هذهِ الرِّسالة الرَّائعة، نَجِدُ أنفُسَنا في هذا الصَّباحِ نَنظر إلى نَصِّ الآيَتَيْن 21 و 22. رسالة تسالونيكي الأولى 5: 21 و 22. فالرَّسولُ بولسُ يَكْتُب: "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ. امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ".

قبلَ بِضعة أشهر، أُتيحَتْ لِيَ الفُرصة، كَما تَعلمونَ، لِقِيادةِ سَيَّارَتي عَبْرَ أمريكا لِتَسليمِ سَيَّارةِ ابني إليه. وفي أثناءِ قيامِنا بذلك، كُنَّا نَقودُ السَّيَّارة على الطُّرُقِ الخَلفيَّةِ لولايةِ "أركانسا" (Arkansas). وَفي أثناءِ قِيادَتِنا السيَّارة على الطَّريقِ الطَّويلِ الَّذي أمامَنا [وَهُوَ طَريقٌ يَتَّسِعُ لِسَيَّارَتَيْنِ فقط في كُلِّ اتِّجاه]، فيما كانتِ السَّماءُ تُمْطِرُ مَطَرًا نَاعِمًا، كُنَّا نُشاهِدُ المَزارِعَ والمَنازِلَ على طُوْلِ الطَّريق. وفَجأةً، بعدَ أنْ عَبَرْنا تَلَّةً صَغيرةً، رأينا لافِتَةً كَبيرةً تَقول: "أَلْحِفَة" (Quilts). وقد كُنْتُ أبحثُ مُنْذُ سَنواتٍ عن لِحافٍ يُمْكِنُني أنْ أَشتريهِ لِزوجَتي "باتريشا" (Patricia). لِذا، فقد فَكَّرْتُ قائلاً: "حسنًا، سوفَ أَتوقَّفُ هُناكَ وأُلقي نَظرةً إلى تلكَ الألْحِفة". وهكذا، فقد أَوْقَفْتُ سَيَّارتي في أرْضٍ تُرابيَّة أمامَ ذلكَ البيتِ الصَّغير، وَقَرَعْتُ على البابِ. فَفَتَحَتْ سَيِّدة قصيرة عَجوز البابَ فَقُلْت: "أنا مُهْتَمٌّ بالألْحِفَة الَّتي تَبيعينَها". فقالت: "آه، تَفَضَّل!"

دَخَلْتُ فرأيتُ عَدَّة أَلْحِفَة مُعَلَّقة على قِطَع صغيرة مِنَ الخشب وَتَلْتَفُّ حَوْلَها. وإلى اليَسارِ، كانَ زَوجُها يَجلِسُ في كَنَبَة كبيرة مُريحة وَيَضَعُ أمامَهُ مَجموعة كَبيرة مِنَ المَطبوعاتِ وَجِهازَ تَحُكٌّمٍ عن بُعْد بالتِّلفزيون. ولا أدري إنْ كانَ قد غَادَرَ مَكانَهُ مُنْذُ قُرون. وقد نَظَرْتُ حَوْلي في ذلكَ المنزلِ القديمِ الَّذي كانَ في حالة يَرْثى لها وقلتُ للسَّيِّدة: "أنا مُهْتَمٌّ بالألْحِفة". فقالت: "حسنًا! دَعْني أُريكَ واحدًا". وقد أَخْرَجَتْ لِحَافًا كانَ، قَبْلَ كُلِّ شيءٍ، عَديمَ التَّناسُقِ ولا مَعْنى لَهُ. فقد كانَ لِحافًا مَصنوعًا مِنْ رُقَعٍ وَقِطَعٍ مِنْ كُلِّ شيءٍ يَخْطُرُ بِبالِكُم تَمَّ ضَمُّها بَعْضُها إلى بعض. فقلتُ: "لا! هذا ليسَ ما أبحثُ عنهُ حَقًّا".

وقد وَصَفْـتُ لها اللِّحافَ الَّذي أَبحثُ عنهُ. والمُدهِشُ في الأمْرِ أنَّ ما كنتُ أبحثُ عنهُ كانَ لديها. وقدِ اشتريتُهُ لِزوجَتي. وَهُوَ لديها الآن. وقد اضْطُرِرْتُ إلى الذَّهابِ إلى مَصْرِفٍ صَغيرٍ في البلدة للحُصولِ على بعضِ المالِ نَقْدًا، وإلى العودة حَتَّى أَدفَعَ ثَمَنَ اللِّحاف. وعندما عُدْتُ وَدَخَلْتُ، لاحَظْنا أنَّ هناكَ مَطْبوعاتٍ كثيرة في كُلِّ مكان ... مَطبوعاتٍ مِنْ أساتذةٍ في كُليَّة لاهوت دالاس، ومَطبوعاتٍ مِنْ شُهودِ يَهْوَه، ومَطبوعاتٍ مِنْ كنيسة الوَحْدة الوَحْدويَّة، وكُلِّ أنواعِ المَطبوعاتِ، وبعضَ أشرطةِ الفيديو مِنْ أنواعٍ عديدة مِنَ الخِدماتِ الكارزماتيَّة. وقد كُنْتُ قد عَرَفْتٌ آنذاك أنَّ اسمَ زَوْجِها هو "جوني" (Johnny). وقد كانَتْ تلكَ مُصادَفَةً مُدهشة.

فقلتُ لَهُ: "جوني! لديكَ كَمٌّ مُريعٌ مِنَ المَعلوماتِ هُنا!" فقال: "أجل! هُناكَ شَيءٌ جَيِّدٌ في كُلٍّ مِنْها". وقد أَدركتُ أنَّ الأمرَ لم يَكُنْ يَقتصِر على أنَّ زوجَتَهُ تَصْنَعُ أَلْحِفَةً، بل إنَّ لاهوتَهُ يُشْبِهُ تلكَ الألْحِفة. فهو لاهوتٌ مُؤلَّفٌ مِنْ قِطَعٍ وأجزاءٍ مُنْ كُلِّ شيءٍ تَمَّ ضَمُّها مَعًا. وهذا أمرٌ شائعٌ جدًّا. شائعٌ جِدًّا. فالنَّاسُ يَقرأونَ، ويُشاهدونَ التِّلفزيونَ، ويَسمعونَ المِذياعَ والأشرطةَ بِتَمييزٍ قَليلٍ أوْ مَعْدوم. فالأمرُ يُشْبِهُ لِحَافًا مَصنوعًا مِنْ رُقَعٍ وَقِطَعٍ جُمِعَتْ معًا في شيءٍ يَفْتَقِرُ حَقًّا إلى الانسجامِ والتَّوافُق.

والرَّسولُ بولسُ يَقولُ في هذا النَّصِّ: "يجب عليكم أنْ تَفْحَصُوا كُلَّ شيءٍ. ويجب عليكم أنْ تَفحصوهُ جَيِّدًا. ويجب عليكم أنْ تَعْرِفوا ما هُوَ حَسَنٌ وأنْ تَتَمَسَّكوا بِهِ، وأنْ تَعرِفوا ما هُوَ سَيِّئٌ وَتَمْتَنِعوا عنهُ". وهذا الأمرُ هو واحدٌ مِنَ العناصِرِ الرَّئيسيَّةِ في الحياةِ الرُّوحيَّة. وللأسَف، فإنَّ الكنيسةَ في وقتِنا الحاضِرِ سَاذَجَة بِصورة لا حُدودَ لها. فأيُّ شيءٍ وكُلُّ شيءٍ يَحْظَى بالقَبول. ويبدو، في نَظري، أنَّهُ إنْ كانت هناكَ مُشكلة مُنفردة تَفوقُ أيَّ مُشكلة أخرى في الكنيسة، فإنَّها انْعِدامُ التَّمييزِ الرُّوحِيِّ الَّذي تَتَّسِمُ بِهِ المَسيحيَّة.

والقراراتُ السَّيِّئَةُ، والتَّفكيرُ المَغلوطُ، والفَهْمُ السَّطحيُّ، والمَعرفة السَّطحيَّة، والجَهْلُ المُطْبِقُ، هي أُمورٌ أَسْهَمَتْ في مُعاناةِ الكنيسة خِلالَ تاريخِها بِصورة أكبر مِنْ كُلِّ الاضطهاداتِ الخارجيَّةِ مُجْتَمِعَةً. صَحيحٌ أنَّ الاضطهاداتِ كانت قاسية، ولكِنَّ التَّشويشَ الدَّاخليَّ والارتباكَ الدَّاخليَّ بخصوصِ العَقيدة قد تَرَكَ أكْثَرَ نُدوبٍ في الكنيسة. وهذا ليسَ نابعًا فقط مِنْ الضُّعْفِ البَشريِّ في تَمييزِ الحَقِّ، بل هُوَ أيضًا عَمَلُ الشَّيطانِ الَّذي يَتَنَكَّرُ كَمَلاكِ نُوْرٍ ويُريدُ أنْ يُشَوِّشَنا قَدْرَ الإمكان.

ونتيجة لذلك، صارَ أغلبيَّةُ المَسيحيِّينَ اليومَ، على ما يَبدو، يَمْلِكونَ لاهُوتًا مُرَقَّعًا يَضُمُّ خَليطًا وَمَزيجًا مِنْ كُلِّ أنواعِ الأشياء. والخطأُ لا يُرَى فقط في المُستوياتِ الابتدائيَّةِ مِنَ اللَّاهوتِ، بل في المُستوياتِ الأكثر عُمْقًا وتَعقيدًا أيضًا. ولا يَجوزُ لهذا أنْ يَحدُث لأنَّنا حَصَلْنا على تَحذيراتٍ كافية. فالكِتابُ المُقدَّسُ يُحَذِّرُنا مِنْ عقائدِ الشَّياطينِ، والبِدَعِ المُدَمِّرة، والخُرافاتِ، والتَّعاليمِ المُنْحَرِفَة، ووصايا النَّاسِ، والتَّوَقُّعاتِ، والقضايا المُخْتَلَفِ عليها، والأرواحِ المُضِلَّةِ، والخُرافاتِ الدَّنِسَة، والمَعرفة الباطِلة، والفلسفة الجوفاء، وتقاليدِ البَشر، والحِكمة البشريَّة. وهو يَقولُ لنا إنَّ هذهِ كُلَّها هي شِراكٌ للمَسيحيِّين.

وقد قالَ يَسوعُ إنَّ الذِّئابَ ستأتي في ثِيابِ حُمْلان. وقد قالَ بولُس: "سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لاَ تُشْفِقُ عَلَى الرَّعِيَّة". وقد كَتَبَ بولسُ إلى تيموثاوس وقال: "وَلكِنَّ النَّاسَ الأَشْرَارَ الْمُزَوِّرِينَ سَيَتَقَدَّمُونَ إِلَى أَرْدَأَ، مُضِلِّينَ وَمُضَلِّينَ". وقد قالَ بولسُ أيضًا إنَّهُ ستكونُ هناكَ أَرْوَاحٌ مُضِلَّةٌ وَتَعَالِيمُ شَيَاطِينَ تُضِلُّ النَّاسَ.

وأَقَلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ هو أنَّ هناكَ تَشويشًا وارتباكًا كبيرًا جِدًّا في الكنيسة. فلا يَجوزُ لأيِّ شخصٍ يَفهمُ الكتابَ المقدَّسَ ويُدركُ تَحذيراتِهِ بخصوصِ الضَّلالِ أنْ يَكونَ سَاذَجًا إلى هذا الحَدِّ وأنْ يَقولَ كَلِماتٍ كتلكَ الَّتي قالَها ذلكَ الرَّجُلُ: "هُناكَ شَيءٌ جَيِّدٌ في كُلٍّ مِنْها". فلا يُمْكِنُنا أنْ نُصَدِّقَ لَحْظَةً أنَّ كُلَّ مَنْ يَدَّعي أنَّهُ في المسيح وأنَّهُ يَتَحَدَّثُ نِيابَةً عنِ المسيحِ يَقولُ الحَقَّ. ولكِنْ يبدو أنَّ النَّاسَ يَنْخَدِعونَ بِسهولة كبيرة.

وفي حالاتٍ عديدة فإنَّ الكنيسةَ، في رأيي، تُشبِهُ الفَرِّيسيِّينَ في زَمَن يسوع. ففي إنجيل مَتَّى والأصحاح 16، هناكَ بِضْعُ آياتٍ مُهِمَّة ينبغي أنْ تُلاحِظوها إذْ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 16: 1: "وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالصَّدُّوقِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ، فَسَـأَلُوهُ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَـةً مِـنَ السَّمَاءِ. فَـأَجَـابَ وَقَـالَ لَهُمْ: «إِذَا كَانَ الْمَسَاءُ قُلْتُمْ: صَحْوٌ لأَنَّ السَّمَاءَ مُحْمَرَّةٌ. وَفِي الصَّبَاحِ: الْيَوْمَ شِتَاءٌ لأَنَّ السَّمَاءَ مُحْمَرَّةٌ بِعُـبُوسَةٍ. يَا مُرَاؤُونَ! تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا وَجْهَ السَّمَاءِ، وَأَمَّا عَلاَمَاتُ الأَزْمِنَةِ فَلاَ تَسْتَطِيعُونَ! جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ». ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَمَضَى".

فقد قالَ: "إنَّ مُشْكِلَتَكُم بسيطة. فَقُدرَتُكُم المحدودة، والأوليَّة، وغير العِلميَّة على مَعرفةِ أحوالِ الطَّقْسِ تَفُوقُ تَمْييزَكُمِ الرُّوحِيّ". ويا لَها مِنْ حَالٍ مُحْزِنَةٍ لا تُصَدَّق. "أنتُم لا تَعرِفونَ الكثيرَ عنِ الطَّقْس. وَطَريقَتُكُم في مَعرِفَةِ حالِ الطَّقْسِ بِدائيَّة جدًّا. ولكِنْ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّ مَعْرِفَتَكُمْ بِحالِ الطَّقْسِ مَحدودة جِدًّا، فإنَّكُمْ تَعرِفونَ عن ذلكَ أكثرَ مِمَّا تَعرِفونَ عنِ اللَّاهوت". فقد كانوا لا يَمْلِكونَ أيَّةَ قُدرة على التَّمييزِ بينَ الضَّلالِ والحَقِّ. وقد دَانَهُمْ يَسوعُ بسببِ ذلك. والحقيقةُ هي أنَّهُ قالَ: "لا يوجدُ لَدَيَّ ما أُقَدِّمُهُ لكم". إنَّ التَّمييزَ بينَ الحَقِّ والضَّلالِ مُهِمٌّ في الحياةِ المسيحيَّة. وَهَذا هُوَ السَّبَبُ في أنَّ بولسَ يَقولُ هذا الكَلامَ في هذا النَّصِّ.

وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ، ابتداءً مِنَ العدد 16، أنَّ بولسَ يَذْكُرُ لائِحَةً بالأمورِ الأساسيَّة للحياةِ المسيحيَّة: "افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ. صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ. اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ. لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ. لاَ تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ [أوْ إعلانَ اللهِ]". وَهُوَ يَقولُ الآن: "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ".

وهذا تَلْخيصٌ بَارِعٌ لِكُلِّ عَناصِرِ الحياةِ المسيحيَّةِ الأساسيَّة. فيجب علينا أنْ نَكونَ فَرِحينَ دائمًا. ويجب علينا أنْ نُصَلِّي بِلا انْقطاع. ويجب علينا أنْ نَكونَ شَاكِرينَ بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا يَحْدُث. ولا يَجوزُ لنا أنْ نُطْفِئَ عَمَلَ رُوحِ اللهِ. ولا يَجوزُ لنا أنْ نَحْتَقِرَ إعلانَ اللهِ، بل يجب علينا أنْ نُرَفِّعَهُ وَنُطيعَهُ. ويجب علينا أنْ نَفْحَصَ كُلَّ شيءٍ بِعناية حَتَّى نَتَمَكَّنَ مِنْ تَمييزِ ما هُوَ خَيْرٌ وَما هُوَ شَرّ.

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أَطْلُبَ مِنْكُمْ أنْ تَنْظُروا إلى النَّصِّ لِلَحَظاتٍ قليلة لأنَّهُ سَهْلُ التَّفسير: "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ". والنَّصُّ اليُونانِيُّ يَقول: "بِعِناية" (كَما تُلاحِظونَ في التَّرجمة الأمريكيَّة القياسيَّة الجديدة بِخَطٍّ مائِل. وهذا يَعني أنَّ هذهِ الكَلِمَة أُضيفت إلى التَّرجمة). فالنَّصُّ يَقولُ في الحقيقة: "امْتَحِنوا كُلَّ شيء". والكلمة "امْتَحِنوا" هي "دوكيماتزو" (dokimazo)؛ وهي كلمة مَألوفة لِطَلَبةِ العهدِ الجديد لأنَّها تُستخدَمُ أحيانًا للإشارة إلى شيءٍ يُفْحَصُ للتَّحَقُّقِ مِنْ أَصالَتِه. وهي تُستخدَمُ أحيانًا للإشارة إلى فَحْصِ المَعادِن.

افْحَصُوا كُلَّ شيءٍ لِتَعرِفوا إنْ كانَ حَقيقيًّا، ولكي تُمَيِّزوا بينَ ما هُوَ صَحيح وما هُوَ خاطِئ، ولِكَيْ تُمَيِّزوا بينَ ما هُوَ صَواب وما هُوَ خَطَأ، ولكي تُمَيِّزوا بينَ ما هُوَ جَيِّد وما هُوَ سَيِّئ، ولكي تَفْصِلوا الحِنْطَةَ عَنِ الزَّوان. وبالمُناسبة، فإنَّ هذهِ العَمليَّة (كما قالَ بولسُ في رسالَتِهِ إلى أهْلِ أفسُس) هي مُحاولة لِتَعَلُّمِ ما يُرْضِي الرَّبِّ؛ أيْ إنَّها مُحاولة للتَّمييز. وهي كَلِمَة قد تُتَرْجَم: "يَحْكُم". احْكُموا في كُلِّ شيءٍ، وَقَيِّموا كُلَّ شيءٍ، ومَيِّزوا كُلَّ شيءٍ. والعبارة "كُلُّ شيء" تَعني "كُلَّ شيء" وَ "جَميعَ الأشياء". فيجب علينا أنْ نكونَ مِثْلَ المَلِكِ داود الَّذي كانَ قادِرًا على التَّمييز (كما جاءَ في سِفْرِ صموئيل الثاني 14: 17) بينَ الخَيْرِ والشَّرِّ.

والآن، حالَما تُمَيِّزونَ ذلك، ماذا يقول؟ نَقرأُ في العدد 21: "تَمَسَّكُوا بِالْحَسَن". والكلمة "تَمَسَّكوا" تَعني: "تَشَبَّثُوا"؛ أيْ: تَشَبَّثوا بِكُلِّ قُلوبِكُم، واْعَتِنقوا. والكلمة "حَسَن" هي الكلمة المألوفة "كالوس" (kalos) ومَعناها: "ما هُوَ في ذاتِهِ حَسَنٌ وَحَقيقيٌّ وصَحيح"؛ وليسَ فقط ما هُوَ جَميلُ الشَّكْلِ، وليسَ فقط ما هُوَ رائِعٌ وَبَديعٌ في الظَّاهِر؛ بل ما هُوَ أَصليٌّ في حَقيقَتِه، وصَحيحٌ، ونَبيلٌ، وصَائبٌ، وخَيِّرٌ. فعندما تَعْثُرونَ على ذلك، اقْبَلوهُ وَتَمَسَّكوا بهِ.

ونَقرأُ في العدد 22: "امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ". والكلمة "امْتَنِعوا" هي كلمة قويَّة جدًّا. فهي تَعني: "امْنَعوا أنْفُسَكُمْ عَنْهُ". وَحَرْفُ الجَرِّ "عَنْ" موجودٌ هُنا. وَهُوَ يَعْني: "يَنْأى بِنَفْسِهِ عَنْ". وهي تُشَدِّدُ على أهميَّةِ انفصالِ المُؤمِنِ تَمامًا عن كُلِّ ما هُوَ شَرٌّ في التَّعليمِ والسُّلوك. فعندما تَرى شيئًا شِرِّيرًا، وليسَ صحيحًا، وخاطئًا، ابْتَعِدْ عَنْهُ.

فلا توجد في الكِتابِ المُقدَّسِ أيُّ وَصِيَّة تَدْعونا إلى تَعريضِ أنْفُسِنا لأيِّ شيءٍ غير صَحيح، بل ينبغي لنا أنْ نَبْتَعِدَ عنهُ. وينبغي لنا أنْ نَهْرُبَ مِنْهُ. لِذا فإنَّ الكلمة "امْتَنِعوا" تُؤكِّدُ على انفصالِ المؤمِنِ التَّامِّ عن كُلِّ ما هُوَ شَرّ. ويَتِمُّ التَّعبيرُ عنِ الشَّرِّ هُنا بالمَعنى الفَعَّالِ؛ أيْ كشيءٍ خَبيثٍ، ومُؤذٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُلْحِقَ الأذى والضَّررَ بأيِّ شَخْصٍ يَلْمَسُهُ. فَهُوَ شيءٌ سَامٌّ وَقاتِل. لِذا، ابْتَعِدوا عنهُ كما تَبْتَعِدونَ عَنْ أيِّ وَبَأ.

وقد كانَ "لينسكي" (Lenski) مُحِقًّا حينَ كَتَبَ: "أَسوأُ أشكالِ الشَّرِّ هي الزَّيَغان عَنِ الحَقّ، والأكاذيب الرُّوحيَّة؛ مَعَ أنَّ كَثيرينَ في وقتِنا الحاضِرِ يَنْظُرونَ إلى تلكَ الأشكالِ بِلا أيِّ تَمْييز ويَصِفونَها بأنَّها غير مُؤذية". وحَقيقةُ أنَّ الفَسادَ الأخلاقيَّ هو واحدٌ مِنْ تلكَ الأشكالِ هي حقيقة تَدُلُّ على نَفسِها بِنَفسِها. وهذهِ أيضًا تَعْمَلُ على هَدْمِ الحياةِ الرُّوحيَّةِ وتَظْهَرُ بِصُوَرٍ عديدة. أجل! ففي الكَلِمَة، الشَّرَّ هُوَ الفَسادُ الأخلاقيُّ. ولكِنَّهُ مُحَقٌّ. فأسوأُ أشكالِهِ هُوَ الزَّيَغانُ عنِ الحَقِّ.

والآن، لاحِظوا مَرَّةً أخرى العدد 22. فهو يَقول: "امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ". كُلِّ شِبْهِ شَرٍّ. والكلمة "شِبْه" هُنا هي كلمة بسيطة. فهي تَعني "نَوْع" أو "شَكْل" أو "فِئة" أو "صيغة". فهو يقولُ: "الشَّرُّ بِجَميعِ أشكالِهِ، والشَّرُّ بِجَميعِ صُوَرِهِ، والشَّرُّ بِجَميعِ أَصْنافِهِ، والشَّرُّ بِجميعِ أنواعِهِ. فَحالَ تَمْييزِكُمْ لَهُ، ابْتَعِدوا عنهُ". وأجل، إنَّ هذا يَضُمُّ السُّلوكَ الأخلاقيَّ، والفَسادَ الأخلاقيَّ. ولكِنَّ جَوْهَرَ ما يَقولُهُ هُنا يَختصُّ بالزَّيَغانِ عنِ الحَقّ. لِذا فإنَّ هَذِهِ تَصيرُ، بالنِّسبة إلينا بصورة رئيسيَّة، دَعْوَة إلى التَّمْييز. دَعْوَة إلى التَّمْييز.

وهذا ليسَ شيئًا غيرَ مَألوفٍ بالنِّسبةِ إلى تِلْميذِ العهدِ الجديد. فهناكَ مَواضِع عديدة أخرى في النَّصِّ تَدْعونا إلى التَّمييز. والحقيقةُ هي أنَّ الكَثيرَ مِنْ هذهِ العِباراتِ كُتِبَتْ بِقَلَمِ الرَّسولِ بولُس. فهو يُبالي كثيرًا بأنْ نَكونَ مُمَيِّزين، وأنْ نَنْفَصِل.

وبعدَ أنْ قَدَّمْتُ لَكُم تلكَ اللَّمْحَة الخاطِفة عنِ النَّصِّ، وهي لَمْحَة كافية، أَوَدُّ أنْ أَبتدئَ في هذا الصَّباح في سِلْسِلَةٍ تَسْتَغْرِقُ أُسبوعَيْن. وَأودُّ أنْ أتحدَّثَ عن هذا الموضوعِ المُختصِّ بالتَّمييز لأنَّني مُهْتَمٌّ جِدًّا بِهِ. فهناكَ افْتِقارٌ شَديدٌ إلى التَّمْييزِ في الكنيسة، كما كُنْتُ أقولُ لكم. وهذا يَظْهَرُ بِطُرُقٍ عَديدة.

فعلى سَبيلِ المِثالِ، فإنَّ الكنيسةَ المُعاصِرَةَ الَّتي تَفْتَقِرُ إلى رُوْحِ التَّمْييزِ لَطالَما رَفَضَتِ "دَاروِن" (Darwin) وَ "هَكْسلي" (Huxley)، ولكنَّها قَبِلَت "فرويد" (Freud). وَلَطالَما رَفَضَتِ العقيدةَ وَفَضَّلَتْ أنْ تَقْبَلَ العَلاقاتِ كما لو أنَّها هي الأولويَّة. فقد صارت مَفْتونَةً بالتَّرفيهِ عنِ النَّاسِ، وَلكِنَّها تَضْجَرُ مِنَ التَّفسير. وقد صَارَتْ مَفْتونَةً بالمَشاعِرِ، وَلكِنَّها تُقَلِّلُ مِنْ شَأنِ التَّفكيرِ بوضوح. ونتيجة لذلك، فإنَّ المسيحيَّةَ الإنجيليَّةَ (استمعوا إلى ما سأقول) تُناضِلُ مِنْ أجْلِ حَياتِها. وسوفَ أقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى: إنَّ المسيحيَّةَ الإنجيليَّةَ، في نَظَري، تُناضِلُ مِنْ أجْلِ حَياتِها. وَزَمانُنا هذا يَتَطَلَّبُ بِشِدَّة أُناسًا يَمْتَلِكونَ القُدرةَ على التَّمْييز.

ولكِنَّ الثَّقافةَ المُحيطةَ بِنا لا تُساعِدُنا لأنَّنا نَعيشُ في ثَقافَةٍ لا تُحْسِنُ التَّمييز. فنحنُ نَعيشُ، في الحقيقةِ، في ثَقافَةٍ وَضَعَتْ تَعريفًا وقيمةً جَديدَيْنِ وغير مَقبولَيْنِ للتَّمييز. فمثلاً، مِنَ السَّهلِ أنْ نُلاحِظَ أنَّهُ عندما كانَ المَرْءُ شخصًا يَمْتَلِكُ قُدرةً على التَّمييزِ، فإنَّ تلكَ كانت عَلامَةً على نُبْلِهِ، وَعَلامَةً على حِكْمَتِهِ، وعلامَةً على أنَّهُ يَسْتَحِقُّ الإكْرامَ والاحترام. فقد كانَ هؤلاءِ الأشخاصُ أشخاصًا يُرْغَبُ في وُجودِهم. فقد كانَ هذا هو الشَّخصُ الَّذي يَمْلِكُ القُدرةَ على التَّمييزِ إذْ إنَّهُ يُمَيِّزُ بينَ الخيرِ والشَّرِّ، والصَّوابِ والخطأِ، ويَعْرِفُ ما هُوَ الأفضَل.

أمَّا الآن، فإنَّ الشَّخصَ الَّذي يَمْلِكُ القُدرةَ على التَّمييزِ هو شخصٌ قَدْ تُقاضيهِ النَّقابةُ الأمريكيَّةُ للحُريَّاتِ المَدَنِيَّة (ACLU). فهذهِ الكلمة صارت تَحْمِلُ مَعْنىً مُختلفًا تمامًا. وهي لم تَعُدْ كَلِمَة يُسْمَحُ باستخدامِها في مُفْرَداتِنا. فنحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ لا يُطيقُ النَّاسُ فيهِ الأمورَ المُطْلَقَة. ونحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ لا يُطيقُ النَّاسُ فيهِ التَّمييزَ مِنْ أيِّ نَوْع. وأنا لا أتحدَّثُ عنِ التَّمييزِ العُنْصُرِيِّ الَّذي لا يُطيقُهُ اللهُ، بل أتحدَّثُ عنِ التَّمييزِ مِنْ أيِّ نوعٍ. فهذا ليسَ زَمانًا يَحْتَمِلُ فيهِ النَّاسُ القَناعات. وهذا ليسَ زَمانًا يَحْتَمِلُ فيهِ النَّاسُ العقيدة.

ويمكنكم أنْ تَلْحَظوا هذا الأمرَ الآنَ فيما تَقرأونَ الصُّحُفَ عن "بوب فيرنون" (Bob Vernon)، وَهُوَ واحِدٌ مِنْ شُيوخِنا. وَهُوَ نائِبُ رَئيسِ الشُّرطةِ في لوس أنجلوس. فَهذا المُجتَمَعُ لا يُطيقُ فِكْرَةَ أنَّ هذا الرَّجُلَ يُؤمِنُ بالكِتابِ المُقَدَّس الذي يُؤكِّدُ ضَرورةَ خُضوعِ النِّساءِ للرِّجال، ويَقولُ إنَّ المِثليَّة الجِنسيَّة خَطيَّة، ويُنادي بِضرورةِ تأديبِ الأبناء. فهذهِ كُلُّها أمورٌ لا تُطاقُ في هذا المُجتَمَعِ؛ عَدا عَنْ جَميعِ الأشياءِ والأمورِ والآراءِ الأخرى، لأنَّنا نَعيشُ في وَقْتٍ لا يُمَيِّزُ النَّاسُ فيهِ أيَّ شيء. لِذا فإنَّ الكنيسةَ تَعيشُ في بيئةٍ تَفْتَقِرُ إلى التَّمْييز. ونحنُ نَرى أنَّ هذا يُفاقِمُ مُشْكِلَتَنا. فلا يَجوزُ أنْ تَقَعَ الكنيسةُ ضَحِيَّةً لِروحِ هذا الدَّهْر.

والآن، أَوَدُّ أنْ أُجيبَ عن ثلاثةِ أسئلة في هذهِ السِّلْسِلَة بخصوصِ هذهِ المسألةِ المُختصَّة بالتَّمييز. وفي هذا الصَّباح، سوفَ أَبتدِئُ بالسُّؤالِ الأوَّل. والسُّؤالُ الأوَّلُ هو: لِماذا يُوْجَدُ عَدَم تَمْييز إلى هذا الحَدّ؟ لقد قُلْتُ لكم للتَّوّ إنَّ المُجتمَعَ يُشَجِّعُ ذلك. ولكِنْ لماذا يوجد عَدَم تَمييز إلى هذا الحَدّ في الكنيسة؟ لماذا؟ وسوفَ أُحاولُ أنْ أُقَدِّمَ لكم بعضَ الإجاباتِ. فهذهِ لن تكونَ عِظَةً عاديَّة لأنَّني سأذكُرُ بَعضَ المُصطلحاتِ اللَّاهوتيَّةِ وَأُقَيِّمُ مَا يَجري، مِنْ وُجْهَةِ نَظَري، في الكنيسة. لِذا، اسْمَعوني جَيِّدًا.

فهناكَ، في اعتقادي، أسبابٌ مَعروفة لِعَدَمِ التَّمييزِ المُريعِ هذا في الكنيسةِ اليوم. والسَّببُ الرَّئيسيُّ الَّذي سأذكُرُهُ لكم هُوَ: ضُعْفُ الوُضوحِ والقَناعَةِ فيما يَخُصُّ العَقيدة. ضُعْفُ الوُضوحِ والقَناعَةِ فيما يَخُصُّ العَقيدة. فهذا هو السَّببُ الأوَّل.

فقد كانت هناكَ أوقاتٌ أفضل بكثير في تاريخِ الكنيسة حينَ كانَ المَسيحيُّونَ يَجِدونَ كُلَّ التَّشجيعَ كَيْ يُفَكِّروا كِتابيًّا، ويُفَكِّروا لاهوتيًّا، ويَختبروا كُلَّ شيءٍ، ويَفحصوا الأسفارَ المُقَدَّسَةَ بِدِقَّة، ويُمَيِّزا مَلِيًّا الحَقائقَ الَّتي فيه. وعندما يَكتشفونَ ما هُوَ صَواب، كانَ يَتِمُّ تَشجيعُهُم على أخْذِ مَوقِفٍ لا يَتزعزَع. أمَّا اليوم، فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يأخُذونَ مواقِفَ راسِخَة فيما يَخُصُّ العقيدة الكِتابيَّة يُواجَهونَ غالبًا بالنَّقْدِ، وَيُتَّهمونَ بأنَّهُمْ يُسَبِّبونَ الانقساماتِ، وبأنَّهم ليسوا مُحِبِّينَ لأنَّ العُرْفَ السَّائدَ اليوم يُطالِبُهُمْ أنْ يَنظروا بِكَسَلٍ إلى الطَّبَقةِ السَّطحيَّةِ مِنَ الحَقِّ الكِتابِيِّ وأنْ يُبَرِّروا تلكَ الضَّحالة المُتَعَجْرِفَة بأنَّها شَهامَةٌ رُوحيَّةٌ مَرغوبٌ فيها تُجاهَ مَنْ يَخْتَلِفونَ عَنَّا. وقد باتَ هذا الأمرُ يَكْتَسِحُ الكنيسة. فَهُمْ يَنْظَرونَ نَظرةً سَطحيَّةً إلى الكتابِ المقدَّسِ ولا يَرغبونَ في الغَوْصِ في العَقيدةِ لأنَّكَ إنْ كُنْتَ مُتَشَبِّثًا بالعقيدَةِ فإنَّ هذِهِ دَلالة على أنَّكَ لستَ مُحِبًّا للآخرينَ الَّذينَ يَختلفونَ عنكَ في وُجهةِ النَّظر. وفي النِّهاية، فإنَّهُمْ لا يُريدونَ، بِكُلِّ تأكيد، أنْ يُحْدِثوا انْقساماتٍ.

وَيَقول "جاي آدمز" (Jay Adams): "لا يَظْهَرُ هذا المَيْلُ بصورة واضحة أكثرَ مِمَّا يَظْهَرُ في مَجالِ المَشورة". وَهُوَ يَقولُ أيضًا: "فالخُبراءُ الَّذينَ صَنَعوا لأنفُسِهم اسْمًا في عِلْمِ النَّفسِ، أوْ عِلْمِ الاجتماعِ، أوِ التَّربيةِ مِنْ حَمَلَةِ شَهاداتِ الدُّكتوراه في مَجالِهِم، وَشَهاداتِ مَدْرَسَةِ الأحَدِ في الكِتابِ المُقَدَّسِ، يَتَحَدَّثونَ بِسُلْطانٍ عنِ التَّعليمِ المَسيحيِّ والحَياةِ ويُظْهِرونَ أَنفُسَهم كما لو كانوا نَاطِقينَ رَسْمِيِّينَ باسْمِ اللهِ".

وَما يَعْنيهِ بِصورة رئيسيَّة هو أنَّ موضوعَ التَّفسيرِ الكِتابيِّ صَارَ مُقْتَحَمًا مِنْ أشخاصٍ ليسوا أَكْفاءَ للقيامِ بذلكَ العمل. فهناكَ عَدَمُ تَمييزٍ، لا فقط في مَجالِ المَشورة، بل إنَّ هُناكَ نَقْصًا في العَقيدةِ والقَناعاتِ في الخِدْمَةِ عَامَّةً مِنْ وُجْهَةِ نَظري. فالمُشارَكَة حَلَّتْ مَحَلَّ الوعظ.

ذاتَ يومٍ، كُنْتُ في مُقابلة إذاعيَّة حينَ اتَّصَلَ شخصٌ وقال: "لقد كنتُ أستمِعُ إليكَ مُنذُ بَعْضِ الوقتِ، وأريدُ مِنْكَ أنْ تَعْرِفَ أنَّكَ أَلْطَف جِدًّا على الإذاعةِ اليومَ مِمَّا أنتَ عليهِ حينَ أستمِعُ إليكَ في عِظاتِك". والحقيقةُ هي أنَّني حين أَعِظُ عِظاتي، لا أعتقِد أنَّني أقولُ أمورًا ليست لطيفة لأنَّني إنْ فَعَلْتُ فإنَّهُمْ سَيَحْذِفونَها قبلَ بَثِّ البَرنامَجِ على الإذاعة. ولا أدري كيفَ عَرَفَ إنْ كُنْتُ شخصًا أَكْثَرَ لُطْفًا بِمُجَرَّدِ الاستماعِ إليَّ.

ولكِنَّ ما قَصَدَ أنْ يَقولَهُ في الحقيقةِ هو أنَّني كنتُ أتحدَّثُ إلى سَيِّدةٍ، وكانَ هُناكَ اختلافٌ كَبيرٌ جِدًّا في الرَّأي. وقد كنتُ أحاولُ أنْ أكونَ وَديعًا قدرَ الإمْكان، ولَطيفًا قدرَ استطاعتي، وأَلَّا أَحْتَدَّ في التَّعامُلِ مَعَ ذلكَ الموقف. وقد كانَ سَماعُ ذلكَ بالنِّسبةِ إليه أَسْهَل بكثير مِنَ الاستماعِ إلى شخصٍ يَتحدَّثُ عنِ العقيدةِ القويمة. وقد كانَ بِمَقدورِهِ أنْ يَحْتَمِلَني في تلكَ المُحادثة اللَّطيفة معَ شخصٍ يَخْتَلِفُ مَعي في وُجْهَةِ النَّظر أكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُني عندَ الوَعْظِ عنِ العقيدة. فهذا هو رُوْحُ عَصْرِنا هذا.

وكما قُلتُ، فإنَّ هُناكَ مَوْجَة ثَقافيَّة وراءَ هذا. فليسَ مِنْ بَابِ المُصادَفَةِ أنَّ الكنيسة عَمَدَتْ (باسْمِ الوَحْدَةِ، والمحبَّةِ، والعَلاقاتِ) إلى الابتعادِ عنِ الوُضوحِ، والقَناعةِ، والعقيدةِ، وأنَّها ابتدأت في تَفضيلِ الانْفتاحِ، وفي رَفْضِ الصَّرامَةِ والعَقيدة. فهذا هُوَ المُناخُ السَّائدُ في الثَّقافةِ المُحيطةِ بنا. والحقيقةُ هي أنَّ هناكَ حَرْبًا على المَعايير. والحَرْبُ على المَعاييرِ واسِعَةُ النِّطاقِ. أليسَ كذلك. وما أعنيه هو: إنْ كانت لديكَ قَناعة بخصوصِ شيءٍ ما، لا بُدَّ أنْ يكونَ ذلكَ اعْتِباطِيًّا لأنَّهُ لا يوجدُ أيُّ مِعْيار.

فهناكَ عَداوة شَديدة ضِدَّ القَناعاتِ بِصورة عامَّة في ثَقافَتِنا. ولا أدري إنْ كُنْتُم تُدركونَ ذلك، ولكِنَّ كُلَّ شيءٍ باتَ مُتاحًا. وأنا أتحدَّثُ عنِ التَّاريخ. فالتَّاريخُ التَّنْقيحِيُّ يُشَكِّكُ الآنَ في كُلِّ شيءٍ آمَنَ بِهِ المُؤرِّخون. وفي العِلْمِ، حَتَّى في مَجالِ العِلْمِ، فإنَّهم يُشَكِّكونَ في أمورٍ يُؤمِنُ العُلماءُ بها مُنْذُ سَنواتٍ طويلة. فَكُلُّ المُعتقداتِ صَارت صحيحة نِسبيًّا فقط، وقَيِّمة نِسبيًّا فقط، سواءَ كُنَّا نتحدَّثُ عن عِلْمِ الاجتماعِ، أوْ عِلْمِ النَّفسِ، أوِ الفَلسفةِ، أوِ الاقتصادِ، أوِ التَّربيةِ، أوْ أيِّ شيءٍ آخر.

ولا شَكَّ أنَّهُ في نَظَرِ العالَمِ فإنَّ الدِّينَ هو أكثر شَيءٍ ذَاتِيٍّ في الوُجود لأنَّهُم يُؤمِنونَ بأنَّهُ مُجَرَّد خِبرة شخصيَّة، وليسَ إعلانًا إلهيًّا. لِذا فإنَّ الثَّقافةَ تَصيرُ نِسْبِيَّةً أكثرَ فأكثرَ، والكنيسةُ أُصيبَتْ بهذهِ العَدْوى.

وبالمُناسبة، فإنَّ هذا التَّوَجُّهَ كانَ مُلْحوظًا في الكنيسةِ قبلَ سنواتٍ خَلَتْ. وفي يومِ الأحدِ الماضي، حينَ كنتُ مُستلقيًا في بيتي بسببِ أَلَمٍ في رَقْبَتي مَنَعَني مِنْ أنْ أكونَ مَعَكُم، أَكْمَلْتُ قِراءةَ المُجَلَّدِ الثَّاني لِلسِّيرةِ الذَّاتيَّةِ لِمارتن لويد-جونز (Martyn Lloyd-Jones). وقد استمتعتُ بِكُلِّ لَحْظَةِ فيها. وأنا أَنْصَحُكُمْ بقراءَةِ ذلكَ المُجَلَّد الَّذي يتألَّف مِنْ 777 صفحة. ولكِنْ في أثناءِ قِراءتي للجُزءِ الأخيرِ مِنَ الكتاب، أَدْهَشَني أنَّهُ يَتحدَّثُ عن أمورٍ مُرتبطة ارتباطًا مُباشِرًا بمسألةِ التَّمييزِ هذِهِ في ذلكَ الكِتاب. فقد كانَ يَرى أنَّ هذا التَّوَجُّهَ آتٍ؛ أيِ التَّوَجُّهَ نَحْوَ النِّسْبِيَّة في الكنيسة، وَمَوْتَ الوُضوح العَقائديّ وذلكَ في سنة 1971؛ أيْ قَبْلَ عِشرينَ سنة.

وإليكُم ما قالَهُ: "هناكَ رَدُّ فِعْلٍ واضح جِدًّا في الوقتِ الحاضِر ضِدَّ المَذهبِ العَقلانيّ. وهذا مَوجودٌ في وَسْطِ الطَّلبة في أمريكا، ويَزدادُ انتشارًا في هذا البلد. فالمَنْطِقُ لم يَعُدْ يُوْثَقُ بِهِ وَوُضِعَ جَانِبًا. فبعدَ ’دي.إتش. لورنس‘ [D.H. Lawrence]، هناكَ كَثيرونَ يَقولونَ إنَّ مُشْكِلاتِنا نابعة مِنْ حقيقةِ أنَّنا نَمَّيْنا أدْمِغَتَنا أكثرَ مِنَ اللَّازِم. فيجب علينا أنْ نُصغي أكثرَ إلى دِمائِنا وأنْ نَعودَ إلى طَبيعَتِنا.

"لِذا فقد انقلبوا ضِدَّ المَذهبِ العَقلانيِّ وراحوا يَقْبَلونَ عَمْدًا عَدَمَ العَقلانيَّة. وقد سَلَّموا أنفُسَهُم للرَّغبةِ في اختبارِ الأشياءِ وَتَغْليبِ الحِسِّ على الفَهْم. فما يَهُمُّ هُوَ الشُّعورُ والمُتعةُ، لا الفِكْر. فالتَّفكيرُ المَحْضُ لا يَقودُ إلى أيِّ مَكان" [نِهايةُ الاقتباس].

قبلَ عِشرينَ سنة، رأى "مارتن لويد-جونز" الحَرَكَةَ النِّسبيَّة آتية إلى الكنيسة. وَعِوَضًا عن رُؤيةِ خطرِ هذا التَّوَجُّهِ، والاستماعِ إلى كَلِماتِهِ، فإنَّ الإنجيليِّينَ يَنْساقونَ وراءَ هذا التَّوَجُّهِ كما لو أنَّهُ نِعْمَة لِعِلَّةِ وُجودِهم. وفي إنجلترا، هناكَ رَجُلٌ وَصَلَ إلى الشُّهرةِ اسْمُهُ "ديفيد واطسون" (David Watson). وقد قادَ التَّوَجُّهَ إلى قَبولِ النِّسبيَّة في الكنيسة في إنجلترا. وإليكُم ما قالَهُ:

"إنَّ السَّبَبَ في أنَّني" (وهذا اقتباسٌ مِنْهُ): "إنَّ السَّببَ في أنَّني أُسافِرُ بِرِفْقَةِ فَريقٍ مِنَ الأشخاصِ الموهوبينَ في مَجالِ الفُنونِ الاستعراضيَّة هو أنَّهُمْ قادِرونَ على تَوصيلِ الإنجيلِ بطريقة أكثر فاعليَّة مِمَّا أفعَلُهُ أنا مِنْ خلالِ الكَلِماتِ فقط" [نهايةُ الاقتباس]. وهذهِ جُمْلَةٌ صَادِمة! وَهذا تَخَلٍّ عنِ الأسلوبِ الكِتابيِّ في إعلانِ الحَقِّ مِنْ خلالِ الكلمات. وهذا يَعْكِسُ رُوْحَ العَصْرِ.

ثُمَّ إنَّ "ديفيد واطسون" صارَ شَريكًا لِـ "جون ويمبر" (John Wimber) وحركة "فينيارد" (Vineyard Movement) الَّتي سنتحدَّثُ أكثرَ عنها بعدَ بِضْعَةِ أسابيعِ؛ وهي حَرَكَة لا تُبالي البَتَّة بالعقيدة. والحقيقة هي أنَّ "جون ويمبر" قال: "نحنُ نَعْمَلُ على تَصْنيفِ اخْتباراتِنا حَتَّى نَخْرُجَ بِلاهوت". فَهُمْ يُرَكِّزونَ على الاخْتباراتِ وَحَسْب. ويَقولُ "ديفيد واطسون": "لا أريدُ أنْ أَعِظَ لأنَّهُ يُمْكِنُ تَوصيلُ الحَقِّ بطريقة أفضل مِنْ خِلالِ الفُنونِ الاستعراضيَّة". وأودُّ أنْ أُذَكِّرَ البعضَ بأنَّ يَسوعَ لم يَكُنْ مُغَنِّيًا، بل كانَ واعِظًا. ويوحنَّا المَعمدان لم يَكُنْ مُغَنِّيًا، بل كانَ واعِظًا. والرُّسُلُ لم يكونوا مُمَثِّلينَ، بل كانوا وُعَّاظًا.

وَيَمْضي "ديفيد واطسون" في الحَديثِ مُنْتَقِدًا الكنيسة المسيحيَّة بسببِ تَركيزِها الحَصريِّ على الذِّهْن. وإليكُم ما قالَهُ "واطسون": "إنَّ أغلبيَّةَ الكَنائِسِ تَعْتَمِد كثيرًا جِدًّا على الكلمة المَنطوقة أوِ المَكتوبة؛ ثُمَّ إنَّها تَتَعَجَّبُ لأنَّ عَدَدًا ضَئيلاً فقط مِنَ النَّاسِ يَجِدونَ أنَّ الإيمانَ المسيحيَّ وَثيقُ الصِّلَةِ بِحَياتِهم". فَهُوَ يَقولُ إنَّ الكلمة المَكتوبة والكلمة المَنطوقة تَجْعَلُ الإيمانَ المَسيحيَّ غَيْرَ ذِي صِلَة. والمسيحيَّةُ غيرُ وَثيقَةِ الصِّلَةِ ليست ذِهْنِيَّة. والمسيحيَّةُ غيرُ وَثيقَةِ الصِّلَةِ ليست عَقلانيَّة. وهي ليست عَقيديَّة؛ بل إنَّها عاطفيَّة، واختباريَّة، وصُوْفِيَّة.

وقد جَاءت هذهِ الحَركة كالطُّوفان. وقد ابْتَعَدَ التَّركيزُ في الكنيسةِ عنِ الوَعْظِ عَنْ أمورِ العقيدة بطريقةٍ تُخاطِبُ العَقْلَ حَتَّى يَكْتَسِبَ النَّاسُ مَعرفةً أكبرَ بالحَقِّ الإلهيِّ، وَصارَ يَقْتَصِرُ على القيامِ بأمورٍ صغيرة تُخاطِبُ المَشاعِرَ، وَتُخاطِبُ العواطِفَ، وَتُرَّكِّزُ على الحاجات. وقد رَافَقَتْ هذا النَّهْجُ النِّسْبِيُّ الحَركة الكارِزماتيَّة وَعُلماءُ النَّفسِ الَّذينَ دَخَلوا الكنيسة بِمُعتقداتِهم النِّسبيَّة فَصارَ الوَعْظُ صُوْفِيًّا، وعَلاقِيًّا، وَنِسْبِيًّا. وقدِ ابتدأتِ العِبادَةُ بالتَّقَهْقُر.

ويُمكنكُم أنْ تَرَوْا ذلكَ بِطُرُقٍ عديدة. انظروا فقط إلى التَّرانيم. فهذهِ واحِدَة مِنَ الطُّرُق. فالعبادةُ ابتدأت بالتَّقَهْقُرِ بعدَ أنْ كانَ التَّرنيمُ يُرَكِّزُ على التَّرَنُّمِ بالحقائقِ العظيمةِ عنِ اللهِ، وبعدَ أنْ كانَ التَّرنيمُ يُرَكِّزُ على الكلمات، إلى أنْ صارَ التَّرنيمُ يُرَكِّزُ على الصَّوْتِ العالي، والإيقاعِ، والتَّوافُقِ الصَّوْتِيِّ مِنْ أَجْلِ تَرْكِ شُعورٍ دافئٍ وَالتَّأثيرِ في المَشاعر. وقد تَغَيَّرَ العَزْفُ الموسيقيُّ مِنْ عَزْفٍ كَلاسيكيٍّ يُرافقُ التَّرتيلَ والكلماتِ العظيمة، إلى مُوسيقا شَبيهةٍ جِدًّا بالموسيقا الصَّاخبة الَّتي يَعْزِفُها أَهْلُ العالَم.

وأرجو أنْ أتمكَّنَ مِنْ إعطائِكُم فِكرة عن كُلِّ ما يَجري. فأنا واثِقٌ أنَّ الشَّيطانَ يَعرِفُ أنَّنا (أيِ المَسيحيُّونَ الإنجيليُّونَ) لا نَقْبَلُ لاهوتَ اللِّيبراليَّة. لِذا فقد بَاعَنا عِلْمَ تَفْسيرٍ. وما الَّذي أعنيه بذلك؟ لقد كانَ الشَّيطانُ يَعلمُ أنَّنا لن نَنْخَدِعَ بلاهوتِهم. لِذا فقد خَدَعنا بِقبولِ مَبادِئِهم التَّفسيريَّة لكي نَقْبَلَ [عاجِلاً أَمْ آجِلاً] لاهوتَهُم. وهذا نَوْعٌ مِنَ المسيحيَّة الَّتي تُحْتَقَرُ فيها العَقيدةُ وَالمُعتقدات.

فَإنْ ذَهَبْتُمْ إلى مَدينةٍ عاديَّةٍ وَوَجَدْتُمْ فيها كَنيسَةٌ يُنادي فيها رَجُلُ الله بالعقيدةِ بوضوحٍ وَعُمْقٍ وَثَباتٍ وَأمانَةٍ، سَتَجِدونَ فيها مَجموعةً صَغيرةً مِنَ الأشخاصِ الأُمناء. أمَّا إنْ وَجَدْتُمْ كنيسةً يَكْثُرُ فيها الهَرْجُ، والمَرْجُ، واللَّهْوُ، والرَّقْصُ، والقَفْزُ، سَتَجِدونَ فيها حَشْدًا كبيرًا في أغلبِ الحالاتِ.

فَكَلِمَةُ اللهِ لا تَجِدُ لها مَكانًا بينَهُم، بل إنَّهُمْ يَتجاهَلونَها لكي يُفْسِحوا مَجالاً للنِّسبيَّة الإنجيليَّة الجديدة. فالوُعَّاظُ صَاروا مُمَثِّلينَ هَزَلِيِّين، وَحَكَواتِيِّينَ، وَمُشيرينَ؛ ولكنَّهُم ليسوا لاهوتِيِّينَ أقوياء يُنادونَ بالحَقِّ الإلهيِّ.

والحقيقةُ هي أنَّ هذا الأمرَ بالِغُ الخُطورة لا سِيَّما أنَّهُ بَلَغَ مَكانًا صَار فيهِ الموضوعُ الرَّئيسيُّ المُختصُّ بالإنجيلِ يَخْلو مِنَ القَناعة. وفي كِتابٍ بِعُنوان "الكِرازةُ القائمة على القُوَّة" (Power Evangelism) كَتَبَهُ "جون ويمبر" (John Wimber)، وأنا أَذْكُرُهُ لأنَّهُ مَشهورٌ جِدًّا في العالَم، في ذلكَ الكِتابِ الَّذي هُوَ بِعُنوان "الكِرازةُ القائمة على القُوَّة" الَّذي يُعَلِّمُ فيهِ الكنيسةَ عنِ الكِرازة، لا نَجِدُ حَديثًا عنِ الإنجيل. فهو ليسَ مَذكورًا في الكِتاب.

فالإنجيلُ ليسَ مَذكورًا في الكِتاب. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّهُمْ يَتَحَدَّثونَ عن أشخاصِ نَالوا الخلاصَ وصَاروا مَسيحيِّينَ مِنْ خِلالِ مُعْجِزاتٍ مَزعومة اختبروها مِنْ دونِ أنْ يُكْرَزَ بالإنجيلِ إليهم. ويقول "بيتر واغنر" (Peter Wagner)، الأستاذ بِكُليَّة لاهوت فولر (Fuller Seminary) إنَّ النَّاسَ يَخْلُصونَ على يَدِ ذلكَ المُبَشِّر الأرجنتينيَّ "عُمر كابريرا" (Omar Cabrera) قَبْلَ أنْ يَبْتَدِئَ الوعظَ. فَهُمْ لا يُبالونَ بالعقيدة، كَما هُوَ وَاضِحٌ.

وَأذْكُرُ أنَّني وَعَظْتُ في غَداءِ عَمَلٍ برعاية "لَجْنَة رِجال الأعمال التَّابعة لهيئة فول غوسبيل" (Full Gospel Businessmen Committee). وقد كان ذلكَ أغربُ اخْتبارٍ في حَياتي مَعَ تلكَ المجموعةِ الكارِزماتيَّة. فقد ظَنَّ أحدُ الأشخاصِ في تلكَ المجموعة (خَطَأً) أنَّني قَبِلْتُ مَعموديَّةَ الرُّوحِ وَصِرْتُ أَتكلَّمُ بالألسِنَة. لِذا فقد دَعُوْني إلى الحُضورِ وتَقديمِ شَهادتي عنِ الألسِنَة.

والشَّيءُ الَّذي لم يكونوا يُدركونَهُ، بالطَّبع، هو أنَّني لم أَقْبَل معموديَّةَ الرُّوحِ القُدُس ولم أتكلَّم بألسِنَة. وقد ظَنَنْتُ أنَّهُمْ يُريدونَ مِنِّي أنْ أَذهبَ وأتحدَّثَ، ببساطة، عَنْ وُجْهَةِ النَّظرِ الكِتابيَّة لأنَّهُمْ مُهْتَمُّونَ بِسَماعِ ما نُؤمِنُ به. لِذا فقد ذهبتُ إلى هناك. وقد كانوا جميعًا مُستعدِّينَ لِسَماعِ هذا الاختبارِ العظيمِ عن كيفَ أنَّني تَحَوَّلْتُ إلى شخصٍ كارِزماتيّ. وقد كنتُ أعتقدُ أنَّهُم يُريدونَ أنْ يَسمعوا الحَقَّ مِنْ كَلِمَةِ اللهِ مُباشَرَةً. لِذا فقدِ ابتدأتُ الوَعْظَ.

وقد كانتِ المَرَّة الوحيدة في حَياتي الَّتي انْتُزِعْتُ فيها فِعليًّا وحَرفيًّا مِنْ على المِنْبَرِ جَسديًّا. فبعدَ نَحْوِ عِشرينَ دقيقة، أَمْسَكَني ذلكَ الرَّجُل مِنْ مَلابِسي وَجَذَبَني إلى أسفل. ثُمَّ إنَّهُ صَعِدَ إلى المِنْبَرِ وابتدأَ يقول: "يجب علينا أنْ نُصَلِّي. دَعونا نُصَلِّي". وقد صَلَّى أنْ يَصْعَقَني اللهُ في وَقْتٍ ما في مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ وَأنْ أَبتدئَ أتكلَّمُ بألسِنَةٍ. وقد حاولَ أنْ يَعْتَذِرَ مِنَ الحاضِرين. وقد استغرَقَ ذلكَ بعضَ الوقتِ.

وبعدَ انتهاءِ ذلك (وَهذا أَمْرٌ لَنْ أنساهُ يَوْمًا) تَقَدَّمَ إليَّ رَجُلٌ بعدَ ذلك وقال: "لقد كانَ ما حَدَثَ غَريبًا جدًّا!" وقد دارَ بيننا حَديثٌ صَغيرٌ. وقد كانت تلكَ لَحظة عَابِرة. وبالمُناسبة، لقد عُدْتُ مَرَّةً أخرى. فقد قُلْتُ إنَّني لم أُنْهِ العِظَة، وإنَّهُ لا بُدَّ أنْ أُنْهي بِضْعَ نِقاطٍ. وقد قُلْتُ بِضْعَ نِقاطٍ أُخرى. ولكِنَّ ذلكَ هَزَّهُمْ في الأعماق. صَدِّقوني.

ولكِنْ بعدَ ذلكَ، جاءَ هذا الرَّجُلُ وقالَ لي ... بل إنَّني قُلْتُ لَهُ: "ما يُقْلِقُني هو أنَّ النَّاسَ المُنْغَمِسينَ في هذهِ الحَركة القائمة على الاختباراتِ الشَّخصيَّةِ ليسوا حَتَّى مَسيحيِّينَ". وإليكُم ما قالَهُ ذلكَ الرَّجُل. فقد قال: "لقد مَضَى على وُجودي فيها تَسْعَ سنوات؛ أيْ في هذهِ المَجموعة". وقد قالَ أيضًا: "إليكَ ما أُوْمِنُ بِهِ: أنا أُوْمِنُ أنَّ هناكَ سُلَّمًا كَبيرًا وطويلاً، وأنَّكَ سَتَصْعَدُ إلى أعلى ذلكَ السُّلَّمِ في يومٍ ما وتَقْرَعُ على بابٍ. ثُمَّ إنَّ ذلكَ الشَّخصَ الَّذي يُدْعى يَسوع سيأتي. وَيَجِبْ أنْ تَأمَلَ أنْ يَسْمَحَ لَكَ بالدُّخول". لقد أَمْضَى تِسْعَ سَنَواتٍ دُوْنَ أنْ يَفْهَمَ الإنجيل. تِسْعَ سَنَواتٍ ولا يَعْرِفُ شيئًا واضحًا عنِ العقيدة.

وذاتَ يومٍ، كُنْتُ أُجْري مُقابلةً إذاعيَّةً – مُقابلةً لِسَاعَتَيْن. وقد قالَتْ لي مُقَدِّمَةُ البَرْنامَج (وَكانتِ المُقابلةِ على مَحَطَّة مَسيحيَّة) قالَتْ لي مُقَدِّمَةُ البَرنامَج: "كيفَ يَصيرُ المَرءُ مَسيحيًّا؟" قلتُ: "أوَّلاً، يجب عليهِ أنْ يُدْرِكَ أنَّهُ خَاطِئ. فَمِنَ المُهِمِّ أنْ أُدْرِكَ أنَّني خاطئٌ، وأنْ أُبْدي استعدادي للرُّجوعِ والتَّوبةِ عن خطاياي، ثُمَّ أنْ أُدرِكَ أنَّني لا أستطيعُ أنْ أُخَلِّصَ نَفسي، وأنَّهُ لا تُوْجَدُ لَدَيَّ مَصادر في ذاتي لِتَخليصِ نَفسي، وأنْ أُلْقي نَفسي على رَحْمَةِ اللهِ، وأنْ أُوْمِنَ أنَّ يَسوعَ المسيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ الَّذي جاءَ إلى العالَم، وماتَ، وَدَفَعُ أُجْرَةَ خطايايَ، وقامَ ثانِيَةً لأجْلِ تَبريري".

فقالَتْ مُقَدِّمَةُ البَرنامَج: "أنتَ لا تُؤمِنُ أنَّ كُلَّ شَخصٍ يَخْلُص ينبغي أنْ يُؤمِنَ بِكُلِّ هذا. أليسَ كذلك؟" قلتُ: "بَلَى، بَلَى". فقالَتْ مُقَدِّمَةُ البَرنامَجِ لي: "مِنَ المُؤكَّدِ أنَّني لم أَتوبَ عَنْ أيٍّ مِنْ خَطايايَ حينَ نِلْتُ الخَلاصَ". فقلتُ: "وكيفَ نِلْتِ الخَلاصَ؟" وإليكُمْ ما قالَتْهُ: "لقد كُنْتُ مُدْمِنَةً على المُخَدِّراتِ والكُحولِ، وكنتُ أعيشُ معَ صَديقي وأنْتَمي إلى مَجموعَةٍ تُسَمَّى "عِلْمُ العَقْل" (Science of Mind) طَوالَ سِتِّ سِنين. وذاتَ يومٍ، حَصَلْتُ على رَقْمِ هَاتِفِ يَسوع". فقلتُ: "لقد حَصَلْتِ على رَقْمِ هَاتِفِ يَسوع؟" "لقد حَصَلْتُ على رَقْمِ هَاتِفِ يَسوع وَعَرَفْتُ وَحَسْب أيْنَ هُوَ".

ما الَّذي يَخْتَبِرُهُ هؤلاءِ الأشخاص؟ فعندما لا تَسْتَنِد حَتَّى إلى عقيدة واضحة قائمة على الإنجيل، أيْنَ سَتَذْهَبُ بعدَ ذلك؟ فَكُلُّ مَا يَقولونَهُ (كما قالَ لي أحدُ الأشخاصِ حينَ صَدَرَ كِتابي بعنوان "الإنجيل بِحَسَب يَسوع" (The Gospel According to Jesus): ’إنَّ كِتابَكَ يُسَبِّبُ الانقسامات‘. "إنَّ كِتابَكَ يُسَبِّبُ الانقسامات‘". وهل تُريدونَ أنْ تَعلموا شيئًا؟ إنَّهُ مُحِقٌّ. إنَّهُ مُحِقٌّ. وهل تُريدونَ أنْ تَعلموا شيئًا آخر؟ إنَّ العَقيدَةَ تُسَبِّبُ الانْقسامات.

فالنَّاسُ يَقولونَ: "إنَّ العَقيدَةَ تُسَبِّبُ الانقسامات. إنَّ العَقيدَةَ تُسَبِّبُ الانقسامات". وأنا أقول: "آمين. نَادوا بذلك. إنَّ العَقيدَةَ تُسَبِّبُ الانقسامات". ولكِنْ هَل تَعلمونَ ما الَّذي تُفْعَلُهُ العقيدة؟ إنَّها تَتَصَدَّى للضَّلال. وهي تَفْصِلُ الحَقَّ عنِ الباطِل. وَهِيَ تُصْدِرُ الأحْكامَ. ولكِنْ في المُناخِ السَّائدِ اليومَ، ولا سِيَّما مِنْ جِهَةِ الوَحْدَةِ وَإعطاءِ الأولويَّةِ للعلاقاتِ، فإنَّ هذا الأمرَ لا يُطاق.

وأعتقد أنَّهُ عندما يُبْدِي الإنجيليُّونَ استعدادَهُم للحَطِّ مِنْ شَأنِ العقيدة، وعندما يُبْدونَ استعدادَهُم لِوَضْعِ المُعتقداتِ غيرِ الشَّعبيَّةِ جانبًا، وعندما يُبدونَ استعدادَهُم لالتزامِ الصَّمْتِ بخصوصِ التَّعليمِ الكِتابيِّ الَّذي يُسيءُ إلى النَّاسِ الواقعينَ في فَخِّ الضَّلالِ والخطيَّة، فإنَّ المُعارضة ستَختفي. ويمكننا حينئذٍ أنْ نَتَّحِدَ مَعًا. فأنا أعتقد ذلك.

فيمكنني أنْ أُؤسِّسَ حَرَكةً وَحْدويَّة. فيكفي أنْ أَضَعَ العقيدةَ جانبًا، وأنْ أَضَعَ المُعتقداتِ غيرِ الشَّعبيَّة جانبًا، وألَّا أقولَ أيَّ شيءٍ يُؤذي مَشاعِرَ الآخرين. وحينئذٍ فإنَّنا سنَتَّحِد. وهذا لا يُفاجِئُني. ولكِنْ أَتَعلمونَ أنَّ هناكَ أشياء أخرى ستَختفي أيضًا معَ العقيدة مِثْلَ الحَقِّ، والقناعات، والتَّمييز، والبِرّ، والقداسة، والانضباط، والمحبَّة الحقيقيَّة، والنُّضج الرُّوحيّ. فهي جميعُها ستختفي أيضًا. ثُمَّ إنَّ اللهَ سيَختفي - "إِيخَابُودَ" (Ichabod)؛ أيْ: زَالَ المَجْد. وهذا الثَّمَنُ بَاهِظٌ جِدًّا. وهذا سَيُنشئُ كنيسةً ضَحِيَّةً لِضَلالِ الجَحيم.

وفي رأيكم، ما الَّذي كانَ يُفَكِّرُ بولسُ فيهِ حينَ قال: "اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَة"؟ مِنَ العارِ أَلَّا نُمَيِّزَ بينَ الحَقِّ والضَّلال.

لِذا فإنَّ العامِلَ الرَّئيسيَّ في عَدَمِ التَّمييزِ هذا هو عَدَمُ وُضوحِ العَقيدة والقناعات باسْمِ الوَحْدة، وباسْمِ الاختبارِ الصُّوفِيِّ، وَهَلُمَّ جَرَّا. وكما قُلتُ، فقد عَجِزَ اللِّيبراليُّونَ عَنْ بَيعِ لاهوتِهم لنا، لِذا فقد باعونا تَفسيرَاتِهم: العلاقات، والمحبَّة، والوَحدة، والخبرات الصُّوفيَّة. وقد انْخدعنا بذلك وسَينتهي المَطافُ بنا في نَفْسِ التَّخَبُّط. فَليسَ كُلُّ مَنْ يَتحدَّثُ عنِ السَّماءِ سيذهبُ إليها. وليسَ كُلُّ مَنْ يَتحدَّثُ عن يسوعَ (مِنَ الكارِزماتِيِّينَ، والأرثوذكسيِّينَ المُحْدَثينَ، والرُّوم الكاثوليك، وأيِّ شخصٍ آخر) يَعرِفُهُ بالضَّرورة.

وهناكَ عَامِلٌ آخر. وأرجو أنْ أتمكَّنَ مِنَ الحديثِ عنْ عَامِلَيْنِ في هذا الصَّباح. وهذا العامِلُ مُرْتَبِطٌ بالعامِلِ الأوَّل. وأريدُ منكم أنْ تُصْغوا جَيِّدًا. وأنا لا أريدُ أنْ أَتَعَمَّقَ في الفَلسفة هُنا. ولكِنَّ العامِلَ الثَّاني هو الآتي: عَدَمُ القُدرة على التَّفكيرِ بطريقة مُناقضة للفِكْرِ السَّائد. عدمُ القُدرةِ على التَّفكيرِ بطريقة مُناقضة للفِكْرِ السَّائد. وقد تَقول: "وما الَّذي تَعنيهِ بذلك؟ ما أعنيهِ هو أنْ تكونَ أسودَ وأبيض.

ففي الجَدَلِ والنِّقاشِ واللَّاهوتِ، هُناكَ ما يُسَمَّى "الأُطروحة" (thesis) وَ "نَقيض الأُطروحة" (antithesis). والأُطروحة هي حَقيقة مُعَيَّنة مَطروحة، أو فِكرة مُعَيَّنة مَطروحة، أو مَفهوم مُعَيَّن مَطروح. ثُمَّ هُناكَ الفِكرة المُعارِضة لها. أسود وأبيض. "أُطروحة" وَ "نَقيضُ الأطروحة". ويجب علينا أنْ نُفَكِّرَ بطريقة مُناقِضَة للفِكْرِ السَّائِد. فنحنُ نَعيشُ في ثقافة يَصِفُها البعضُ بأنَّها تُفَكِّرُ بطريقة يُمكننا أنْ نَقولَ عنها إنَّها "طَيْفٌ مُتَدَرِّجٌ". بعبارة أخرى، لا يوجد فيها أسود وأبيض، ولا يوجد صَواب وخطأ، ولا صَح وَغَلط، ولا صَالِح وَطالِح، بل هُناكَ طَيْفٌ طَويلٌ مِنَ الألوانِ الرَّماديَّةِ المُتَدَرِّجةِ النِّسْبِيَّةِ وَحَسْب. وكُلُّ شخصٍ يَجِدُ مَكانًا لَهُ في ذلكَ الطَّيْف. فالدِّيْنُ أمرٌ شَخصيٌّ. والخِبراتُ الرُّوحيَّة أمرٌ شخصيٌّ.

ولكن اسمعوني: إنَّ الوعظَ الكِتابيَّ ليسَ نِسْبيًّا، وليسَ شخصيًّا؛ بل هُوَ مُطْلَقٌ. فَهُوَ أسود وأبيض تَمامًا. وَهُوَ مُناقِضٌ للضَّلال. وأنا لا أحاولُ أنْ أُدافِعَ عن نفسي، بل إنَّني أُعالِجُ النَّصَّ هُنا. ولكِنِّي أقولُ لكم إنَّ النَّقْدَ الَّذي أَتعرَّضُ لَهُ طَوالَ الوقتِ هو: "أنتَ مُتَشَدِّدٌ جِدًّا في العقيدة". ولكنِّي لا أعرفُ أنْ أكونَ خِلافَ ذلك لأنَّ هذهِ هي طبيعةُ الحَقِّ. فالحَقُّ يُفَرِّقُ وَيَتَصَدَّى للضَّلال.

ويجب علينا أنْ نُفَكِّرَ بطريقة مُناقِضَة للفِكْرِ السَّائد. فأنتُم تَسمعونَ "أُطروحةً" مَا. ويجب عليكم أنْ تَنظروا إلى نَقيضِ تلكَ الأطروحة (أيْ إلى عَكْسِها) وأنْ تَفْحَصوها. وهذا أمْرٌ مُطْلَقٌ. فالحَقُّ مُطْلَقٌ. لِذا فإنَّهُ يُؤثِّرُ في النَّاسِ بطريقة مُعاكِسَة. وهو يَصْدُمُهُم ويُبَكِّتُهم.

وحيثُ إنَّ التَّفكيرَ العالميَّ يُلَوِّثُ عُقولَ أغلبيَّةِ مَنْ يَذهبونَ إلى الكنيسة، وحيثُ إنَّ التَّفكيرَ العالميَّ هو هذا الطَّيْفُ الرَّماديُّ العَريضُ حيثُ لا يوجد حَقًّا أسود وأبيض، ولا يوجد حَقًّا صَواب وخطأ. فقد كنتُ أستمعُ ذاتَ يومٍ إلى شخصٍ ما أثناءَ قيادتي للسيَّارة. فقد كنتُ أستمعُ تَحديدًا إلى "باربرا دي أنجيليس" (Barbara De Angelis) على بَرنامَجٍ حِواريٍّ إذاعِيٍّ. وقد اتَّصَلَتْ سَيِّدةٌ وراحَتْ تَتَحَدَّثُ عن علاقَتِها بِرَجُلٍ لم تَكُن مُتزوِّجة مِنْهُ ولكِنَّها تَعيشُ مَعَهُ. وقد قالَتْ لها تلكَ المُشيرة: "يجب أنْ تَشْعُري بالارتياحِ لِما تَفعلينَه. يجب أنْ تَشعُري بالارتياح. فلا يوجد صَواب وخطأ، بل يجب أنْ تَشعري بالارتياحِ لِما تَفعلينَهُ". وهذا هُوَ الطَّيْفُ الرَّماديّ. وهذا هو نوعُ الأشياءِ الَّتي يَتِمُّ التَّرويجُ لها باستمرار.

لِذا فإنَّنا نَعيشُ في مُجتمعٍ يَنْمو ويُفَكِّرُ بطريقةِ الطَّيْفِ الرَّمادِيِّ. فتلكَ الأشياءُ ليست سوداء وبيضاء، بل هي دَرَجات مُتَفاوِتَة مِنَ اللَّونِ الرَّماديّ. أمَّا الوَعْظُ الَّذي يأخذُ شَكْلَ الأسودِ والأبيض، والتَّعليمُ مِنَ الكتابِ المقدَّس، فإنَّهُمْ يَنظرونَ إليهِ بأنَّهُ يُؤذي مَشاعِرَ الآخرينَ، وبأنَّهُ مُتَطَرِّف. ولكِنَّنا نَرى في الكِتابِ المُقَدَّسِ أنَّ النَّقيضَ مُهِمٌّ جِدًّا، وأنَّ التَّمييزَ ضَروريٌّ جِدًّا. والكتابُ المقدَّسُ يَعْرِضُ الأشياءَ بالأسودِ والأبيض وَحَسْب.

وما أعنيه هو، رَكِّزوا مَعي قليلاً: ابْتِداءً بِجَنَّةِ عَدْنٍ بِشَجَرَتَيْها (واحدة يُمْكِنُ الأكْلُ مِنْها، والأخرى مَمْنوعٌ الأكْلُ مِنها)، وانْتِهاءً بالمَصيرِ الأبديِّ للإنسانِ (في السَّماءِ أوْ في جَهَنَّم)، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُبَيِّنُ طَريقَيْنِ ... طَريقَيْنِ فقط: طَريقَ اللهِ، وَكُلَّ الطُّرُقِ الأخرى. وَهُوَ يَقولُ إنَّ النَّاسَ إمَّا سَيَخْلُصونَ وإمَّا سَيَهْلِكون. وَهُمْ إمَّا يَنْتَمونَ إلى شَعْبِ اللهِ وإمَّا إلى شَعْبِ الشَّيطان. وَهُناكَ جَبَلُ البَرَكَة وَجَبَلُ اللَّعنة. وهُناكَ الطَّريقُ الضَيِّقُ والطَّريقُ الرَّحْبُ. وهناكَ الحياةُ الأبديَّة والهَلاكُ الأبديّ. وهُناكَ أولئكَ الَّذي هُمْ ليسوا مَعَنا وأولئكَ الَّذينَ هُمْ مَعَنا. وهُناكَ أولئكَ الَّذينَ هُمْ في المَلكوتِ وأولئكَ الَّذينَ هُمْ خَارِجَ المَلكوت.

وهناكَ الحياةُ والموت، والحَقُّ والكَذِب، والصَّلاحُ والطَّلاحُ، والنُّورُ والظُّلمة، ومَلَكوتُ اللهِ وَمَلكوتُ الشَّيطانِ، والمحبَّة والكراهِيَة، والحِكمةُ الرُّوحيَّةُ وَحِكْمَةُ العالم. وقد قالَ المَسيحُ إنَّهُ الطَّريقُ والحَقُّ والحياةُ، وإنَّهُ لا أَحَدَ يأتي إلى الآبِ إلَّا بِهِ. وَهُوَ الاسمُ الوحيدُ تحتَ السَّماءِ الَّذي بِهِ ينبغي أنْ نَخْلُص. فَكُلُّ شيءٍ في الكتابِ المقدَّسِ مُطْلَقٌ. فهذا أمرٌ جوهريٌّ في الإعلانِ الإلهيِّ.

وقد كَتَبَ "جاي آدمز" (Jay Adams)، وَهُوَ واعِظٌ مَشهورٌ جِدًّا وَأستاذٌ للَّاهوت، كَتَبَ مَقطعًا رائعًا مِنْ وُجْهَةِ نَظري في واحِدٍ مِنْ كُتُبِهِ. استمعوا إلى ما يَقول: "سوفَ تَكتشفونَ أنَّ هذا التَّعليمَ المُناقِضَ موجودٌ لا فقط في كُلِّ صفحة مِنْ صَفَحاتِ الكتابِ المقدَّسِ، بل يبدو حَتَّى أنَّ تَركيبَ اللُّغةِ العِبْريَّةِ نَفسِها مُصَمَّمٌ بطريقةٍ تُعَلِّمُ نَقْضَ الأطروحة. فالكثيرُ مِنَ الشِّعْرِ الكِتابِيِّ، والكثيرُ مِنَ الأمثالِ وَحَتَّى القِصَصِ جَدَليَّة في تَركيبِها. وَرُبَّما تَساءَلتُم يومًا عنِ المَبدأ الكامِن وراءَ الفُروقِ بينَ الطَّاهِرِ والنَّجَس في العهدِ القديم". وهذا مُدهشٌ جِدًّا. "فهناكَ علاقاتٌ كثيرة أوْ أسبابٌ عديدة كَامِنَة وراءَ بعضِ هذهِ الفُروق. وبالرَّغمِ مِنْ ذلك فإنَّ العَديدَ مِنْها يبدو اعتباطِيًّا". فكما تَعلمونَ، لِماذا توجد حَيَواناتٌ طَاهِرَة وَحَيَواناتٌ نَجِسَة؟ وَلماذا توجدُ كُلُّ تلكَ الشَّرائعِ الَّتي أعطاها اللهُ لِبَني إسرائيل؟ فهذا هو ما يُشيرُ إليهِ.

"وأودُّ أنْ أقولَ إنَّ جميعَ المشاكِلِ الاعتباطيَّةِ تُحَلُّ حينَ تَنْظرونَ إلى نِظامِ الذَّبائحِ الطَّاهرةِ والنَّجِسَةِ كوسيلة لِجَعْلِ الشَّخصِ اليهودِيِّ يُدركُ حقيقهَ أنَّهُ طَوالَ اليومِ، وكُلَّ يوم، مَهما فَعَلَ، يجبُ عليهِ أنْ يَختارَ بِوَعْيٍ طَريقَ اللهِ. فقد كانَت الاختياراتُ المُختصَّةُ بالأطعمةِ، والملابسِ، وأساليبِ الزِّراعةِ، والعدالةِ، والرِّعايةِ الصِّحيَّةِ، والعُطَلِ، وأساليبِ العِبادةِ تَتِمُّ إمَّا باختيارِ طَريقِ اللهِ أوْ أيِّ طَريقةٍ أُخرى. بعبارة أخرى، فإنَّ نِظامَ الطَّاهِرِ والنَّجِسِ صُمِّمَ لكي يُنَمِّي في شَعْبِ اللهِ العَقليَّةَ المُناقِضَة. فَمَنْعُ استخدامِ موادَّ مُختلفة في صُنْعِ المَلابِسِ، على سَبيلِ المِثالِ، لا يَبدو اعْتباطيًّا في نِهايةِ المَطافِ عندَ النَّظرِ إليهِ في ضَوْءِ الاهتمامِ الكِتابيِّ بترسيخِ مَوقِفٍ التَّصَدِّي للأفكارِ الخاطئةِ في الحياة.

"ولكِنْ بوجودِ رُعاةٍ وأُناسٍ يَنْمونَ معًا في بيئةٍ تُرَكِّزُ على التَّفكيرِ الدَّائمِ، فإنَّ نَقيضَ الأطروحةِ يَتراجَعُ إذْ إنَّ المزيدَ والمَزيدَ مِنَ النَّاسِ يُحاولونَ أنْ يَدْمِجوا عِلْمَ الاجتماعِ، وعِلْمَ النَّفْسِ، ومبادئَ إدارةِ المشاريعِ التِّجاريَّةِ بالكِتابِ المُقَدَّس. فالمُعَلِّمونَ في الجامعاتِ المسيحيَّةِ الآنَ يَرَوْنَ أنَّ واحدًا مِنَ المَهامِّ الرَّئيسيَّةِ للتَّعليمِ المسيحيِّ العالي هو أنْ يَسعى إلى التَّوفيقِ بينَ إيمانِ الأستاذِ وَتَعليمِه. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ المَهمَّة الرَّئيسيَّة لم تَعُدْ مُنْصَبَّة على تَمْييزِ طُرُقِ اللهِ عنِ الطُّرُقِ الأخرى، بل على العُثورِ على نِقاطِ اتِّفاق". وهذا شيءٌ خَطير.

فالمُرَنِّمُ يَقولُ، استمعوا إلى ما يَقولُ في المَزمورِ الأوَّل: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ. لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلاً". فَهُناكَ خَطٌّ واضِحٌ مَرْسومٌ هُنا. فَهؤلاءِ هُنا. وَنَحْنُ هُنا.

ولكِنَّ هذا التَّفكيرَ الرَّماديَّ أَسْهَمَ في إيجادِ مُناخٍ صَارَ فيهِ التَّمييزُ غيرَ ضَروريٍّ، ومُتَعَذَّرًا. كما أنَّ مُجَرَّدَ مُحاولةِ القيامِ بذلك هي حَماقة. ومُحاولةُ القيامِ بذلك تُؤدِّي إلى الانقسامات. وهل أنتُم مُستعِدُّونَ لِسَماعِ ما سأقول؟ فَمحاولةُ القيامِ بذلك هي شَرٌّ! فأنتَ شخصٌ شِرِّيرٌ إنْ رَسَمْتَ خُطوطًا. وأنتَ شخصٌ شِرِّيرٌ إنْ فَكَّرْتَ في أنَّ هُناكَ حَقائقَ مُطْلَقَة. وأنتَ شخصٌ شِرِّيرٌ إنْ كانت لديكَ قَناعات. ولكِنَّ التَّمييزَ لا يَزْدَهِرُ إلَّا في بيئةٍ مِنَ العقائدِ المُطْلَقة.

استمعوا إلى ما جاءَ في رسالة تِيْطُس 1: 9: "مُلاَزِمًا" – وهذهِ نَفسُ الكَلمة المُستخدمة للحديثِ عنِ التَّمَسُّكِ بالحَسَن. "مُلازِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ..." [أيِ: العَقيدَةِ]. "مُلازِمًا للعَقيدَةِ لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ". فَعَمَلُنا يَتَطَلَّبُ تَوْبيخًا، ويَتطلَّبُ أيضًا تَوْكيدًا. فعندما يَتِمُّ اختيارُ شُيوخٍ للكنيسة، يَنبغي أنْ يكونوا قادرينَ على تَوْبيخِ الخطأ.

لِذا فإنَّ السَّببَ الثَّاني، في اعتقادي، هو عَدَمُ القُدرة على التَّصَدِّي للخَطأ؛ أيِ التَّصَدِّي لهذا الرَّفْضِ للحقائقِ المُطْلَقة. وَهُوَ سَبَبٌ يَرتبِطُ بالسَّببِ الأوَّل. واسمحوا لي أنْ أَذْكُرَ لكم سببًا ثالثًا. ومِنَ المُرَجَّحِ أنَّنا سنتوقَّفُ عندَ هذا السَّبب. وهذا مُهِمٌّ جِدًّا. فهناكَ سَبَبٌ آخر في عَدَمِ التَّمييزِ هذا. وسوفَ أَعْرِضُ الفِكرةَ بوضوح. وعندما نَنتهي، سأُعَلِّمُكَ كيفَ تكونُ شخصًا مُمَيِّزًا. السَّببُ الثَّالثُ...السَّببُ الثَّالثُ في عَدَمِ التَّمييزِ هُوَ الانْهِماكُ [اسمعوني جَيِّدًا] الانْهِماكُ بالصُّورةِ والتَّأثيرِ بِوَصْفِهِما مِفْتاحَ الكِرازة. الانْهِماكُ بالصُّورةِ والتَّأثيرِ بِوَصْفِهِما مِفْتاحَ الكِرازة.

بعبارة أخرى، أنتُم تَسمعونَ هذا طَوالَ الوقتِ: أنَّهُ إنْ أردنا أنْ نَرْبَحَ العَالَمَ، يجب علينا أنْ نَحوزَ على اسْتِحْسانِهم. فيجب على الكنيسةِ أنْ تَصيرَ هَيْئةً مَحبوبةً. فيجب أنْ نَجْعَلَهُمْ يُحِبُّونَنا. لِذا، لا يَجوزُ لنا أنْ نُجاهِدَ لأجْلِ الحَقِّ، ولا يَجوزُ لنا أنْ نُرَكِّزَ كثيرًا على العقيدة. ولا يجوزُ لنا أنْ نَجْرَحَ مَشاعِرَ أيِّ شخصٍ لأنَّ الصُّورةَ والتَّأثيرَ هُما المِفتاحُ للكِرازة.

وقد رأيتُ مُؤخَّرًا كِتابًا جديدًا في المَكتبة، في هذا الأسبوعِ في الحقيقة. وَهُوَ بِعُنوان: "الكنائسُ الوَدودة" (User Friendly Churches). وَهُوِ كِتابٌ حَقَّقَ مَبيعاتٍ جَيِّدة. فما ينبغي لنا الآنَ أنْ نَفعلَهُ هو أنْ نُسَوِّقَ أنفُسَنا بأنَّنا مَكانٌ وَدودٌ. ولا شَكَّ أنَّهُ يجب علينا أنْ نكونَ مُحِبِّينَ وَوَدودينَ، ولكِنَّ عِظَةً واحدةً مِنَّا سَتَقْنِعُ أغلبيَّةَ النَّاسِ أنَّنا لا نُبالي فقط بِكَوْنِنا وَدودينَ، بل إنَّنا نُرَكِّزُ بالحَرِيِّ على تَقديمِ الحَقِّ.

فالشَّخصُ الَّذي اتَّخَذَ يومًا مَوقِفًا مُناصِرًا للحَقِّ وَكَرَزَ بِهِ يُطْلَبُ مِنْهُ الآنَ أنْ يَجْلِس. فَهُوَ مُشكلة. فنحنُ لم نَعُدْ نُجاهِدُ لأجلِ الحَقِّ. ونحنُ لم نَعُدْ نُعْلِنُ الحَقَّ بِجَسارة لأنَّنا نَخشى أنْ نَجْرَحَ مَشاعِرَ غيرِ المُؤمِنين. وفي نِهايةِ المَطافِ، إنْ كانَ هُناكَ أُناسٌ سَيَسْمَعونَ رِسالةَ الإنجيلِ فإنَّ ذلكَ سيَحْدُثُ لأنَّهم وَجَدوا أنَّنا مَكانٌ وَدودٌ وَلَطيف. ونحنُ نُريدُ أنْ نكْسَبَ شَعبيَّةً في العالَمِ لأنَّنا نُؤمِنُ أنَّ هذا هو مِفتاحُ الكِرازة. تَخَيَّلوا ذلك! فقدِ اقْتَنَعْنا بهذِهِ الفِكرة الَّتي تقولُ إنَّ صُورةَ الكنيسةِ وَبُنْيَتَها الخالية مِنَ التَّهْديدِ هي مِفتاحُ الكِرازة. وهذهِ الحَرَكة تُؤمِنُ بأنَّ الكنيسة سَتَجرحُ مَشاعِرَ غيرِ المؤمنين إنْ وَعَظَتْ عنِ الخطيَّة، أوْ جَهَنَّم، أو التَّوبة، أوِ الصَّليب؛ وبأنَّها ستَخسرُ مَكانَتَها المَرْموقَة. لِذا فإنَّ التَّوَجُّهَ الجديدَ للكنيسة يَتركَّزُ على بِناءِ صُورة تُظْهِرُها بأنَّها مُحِبَّة، ومُهتمَّة، ولطيفة جدًّا، وأنْ تَجعلَ النَّاسَ جَميعًا مُرْتاحينَ، وأنْ تَجعلَ الجميعَ سُعداء، وأنْ تُسَلِّي غيرَ المُؤمِنين، وأنْ تَحرِصَ على عَدَمِ جَرْحِ شُعورِ أيِّ شخصٍ البَتَّة، وأنْ تَحرِصَ على أنْ يكونوا مُرتاحينَ جِدًّا جِدًّا. والنقطة الجوهرية هي: إنْ أَحَبُّونا، سوفَ يُحِبُّونَ يَسوع. فهذهِ هيَ النُّقطة الجوهريَّة.

فالتَّأثيرُ والصُّورة أَهَمُّ بكثير مِنَ الكتابِ المقدَّس. ولَكِنَّني لا أُصَدِّقُ أنَّ الكنيسةَ تَجتمعُ لأيِّ سببٍ آخر غيرَ البُنْيان. فنحنُ نَجتمعُ معًا لكي نَعبُدَ اللهَ (بوصفِنا مُؤمِنينَ) ولكي نَبْني إيمانَكُم. ونحنُ نَتَشَتَّتُ لكي نَكْرِزَ بالإنجيل. ونحنُ نَخرُجُ خارجًا لكي نُبَشِّر. ونحنُ نُريدُ أنْ نكونَ مُحِبِّينَ ولُطفاءَ ورَقيقينَ قَدْرَ الإمكانِ في تقديمِ الحَقِّ. ولكِنْ لا يَجوزُ أنْ تُساوِموا على الحَقِّ بسببِ اقتِناعِكُم بأنَّ التَّأثيرَ والصُّورةَ هُما أفضلُ وَسيلة لتبشيرِ أيِّ شخص.

وبالمُناسبة، فإنَّ هذا النَّوعُ مِنَ التَّوَجُّه، يا أحبَّائي، (وسوفَ أكونُ مُحَدَّدًا جِدًّا في عُجالة) قد جاءَ إلينا مُنْذُ وقتٍ طويل ... وقتٍ طويل. فأنا أَذكُرُ أنَّني سَمِعْتُ عَنْ حَمْلاتِ "بيلي غراهام" الكِرازيَّة في مدينةِ نيويورك. وقد كانَ هناكَ هُتافٌ هائلٌ بينَ الإنجيليِّينَ في جميعِ أنحاءِ هذا البَلَد بأنَّ شيئًا جديدًا قد حَدَث لأنَّها أوَّلُ مَرَّة في التَّاريخِ الكِرازِيِّ في أمريكا تَتِمُّ فيها دَعوةُ اللِّيبرالِيِّينَ (وَهُمُ الأشخاصُ الَّذينَ ليسوا مَسيحيِّينَ إنجيليِّينَ في الأصل) إلى الاشتراكِ في ذلكَ اللِّقاءِ في سنة 1955. وقد وُلِدَت الكِرازةُ المَسكونيَّة آنذاك؛ أيِ الكِرازة الَّتي تَقول: "نحنُ نُريدُ مِنَ الجميعِ أنْ يأتوا. لِذا فإنَّنا نَدعو الكاثوليك، ونَدعو اللِّيبرالِيِّين، ونَدعو الأرثوذكسيِّينَ المُحْدَثين، ونَدعو النَّاسَ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بالكِتابِ المُقَدَّسِ، فنحنُ نَدعوهم جميعًا معًا، ونُريدُ مِنَ الجَميعِ أنْ يَشتركوا".

ويقولُ "كارل هِنري" (Carl Henry) الَّذي قامَ بِعَمَلٍ عَظيمٍ في تَقييمِ الكنيسة: "إذا نَظرتَ إلى السَّنواتِ الأولى لِمُنَظَّمةِ بيلي غراهام، سَتَجِد أنَّ سِياسَتَها الإجماليَّة العامَّة كانت هي أنْ تَحْصُلَ على المَكانةِ المَرموقةِ والتَّأثير لِصالِحِ الإنجيليِّين. ومِنْ أجلِ القيامِ بذلك، كانَ لا بُدَّ أنْ تُوْجَدَ صُورة ناجحة. ولم يَكُنْ ذلكَ مُمْكِنًا، مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِهم، مَا لم يُبْذَل كُلُّ جُهْدٍ لِتَجَنُّبِ أيِّ شِقَاقِ مَعَ أولئكَ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بالكتابِ المقدَّس".

وقد كانَ ذلكَ يومًا جديدًا (في سنة 1955). يومًا جديدًا تمامًا. "فَمُنَظَّمة بيلي غراهام (كما يَقولُ "هِنري") لم تَكُنْ مُستعدَّة للتخلِّي عنِ الحِوارِ معَ القادةِ المَسكونِيِّينَ والكنائسِ المَسكونيَّة لأنَّها كانت تَخْشى مِنْ فُقْدانِ التَّأثير". وقد ظَهَرَ ذلكَ في "كُليَّة لاهوت فولر" (Fuller Seminary). ويقولُ "إدوارد جون كارنيل" (Edward John Carnell) الَّذي كانَ أُستاذًا في فولر: "نحنُ..." [وأنا أَقتبسُ كَلامَهُ هُنا] "نحنُ بحاجة مَاسَّة إلى المَكانة المَرموقة". وقد رَاحُوا يَسْعَوْنَ إلى الحُصولِ عليها.

وقد أرادوا أساتذةً حَصَلوا على شَهاداتِهِم مِنْ مُؤسَّساتٍ ليبراليَّة شَرقيَّة مُعْتَبَرة. وأَذكُرُ أُستاذًا قالَ في اجتماعٍ حينَ كُنْتُ هُناكَ في كُليَّة لاهوت فولر: "إنْ كانَ سَيُطْلَبُ مِنِّي أنْ أقولَ عَلَنًا وَجَهْرًا إنَّني مَعَ الإنجيليِّينَ، انْسُوا الأمرَ". فَهُمْ يَسْعَوْنَ بِشِدَّة إلى أنْ تَكونَ لَهُمْ مَكانَة مَرموقة. وَقد كانوا يَتَلَهَّفونَ إلى الاشتراكِ مَعَ النُّخبة الشَّرقيَّة ذاتِ النُّفوذ، وَحَتَّى مَعَ الألمانِ الأمواتِ الَّذينَ أَفْرَخوا اللِّيبراليَّة.

وحينَ ابتدأتِ الكنيسةُ تَقول: "يجب علينا أنْ نَكونَ مُؤثِّرين، ويجب علينا أنْ نَكونَ أصْحابَ مَكانَةٍ مَرموقةٍ، ويجب علينا أنْ نَحْظى بالشَّعبيَّة، ويجب علينا أنْ نكونَ مَقبولينَ فِكريًّا، ويجب علينا أنْ نَقبَلَ هؤلاءِ النَّاسِ وَأنْ نُظْهِرَ أنَّنا نُحِبُّهُم حَقًّا، ويجب عليهم أنْ يُحِبُّونا كثيرًا إنْ كانوا سَيُحِبُّونَ يَسوعَنا"، كانَ ذلكَ مُنْعَطَفًا حَادًّا. مُنعطفًا حَادًّا.

وقد قالَ بولسُ الرَّسول: "صِرْنَا كَأَقْذَار ... وَوَسَخِ كُلِّ شَيْءٍ. صِرْنا كأقذارِ العَالَمِ". وقد قالَ يَسوعُ: "لقد أَبْغَضوني. وَسَوْفَ يُبْغِضوكُم". ولكِنَّنا صِرْنا مُتَكَلِّفين. وهذهِ النَّظرة تُؤمِنُ بأنَّ هَيْبَتَنا، وتأثيرَنا، وشَعبيَّتَنا هي الَّتي تَجعلُ النَّاسَ يُؤمِنونَ بالإنجيل. وما أَبْعَدَ هذهِ النَّظرة عنِ الصَّواب! فهي خاطئة جدًّا.

فالأشخاصُ الرُّوحِيِّونَ حَقًّا يُجاهِدونَ. والأشخاصُ الرُّوحِيِّونَ حَقًّا يَدفعونَ ثَمَنَ إعلانِ الحَقِّ بجَسارة ووضوح ومحبَّة. وما أَراهُ يَحدُثُ هُوَ أنَّ الكنيسةَ صَارت رَقيقة جِدًّا. رَقيقة جِدًّا.

وعودة سريعة إلى السِّيرة الذَّاتيَّة لِمارتن لويد-جونز وإلى التَّفكيرِ فيها. فقد قَضَيْتُ يومًا مَعَ عائِلَتِهِ في الصَّيفِ الماضي (أنا وباتريشا “Patricia”). وقد كتَبَ حَفيدُهُ "كريستوفر كاثروود" (Christopher Catherwood) الكَثيرَ عنه. وقد استفدتُ كَثيرًا مِمَّا كَتَبَهُ. وواحِدٌ مِنَ الجوانِبِ المُختصَّةِ بهذا الرَّجُلِ الَّذي كانَ واحِدًا مِنْ أَتْقى الرِّجالِ هي الحقيقةُ المُحْزِنَةُ بأنَّ كَثيرينَ نَظَروا إليهِ نَظرةً سَلبيَّة. وهذا غَريبٌ في ضَوْءِ حَياتِهِ. فقد قالَ "جيه.آي. باكر" (J.I. Packer) إنَّهُ كانَ أَكْثَر إنْسانٍ تَقِيٍّ الْتَقاه. ولكِنَّ كثيرينَ كانوا يَنظرونَ إليهِ نَظرةً سَلبيَّة مَعَ أنَّهُ كانَ رَجُلاً فَاضِلاً.

والسَّبَبُ في أنَّهُم كانوا يَنظرونَ إليهِ نَظرةً سَلبيَّةً هو أنَّهُ كانَ لاهوتيًّا جِدًّا، وأنَّهُ كانَ يُناقِضُ جِدًّا الأفكارَ السَّائدة، وأنَّهُ كانَ يُؤمِنُ بأنَّ الكِرازةَ تَحْدُثُ بِفِعْلِ المُناداةِ بالحَقِّ بِقُوَّة، لا بِالبحثِ عنِ الهَيْبَةِ والمَكانة. وأريدُ أنْ أُشارِكَ مَعَكُم جُزْءًا مِمَّا جاءَ في الكِتابِ، مَرَّةً أُخرى. وَهُوَ جُزْءٌ يَتَحَدَّثُ عن هذهِ القضيَّة:

فقد كَتَبَ "كريستوفر كاثروود": "بِمُرورِ السِّنين، اكْتَسَبَ مارتن لويد-جونز سُمعةً سَيِّئَةً وسَلبيَّةً في أعيُنِ كثيرين. وَتَفسيرُ ذلكَ سيَكونُ واحدًا مِنَ الأمورِ الرَّئيسيَّةِ المُثيرة للجَدل في أيِّ مُحاولة لتفسيرِ حَياتِه. ففي ذِهْنِهِ شخصيًّا، كانَ الأمرُ يَتَلَخَّصُ في المواقفِ المُختلفة مِنَ الكتابِ المقدَّس. فقد كانَ يَرى أنَّ عَناصِرَ التَّحذيرِ والمُعارَضة للخطأ هي أجزاءٌ رئيسيَّة في أيِّ تَكريسٍ حقيقيٍّ للكِتابِ المُقَدَّس؛ وعليهِ فقد كانَ يُؤمِنُ بأنَّ رَفْضَ المُناظراتِ والمُجادلاتِ في الكنيسةِ المسيحيَّة هو أمرٌ خَطيرٌ جِدًّا.

"وَوَفْقًا لذلك، لم يَكُن يَتوقَّعُ أيَّ اسْتِحْسانٍ مِنْ أولئكَ الَّذينَ كانوا يَتَبَنُّونَ الموقفَ السَّائدَ الَّذي يَضَعُ المحبَّةَ أوَّلاً ويَنظرونَ إلى المُجادلاتِ بخصوصِ العقيدة على أنَّها أمرٌ بَعيدٌ عنِ المسيحيَّة. ولكِنَّهُ كانَ يُؤمِنُ بأنَّ ذلكَ الموقفَ تحديدًا مَسؤولٌ عنْ تَخليصِ المِنْبَرِ مِنْ نَبْرَةِ السُّلْطة. فإلقاءُ اللَّوْمِ على العقيدةِ، وَعَدَمُ حُبِّ التَّوبيخ والتَّقويم هُما انتقادانِ للكِتابِ المُقَدَّسِ نَفسِهِ.

"لِذا فإنَّ واحدة مِنْ سِماتِ خِدمةِ مارتن لويد-جونز هي أنَّها كانت إهانةً لأولئكَ الَّذينَ يَدْعَمونَ رُوْحَ المِنْبَرِ المُعاصِر، وإلهامًا لأولئكَ الَّذينَ يُؤمِنونَ بأنَّ الرُّجوعَ إلى السُّلطانِ في الوَعْظِ هُوَ حاجة مَاسَّة. وقد كانَتِ الفِئةُ الأخيرةُ شَكورَةً على نَفسِ الشَّيءِ الَّذي كانتِ المَجموعةُ الأولى تَرى أنَّهُ خاطئ.

"وقد كانَ الدُّكتور لويد-جونز (استمعوا إلى هذا) يَمْتَلِكُ قُدرةً خارقةً وَشَجاعةً على تَشخيصِ الموقفِ الرَّاهِن. فهذا هُوَ عَصْرُ المُهادَنَة؛ لا بالمَعنى السِّياسِيِّ والدَّولِيِّ، بل في مَجالِ الشُّؤونِ المسيحيَّةِ والكَنسيَّة. فَوينستون تشيرتشل (Winston Churchill) يُقابَلُ الآنَ بالتَّهليلِ والتَّأليه. ولكِنَّهُ كانَ في العَقْدِ الثَّالِثِ مِنْ هذا القَرْنِ مُنْتَقَدًا بِشِدَّة بوصفِهِ شخصًا لا يُطاق لأنَّهُ كانَ يَعْرِفُ ما يُؤمِنُ بِهِ، وآمَنَ بِذلك، وسَبَّبَ حَالَةَ اضْطِرابٍ مِنْ خلالِ انْتِقادِ سِياسَةِ المُهادَنَة. وَكذلكَ هِيَ الحالُ اليوم. فالرِّجالُ الأشِدَّاءُ الَّذينَ يَتَمَسَّكونَ بمبادِئهم يُنْظَرُ إليهم اليوم بأنَّهُمْ صَعْبُو العِراكِ، وعَنيدون، وغيرُ مُتَعاوِنين" [نِهايةُ الاقتباس].

وكيفَ يُعْقَلُ أنَّ الكنيسةِ بَلَغَتْ يومًا نُقْطَةً انْقادَتْ فيها وراءَ هذهِ الضَّلالَةِ فَظَنَّتْ أنَّ النَّفوذَ والهَيْبَةَ والصُّورةَ الخارجيَّة سَتكونُ فَعَّالَةً في تَلْبِيَةِ الدَّعوةِ إلى الكِرازةِ بالإنجيلِ أكثَرَ مِنَ الوَعْظِ بالحَقِّ الإلهيِّ؟ وأنا أقولُ لكم إنَّها صَدْمَةٌ لي أنْ أَجِدَ أنَّ هناكَ أعدادًا مُتزايدةً مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يُؤمِنونَ بأنَّ الأمانَةَ للكنيسةِ مِنْ خلالِ كلمةِ اللهِ (أيْ بِناءِ الكنيسةِ بحسبِ تَعْليمِ الكتابِ المقدَّسِ)، يَبدو لي أنَّ هُناكَ أعدادًا مُتزايدةً مِنَ النَّاسِ الَّذينَ لا يَرَوْنَ أنَّ هذا الأمرَ مُهِمٌّ.

فهذهِ ليستِ الطَّريقةُ الصَّحيحةُ لتنفيذِ المَهَمَّة. فَهُمْ لم يَعودوا يُؤمِنونَ بأنَّكَ إنْ كُنْتَ أمينًا للحَقِّ، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سَيُبارِكُكَ وَيُكْرِمُكَ أيًّا كانَ عَمَلُكَ صَغيرًا وَوَضيعًا. بل يجبُ عليكَ أنْ تُسَوَّقَ مِنْ خلالِ صُورة مَقبولة. فنحنُ، يا أحبَّائي، نُسِيءُ إلى هؤلاء. ونحنُ نَعلمُ ذلك. فنحنُ نُسيءُ إليهم. نحنُ نُسيءُ إليهم. ففي كُلِّ مَرَّة تَكْتُبُ فيها الصُّحُفُ عَنَّا مَرَّةً أخرى، أَتذكَّرُ أنَّنا نُسيءُ إليهم.

ونحنُ نُسيءُ إليهم أكثر مِمَّا يَعْرِفون. فَهُمْ لا يَأتونَ إلى هُنا كَثيرًا. فلو أنَّهم جاءوا كُلَّ أسبوع، لَكَتبوا مَقالةً عن مِقْدارِ إساءَتِنا إليهم. فنحنُ نُسيءُ إلى كُلِّ مَنْ هُمْ على خطأ. ونحنُ نُسيءُ إلى كُلِّ مَنْ يَرفُضونَ الحَقَّ. ونحنُ نُسيءُ إلى كُلِّ الَّذينَ يَرفُضونَ يسوعَ المسيح. ونحنُ نُسيءُ إلى كُلِّ الَّذينَ يَعيشونَ في الخطيَّة. وأنْ نُلَطِّفَ مِنْ تلكَ الإساءةِ هِيَ فِكرة سَخيفة لأنَّهُ الشَّيءُ المُحَدَّدُ الَّذي يُريدُ الرُّوحُ القُدُسُ أنْ يَفْعَلَهُ. فَهُوَ يُريدُ أنْ يُبَكِّتَ لأنَّ التَّبكيتَ والمواجَهَةَ مِنْ خلالِ التَّبكيتِ تَقودُ إلى الخلاص. فأولئكَ الَّذينَ يَشعرونَ بالإساءة يَنبغي أنْ يَشعروا بالإساءة.

فنحنُ نُعاني قِلَّةَ تَمييزٍ في الكنيسةِ بالرَّغمِ مِمَّا قالَهُ بولسُ لنا في هذا النَّصِّ بسببِ لاهُوتِنا الضَّعيف، وَبسببِ عَدَمِ استعدادِنا للتَّفكيرِ بطريقة مُناقِضَة للفِكْرِ السَّائد، وبسببِ انْهِماكِنا في تَحْسينِ صُورَتِنا أمامَ العالَم. فهكذا هي الحالُ في الخارِج. ويجب عليكم أنْ تَشكروا الرَّبَّ لأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي قادَ هذهِ الكَنيسةِ، مِنْ خلالِ رُوْحِهِ وَنِعْمَتِهِ فقط، في الطَّريقِ الَّذي نَرغبُ فيهِ في أنْ يكونَ لاهُوتُنا راسِخًا، وفي أنْ نَتَصَدَّى للضَّلالِ، وفي أنْ تَكونَ مَواقِفُنا إمَّا أَسْوَد وإمَّا أَبيض، وفي أنْ نَكونَ حَازِمينَ بِخصوصِ الحَقِّ، وفي ألَّا نَنْشَغِلَ بِتَحْسينِ صُورَتِنا أمامَ العالَم - البَتَّة. فَشُغْلُنا الشَّاغِلُ هو أنْ نَقولَ الحَقَّ بِمَحَبَّة. ونحنُ مُلْتَزِمونَ بأنْ نكونَ لَطيفينَ وَمُحِبِّينَ وَرَقيقينَ قَدْرَ الإمكان، ولكِنَّنا لن نُساوِمَ على الرِّسالة.

وقد بَقِيَتْ لديَّ بِضْعُ نِقاطٍ أخرى للمَرَّة القادِمة. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، نحنُ نَسْمَعُ الكلماتِ البسيطة والمُباشرة الَّتي قالَها بُولُس: "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ". كُلَّ شيء. "تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ. امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ". يا رَبّ، اجْعَلْنا شَعْبًا مُمَيِّزًا. فنحنُ نُريدُ دائمًا أنْ نَقولَ الحَقَّ بمحبَّة. ونحنُ نُريدُ أنْ نَتَحَلَّى بِلُطْفِ وَإشْفاقِ المسيح. ولكِنْ يَنبغي أنْ نَقولَ الحَقَّ. وينبغي أنْ تَكونَ لدينا قَناعَاتٌ ولاهوتٌ واضح. وينبغي أنْ نَتَصَدَّى للضَّلالِ والخطيَّة. ولا يَجوزُ أنْ نُؤمِنَ يومًا أنَّ قُوَّةَ الكنيسة تَكْمُنُ في صُورَتِها، لا في رِسالَتِها.

ولا يَجوزُ أنْ نُؤمِنَ يومًا أنَّهُ بِمَقدورِنا أنْ نُنْجِزَ مِنْ خلالِ الفُنونِ الاستعراضيَّةِ ما يُمْكِنُ إنجازُهُ فقط مِنْ خلالِ كلمةِ اللهِ المَنطوقة والمُعْلَنَة والمَكتوبة. يا أبانا، ساعِدنا على أنْ نَكونَ مُمَيِّزين. وإنْ شَعَرْنا بالحَيْرَةِ حَقًّا، ساعِدْنا على أنْ نَنْظُرَ إلى الوراءِ وأنْ نَرى سَبَبَ تلكَ الحَيْرَة، وأنْ نَطْلُبَ أنْ يُعْطينا رُوْحُكَ القُدرةَ على اتِّخاذِ القراراتِ حَتَّى نَخْتارَ ما هُوَ صَوابٌ وَحَقٌّ، وَحَتَّى نَخْتَبِرَ بَرَكَتَكَ ونُمَجِّدَك. نَطْلُبُ هذا بِكُلِّ اتِّضاعٍ باسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize