Grace to You Resources
Grace to You - Resource

يا لَهُ مِنَ امْتيازٍ عَظيمٍ لنا في هذا الصَّباح أنْ نَعودَ إلى دراسةِ كلمةِ اللهِ؛ وتَحديدًا إلى رسالة تسالونيكي الأولى والأصحاحِ الخامِس. وقد وَصَلْنا سريعًا إلى نِهايةِ هذهِ الرِّسالةِ العظيمة. وقد وَجَدنا أنفُسنا في العَدَدَيْن 21 و 22 نَدْرُسُ سِلسلةً مُمَيَّزَةً مِنْ ثلاثةِ أجزاءِ بِعُنوان: "دَعْوة إلى التَّمْييز". واسمحوا لي أنْ أَقرأَ نَصَّ ما جاءَ في رسالة تسالونيكي الأولى 5: 21 و 22: "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ. امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ".

إنَّ هذهِ دَعوة إلى التَّمييز. وَهِيَ الدَّعوة الَّتي دَفَعَتْنا إلى القيامِ بِدراسَتِنا، وتَحليلِنا، وإلى ما أرْجو أنْ يكونَ تَشجيعا على التَّمييزِ في الأسابيعِ الأخيرة السَّابقة. وسوفَ نَخْتِمُ هذهِ السِّلسلة القصيرة في هذا الصَّباح.

إحدى أَشْهَرِ القِصَصِ الإغريقيَّة الَّتي سَمِعَها الأغلبيَّة مِنَّا هي قِصَّة فَتْحِ مَدينة طِرْوادَة (Troy). وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ اليُونانِيِّينَ حَاصَروا مَدينةَ طِروادة مُدَّةً تَزيدُ عن عَشْرِ سِنين. وقد عَجِزوا عَنِ الاستيلاءِ عليها. وبِدافِعِ السُّخْطِ، اقْتَرَحَ رَجُلٌ يُدعى "يوليسيز" (Ulysses) أنْ يَصْنَعوا حِصانًا خَشبيًّا كبيرًا وأنْ يَتْرُكوهُ خارِجَ أسوارِ المَدينةِ كما لو كانَ هَدِيَّةً للطِّرْوادِيِّينَ الَّذينَ لا يُهْزَمون. ثُمَّ إنَّ الجُنودَ اليُونانِيِّينَ أَبْحَروا بَعيدًا مُتَظاهِرينَ بالهَزيمة، وَتَرَكوا هذا الحِصانَ هَدِيَّة.

وقد شَعَرَ الطِّرْوادِيُّونَ الفُضُولِيُّونَ وَالمَغرورونَ بالثِّقةِ الكافِيَةِ حَتَّى إنَّهُمْ جَرُّوا الحِصانَ إلى داخِلِ الأسوارِ؛ مَعَ أنَّ كَاهِنًا اسْمُهُ "لاوكون" (Laucoon) حَذَّرَهُمْ مِنْ عَواقِبِ القِيامِ بذلك. فقد قال: "أَنا أَخْشى اليُونانِيِّينَ حَتَّى عِنْدَما يُحْضِرونَ الهَدايا". وفي تلكَ اللَّيلة، تَسَلَّلَ الجُنودُ اليونانِيُّونَ مِنْ داخِلِ الحِصانِ، وَفَتَحوا بَوَّاباتِ المدينة مِنَ الدَّاخل، وسَمَحوا لبقيَّةِ القُوَّاتِ اليُونانِيَّةِ بِدُخولِ طِرْوادة. وقد ذَبَحَ اليُونانِيُّونَ شَعْبَ طِروادة، وَقامُوا بِسَبْيِ المَدينة وإحْراقِها. وَطوالَ التَّاريخِ، مُنْذُ ذلكَ الوقتِ، صارَ حِصانُ طِرْوادَة رَمْزًا للتَّسَلُّلِ والخِداع.

وطَوالَ تاريخِ الكَنيسةِ الَّذي يَبْلُغُ نَحْوَ أَلْفَيْ سَنَة، سَمَحَتِ الكنيسةُ للعَديدِ مِنْ أحْصِنَةِ طِرْوادَة بالدُّخولِ إليها؛ أيْ بِدُخولِ أعداءٍ مُتَنَكِّرينَ في هَيْئَةِ هَدايا. وَلَعَلَّكُمْ تَذكرونَ أنَّ الرُّومانَ كانوا يُؤمِنونَ بآلِهة كَثيرة. فقد كانَ لديهم إِلَهٌ للصَّيْدِ، وإَلهٌ للشِّراءِ، وإلَهٌ للبَيْعِ، وإلَهٌ لِحِمايتهِم في رِحْلاتِهم. فقد كانَ لديهم جَميعُ تلكَ الآلِهة. وَحالَما صَارَتِ المسيحيَّةُ دِيانَةَ الإمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّة، كانَ مِنَ الضَّرورِيِّ أنْ يَتِمَّ التَّخَلُّصُ مِنْ هذا كُلِّه بطريقةٍ ما.

ولكِنْ عِوَضًا عَنْ أَخْذِ مَوقِفٍ حَازِمٍ مِنَ الوَثنيَّة وَمِنْ هَذهِ الخُرافاتِ، قامَتِ الكنيسةُ، ببساطة، بإيلاءِ تلكَ المَسؤوليَّاتِ (الَّتي كانت ذاتَ يَوْمٍ تَنتمي إلى الآلِهَةِ الرُّومانيَّة) إلى قِدِّيسينَ أمْوات. فَعَلى سَبيلِ المِثالِ، عِوَضًا عَنْ وُجودِ إلَهٍ يَحميكُم في الرِّحلاتِ، صارَ القِدِّيسُ "كريستوفر" يَضْطَلِعُ بتلكَ المَسؤوليَّة. وهكذا، صَارَ هُناكَ دَمْجٌ بينَ الخُرافاتِ الوثنيَّةِ الرُّومانيَّة والمسيحيَّة.

وَخِلافًا لِتَعليمِ الكِتابِ المُقَدَّسِ، ابتدأَ النَّاسُ آنذاكَ لا في الصَّلاةِ إلى الآلِهَةِ الرُّومانيَّة، بل في الصَّلاةِ إلى قِدِّيسٍ مَيِّت بِحَسَبِ نوعيَّةِ الطِلْبَة المُقَدَّمة. وهكذا فقد سُمِحَ لِحِصانِ طِرْوادة المُتَمَثِّلِ في الدِّيانةِ الرُّومانيَّةِ بِالبقاءِ داخِلِ أسوارِ المَسيحيَّةِ المَعروفةِ آنذاك. وقد تَسَلَّلَ ذلكَ الحِصانُ وَدَمَّرَ الإيمانَ المَسيحيَّ.

وفي القرنِ الثَّامِن عشر، ظَهَرَتِ العَقلانيَّة في أوروبا. ففي زَمَنِ العَقلانيَّة (الَّتي تُعْرَفُ أيضًا بِعَصْرِ التَّنوير)، بعدَ الخُروجِ مِنَ العُصورِ المُظْلِمَة، آمَنَ الإنسانُ بأنَّهُ يَستطيعُ أنْ يَحُلَّ جَميعَ المَشاكِلِ باستخدامِ عَقْلِه. وقدِ ابتدأَ يَعْبُدُ عَقْلَهُ. فقد كانَ مُعْجَبًا جِدًّا بِعَقْلِه. وقد شَعَرَ أنَّهُ يَمْلِكُ القُدرةَ الذِّهنيَّة على فَهْمِ كُلِّ شيءٍ وَحَلِّ جَميعِ المشاكِل.

فقد آمَنَ هَؤلاءِ بأنَّ اللهَ لا يَتدخَّل في شُؤونِ البَشَر عندما يكونُ البَشَرُ أذكياءَ جِدًّا ويَستطيعونَ أنْ يُعالِجوا شُؤونَهُم بأنفُسهِم. وفي أفضلِ الأحوالِ، كانوا يُؤمِنونَ بأنَّ اللهَ قد خَلَقَ العَالَمَ وَتَرَكَهُ وَشأنَهُ. والآنْ، بَاتَ الأمرُ مُتَوَقِّفًا على الإنسان. وقد قَرَّروا أنَّهُ حيثُ إنَّ عَقْلَ الإنسانِ خَارِقٌ، فإنَّ أيَّ شيءٍ لا يَستطيعُ عَقلُ الإنسانِ أنْ يَفهمَهُ هو غير صحيح. لِذا، عندما كانوا يَقرأونَ الكتابَ المقدَّسَ ويَجِدونَ فيهِ شيئًا لا يَبدو مَنْطقِيًّا، أوْ لا يَبدو مَعقولاً، أوْ لا يَبدو أنَّهُ يُوافِقُ العَقْلَ، أوْ لا يَبدو أنَّهُ يُناسِبُ فِكْرَهُمْ، كانُوا يَنْبُذونَهُ. وهكذا فقد أَنْكَروا كُلَّ المُعجِزاتِ في الكتابِ المقدَّس.

ثُمَّ إنَّهم ابتدأوا في إنكارِ الحقائقِ الرُّوحيَّةِ الخارقةِ للطَّبيعة والعَظيمة بخصوصِ اللهِ والمسيحِ والرُوحِ القُدُس. وقد نَشَأتِ اللِّيبراليَّةُ اللَّاهوتيَّة نَتيجَةَ ذلك. وما حَدَثَ هو أنَّ الكنيسةَ فَتَحَتِ الأبوابَ وَجَرَّتْ إلى الدَّاخِلِ حِصانَ طِرْوادة المُسَمَّى بالعَقلانيَّة، والمَذهبِ العَقْلِيِّ، والاستِنارة. فقد خَرَجوا خَارِجًا، وَفَتَحوا الأبوابَ فَصارَ المَكانُ مُزْدَحِمًا حَتَّى إنَّ الكنيسةَ فَقَدَتْ إيمانَها تَمامًا، وصارتِ البروتستنتيَّة الأوروبيَّة ليبراليَّة وَمَيِّتة.

واليوم، فإنَّ الكنيسةَ ما تَزالُ تَفتَحُ أبوابَها وتَجُرُّ إليها المَزيدَ مِنْ أحْصِنَةِ طِرْوادة المُمتلئة بالخِداعِ والأعداءِ المُدَمِّرين. والعالَمُ يَتَسَلَّلُ إلى الكنيسةِ بِطُرُقٍ لا حَصْرَ لَها. ويُمْكِنُنا أنْ نَذْكُرَ انْعِدامَ القِيَمِ الأخلاقيَّة، وقَبولَ الانفصالِ في العائلةِ والطَّلاقِ كما لو كانَ شيئًا عاديًّا. وحَتَّى إنَّ السَّعيَ الأنانيَّ للحُصولِ على المَالِ والمَكانَةِ صَارَ لَهُ اسْمٌ مُرْتَبِطٌ بالإنجيلِ إذْ يُعْرَفُ بإنْجيلِ الرَّخاء (prosperity gospel).

ويُمكنُنا أنْ نَذْكُرَ حِصانَ طِرْوادة المُتَمَثِّل في الذَّرائِعيَّة أوْ عِلْمِ النَّفْسِ. ويُمكنُنا أنْ نَذْكُرَ حِصانَ طِرْوادة المُتَمَثِّل في الصُّوفيَّةِ والسَّعْيِ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ بالحَدْس. فقد سَحَبَتِ الكَنيسةُ إليها أعدادًا هائلةً مِنْ أَحْصِنَةِ طِرْوادة. وَهُمْ يَسمحونَ لِجُيوشِ الأعداءِ أنْ يَدْخُلوا وَيَعيثوا فَسادًا في الكنيسة.

وهذهِ مُؤامرة شيطانيَّة. فالشَّيطانُ لن يَدُخلَ إلى الكنيسةِ وَلَنْ يَعْتَلي المِنْبَرَ بِدَعْوةٍ لأنَّهم لَنْ يُوَجِّهوا الدَّعوةَ إليهِ. وهو لن يَدْخُلَ إلى كنيسةٍ إنجيليَّة أوْ إلى بَرْنامَجٍ تِلفزيونِيٍّ مَسيحيٍّ أو مَحَطَّة إذاعيَّة مَسيحيَّة ويُرَوِّجَ لأكاذيبِهِ الخَبيثَةِ وعَقيدَتِهِ المُنْحَرِفة جَهْرًا بِوَصْفِهِ شَيْطانًا. وهو لن يُرَوِّجَ لذلكَ قائلاً إنَّ هذا يُناقِضُ الحَقَّ. بل إنَّهُ سيأتي في هَيئةِ هَدِيَّة؛ أيْ في هيئةِ حِصانِ طِرْوادة. وهو سيَستخدِمُ طَريقةً خَبيثَة.

فهو سَيُسَوِّقُ أكاذيبَهُ وخُدَعَهُ بِدَهاءٍ وَمَكْرٍ حَتَّى يُبْعِدَ النَّاسَ عنِ الحَقِّ الإلهيِّ ويُوْقِعَهُم في ضَلالٍ مُهْلِك. وهو سَيَمْزِجُ قليلاً مِنَ الحَقِّ ويَضَعُهُ في فَمِ شَخصٍ يَدَّعي أنّهُ يَتكلَّمُ نِيابةً عن يسوعَ المسيح. وهو سيُرْفِقُ بِضْعَ آياتٍ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ بذلكَ الكلام. وهو سَيَجعلُ الكَلامَ مُسْتَساغًا وَيُوافِقُ أنانِيَةَ البَشَرِ، وكِبرياءَهُم، وجَسَدَهُم باسمِ البَرَكة الرُّوحيَّة. وسوفَ يَفْتَقِرُ أُناسٌ كَثيرونَ، مِنْ دُوْنَ أنْ يَدرِكوا ذلكَ، إلى التَّمييزِ ويَصيرونَ كَخِرافٍ تُساقُ إلى الذَّبْح.

وقد تَحَدَّثَ بولسُ عن ذلكَ حينَ كَتَبَ إلى تيموثاوس إذْ إنَّهُ يَقول: "هكذا سيكونُ الأمرُ. فيجب أنْ تتوقَّعوا ذلك: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ، فِي رِيَاءِ أَقْوَالٍ كَاذِبَةٍ". فَسوفَ يكونُ هُناكَ خِداعٌ. وسوفَ يَكونُ هناكَ رِياء.

وفي رسالة بُطرس الثَّانية، يَقولُ بُطرسُ الشَّيءَ نَفسَهُ. فهو يَقولُ إنَّ أنْبياءَ كَذَبَة وَمُعَلِّمينَ كَذَبَة سَيَدُسُّونَ سِرًّا بِدَعَ هَلاكٍ. وسوفَ يَتْبَعُ النَّاسُ تَهْلُكَاتِهِم. فَبِسَبَبِ جَشَعِهم، سوفَ يَسْتَغِلُّونَكُم. فَهُمْ جَشِعونَ، وَجَسَدِيُّونَ، وَيَستغِلُّونَ النَّاس مِنْ خِلالِ خِداعِهم.

وهناكَ مَلايينُ النَّاسِ في داخلِ جُدْرانِ الكنيسةِ اليومَ مِمَّنْ تَحَطَّموا بسببِ الجُيوشِ الأجنبيَّة الغازِيَة الَّتي خَرَجَتْ مِنْ أَحْصِنَةِ طِرْوادة الَّتي سُمِحَ لها بالدُّخوِل إلى داخلِ أسوارِ الكنيسة. وَدِفاعُنا الوحيدُ هو أنْ نكونَ سَليمينَ وأقوياءَ في مَعرفةِ الحَقِّ. فخَطُّ دِفاعِنا الوحيد هو أنْ نُحْسِنَ التَّمييزَ والتَّفريق.

والمشكلة هي أنَّنا نَعيشُ في زَمَنٍ باتَ فيهِ الجَوُّ العَامُّ للكنيسةِ لا يَحتَمِلُ ذلك، وفي زَمَنٍ باتَ فيهِ التَّفريقُ والتَّمييزُ أمرًا ليسَ مَرغوبًا فيه. فالجَوُّ العَامُّ في الكنيسةِ اليومَ لا يَحتمِلُ حَقًّا التَّمييز. فالكنيسةُ تُريدُ مِنَ الجميعِ أنْ يكونوا مُحِبِّين. وهي تُريدُ أنْ تُعَلِّي شَأنَ المحبَّة، والوَحدة، والمواقفِ الَّتي لا تُسَبِّبُ الانقسامات. لا تَقُل أيَّ شيءٍ ضِدَّ أَخٍ. ولا تَقُل أيَّ شيءٍ قد يُحْدِثُ انْقِسامًا. فَلِكُلَّ شخصٍ الحَقّ في أنْ يُؤمِنَ بما يُريدُ أنْ يُؤمِن. لِنَكُنْ مُحِبِّينَ. وَلْنَكُنْ مُتَّحِدين.

وكما قُلتُ لكم في المَرَّة السَّابقة، فإنَّ الشَّيطانَ كانَ يَعلمُ أنَّنا لن نَقْبَلَ اللَّاهوتَ اللِّيبراليَّ. لِذا فقد بَاعَنا عِلْمَ تَفسيرٍ ليبراليّ سَيُوْصِلُنا في النِّهاية إلى لاهوتِهم. فَعِوَضًا عن تفسيرِ الكتابِ المقدَّسِ على أساس الفَهْمِ التَّاريخيِّ والنَّحْوِيِّ والسِّياقِيِّ للنَّصِّ، فإنَّنا نَحتمِلُ كُلَّ رأيٍ باسمِ المحبَّة، والوَحدة، ورُوحِ عدمِ الانقسام. وهذا سُمٌّ مُميتٌ للحَقِّ.

وَحَتِّى إنَّ هناكَ أُناسًا يُهاجِمون. فإنْ حاولتَ أنْ تَذْكُرَ أسماءً، أوْ أنْ تَرْسِمَ خُطوطًا، أوْ أنْ تَقولَ: "هذا صحيحٌ وهذا خَطأ"، وكُنتَ تُفَرِّقُ وتُمَيِّز، فإنَّ هُناكَ أُناسًا سَيُهاجِمونَك. وَهُمْ سيُهاجِمونَكَ عادَةً بآيةٍ كِتابيَّةٍ تَقول: "لاَ تَمَسُّوا مُسَحَائِي، وَلاَ تُسِيئُوا إِلَى أَنْبِيَائِي". هل سَمِعْتُم ذلك؟ سِفْر أخبارِ الأيَّامِ الأوَّل والأصحاح 16، والمَزمور 105. فَكِلا هَذينِ الأصْحاحَيْنِ يَذكُرانِ هذهِ الكلمات: "لاَ تَمَسُّوا مُسَحَائِي، وَلاَ تُسِيئُوا إِلَى أَنْبِيَائِي".

ويجب أنْ تَعلموا أنَّ الفَهْمَ السَّليمَ لهذهِ الكلماتِ لا يُوافِقُ التَّفسيرَ المُستخدمَ في وقتِنا الحاضِر. فالكلمة "تَمَسُّوا" تُشيرُ إلى الأذى البَدَنِيِّ في اللُّغة العِبْريَّة؛ أيْ إلى إلْحاقِ أذىً جَسَدِيّ. والكلمة "مُسَحائي" تُشيرُ إلى المُلوك. وما يَقولُهُ لَهُمْ هو: "لا تَقْتُلوا المَلِك. لا تُلْحِقوا أذىً جَسَدِيًّا بالمَلِك". والجُزءُ الثَّاني مِنَ الآية هُوَ: "وَلاَ تُسِيئُوا إِلَى أَنْبِيَائِي". والكلمة "تُسيئوا" تُشيرُ إلى الأذى الجَسديِّ أيضًا ... إلى الأذى الجَسديِّ.

والكلمة "أنْبيائي" تُشيرُ إلى أولئكَ الَّذينَ يَتَكَلَّمونَ بِكَلامي، أيْ إلى الأنبياءِ الحَقيقيِّينَ الَّذينَ كانوا على حَقٍّ حينَ تَنَبَّأوا نُبوءاتٍ صَحيحة مِئَة بالمِئَة في كُلِّ مَرَّة. "لا تُلْحِقوا الأذى البَدَنِيَّ بنبيٍّ حَقيقيٍّ، ولا تُلْحِقوا الأذى البَدَنِيَّ بِمِلِك". وهذه صَيْحَة أَبْعَدُ ما تَكون عن تَقييمِ لاهوتِ شخصٍ مُبْتَدِعٍ وليسَ نَبيًّا حقيقيًّا، وليسَ مَلِكًا. فاللُّيونة مَعَ المُعَلِّمينَ الكَذبة سَمَّمَتْ يَنْبوعَ الكنيسة.

والآنْ، أريدُ أنْ أكونَ صريحًا جدًّا معكم وأنْ أُساعِدَكُم في فَهْمِ هذهِ النُّقطة. فهناكَ تَهاوُنٌ اليومَ مَعَ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أنواعِ الضَّلالِ في الكنيسة. لِذا فإنَّها مُمْتَلِئَة بأحْصِنَةِ طِرْوادة، وَتَسْمَحُ للأعداءِ الغُزاةِ أنْ يَدْخُلوا إليها، وأنْ يُشَوِّشوها ويُدَمِّروها. وَقد كُنْتُ أُوْمِنُ (وما زِلْتُ أُوْمِنُ حَتَّى هذا اليوم) أنَّهُ لا يوجد شخصٌ آذى أخلاقَ أمريكا أكثرَ مِنْ "فيل دوناهيو" (Phil Donahue). فهذا الشَّخصُ أَسْهَمَ في ذلكَ أكثرَ مِنْ أيِّ شخصٍ آخر، وكانَ بِحَقّ المُحَرِّكَ الرَّئيسيَّ لِحركةِ الانحلالِ الأخلاقيِّ في أمريكا. وقد تَسألونَ: "لِماذا؟"

إنَّ ذلكَ لا يَرْجِعُ بالضَّرورة إلى آرائِهِ. فَمِنَ الصَّعبِ جِدًّا أنْ نَعْرِفَ ما الَّذي يُؤمِنُ بِهِ حَقًّا في أيِّ مَجال. وهذا لا يَرْجِعُ إلى طَريقَتِهِ في عَرْضِ آرائِهِ. بل إنَّ السَّببَ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ يُقَدِّمُ مِنْبَرًا لِكُلِّ ضَلالة. فقد قامَ مِنْ خِلالِ بَرْنامَجِهِ التِّلفزيونيِّ، مُنْذُ لَحْظَةِ انطلاقِه، قامَ بإعطاءِ مِنْبَرٍ لِكُلِّ ضَلالة غريبة ومُنحرِفة ومُضَلِّلَة أَنْتَجَها يومًا هذا المُجتمَع. وما فَعَلَهُ هُوَ أنَّهُ عِوَضًا عن أنْ يُقَدِّمَها بِوَصْفِها ضَلالاتٍ، فقد لَطَّفَها جميعًا وجَعَلَها تَبْدو وكأنَّها مُجَرَّد فُضول وَحَسْب. فهي مُجَرَّد فُضول جَديد وَحَسْب.

لِذا فإنَّ بَرنامَجَهُ يَمْتَصُّ عَامِلَ الذُّهولِ والصَّدْمَةِ النَّاشئة عنِ الضَّلالة، ويَجْعَلُها شيئًا يَضْحَكُ النَّاسُ عليه، ومُجَرَّدَ شيءٍ ليسَتْ لَهُ أيَّةْ عَواقِب مِنْ خِلالِ عَرْضِ زَوْجاتٍ سَابِقاتٍ يَظْهَرْنَ في الاستديو وَيُطْلِقْنَ نُكاتِهِنَّ السَّخيفة في أثناءِ مُناقشةِ هذهِ الضَّلالة. فَهُوَ يَجْعَلُ مِنها شيئًا تافهًا حَتَّى صَارتِ الأخلاقُ تَفاهَةً، وصارتِ الضَّلالَةُ تَفاهَةً. وَكُلُّ شيءٍ هُوَ مُجَرَّد فُضول. ويجب على النَّاسِ أنْ يَقبلوا ويَفهموا أنَّ هُناكَ أُناسًا هكذا وَحَسْب. صَحيحٌ أنَّهُ قد يكونُ شيئًا مُضْحِكًا، وأنَّهُ قد يكونُ شيئًا غَريبًا؟ وأنَّهُ قد يكونُ شيئًا عَجيبًا، وأنَّهُ قد يكونُ شيئًا لافِتًا للنَّظَرِ؛ ولكِنَّهُ ليسَ شيئًا خَاطِئًا البَتَّة. البَتَّة!

وإنْ قِسْتُمْ ذلكَ على العالَمِ المَسيحيِّ، سأكونُ صريحًا جِدًّا معكم وأقولُ لكم إنَّ أَشْخاصًا مِثْلَ "بول كراوتش" (Paul Crouch)، و "جان" (Jan)، وشَبَكَة "تي.بي.إن" (TBN) قد تَرَكوا في الكنيسةِ نفسَ الأثرِ الَّذي تَرَكَهُ "فيل دوناهيو) في العالَم. فقد أَوْجَدوا بيئةً على التِّلفزيون تُقَدِّمُ مِنْبَرًا لِكُلِّ ضَلالة لاهوتيَّة تَظْهَرُ على السَّاحة. ويمكنكم أنْ تُشاهِدوا ذلكَ وأنْ تَرَوْا كُلَّ شيءٍ مِنَ الجَيِّدِ والبَارِّ إلى أسوأ ما هو موجود. ولكِنَّهُم لا يُقَيِّمونَ أيَّ شيءٍ تَقييمًا حقيقيًّا. البَتَّة! وما حَدَثَ هُوَ أنَّ المِنْبَرَ الَّذي قَدَّموهُ لِكُلِّ ضَلالة لاهوتيَّة بطريقة لا إدانَة فيها قد خَدَّرَت الكنيسةَ وجَعَلَتْها غيرَ قادرة على التَّمييز. فقد صارتِ الكنيسةُ تَحْتَمِلُ كُلَّ شيء. وصارت تَقبلُ كُلَّ شيء. وصارتْ كُلُّ وُجْهَةِ نَظَرٍ مُسْتَساغَة. وصارَتْ كُلُّ فِكْرَة يَطْرَحُها أيُّ شخصٍ مَقبولة طَالَما أنَّنا لا نَقولُ شيئًا سَلبيًّا عن أيِّ شخصٍ آخر، ونُحافِظ على رُوحِ المحبَّة والوَحْدة في المسيح؛ وهو (كما قُلتُ سابقً) التَّفْسيرُ اللِّيبرالِيُّ. وهذا هو ما جَعَلَهُمْ يُنكرونَ الثَّالوثَ، ولاهوتَ المسيحِ، ولاهوتَ الرُّوحِ القُدُس، وكُلَّ الأشياءِ الأخرى الَّتي يَرفُضونَها.

فالكنيسةُ اليومَ مُمتلئة بالخطأِ والتَّشويش. لِذا، مِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنْ نَكونَ قادرينَ على التَّمييز؛ مَعَ أنَّ هذا قد لا يَحْظى بالشَّعبيَّة. ولكِنْ يجب علينا أنْ نُطيعَ ما جاءَ في العدد 21. فيجب علينا أنْ نَمْتَحِنَ كُلَّ شيءٍ بِدِقَّة. وإنْ وَجَدْنا شيئًا حَسَنًا، يجب علينا أنْ نَتَمَسَّكَ بِهِ. وإنْ وَجَدْنا شيئًا شِرِّيرًا مِنْ أيِّ وَجْهٍ، يجب علينا أنْ نَرْفُضَهُ.

وبالرَّغمِ مِنْ كُلِّ مَخاطِرِ أَحْصِنَةِ طِرْوادة القاتِلَة هذهِ، فإنَّ الكنيسةَ تَستمرُّ في جَرِّها إلى داخِلِ أسوارِها. لِذا فإنَّنا نُحاولُ أنْ نُساعِدَكُم على امْتِلاكِ القُدرةِ على التَّفكيرِ قليلاً في مسألةِ التَّمييزِ هذِهِ.

والآن، نحنُ نُجيبُ عن بعضِ الأسئلة. وَهل تَذكرونَ السُّؤالَ الأوَّل؟ لِماذا هُناكَ عَدَمُ تَمييز؟ لقد كانَ هذا السُّؤالُ هُوَ أوَّلُ سُؤالٍ طَرَحْناهُ. وقد أَجَبْتُكُمْ عنهُ. وسوفَ أُراجِعُ ذلكَ باختصار. لِماذا هُناكَ عَدَمُ تَمييز؟ لقد ذَكَرْتُ لكم الأسبابَ التَّالية: أوَّلاً، ضَعْفُ الوضوحِ في العقيدةِ والمُعتقدات. ضَعْفُ الوضوحِ في العقيدةِ والمُعتقدات. وقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ بالتَّفصيل. فالعقيدةُ لم يَعُدْ يُنْظَرُ إليها بأنَّها تُعَبِّرُ عنِ المَحَبَّة. والعقيدةُ لم يَعُدْ يُنْظَرُ إليها بأنَّها وَثيقةُ الصِّلة بحياةِ النَّاس.

ثانيًا، عدَمُ القُدرةِ على مُناقضةِ الفِكْرِ السَّائدِ الخاطئ. أيْ عَدَمُ القُدرةِ على أخْذِ موقفِ الأسودِ أوِ الأبيض؛ أوِ القولِ إنَّ هناكَ حَقائقَ مُطْلَقَة. فنحنُ نَميلُ إلى النِّسبيَّة. ونحنُ لسنا مُستعِدِّينَ أنْ نَقول: "حسنًا، هُناكَ أُطروحة. وأنا أُقَدِّمُ نَقْضًا للأطروحةِ يُبَيِّنُ أنَّ ذلكَ خطأ". فالمسيحيَّة الوَثيقة بحياةِ النَّاسِ اليومَ هي نِسبيَّة. وهي تُعَبِّرُ عنِ الآراءِ الشَّخصيَّة. وهي تَستنِد إلى الاختباراتِ. وباستطاعةِ أيِّ مَسيحيٍّ لَدَيْهِ تَمْييز أنْ يَرى ذلك.

وَحَتَّى قبلَ سَنَواتٍ، عندما كَتَبَ "سي.إس. لويس" (C.S. Lewis) رِواية "رسائل سكروتيب" (Screwtape Letters)، وهي مُواجَهَة خَياليَّة مَعَ "سكروتيب"؛ وَهُوَ رَئيسُ الشَّياطينِ الَّذي كانَ عَاكِفًا على وَضْعِ استراتيجيَّة لِتدميرِ الكنيسة، ويحاولُ أنْ يُدَرِّبَ شيطانًا آخرَ اسْمُهُ "وورموود" (Wormwood) على كيفيَّةِ تَدميرِ الكنيسة. وفي سيناريو صغير، يُوَجِّهُ "سكروتيب" تَعليماتِهِ إلى "وورموود" قائلاً لَهُ: "إليكَ كيفَ تَجْعَلُ المَسيحيِّينَ مُشَوَّشينَ تمامًا دائمًا: أَبْعِدْ عَقْلَهُمْ عنِ التَّمييزِ بينَ الصَّوابِ والخطأ".

وقد كانَ "سي.إس. لويس" مُصيبًا تَمامًا. فإنْ تَمَكَّنْتُم منْ جَعْلِ المَسيحيِّينَ يَتَخَلَّوْنَ عنِ التَّعليمِ النَّقْدِيِّ المُناقِض للضَّلال، وَعَنْ مَعرفةِ الفرقِ بينَ الصَّوابِ والخطأ، يُمكنُكم أنْ تَجعلوهُم مُشَوَّشينَ تمامًا، ويُمكنكُم أنْ تُعَلِّموهم أيَّ شيءٍ دُوْنَ استِثناء.

ثالثًا، هناكَ سَبَبٌ آخر وَهُو انْهِماكُ الكنيسةِ في تَحسينِ صُورَتِها وتأثيرِها كما لو كانَ ذلكَ هُوَ مِفْتاحُ الكِرازة. وقد تَحَدَّثنا عنِ الفِكرةِ الَّتي تقولُ إنَّ هناكَ أشخاصًا اليومَ يَقولون إنَّهُ يجب علينا أنْ نُلَطِّفَ رِسالَتَنا، وأنْ نُزيلَ أيَّ إهانَة مِنَ الإنجيل، وأنْ نَجعلَ الخِدْماتِ مُريحة ومُمتِعَة للخُطاةِ غيرِ المُؤمِنين، وأنْ نُزيلَ كُلَّ مَا مِنْ شأنِهِ أنْ يَجْرَحَ مَشاعِرَهُم، أوْ يُوَاجِهَهُم، أوْ يَدينَهُم، أوْ يَحْكَمَ عليهم، أوْ يُبَكِّتَهُم، وأنْ نَسعى إلى كَسْبِ شَعْبِيِّةِ الخُطاةِ الرَّافضينَ للمسيح.

وإنْ كُنَّا سنَبني الكنيسة، يجب علينا أنْ نَحْظى بالشَّعبيَّة لدى العالَم. فالصُّورةُ والتَّأثيرُ هُمَا المِفتاحُ الأساسيُّ. فيجب علينا أنْ نَخْرُجَ وأنْ نُسَوِّقَ أفكارَنا بِطريقة يُحِبُّها أبناءُ الجِيْلِ القَديمِ، وأبناءُ الجيلِ الَّذي جاءَ بَعْدَهُم، وأبناء الجيلِ المُعاصِر. فإنْ كانَ بِمَقدورِنا أنْ نُقَدِّمَ ذلكَ بطريقةٍ يُحِبُّونها، سوفَ يُحِبُّونَ يَسوعَ أيضًا.

رابعًا، عَدَمُ القدرة على تَفسيرِ الكتابِ المقدَّسِ تَفسيرًا صحيحًا. وقد تَحَدَّثنا عن ذلك في المَرَّة السَّابقة. فهناكَ وُعَّاظٌ ومُعَلِّمونَ غير مُدَرَّبين، وغير مُتَعَلِّمين، بل هُمْ جُهَّالٌ إذْ يُقَدِّمونَ ِلاهُوتَهُم الشَّخصيَّ الَّذي يَبْتَدِعونَهُ في أثناءِ حَديثِهم. وَحَتَّى إنَّهُم لا يَعرِفونَ عنهُ شيئًا إلى أنْ يَخْرُجَ مِنْ أفواهِهِم. وهناكَ أشخاصٌ مُدَرَّبونَ، ولكِنَّهم لا يَستخدمونَ الأدواتِ المُتاحة لديهم في التَّفسير، بل يَعْمَدونَ إلى سَرْدِ القِصَصِ، وَعِلْمِ النَّفسِ، وَهَلُمَّ جَرَّا. وهُناكَ أشخاصٌ كَسولونَ جِدًّا وليسوا مُستعدِّينَ لِبَذْلِ الجُهْدِ في تَطبيقِ هذهِ المهاراتِ مِنْ أجْلِ تَفصيلِ كلمةِ الحَقِّ بالاستقامة. وهُناكَ مَنْ يُؤمِنونَ بأنَّ الحَقَّ يَنْبُعُ مِنَ الدَّاخِلِ فقط مِنْ خلالِ النَّظرةِ الشَّخصيَّة. لِذا فقد خَفَّضْنا حَقًّا مَعاييرَ عَمليَّةِ تَفسيرِ الكتابِ المقدَّس. والكنيسةُ ضَعيفة في قُدرتِها على تَفسيرِ الكتابِ المقدَّسِ تَفسيرًا سليمًا.

خامسًا، هُناكَ سَبَبٌ آخر في هذهِ الكارثة الموجودة في الكنيسة والمُتَمَثِّلة في عَدَمِ التَّمييزِ وهي: عَدَمُ مُمارسةِ التَّأديبِ في الكنيسة. وقد قُلنا لكم إنَّهُ حينَ تُؤدِّبونَ الخطيَّة في الكنيسة فإنَّكم تَضَعونَ جِدارًا فَاصِلاً بينَ الكنيسةِ والعالَمِ، ويَصيرُ مِنَ الواضِحِ أنَّ العالَمَ هُنا والكنيسة هُنا، ويَصيرُ بِمَقدورِكم أنْ تُمَيِّزوا بينَ الاثنين. أمَّا إنْ لم تُمارِسوا التَّأديبَ في الكنيسة، فإنَّ العالَمَ سيَدخُلُ الكنيسة. وسوفَ يَخْتَلِطُ الحَابِلُ بالنَّابِل. ولن تَعودوا قادِرينَ على التَّمييزِ بينَ الاثنين. وحينئذٍ، لَنْ يكونَ بِمقدورِكم أنْ تُمارِسوا التَّأديبَ الكَنسيَّ لأنَّهُ مَنْ هُمُ الَّذينَ سَتُؤدِّبُهم؟ فأنتُم تَهْدِمونَ الجِدارَ بينَ العالمِ والكنيسة. وهذا التَّرَدُّدُ في التَّصَدِّي بِصورة حازِمة وقويَّة وعَلنيَّة للخطيَّة يُؤدِّي إلى ضُعْفِ التَّمييزِ والتَّفريقِ في الكنيسة.

وأخيرًا، انْعِدامُ النُّضْجِ الرُّوحِيِّ. وقد تَحَدَّثنا عن حقيقةِ أنَّ المَسيحيِّينَ غيرَ النَّاضِجينَ لا يُحْسِنونَ التَّمييز. فَحَواسُّهُمْ غير مُدَرَّبة على التَّمييزِ بينَ الخيرِ والشَّرّ. وَهُمْ يُشْبِهونَ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيم.

فهذهِ هي الأسبابُ الَّتي تَقودُ إلى عَدَمِ التَّمييزِ الرُّوحِيِّ. ولننتقل الآنَ إلى السُّؤالِ الثَّاني، ثُمَّ إلى السُّؤالِ الثَّالثِ في هذا الصَّباحِ، حَتَّى نَخْتِمَ سَلْسِلَتَنا. والسُّؤالُ الثَّاني هو: "ما هو التَّمييزُ الرُّوحِيُّ؟ حسنًا! لقد رأينا أنَّنا لا نُحْسِنُ التَّمييزَ. فَلْنَعْرِف ما هُوَ. فما الَّذي نَتَحَدَّثُ عنهُ؟ وما هو هذا الشَّيء؟

قبلَ أنْ أُقَدِّمَ لكم تَعريفًا بسيطًا، اسمحوا لي أنْ أقولَ إنَّ أيَّ رَاعي كَنيسة أوْ أيَّ مُعَلِّمٍ للكِتابِ المُقَدَّسِ، أوْ أيَّ أستاذٍ يُعَلِّمُ كلمةَ اللهِ، ينبغي أنْ يَتَحَمَّلَ مَسؤوليَّةَ مَعرفةِ جَوابِ هذا السُّؤال. فما هو التَّمييزُ الرُّوحِيُّ؟ وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّ هذا ينبغي أنْ يكونَ في كُلِّ فَحْصِ رِسَامَة. فما هو التَّمييزُ الرُّوحِيُّ وما مَدى أهميَّتِه؟ لماذا. لأنَّهُ واجِبُنا. فَهُوَ العملُ الَّذي نَقومُ بِهِ. وهو لا يَختلفُ عن عملِ الطَّبيبِ الَّذي يُحَتِّمُ عليهِ عَمَلُهُ أنْ يُحْسِنَ التَّمييز. فَعَمَلُكَ بوصفِكَ طَبيبًا مَاهِرًا هو أنْ تكونَ قادرًا على النَّظرِ إلى حَالةِ الشَّخصِ الجَسديَّة، وأنْ تَفْهَمَ وَضْعَهُ جَيِّدًا وتَتمكَّنَ مِنْ تَمييزِ حَالَتِه، وَمَعْنى ذلك، وأنْ تَعْرِفَ العِلاجَ المُناسِب.

فَالأمرُ بِمُجمَلِه يتوقَّفُ على الفَهْم، وقِراءةِ الأعراض، وتَقييمِ عَوامِلَ مُعَيَّنة في الحياة، وتَقريرِ الخطأ، وَتَقريرِ الصَّوابِ الَّذي ينبغي القيامُ بِهِ بذلكَ الخطأ مِنْ أجْلِ تَصحيحِه. فيجب علينا أنْ نُشَخِّصَ الحالَةَ وَنَجِدَ العِلاج إنْ كُنَّا أطِبَّاءَ أوْ أشخاصًا نَعْمَلُ في الحَقْلِ الطِّبِيّ.

والشَّيءُ نَفسُهُ يَصِحُّ على الخِدمة. فَمسؤوليَّتُنا هي التَّمييز. فهي تَقتضي مِنَّا أنْ نُمَيِّزَ الحَقَّ الإلهيَّ وأنْ نُطَبِّقَهُ في الحياةِ الرُّوحيَّة. فيجب علينا أنْ نكونَ مُدَرَّبينَ جَيِّدًا جدًّا، ومَاهِرينَ جِدًّا في مَسألةِ التَّمييز. ويجب علينا أنْ نَفعلَ ذلك لكي نُقَيِّمَ الحَقَّ والخطأ، وأنْ نُطَبِّقَ الحَقَّ بالطريقةِ الصَّحيحة. فهذا هُوَ عَمَلُنا وحِرْفَتُنا. وأيُّ شخصٍ في الخِدمة لا يَستطيعُ أنْ يُفَرِّقَ وأنْ يُمَيِّزَ هو شخصٌ فاشِلٌ في صَميمِ الشَّيءِ الَّذي دُعينا إليهِ وَتَدَرَّبنا عليه. فهذا هُوَ جَوْهَرُ ما نَقومُ بِهِ.

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أقَدِّمَ لكم تَعريفًا بسيطًا. التَّمييزُ هو مَهارةُ الفَصْلِ بينَ الحَقِّ الإلهيِّ والخطأِ وَنِصْفِ الحَقيقة. إنَّهُ مَهارةُ الفَصْلِ بينَ الحَقِّ الإلهيِّ والخطأِ وَأَنْصافِ الحَقائِق. فقد دُعِيْنا إلى ذلك. وَفي الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوسَ، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّ بولسَ كانَ يَكْتُبُ إليهِ ويَذكُرُ لنا الأشياءَ الَّتي ينبغي أنْ نَعرفَها إنْ كُنَّا في حَقْلِ الخِدمة لأنَّها تَنْطَبِقُ علينا. فهو يَقولُ: "إِنْ فَكَّرْتَ الإِخْوَةَ بِهذَا، تَكُونُ..." [رسالة تيموثاوس الأولى 4: 6] "تَكونُ ... مُتَرَبِّيًا بِكَلاَمِ الإِيمَانِ وَالتَّعْلِيمِ الْحَسَنِ الَّذِي تَتَبَّعْتَهُ. وَأَمَّا الْخُرَافَاتُ الدَّنِسَةُ الْعَجَائِزِيَّةُ فَارْفُضْهَا". وهَذا وَصْفٌ للفَلسفةِ المُعاصِرَة.

فيجب عليكَ أنْ تَعرِفَ الفَرْقَ بينَ الشَّيءِ الَّذي يأتي مِنَ العالَمِ والحَقِّ الإلهيِّ. يجب عليكَ أنْ تَعرِفَ ذلك. ويجب عليكَ أنْ تكونَ قادرًا على تَمييزِ ذلك. فإنْ أردتَ أنْ تكونَ خادِمًا أمينًا ليسوعَ المسيح، يجب عليكَ أنْ تَستمرَّ في التَّغَذِّي على كلامِ الإيمانِ والتَّعليمِ الحَسَن، وأنْ تكونَ قادرًا على تَمييزِ النُّفاية. فيجب أنْ تكونَ قادرًا على القيامِ بذلك.

ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في الأصحاح 4 والعدد 13: "اعْكُفْ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالْوَعْظِ وَالتَّعْلِيمِ". وفي العدد 16: "لاحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ". فيجب عليكَ أنْ تُفَرِّقَ. ويجب عليكَ أنْ تَعرِفَ الحَقَّ. ويجب عليكَ أنْ تُمَيِّزَهُ عنِ الضَّلال.

ثُمَّ انْظُروا إلى الأصحاحِ السَّادِسِ إذْ يَقولُ في العددِ الثَّاني: "وَالَّذِينَ لَهُمْ سَادَةٌ مُؤْمِنُونَ، لاَ يَسْتَهِينُوا بِهِمْ لأَنَّهُمْ إِخْوَةٌ، بَلْ لِيَخْدِمُوهُمْ أَكْثَرَ، لأَنَّ الَّذِينَ يَتَشَارَكُونَ فِي الْفَائِدَةِ، هُمْ مُؤْمِنُونَ وَمَحْبُوبُونَ". وبعدَ كُلِّ هذا التَّعليمِ فإنَّهُ يَقولُ ما يَلي (وهذا يَضُمُّ كُلَّ شيءٍ ذَكَرَهُ في العددِ الخامِسِ): عَلِّمْ وَعِظْ بِهذَا". وَفي العدد 3: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا آخَرَ، وَلاَ يُوافِقُ كَلِمَاتِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الصَّحِيحَةَ، وَالتَّعْلِيمَ الَّذِي هُوَ حَسَبَ التَّقْوَى، فَقَدْ تَصَلَّفَ، وَهُوَ لاَ يَفْهَمُ شَيْئًا".

فيجب أنْ تكونوا قادِرينَ على التَّمييز. وَ "إنْ كَانَ أَحَدٌ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا آخَرَ، فَقَدْ تَصَلَّفَ، وَهُوَ لاَ يَفْهَمُ شَيْئًا، بَلْ هُوَ مُتَعَلِّلٌ بِمُبَاحَثَاتٍ وَمُمَاحَكَاتِ الْكَلاَمِ، الَّتِي مِنْهَا يَحْصُلُ الْحَسَدُ وَالْخِصَامُ وَالافْتِرَاءُ وَالظُّنُونُ الرَّدِيَّةُ، وَمُنَازَعَاتُ أُنَاسٍ فَاسِدِي الذِّهْنِ، وَهَلُمَّ جَرَّا. أمَّا أنتَ فينبغي أنْ تَبقى راسِخًا في التَّعليمِ الصَّحيح. وَعَلِّم وَعِظْ بهذهِ المبادئ. وإنْ كان أحدٌ لا يُقِرُّ بهذا فقد تَصَلَّفَ ولا يَفْهَمُ شيئًا. فهذهِ دَعوة إلى التَّمييز.

وفي العدد 13، فإنَّهُ يَحُضُّ تيموثاوس مَرَّة أخرى، ثُمَّ في العدد 14، على أنْ يَحْفَظَ الوَصِيَّة. وأنا أَرى أنَّ الكَلِمَة "وَصِيَّة" هُنا تَضُمُّ كُلَّ الكِتابِ المُقَدَّسِ المُعْلَن. احْفَظْها، واحْرُسْها، واحْمِها "بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ لَوْمٍ إِلَى ظُهُورِ رَبِّنَا يَسُوع". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 20: "يَا تِيمُوثَاوُسُ..." [وَهُوَ هُنا يَتَكَلَّمُ بِمَشاعِر فَائضة] "...احْفَظِ الْوَدِيعَةَ". ومَا هُوَ ذلك؟ الحَقّ ... الحَقّ. "مُعْرِضًا عَنِ الْكَلاَمِ الْبَاطِلِ الدَّنِسِ، وَمُخَالَفَاتِ الْعِلْمِ الْكَاذِبِ الاسْمِ، الَّذِي إِذْ تَظَاهَرَ بِهِ قَوْمٌ زَاغُوا مِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ".

"يا تيموثاوس، احْفَظِ الحَقَّ واحْمِهِ. واعْرِفِ الفَرْقَ بين الحَقِّ وضَلالِ العالَم، والكَلامِ البَاطِلِ، ومَا يُسَمَّى زُوْرًا ’مَعْرِفَة‘. فيجب عليكَ أنْ تَفعلَ ذلك. فهذا تَمْييز".

إنَّها كلماتٌ قويَّة، يا أحبَّائي، للتَّوصية بِحِفْظِ الحَقِّ، نَقِيًّا طَاهِرًا، وَحِمايةِ الكَنْزِ مِمَّنْ يَسْعَوْنَ إلى إفسادِه. لِذا، فإنَّ كُلَّ شخصٍ في الخدمة مَدْعُوٌّ وَمُوْصَى بأنْ يَهْتَمَّ بتنميةِ وَصَقْلِ مَهارةِ فَصْلِ الحَقِّ الإلهيِّ عنِ الخَطَأِ وَأنْصافِ الحَقائق.

والآن، قد يَكونُ مِنَ المُفيدِ أنْ نُجري دراسةً لِخلفيَّةِ الكلماتِ المُستخدَمة في الكتابِ المقدَّسِ؛ بِصُورة مُوجزة جِدًّا. فهناكَ كَلِمتانِ تَبْرُزانِ في الكتابِ المقدَّسِ حينَ نَتحدَّثُ عنِ التَّمييز: الأولى هي الكلمة العِبْريَّة "بِنْ" (bin)، والثَّانية هي الكلمة اليونانيَّة "دِياكرينو" (diakrino). والكلمة العِبريَّة "بِنْ" مُستخدمة 247 مَرَّة في العهدِ القديم. وقد تُرْجِمَتْ بِطُرُق عديدة. فقد تُرْجِمَتْ أحيانًا: "يُمَيِّز"، وأحيانًا: "يُفَرِّق"، وأحيانًا: "يَفْهَم"؛ ولكنَّها تَحْمِلُ فِكرةَ القُدرة على الفَصْل. وهي مُرتبطة بالاسم "بَايِنْ" (bayin) وَمَعْناهُ: "يُفَرِّقُ بَيْنَ". وَحَتَّى إنَّها مُرتبطة بِلَفْظٍ يُسْتَخْدَمُ كَحَرْفِ جَرٍّ وَهُوَ "بِنْ". "بَايِن" (bayin)، أو "بِنْ" (ben)، أوْ "بِنْ" (bin). وَهِيَ تَعني: "يَفْصَل" أوْ "يُفَرِّقُ بَيْنَ".

لِذا فإنَّ هذهِ الكلمة تَحْمِلُ فِكرةَ القُدرة على الفَصْلِ بينَ الأشياء. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَخْلِطَ بينَها. فهذا هُنا، وهذا هُناك. فَهي أشياءٌ لا يُمْكِنُ الخَلْطُ بينَها. وهذا يَعني أنَّكَ تَفْصِلُ بينَ أُمورٍ لا يَجوزُ الخَلْطُ بينَها. وعمليَّةُ الفَصْلِ هذِهِ هي المَعنى الكُلِّيُّ المَقصودُ بالتَّمييز. فَهيَ فَصْلُ شيءٍ عنِ الآخر بسببِ وُجودَ فَرْقٍ يُحَتِّمُ التَّمْييزَ بينَهُما. لِذا يُمْكِنُنا أنْ نَقولَ إن التَّمييزَ هو مَهارةُ مَعرفةِ وَفَهْمِ الحَقِّ الإلهيِّ مِنْ خلالِ عَمليَّةِ فَصْل.

وأنا أَفعلُ ذلكَ طَوالَ الوقتِ. فَكُلُّ شيءٍ أقرأُهُ وكُلُّ شيءٍ أَسمَعُهُ ينبغي أنْ يَمُرَّ مِنْ خِلالِ مُرَشِّحٍ لِفَصْلِ الخطأِ عنِ الصَّواب. وعمليَّةُ الفَصْلِ هذهِ هِيَ تَمْييز. وَمَرَّةً أُخرى، فإنَّها فِكْرَةُ "نَقيضِ الطَّريحَة" (antithesis).

ثُمَّ نأتي إلى الكلمة اليونانيَّة "دِياكرينو" (diakrino)، ومَعْناها: "يَفْصِل". وهي تُتَرْجَم عادَةً: "يَقْضي". ومَا هُوَ عَمَلُ القَاضي؟ إنَّ القاضي يَحْكُم، نَظريًّا، لأنَّهُ يَمْلِكُ القُدرةَ على سَماعِ كَمٍّ كبيرٍ مِنَ المَعلوماتِ، أو قِراءةِ كَمٍّ كبيرٍ مِنَ المَعلوماتِ، وَفَصْلِ ماذا؟ الحَقيقةِ عِنَ الخطأ، وَإصْدارِ حُكْمٍ. فهذا هو ما يَفْعَلُهُ القاضي. فَهُوَ يُمَيِّز. وَمَرَّةً أخرى، فإنَّ الكلمة "دِياكرينو" تَحْمِلُ مَعْنى الفَصْلِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ المَرْءُ مِنْ إصْدارِ حُكْمٍ أوْ أَخْذِ قَرار.

لِذا فإنَّ التَّمييزَ الرُّوحِيَّ هو القُدرة على فَصْلِ رَجُلِ اللهِ، أوْ عَمَلِ اللهِ، أوْ مَشيئةِ اللهِ، أوْ حَقِّ اللهِ عنْ أيِّ شيءٍ آخر يُريدُ أنْ يَتَعَدَّى عليه. فهو القُدرة على "مَعرفةِ إِرَادَةُ اللهِ الصَّالِحَة المَرْضِيَّة الكَامِلَة" الَّتي تَحَدَّثَ عنها بُولسُ في رسالة رُومية 12: 2 مِنْ خِلالِ تَجْديدِ أذهانِكُم. وهُوَ تلكَ القُدرة الَّتي كَتَبَ عنها الرَّسولُ بولس في رسالة كولوسي 1: 9 إذْ قال: "[أنا أريدُ مِنْكُم] أَنْ تَمْتَلِئُوا مِنْ مَعْرِفَةِ مَشِيئَتِهِ، فِي كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْمٍ رُوحِيٍّ لِتَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ". فأنا أُريدُ منكم أنْ تَعرِفوا إرادَةَ اللهِ، وأنْ تُمَيِّزوا الحَقَّ في كُلِّ شيءٍ. فهذا هوَ المِفْتاح: أنْ تَحْكُموا، وأنْ تَفْصِلوا، وأنْ تُمَيِّزوا.

لِذا فإنَّنا، بِوَصْفِنا مَسيحيِّينَ، مَدعوُّونَ إلى التَّمييز. وعندما تَقولُ الآية "افْحَصوا كُلَّ شيءٍ"، فإنَّها تَعني أنْ نَفْصِلَ الخَطَأَ عَنِ الحَقيقة. لماذا؟ لأنَّ اللهَ أعطانا الحَقَّ. وهو يُريدُ مِنَّا أنْ نَصُوْنَ الحَقَّ وَأنْ نُقَدِّمَهُ إلى الجيلِ القادِم. ولكِنَّ الشَّيطانَ يُريدُ لا فقط أنْ يَهْدِمَ الحَقَّ، بل أيْضًا أنْ يَخْلِطَهُ بماذا؟ بالباطِل. ويُريدُ أنْ يُرْسِلَ أحْصِنَةَ طِرْوادة إلى الدَّاخِل حَتَّى تُفْتَحَ الأبوابُ ويَهْرَعَ جَميعُ الأعداءِ إلى دَاخِلِ أسوارِ الكنيسة فَتَعُمُّ الفَوضَى العَارِمَة.

وهذا يَقودُنا إلى السُّؤالِ الأخيرِ، وَرُبَّما إلى السُّؤالِ الأكثر أهميَّةً، وَهُوَ: كيفَ أستطيعُ أنْ أكونَ شخصًا مُمَيِّزًا؟ وأرْجو أنْ تكونوا قد تَحَمَّسْتُمْ لأنْ تَكونوا كَذلك. والسُّؤالُ هُوَ: كيفَ تَصيرونَ مُمَيِّزين؟ سوفَ أَذكُرُ لكم بِضْعَ خُطْواتٍ بَسيطة.

الخُطوةُ الأولى: الرَّغْبَة. فالأمرُ يَبتدئُ مِنْ هُناك. إنَّهُ يَبتدئُ مِنْ هُناك. فإنْ لم تَكُن لديكم رَغبة في أنْ تَكونوا مُمَيِّزينَ، صَدِّقوني أنَّكم لن تكونوا كذلك. فإنْ كانَتْ رَغْبَتُكَ تَنْحَصِرُ في الحُصولِ على السَّعادَةِ، والصِّحَّةِ، والثَّراءِ، والرَّخاءِ، والحِكْمَةِ، وإنْ كانتْ رَغْبَتُكَ تَنْحَصِرُ في أنْ تَكونَ مُكْتَفِيًا، ومَرْتاحًا، وإنْ كانت رَغْبَتُكَ تَنْحَصِرُ في نَشْرِ ما تُؤمِنُ بِهِ، وما تَشعرُ بِهِ، وما تُفَكِّرُ فيه، وإنْ كانت رَغْبَتُكَ تَنْحَصِرُ في أنْ يَسْمَعَ الآخرونَ رَأيَكَ في كُلِّ شيءٍ، لَنْ تكونَ يومًا شخصًا مُمَيِّزًا.

فالتَّمييزُ يأتي مِنْ رَغبةٍ نَابِعَةٍ مِنَ الاتِّضاعِ. وَهُوَ اتِّضاعٌ يَجْعَلُكَ تَقولُ: "أنا لا أعرِفُ، ولا أَثِقُ في حُكْمي. يَجِبْ أنْ أصيرَ مُمَيِّزًا". مِنْ رَغْبَةٍ نَابِعَةٍ مِنْ حَقيقةِ إيماني الشَّديدِ بكلمةِ اللهِ وَالحَقِّ الإلهيِّ، وَمِنْ فَهْمي الواضحِ تمامًا لِهَجَماتِ الشَّيطانِ وَرَغْبَتِهِ في نَشْرِ بِدعةٍ لَعينَةٍ؛ الأمْرُ الَّذي يُحَتِّمُ عَلَيَّ أنْ أكونَ شَخْصًا مُمَيِّزًا. فيجب أنْ أَعْلَمَ أنَّني قَابِلٌ للخِداع، وأنَّني قَدْ أُخْدَع. ويجب أنْ أَعلمَ أنَّني لا أستطيعُ أنْ أَثِقَ في مَشاعِري، وفي أشواقي، وفي عَواطِفي وَأفكاري وَمَفاهيمي. لِذا، يجب أنْ أكونَ مُمَيِّزًا. ويجب أنْ أعلمَ أنَّني قد أَقَعَ ضَحِيَّةَ عَقيدة زائفة. لِذا، يجب أنْ أكونَ مُمَيِّزًا. ويجب عليَّ أنْ أَعلمَ أنَّني قد أُغَيِّرَ لاهوتي بسببِ رَغْبَتي الأنانيَّة. لِذا، يجب أنْ أكونَ مُمَيِّزًا.

وعندما تَقولُ بِدافِعِ اتِّضاعِكَ، وَإقرارِكَ بِعَجْزِكَ، وَاعتِرافِكَ بِضَعْفِكَ: "أنا أَتوقُ إلى أنْ أكونَ مُمَيِّزًا"، تَكونُ قَدْ وَضَعْتَ قَدَمَكَ على الطَّريقِ الصَّحيح. وهذهِ هي الخُطوةُ الأولى.

أمْثال 2. اسْمَحوا لي أنْ أَقرأَ ذلكَ على مَسامِعِكُم. أمثال 2: 3: "إِنْ دَعَوْتَ الْمَعْرِفَةَ، وَرَفَعْتَ صَوْتَكَ إِلَى الْفَهْمِ، إِنْ طَلَبْتَهَا كَالْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهَا كَالْكُنُوزِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُ". فحينئذٍ تَحْصُلُ عليها وَتُمَيِّزُ "مَخَافَةَ الرَّبِّ، وَتَجِدُ مَعْرِفَةَ اللهِ". أيْ حينَ تُريدُها، وتَرْغَبُ فيها، وَتَتوقُ إليها. فهذا يَحْفِزُ الأمرَ بِمُجْمَلِه.

وفي مَكانٍ مَا في الطَّريق، شَعَرْتُ بتلكَ الرَّغبة. ولا أدري كُلَّ ما حَدَث، ولكِنِّي في نُقْطَةٍ ما في الطَّريق، تُقْتُ إلى مَعرفةِ الحَقِّ الإلهيِّ. وأنا حَتَّى هذهِ اللَّحظة لا أَرْضي بِقَبولِ الأمورِ عَلى عَواهِنِها. فَعندما أُمْسِكُ شيئًا وأقرأهُ، فإنَّني أقومُ بعمليَّةِ الفَصْلِ هذهِ في ذِهني. وإنْ رَأيتُم أيَّ كِتابٍ في مَكْتَبَتي كُنْتُ قد قَرأتَهُ، سَتَجِدونَ مُلاحظاتٍ بِخَطٍّ صَغيرٍ في الهامِش. "هذا صحيح". "عَلامَةُ استفهام". "مِنْ أيْنَ جاءَ هذا الكَلام؟" "هذا غيرُ صَحيح". وستجدونَ خَطًّا باللَّونِ الأحمر تَحْتَ فَقْرَةٍ كَامِلَة. فأنا أَقرأُ بتلكَ الطَّريقة وأُفَكِّرُ بتلكَ الطَّريقة لأنَّني أرغبُ كَثيرًا في مَعرفةِ الحَقِّ.

فأنا لَدَيَّ تلكَ المَعرفة مَغروسة مُباشرةً في حياتي وتُؤثِّرُ في كيفَ أعيشُ. وَهِيَ مَغروسة مُباشرةً في حياةِ كُلِّ شخصٍ يَسْمَعُني ويُؤثِّرُ في حَياتِهم. لِذا فإنَّها مَسؤوليَّة عظيمة. وأنا أَحْتَرِمُ الكتابَ المقدَّسَ احْتِرامًا هائلاً. وأنا لَدَيَّ واجِبٌ في أنْ أُفَصِّلَهً بالاستقامة. لِذا فإنَّ لديَّ رَغبة في التَّمييز.

وَمَرَّةً أخرى، فإنَّ هذا يَنْبُعُ مِنَ الاتِّضاعِ الَّذي يَجْعَلُ المرءَ يَقول: "لا يُمكنني أنْ أَعْرِفَ هذا مِنْ تِلْقاءِ نَفسي. فأنا لا أَمْلِكُ كُلَّ الإجاباتِ في ذاتي، ولكِنِّي أَعْلَمُ أنَّ اللهَ يُريدُ مِنِّي أنْ أَعرِفَ حَقَّهُ، وأَعلمُ أنَّهُ يُريدُ مِنِّي أنْ أُفَصِّلَ كَلِمَتَهُ بالاستقامة، وأَعْلَمُ أنَّ اللهَ يُريدُ مِنِّي أنْ أكونَ مُمَيِّزًا. وسوفَ أَسْعى إلى تَحقيقِ ذلك".

ثانيًا: الصَّلاة. الصَّلاة. وَهُنا يأتي التَّوازُنُ مِنْ خِلالِ الاتِّكالِ على الرَّبِّ، بِكُلِّ تأكيدٍ، في القِيامِ بذلك. فقد تَمتلكُ كُلَّ الرَّغبة الَّتي في العالَم، ولكِنْ يجب عليكَ أنْ تَتَّكِلَ عليه. وهُناكَ مَثَلٌ تَوضيحيٌّ يُبَيِّنُ ذلك في سِفْرِ المُلوكِ الأوَّلِ والأصحاحِ الثَّالث. فَفِي سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل 3: 9، صَلَّى سُلَيْمانُ إلى اللهِ وقال: "فَأَعْطِ عَبْدَكَ قَلْبًا فَهِيمًا لأَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ وَأُمَيِّزَ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ". فقد قالَ سُليمانُ: "أُريدُ أنْ أكونَ قَادِرًا على التَّمييز". أُريدُ أنْ أكونَ قَادِرًا على التَّمييز. ويا لَها مِنْ طِلْبَة عَظيمة! وَهُوَ يَقولُ أيضًا: "لأَنَّهُ لا يُمْكِنُني أنْ أقومَ بهذا العَمَل. فيجب أنْ أكونَ قَادِرًا على التَّمييز". وَنَقرأُ في العدد 10: "فَحَسُنَ الْكَلاَمُ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، لأَنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ هذَا الأَمْرَ". فقد سُرَّ اللهُ لأنَّهُ طَلَبَ قُدْرَةً على التَّمييز. وقد قالَ اللهُ لَهُ: "مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ سَأَلْتَ هذَا الأَمْرَ" (أيِ القُدرة على التَّمييز، والقُدرة على الفَصْلِ بينَ الصَّوابِ والخطأِ، والخَيْرِ والشَّرِّ)، "وَلَمْ تَسْأَلْ لِنَفْسِكَ..." – ويا للهَوْل!

فَهُنا تَكْمُنُ المُشكلة الرَّئيسيَّة. فالأشخاصُ الَّذينَ يَطلبونَ التَّمييزَ يُبْدونَ استعدادَهُمْ لإنْكارِ أنفُسِهم. فإنْ نَظَرْتُم إلى المسيحيَّةِ اليومَ سَتَجِدونَ أنَّها أنانِيَّة مُفْرَطَة حَتَّى إنَّ النَّاسَ لا يُبالونَ حَقًّا بالتَّمييز، بل يُبالونَ فقط بِحُصولِهم على مَا يُريدون.

وَهُوَ يَقول: "أنتَ لم تَفعل ذلك. فقد أُتيحَتْ لكَ الفُرصةُ لِطَلَبِ أيِّ شيء. فقد كانَ بِمَقدورِكَ أنْ تَطْلُبَ حَياةً مَديدة. وقد كانَ بِمَقدورِكَ أنْ تَنْضَمَّ إلى جَماعَةِ "اطْلُبْ ما تُريد فَيَكونُ لَك"، وأنْ تَنْضَمَّ إلى جماعَةِ الإيمان، وَجَماعَةِ إنْجيلِ الرَّخاء، وجَماعَةِ الحَياةِ المَديدة. وقد كانَ بِإمكانِكَ أنْ تَطْلُبَ الغِنَى لِنَفسِك". وهذِهِ هِيَ الحَالُ اليوم. فَهُناكَ تلكَ المَجموعة. "وقد كانَ بِمَقدورِكَ أنْ تَطلُبَ أنْ أُهْلِكَ أعداءَكَ، وأنْ تَنْضَمَّ إلى جَماعَةِ طَالِبي النَّقْمَة؛ ولكِنَّكَ لم تَفعل. وأنتَ لم تَطلُب أيَّ شيءٍ لِنفسِكَ، "بَلْ سَأَلْتَ لِنَفْسِكَ تَمْيِيزًا لِتَفْهَمَ الْحُكْمَ. هُوَذَا قَدْ فَعَلْتُ حَسَبَ كَلاَمِكَ. هُوَذَا أَعْطَيْتُكَ قَلْبًا حَكِيمًا وَمُمَيِّزًا حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُكَ قَبْلَكَ وَلاَ يَقُومُ بَعْدَكَ نَظِيرُكَ".

يا لِلرَّوعة! وهذا يُوَضِّحُ حَقًّا ما جاءَ في رسالة يَعقوب 1: 5: "وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ..."، فليفعَل ماذا؟ "...فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ". فَلا شَكَّ أنَّ ما يُحَقِّقُ التَّوازُنَ مِنْ جِهَةِ الرَّغْبَةِ هُوَ الصَّلاة. فقد أَرْغَبُ في الحُصولِ على التَّمييز، ولكِنْ يجب عليَّ أنْ أَتَّكِلَ على الرَّبِّ في حُدوثِ عمليَّةِ التَّمييز؛ تَمامًا كَما فَعَلَ سُليمان. الصَّلاة. أيْ أنْ أَسْألَ اللهَ أنْ يَجْعَلني قادرًا على التَّمييز. وأنْ أَسْألَ اللهَ أنْ يُعَلِّمَني حُسْنَ التَّمييز، وأنْ يُحَقِّقَ لي طِلْبَتي.

ثالثًا، في هذهِ السِّلْسِلَةِ مِنَ الخُطْواتِ الصَّغيرةِ الَّتي تُتيحُ لَكَ أنْ تَكونَ شخصًا مُمَيِّزًا. فقد ذَكَرْنا [أوَّلاً]: الرَّغبة. وَ [ثانيًا]: الصَّلاةُ المُستمرَّة إذْ نَضَعُ ذلكَ أمامَ الرَّبِّ. وهذا أيضًا يَعْكِسُ اتِّضاعَكَ لأنَّهُ إقرارٌ مِنْكَ بأنَّكَ لا تَمْلِكُ ما يَلْزَم، ولكِنَّهُ يَمْلِكُ ذلك. ثالثًا، تَعَلَّم مِنَ المَوْهوبين. تَعَلَّم مِنَ المَوْهوبين. فسوفَ تَكتشفُ في حياتِكَ وفي الكنيسةِ أنَّ هناكَ أشخاصًا لديهم القُدرة على التَّمييز.

والحقيقةُ هي أنَّهُ مِنَ المُدهش جِدًّا أنْ نَنظرَ إلى رِسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 12 إذْ نَقرأُ في لائحةِ المواهبِ الرُّوحيَّةِ المَذكورة في ذلكَ الأصحاح (في رِسالة كورِنثوس الأولى 12: 10) أنَّ هُناكَ ذِكْرًا للمَوهبةِ أوِ القُدرةِ المُختصَّةِ بِتَمييزِ الأرواح. التَّفريق بينَ الأرواح، أوْ تَمييز الأرواح.

وهذا مُدهشٌ جِدًّا لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يَقولُ شَيئًا حَقًّا عن هذا الأمر. ولكِنَّهُ يَقولُ في رسالة يوحنَّا الأولى 4: 1: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟" لِذا فإنَّنا نَعلمُ أنَّهُ في الكنيسةِ الباكِرَةِ، كانتِ الأرواحُ الشِّرِّيرةُ والشَّيطانُ يأتونَ ويُحاولونَ أنْ يَتَغَلْغَلوا في الكنيسةِ بأكاذيبِهم. وقد كانَ مِنَ المُهِمِّ أنْ تَكونَ الكنيسةُ قادرةً على التَّمييزِ بينَ المُتَكَلِّمِ الحَقيقيِّ بِلِسانِ اللهِ، وبينَ الشَّيطان. ويجب عليكم أنْ تَتذكَّروا أنَّهم لم يَكونوا يَمْلِكونَ أسفارَ العهدِ الجديدِ بينَ أيديهم. فقد كانَ ما زَالَ في طَوْرِ الكِتابة. لِذا، لم يَكُنْ يوجدُ لديهم الإعلانُ الكامِلُ الَّذي يُتيحُ لهم أنْ يَرْجِعوا إليهِ لِفَحْصِ كُلِّ شيءٍ في ضَوْئِهِ.

لِذا، كيفَ كانوا يَعْرِفونَ مَنْ سَيُصَدِّقون؟ وكيفَ كانوا يَعلَمونَ مَنِ الَّذي يَتَكَلَّمُ حَقًّا بِلِسانِ اللهِ؟ لا بُدَّ أنَّهُ كانَ يُوجَدُ في الكنيسةِ أشخاصٌ يَمْلِكونَ القُدرةَ على تَمييزِ ذلك. ورُبَّما كانَ ذلكَ يَعْمَلُ بطريقة رُوحيَّة جِدًّا، لا فقط بطريقة أرضيَّة؛ بل بطريقة خارقة للطَّبيعة إذْ إنَّ اللهَ أعطاهُم في الحقيقة بَصيرةً لكي يَعرفوا أنَّ هَذا رُوْحًا شيطانيًّا. فَرُبَّما كانوا يَمْلِكونَ هذهِ القُدرة.

فنحنُ نَعلمُ، مَثَلاً (كَما تَذكرونَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 16) أنَّ امرأةً جاءتْ إلى حيثُ كانَ بولُس وَسِيْلا، وأنَّ هذهِ المرأة قالت عَنْ بُولُس وَسِيْلا هذهِ الكلماتِ المُحَدَّدة: "هؤُلاَءِ النَّاسُ هُمْ عَبِيدُ اللهِ الْعَلِيِّ، الَّذِينَ يُنَادُونَ لَكُمْ بِطَرِيقِ الْخَلاَص".

وهل كانَ هذا صحيحًا؟ إنَّهُ صَحيحٌ تمامًا. فبولُس وَسِيْلا كانا عَبيدَ اللهِ العَلِيِّ وَيُظْهِرونَ لَنا طَريقَ الخَلاص. فقد كانَ هذا الكلامُ صَحيحًا تمامًا. ولكِنَّ بولسَ كانَ يَعْلَمُ أنَّ هذا الكَلامَ كانَ صَادِرًا عَنْ رُوْحٍ شَيْطانِيٍّ يَسْكُنُ في تلكَ الفَتاة. وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ بعدَ أنِ اسْتَمَعا إليها قليلاً، فإنَّ بولسَ أَخْرَجَ الشَّيطانَ مِنْها لأنَّهُ كانَ يَعلمُ خُبْثَ أنْ يَتَكَلَّمَ رُوْحٌ شَيْطانيٌّ بالحَقِّ لِكَيْ يَقْبَلَ النَّاسُ تلكَ الفَتاة.

فَحالَما يَقبلونَها كَشَخْصٍ يَقولُ الحَقَّ، ويُصَدِّقونَ أنَّها كانت تَنْطِقُ بالحَقِّ الإلهيِّ، فإنَّها سَتَقولُ الأكاذيبَ لَهم فَيَقْبَلونَها مِنْها دُوْنَ قَصْد. لِذا، كانَ لِزامًا على بولُس، بِنِعْمَةِ اللهِ، أنْ يَكونَ قَادِرًا على التَّمييزِ لكي يَعلَمَ ما يَجْري في الحقيقة.

لِذا، في الكنيسةِ الباكِرَة، مِنْ أجْلِ تَمييزِ الحَقِّ عنِ الضَّلال، وَتَمْييزِ الرُّوحِ الحَقيقيِّ مِنَ الرُّوحِ الزَّائف، مِنَ الواضِحِ أنَّ اللهَ أعْطى البعضَ القُدرةَ على التَّمييز. فقد كانوا المُراقِبينَ، ورِجالَ الدَّوْرِيَّة، والحُرَّاسَ، والرُّقَباءَ على الكنيسة.

وَالآن، فإنَّ السُّؤالَ المَطروحَ هُوَ: هلْ هذهِ الموهبة ما تَزالُ موجودة؟ أَمْ أنَّها كانت فقط لأجْلِ تلكَ الفترة؟ الحقيقةُ هي أنَّهُ لا يوجدُ في الكتابِ المقدَّسِ ما يُشيرُ إلى أنَّها قد تَوَقَّفَتْ عنِ الوجود. فلا يوجد البَتَّة ما يُشيرُ إلى ذلك. لِذا، لا يوجد لدينا أيُّ سَبَبٍ يَدْعونا إلى افتراضِ أنَّها تَوقَّفت. وأنا أَشعُرُ بالارتياحِ للقولِ إنَّهُ لا يوجدُ لديَّ أيُّ تَحَفُّظٍ في قَبولِ الرَّأيِ القائِلِ إنَّ هذهِ الموهبة ما تَزالُ موجودة في الكنيسة، وإنَّها تأخُذُ شَكْلًا مُختلفًا في طريقةِ العمل حَتَّى تَعمل بطريقة مُختلفة.

ففي وقتِنا الحاضِر، قد تَكونُ مَا تَزالُ مُستخدَمَةً في حياةِ بعضِ الأشخاصِ لِحمايةِ الكنيسةِ مِنَ الضَّلال. فهناكَ أشخاصٌ في الكنيسةِ أعطاهُمُ اللهُ القُدرةَ على التَّمييز. فَهُمْ موهوبونَ في قِيادَةِ الكنيسةِ إلى تَمْييزِ الحَقِّ مِنَ الضَّلال. وَحَتَّى إنَّهُ يُمْكِنُنا أنْ نُسَمِّي هؤلاءِ "لاهُوتِيِّين". ويُمكنُنا أنْ نُسَمِّيهم "عُلماءَ الكِتاب المُقَدَّس" بِصورة عامَّة.

فهؤلاءِ الأشخاصُ الَّذينَ يَمْلِكون القُدرة على التَّفكيرِ بطريقة نَقديَّة، وتَحليليَّة، وَدقيقة، وعميقة، وَحَتَّى تاريخيَّة، ويَعرفونَ مَواطِنَ الخطأِ الآنَ وفي الماضي، ويَستطيعونَ أنْ يقولوا: "إليكم الفَهْمَ الصَّحيحَ"؛ هؤلاءِ هُمْ حُرَّاسُ الكنيسة. ونحنُ نَضَعُهُمْ في كُليَّاتِ اللَّاهوتِ ونُرسِلُ الشَّبابَ حَتَّى يَتَعَلَّموا مِنهم. لماذا؟ لكي يَتعلَّموا التَّمييزَ مِنْ خِلالِ تَعَلُّمِ طَريقةِ هؤلاءِ الرِّجالِ في التَّمييز.

ولا أدري ماذا سَتُسَمُّونَ ذلك. فربَّما تَشعرونَ بالارتياحِ إنْ سَمَّيْتُمْ ذلكَ نَفسَ التَّسمية (أيْ: "التَّفريق بينَ الأرواح"، أوْ "تَمْييز الأرواح")، ولكِنْ مِنَ الواضحِ بالنِّسبةِ إليَّ أنَّ اللهَ قد وَضَعَ في الكنيسةِ أُناسًا مَوهوبينَ بِصورة خاصَّة حَتَّى يكونوا نَماذِجَ في التَّمييزِ يُمْكِنُنا أنْ نَحْتَذي بها. فأنا أقرأُ كُتُبًا. وكُلَّما كانت هناكَ قضايا أريدُ أنْ أبْحَثَها، هناكَ كُتَّابٌ مُعَيَّنونَ أَعلَمُ أنَّهُم كَتبوا في هذا المَجالِ وأريدُ أنْ أَعرِفَ ما يَقولونَهُ لأنَّهم يُساعِدونَني مِنْ خلالِ تَنْويري بسببِ الوضوحِ الَّذي يُمَيِّزونَ فيهِ جوانِبَ مُعَيَّنة مِنَ الحَقِّ.

والأنبياءُ الكذبة موجودونَ في كُلِّ مكانٍ اليوم ... في كُلِّ مكانٍ. وأحْصِنَةُ طِرْوادة تُجَرُّ إلى داخِلِ الكنيسةِ في كُلِّ يوم. وهناكَ أشخاصٌ أعطاهُمُ اللهُ موهبةَ كَشْفِ هؤلاءِ الأنبياءِ الكذبة، وأشخاصٌ أعطاهُمُ اللهُ موهبةَ تَمْييزِ هذهِ الأمور.

وأَذْكُرُ في أثْناءِ نَشْأَتي أنَّ الكنيسةَ كانت تقومُ بِجُهْدٍ جَبَّارٍ في التَّصَدِّي للبِدَعِ مِثْلَ المورمون، وشهودِ يَهْوَده، وَهَرْطَقاتٍ عديدة أخرى، وأنَّهُ كانت هناكَ كِتاباتٌ كثيرة عنِ البِدَع كَتَبَها أُناسٌ مِنَ الواضِحِ أنَّهُمْ وُضِعوا في جسدِ المسيحِ لِمُساعدةِ الجسدِ على التَّفكيرِ بطريقة نَاقِدَة وواضحة بشأنِ ضَلالَةِ تلكَ المجموعاتِ تَحديدًا.

لِذا، هناكَ أشخاصٌ موجودونَ حَوْلَنا حَتَّى يَكْشِفوا الأنبياءَ الكذبة. ويجب عليكم أنْ تَتَعَلَّموا مِنهم سَواءَ مِنْ خلالِ الاستماعِ إلى تَعليمِهم، أوِ الاستماعِ إلى وَعْظِهم، أوْ قِراءةِ كُتُبِهم، أوِ التَّعَرُّفِ إليهم شخصيًّا. فَهُمْ موجودونَ في الكنيسةِ اليوم رُبَّما لكي يَكْشِفوا البِدَعَ الشَّيطانيَّة، ورُبَّما لكي يَكشِفوا الجَسَدِيَّة، وَبِكُلِّ تأكيدٍ لكي يَكشِفوا الخطأَ في العقيدة. فَهُمْ حُرَّاسُ الكنيسة. تَعَلَّموا مِنهم.

رابعًا، الخُطوة الَّتي تَلي ذلك: فأنتُم تَبتدئونَ بالرَّغبة، ثُمَّ تَنتقلونَ إلى الصَّلاةِ، وتَتَعَلَّمونَ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يُحْسِنونَ التَّمييزَ والموهوبينَ في هذا المجال. رابعًا: اقْتَدُوا بالأشخاصِ النَّاضِجين. اقْتَدوا بالأشخاصِ النَّاضِجين. وَسِيروا في ذلكَ الدَّرْب. فالمؤمِنونَ النَّاضِجونَ يُحْسِنونَ التَّمييز. فَحَواسُّهُمْ مُدَرَّبة على التَّمييزِ بينَ الخيرِ والشَّرِّ (كما جاءَ في عِبرانِيِّين 5).

فالأشخاصُ النَّاضِجونَ يُحْسِنونَ التَّمييز. فهذا هو ما جاءَ في عِبرانِيِّين 5. ونَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الرَّابع: "كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ". فالأطفالُ لا يُحْسِنونَ التَّمييزَ عادَةً. والحقيقة، إنَّهُ تَحَدٍّ كبير لنا أنْ نُنْشِئَ أبناءً يُحْسِنونَ التَّمييز. أليسَ كذلك؟ فهذا يَستغرِقُ سَنواتٍ طويلة. ولكِنَّكُم تَستمرُّونَ في القِيامِ بذلكَ. وحَتَّى عِنْدَما يَنتقلُ أبناؤُكُم إلى مَرحلةِ المُراهقة، فإنَّك تَستمرُّونَ في مُحاولةِ تِعليمِهم. "مَهْلاً! هل قُلْتَ لي كَذا؟ لِنُفَكِّر في الأمرِ سَوِيًّا. هل تُدرك مَعنى هذا كُلِّه؟" "لا". "إذًا، دَعْني أُساعِدُكَ. دَعْني أُساعِدُكَ على تَمييزِ ذلك". وهذا كُلُّهُ جُزْءٌ مِنْ تَنْشِئَةِ الأبناء. أليسَ كذلك؟ أنْ نُنْشِئَ أبناءً يَمْتَلِكونَ حِكْمَةً. فهذهِ عَمليَّة.

والشَّيءُ نَفْسُهُ صَحيحٌ رُوْحِيًّا. فأنتَ لا تَخْلُدُ إلى النَّومِ ذاتَ ليلة وتقول: "يَا رَبّ، اجْعَلْني شخصًا يُحْسِنُ التَّمييز"، ثُمَّ تَنْهَضُ في الصَّباحِ وتقول: "آه! أنا أُحْسِنُ التَّمييز". لا. إنَّها عَمليَّة. وهذا يَعني أنَّ الأمرَ يَتطلَّب أنْ تَسْلُكَ في دَرْبِ النُّضْجِ. وكيفَ تَصيرُ نَاضِجًا؟ "كَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ" (رسالة بُطرس الأولى 2: 2). فأنتُم تَنْمونَ وتَنْضُجونَ منْ خِلالِ الكلمة. وأنتُم تَنْمونَ وَتَنْضُجونَ مِنْ خِلالِ المِحَنِ والتَّجارِب: "بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ". إذًا، هُناكَ عمليَّة تَجري. اسْلُكْ في طريقِ النُّضْجِ، وَلا تَرْضَ أنْ تَبْقى مَكانَكَ، بَلِ حاول دائمًا أنْ تَنْمو.

خامسًا: اتَّكِلْ على الرُّوحِ القُدُس. اتَّكِلْ على الرُّوحِ القُدُس. فيجب عليكَ أنْ تَسْلُكَ في الرُّوح. ويجب أنْ تَمتلئَ بالرُّوح لأنَّ الرُّوحَ هو المُمَيِّزُ الحَقيقيّ. فالرُّوحُ هو المُمَيِّزُ الحَقيقيّ. وَهُوَ الَّذي قالَ عنهُ يَسوعُ في إنجيل يُوحَنَّا 16: 13: "فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ". فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ. فهذا هو دَوْرُهُ. وهذهِ هِيَ مُهِمَّتُه. فَهُوَ المُمَيِّزُ الحَقيقيّ.

ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 2: 16 أنَّ الوحيدَ الَّذي يَعْرِفُ فِكْرَ اللهِ هُوَ رُوْحُ اللهِ. أنَّ الوحيدَ الَّذي يَعْرِفُ تَمامًا فِكْرَ اللهِ هُوَ رُوْحُ اللهِ. وأنتُم لديكم رُوْحُ اللهِ. لِذا، فإنَّ لديكم فِكْر المسيح. ويا لها مِنْ كَلِماتٍ! ونَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 2: 20 و 27: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ... وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ". وهذهِ المَسْحَةُ هي الرُّوحُ القُدُس.

اتِّكِلوا على رُوْحِ اللهِ. فعندما تَمتلئ بالرُّوحِ، وتَسْلُك في الرُّوحِ، وتُطيعُ اللهَ، وَتَتَصَدَّى للخطيَّةِ في حَياتِكَ بأنْ تَعترِفَ بها وتَعيشَ حَياةً طاهِرَةً ومُقَدَّسَةً، وعندما تَخْضَعُ لِسُلْطانِ رُوحِ اللهِ مِنْ خلالِ كلمةِ اللهِ، فإنَّ رُوْحَ اللهِ سيَجْعَلُكَ شخصًا قادرًا على التَّمييز.

وأخيرًا، وَهِيَ النُّقطةُ الأكثرُ أهميَّةً: اجْتَهِد في دراسةِ الكتابِ المقدَّس. اجْتَهِد في دراسةِ الكتابِ المقدَّس. فلا يُمكنكَ أنْ تَصيرَ شخصًا قادرًا على التَّمييزِ مَهْما رَغِبْتَ في ذلك، ومَهْما صَلَّيْتَ بِخصوصِ ذلك، ومَهْما كُنْتَ أمينًا في اتِّباعِ قِيادَةِ شخصٍ يُحْسِنُ التَّمييزَ. وأنتَ لن تَصيرَ شخصًا قادرًا على التَّمييزِ مَهْما رَغِبْتَ في أنْ تكونَ ناضِجًا، ومَهْما اتَّكلتَ على الرُّوحِ القُدُس مَا لَمْ تَجْتَهِد في دراسةِ كلمةِ اللهِ.

فَمِنْ خِلالِ كلمةِ اللهِ سَتتعلَّمُ مَبادئَ التَّمييز. وَمِنْ خِلالِ كلمةِ اللهِ سَتتعلَّمُ الحَقَّ. ولَعَلَّكُمْ تَذكرونَ مُؤمِني كنيسة بِيريَّة الشُّرَفاء. فمعَ أنَّهم كانوا حَديثي الإيمانِ، فإنَّنا نَقرأُ عنهم في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 17: 11: "فَقَبِلُوا الْكَلِمَةَ بِكُلِّ نَشَاطٍ فَاحِصِينَ الْكُتُبَ كُلَّ يَوْمٍ: هَلْ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا؟" فَمَعَ أنَّهم لم يكونوا يَعرِفونَ أيَّ شيءٍ عنِ الكتابِ المقدَّسِ، فإنَّهم كانوا يَعلَمونَ أنَّهُ ينبغي لهم أنْ يَفْحَصُوا الكُتُبَ. لِذا فقد كانوا يَدرسونَ العهدَ القديمَ لكي يَرَوْا هَلْ هَذِهِ الأمورُ هكذا.

فالتَّمييزُ يَزْدَهِرُ فقط في بيئةٍ مِنَ الدِّراسةِ المُكَثَّفَةِ والأمينةِ للكِتابِ المُقَدَّس. سوفَ أقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى: التَّمييزُ يَزْدَهِرُ فقط ... فقط ... في بيئةٍ مِنَ الدِّراسةِ المُكَثَّفَةِ والأمينةِ للكِتابِ المُقَدَّس. لِذا فإنَّا نَرى في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 20 أنَّ بولسَ قَلِقٌ جِدًّا على شُيوخِ كَنيسةِ أفسُس ويقول: "لأَنِّي أَعْلَمُ هذَا: أَنَّهُ بَعْدَ ذِهَابِي سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ". فهناكَ ذِئابٌ شَرِسَة سَتُمَزِّقُكُم. فسوفَ تَأتي أحْصِنَةُ طِرْوادة. وسوفَ يَتَسَلَّلُ العَدُوُّ. وسوفَ تَنْخَدِعون ببعضِ الضَّلالاتِ. وسوفَ يَقومُ مِنْ وَسْطِكُمْ رِجالٌ مُضِلُّونَ. وسوفَ يَحْدُثُ تَشويشٌ في العقيدةِ بينَكُم وتَحْدُثُ فَوْضَى بخصوصِ العقيدة هُنا. "وَالآنَ أَسْتَوْدِعُكُمْ يَا إِخْوَتِي للهِ وَلِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ، الْقَادِرَةِ أَنْ تَبْنِيَكُمْ". الكلمة. الكلمة.

انظروا معي إلى رسالة تيموثاوس الثَّانية 2: 15، وَدَعونا نَرى هذهِ الآية ونُدرك أهميَّتَها. فيجب أنْ تكونوا قادرينَ على التَّمييز (بحسب ما جاءَ في نهايةِ العدد 15) بينَ كلمةِ الحَقِّ والأقوالِ الباطِلَةِ ... الأقوالِ البَاطِلَةِ الَّتي تَقودُ إلى حَياةٍ أكثر فُجورًا. فيجب أنْ تَمْلِكوا هذهِ القُدرة. فيجب أنْ تكونوا قادرينَ على التَّمييزِ بينَ كلمةِ الحَقِّ (كما قُلنا في المَرَّة السَّابقة)، والكلامِ السَّخيفِ والأحمق القائل: "إِنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ صَارَتْ" - فَيَقْلِبُ إِيمَانَ قَوْمٍ.

فيجب أن تكونوا قادرينَ على التَّمييزِ بينَ الحَقِّ والضَّلال. فيجب عليكم أنْ تكونوا قادرينَ على ذلك. وإليكُم الطَّريقة: "اجْتَهِدْ". وهذهِ كَلِمَة تَصِفُ عامِلًا يَبْذُلُ أَقصى جُهْدٍ مُمْكِنٍ ويَستخدِمُ كُلَّ مَهاراتِهِ في عَمَلِه. "أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى". وهذا يَعني حَرفيًّا: أنْ تَقِفَ بِجانِبِ اللهِ وتَكونَ مُسْتَحقًّا أنْ تَكونَ بِرِفْقَتِه. فإنْ كُنْتُ سأقفُ بجانبِ اللهِ وأقول: "أنا أستحقُّ أنْ أكونَ بِرِفْقَتِكَ، يا رَبُّ، لأنَّنا أنا وأنتَ نُؤمِنُ بالشَّيءِ ذاتِهِ"، فإنَّ هذا سيتطلَّبُ جُهْدًا كبيرًا إنْ كُنْتُ سأحْصُلُ على التَّزْكِيَةِ مِنَ الله.

ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "عَامِلاً لاَ يُخْزَى". والكلمة "يُخْزَى" هي الكلمة الرَّئيسيَّة. فيجب أنْ تَشْعُرَ بالخِزْيِ إنْ كُنْتَ تَقومُ بِعمَلٍ يَفْتَقِرُ إلى الجَوْدَةِ في الكلمة، أوْ إذا كانَ جُهْدُكَ مُخْزِيًا. فيجب أنْ يكونَ بِمَقدورِكَ أنْ تَقِفَ في حَضْرَةِ اللهِ وأنْ تَقول: "يا رَبّ، لقد وَعَظْتُ تَمامًا ما كَتَبْتَهُ أنتَ في الكَلِمة. وقد كُنْتُ أمينًا في ذلك. فقد اجْتَهَدْتُ في ذلك. وقدِ اجتهدتُ في دراستِها حَتَّى أتمكَّنَ مِنْ تَقديمِها بأمانة".

أَمْ أنَّكَ تُريدُ أنْ تَقِفَ أمامَهُ ذاتَ مَرَّة وأنْ تَسْمَعَهُ يَقولُ لَكَ: "أنا أَسْتَحي بِكَ، وأَستَحي بالطَّريقةِ المائِعَةِ والسَّاذَجَةِ الَّتي تَعامَلْتَ فيها مَعَ حَقِّي. وأنا أَسْتَحي بعدمِ قُدرتكَ على التَّفريقِ بينَ الحَقِّ والكلامِ العالميِّ الفارِغِ الَّذي يُؤدِّي إلى الفُجورِ ويَنتشرُ كَداءِ الغَنْغَرينة. وأنا أَستَحي بعدمِ قُدرتكَ على كَشْفِ القادةِ الزَّائفينَ الَّذينَ زَاغوا عنِ الحَقِّ وَزَعْزَعوا إيمانَ أشخاصٍ آخرين. وأنا أَستَحي بالطريقةِ الَّتي تَعاملتَ فيها مَعَ حَقِّي".

اسمعوني: إنْ كُنَّا سَنُفَصِّلُ كَلِمَةَ الحَقِّ بِالاسْتِقَامَة، يجب علينا أنْ نجْتَهِدَ جِدًّا في دراسةِ كلمةِ اللهِ. فلا توجد طَريقٌ مُختصرة للقيامِ بذلك. لا توجد طَريق مُختصَرة. وهذا هو ما يَجعلُ رجُلَ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ (كما يَقولُ بولسُ لاحِقًا).

لِذا، إذا أردتَ أنْ تَكونَ قادرًا على التَّمييز، فإنَّ هذا يَتطلَّبُ رَغْبَةً، وصَلاةً، وقُدوةً، ونُضْجًا، والرُّوحَ القُدُسَ، ودراسةً مُجْتَهِدَةً، ومَعرفةً بالكلمة. وما الَّذي سيَحدث؟ إنِ اتَّبَعْنا هذا النَّهْجَ، وَعَقَدْنا العَزْمَ على القيامِ بهذهِ الخُطْواتِ، فإنَّ هذا سيُقَوِّي اقْتِناعَ الكنيسةِ بالعقيدة. وسوفَ يَجْعَلُنا قادرينَ على مُناقضةِ الضَّلالِ مِنْ خلالِ التَّمَسُّكِ بالأشياءِ المُطْلَقَةِ، لا النِّسبيَّة. وسوفَ يَجْعَلُنا ذلكَ نُمارِس التَّأديبَ الكَنسيَّ. وسوفَ يَحْفَظُنا مِنَ المُماحَكاتِ الغَبِيَّةِ معَ العالَم. وسوفَ يَجعلُنا مُفَسِّرينَ جَيِّدينَ للكِتابِ المُقدَّس. وسوفَ يَمْنَحُنا نُضْجًا. وسوفَ يُمِجِّدُ اللهَ. وحينئذٍ، سَنَكونُ كَنيسةً قادرةً على التَّمييز.

وَدَعونا نَخْتِمُ بما جاءَ في رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الأوَّلِ؛ وَهُوَ نَصٌّ مُهِمٌّ جِدًّا. افتحوا عليهِ. رسالة فيلبِّي 1: 9: "وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ...". تَوقَّفوا هُنا. فنحنُ لسنا ضِدَّ المحبَّة. ونحنُ لا نُريدُ أنْ نكونَ غير مُحِبِّين. وأنا لا أريدُ أنْ أكونَ غَيْر مُحِبّ. "أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ". فأنا أريدُ مَزيدًا مِنَ المَحَبَّة، ومَزيدًا مِنَ المَحَبَّة، ومَزيدًا مِنَ المَحَبَّة تُجاهَ الآخرين. فَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ المحبَّةِ تُجاهَ الآخرين؛ أيْ تُجاهَ النَّاسِ الآخرين.

فَهُوَ يَقولُ: أنا أُريدُ "أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ". فأنا لا أريدُ أنْ يَظُنَّ الآخرونَ أنَّكُمْ غير مُحِبِّين. "أنْ تَزدادَ مَحَبَّتُكُم أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ". هل تَرَوْنَ ذلك؟ فلا يُمكنكم أنْ تَحْصُلوا على المَحَبَّةِ كَعِلْمِ تَفسير. ولا يُمكنكم أنْ تَحْصُلوا على المحبَّةِ كَمَبْدأٍ تَفسيريٍّ. فيجب أنْ تكونَ لديكم مَحَبَّة أعظم، وأعظم، وأعظم؛ ولكِنَّ تلكَ المحبَّة تَنْحَصِرُ في المعرفة الحقيقيَّة، أوْ في مَعرفةِ الحَقِّ والتَّمييز. "حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ" (في العدد 10). ثُمَّ أنْ تَصيروا "مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ" (في العدد 11).

ونحنُ نُريدُ أنْ نكونَ مُحِبِّين؛ ولكِنَّنا نُريدُ تلكَ المحبَّةَ الَّتي تَكْثُرُ في المعرفةِ الحقيقيَّةِ، وَفي كُلِّ تَمْييز، وفي اسْتِحْسانِ الأمورِ المُمتازة، وأنْ نَكونَ مَمْلوئينَ مِنْ ثَمَرِ البِرِّ. وَهُوَ يَقولُ في كُلٍّ مِنَ العَدَدَيْن 10 و 11 إنَّ هذا سَيَظْهَرُ في المُستقبَلِ مِنْ خلالِ تَمْجيدِكُم. فهذهِ هي دَعوةُ اللهِ للتَّمييز. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا مَعًا حَتَّى نُصَلِّي:

يا رَبّ، لقد تَبارَكْنا في هذهِ الأيَّامِ إذْ دَرَسْنا هذا الموضوعَ المُهِمَّ. ونحنُ نَسْألُكَ أنْ تُعْطينا فَهْمًا لِهذا الموضوعِ حَتَّى نَعْلَمَ سَبَبَ هذا النَّقْصِ في التَّمييز، وَحَتَّى نَفْهَمَ ما هُوَ التَّمييز، وَحَتَّى نَسْعى الآنَ إلى أنْ نَكونَ أشخاصًا مُمَيِّزين.

يا أبانا، ساعِدنا على أنْ نَحْمي الحَقَّ، ونَحْمي الكَنْزَ، وأنْ نُسَلِّمَهُ نَقِيًّا وَطاهِرًا إلى أبنائِنا والجيلِ القادِم. وساعِدنا، يا رَبُّ، على ألَّا نَكونَ ضَحِيَّةً لأحْصِنَةِ طِرْوادة الَّتي دَخَلَتِ الكنيسة كَهَدايا ثُمَّ تَسَلَّلَتْ مِنْها جُيوشُ الأعداءِ لِتُمَزِّقَنا إرْبًا إرْبًا. ساعِدنا على أنْ نَفحصَ كُلَّ شيءٍ في ضَوْءِ الكتابِ المقدَّس، وأنْ نَستخدِمَهُ كَميزانِ البِناءِ (كما قالَ عَاموس) الَّذي نَقيسُ بِهِ الحَقَّ.

ساعِدنا على أَلَّا نَخْزى يومًا مِنَ أنْ نَقِفَ يومًا بِجانِبِكَ وأنْ نَقول: "لقد وَعَظْتُ بكلمَتِكَ كما أَرَدْتَني أنْ أَعِظَ بها وَبِكُلِّ قُدرتي. وقد كُنْتُ أمينًا في التَّمييز". أعْطِنا هذهِ القُدرة حَتَّى نَحْمي القَداسةَ والبِرَّ لأجْلِ مَجْدِ اسْمِكَ وَكنيسَتِك. باسْمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize