Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفتَح كُتُبَنا المُقدَّسة في هذا المساء على رسالة يَعقوب. وأودُّ أنْ نَنظُرَ مَرَّةً أخرى إلى الأصحاح الأوَّل والأعداد مِنْ 2 إلى 12. وأنا لا أَفْتَرِض أنَّنا سنتمكَّنُ مِنْ دِراسةِ كُلِّ هذا المَقطع. بل إنَّني أريدُ أنْ آخُذَ وَقتي في التَّأمُّلِ في هذه الحقائق لأنَّها غَنِيَّة جِدًّا ورائعة جدًّا. وأوَدُّ أنْ أقرأَ مَرَّةً أخرة ما جاءَ في رسالة يعقوب 1: 2-12:

"اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ. وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ. وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ الْبَتَّةَ، لأَنَّ الْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ الْبَحْرِ تَخْبِطُهُ الرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. فَلاَ يَظُنَّ ذلِكَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ. رَجُلٌ ذُو رَأْيَيْنِ هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ. وَلْيَفْتَخِرِ الأَخُ الْمُتَّضِعُ بِارْتِفَاعِهِ، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَبِاتِّضَاعِهِ، لأَنَّهُ كَزَهْرِ الْعُشْبِ يَزُولُ. لأَنَّ الشَّمْسَ أَشْرَقَتْ بِالْحَرِّ، فَيَبَّسَتِ الْعُشْبَ، فَسَقَطَ زَهْرُهُ وَفَنِيَ جَمَالُ مَنْظَرِهِ. هكَذَا يَذْبُلُ الْغَنِيُّ أَيْضًا فِي طُرُقِهِ. طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ".

لقد أَنْهَيْنا رِسالَتَنا في المَرَّة السَّابقة بالعبارة "لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ". وأوَدُّ أنْ أبتدئَ هذه المَرَّة بمُتابعةِ الحديثِ عن تلكَ العِبارة نَفسِها. فَمَحَبَّةُ اللهِ هي، دُوْنَ شَكٍّ، المِفتاحَ لاحتمالِ كُلِّ ضِيقاتِ الحياة. ورُبَّما كانت هي الدَّليلُ الحاسِمُ الأكبر على أنَّ الإنسانَ اختبَرَ الولادة الثَّانية. فإنْ كانَ هُناكَ شَيءٌ يُبرهِنُ حَقًّا على أنَّ الإنسانَ قد وُلِدَ ثانيةً فهو أنَّهُ يُحِبُّ اللهَ. فهذا، في نَظري، هو العامِلُ الحاسِم. لِذا فإنَّ المؤمنينَ الحَقيقيِّينَ يُوْصَفونَ هنا بأنَّهُم الَّذينَ "يُحِبُّونَهُ". فهذا لَقَبٌ للمسيحيِّين. ويا لَهُ مِنْ لَقَبٍ جَميلٍ حَقًّا! وهذا هُوَ ما يَجْعَلُهُم يَحْتَمِلون. فَهُم يَحتملونَ لأنَّ لديهم محبَّة قويَّة لله. ومَهما كانتِ التَّجربة، ومهما كانَ الصِّراع، والمِحْنَة، فإنَّهم يَحتملون لأنَّ المَحَبَّة تُثَبِّتُهُم. وأعتقد أنَّهُ بمقدوركم أنْ تَرَوْا ذلكَ في أيِّ عَلاقة ... في أيِّ علاقة، حَتَّى على الصَّعيدِ البَشَرِيِّ لأنَّهُ حينَ تكونُ رابطةُ المحبَّةِ قويَّة جدًّا، فإنَّها تَصْمُدُ في وَجْهِ كُلِّ البَلايا. وفي تلك التَّجاربِ والضِّيقاتِ والاختباراتِ والصُّعوباتِ الَّتي تَملأُ حياةَ المؤمن، فإنَّ الشَّيءَ الَّذي يُثَبِّتُنا في الرَّبِّ ويَحفظُ إيمانَنا راسخًا هو رابطةُ المحبَّة القويَّة هذه.

قبلَ سَنواتٍ خَلَتْ، كانَ "غاردنر سبرنغ" (Gardner Spring) راعيًا في مدينة نيويورك. وقد كَتَبَ عن قُوَّةِ المُثابَرة الكامِنَة في المحبَّة. وإليكُم ما كَتَب: "هناكَ فَرْقٌ شاسعٌ بينَ هذه المحبَّة وتلك الصَّداقة الأنانيَّة وغير المُقدَّسة معَ اللهِ التي تَتمحورُ حولَ سعادَتِنا الشخصيَّة باعتبارِها الدَّافعَ الرَّئيسيّ والغايةَ النِّهائيَّة. فإن لم يَكُن الإنسانُ في مَحَبَّتِهِ المَزعومة لله يُراعي أيَّ شيءٍ آخر سِوى سَعادَتَهُ الشخصيَّة، وإنْ كانَ يَتَلَذَّذُ في اللهِ لا بسببِ طبيعَتِهِ، بل بسبب المَنفعة الَّتي يَجنيها مِنْه، فإنَّ هذه العاطفة لا تَنْطَوي على أيِّ فَضيلة أخلاقيَّة. بل هناكَ في الحقيقة مَحَبَّة هائلة للذَّات، لا مَحَبَّة حقيقيَّة لله. ولكِنْ عندما نُمِيْتُ عَداوةَ اهتمامِ الجسد فإنَّ النَّفسَ تَتَصالَحُ معَ الذَّاتِ الإلهيَّة كما هي. وحينئذٍ فإنَّ اللهَ نَفسَهُ بِكُلِّ مِلْءِ مَجْدِهِ المُعلَن يَصيرُ موضوعَ التَّقوى والتَّأمُّلِ المُبْهِج. وفي أفضلِ الأوقاتِ، تَبْتَعِدُ أنظارُ الإنسانِ التَّقِيِّ أكثر فأكثر عن ذاتِه. فحينَ تَتَرَكَّزُ أفكارُهُ على سُمُوِّ اللهِ بجميعِ صُوَرِه، فإنَّهُ لا يَكادُ يَتوقَّفُ عنِ التَّفكيرِ في ما إذا كانَ الخالقُ الَّذي يَمْلأُ شَخْصُهُ عَقلَهُ، والذي تَبدو كُلُّ الأشياءِ في حَضْرَةِ جَلالِهِ وَبَهائِهِ مُجَرَّدَ ذَرَّاتٍ وَبُطْلٍ، ما إذا كانَ سَيُظْهِرُ الرَّحمةَ لَهُ. فَنَفْسُهُ تَتوقُ إلى اللهِ. وفي دِفْءِ وحَماسَةِ هذه العاطفة المُتأجِّجة، لا يَسَعُهُ إلَّا أنْ يقول: ’مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ؛ كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ‘".

وما يُريدُ أنْ يَقولَهُ مِنْ خلالِ هذا كُلِّه، دُوْنَ شَكٍّ، هو أنَّ الرَّابطة الَّتي تَرْبِطُ الرَّجُلَ أوِ المرأةَ باللهِ هي رابطة المحبَّة؛ لا فقط العاطفة السَّطحيَّة، ولا فقط المشاعر الأنانيَّة الَّتي تقول إنَّهُ طالما أنَّني أَحْصُلُ مِنْكَ على ما أُريد فإنَّني سأبقى معك، بل هي رابطة المحبَّة الحقيقية الَّتي يمكن أنْ تَحتمِل أيَّ تَجربة. ثُمَّ يُوَجِّهُ "غاردنر سبرنغ" مجموعةً مِنَ الأسئلة الفاحصة الشَّخصيَّة الَّتي أعتقد أنَّها مُفيدة. فهو يَسألُ القارئَ ما يَلي: "هل تُحِبُّ اللهَ بسببِ الصَّورة الَّتي رَسَمْتَها لَهُ في مُخَيِّلَتِكَ، أَمْ بسببِ شَخْصِهِ؟ وهل أنتَ مَسرورٌ بشخصيَّتِهِ وتُحِبُّ كُلَّ جُزءٍ منها؟ وهل تُحِبُّ قَداسَتَهُ، ونِعمَتَهُ، وعَدْلَهُ كما تُحِبُّ رَحمَتَه؟ وهل تُحِبُّهُ فقط بسبب محبَّتِهِ لكَ، أَمْ أنَّكَ تُحِبُّهُ لأنَّهُ في ذاتِهِ جَديرٌ بأنْ يُحَبّ؟ هل تُحِبُّهُ لِمُجَرَّدِ أنَّكَ تَرجو أنْ يُخَلِّصَكَ، أَمْ أنَّكَ تَظُنُّ أنَّهُ يجب عليكَ أنْ تُحِبَّهُ حَتَّى لو دَانَكَ؟ وهل محبَّتُكَ للهِ فائقة؟ وَمَنْ تُحِبُّ أكثر مِنَ الله؟ وما الشَّخصيَّة الَّتي تَجِدُ فيها جَمالاً أَكثرَ رَوعةً؟ وهل تَشعرُ برغبة أكبر في الحُصولِ على البركة مِنْ شخصٍ آخر؟ وهل مِنْ شخصٍ آخر تَشْعُرُ نَحْوَهُ بامتنانٍ أكبر؟ قد لا تَجِد أيَّ صُعوبة في الإجابة عن هذه الأسئلة. صَحيحٌ أنَّهُ قد يكونُ هُناكَ خَطَر، ولكِنْ مِنَ المؤكَّد أنَّهُ لا حاجة إلى أنْ تكونَ مَخدوعًا في مسألة واضحة جِدًّا كهذه".

ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ الآتي: "إنَّ المحبَّة الفائقة للهِ هي دَليلٌ قَاطِعٌ على القلبِ المُتَجَدِّد". وأنا أُحِبُّ ذلك: "إنَّ المحبَّة الفائقة للهِ هي دَليلٌ قَاطِعٌ على القلبِ المُتَجَدِّد". فالأشخاصُ الَّذينَ يَحتملونَ التَّجارب (كما يَقولُ يَعقوب) هُمُ الَّذينَ يُحِبُّونَهُ.

والآن، هناكَ بعضُ الأشياءِ الَّتي لا تُبَرهنُ على المحبَّة الحقيقيَّة. وهي لا تُبَرهنُ على حقيقةِ الإيمانِ الحَيِّ المُخَلِّص. فالأخلاقُ الخارجيَّة لا تُبرهنُ على ذلك. فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يَتَحَلَّوْنَ بأخلاقٍ حميدة ولكنَّهم لا يُحِبُّونَ اللهَ. والمعرفة اللاهوتيَّة لا تُبرهنُ على ذلك. فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يَعرفونَ الكثيرَ عنِ اللَّاهوت. وهذا لا يَعني بالضَّرورة أنَّهم يُحِبّونَ اللهَ. والأنشطة الدينيَّة لا تُبرهنُ على الإيمانِ الحَيِّ الحقيقيّ. فهناكَ أُناسٌ مِنْ كُلِّ الفئاتِ يَشتركونَ في أنشطة دينيَّة ولكنَّهم لا يُحِبُّونَ الله. وحتَّى إنَّ التَّبكيتَ على الخطيَّة والخوفَ مِنَ الدَّينونة لا يُبَرْهِنان بالضَّرورة على الإيمانِ الحقيقيِّ المُخَلِّص. إذًا، ما الَّذي يُبرهِن على الإيمانِ المُخَلِّص؟ حسنًا، مِنَ المُحَقَّقِ أنَّ الإيمانَ المُخَلِّصَ يَقومُ على محبَّة حقيقيَّة لله. وما الَّذي يُبَرهِنُ على أنَّ المحبَّة حقيقيَّة؟ وما الَّذي يُظْهِرُ المحبَّة الحقيقيَّة؟ هذا هو صُلْبُ ما يَتحدَّثُ عنهُ يَعقوب. وهذا هُوَ صُلْبُ الرِّسالةِ بأسْرِها. وهو يَمْتَحِنُ ما إذا كنتَ تُحِبُّ اللهَ مِن خلالِ سِلسِلَة مِنَ الامتحانات.

أوَّلاً، إليكم الامتحان. وسوفَ ننظر إليهِ في وقتٍ لاحقٍ في الأصحاح الأوَّل: امتحان تَوْجيه إصْبَع اللَّوم في التَّجربة. ثُمَّ هُناكَ امتحان كيفيَّة تجاوُبِنا معَ الكلمة. ثُمَّ هناكَ امتحان محبَّة الآخرين دُوْنَ مُحاباة. وهناكَ امتحانُ الأعمالِ الصَّالحة، وامتحانُ اللِّسان، وامتحانُ الحِكمة المُتواضعة، وامتحانُ الانغماسِ في الأمورِ الدُّنيويَّة، وامتحانُ الاتِّكال، وامتحانُ الصَّبْر، وامتحانُ الصِّدْق، وأخيرًا: امتحانُ الصَّلاة. وهذه جَميعُها هي امتحاناتٌ سيَجتازُها الشَّخصُ الَّذي يُحِبُّ اللهَ مَحَبَّة حقيقيَّة. ولكِنَّ الامتحانَ الأوَّل الَّذي نتأمَّلُ فيهِ في هذه الآياتِ هو امتحانُ الصَّبْر في التَّجارِب. فهو يَكْشِفُ ما إذا كانت محبَّتُكَ قويَّة حقًّا، وما إذا كانَ إيمانُكَ حَقيقيًّا. فالإيمانُ الحقيقيُّ الَّذي يَصْمُدُ بسببِ المحبَّة الحقيقيَّة يَجْتازُ بنجاح هذا الامتحان.

والآنْ، عودة إلى العدد الثَّاني. وقد لاحَظنا في المَرَّة السابقة إنَّنا سَنَقَع في تجارب مُتنوِّعة. وقد لاحَظنا أيضًا (في العدد الثالث) أنَّ هذه التَّجارِب تَرْمي إلى فَحْصِ صِدْقِ إيمانِنا. فالتَّجاربُ المُتنوِّعة تأتي إلى حياتِنا لكي تَفْحَص إيمانَنا، ولكي تُبَيِّن صِدْقَ مَحَبَّتِنا. وقد كَتَبَ بُطرسُ عنِ الشَّيءِ نفسِه في رسالة بُطرس الأولى 1: 6-8، كما رأينا في المَرَّة السابقة. ثُمَّ إنَّهُ يُلَخِّصُ في العدد 12 بصورة رئيسيَّة هذا المقطعَ بعباراتٍ مُشابهة. فالشَّخصُ الَّذي يَحتملُ التَّجارِب سيُكافَأ، وسيُبَرهِن على أنَّهُ شخصٌ يُحِبُّ الرَّبَّ حَقًّا. لِذا فإنَّنا نَتعامَلُ هُنا معَ التَّجارب بوصفها اختبارًا للخلاصِ الحقيقيِّ؛ وهو أمرٌ يَقومُ على المحبَّة الحقيقيَّة. ولعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ الكلمة المُتَرجمة "تَجْرِبة" هُنا هي "بيرازموس" (peirasmos) المُشتقَّة مِنَ الكلمة "بيراتزو" (peirazo) الَّتي تَعني: يَفْحَص". فهي امتحانٌ للإيمانِ الحَيِّ.

وقد تَحدَّثنا في المَرَّة السابقة عن حقيقة أنَّنا، بوصفِنا مُؤمِنينَ حقيقيِّينَ، مَضمونونَ أبديًّا لا فقط مِنْ جِهَةِ اللهِ، بل إنَّنا نُثابِرُ مِنْ جِهَتِنا نحنُ أيضًا. أَتَذكرونَ ذلك؟ فهذا تَوازُنٌ مُهِمٌّ جدًّا جدًّا. فالمؤمنُ الحقيقيُّ "مَمْسُوكٌ" مِنْ قِبَلِ اللهِ. ولكِنَّ المؤمنَ الحقيقيَّ "يَتَمَسَّكُ" أيضًا بالرَّبّ. فهو يَصْبِر في التَّجارب. لِذا، يمكنكَ أنْ تَنظر إلى أشخاصٍ يَمُرُّونَ في تجربة وتَرى صِحَّة إيمانِهِم مِنْ خلالِ صِدْقِ مَحَبَّتِهِم، ومِنْ خلالِ ما إذا كانوا مُتَمَسِّكينَ بإيمانِهِم أَمْ لا. فإنْ لم تكن هناكَ تَجربة أو ضيقة تستطيعُ أنْ تَهْدِمَ ثِقَتَهُم باللهِ، فإنَّهُم يُبَرهنونَ مِنْ خلالِ تلكَ التَّجربة على أنَّ إيمانَهُم حَيٌّ ومُخَلِّص. أمَّا إذا تَراجَعوا في وسط تلك التجربة، ولَعَنوا اللهَ، أو ابتعدوا عنِ اللهِ، أو أَنكروا اللهَ، أو تَجاهَلوا اللهَ، فإنَّهم يُبرهنونَ على أنَّ إيمانَهم مَيَّت.

وقد أخبرَني ابني "مات" (Matt) قبلَ بِضعة أيَّام عن رَجُلٍ تَزَوَّجَ في وَقْتٍ ما مِنْ حياتِه هُنا في كنيسة "النعمة" (Grace Community Church)، وذَهَبَ إلى كنيسةٍ أخرى وَخَدَمَ فيها بِصِفَةٍ رَسميَّة. وقد طَلَّقَتْهُ زوجَتُه. وفي هذا الوقتِ مِن حياتِه، لم يَعُد لديهِ أيُّ اهتمامٍ بالإيمانِ المسيحيّ. وقد أَنْكَرَ الإيمانَ تَمامًا، وَوَضَعَهُ جانِبًا، ولم يُظْهِر أيَّ انجذابٍ إلى المسيح. وهذا يُشيرُ في نَظَري إلى أنَّهُ عندما خَضَعَ لامتحانٍ صَعْبٍ جِدًّا تَبَيَّنَ أنَّ إيمانَهُ مَيِّتٌ وليسَ حَيًّا البَتَّة. مِن جهة أخرى، ما أكثرَ الأشخاصَ الَّذينَ اجتازوا اختباراتٍ صعبة وبَرهَنوا في النِّهاية على أنَّ إيمانَهُم باللهِ هُوَ إيمانٌ حَيٌّ حَقًّا!

ولكِنَّ هذا الجُزءَ مِنَ التَّركيزِ الَّذي يَضَعُهُ يَعقوبُ يَختصُّ بكيفَ نَصْبِرُ في التَّجارِبِ، بصفَتِنا مُؤمِنينَ، ونَستفيدُ مِنها قَدْرَ الإمكان، ونَنتفعُ مِنها قَدْرَ المُستَطاع، ونُظْهِرُ صِدْقِ إيمانِنا. والحقيقة هي أنَّ هناكَ عِدَّة وسائل تُساعِدُنا على أنْ نَصْبِر. والصَّبْرُ يعني أنْ يَتَمَسَّكَ المؤمِنُ بمحبَّتِهِ للهِ وإيمانِهِ به. وما هي الوسائل؟ وكيفَ يمكننا أنْ نَصْبِرَ في التَّجارِب؟ فَحَتَّى بوصفِنا مؤمِنينَ حقيقيِّين، كيفَ يمكننا أنْ نُحَقِّقَ أكبرَ استفادَةٍ مُمكِنة مِنْ تجارِبِنا؟ وكيفَ نَنتصرُ في تَجارِبِنا؟ حسنًا، سوفَ ننظر إلى خمسِ وسائل رئيسيَّة تُساعِدُنا على الصَّبْرِ في التَّجارِب.

الوسيلةُ الأولى الَّتي نبتدئُ بها هي: موقِفُ الفَرَح. فنحنُ نَبتدئُ بموقفِ الفَرَح إذْ نَقرأ في العدد الثَّاني: "يا إخْوَتي" – وَهُوَ يُشيرُ بذلك إلى المؤمنين؛ وتحديدًا إلى المؤمنينَ مِن خلفيَّة يهوديَّة. أجل، فهذا مؤكَّد. فمعَ أنَّهم كانوا يَهودًا لأنَّ الآية الأولى تقول "إِلَى الاثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا الَّذِينَ فِي الشَّتَات"، فإنَّهم كانوا مَسيحيِّينَ وكانوا مُؤمِنين. وَهُوَ يَدعوهم "إخْوَة" في كُلِّ هذه الرِّسالة: في الأصحاح الأوَّل والعدد 2، والعدد 16، والعدد 19؛ وفي الأصحاحِ الثَّاني والعدد 1، والعدد 5، والعدد 14، والعدد 15؛ وفي الأصحاحِ الثَّالث أيضًا والعدد الأوَّل؛ وفي الأصحاحِ الخامِس والأعداد 7 و 9 و 10 و 19. وَرُبَّما لم أَذْكُر بعضِ الشَّواهِد. وَهُوَ يَدعوهم أحيانًا "يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاء". لِذا فإنَّهُ يُخاطِبُهُم بِصِفَتِهِم إخوة مُؤمِنين. وضميرُ المُتَكَلِّم في الكلمة "إخْوَتي" يُعَبِّرُ عَنْ عاطفة رائعة وَحارَّة تُشيرُ إلى ارتباطِهِ مَعَهُم برابطة مُشترَكة. لِذا فإنَّهُ يُخاطبهم بوصفهم إخوتَهُ المؤمنين ويقولُ، بَادِئَ بَدْءٍ: "إذا أردتُم أنْ تَصْبِروا في التَّجارِبِ المُتنوِّعةِ، وإذا أردتُم أنْ تَخرُجوا مِنْها مُنتصِرينَ في النِّهاية، يجب عليكم أنْ تَنْظُروا إلى التَّجربة الَّتي أصابَتْكُم، أيًّا كانت، وأنْ تَحْسِبوا ذلكَ فَرَحًا". لِذا فإنَّ الوسيلة الأولى هي مَوقِفُ الفَرَح.

والكلمة "يَحْسِب" أو "اِحْسِبُوهُ" تَرِدُ بصيغة الأمر، وتَعني: "اعْتَبِروهُ" أو "انظروا إليهِ" كَسَبَبٍ للفَرَح. وما أعنيه هو أنَّهُ شيءٌ تُدَرِّبُ نفسَكَ [نوعًا ما] على القِيامِ بِهِ. فأيًّا كانَتْ هذهِ التَّجربة، فإنَّكَ تقول: "سوفَ تكونُ هذه التَّجرِبة مَصْدَرَ فَرَحٍ لي. فسوفَ أحْسِبُها مَصْدَرَ فَرَح". بعبارة أخرى، فإنَّنا نَتَعَهَّدُ بأنْ نأخُذَ مَوْقِفَ الفَرَح. وحينَ يقولُ بولُس لمؤمِني فيلبِّي (في الأصحاحِ الرَّابعِ): "فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ"، فإنَّهُ يَقولُ ذلكَ بعدَ أنْ قال: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا". وقد قالَ هذه الكلمات وَهُوَ مَسْجون. فقد تَعَلَّمَ أنْ يَفعلَ ذلك. وقد حَصَدَ نَتيجةَ ذلك. فهو ليسَ شيئًا يَحْدُثُ صُدْفَةً. لِذا، "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي" – لا فَرَحًا جُزئيًّا، بل كُلَّ فَرَح. "حِينَمَا" – لاحِظوا تلك الكلمة الصَّغيرة "حينَما". فهي ليست الكلمة "إذا"، بل هي الكلمة "حينَما". والحقيقة هي أنَّها تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "هوتان" (hotan) ومَعناها: "كُلَّما". وحينَ تُستخدَمُ بهذه الصِّيغة تحديدًا فإنَّها تَعني "كُلَّما". وَصَدِّقوني أنَّهُ أَمْرٌ لا مَفَرَّ مِنْه.

لِذا، "حينَما تَقَعُونَ" – "بارابيبتو" (parapipto). والفِكرة هُنا هي الوُقوعُ في تَجربة. وهي كلمة تُستخدَم هُنا، وأعتقد أنَّها تُستخدَم في مَوْضِعَيْنِ آخَرَيْنِ فقط: الأوَّل في إنجيل لوقا 10: 30 في قِصَّةِ السَّامِرِيِّ الصَّالح إذْ نَقرأُ أنَّ رَجُلاً كَانَ نَازِلاً ... فَوَقَعَ بَيْنَ لُصُوص. والكلمة المُستخدمة هنا هي "وَقَعَ". وهي تَنْطَوي على فِكرةِ أنَّهُ أُخِذَ على حيْنِ غِرَّة أوْ تَعَرَّضَ إلى هُجومٍ مُباغِتْ مِنْ لُصوص. وهي تُستخدَم أيضًا في سِفْر أعمال الرُّسُل 27: 41 حيثُ يَسْتَقِلُّ بولُسُ سَفينةً إلى رُوما. ثُمَّ نَقرأُ: "وَإِذْ وَقَعُوا عَلَى مَوْضِعٍ بَيْنَ بَحْرَيْن". وإنْ كُنْتَ قد أَبْحَرْتَ يومًا، فإنَّكَ تَعلمُ أنَّهُ عندما يَلْتَقي بَحْران معًا فإنَّ المَوْجَ قد يَكونُ عاليًا جِدًّا. فكأنَّكَ ارْتَطَمْتَ بِجِدار. لِذا فقد وَقَعوا على ذلكَ المَوْضِع. ومَرَّةً أُخرى فإنَّ الكلمة "وَقَعوا" تُشيرُ إلى شيءٍ مُفاجِئ ومُباغِت في ذلك الموقِف. لِذا فإنَّ هذه الكلمة تَعني حُدوثَ شَيءٍ غير مُخَطَّط لَهُ، وشيء مُفاجِئ ومُباغِت وأنتَ في غَفْلَة مِنْ أمْرِك. والكلمة "بيري" (peri) تَعني "يُحيط". فهو شيءٌ يُحيطُ بك. فهو يَغْمُرُكَ.

لِذا فإنَّنا جميعًا سنَتعرَّض في حياتِنا لأمورٍ مُفاجِئَة، ومُباغِتة، وصَادِمَة إذْ سَنَقَعُ في مَتاعِب غير مُتوقَّعة تُحيطُ بِنا. والقَصْدُ هُنا هو أنْ يُبَيِّنَ أنَّهُ لا يُوْجَد مَهْرَبٌ واضِحٌ مِنْ هذه الضِّيقة. وقد واجَهَ المسيحُ ذلك. فقد قالَ لتلاميذِهِ في إنجيل لوقا 22: 28: "أَنْتُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعِي فِي ["بيرازموس" – “peirasmos]]" أيْ: " أَنْتُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعِي فِي ضيقاتي. وأنتم الَّذينَ ثَبَتُوا معي في تَجارِبي". ولا يوجد في الحقيقة مَفَرّ. فالضِّيقاتُ تُحيطُ بِك. ويسوعُ لم يَبْحَثْ يومًا عنِ المَتاعِب، ولكنَّهُ تَقَبَّلَها دائمًا. وقد كانَ رَبُّنا الحَبيبُ فَرِحًا في وَسْطِها. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 12: 2 إذْ نَقرأ: "نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْي". فقد احْتَمَلَ ما احْتَمَل لأنَّهُ نَظَرَ إلى ما وراءِ المِحْنَة ورأى السُّرورَ الَّذي سيأتي بعدَ مُرورِها. بعبارة أخرى، فقد نَظَرَ إلى ما سَيَنْجُمُ عنها ... إلى ما سيَنجُمُ عنها.

وفي مقطعٍ لاحقٍ مِنَ الأصحاح 12 مِنَ الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين، مِنَ المؤكَّد أنَّكُم تَعرفونَ ما جاءَ في العَدَدَيْن 10 و 11 إذْ نَقرأُ أنَّ التَّجارِبَ لا تبدو مُفْرِحَةً بادِئَ الأمر: "وَلكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرّ لِلسَّلاَم". لِذا، حينَ تَرى تَجربةً قادمةً، يجب أنْ يكونَ مَوقِفُكَ هو موقفُ الفَرَح لأنَّكَ تَترَقَّبُ العملَ التَّامَّ الَّذي سيُحَقِّقُهُ الربُّ مِنْ خلالِ تلكَ التَّجربة. وحينئذٍ فإنَّكَ تَتَدَرَّبُ على حَصْدِ ذلكَ الموقِفِ السَّليم. وقد كانت هذه، مِنْ دُوْنِ شَكٍّ، طريقةُ المُخَلِّص. فقد كانَ يَجْتازُ مِنَ الضِّيقِ إلى الفَرَح. وهل ينبغي أنْ نَتوقَّعَ شيئًا مُختلفًا؟ وهل تَذكرونَ ما جاءَ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ العاشِرِ حينَ قالَ يسوعُ ذلك؟ فقد قالَ لتلاميذِهِ حينَ كانَ يَستعدُّ لإرسالهم إنَّهُ لا يَجوزُ لهم أنْ يَتوقَّعوا أيَّ شيءٍ يَخْتَلِفُ عَمَّا احْتَمَلَهُ هُوَ. فهو يقول في الأصحاحِ العاشرِ والعدد 25: "يَكْفِي التِّلْمِيذَ أَنْ يَكُونَ كَمُعَلِّمِهِ". وما كانَ يَتحدَّثُ عنهُ هُنا هو ليسَ "التَّلمذة" بِوَصْفِها نَموذَجًا يُحْتَذى، بلِ التَّلمذة بوصفِها تَأَلُّم. ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 15: "إِنْ كَانوا قد أَبْغَضوني، فإنَّهم سيُبغضوكُم. وإنْ كانُوا قدِ اضْطَهدوني فإنَّهُم سيَضطدوكُم". وَهُوَ يقول في الأصحاح 16: "تَأتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للهِ".

فهل يُمكنُنا أنْ نَفْرَح لأنَّنا نَرى ما سيأتي بعدَ الضِّيق؟ وهل يمكننا أنْ نَفرحَ لأنَّنا نَعْلَمُ أنَّهُ مِنْ خلالِ الضِّيق فإنَّ الربَّ سيَقومُ بِعَمَلٍ كاملٍ ما؟ لاحِظوا قليلاً ما جاءَ في الأصحاح 16 مِنْ إنجيل يوحنَّا. وأوَدُّ أنْ ألْفتَ أنظارَكُم إلى آياتٍ عَديدة هُنا حَتَّى أُساعِدَكُم في تَرسيخِ هذه الفكرة. والحقيقة هي أنَّنا غَطَّيْنا كَمًّا لا بأسَ بِهِ فيما يَختصُّ بمعنى التَّجارِب في الرِّسالة السَّابقة حَتَّى إنَّ كُلَّ ما نَفْعَلُهُ الآنَ هُوَ أنَّنا نُضيفُ المَزيدَ إليها. وللأشخاصِ الَّذينَ لم يكونوا حاضِرينَ مَعَنا، أعتذر لأنِّي لا أستطيعُ أنْ أُعيدَ ذلك؛ ولكنِّي أَثِقُ أنَّ الربَّ سَيُعَلِّمُكُم بأيِّ حَال. ففي إنجيل يوحنَّا 16: 20، يَقولُ يسوعُ: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ" – وَهُوَ، في الحقيقة، يُحَذِّرُ تلاميذَهُ مَرَّةً أخرى: "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ". بعبارةٍ أخرى، فإنَّهُ كانَ يَتَوَقَّعُ موتَهُ. والعالمُ سيَفرحُ. أمَّا الَّذينَ يُحِبُّونَهُ فسيبكونَ ويَنوحون. "أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ". وَكُمْ أُحِبُّ ما جاءَ بعدَ ذلك: "وَلكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى" [ماذا؟] فَرَحٍ". ثُمَّ إنَّهُ يُقَدِّمُ مَثَلاً توضيحيًّا: "اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ، وَلكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ، لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَم". ويا لَهُ مِنْ مَثَلٍ توضيحيٍّ رائع! ويا لها مِنْ صُورة رائعة! "فَأَنْتُمْ كَذلِكَ [في العدد 22]، عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ".

وأنا أُوْمِنُ بأنَّ هذا يَصِحُّ على حَياةِ كُلِّ مُؤمِن. فحينَ نَمُرُّ في تَجربة ما، أيًّا كانت هذه التَّجربة، يجب علينا أنْ نَتمكَّنَ مِنَ النَّظرِ ورُؤيةِ ما يَكْمُنُ وراءَ التَّجربة مِنْ فَرَحٍ سنَختبرُهُ عندما نَجْتازُ ذلكَ الامتحانَ بنجاح، وعندما نَتَقَوَّى بسببِ ذلك. لِذا فإنَّ رَدَّ فِعْلِنا، بحسبِ ما جاءَ في الأصحاح الأوَّل مِن رسالة يعقوب، هو ليسَ الفرح الجُزئيّ، بل كُلَّ الفَرَح – حينَ نَصِلُ إلى قَناعةٍ تامَّةٍ وقاطِعَةٍ ويَقينيَّة بأنَّنا سنُواجِهُ التَّجاربَ بالموقفِ السَّليم. فيمكننا حينئذٍ أنْ نَفرحَ فَرَحًا كاملاً. وهناكَ شُرَّاحٌ يقولونَ إنَّ الآية تَعني "كُلَّ فَرَح" ولا شيء أَقَلَّ مِنْ ذلك؛ وهذا يَعني: فَرَحًا خَالِصًا". وهناكَ شُرَّاحٌ يقولونَ إنَّ المَعنى المقصودَ هُوَ الفَرَح غير المَخْلوط بشيءٍ آخر. وهناكَ شُرَّاحٌ يقولونَ إنَّ الآيةَ تَعني "فَرَحًا تامًّا". والبعضُ يقولُ إنَّها تَعني "فَرَحًا كُلِّيًّا". وهناكَ مَنْ يقولُ إنَّهُ "فَرَحٌ صِرْف". ويمكنكُم أنْ تَختاروا المَعنى الَّذي تَشاءون لأنَّ جَميعَ التَّفسيراتِ تَعني الشَّيءَ نَفسَهُ. ولكِنَّ هذا الفَرَحَ يَقْتَصِرُ على الشخصِ الَّذي يَحْسِبُ أنَّ اللهَ أَعْطاهُ امتيازَ أنْ يُخْضِعَ إيمانَهُ للامتحان لأنَّهُ يَعلمُ أنَّهُ مِنْ خلالِ امتحانِ إيمانِه فإنَّهُ سيَلتصِق أكثر بالمُخَلِّص. وهو يَتوقُ جِدًّا إلى تلك العلاقة الحَميمة وإلى ذلك الاتِّكالِ الشَّديدِ عليه حَتَّى إنَّهُ يُرَحِّبُ بالتَّجربة كما لو كانت صَديقًا.

هل لاحَظتَ ... هل لاحَظتَ أنَّكَ في تَجارِبِكَ تَمْتَلِكُ حِسًّا مُرْهَفًا أكثر لِحُضورِ الله؟ هل لاحظتَ ذلك؟ وهل لاحَظتَ أنَّهُ عندما تَمُرُّ بأوقاتٍ عصيبةٍ فإنَّ حَياةَ الصَّلاةِ تَزدادُ لديكَ؟ وتواصُلُكَ معَ اللهِ يَزْداد؟ وأنَّكَ تَبتدئُ في البحثِ في الكِتابِ المقدَّسِ للعثورِ على حُلولٍ لمشاكِلِك؟ وأنَّكَ تَطلبُ مِنَ المؤمنينَ أنْ يُصَلُّوا لأجلِك؟ وَكُلُّ ذلك يُقَرِّبُكَ أكثر فأكثر إلى الربِّ، وأكثر فأكثر إلى مَصْدَرِ فَرَحِك. لِذا فإنَّهُ امتيازٌ لنا أنْ يَخْضَعَ إيمانُنا للفحص. وهو امتيازٌ لنا أنْ نَتألَّم. ويجب علينا أنْ نَحْسِبَهُ امتيازًا وأنْ نَقْبَلَهُ بفرح. ونَقرأ في رسالة بُطرس الأولى 2: 20: "بَلْ إِنْ كُنْتُمْ تَتَأَلَّمُونَ عَامِلِينَ الْخَيْرَ فَتَصْبِرُونَ، فَهذَا فَضْلٌ عِنْدَ اللهِ". فأنتُم تَتألَّمونَ حَقًّا لأجلِه. وتَذَكَّروا ما يَلي: فنحنُ نَقرأ في الرسالة إلى العبرانيين 12: 3: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّم". والمقصودُ هو أنَّكم لم تُقاوموا بعد كما فَعَلَ يسوع. هل فَكَّرتُم يومًا في ذلك؟ فأنا أُفَكِّرُ في ذلك كثيرًا. فعندما أُواجِهُ ضيقَةً (وأنا لَدَيَّ ضِيقاتي)، وعندما تَشتدُّ العاصفة، فإنَّني أَسْألُ نفسي إنْ كانت هذه مُناسبة سعيدة جدًّا حَقًّا وإنْ كانَ هناكَ شيءٌ يمكنني أنْ أَفْرَحَ به. وأنا أتذكَّرُ دائمًا أنَّني لم أُجاهِدْ بعد حَتَّى الَّدمِ كما فَعَلَ يسوعُ المسيح، وأنَّهُ إنْ كانَ بمقدورِهِ هو أنْ يَحتملَ الصَّليبَ وأنْ يَرى ذلكَ فُرصةً سَعيدةً لتحقيقِ شيءٍ عظيمٍ لتحقيقِ قَصْدِ اللهِ، كيفَ لا أَحتَمِل تجربتي الصغيرة بِفَرح أنا أيضًا؟ وأنا لا أنظرُ فقط إلى المسيحِ بوصفِهِ نَموذَجًا لي، بل أعتقد أنَّ المسيحَ هُوَ، مِنْ عِدَّة أوْجُه، نَموذَج غير وَاقِعِيٍّ لي لأنَّني أقولُ إنَّهُ مهما فَعلتُ فإنَّني لن أكونَ مِثلَهُ. لِذا فإنَّني أبحثُ عن شخصٍ يُشبِهُني لكي أَتَمَثَّلَ به في حياتي. وأنا أنْجَذِبُ في النِّهاية إلى رَجُلٍ يُدْعى الرَّسول بولُس، الَّذي يَبدو في نَظري أقربَ نَموذجٍ مُمْكِنٍ للمسيح. فهو يَجْتازُ التَّجاربَ طَوالَ الوقتِ. ويبدو أنَّهُ كانَ قادرًا على الفَرَحِ والابتهاجِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا كانَ يَجري.

وهذا يُذَكِّرُني بما جاءَ في سِفْر أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 16 إذْ نَقرأ: "وَنَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ" كَانَ بُولُسُ وَسِيلاَ في السِّجْن. ويجب أن تَعلموا أنَّ هذا ليسَ مكانًا جَميلاً. فهي ليست كَبَعْضِ السُّجونِ اليوم. فقد كانَ السِّجْنُ مَكانًا قَذِرًا تَنْعَدِمُ فيهِ الظُّروفُ الصِّحيَّة. وكانَ مَكانًا مُظلِمًا وقَذِرًا. وليسَ هذا وحسب، بل إنَّهم كانوا يَضَعونَ أَرْجُلَ السُّجناءِ في المِقْطَرَة. والمِقْطَرَة كانت أداةَ تَعذيبٍ تَفْتَحُ الذِّراعَيْنِ إلى أقصى حَدٍّ مُمكِن، وَتَشُدُّ الأطرافَ، وتَفتَحُ السَّاقَيْنِ إلى أقصى حَدٍّ مُمكن مُحْدِثَةً تَشَنُّجاتٍ مؤلمة جدًّا فيهما بسبب عدم القُدرة على الحركة وعلى مَطِّ الجسم. وقد كانا هُنا في تلك الحالةِ في المِقْطَرَة في السِّجن. وقد كانت حَياتُهُما على المِحَكّ. ونَقرأُ: "وَنَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّيَانِ وَيُسَبِّحَانِ اللهَ". وهذا موقفٌ فَرِحٌ في وسط تَجربة صعبة جدًّا. ولكِنْ يبدو أنَّ هذا كانَ جُزءًا مِنْ حياةِ بولُس.

وهذا يُذَكِّرُني أيضًا بما جاءَ في رسالة كورِنثوس الثانية والأصحاح 12 إذْ إنَّ بولسَ كانَ، كما تَذكرونَ، قد أُعْطِيَ شَوكةً في الجسد، مَلاكَ الشَّيطانِ لِيَلْطِمَهُ. وهي ضيقة صَعبة جدًّا حَتَّى إنَّهُ صَلَّى ثلاثَ مَرَّاتٍ إلى الرَّبِّ لكي يُخَلِّصَهُ منها، ولكنَّها لم تُفارِقْهُ، بل إنَّ الربَّ قالَ لَهُ: "تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، يا بولُس. فأنتَ لستَ في حاجة إلى زَوالِ التَّجربة، بل أنتَ في حاجة إلى النِّعمة لكي تَحتملَها. وسوفَ أُعطيكَ تلك النِّعمة لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ". ثُمَّ إنَّ بولس يقول: "فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيح". لِذا، يجب عليكَ أنْ تَفرحَ في تَجارِبِك. فأوَّلاً، إنَّها تُقَرِّبُكَ أكثر إلى الرَّبّ. ثانيًا، إنَّها تُعْطيكَ امتيازَ الاشتراكِ في شَرِكَةِ آلامِه. وثالثًا، إنَّها تُبْقيكَ ماذا؟ تُبقيكَ مُتواضِعًا. أليسَ كذلك؟ إنَّها تُبقيكَ مُدركًا لحاجَتِكَ إليه. وهذا امتيازٌ.

انظروا إلى رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل. وهذا لا يَعني بالضَّرورة أنَّ كُلَّ مُعاناة ينبغي أن تكونَ مُعاناة جسديَّة. فأحيانًا قد نَمُرُّ بِمِحْنَة نفسيَّة أو فِكريَّة. ولكِنْ في رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل، يَتحدث بولس عنِ الأشياءِ الَّتي كانَ يَفعلُها. وقد كانَ، دونَ شَكٍّ، مَحبوسًا حينَ كَتَبَ رِسالَتَهُ إلى مؤمِني فيلبِّي. وَهُوَ يقول في العدد 12: "ثُمَّ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنَّ أُمُورِي [أيْ سِجْنَهُ] قَدْ آلَتْ أَكْثَرَ إِلَى تَقَدُّمِ الإِنْجِيلِ، حَتَّى إِنَّ وُثُقِي [إذْ إنَّهُ كانَ مُقَيَّدًا] صَارَتْ ظَاهِرَةً فِي الْمَسِيحِ فِي كُلِّ دَارِ الْوِلاَيَةِ وَفِي بَاقِي الأَمَاكِنِ أَجْمَع". فقد كانَ يُقَيَّدُ مَعَ كُلِّ واحدٍ مِن هؤلاءِ الحُرَّاسِ الرُّومانِيِّين. وبسببِ ذلك، رَبِحَهُم جميعًا للرَّبّ. وقد صارت هناكَ نَهضة روحيَّة في قصر القيصر. لِذا فإنَّهُ يقولُ في نهاية رسالة فيلبِّي، وتحديدًا في العدد 22 منَ الأصحاح الرابع: "يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ قَيْصَر". فَهُمْ لم يكونوا يَعلمونَ مَنْ يَحْتَجِزونَ لديهم. فقد ظَنُّوا أنَّهُم قد حَبَسوه؛ ولكنَّهم في الحقيقة قَيَّدوا مُبَشِّرًا مُتَفَرِّغًا إلى جُنودِهِم فَحَصَلَ على جُمْهورٍ أَسيرٍ لَهُ.

وَهُوَ يقول في العدد 14: "وَأَكْثَرُ الإِخْوَةِ ... وَاثِقُونَ فِي الرَّبِّ بِوُثُقِي". بعبارة أخرى، كانَ هُناكَ أُناسٌ يَرَوْنَ أنَّ خِدمةَ السِّجْنِ تلكَ جَيِّدة جِدًّا. لِذا فقد صَارُوا يَسْعَوْنَ إليها قائلين: "إنْ سُجِنْتُ، سأَصْنَعُ نَهضةً روحيَّة كتلكَ الَّتي صَنَعَها بولُس". وما أعنيه هو أنَّ هناكَ طُرُقًا عديدة للقيام بالخدمة في السِّجن. أليسَ كذلك؟ وبولس يقول: "وبالمُناسبة، هُناكَ قَوْمٌ يَكْرِزونَ بالمسيحِ عَنْ حَسَدٍ وَخِصَامٍ". بعبارة أخرى، فإنَّ البعضَ يَكرزونَ بالمسيح نِكَايَةً فِيَّ". فقد كانَ هناكَ أشخاصٌ يُعارِضونَ بولس. وكانَ مَا فَعَلوهُ في الحقيقة (إنْ دَرَسْتُم خَلفيَّةَ هذا المَقْطَعِ هُنا) هو أنَّهم راحوا يَتَكَلَّمونَ بالشَّرِّ على بولُس ويقولونَ إنَّهُ مَسْجونٌ لأنَّهُ أَفْسَدَ خِدمَتَهُ، وإنَّ الربَّ قد وَضَعَهُ على الرَّفِّ، فَمَعَ أنَّهُ عاشَ وَقْتًا ذَهبيًّا، فإنَّهُ الآنَ قَدْ نُحِّيَ جانِبًا. وقد قالَ قَوْمٌ إنَّهُ اقترفَ خَطيئةً ما. وأيًّا كان، فقد كانوا يَقولونَ ذلكَ، بِكُلِّ تأكيد، بِدافِعِ الحَسَدِ والخِصام. ونقرأ في العدد 16: "ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى وُثُقِي ضِيقًا". فكأنَّ الأمرَ لم يكن سَيِّئًا بما فيهِ الكِفاية. فلم يكن يَكفي أنَّهُ مَسْجون، بل إنَّ هناكَ أُناسًا يحاولونَ أنْ يُؤذوهُ وأنْ يَجرحوه مِنْ خلالِ الافتراءِ عليهِ بأمورٍ رَديئة. "فَهُناكَ مَنْ كانوا يَكْرِزونَ بالمَسِيح بِدافعِ الحِقْد. ولكِنَّ قَوْمًا كانوا يُنادونَ بالمسيح بمحبَّة. وقد كانَ هؤلاءِ يَعلمونَ أنِّي مَسجونٌ لأنِّي مَوْضُوعٌ لِحِمَايَةِ الإِنْجِيل".

ولكِنَّهُ يَقولُ في العدد 18 هذه الكلماتِ الَّتي أُحِبُّها: "فَمَاذَا؟ [أيْ: "ما الفَرْق؟"] غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقّ يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وَبِهذَا أَنَا أَفْرَحُ وسأفرَح". ويا لَهُ مِنْ نَموذَج! يا لَهُ مِنْ نَموذجٍ يُحْتَذى! فهو رَجُلٌ فَرِحٌ. انظروا إلى الأصحاح الثَّاني والعدد 17. فهو يقول: "لكِنَّنِي وَإِنْ كُنْتُ أَنْسَكِبُ أَيْضًا عَلَى ذَبِيحَةِ إِيمَانِكُمْ". بعبارة أخرى، إنْ مُتُّ في سَبيلِ خَلاصِكُم "أُسَرُّ وَأَفْرَحُ". وما أعنيه هو أنَّهُ كانَ مُستعِدًّا للموت. أليسَ كذلك؟ فقد كانَ كذلكَ حَقًّا. فهو لم يَحْسِب حَياتَهُ ثَمينة عِنْدَهُ. بل هو يقول في سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح 20 إنَّ كُلَّ ما يَسْعى إليهِ هُوَ أنْ يُتَمِّمَ خِدْمَتَهُ. وَهُوَ يقول في الأصحاح الثالث والعدد 7: لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا" – وما هي هذه الأشياء؟ "مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ. مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَةِ. مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ". فَكُلُّ ذلكَ الأصْل الدِّينيّ لا يَعني لي شيئًا. "فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيح".

ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في الأصحاح الرابع: اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا". فقد تَعَلَّمَ في كُلِّ حالةٍ يَجِدُ نَفسَهُ فيها أنْ يكونَ فَرِحًا. لماذا؟ لأنَّهُ كانَ بمقدورِهِ أنْ يَرى أنَّهُ يَقتربُ أكثر إلى الله، وأنَّهُ يَشتركُ في آلامِ المسيح. وقد كانت هذه هي صَلاتُه، أليس كذلك؟ "لأَعْرِفَهُ ... وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ". وقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ يَستطيعُ أنْ يَرى قُدرةَ المسيحِ مِن خلالِ ضعفه. وقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ في وسط كُلّ ذلك فإنَّ اللهَ سيَجْعَلُ مِنْهُ رَجُلاً أفضل، وأنَّهُ سيَعملُ عملاً مجيدًا، وأنْ يُزَكِّي إيمانَهُ.

وقد كانَ هذا هو فَرَحُ أيُّوب. فقد قالَ أيُّوب: "لأَنَّهُ يَعْرِفُ طَرِيقِي. لِذا فإنَّني لن أُجادِلَ اللهَ. فهو يَعرفُ طريقي". ثُمَّ إنَّهُ يقول: "إِذَا جَرَّبَنِي أَخْرُجُ [كَماذا؟] كَالذَّهَب". وما أعنيه هو: "لِيَصْنَع ما شَاءَ أنْ يَصنَع لأنَّني أَعلمُ أنَّ هُناكَ فَرَحًا في النِّهاية". وحَتَّى إنَّ أيُّوبَ قال (في سِفْر أيُّوب 23: 10): "هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ". وقد كانت زَوْجَتُهُ تَقولُ لَهُ في يأس: "الْعَنِ اللهَ وَمُتْ!" ولكِنَّهُ كانَ يَفْرَح.

لذا، يجب علينا أنْ نُواجِهَ التَّجاربَ بِمَوْقِفٍ فَرِحٍ. فالتَّجاربُ تُنْتِج إيمانًا مُمَحَّصًا. وهي تُقَوِّينا. وهي تَجْعَلُنا في شَركة أعمق معَ الله. وهي تَجعلُنا نَشترك في آلام المسيح. ويا لَها مِنْ شَرِكَة رائعة! وهي تَعِدُنا بأشياء أفضل آتية. فأعتقد أنَّهُ بمقدورِنا، مِنْ جِهَة، أنْ نَفرحَ في وسطِ الآلامِ اليوم لأنَّ الأمورَ ستكونُ رائعة جدًّا في المستقبل. وهكذا يُشْبِه ما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح الثَّامِن: "فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا". أليسَ كذلك؟ وهذا يُشبهُ الرَّجُلَ الَّذي كانَ يَضْرِبُ رَأسَهُ بالحائِط لأنَّهُ كانَ يَشعُر بمشاعر أفضل حينَ يتوقَّف. فسوفَ يكونُ الأمرُ رائعًا جِدًّا حينَ يتوقَّف! ويا لهُ مِنَ امتياز! لِذا ما هي نُقطةُ البداية في تَعامُلِكَ مَعَ ضيقاتِك؟ أنا أُوْمِنُ بأنَّ ما يَقولَهُ يَعقوب هو أنَّكَ تَبتدئ بأخذِ موقفِ الفَرَح لأنَّكَ تَعلمُ أنَّ اللهَ يَستخدِمُ كُلَّ تلكَ الأشياء الصَّغيرة الَّتي تَحويها التَّجربة لتحقيقِ غَاياتٍ مُحَدَّدة في حياتِك. فما أَعظمَ وأروعَ أنْ تَرى إيمانَكَ يَجْتازُ الامتحانَ بنجاح، وأنْ تَرى إيمانَكَ يَتقوَّى، وأنْ تَرى رُبَّما بعضَ الخطايا تَخْتَفي مِنْ حياتِك، وأنْ يَمتلئَ قَلبُكَ بالرَّجاء في ذلكَ اليومِ الأفضل الَّذي لن تَخْضَعَ فيهِ إلى التَّجارب، وأنْ تَتَعَمَّقَ لديكَ حَياةُ الصَّلاةِ والشَّركة، وأنْ تَشترِك معَ المسيح. فيا لَها مِنْ أمورٍ رائعة تَدْعو إلى الفَرَح!

وقد كنتُ أَقرأُ كِتابَ شَرْحٍ لِوارين ويرزبي" (Warren Wiersbe)، وَهُوَ صَديقٌ عَزيزٌ، وكنتُ أقرأُ تَحديدًا شَرْحَهُ لرسالة فيلبِّي. وقد لَفَتَتْ نَظَري فَقْرةٌ صغيرة رائعة أَوَدُّ أنْ أُشارِكَها معكم. فقد قال: "إنَّ قِيَمَنا تُحَدِّدُ تَقييمَنا للأشياء. فإنْ كُنَّا نُقَدِّرُ الرَّاحة أكثر مِنَ الشَّخصيَّة، فإنَّ التَّجاربَ ستُزعِجُنا. وإنْ كُنَّا نُقَدِّرُ الأشياءَ الماديَّة والملموسة أكثر مِنَ الأشياء الرُّوحيَّة، فإنَّنا لن نَتَمَكَّنَ مِنْ أنْ نَحْسِبَهُ كُلَّ فَرَح. وإنْ كُنَّا نَعيشُ لأجلِ الحاضِرِ فقط وَنَنْسى المُستقبل، فإنَّ التَّجارِب ستَجعَلُنا نَشعُرُ بِمَرارةِ النَّفس، لا بأنَّنا أفضَل". [نهاية الاقتباس]. وهو مُحِقٌّ. فَقِيَمُكَ تُحَدِّد تَقييمَكَ للأشياء. والآن، اسمعوني جَيِّدًا: إنْ لم يَكُن بمقدورِكَ أنْ تَفرحَ في تَجارِبِك، فإنَّ قِيَمَكَ مَغلوطَة. هل فَهِمْتُم ذلك؟ إنَّ قِيَمَكَ مَغلوطَة. فأنتَ لا تَرى أنَّ اللهَ لديهِ قَصْدٌ مِنْ ذلك. والآن، فيما أَعِظُ بهذا، فإنَّني أقولُ في نَفسي: "رُبَّما يَجْعَلُكَ الرَّبُّ تَخْتَبِرُ هذه العِظَة بطريقة عمليَّة بعدَ بِضْعَة أسابيع". وأنا لن أُدْهَشَ ولو قليلاً. فقد كَتَبَ "وولتر نايت" (Walter Knight) ذاتَ مَرَّة الكلمات التَّالية:

قد تَثَقَّلْتُ جِدًّا فَوْقَ الطَّاقَة، وقد تَثَقَّلتُ جِدًّا فَوْقَ الحَدّ،

وقد تَثَقَّلْتُ جِدًّا حَتَّى بَدا أنَّ ذلكَ يَفوقُ قُدرتي،

وقد تَثَقَّلْتُ جِدًّا في جسدي، وتَثَقَّلْتُ في نَفسي،

وتَثَقَّلْتُ في ذِهْني حَتَّى بَدا كُلُّ شيءٍ مُظْلِمًا.

فهُناكَ ضَغْطٌ مِنَ الأعداءِ، وضَغْطٌ مِنَ الأصدقاء،

وقد صارَ هُناكَ ضَغْطٌ فوقَ ضَغْطٍ حَتَّى كادتِ الحياةُ أنْ تَنتهي.

ولكِنَّ الضِّيقاتِ قادَتْني إلى أنْ أُحِبَّ عَصَا الربِّ وعُكَّازَهُ،

وقادَتْني إلى أنْ أَعْلَمَ أنَّهُ لا يوجد مُعينٌ سِوى الله.

وقد قادَتني الضِّيقاتُ إلى التَّحَرُّرِ مِنَ التَّمَسُّكِ بالأشياء،

وقادَتْني إلى الإيمانِ بالأشياءِ المُستحيلة،

وقادَتني إلى أنْ أَحْيا حياةً في الرَّبِّ،

وقادَتني إلى أنْ أَسْكُبَ حَياتَي على غِرارِ المَسيح.

أليسَت هذه الكلمات رائعة؟ فهذهِ هي الصُّورة الَّتي يُريدُ اللهُ أنْ يُشَكِّلَكَ عليها.

وقد كَتَبَتْ "إيمي كارمايكل" (Amy Carmichael):

ألستَ تَحْمِلُ نُدُوبًا؟

أليست هناكَ نَدْبَة خَفِيَّة في قَدَمِكَ أوْ جَنْبِكَ أوْ يَدِك؟

فأنا أَسمعُ الآخرينَ يَدْعُونَكَ "عَظيمًا في الأرض"،

وأسمعُهم يَمْتَدِحونَكَ وَيُثْنُونَ عَليكَ كما لو كُنْتَ نَجْمًا،

ألستَ تَحْمِلُ نَدْبًا؟

ألستَ تَحْمِلُ جُرْحًا؟

فأنا قد جُرِحْتُ وَسُكِبْتُ،

إذْ سَمَّروني على خَشَبَةٍ لأموتَ

وأصيرَ فَريسةً للوحوشِ الَّتي كانَتْ تُحيطُ بي.

ألستَ تَحْمِلُ جِراحًا؟

لا جُرْحَ؟ وَلا نَدْبَة؟

ولكِنْ كما فَعَلَ السَّيِّدُ هكذا ينبغي أنْ يَفعلَ العَبْد،

فالأقدامُ الَّتي تَتْبَعُني هي أقدامُ مَثقوبة،

ولكِنَّ قَدَمَيْكَ سَليمَتان. فهل يُمكنُ لأحدٍ أنْ يَتْبَعَني طويلاً

دُوْنَ أنْ يَحْمِلَ آثارَ جُروحٍ أوْ نُدوب؟

ويا لَهُ مِنْ فَرَحٍ وامتيازٍ عَظيمَيْنِ أنْ نَحْمِلَ في جَسَدِنا سِماتِ المَسيح، وأنْ نَحْتَمِلَ التَّجارِبَ لكي يَتَقَوَّى إيمانُنا! وهذا هُوَ موقفُ الفَرَح.

وأودُّ أنْ أُريكُم شيئًا ثانيًا، أو وسيلةً أخرى تُساعِدُكُم على الصَّبْرِ في التَّجربة. فالأمرُ لا يتوقَّف فقط على موقِفِ الفَرَح، بل أيضًا على العقلِ المُتَفَهِّم – على العَقلِ المُتفهِّم. لاحظوا العدد 3. فما هي الكلمة الأولى في العدد 3؟ ما هي؟ "عَالِمينَ". وهي كَلِمَة تُشيرُ إلى المعرفة العقليَّة. فلا يكفي أنْ نأخُذَ موقفَ الفرح، بل يجب أنْ يكونَ لدينا عَقْلٌ مُتَفَهِّمٌ. والكلمة المُستخدمة هنا هي "غينوسكو" (ginosko)؛ وهي تَحْمِلُ بصورة مبدئيَّة مَعنى المعرفة النَّابعة مِنَ الخبرة الشخصية، أيِ المعرفة الشخصية الَّتي تَعَلَّمناها لأنَّنا واجَهنا الحقيقة بأنفُسِنا. "عالمينَ أنَّ". والمقصود بذلك هو الآتي: "انظروا! إنْ كنتم ستجتازونَ التَّجربة بانتصار، وإنْ كنتم ستصبِرون، يجب عليكم أنْ تَعلموا بِضْعَةَ أشياء، ويجب عليكم أنْ تَفهموا بِضعةَ أُمور". وقدِ احتملَ المسيحُ الصَّليبَ بفرحٍ لأنَّهُ كانَ يَعلمُ ما سيَحدث. فقد كانَ يَعلمُ ما سيَجري. ويجب عليكم أنْ تَعلموا بِضْعَةَ أشياء أنتم أيضًا. وما الذي ينبغي أنْ تَعرفوه؟ "عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا". لِذا، يجب عليكم أنْ تَعلموا أنَّ ما يَجري في حياتِكُم يُنشئُ شيئًا نافعًا جِدًّا.

واسمحوا لي أنْ أُوَضِّحَ ذلكَ قليلاً. فما الَّذي ينبغي أنْ تَعرفوهُ عنِ الصَّبْرِ في التَّجارِب؟ ما الَّذي ينبغي أنْ تَعرفوه؟ أوَّلاً، يجب عليكم أنْ تَعلموا أنَّ إيمانَكُم قد خَضَعَ لامتحان. فيجب أنْ تَعلموا ذلك. وقد تقول: "ولماذا ينبغي أنْ أَعلمَ ذلك؟" لأنَّكَ حينَ تَصِلُ إلى الجِهَة الأخرى مِنَ التَّجربة، وتكونُ ما تَزالُ مُتمسِّكًا بإيمانِك، منَ الجيِّد أنْ تَعلمَ أنَّ إيمانَكَ حَقيقيّ. أليسَ كذلك؟ فهذا أمرٌ رائع. فإنْ سألتَني كيفَ أَعلَمُ أنِّي مؤمن، فإنَّ واحدًا مِنَ الأشياءِ الَّتي سأقولُها لَكَ هو: "أنا أُحِبُّ الربَّ مِن كُلِّ قلبي. صَحيحٌ أنَّني لا أُحِبُّه كما ينبغي، ولكنِّي أُحِبُّه بِكُلِّ ما فِيَّ مِنْ مَشاعِر. لِذا فإنَّي أَعلم أنِّي أُحِبَّهُ، وأَعلم أنِّي مُؤمِن بسبب مَحَبَّتي للرَّبّ. ولكنِّي أَعلم أيضًا أنِّي مُؤمِن لأنِّي مَرَرتُ بأحوالٍ صعبة وَخَرَجْتُ مِنْها وأنا ما زِلْتُ مُتَمَسِّكًا بِكُلِّ رَجائي وثِقتي به". لِذا، يجب أنْ تَعلموا أنَّ إيمانَكُم سَيُمْتَحَن. فكُلُّ شيءٍ حقيقيٍّ سيُمتَحَن. وَالدَّليلُ على الإيمانِ الحَقيقيِّ ينبغي أنْ يكونَ شيئًا رائعًا. ويا لَهُ مِنْ أمرٌ مُشَجِّع أنْ أَرى أنَّ إيماني حَقيقيّ، وأنِّي اجْتَزْتُ الاختبار وَنَجَحْتُ في الامتحان.

والكلمة "امتحان" هي "دوكيميون" (dokimion) ومَعناها: "بُرْهان". "عَالِمِينَ أَنَّ [بُرْهانَ] إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. والكلمة "يُنْشِئ" تَعني "يُنْجِز" أو "يُحَقِّق". لذا، لا تُظَنَّ يومًا أنَّ التَّجاربَ لا تُحَقِّق شيئًا. فهي تُنْشِئُ شيئًا. فالتَّجاربُ، بل كُلُّ التَّجاربِ الَّتي نَختبرُها في حياتِنا مُصَمَّمة لتحقيقِ غايةٍ ما. فهي مُصَمَّمة للقيامِ بشيءٍ ما. وهي مُصَمَّمة لعملِ شيءٍ ما. وما هُوَ هذا الشَّيء هُنا؟ إنَّهُ "هوبوموني" (hupomone)، ومَعناها ليسَ "صَبْرًا"، بل إنَّ أفضلَ كلمة هي: "مُثابَرَة". فالصَّبْرُ هو الكلمة "ماكروثوميا" (makrothumia)، وهي تَعْني الصَّبْرُ في التَّعامُلِ معَ النَّاس. أمَّا هذه الكلمة فتَعني "المُثابَرَة". فهي تَعني "احْتِمال" إذا أردتُم تَرجمة جَيِّدة. ورُبَّما كانت الكلمة "مُثابَرَة" هي أفضل تُرجمة لها. ورُبَّما كانَ هذا المَقطعُ واحدًا مِنَ المقاطعِ الَّتي استخدَمَها اللَّاهوتِيُّونَ في القَديم لاستخلاصِ عقيدة "مُثابرةِ القِدِّيسينَ" مِنْها كَمُصطلحٍ لاهوتِيّ. وَهي تَعني ثَبات الرُّوحِ الَّذي يَجْعَلُنا نَصْمُد تحتَ الضَّغط ونحنُ نَنتظر توقيتَ اللهِ لإزالةِ الضِّيقة، أو إنهائِها، أو مُكافأتِنا عليها بعدَ انتهائها. ويا لهُ مِن شيءٍ رائعٍ وجَميلٍ في حياتِكَ أنْ تكونَ لديكَ مُثابَرَة. وفي كُلِّ مَرَّة نَمُرُّ فيها في تَجربة، وفي كُلِّ مَرَّة أَمُرُّ فيها في تَجربة وَنَمُرُّ فيها في هذه التَّجارِب فإنَّنا نَتَقَوَّى. فنحنُ نَحصُلُ مِنْها على الَمزيدِ مِنَ المُثابرة.

ونحنُ نَقرأ في المزمور 40: 1: "اِنْتِظَارًا انْتَظَرْتُ الرَّبَّ، فَمَالَ إِلَيَّ وَسَمِعَ صُرَاخِي، وَأَصْعَدَنِي مِنْ جُبِّ الْهَلاَكِ، مِنْ طِينِ الْحَمْأَةِ، وَأَقَامَ عَلَى صَخْرَةٍ رِجْلَيَّ. ثَبَّتَ خُطُوَاتِي، وَجَعَلَ فِي فَمِي تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً". ففي كُلِّ مَرَّة تَجتازُ فيها تَجربةً، ألا تَشْعُر بهذا الشُّعور؟ فقد صَرَخْتُ إلى الربِّ فَانْتَشَلَني، وَأقامَ على صَخرةٍ رِجْلَيَّ، وجَعَلَ في قلبي ترنيمةً. فَصِرْتُ أقوى مِنْ أيِّ وَقْتٍ مَضَى بسببِ مُثابَرَتي في تلكَ التَّجربة.

والآن، أوَدُّ أنْ أُريكم شيئًا. لنفتح على رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 10 إذْ أَوَدُّ أنْ أُوَضِّحَ هذهِ النُّقطة قليلاً. فنحنُ نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 10: 13: "لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ..."؛ وَهُوَ نَفْسُ المُصْطَلَح هُنا: "لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ". بعبارةٍ أخرى: لن تَمُر بتجربة شديدة ليس في قُدرةِ البشر أنْ يَحتملوها. لا! فالتجارب الَّتي تأتي ستكونُ تجارِب شائعة لدى البشر. "وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ [والآنْ، لاحِظوا هذه الكلمات]، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُون". وأرجو أنْ تتوقفوا وتُفكِّروا في هذه الكلمات. فهل يمتلك الجميع نفسَ القدرة على احتمال التَّجارب؟ هل هم متشابهون؟ لا! فالشَّخصُ حَديثُ الإيمان، والذي لديه معرفة محدودة، وفَهْم محدود، وخبرة محدودة جدًّا لا يمتلك نفس القدرة على احتمال التَّجارِب كشخصٍ آخر. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ ما يَعِدُ بهِ الرسولُ بولس هنا هو أنَّ اللهَ لن يَدَعَكَ تُجَرَّب بشيءٍ لا يمكنكَ أنْ تَحتمِلَه إلَّا بعدَ أنْ يَسْمَحَ لك باختبار بعض التَّجارِب الأسهل لتدريبِك لتقويتك على احتمال تلك التَّجربة الأصعَب. وهذا هو نفسُ الوعدِ المذكور في رسالة كورِنثوس الأولى 10: 13. فلن تأتي عليكَ في حياتِك، ولا في حياتي، تَجربة لا يمكننا البَتَّة أنْ نَحْتَمِلَها. فقبلَ كُلِّ شَيء، الرَّبُّ سيَسمحُ بالتَّجارب في حياتِنا لامتحان إيمانِنا، ولتقوية إيمانِنا، وإعطائنا المَزيدَ مِنَ القُدرة على الاحتمال حَتَّى تستطيع أنْ تَنطلق تدريجيًّا في خدمته، وحتَّى تتمكَّنَ مِنْ مُواجَهَةِ التَّجارب الأكبر وتكونَ جاهزًا لِتَحَمُّلِ تلك الضِّيقات. فاللهُ صاحِبُ السِّيادة، والأمين، وحافِظُ العهدِ، والذي يَحفَظُ أولادَهُ يَفعل ذلك بطريقة شخصيَّة وحميمة طَوالَ كُلِّ أيَّامٍ وَساعاتِ حياتِنا، لا فقط مِن خلالِ بعضِ الوُعودِ النَّظريَّة الَّتي قَطَعَها لنا في وَقْتٍ مَضَى، بل مِن خلالِ تَنفيذِ تلك الوعود يومًا فيومًا.

والأمرُ يُشبِهُ العَدَّاء. فأنا أَذْكُرُ قبلَ بِضْعِ سنواتٍ أنَّهُ كانَ هُناكَ ما يُسَمَّى "السِّباقات الخَيْرِيَّة" الَّتي كانت تُقيمُها جامعة "كاليفورنيا ستيت نورثريدج" (California State Northridge) لِجَمْعِ التَّبَرُّعاتِ الماليَّة للأشخاص المُعاقين لِدَعْم برنامج الدكتور "بريتون" (Britton’s Program). وقد قالَ لي شخصٌ: "هل ستركُض؟" فقلتُ: "لا أدري!" وقد أَبْدى بعضُ النَّاسِ رَغْبَتَهُمْ في تَقديمِ الدَّعْمِ لي لكي أَرْكُض. وحينَ اقتربَ وقتُ السِّباق، قَطَعَ أُناسٌ كثيرونَ وَعْدًا بأنْ يَتَبَرَّعوا بمبلغٍ كبيرٍ مِنَ المال إنْ رَكَضْتُ أنا. وأعتقد أنَّ أحدَ الأشخاصِ وَعَدَ بأنْ يَتَبَرَّعَ بمئة دولار مُقابلَ كُلِّ دَورة في مِضْمارِ السِّباق. وهذا ضَغْطٌ كبير! فقد كنتُ أَعلمُ أنَّ كُلَّ دَورة أُكْمِلُها سَتَؤولُ إلى تَبَرُّعٍ بمئة دولار أُخرى لذلك البرنامج. أليسَ كذلك؟ وكانَ ينبغي للعَدَّائينَ أنْ يَركضوا مُدَّةَ ساعة. والحقيقة هي أنَّني لم أكن أركُض. فأنا لا أركضُ لأنِّي كنتُ قد آذَيْتُ رُكْبَتَيَّ بسبب إصاباتٍ قديمة في لُعبة كُرة القدم. ولكنِّي قَرَّرتُ في ذلك اليوم أنْ أَرْكُض. لذا فقد رَكَضْتُ. وأعتقد أنِّي أَكْمَلْتُ 26 دورة في ساعة. وأوَدُّ، يا أحبَّائي، أنْ تَعلموا شيئًا لم تَعلموهُ مِنْ قَبل وهو أنِّي لم أتمكَّن مِنَ المَشْيِ بعدَ ذلك طَوالَ أُسبوعٍ كامل. فقد تَوَرَّمَتْ رُكْبَتاي. ولا أريدُ أنْ أُقْحِمَكُم في تاريخي الطِّبِّيّ، ولكنِّي لم أتمكَّن مِنَ المَشْي. ومِنْ دُوْنِ شَكٍّ، فقد سَمِعْتُ مُحاضَرَةً مِن زوجَتي عن المُبالغة في القيامِ بالأشياء. وكُلُّ ما كنتُ أُفَكِّرُ فيه هو الحُصولُ على كُلِّ ذلكَ المال لذلكَ المشروع.

ولكِنَّ تلك الحادثة كانت وسيلةً جَيِّدة لتذكيري بأنَّ أيَّ شخصٍ يُريدُ أنْ يُنَمِّي قُدرَتَهُ في الرَّكض مسافة طويلة ينبغي أنْ يَبتدئَ بالرَّكض قليلاً. ولكنِّي فَعَلْتُ العكس. فقد رَكَضْتُ كَثيرًا ولم أَرْكُض بعدَ ذلك. فيجب علينا أنْ نَزيدَ قُدرَتَنا تَدريجيًّا إلى أنْ نَصِلَ إلى الطَّاقةِ القُصوى. والنُّقطة الجوهرية لدى يَعقوب هي هذه: يجب عليكَ أنْ تَفهمَ وتَعلمَ أنَّ اللهَ يُقَوِّي إيمانَك. فهو يَزيدُ قُدرَتَكَ على التَّحَمُّل مِنْ أجلِ خِدمةٍ أكبر، وخِدمةٍ أعظم، وتجاربَ أصعب، وفَرَحٍ أعظم أيضًا. أَلَمْ أَقُل لكم في مُناسَباتٍ عديدة أنَّهُ كُلَّما زادت صُعوبةُ المَعركة، زادت حَلاوةُ النَّصْر؟ أليسَ كذلك؟ فكُلَّما زادت صُعوبةُ التجربة، زادت حلاوةُ الأمرِ حينَ تَنْتَهي منها؟ أجل، إنَّ هذا صحيحٌ جِدًّا. وقد تَعَلَّمتُ في حياتي أنَّهُ عندما تَدْخُلُ في تَجربة، هناكَ دائمًا نُوْرٌ في الصَّباح عندما تَخْرُجُ منها. فأنتَ تَفرحُ بسبب القُوَّة المُتزايدة الَّتي حَصلتَ عليها وبسببِ أنَّ اللهَ قد نَجَّاكَ. وهذا يُبَرْهِنُ مَرَّةً أخرى على أنَّهُ أمينٌ فَيَتَقَوَّى إيمانُك.

وفي رسالة تسالونيكي الثانية والأصحاح الأوَّل، يَكْتُبُ بولسُ إلى مُؤمِني تسالونيكي فيقول: "نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ كَمَا يَحِقُّ، لأَنَّ إِيمَانَكُمْ يَنْمُو كَثِيرًا". أليسَ هذا رائعًا؟ "لأَنَّ إِيمَانَكُمْ يَنْمُو كَثِيرًا، وَمَحَبَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ جَمِيعًا بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ تَزْدَادُ، حَتَّى إِنَّنَا نَحْنُ أَنْفُسَنَا نَفْتَخِرُ بِكُمْ فِي كَنَائِسِ اللهِ، مِنْ أَجْلِ صَبْرِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ فِي جَمِيعِ اضْطِهَادَاتِكُمْ وَالضِّيقَاتِ الَّتِي تَحْتَمِلُونَهَا". وهل تَعلمونَ ما الَّذي أَحْدَثَهُ الاحتمالُ في حياتِهِم؟ لقد جَعَلَ إيمانَهُم يَنْمو، ومَحَبَّتَهُم تَزداد، وشَهادَتَهُم تَتَعاظَم. فقد كانَتْ تلكَ الضِّيقاتُ مُثْمِرَةً جِدًّا. وَهُوَ يقولُ لهم في الأصحاح الثالث والعدد 5: "وَالرَّبُّ يَهْدِي قُلُوبَكُمْ إِلَى مَحَبَّةِ اللهِ، وَإِلَى صَبْرِ الْمَسِيح". فقد كانوا جَماعةً مِنَ المؤمنينَ الصَّابِرينَ بطريقة رائعة!

وفي الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح 11 أيضًا، نَجِد توضيحًا لهذه النُّقطة. فنحنُ نَقرأُ عن مُوْسَى: "بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلاً بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ، حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ [لِماذا؟] لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاة". بعبارة أخرى، لقد عاشَ مُوسى في ضَوْءِ حَقيقةِ ما سَتأتي بِهِ المُثابَرةُ مِنْ ثَمَر في المستقبَل. فقد رأى الخُطَّةَ المُستقبليَّة. ومِنْ خِلالِ الإيمانِ بهذه الخُطَّة، والإيمانِ باللهِ: "تَرَكَ مِصْرَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ غَضَبِ الْمَلِكِ، لأَنَّهُ تَشَدَّدَ، كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لاَ يُرَى. بِالإِيمَانِ صَنَعَ الْفِصْحَ وَرَشَّ الدَّمَ لِئَلاَّ يَمَسَّهُمُ الَّذِي أَهْلَكَ الأَبْكَارَ. بِالإِيمَانِ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ الأَحْمَرِ كَمَا فِي الْيَابِسَةِ، الأَمْرُ الَّذِي لَمَّا شَرَعَ فِيهِ الْمِصْرِيُّونَ غَرِقُوا"، وَهَلُمَّ جَرَّا.

ثُمَّ إنَّ كَاتِبَ الرِّسالةِ يَسْتَطْرِدُ في الحديثِ فيَذْكُرُ أُناسًا آخرينَ مَرُّوا بأوقاتٍ عصيبةٍ وتجارِب. فإذا نَظرتُم إلى العدد 32 تَقرأونَ عنِ المَزيدِ والمَزيدِ مِنهم: "جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ بِالإِيمَان ... بالإيمان ... بالإيمان. فَنَحْنُ نَقرأُ عن أبطالِ الإيمانِ هُنا. فَقَدْ وَثَقوا في اللهِ في وَسَطِ ظُروفٍ عَصيبةٍ جِدًّا: "قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ، أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضُعْفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ، هَزَمُوا جُيُوشَ غُرَبَاءَ، أَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِقِيَامَةٍ. وَآخَرُونَ عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا النَّجَاةَ لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ. وَآخَرُونَ تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ وَجَلْدٍ، ثُمَّ فِي قُيُودٍ أَيْضًا وَحَبْسٍ. رُجِمُوا، نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا قَتْلاً بِالسَّيْفِ، طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مِعْزَى". فقد كانُوا يُرْغِموهُمْ حَرفيًّا على ارتداءِ جُلودِ مِعْزَى. "مُعْتَازِينَ مَكْرُوبِينَ مُذَلِّينَ، وَهُمْ لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ. تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ وَجِبَال وَمَغَايِرَ وَشُقُوقِ الأَرْضِ. فَهؤُلاَءِ كُلُّهُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ بِالإِيمَانِ، لَمْ يَنَالُوا الْمَوْعِدَ". فَقَدْ فَعَلوا ذلكَ كُلَّهُ بالإيمان.

ثُمَّ إنَّهُ يأتي في الأصحاحِ الثاني عَشَر فيقول عَنْ أبطالِ الإيمانِ هؤلاء: "لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا...". وهذا يعني أنَّ هناكَ أشخاصًا كثيرينَ جِدًّا شَهِدُوا عن فَضيلةِ الإيمان. وَمِنَ الأفضل أنْ تَتَخَلَّى عنِ الأمورِ التَّافهة في حَياتِك وأنْ تَرْكُضَ سِباقَ الإيمانَ مِثْلَما فَعَلَ هؤلاء. وأعظمُ شخصٍ أَنْهى السِّباقَ وَرَئيسُ الإيمانِ هو المسيحُ الَّذي هُوَ أعظمُ نَموذجٍ على الفَرَحِ في وَسَطِ الضِّيقات. لِذا، عندما تأتي الضِّيقات ينبغي أنْ يكونَ لدينا عَقْلٌ مُتَفَهِّمٌ. فيجب علينا أنْ نَعلمَ أنَّ الربَّ يُدَرِّبُنا على مَزيدٍ مِنَ المُثابرة. والمُثابرة تُقَوِّينا للقيامِ بخدمة أعظم. وَحينئذٍ فإنَّ إيمانَنا يَتَزَكَّى.

وهناكَ عُنصرٌ ثالث. وسوفَ أَذْكُرُ لكم هذا العُنصُر في هذا المساء وأُؤجِّل العُنْصُرَيْنِ البَاقِيَيْنِ إلى المَرَّةِ القادمة. فهُناكَ وسيلة ضروريَّة ثالثة للمُثابرة. وقد قُلنا إنَّ الوسيلة الأولى هي: مَوقِفُ الفَرَح. ثانياً، العَقلُ المُتَفَهِّمُ. ثالثًا، الإرادَة الخاضِعَة ... الإرادَة الخاضِعَة. وأنا أُحِبُّ ما جاءَ في العدد 4. فهي آية مُباشرة جدًّا. انظروا إلى ما تقول: "وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ" – وَهَذا فِعْلُ أَمْرٍ. فهي وَصِيَّة: "وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ". أيْ: دَعُوا اللهَ يَقومُ بِعَمَلِه. دَعُوا الصَّبْرَ يُؤدِّي الغايةَ الَّتي يُريدُ اللهُ مِنْهُ أنْ يُؤدِّيها. وهذا أَمْرٌ يَتَطَلَّبُ خُضوعًا. وما يَقولُهُ هُنا هو: "كونوا خاضِعينَ للتَّجرِبة. لا تُقاوموها. ولا تُجادِلُوا بشأنِها. ولا تُلَوِّحُوا بِقَبضَتِكُم في وَجْهِ الله. بَلِ اقبلوها. فإنْ حاولتُم أنْ تُحاربوها، وإنْ حاولتم أنْ تُقاوموها، وإنْ حاولتم أنْ تَتجادَلوا معها وأنْ تَتَشاجَروا معها، رُبَّما تَضَعونَ أنفُسَكُم تحتَ تأديبِ الله. "يَا ابْنِي، لاَ تَحْتَقِرْ تَأدِيبَ الرَّبِّ وَلاَ تَكْرَهْ تَوْبِيخَهُ، لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَكَأَبٍ بِابْنٍ يُسَرُّ بِهِ". فإنْ صَبَرْتَ في أثناءِ التَّأديبِ فإنَّ اللهَ سَيَتعامَل مَعَكَ كابْن". فهو يُكَمِّلُك. وَهُوَ يَصْقُلُك. أمَّا إنْ قاوَمْتَ ذلك، سَتَجِدُ أنَّ التَّأديبَ يَزدادُ صُعوبة.

لِذا، يجب علينا أنْ نكونَ خاضِعين ... يجب علينا أنْ نكونَ خاضِعين. وقد قلتُ ذلكَ، إذا كنتُم تَذكرون، حينما دَرَسنا رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح العاشِر قبلَ سَنَوات. فالطريقة الوحيدة للخروجِ مِنَ التَّجربة هي ماذا؟ أنْ تَمُرَّ في وَسْطِها. فلا توجد مَخارِج جانبيَّة. فالمَخْرَجُ الوَحيدُ هُوَ أنْ تَمُرَّ في وَسْطِها. "وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا". والطريقةُ الوحيدةُ لاجتيازِها هي دائمًا أنْ تَمُرَّ في وَسْطِها. وهذا يُعْطينا فَرَحًا في التَّجارِب لأنَّنا نَرى المُستقبلَ المَجيد، ولأنَّنا نَتَمَتَّع أكثر فأكثر بالشَّركة الحُلوة معَ الآب، ولأنَّنا نَغْتَني بالاشتراكِ في آلامِ المسيح، ولأنَّنا نَرى أنَّ الخطيَّة قد تَلاشَتْ مِنْ حياتِنا، ولأنَّ التَّجاربَ تُعطينا رَجاءً أكبر في السَّماء. ففي غَمْرَةِ الفَرَحِ النَّاجمِ عن ذلكَ كُلِّه، نَبتدئُ نَرى كيفَ نَصْبِر. ثُمَّ يأتي الفَهْمُ بأنَّ اللهَ يَفعلُ ذلك لكي يَزيدَ قُدرتَنا على التَّحَمُّل، ويَزيد فاعِلِيَّتَنا، ويَزيد قُدرتنا على احتمالِ التَّجارب. ثُمَّ إنَّنا نَخْضَعُ لذلك بِروحٍ خاضعةٍ وإرادةٍ خاضعة. وانظروا إلى ما يَقولُهُ هنا: "وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ". والمَقصودُ بذلك؛ أيِ المقصودُ بالعبارة "وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ"، المقصودُ بذلكَ هو أنَّ التَّجارِبَ تَجْعَلُكَ أفضَل. والكلمة "تَامّ" هُنا يُمْكِن أنْ تُتَرْجَمَ بصورة أفضل هكذا: "ناضِجينَ رُوحيًّا". لِذلك، لا تَضْطَرِب حينَ تأتي التَّجارب. ولا تُحارِبْها. ولا تُقاومها. ولا تُحاوِلْ أنْ تَمْنَعَ اللهِ مِنَ القيامِ بذلكَ العمل الرَّائع الَّذي يُريدُ القيامَ به في حياتِك.

فنحنُ نَقرأ في المزمور 131، وَهُوَ مَزمورٌ يَحوي ثلاثَةَ أعداد فقط، استمعوا إلى ما يقول: "يَا رَبُّ، لَمْ يَرْتَفِعْ قَلْبِي، وَلَمْ تَسْتَعْلِ عَيْنَايَ، وَلَمْ أَسْلُكْ فِي الْعَظَائِمِ، وَلاَ فِي عَجَائِبَ فَوْقِي. بَلْ هَدَّأْتُ وَسَكَّتُّ نَفْسِي كَفَطِيمٍ نَحْوَ أُمِّهِ. نَفْسِي نَحْوِي كَفَطِيمٍ". ويا لها مِنْ فكرة رائعة! يا رَبّ، إنَّ الضِّيقةَ الَّتي سَمَحْت لي أنْ أَمُرَّ فيها جَعَلَتْني أَنْمو. فقد نَضَجْتُ. فقد خَرَجْتُ مِنْ عُنُقِ الزُّجاجة. فهذا هو المَعنى المقصود. وهذا امتيازٌ. وَهُوَ يَشْكُرُ اللهَ لأنَّهُ فَطَمَهُ وَجَعَلَهُ إنسانًا قَويًّا.

وقد شَكَرَ أيُّوبُ اللهَ وَخَضَعَ طَوْعًا لكُلِّ تَجربة سَمَحَ بها اللهُ في حياتِه، مَعَ أنَّ قَلبَهُ اضْطَرَبَ أحيانًا. وهل تَعلمونَ ما المُدهشُ في ذلك؟ أنَّ أيُّوبَ لم يَضْطَرِب بسببِ تلكَ الأحوال. فهو لم يَتضايق بسبب تلكَ الأحوال. بل إنَّ عَدَمَ قُدرَتِهِ على الحُصولِ على جَوابٍ مِنَ اللهِ هُوَ ما ضَايَقَهُ. فقدِ استمرَّ في طَرْحِ الأسئلة مِنْ دونِ أنْ يَحْظى بجواب. وقد كانَ ذلكَ الأمرُ صَعْبًا عليه. وَنحنُ نَقرأ في سِفْر أيُّوب 5: 7 على لِسانِ "أَليفاز": "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا أَنَّ الْجَوَارِحَ لارْتِفَاعِ الْجَنَاحِ. لكِنْ كُنْتُ أَطْلُبُ إِلَى اللهِ، وَعَلَى اللهِ أَجْعَلُ أَمْرِي. الْفَاعِلِ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ. الْمُنْزِلِ مَطَرًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، وَالْمُرْسِلِ الْمِيَاهَ عَلَى الْبَرَارِيِّ. الْجَاعِلِ الْمُتَوَاضِعِينَ فِي الْعُلَى، فَيَرْتَفِعُ الْمَحْزُونُونَ إِلَى أَمْنٍ". فهو يقول: "عندما تَمُرُّ في تَجربة، سَلِّمْ أَمْرَكَ للهِ. فقط سَلِّمْ أَمْرَكَ للهِ واتَّكِل عليه".

ونقرأ في المزمور 37: "لاَ تَغَرْ مِنَ الأَشْرَارِ، ... سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِيقَكَ وَاتَّكِلْ عَلَيْهِ". والكِتابُ المُقَدَّسُ يَقول: "وَهُوَ يُجْرِي". والآنِ، اسمعوني وَرَكِّزوا مَعي: إنَّ الصَّبْرَ ليسَ الهَدَف، بل إنَّ الهَدَفَ هُوَ الكَمال. فالصَّبْرُ هو وسيلة لتحقيقِ ذلك. والأمرُ يَسيرُ على النَّحو التَّالي: أنتَ تَمُرُّ في تَجربة وتَصيرُ أقوى، وتَزدادُ قُدرتُكَ على التَّحَمُّل. وتلك القُدرة الأكبَر على التَّحَمُّل ستَجعلُكَ قادرًا على احتمالِ ضيقةٍ أعظم فَتزدادُ قُدرتكُ على الاحتمال، وتَمُرُّ بضيقة أصعب. وحُصولُ ذلكَ باستمرار يُؤدِّي إلى نُضْجِكَ رُوحيًّا. والكَمالُ كَلِمَة مُرادفة للنُّضْجِ الرُّوحِيِّ. لذلك، اسْمَح للصَّبْرِ أنْ يَقودَ إلى الهدف، أو إلى الغاية، أو إلى الكَمالِ الَّذي هُوَ النُّضْج الرُّوحِيّ. وهذا لا يَعني أنْ تَكونَ بلا خَطِيَّة. لا! فلا يوجد ما يُشيرُ إلى انعدامِ الخطيَّة. فنحنُ نقرأ في رسالة يعقوب 3: 2: "لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا". ولكِنَّ الهدف هو النُّضْج الرُّوحِيّ والنُّمُوّ الروحيّ الكامل. وَوَفْقًا لما جاءَ في رسالة يوحنَّا الأولى 2: 14: "لكي تَصيروا آباءَ رُوحِيِّينَ تَعْرِفونَ الَّذِي مِنَ البَدْء".

وبالمُناسبة، فَإنَّ الكلمة "تَامّ" ("تيليون" – “teleion”) تُستخدَمُ في المصادر غير الدينيَّة للإشارة إلى الحَيَواناتِ الكاملةِ النُّمُوِّ. وهي تُستخدَم هنا للإشارة إلى المؤمنينَ المُكْتَمِلي النُّمُوّ. فالتَّجارِبُ تَجْعَلُ المُؤمِنَ كامِلَ النُّمُوِّ. لِذا فإنَّ الرَّبَّ يُعطيكَ قُدرةً على التَّحَمُّل لكي يُجيزَكَ في امتحانٍ أَصعَب، ولكي يَجعلكَ مُؤمِنًا أقوى، ومُؤمِنًا أكثر نُضْجًا. وفي رسالة فيلبِّي 3: 15، يَقولُ بولُس: "فَلْيَفْتَكِرْ هذَا جَمِيعُ الْكَامِلِينَ مِنَّا". وَهَلُمَّ جَرَّا. لِذا فإنَّهُ أَمْرٌ يُمْكِنُ الحُصولُ عليه. فيمكنكَ أنْ تُحَقِّقَ ذلك. والرَّبُّ يُجيزُكَ في تلك التَّجارِب لكي يُحَقِّقَ ذلك. فإيمانُنا يُمْتَحَن لكي يَجْعَلَنا أكثرَ اتِّكالاً على اللهِ، ولكي يُقَوِّي إيمانَنا، ولكي يُعْطينا شَرِكَةً أعمق. وهذا يَجْعَلُنا أكثر نُضْجًا.

والكلمة "تَامّ" تَنْطَوي على مَعنى غِنَى الشَّخصيَّة. وهي تُشيرُ إلى المكانِ الَّذي نُحِبُّ حَقًّا أنْ نكونَ فيه والذي يُريدُ مِنَّا الربُّ أنْ نكونَ فيه. وهي تَحْمِلُ فِكرةَ التَّوازُن، أوِ البِرِّ الثَّابتِ المُتوازِن. وأفضلُ آية تُوَضِّحُ ذلك، وهي آية أُحِبُّها، هي غَلاطِيَّة 4: 19 إذْ يَقولُ بولُس: "لن أَشْعُرَ بالرِّضى يومًا" أوْ "سوفَ أَشْعُرُ بالألمِ، وسوفَ أَتَمَخَّضُ دائمًا رُوحيًّا إِلَى أَنْ [اسْمَعوا هذه الكَلِمات] إلى أنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ [أيْن؟] فِيكُمْ". أليسَت هذه فِكرة رائعة؟ فهذا هو شَوْقُ قَلبِه. وهذا هو الهدفُ الرُّوحِيُّ النَّهائيّ: إلى أنْ يَتَصَوَّرَ المَسيحُ فينا تَمامًا. وَيَصِفُ يَعْقوبُ مَا يَعْنيه بالكلمة "تَامّ" في العدد الرَّابع إذْ يَقول: "وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ". وَهُوَ يَستخدِمُ الكلمة "تيليوي" (teleioi) مَرَّةً أخرى – "وَكَامِلِين". وهذه كلمة رائعة "هولوكليروس" (holokleros). والكلمة "هولوس" (holos) تَعني "كاملاً". ونحنُ نَستخدِمُ اليومَ الكلمة "هولوغرافي" (holography) للإشارة إلى الصُّورة المُجَسَّمة (هولوغرافي). والكَلِمَتان "هولوس" (holos) و "كليروس" (kleros) تَعنيان: "كُلَّ الأجزاء". فهو يُريدُ مِنْكُم أنْ تكونوا كامِلينَ في كُلِّ جُزْءٍ فيكم، ومُكْتَمِلين، وكامِلينَ رُوحيًّا. ثُمَّ إنَّهُ يَستخدِمُ صيغةَ النَّفيِ قائلاً: "غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ". ويا لها مِنْ جُملة شاملة! فالله يُجيزُكَ في التَّجارِب لكي تَكتسبَ قُدرةً على التَّحَمُّل، لكي تَتَمَكَّنَ مِنَ اجتيازِ مَزيدٍ مِنَ التَّجارِب إلى أنْ تَصيرَ شخصًا تَامًّا وكامِلاً وناضِجًا في المسيح.

فالتَّجاربُ وَحدُها تَستطيعُ أنْ تَفعلَ ذلك. فالأمرُ يتطلَّبُ كلمةَ اللهِ القادرة أنْ تَجْعَلَكَ كاملاً (كما جاءَ في رسالة تيموثاوس الثانية)، والتَّجارِب (كما جاءَ في رسالة بُطرس الأولى 5: 10) إذْ نَقرأ: "وَإِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ ... بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ [ماذا؟] يُكَمِّلُكُمْ". فالتَّجاربُ وكلمةُ اللهِ تَقودان إلى الكَمال.

واسمحوا لي أنْ أُريكُم مَقطعًا فيما نَخْتِمُ حَديثَنا عن هذه النُّقطة، وَهُوَ مِنْ سِفْر إرْميا والأصحاح 48 – إرْميا 48. وَهُوَ واحدٌ مِنْ المَقاطِعِ الصَّغيرةِ المُفَضَّلة لديَّ في العهدِ القديم لأنَّهُ غَنِيٌّ بالمَعنى. ففي سِفْر إرْميا والأصحاح 48، هناكَ دَينونة على مُوآب الَّتي كانت تَقَعُ، كما تَعلمون، إلى الجنوبِ الشَّرقيِّ مِنْ أورُشَليم، وكانت أُمَّةً مُجاورةً وَثَنِيَّةً. والحقيقةُ هي أنَّ اللهَ لَعَنَ المُوآبِيِّين، ولم يَكُنْ يُسْمَحُ بوجودِ آيِّ مُوآبِيٍّ في بني إسرائيل. وهناكَ استثناءٌ واحدٌ رائعٌ لذلك في قِصَّة راعوث بنعمةِ الله. ولكِنْ في العدد 11، أرجو أن تُلاحِظوا ما يَلي إذْ نَقرأ: "مُسْتَرِيحٌ مُوآبُ مُنْذُ صِبَاهُ". فهل تَعلمونَ ماذا كانت مُشكلة مُوآب؟ لقد كانَ مُوآب بَعيدًا عنِ الله. وقد كانَ موآب غير مؤمِن. وقد كانَ موآب خَليعًا. أَتَعلمونَ لماذا؟ لأنَّه لم يَقَع في أيَّة مَشاكِل طَوالَ حياتِه. والحياةُ الخالية مِنَ المشاكل تُنْتِجُ شَخصيَّةً ضَعيفة جدًّا. أليسَ كذلك؟ والآن لاحظوا ما يلي: "وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ عَلَى دُرْدِيِّهِ". وما مَعنى "دُرْدِيِّهِ"؟ الدُّرْدِيُّ هُوَ المادَّة الَّتي تَتَرَسَّبُ في أسفَلِ زِقِّ الخَمْر في أثناءِ عَمليَّةِ صُنْع الخَمْر. "وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ عَلَى دُرْدِيِّهِ. وَلَمْ يُفْرَغْ مِنْ إِنَاءٍ إِلَى إِنَاءٍ، وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى السَّبْيِ. لِذلِكَ بَقِيَ طَعْمُهُ فِيهِ، وَرَائِحَتُهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ".

وقد تقول: "وما مَعنى ذلك؟" سوفَ أُجيبُكم عن سؤالِكُم. فهذه صُورة كاملة عن عمليَّة صُنْع الخَمْر. وأوَدُّ أنْ أُخبركم كيفَ يَتِمُّ ذلك. وأنا أقولُ ذلكَ مِنْ خلالِ دِراسَتي، لا خِبْرَتي. فسوفَ أقولُ لكم كيفَ يَصنعونَ الخَمْر. فأنتَ تُحْضِرُ مَجموعةً مِنْ زِقاقِ الخَمْر، وتأخُذُ عَصيرَ الكَرْمَةِ، أيْ عَصيرَ العِنَب، وتَسْكُبُهُ في زِقٍّ وَتَتْرُكُهُ لِيَسْتَقِرّ. وبعدَ أنْ يَستقرّ بعضَ الوقت، فإنَّ الثُّفْلَ أوِ الكَدَر أوِ الرَّواسِبَ تَبقى في القَعْر وتبدأُ في الانفصالِ عنِ الخَمْرِ أوِ العَصير. وبعدَ حِيْن (وهذا هُوَ ما يَجْري عادةً في عمليَّة صُنْع الخَمْر) فإنَّكَ تأخُذُ العَصيرَ الموجودَ في ذلكَ الزِّقّ وَتَسْكُبُهُ في زِقٍّ آخر. وسوفَ تَبقى بعضُ الرَّواسِبِ في القَعْر. ثُمَّ إنَّكَ تَسْكُبُهُ في زِقٍّ آخر، وَتُكَرِّرُ العَمليَّة مَرَّاتٍ عديدة فَتَبقى بَعْضُ الرَّواسِبِ في كُلِّ مَرَّة في قَعْرِ الزِّقّ. وأنتُ تَفعلُ ذلكَ المَرَّة تلو المَرَّة تلو المَرَّة تلو المَرَّة. وأخيرًا فإنَّكَ تَسْكُبُ العَصيرَ في زِقٍّ آخر وَتَنتظر وقتًا طويلاً وَتَسْكُبهُ ثانيةً فلا تَبقى هناكَ رَواسِب. وحينئذٍ يَكونُ العَصيرُ حُلْوًا.

فَكُلُّ تلكَ الرَّواسِبِ تَبقى في القَعْر. وَمِنْ تلكَ الرَّواسِبِ يُصْنَعُ الخَلّ. ولكِنَّ الخَمْرَ الآنَ تكونُ حُلْوَةَ الرَّائحة وحُلْوَةَ المَذاق. وهي صارت كذلك لأنَّها سُكِبَتْ مِنْ وِعاءٍ إلى وِعاءٍ إلى وِعاء. وفي كُلِّ مَرَّة تُسْكَبُ فيها فإنَّها تَفْقِدُ جُزْءًا مِنْ مَرارَتِها إذْ تَستقرُّ الرَّواسِبُ في القَعْر. واللهُ يَقولُ إنَّهُ لو أنَّ مُوآب اختبَرَ الضِّيقاتِ الواحدة بعدَ الأخرى بعدَ الأخرى لَكانَ قد تَخَلَّصَ مِنْ تلك المَرارة وصارَ حُلْوَ الرَّائحةِ والمَذاق. ولكِنَّ مُوآبَ كان مُسترخِيًا. وهذا أمرٌ سَيِّئ.

"اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ، وافهموا القَصْدَ مِنَ التَّجارِب، واستَسْلِموا لَها لأنَّهُ حينَ يُفَرِّغُكُمْ اللهُ وَيُفَرِّغُني مِنْ ضيقة إلى ضيقة إلى ضيقة إلى ضيقة، فإنَّ المَرارة سَتَبقى في القَعْر إلى أنْ نَأتي أمامَ الربِّ أخيرًا بمذاقٍ حُلْوٍ ورائحةٍ حُلْوَة لا مَرارةَ فيها البَتَّة. ونحنُ نَفرَحُ في وسط ضيقاتِنا إذْ نَعْلَمُ ذلك. ونحنُ نَفهمُ العملَ التَّامَّ ونَخْضَعُ طَوْعًا. والآنْ، إنْ كانَ بِمَقدورِكَ أنْ تَتعاملَ معَ الضيقاتِ بهذه الطريقة، فإنَّكَ سَتَجْعَلُ كُلَّ ضيقة انتصارًا. أليسَ كذلك؟ وما تَزالُ هناكَ نُقْطَتان سنتأمَّلُ فيهما في المَرَّة القادمة. دَعُونا نُصَلِّي:

يا أبانا، نحنُ لا نريدُ أنْ نَنْسَى ما سَمِعْناه، ولا أنْ نَتَذَكَّرَ ذلكَ دُوْنَ أنْ نُطَبِّقَهُ؛ بل نُريدُ، يا رَبّ، أنْ نَسْمَعَ وَنُطَبِّقَ تلك الأشياء في حَياتِنا. لِذا، ساعِدْنا على أنْ نَتَفَكَّرَ فيها ونُطَبِّقَها في حياتِنا الشخصيَّة فيما نُرَنِّمُ هذه التَّرنيمة الرَّائعة. وليتَ هذه الكلماتِ تَكونُ صَلاتنا حينَ نقول: "اسْتَكيني، يا نَفسي" فَنَعْني بِذلكَ: "يا نَفسي". وأيًّا كانتِ التَّجربة، وأيًّا كانَ الصِّراع، ليتَنا نَتْرُكُ الأمرَ لَكَ لكي تُنَجِّي وَتُدَبِّر. وليتَنا نَعلمُ أنَّهُ في كُلِّ تَغييرٍ قد يَحدُث، فإنَّكَ ستبقى أمينًا، وأنَّكَ تَعْمَلُ ما هو لِخَيرِنا، وأنَّكَ صَديقُنا السَّماويّ. ومَهما كانَ الطريقُ شائكاً، فإنَّكَ تَقودُنا إلى نِهايةٍ سَعيدة. وليتَ هذا يكونُ شَوق قُلوبِنا إذْ نُرَنِّمُ هذه التَّرنيمةَ معًا. ونسألُكَ، يا رَبُّ، أنْ تَعمل في كُلِّ نَفْسٍ عَمَلَكَ الكامِلَ المُمتلئ نِعْمَةً. إكرامًا للمُخَلِّص. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize