Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إذْ نَبتدئ دراسَتَنا في هذا المساء لرسالة يعقوب والأصحاحِ الأوَّل، أرجو أنْ تَفتحوا كُتُبَكُم المقدَّسة على ذلك المقطعِ الرَّائع منَ الكتابِ المقدَّس الَّذي يَزْخُرُ بالرَّجاءِ العظيمِ للأشخاصِ الَّذينَ يَمُرُّونَ في ضيقات. وفيما تَفعلونَ ذلك، أَوَدُّ أنْ أُشارِكَ معكم رِسالةً. فقبل أُسبوعَيْن، تَلَقَّيْتُ مُكالمة تِليفونيَّة مِنْ أحدِ الأشخاصِ في كنيستِنا سألني فيها إنْ كانَ بإمكاني أنْ أَتَّصِلَ بِصِهْرٍ لَهُ يَمُرُّ بمأساةٍ مُريعة في حياتِه. وقد قلتُ: "يَسُرُّني أنْ أفعلَ ذلك". وقد اتَّصَلْت.

وحينَ رَفَعَ ذلكَ الشَّخصُ سَمَّاعَةَ التِّليفون، وَرَدَّ، قُلْتُ: "مرحبًا! أنا جون ماك آرثر مِن كاليفورنيا". وقد كانَ هُوَ في كولورادو. وقد صُدِمَ لَحظةً لأنَّهُ كانَ يَستمع إلى برنامجنِا الإذاعِيِّ وإلى العِظاتِ المُسَجَّلة، ولكنَّهُ لم يَلْتَقيني شخصيًّا، حَسَبَ عِلْمي. وقد قال: "لا أُصَدِّقُ ذلك! لا أُصَدِّقُ أنَّكَ اتَّصَلْتَ بي. فأنا أجلسُ هُنا على الطَّاولة وأكتُبُ إليكَ رسالة. وقد وَصَلَت الرِّسالة. وفي مُنتصف الرسالة، في مُنتصفها تمامًا، يقول: "يا للرَّوعة! المجدُ لله! هذه هي اللَّحظة الَّتي اتَّصَلْتَ فيها بِي" [وقد كَتَبَ ذلك في الصَّفحة الرَّابعة مِنَ الرِّسالة]. "وأنا أشعُرُ أنَّ اللهَ يُخبرُني شيئًا في السَّاعة السَّادسة والرُّبع مساءَ اليوم السَّادِس عشر مِنْ شهر آذار/مارس سنة 1986". وإليكُم ما جاءَ في الرِّسالة:

"أَوَدُّ أنْ أُخبركَ قِصَّةً ابتدأتْ قبلَ أكثر مِنْ سَنة. والقِصَّة مُعَقَّدة جِدًّا وتَصْعُب كِتابَتُها في رسالة بِكُلِّ تفاصيلِها. ولكنِّي أَوَدُّ أنْ أُشارِكَ جُزءًا مِنْها مَعَك. اسمي ’دان‘ (Dan). وقد التقيتُكَ في كنيسة "النعمة" (Grace Church) وقتًا قصيرًا وكنتُ أَجلسُ في صَفِّ المَقاعِد الرَّابِع في الخَلف في المُنتصف تمامًا يوم 22 كانون الأوَّل/ديسمبر سنة 1985. هل تَذكرني؟ ولم تتمكَّن زوجتي مِنَ الحُضورِ معي آنذاك لأنَّها كانت مريضة. ونحنُ لدينا ابْن اسْمُهُ "لوك" ("لوقا" – “Luke”) وعُمرُهُ أربع سنوات، وابنة عُمرُها اثنان وعشرونَ شهرًا. في شهر آذار/مارِس سنة 1985، قالَ الأطِبَّاءُ لِزوجتي إنَّ لديها وَرَما في الدِّماغ (في المُخَيْخِ الأيمن). وفي الثَّالث مِنْ شهر نَيْسان/إبريل سنة 1985، خَضَعَتْ زوجتي "كارولاين" (Carolyn) لعمليَّة جِراحيَّة أزالوا فيها الوَرَم وَثَمانينَ بالمئة مِنْ مُخَيْخِها الأيمَن. وفي يوم الجُمعة العَظيمة في الثَّالِث مِن شهر نَيْسان/إبريل سنة 1985، بَدَتِ الأُمورُ جَيِّدة فَنَقَلوا كارولين مِنْ غُرفةِ العِناية المُرَكَّزة إلى غُرفةٍ عاديَّة".

"وفي الخامِس مِنْ شهر نَيْسان/إبريل سنة 1985، ذَهَبْتُ إلى بيتِ أَهْلِ زَوْجَتي في نحو السَّاعة العاشرة والنِّصْف مساءً. وقد ذَهَبْتُ لِتَقبيلِ ابني وابنتي قبلَ أنْ يَناما فَوَجَدْتُ أنَّ ابنتي "سارة" (Sarah) البالغة مِنَ العُمرِ آنذاك ثمانية أشهُر غائبة عنِ الوعي وَأنَّ عَيْنَيها شَاخِصَتَانِ إلى أعلى. وقد ظَنَنْتُ أنَّها مَيْتَة. وقد أَخَذَ الأطبَّاءُ في مُستشفى الأطفال عَيِّنَة مِنْ نُخاعِها الشَّوكيِّ وقالوا إنَّها تُعاني التهابَ السَّحايا في نُخاعِها الشَّوكِيّ. وقد أخبروني أنَّها قد تموت، أو قد تُصاب بِعِدَّة أمراضٍ أخرى، وأنَّ الفُحوصَ ستَستغرِق أربعًا وعشرينَ ساعة قبلَ أنْ يُخبروني إنْ كانت ستَعيش. حينئذٍ، فَقَدْتُ السَّيطرة حَقًّا وشَعَرْتُ بأنِّي عاجزٌ عَنْ فِعْلِ أيِّ شيء".

"كانت ابنتي راقدة على سَريرٍ مائِلٍ في المُستشفى. وقد وَضَعُوا لها جَبائِر على ذِراعَيْها وعلى إحدى السَّاقَيْن، وكانتْ هُناكَ حُقْنة وَريديَّة في قَدَمِها اليُسرى، ويَدِها اليُمنى، ويَدِها اليُسرى، وفَروةِ رَأسِها. وكانت مُثَبَّتَة في مَكانِها ويَداها مَمدودَتَيْن، ولديها ثلاثة شاشات مُتَّصِلَة بصَدرِها. وقد بَكَيْتُ وَصَرَخْتُ: ’يا رَبّ، لماذا هي؟ إنَّها بَريئة جدًّا‘. وقد كنتُ في حَيْرَةٍ مِنْ أمري باحِثًا عن إجابات. وقد حاولتُ أنْ أُخْفي الأمرَ عن زوجتي ’كارولاين‘ الَّتي كانت في مُستشفى آخر، ولكنِّي لم أتمكَّن مِنْ ذلك. ’يا رَبُّ! ماذا أفعل؟‘ وفي صَباحِ عيدِ الفِصْح في السَّادِس مِنْ شهر نَيْسان/إبريل، في السَّاعة السابعة صباحًا، كنتُ في مستشفى الأطفال أَحْتَضِنُ ’سارَة‘ الَّتي ما زالت مَوْصُولَة بها كُلُّ تلك الأسلاك والحُقَن الوَريديَّة، وأجلسُ في مَقْعَدٍ حينَ جاءتْ مُمَرِّضةٌ وقالت لي إنَّ سَارَة قد تَجاوَزَتِ الأزمة".

"فقد أشارَتِ الشَّاشاتُ إلى أنَّها قد تجاوبت حَسَنًا معَ المُضادَّاتِ الحيويَّة وأنَّهم سيَرفَعونَ كُلَّ الأجهزة عنها. ويمكنكَ أنْ تَتَخَيَّل أنَّني كنتُ طَوالَ ذلكَ الوقت أَتَنَقَّلُ بينَ المُسْتَشْفَيَيْن. وفي أثناءِ قيامي بذلك، كنتُ أَستخدِمُ سَيَّارةَ كارولاين الَّتي كانت تَستمع إلى المَحَطَّة الإذاعيَّة "كي-دبليو-بي_آي" (KWBI) على الموجة (AM 91) في مَكانٍ ما في لونغمونت بولاية كولورادو. وقد كانت هذه هي المَرَّةُ الأولى الَّتي سَمِعْتُكَ فيها. وأنا لا أَذكُرُ التَّاريخ، ولكِنَّ السِّلْسِلَة الدِّراسيَّة كانت بعنوان: "كيفَ تَحْتَمِل الاضطهاد"، وهي دراسة مِنْ سِفْرِ أعمال الرُّسُل. وحينَ سَمِعْتُ ذلكَ أوَّلَ مَرَّة، اضْطُرِرْتُ إلى إيقافِ السَّيَّارة. فقد عَجِزْتُ عنْ قيادةِ السَّيَّارة لِفَرْطِ بُكائي".

"قاوَمَتْ زوجتي "كارولاين" المَرَضَ بعدَ العمليَّة. ومَعَ أنَّ مَهاراتِها الحَركيَّة لم تَعُد طبيعيَّة، فإنَّها لم تَستسلِم يومًا. فقد كانت مُكَرَّسَةً لِطِفْلَيْها، ولي، وَلِمُخَلِّصِها وَرَبِّها. وقد ضَمَّنْتُ رِسالتي بعضًا مِنْ مُلاحَظاتِها الَّتي كَتَبَتْها في أثناءِ دراسَتِها الكِتابيَّة عن حَياةِ المَلكوت. فقد ضَمَّنْتُها في نهاية رسالتي؛ وهي مُلاحَظاتُها الشخصيَّة الَّتي كَتَبَتْها، كما هُوَ وَاضِحٌ، بِيَدِها المُرْتَعِشَة بسببِ التَّلَفِ الَّذي أَصابَ دِماغَها. صَحيحٌ أنَّها لم تكن عَالِمَةً في الكتاب المقدَّس، ولكنَّها أَحَبَّتِ الرَّبَّ. وقد ماتت في الثَّامِنْ مِن شهر أيَّار/مايو سنة 1986 بينَ ذِراعِيَّ. فالوَرَمُ الثَّالِثُ لم يكن قَابِلاً لعمليَّة جِراحيَّة. المَجْدُ للهِ على مُخَلِّصِنا الَّذي غَلَبَ الموت. وفيما أكْتُبُ هذه الرِّسالة، فإنَّ عَيْنَيَّ مُمتلئتانِ بالدُّموع، وما زالْتُ رائحةُ زُهورِ الجَنازة تَمْلأُ أَنفي".

"وأنا لا أكتبُ هذه الرسالة للحصول على التَّعاطُف، بل لأنِّي لم أعُد قادرًا على كَبْتِ مَشاعِري فترةً أطول لأنِّي أريدُ أنْ تَعلَم كم أنَّ برنامج "غريس تو يو" (Grace to You) قد بارَكَني، وبارَكَ عائلتي، وبارَكَ أشخاصًا خارِجَ نِطاقِ عائلتي أيضًا. أرجو مِنْكَ أنْ تُبْلِغَ شُكْري للخُدَّامِ في هيئة ’غريس تو يو‘، وأيضًا في كنيسة ’النعمة‘". وأنا أُحِبُّ ما يَقولُهُ في الخِتـام: "لقد صَلَّى كثيرونَ في كنيسَتِكَ لكارولاين، ولي، ولعائلتي. مُلاحظة: نحنُ نُصَلِّي لأجلكم ولأجلِ مَبْناكُم الجديد. صَديقُكُم: دان هاميل". وَنَحْنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ مَرَّ بِمِحْنَة عاطفيَّة قاسية جدًّا جدًّا.

وهو يَقولُ في جُملة "لقد ماتَتْ بينَ ذِراعَيَّ"، ثُمَّ يَقولُ في الجُملةِ الَّتي تَليها: "المَجْدُ للهِ على مُخَلِّصِنا الَّذي غَلَبَ الموت". ففي غَمْرَةِ أصعبِ مِحنةٍ بشريَّة يَمُرُّ بها المؤمن، هُناكَ رَجاءٌ عظيم. وهُناكَ نُصرة مَهما كانت الضِّيقات. فالأمرُ يَتوقَّف على الزَّاويةِ الَّتي نَنظرُ مِنْها. والعائلةُ الَّتي ذَكَرْتُها لكم في هذا الصَّباح، وهي عائلة "رومانوسكي" (Romanoski) اللَّذانِ فَقَدا ابنتَيْهِما يوم أمس، يُقيمان الآن معَ "رَسّ وهايدي مور" (Russ and Heidi Moore). وقد سألتُ "رَسّ" عن موقفهما فقالَ لي: "الحقيقة هي أنَّهُما فَرِحان اليوم". فَرِحان؟ بالرَّغْمِ مِنْ موتِ ابنتيهِما في حادثِ سَيْر؟ "الحقيقة هي أنَّهما فَرِحان لأنَّ ابنتيهما كانتا تُؤمِنانِ بيسوعَ المسيح، ولكِنَّ الطَّالِبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كانتا مَعَهُما وَنَجَتا مِنَ الحادِث لا تَعْرِفان المسيح". وهذا سَبَبُ فَرَح. وهذا يتوقَّف على نَظْرَتِنا للأشياء. فالتَّجاربُ في حياةِ المؤمنِ قد تكونُ شيئًا مُفْرِحًا إنْ كانت نَظْرَتُهُ سَليمَة.

والآنْ، تَخَيَّلوا بأنفُسِكُم أنَّ أَصعبَ تَجرِبةٍ قد يَمُرُّ بها بعضُ النَّاسِ هي أزمة ماليَّة إذْ رُبَّما تَخْسَرُ كُلَّ استثماراتِك، وكُلَّ مُدَّخراتِ حياتِك. وبالنِّسبة إلى أُناسٍ آخرين، قد تكونُ خَسارَة الوظيفة، أو الطَّرْد مِنَ العَمل حيثُ لا يعودُ لديكَ مَصْدَرُ دَخْلٍ لإعالة عائِلَتِك، وتَخْسَرُ كَرامَتَكَ. أوْ رُبَّما تَسْمَعُ مِنَ الطَّبيبِ خَبَرًا يَقولُ إنَّهُ يجب عليكَ أنْ تُجري عَمليَّةَ قلبٍ لِفَتْحِ ثلاثة شَرايين حالاً، أو أنَّكِ تُعانينَ وَرَمًا كبيرًا في الدِّماغ، أوْ أنَّ زَوْجَكِ يُعاني وَرَمًا كهذا، أوَّ أنَّ ابْنَكَ يُعاني وَرَمًا. أو رُبَّما تتَلَقَّى مُكالمةً تليفونيَّة بأنَّ ابنَتَكَ تَعَرَّضَتْ لحادِثِ سَيْرٍ مُرَوِّع وأنَّها ماتَتْ، أوْ أنَّها اغْتُصِبَتْ، أو أنَّ زَوْجَتَكَ قُتِلَتْ على يَدِ لِصٍّ مُدمِنٍ اقْتَحَمَ المنزِل. أو قد يُصابُ ابْنُكَ بمَرَضٍ مُميتٍ وأنَّهُ لن يَعيشَ سِوى بِضعة أيَّامٍ فقط.

ويمكننا أنْ نَذكُرَ المزيدَ والمزيدَ مِنَ الأمثلة. والحقيقة، يا أحبَّائي، هي أنَّ هذه الأمورَ تَحْدُثُ في حياتِنا بطريقةٍ أو بأخرى. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ كما جاءَ في سِفْرِ أيُّوب: "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا أَنَّ الْجَوَارِحَ لارْتِفَاعِ الْجَنَاح". وأيُّ شخصٍ يُحاولُ أنْ يَخْلِقَ عالَمًا وَهميًّا يبدو فيهِ كُلُّ شيءٍ كامِلاً هو شخصٌ رُبَّما يُعَرِّضُ نَفسَهُ لِحُزْنٍ أعمق. فيجب علينا أنْ نَتوقَّعَ مِثْلَ هذا الضِّيقات. ويجب أنْ أَعترِف لكم أنَّ تَوَقُّعَ اختبارِ الحُزْنِ والألم والمتاعِب في حياتِنا يُلْقي بِظِلِّهِ على أعظمِ أفراحِنا. أليسَ كذلك؟

فَبِمَعْنى مِنَ المَعاني، إنَّ الضِّيقاتِ تُعَطِّلُ حَتَّى أعظمَ الأحداثِ في الحياةِ. ورُبَّما كانَ هذا هو السَّبب في أنَّهُ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقولُ إنَّ يَسوعَ بَكى، فإنَّهُ لا يَقولُ مَرَّةً واحِدَةً أنَّهُ ضَحِك. وَلَعَلَّهُ ضَحِكَ. ولكِنْ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ سَعادَتَهُ في أيِّ مُناسبة كانت تَنْحَسِرُ بسببِ شُعورهِ الغامِرِ بالحُزْنِ على الخطيَّة. وإنْ فَكَّرْنا في ذلك تَفكيرًا واقعيًّا، فإنَّنا نَعْلَمُ جَميعًا، رُبَّما بدرجاتٍ مُتفاوِتَة، أنَّنا سنُواجِهُ الضِّيقات.

فلا بُدَّ أنْ نَمُرَّ بِمِحَنٍ عَصيبةٍ في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ في حَياتِنا. ويجب علينا أنْ نَفهمَ كيفَ نُواجِهُ ذلك. وقد حاولتُ أنْ أُفَكِّرَ في هذا الأسبوع، وأنا جَالِسٌ في مَكتبي، في أَقْسى تَجربة قد أَخْتَبِرُها في حياتي، وعن أكثرِ شيءٍ مُؤلِمٍ قد يَحدُثُ لي. وقد فَكَّرْتُ في أيُّوب الَّذي خَسِرَ عائِلَتَهُ ومَحاصيلَهُ وَمَواشِيه وكُلَّ شيء. وقد فَكَّرتُ في ذلكَ قليلاً؛ أيْ في كيفَ أنَّهُ خَسِرَ مُمتلكاتِه، وخَسِرَ كُلَّ أبنائِه. وأسوأُ الكُلِّ هو أنَّ كُلَّ ما تَبَقَّى لديهِ هُوَ زَوْجَة لا تَفهَمُ شَيئًا مِمَّا يَجري. وقد ابْتُلِيَ شخصيًّا بِالمَرَض. وبصراحة، لقد كانت تلكَ تَجرِبَة قاسية جدًّا. ولكِنْ حينَ أَطَلْتُ التَّفكيرَ في ذلك، خَطَرَ بِبالي شخصٌ آخر (وَرُبَّما تُوافِقوني الرَّأيَ أو تَختلفونَ مَعي في ذلك). فقد خَطَرَ ببالي شخصٌ آخر أعتقدُ أنَّهُ مَرَّ بأَصْعَبِ تَجرِبَة يُمكن لأيِّ إنسانٍ أنْ يَمُرَّ بها. واسْمُ الرَّجُل هُوَ: إبراهيم.

افتحوا معي على سِفْر التَّكوين والأصحاح 22. وأنا أَوَدُّ حَقًّا أنْ نُتابِعَ دراسةَ رسالة يعقوب، ولكنِّي لا بُدَّ أنْ أتوقَّفَ عندَ هذه النُّقطة لأنِّي أعتقدُ أنَّها سَتُعطينا نَظرةً جَيِّدة جِدًّا عن هذا الموضوع. وأعتقد أنَّ الامتحانَ الَّذي أَجَازَ إبراهيمَ فيه هُوَ، دُوْنَ شَكٍّ، أصعب امتحانٍ يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَمُرَّ فيه. فنحنُ نَقرأ في سفر التَّكوين 22: 1: "وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيم". والكلمة المُستخدمة هُنا هي "بيرازموس" (peirasmos)، يا أحبَّائي. فهذا امتحانٌ لإبراهيم.

إنَّهُ امتحانٌ لإبراهيم. فقد مَرَّ بأصعبِ امتحانٍ يُمْكِن تَخَيُّلُه. فقدِ امْتَحَنَ اللهُ إبراهيم. "فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ» [ولاحِظُوا التَّركيزَ هُنا:] "«خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ»". وكأنَّ اللهَ يَسْكُبُ مِلْحًا على الجُرْح. فهو لا يقولُ لَهُ فقط: "خُذِ ابْنَكَ"، بل: "خُذِ ابْنَكَ وَحيدَكَ". وليسَ فقط "ابْنَكَ وَحيدَكَ"، بلِ: "الَّذي تُحِبُّهُ". "وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ". وهذا مُدهِش! فكأنَّهُ يقولُ لَهُ: "أنا أُريدُ مِنْكَ ذَبيحَةً. أُريدُ ذَبيحَةً بَشريَّةً. أُريدُ ابْنَكَ. أريدُ مِنْكَ أنْ تَصْعَدَ إلى هُناك. وأريدُ مِنْكَ أنْ تَذْبَحَهُ وتُقَدِّمَهُ ذَبيحَةً لي". ولكِنَّ هذا لم يَكُنْ يُوافِقُ لاهُوتَ إبراهيم. فلم تكن هناكَ سَابِقَة تاريخيَّة في عهدِ اللهِ بوجودِ ذبيحَة بشريَّة. فقد كانَ ذلكَ الأمرُ شائعًا عندَ الوَثنيِّين. فلا يُمْكِن لأيِّ مُؤمِنٍ أنْ يُقَدِّمَ ابْنَهُ ذَبيحة بشريَّة. فَضلاً عن ذلك، كانَ هذا هُو ابْنُ الموعِد. فقد لَمَسَ اللهُ صُلْبَ إبراهيم وَسَمَحَ لَهُ أنْ يَضْطَجِعَ مَعَ زَوجَتِهِ سارَة الَّتي كانت عاقِرًا فأنْجَبَت ابْنًا: ابْنَ العَهْد، وابْنَ الموعِد، وابْن الرَّجاء، ابْن سارَة الَّتي كانَتْ عاقِرًا طَوالَ حياتِها. ولكِنْ لماذا يَطْلُبُ اللهُ ذبيحةً بشريَّةً معَ أنَّهُ لم يَطلُب ذبيحةً بَشريَّةً مِنْ قَبْل؟ وقد كانَ ذلكَ يُناقِضُ كُلَّ شيءٍ يَعْرِفُهُ إبراهيم عنِ الله. فلماذا يَفْعَلُ كُلَّ ذلك وَيَجْعَلُ رَجُلاً وامرأةً في عُمْرِ المِئَة، لم يُنْجِبا طَوالَ حَياتِهِما، لماذا يَجْعَلْهُما يُنْجِبانِ ابْنًا ثُمَّ يَطْلُبُ مِنْهُ أنْ يَقْتُلَ ابْنَهُ؟

ولماذا يَقطعُ اللهُ وعدًا لإبراهيم بأنْ يَجْعَلَهُ أَبًا لأُمَم، وبأنَّ النَّسْلَ الَّذي سيَخرُجُ مِنْ صُلْبِهِ سيكونُ في العَدَد كَرَمْلِ البَحْرِ ونُجومِ السَّماءِ، ثُمَّ يَقْتُلُ الابْنَ الوَحيدَ الَّذي لديه؟ فقد كانتِ الفِكرةُ بِرُمَّتِها غَريبة جِدًّا. فَكُلُّ رَجاءٍ بالإنْجابِ لدى إبراهيمَ العَجوز، وكُلُّ رَجاءٍ بالوَعْدِ سيموت. فقد كانَ إبراهيمُ مُطالَبًا بأنْ يَقْتُلَ ابْنَهُ الحَبيبَ، وبأنْ يَقْتُلَ وُعودَ اللهِ، وبأنْ يُوَجِّهَ ضَربةً قاضيةَ لكلمةِ اللهِ. وهي ضَربة قويَّة إلى شخصِ اللهِ، وضَربة قويَّة إلى أمانَةِ اللهِ. فقد كانَ سيَقْتُلُ وَعْدَ اللهِ، ويَقْطَعُ نَسْلَ المَسِيَّا. ولا شَكَّ أنَّ ذلكَ كانَ طَلَبًا غَريبًا جِدًّا. والشَّيءُ الَّذي يَجْعَلُ هذهِ التَّجربة أصعبَ تجربة في التَّاريخ هو ليسَ أنَّ إسحاقَ سيموت، بل أنَّهُ يجب علي إبراهيمَ أنْ يَقْتُلَهُ بيديه.

إنَّهُ أمرٌ لا يُصَدَّق! فهُناكَ فَرْقٌ شاسعٌ بينَ أنْ يموتَ شَخصٌ تُحِبُّه، وأنْ تَقْتُلَ ذلكَ الشَّخص بيديك. إنَّها تَجربة صعبة جدًّا. وهي تجربة غير معقولة البَتَّة. لا مِنَ النَّاحية اللَّاهوتيَّة، ولا مِنْ جِهَة طبيعةِ اللهِ، ولا مِنْ جِهَة خُطَّةِ الفِداء، ولا مِنْ جِهَة كلمةِ اللهِ، ولا مِنْ جِهَة مَحَبَّتِه، ولا مِنْ جِهَة مَحَبَّة إبراهيم لإسحاق. فإنْ كانَ هُناكَ شيءٌ أَمَرَ اللهُ إنسانًا أنْ يَفعَلَهُ ويَسْتَحِقُّ جِدالاً مُطَوَّلاً، فإنَّهُ هذا الأمر.

وقد كُنَّا سَنَتَفَهَّمُ الأمرَ لو أنَّ إبراهيمَ قال: "اسمعني، يا رَبّ. هل يمكنكَ أنْ تَشْرَحَ لي هذا الأمر مِنْ فَضْلِك؟ فهذا غير مَعقول. ولا يمكنني أنْ أفعلَ ذلك!" ولكِنْ لاحِظوا رَدَّ فِعْلِهِ في العدد الثالث: "فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ اثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ابْنَهُ". ماذا؟ فقد نَهَضَ في الصَّباح لكي يَتأهَّبَ ويَنطلق! ويَقْطَع الخَشَب! فقد كانَ ينبغي أنْ يَقْطَعَ الأخشابَ بنفسه لكي يَضَعَ ابْنَهُ على الحَطَبَ وَيَحْرِقَهُ حَتَّى الموت.

فقد نَهَضَ وذهبَ إلى المكانِ الَّذي قالَ اللهُ لهُ أنْ يَذهبَ إليه. إنَّهُ رَجُلٌ مُدهش! بِكُلِّ تأكيدٍ رَجُلٌ مُدهشٌ! فهو لم يَسأل أيَّ أسئلة، ولم يَتَوانَى، ولم يُجادِل، ولم يَعترِض، ولم يُظْهِر أيَّ رَدِّ فِعْل. "وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ (كما جاءَ في العدد 4) رَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَأَبْصَرَ الْمَوْضِعَ مِنْ بَعِيدٍ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِغُلاَمَيْهِ [فقد أَخَذَ مَعَهُ شَخْصان]: اجْلِسَا أَنْتُمَا ههُنَا مَعَ الْحِمَارِ، وَأَمَّا أَنَا وَالْغُلاَمُ فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ". ثُمَّ لاحِظُوا ما قَالَهُ: "ثُمَّ نَرْجعُ إِلَيْكُمَا". ويجب عليكم أنْ تَضَعُوا خَطًّا تحتَ هذه الكلمات.

"وَأَمَّا أَنَا وَالْغُلاَمُ فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ، ثُمَّ نَرْجعُ إِلَيْكُمَا". وَهُنا يَكْمُنُ السِّرُّ. تَذَكَّروا هذه الجُملة: فقد قالَ إنَّهُما سَيَرْجِعانِ كِلاهُما. "فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ حَطَبَ الْمُحْرَقَةِ وَوَضَعَهُ عَلَى إِسْحَاقَ ابْنِهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ النَّارَ وَالسِّكِّينَ. فَذَهَبَا كِلاَهُمَا مَعًا. وَكَلَّمَ إِسْحَاقُ إِبْرَاهِيمَ أَبِاهُ وَقَالَ: «يَا أَبِي!». فَقَالَ: «هأَنَذَا يَا ابْنِي». فَقَالَ: «هُوَذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟»". يا للهَوْل! لا شَكَّ في أنَّ هذه الكلماتِ مُحْزِنَة. فالابْنُ الَّذي يَثِقُ بأبيه ولا يَدري ما يَحْدُث يَسألُ أباهُ بِمَحَبَّةٍ وَلُطْفٍ عنِ العبادةِ ويتساءَلُ أينَ الخَروف! "فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «اللهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي». فَذَهَبَا كِلاَهُمَا مَعًا". ويجب عليكم أنْ تَضَعُوا خَطًّا تحتَ هذه الكلمات.

وكما تَرَوْن، أعتقدُ أنَّ إبراهيمَ كانَ يَعْلَمُ في أعماقِ قلبِهِ أنَّ اللهَ يُخَطِّطُ لشيءٍ يَنْسَجِمُ مَعَ شخصِ اللهِ ويَتَّفِقُ مَعَ عَهْدِ الله. ولا أدري إنْ كانَ يَعْلَمُ ما هُوَ هذا الشَّيء تَحديدًا، ولكنِّي أعتقد أنَّهُ كانت لديه فِكرة جَيِّدة. "فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ". ولا نَقرأ هُنا عن أيَّة مُقاومة مِنْ إسحاق أيضًا. فقد رَبَطَهُ على المَذبح وَوَضَعَهُ فوقَ الحَطَب. "ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ".

ويمكنكم أن تتوقَّفوا عندَ هذه النُّقطة. فهذا أمرٌ يَصْعُبُ تَصديقُه! هل تَفهمونَ مِنْ خلالِ قِراءةِ هذه القصَّة مَعنى العبارةِ الَّتي تَقولُ: "فَآمَنَ [إبراهيمُ] بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا"؟ وهل تُدركونَ السَّبَبَ في أنَّ العهد الجديدَ يقول إنَّ إبراهيمَ هُوَ أبو المؤمنين؟ فهو أعظمُ نَموذَجٍ على الثِّقةِ في اللهِ نعْلَمُ عنهُ في الكتابِ المقدَّسِ باستثناءِ المسيح. فقد رَفَعَ السِّكِّينَ وَهَمَّ بِذَبْحِ ابْنِهِ.

وهذا أمرٌ لا يُعْقَل! فيا لها مِنْ تَجرِبة! فهو أمرٌ مُناقِضٌ لطبيعةِ اللهِ، وأمرٌ لا يُوصَف، وأمرٌ مؤلِمٌ، وجريمةُ قَتْلٍ، وأمرٌ لا يَنْسَجِمُ مَعَ أيِّ شيءٍ يَعرِفُهُ عنِ الله. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فقد كانَ خاضِعًا، وكانَ مُطيعًا، وكانَ عَازِمًا على عِبادَةِ اللهِ بأيِّ ثَمَن. واللهُ نَظَرَ إلى استعدادِ إبراهيم كَمِقْياسٍ لأدائِه. واللهُ قَيَّمَهُ بحسب استعدادِهِ ولم يَسْمَحْ لَهُ أنْ يَفعلَ ذلك. فنحنُ نَقرأ في العدد 11: "فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا» فَقَالَ: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ". واحزَروا ماذا! لقد كانَ هذا كُلُّهُ امتحانًا. وماذا فَعَلَ إبراهيم؟ لقدِ اجتازَ الامتحان. لقد نَجَحَ فيه. فقد أَبْدى استعدادَهُ لإطاعَةِ كلمةِ اللهِ مَهْما كَلَّفَ الأمر. "فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ ... ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي".

إنَّ إبراهيمَ يُرينا أنَّنا قد نُمْتَحَن في أشياء عَزيزة جِدًّا علينا. وقد نُمْتَحَن في أشياء غالية جِدًّا على قُلوبِنا مِثْلَ ابْنٍ، أوِ ابْنَة، أو زَوْجٍ، أو زَوجة، أو صَديق. وقد نُضْطَرُّ إلى التَّخَلِّي عنِ الشَّخصِ المَحبوبِ لدينا، وإلى التَّخَلِّي عنِ الأشخاصِ الَّذينَ نُحِبُّهم جِدًّا لأجلِ الرَّبِّ، لا فقط بسببِ الموتِ، بل رُبَّما في أثناءِ الحياة – رُبَّما مِنْ خلالِ السَّماحِ لهم بالذَّهابِ في الطريقِ الَّذي يريدُ اللهُ مِنهم أنْ يَسلُكوا فيه، لا في الطريقِ الَّذي نُريدهم نحنُ أنْ يَسلُكوا فيه.

وكما تَرَوْن، عندما أَبْدى إبراهيمُ استعدادَهُ للتَّخَلِّي عن إسحاق بِغَضِّ النَّظَر عَمَّا كانَ إسحاقُ يَعْنيه لَهُ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال، فإنَّهُ أَظْهَرَ مِنْ خلالِ استعدادِهِ للتَّخَلِّي عنهُ، لاحظوا ما سأقول: أَظْهَرَ أنَّهُ يَمْتَلِكُ الحَقَّ في الاحتفاظِ بِهِ. أَتَرَوْنَ ذلك؟ فهو لم يَكُنْ لديهِ حُبُّ التَّمَلُّك، بل أَبْدى استعدادَهُ للتَّخَلِّي عنهُ إنْ كانت هذه هي مشيئةُ الرَّبِّ. لماذا؟ لأنَّهُ كانَ مُستعدًّا أنْ يَفعلَ أيَّ شيءٍ يَطلُبُهُ اللهُ مِنه. ونحنُ جميعًا لدينا تَجارِب كثيرة في الحياة، ولكنِّي لا أستطيعُ أنْ أتخَيَّلَ تَجربةً كهذه. ولا يمكنني أنْ أتخَيَّلَ ما سأفعَل إنْ طَلَبَ اللهُ مِنِّي أنْ أفعلَ ذلك. ولا يُمكنني أنْ أتخَيَّلَ صُعوبةَ الأمر.

ولكنِّي أعتقد أنَّنا نستطيعُ أنْ نَستنتِجَ مِنْ هذه القصَّة أنَّهُ كُلَّما زادَت صُعوبةُ الطَّاعة، زادَتْ رَوْعَةُ الطَّاعة. وكُلَّما زادَتْ صُعوبةُ الطَّاعة، زادَ إنْكارُ الذَّاتِ فيها. لِذا فإنَّنا نَرى هُنا طَاعَةً تَتَطَلَّبُ إنكارًا هائلاً للذَّات. لِذا فإنَّها أَروَعُ طاعة. وقدِ اجتازَ إبراهيمُ الامتحان. وقد قالَ الملاكُ: "لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ". بعبارةٍ أخرى، أنتَ تُبَجِّلُ اللهَ بِحَقّ مَهما كانَ الثَّمن. ويا لها مِنْ تَجرِبَة!

وَنَجِدُ التَّعليقَ على هذهِ التَّجربة الخاصَّة بإبراهيم في الأصحاحِ الحادي عَشَر مِنَ الرِّسالة إلى العِبرانيِّين. وأرجو أنْ تَفتحوا عليها قليلاً. ففي الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 11: 17، كَيفَ فَعَلَ إبراهيمُ ذلك؟ وكيفَ أَرْغَمَ نَفسَهُ على فِعْلِ ذلك؟ نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانيِّين 11: 17 بِكُلِّ وُضوح إذْ نَقْرأُ في الكلماتِ الأولى مِنَ العدد 17 القِصَّةَ كاملةً: بِماذا؟ "بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ". وَنَجِدُ المِفْتاحَ هُنا مَرَّةً أخرى. ويجب أنْ تَضَعُوا خَطًّا تحتَ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْن: "وَهُوَ مُجَرَّبٌ". فقد كانَ هذا امتحانٌ. وقد خَطَرَ هذا ببالي حينَ كُنَّا نُسَجِّلُ البَرنامَجَ الإذاعِيّ. فبينما كنتُ في طريقي إلى الكنيسة قبلَ بِضعةِ أيَّام، تَذَكَّرتُ الصَّافرة القصيرة والعبارة "هذا فَحْص" (This is a test) الَّتي أسمعُها عندَ اختبارِ أجهزةِ الصَّوت قبلَ التَّسجيل. وقد تَذَكَّرتُ إبراهيم.

فكأنَّ اللهُ أَصْدَرَ صَافِرَةً "بيييب" (beep) وقالَ لإبراهيم: "هذا فَحْص (This is a test). بيييب لقد انْتهى الفحص". إنَّهُ امتحان. "بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ المَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ الَّذِي قِيلَ لَهُ: «إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ»". وكيفَ تَمَكَّنَ مِنَ القيامِ بذلك؟ إليكُم الجواب، وإليكم المِفتاح في العدد 19: "إِذْ حَسِبَ أَنَّ [أوْ آمَنَ بأنَّ] اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ [مِنْ ماذا؟] مِنَ الأَمْوَات". وهل تَعلمونَ لماذا كانَ مُستعدًّا للقيامِ بذلك؟ لأنَّهُ آمَنَ بأنَّ اللهَ قادرٌ على الإقامةِ مِنَ الأموات. وهل رَأى مِنْ قَبْل شخصًا يَقومُ مِنَ الأموات. ليسَ بِحَسَبِ عِلْمي. ولكنَّهُ آمَنَ بأنَّ اللهَ قادرٌ على الإقامةِ مِنَ الأموات. والشَّيءُ الَّذي آمَنَ بِهِ هُوَ الآتي: أنَّ اللهَ كانَ صَادِقًا في كلامِه وبأنَّهُ ما دامَ قد قَطَعَ لَهُ وَعْدًا بأنَّهُ قادرٌ على الإقامةِ مِنَ الأمواتِ فإنَّهُ سَيَحْفَظُ وَعْدَهُ. وهذا إيمانٌ عظيم! ولا أريدُ أنْ أَسْتَنْتِجَ أُمورًا ليسَتْ مَذكورة في هذه القصَّة، ولكِنْ رُبَّما شَعَرَ إبراهيمُ ببعضِ الإحباطِ حينَ لم يُسْمَحْ لَهُ بأخْذِ حياةِ ابْنِهِ لأنَّهُ كانَ يَرْغَبُ في أنْ يَرى قِيامَةً.

ونحنُ لا نَعلمُ ذلكَ يَقينًا، ولكِنَّهُ آمَنَ أنَّهُ إنْ تَطَلَّبَ الأمرُ ذلك، فإنَّ اللهَ سَيُقيمُ ابْنَهُ مِنَ الأموات. وما الَّذي نَفْهَمُهُ مِنْ ذلك؟ نَفْهَمُ مِنْ ذلكَ أنَّ الإنسانَ يَستطيعُ أنْ يَجْتازَ أَصْعَبَ تَجرِبةٍ يُمْكِنُ تَخَيُّلُها في الحياةِ إنْ آمَنَ حَقًّا بالله، وإنْ آمَنَ بأنَّ اللهَ يَجْلِسُ على العَرْشِ، وبأنَّ اللهَ سَيَحْفَظُ وَعْدَهُ، وبأنَّ اللهَ لا يَقْتَرِفْ أخطاءً، وبأنَّ اللهَ يُنَفِّذُ كلمَتَهُ دائمًا، وبأنَّ اللهَ سَيُحَقِّقُ مَقاصِدَهُ، فإنَّ هذا النَّوعَ مِنَ الإيمانَ يَجْعَلُهُ قادرًا على اجتيازِ الامتحان.

وعندما خَضَعَ إبراهيمُ للـ "بيرازموس" (peirasmos) أيْ عندما جُرِّبَ أوِ امْتُحِن، نَجَحَ في الامتحان. وأقولُ مَرَّةً أخرى: "هل نَتَعَجَّبُ ... هل نَتَعَجَّبُ لأنَّ هذا الرَّجُلَ هو أعظمُ نَموذَجٍ بَشريٍّ على الإيمان؟" فنحنُ نَقرأُ في رسالة غلاطِيَّة 3: 7: "اعْلَمُوا إِذًا أَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيم". فأيُّ شخصٍ يَحْيا بالإيمانِ في اللهِ هو (بالمَعنى الرُّوحِيِّ) ابْنٌ لإبراهيم. فهو أبو المؤمِنين. وَهُوَ نَموذَجُ الإيمان. ونحنُ نَقرأُ في العدد 9 أنَّ "الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ يَتَبَارَكُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ الْمُؤْمِن". فقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ مِنْ صُلْبِهِ فإنَّ شُعوبَ العالَمِ ستتبارَك. وكانَ يَعلمُ أنَّ اللهَ يَحْفَظُ وَعْدَهُ، وأنَّ اللهَ لا بُدَّ أنْ يُتَمِّمَهُ.

والآن، يا أحبَّائي، يجب علينا أنْ نُدركَ أنَّ اللهَ سيَسْمَحُ لنا بأنْ نَمُرَّ في امتحانات. والشَّيءُ الَّذي يَحفَظُنا في وسطِ ذلك هو ثِقَتُنا في الله، وإيمانُنا بأنَّ اللهَ يَجعلُ كُلَّ الأشياءِ تَعملُ مَعًا لتحقيقِ قَصْدِهِ المُقَدَّس. وأنا أَعلمُ أنَّنا نَحْلُمُ بعالَمٍ مُريحٍ وبيئةٍ رائعةٍ. فنحنُ نَتَمَنَّى الحُصولَ على الرَّاحةِ المُطلَقَة. ونحنُ نَتَمَنَّى أنْ نَتَخَلَّصَ مِنْ كُلِّ الأمورِ المُزعجة في حياتِنا. ونحنُ نُريدُ أنْ نَجْعَلَ كُلَّ شيءٍ مُستقرًّا تمامًا. وبصراحة، أنا لم أَحْظى بمِثْلِ هذا الوقتِ في حياتي. وقد أَظُنُّ بينَ الحينِ والآخر أنَّ هُناكَ شيئًا كهذا، ولكِنِّي أَكتشفُ أنَّهُ غير موجود.

ولكِنَّ حقيقةَ حُصولِنا على راحةٍ مُؤقَّتة وهُدوءٍ مُؤقَّت هو ما يَخْدَعُنا ويَجعلُنا نَظُنُّ أنَّنا قد نَجِدُ الرَّاحةَ الدَّائمة؛ ولكِنَّ هذا غير صحيح. وأنا أتذَكَّرُ كلماتِ المُرَنِّم. فهل تَذكرونَ ما جاءَ في المزمور 30: 6 إذْ يَقول: "وَأَنَا قُلْتُ فِي طُمَأْنِينَتِي: «لاَ أَتَزَعْزَعُ إِلَى الأَبَدِ»". وهذا يَعني ضِمْنِيَّا: "لقد كنتُ مُخطِئًا". فعندما كُنْتُ في بُحْبوحَة، ظَنَنْتُ أنَّ الأمرَ سَيَبقى هكذا دائمًا. ويمكنكم أنْ تَعيشوا في جَنَّةٍ زائفةٍ إنْ شِئْتُم، ويمكنكم أنْ تُحاولوا إقناعَ أنفُسِكُم بعدمِ وجودِ أيَّة مَتاعِب، وأنْ تَعِدُوا أنفُسَكُم بالرَّاحة؛ ولكِنَّ هذا يُخالِفُ ما قالَهُ المسيح. فقد قال: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي ["بيرازموس" – “peirasmos”] تَجْرِبَة". اسهروا [أيِ احذروا مِنَ التَّجارِب]. وَصَلُّوا [أيِ: اطلُبوا القُوَّة]. "اسهَروا وَصَلّوا". وقد كنتُ أقرأُ (كما أفعلُ دائمًا بِمُتْعَة)، كنتُ أقرأُ كِتابًا لِـ "توماس مينتون" (Thomas Menton)، وَهُوَ كاتِبٌ طَهُورِيٌّ رائعٌ. وقد وَجَدْتُ سَطْرًا واحدًا في السُّطورِ الَّتي قَرأتُها في هذا الأسبوع رَسَخَ في عَقلي إذْ قال: "اللهُ لَدَيْهِ ابْنُ واحدٌ بلا خَطِيَّة، ولكِنْ لا يوجد لديهِ ابْنٌ بلا صَليب". فالتَّجاربُ أمرٌ لا بُدَّ مِنْهُ. فلا بُدَّ أنْ تأتي التَّجارِب. ونحنُ نَقرأُ في المَزمور 23: "أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي". فلا بُدَّ أنْ تأتي التَّجارِب. واتِّكالُنا هُوَ على حُضورِ الله. والآنْ، اسمَحوا لي أنْ أقولَ المَزيدَ في هذه المُقَدِّمة. وكما ذَكَرْتُ، فإنِّي أرغبُ حَقًّا في دِراسَةِ النَّصِّ نَفسِه، ولكِنْ هناكَ أشياء كثيرة خَطَرَتْ بِبالي في هذا الأسبوع رُبَّما ينبغي أنْ أَتَطَرَّقَ إليها في المُقَدِّمة. لِذا، أرجو أنْ تَحتَمِلوني قليلاً إذْ أَوَدُّ أنْ أقول إنَّ التَّجارِب قد تأتي إلينا بطُرُقٍ عديدة ولغاياتٍ عديدة. واسمحوا لي أنْ أَذْكُرَ بَعْضًا منها لكم:

أوَّلاً، التَّجارِب تأتي لِتَمْتَحِن قُوَّةَ إيمانِنا. وقد تَحَدَّثنا عن ذلكَ في الأسبوعِ الماضي. ولكنِّي أريدُ فقط أنْ أتحدَّثَ قليلاً عن هذه النُّقطة. فالتَّجاربُ تأتي لِتَمْتَحِن قُوَّةَ إيمانِنا. ويمكننا أنْ نَجِدَ مَثَلاً توضيحيًّا رائعًا على ذلك في سِفْر أخبار الأيَّام الثَّاني 32: 31. ولا حاجة إلى أنْ تَفتَحوا عليه. فسوفَ أَقرأُ تلكَ الآية لكم. وهي تتحدَّث عن حَزَقِيَّا الَّذي كانَ مَلِكَا. وهي تقولُ عَنْ حَزَقِيَّا ما يَلي (اسمعوا): "تَرَكَهُ اللهُ لِيُجَرِّبَهُ لِيَعْلَمَ كُلَّ مَا فِي قَلْبِه". هل فَهِمْتُم ذلك؟ فاللهُ "تَرَكَهُ لِيُجَرِّبَهُ لِيَعْلَمَ كُلَّ مَا فِي قَلْبِه". وَمَنْ هُوَ الَّذي سَيَعْلَم؟ إنَّهُ ليسَ الله. فاللهُ لم يكن في حاجة إلى مَعرفةِ ذلك مِنْ خلالِ اختبارِ ما في قلبِ حَزَقِيَّا. فهو يَعْلَمُ ذلكَ مِنْ خلالِ عِلْمِهِ المُطْلَق. أليسَ كذلك؟ فهلِ اللهُ بحاجة إلى اختبارِكَ لكي يَعْلَمَ ما في قلبِك؟ لا.

إنَّ اللهَ لا يَحتاجُ إلى فَحْصِ أيٍّ مِنَّا لكي يَعْلَم ما في قُلوبِنا. بل إنَّ اللهَ يَختبرُنا لكي نَعلمَ نَحْنُ ذلك. بعبارة أخرى، فهو يُساعِدُنا على القيامِ بِجَرْدٍ رُوْحِيٍّ. وَهُوَ يُساعدُنا في فَحْصِ أنفُسِنا. فأنا وأنتم بحاجة إلى أنْ نَعْرِفَ قُوَّةَ إيمانِنا. لِذا فإنَّ اللهَ يَسْمَحُ بالتَّجارِب في حياتِنا لكي يُظْهِر لنا جَوانِبَ القُوَّةِ أوِ الضُّعفِ في إيمانِنا. فإن مَرَرْتَ الآنَ بتجربة قاسية، فإنَّها ستَكْشِفُ لكَ قُوَّةَ أوْ ضُعْفَ إيمانِك. أليسَ كذلك؟ فإذا كنتَ سَتُلَوِّحُ بِقَبْضَتِكَ في وَجْهِ اللهِ، وإذا كُنْتَ تَتساءَلُ عن سَبَبِ حُدوثِ ذلك، وإذا كنتَ تَضْطَرِبُ طَوالَ الوقتِ وتَقلق، وإذا كنتَ تَعيشُ مَهْمومًا مِنَ الصَّباحِ حَتَّى مُنتصفِ اللَّيل، هناكَ احتمالٌ كبيرٌ في أنَّ إيمانَكَ ضَعيف.

مِنْ جِهَةٍ أُخرى، إذا كنتَ تَمُرُّ بتجربة ووجدتَ نَفسكَ مُطْمَئِنًّا في الرَّبِّ، وَوَضَعْتَ كُلَّ شيءٍ بينَ يَديه، وسَمَحْتَ لهُ أنْ يَحْمِلَ الثِّقْلَ عنكَ، وَمَضَيْتَ في حياتِكَ فَرِحًا قدرَ الإمكانِ في ذلكَ الموقفِ الصَّعب، وكنتَ تَنتظرُ أنْ يُريكَ الرَّبُّ المَنْفَذ، فإنَّكَ تَرى بنفسِكَ أنَّ إيمانَكَ قَوِيّ. لذا، مِنْ جِهَة، يجب علينا أنْ نَشكُرَ اللهَ على التَّجارِب لأنَّها تُساعِدُنا على فَحْصِ إيمانِنا. وهذا مُفيدٌ جِدًّا. فأنا أريدُ دائمًا أنْ أَعرفَ مُسْتَوى إيماني لكي يَتَقَوَّى. فَكُلَّما زادَ إيماني قُوَّةً، زادَتْ مَنْفَعَتي لله.

وعندما راحَ حَبَقُّوق يُفَكِّرُ في الغُموضِ الَّذي يَكْتَنِفُ الموقِفَ الَّذي وَجَدَ نَفْسَهُ فيهِ حينَ سَمِعَ الوَعْدَ المُرْعِبَ بأنَّ الكَلْدانِيِّينَ سيأتونَ وَيُهْلِكونَ شَعْبَهُ، بالرَّغمِ مِنْ كُلِّ شيءٍ فإنَّهُ قال: "فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ ..." – بعبارةٍ أخرى، حَتَّى لو تَوَقَّفَتْ كُلُّ الأشياءِ المألوفةِ في الحَياة: "فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي. اَلرَّبُّ السَّيِّدُ قُوَّتِي، وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَالأَيَائِلِ، وَيُمَشِّينِي عَلَى مُرْتَفَعَاتِي". وَهُوَ يَقولُ في الخِتام: "لِرَئِيسِ الْمُغَنِّينَ عَلَى آلاَتِي ذَوَاتِ الأَوْتَار". فهذه تَسبيحَة. رَنِّمُوها.

ففي وَسَطِ موقِفٍ غامِضٍ تَمامًا ولا حَلَّ لَهُ، فإنَّ ثِقَتَهُ في الرَّبِّ لم تَتَزَعزَع. فقد عَرَفَ مِنْ خلالِ ذلك قُوَّةَ إيمانِه. لِذا فإنَّ واحِدًا مِنْ مَقاصِدِ التَّجاربِ هو أنَّها تَكْشِفُ لَكُم وَلي قُوَّةَ إيمانِنا لكي نَتَمَكَّنَ مِنْ تَحقيقِ قُوَّةٍ أعظم. وقدَ خَضَعَ أيُّوب للامتحان. ونتيجة امتحانِهِ في الأصحاح 42، في ذلكَ النَّصِّ المَعروف لدينا، فإنَّهُ يقول: "بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَاد". بعبارة أخرى، فإنَّهُ يقول: "أريدُ أنْ أَعترفَ بخطيئتي. يا رَبّ، أنا لم أَرَكَ حَقًّا يومًا بالطريقة الَّتي أَراكَ فيها الآن. وأنا أُدركُ أنَّ بعضَ أفكاري عَنْكَ، وبعضَ الأشياءِ الَّتي قُلتُها عنكَ وشَعَرْتُ بها فيما يَختصُّ بك كانت خاطئة. يا رَبُّ، لقد كَشَفْتَ لي عن ضُعْفِ إيماني". لِذا فإنَّ التَّجربة تأتي كامتحانٍ لِقُوَّةِ إيمانِنا.

ثانيًا، يجب علينا أنْ نُدركَ أنَّ التَّجاربَ تأتي لكي تَجْعَلَنا مُتواضِعين. وهي تأتي لكي تُذَكِّرَنا بضرورةِ عدمِ الثِّقَةِ في قُوَّتِنا الرُّوحيَّةِ أكثرَ مِمَّا يَنبغي. وهذهِ النُّقطة تَرتبطُ ارتباطًا وثيقًا بالنُّقطة الأولى، ولكِنَّها مُختلفة عنها قليلاً. فالتَّجارِبُ تأتي لا فقط لكي تُرينا قُوَّتَنا، بل تأتي أيضًا لكي تَجْعَلَنا مُتواضِعينَ - لِئَلَّا نَظُنُّ أنفُسَنا أَقوى رُوحيًّا مِمَّا نحنُ عَليه. وأعتقد أنَّ أفضلَ مَثَلٍ توضيحيٍّ على ذلك في الكتابِ المقدَّسِ هو شَهادَة بولُس في رسالة كورِنثوس الثانية والأصحاح 12، وأنتُم تَعرِفونَ هذه الآية، إذْ يَقولُ في العدد 7: "وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ ..." – بعبارة أخرى: لئَلَّا أَنْظُر إلى نفسي نَظرةً أَعلى مِمَّا ينبغي بسببِ وَفْرَةِ الإعلاناتِ الَّتي تَلَقَّيتُها وبسببِ اخْتِطافي إلى السَّماءِ الثَّالثةِ وكُلِّ تلكَ الأشياءِ الَّتي تَمَكَّنَ بولسُ مِنَ القيامِ بها، وقُوَّةِ الرُّوحِ الَّتي كانت لديه، والمُعجزاتِ والآياتِ والعجائبِ والأعمالِ العجيبةِ والإعلاناتِ الَّتي أَعْطانا اللهُ إيَّاها مِنْ خِلالِهِ، وكُلِّ تلكَ الأشياءِ الَّتي كانَ يُمْكِنُ أنْ تَجْعَلَهُ مُنْتَفِخًا فِكريًّا: "لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ". لِيَلْطِمَنِي طَوالَ الوقتِ لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ. ويجب علينا أنْ نُدركَ أنَّ اللهَ يَسمحُ بالتَّجاربِ في حياتِنا، ولا سِيَّما حين نَتَبارَكُ في خِدمةٍ رُوحيَّةٍ لكي يُبْقينا مُتواضِعين، لِئَلَّا نُبالِغَ في الثِّقةِ بِقُوَّتِنا الرُّوحيَّة أكثرَ مِمَّا ينبغي، ولِئَلَّا نَشعرَ أنَّنا بِمَنْأى عَنْ كُلِّ تَجْرِبَة.

وهناكَ سَبَبٌ ثالثٌ خَطَرَ ببالي فيما كنتُ أُفَكِّرُ في هذه الأمورِ الَّتي هي تأمُّلاتي الشَّخصيَّة. فأنا أُحاولُ أنْ أَنْظُرَ إليها مِنْ زاوية كِتابيَّة وشخصيَّة. وأنا أعتقد أنَّ الربَّ يَسْمَحُ بالتَّجارِبِ في حياتِنا أيضًا لكي يَفْطِمَنا عنِ الأشياءِ العالميَّة - لكي يَفْطِمَنا عنِ الأشياءِ العالميَّة. فهل لاحَظْتَ أنَّهُ كُلَّما تَقَدَّمَ بِكَ العُمْرُ أكثر، وكُلَّما زادتِ الأشياءُ الَّتي لَديكَ مِنْ أثاثٍ أو سَيَّاراتٍ أو مَنازِلَ أو حِساباتٍ مَصْرِفِيَّة أوْ أيِّ شيءٍ آخر، وكُلَّما زَادَ نَجاحُكَ، وكُلَّما زادتِ الأشياءُ العَالميَّةُ الَّتي فَعَلْتَها، وكُلَّما سَافَرْتَ إلى هذا المَكانِ وذاكَ المَكان، وكُلَّما تَجَوَّلتَ أكثر، ورأيتَ هذا الشَّيءَ وذاكَ الشَّيء - هل لاحظتَ أنَّهُ كُلَّما فَعَلْتَ ذلكَ أكثرَ فأكثر في حياتِكَ فإنَّ هذه الأشياءَ تَفْقِدُ أكثرَ فأكثرَ قيمَتَها؟ فهناكَ وقتٌ ظَنَنْتَ فيهِ أنَّ هذه هي أكثرُ الأشياءِ الَّتي تَرغبُ فيها في الحياةِ، ولكِنَّكَ الآنَ لا تَشعرُ بذلك لأنَّهُ لا صِلَةَ لها بالأمورِ الرَّئيسيَّةِ في الحياة. فهي لا تَحُلُّ حَقًّا المشاكلَ العَويصة، ولا تُفيدُ في أوقاتِ القَلَقِ الشَّديد، ولا في أوقاتِ الألم. وعندما تأتي التَّجارِبُ في حياتِك، وتُحاولُ أنْ تَتَّكِل على كُلِّ تلكَ الأشياءِ العالميَّة وَتَجِد أنَّها لا تَصْنَعُ أيَّ فَرْقٍ، ولا تَعني أيَّ شيءٍ على الإطلاق، فإنَّ التَّجاربَ تَفْطِمُكَ عنْ تلكَ الأشياء لأنَّها تُظْهِرُ عَدَمَ قُدرتِها على حَلِّ أيِّ مُشكلة، أو على توفيرِ أيِّ مَوارِدَ حَقيقيَّة لَكَ في أوقاتِ الشِّدَّة. ونحنُ بحاجة إلى أنْ نُفْطَمَ عنها.

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ فيلبُّس في إنجيل يُوحَنَّا والأصحاح السَّادِس. فقد جاءَ إلى يسوعَ وقال: "كيفَ سَنَأتي بِخُبْزٍ لإطعامِ كُلِّ هؤلاءِ النَّاس". فقد كانَ يَنظرُ إلى الأمورِ مِنْ زاوية أَرْضِيَّة. فلا توجد مَخابِزُ هُنا، ولا يوجد خُبْزٌ يَكْفي هؤلاءِ بأيِّ حَال. فنحنُ لدينا عَدَدٌ هائلٌ مِنَ النَّاسِ هُنا. إنَّ عَدَدَهُم ضَخْم. فكيفَ سَنُطْعِمُ خمسةَ آلافِ رَجُلٍ عَدا عنِ النِّساءِ والأطفال؟

لِذا فقد قالَ يسوع: "حسنًا يا فيلبُّس! أخبرني: مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا؟" ونَقرأُ في العدد السَّادِس: "وَإِنَّمَا قَالَ هذَا لِيَمْتَحِنَهُ". فقد أرادَ أنْ يَرى إنْ كانَ فيلبُّس سيَنظر إلى موارِدِ العالَم. ولا شَكَّ أنَّهُ فَعَلَ ذلك. ولكِنَّ ذلكَ لم يَحُلَّ المُشكلة في تلك اللَّحظة. لِذا فقد خَلَقَ الرَّبُّ طَعامًا. وسُرعانَ مَا فَطَمَ فيلبُّس عنِ الأشياءِ العالميَّة وأَشْبَعَهُ بالأشياءِ السَّماويَّة. وأنا أُفَكِّرُ في مُوسى. فهل تَذكرونَ ما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 11: 24-26؟ فقد نَشَأَ في قَصْرِ فِرْعَوْن. وقد نَشَأَ كَأميرٍ في أرضِ مِصْر. وقد تَعَلَّمَ طَوالَ أربَعينَ سَنة. وقد تَدَرَّبَ حَرفِيًّا لكي يَسْتَلِمَ مَنْصِبًا في الدِّيوانِ المَلَكِيّ. وقد بَلَغَ مَكانَةً مَرموقةً في المُجتمعِ المِصْرِيّ في وقتٍ كانت فيهِ مِصْرُ واحدةً مِنْ أعظمِ الحضاراتِ في العالَم. فقد كانَ يَمتلكُ كُلَّ العِلْمِ، وكُلَّ المالِ، وكُلَّ المَكانَةِ، وكُلَّ الشَّرَفِ، وكُلَّ النَّجاحِ، وكُلَّ وَسائلِ الرَّاحةِ بينَ يديه. ولكِنَّهُ حَسِبَ عَارَ الْمَسِيحِ [مَسيحِ الرَّبِّ] غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْر". وكما تَرَوْنَ، فقد أَبْعَدَ نَظَرَهُ عَنْ كُلِّ تلكَ الأشياء، وابتدأَ يُبالي بالتَّجارِبِ الَّتي يَمُرُّ فيها شَعْبُه. وقدِ استخدمَ الربُّ تلكَ التَّجربة لكي يَفْطِمَهُ عنِ الأشياءِ العالَمِيَّة. فالتَّجارِبُ تَفعلُ ذلك.

وهناكَ سَبَبٌ رابِعٌ، في رأيي، للتَّجارِب. فأنا أعتقدُ أنَّ التَّجارِبَ تَدْعونا إلى التَّمَسُّكِ بالرِّجاءِ الأبديّ. فهذا هو ما تَفْعَلُهُ التَّجارِبُ في الحياة. ولا أَدري كيفَ تَعْمَلُ التَّجاربُ في حياتِكَ، ولكِنِّي أَعلمُ أنَّها تَعملُ بهذه الطريقةِ في حياتي. فالتجاربُ في حياتي تَجْعَلُني أَرْغَبُ في الذَّهابِ إلى السَّماء. هل لاحَظتُم ذلك؟ فهذا هُوَ ما أقولُه. وأنا لا أُريدُ أنْ أُصَعِّبَ الأمرَ أكثر. فهو سَهْلٌ جِدًّا. فهي تَدْعُونا إلى التَّمَسُّكِ بالرَّجاءِ الأبديِّ كَمَا حَدَثَ في حياةِ ذلكَ الرَّجُلِ الَّذي كَتَبَ تلكَ الرِّسالة وقالَ إنَّ زَوجَتَهُ ماتت بينَ ذِراعيه، وَسَبَّحَ اللهَ على المُخَلِّصِ الَّذي غَلَبَ الموت. ففجأةً، صارتِ السَّماءُ أحْلَى مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى. والعائلةُ الَّتي فَقَدَتْ ابْنَتَيْن شَعَرَتْ أنَّ السَّماءَ أَحْلى مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى. ورُبَّما يمكنني القول إنَّهُم فَقَدوا اهتمامَهُم بالعالَمِ الزَّائِل. ألا تَعتقدونَ أنَّ هذا هو ما قد تَشْعُرونَ بِهِ إنْ فَقَدْتُم شَخصًا عَزيزًا على قُلوبِكُم؟ فإنْ كانَ أَعَزُّ النَّاسِ في حياتِكُم، وأغلى شَخصٍ في حَياتِكُم، وَهُوَ الرَّبُّ يَسوعَ المسيح، وإنْ كانَتْ أَثْمَنُ الأشياءِ في حياتِكُم موجودة في السَّماء، مِنَ المؤكَّدِ أنَّكُم سَتَفْقِدونَ تلكَ الرَّابطة القويَّة معَ هذا العالَمِ الزَّائِل. لِذا فإنَّ التَّجارِبَ تُرينا إفْلاسَ المَوارِدِ البشريَّة، وَتَفْطِمُنا عنِ العالَمِ، وتَجْعَلُنا نَتَمَسَّكُ بالرَّجاءِ السَّماوِيّ.

وفي رسالة رُومية والأصحاح 8 (مَعَ أنَّ هناكَ آيات كثيرة أخرى يُمْكِنُنا أنْ نُشيرَ إليها لِتَدعيمِ هذه النُّقطة)، ولكِنْ في رسالة رُومية والأصحاح 8، نَقرأُ هذه الكلمات: "اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا".

فبولُس يقول: "حينَ أَمُرُّ في تجربة فإنَّ شَوقي للمَجْد يَزدادُ أكثر فأكثر. وأنا أَرى الخليقةَ كُلَّها تَئِنُّ وتَنتظرُ تَحقيقَ الرَّجاء، وتَنتظرُ (بحسب العدد 21) حُرِّيَّةَ مَجْدِ أَوْلاَدِ الله. ثُمَّ نَقرأ في العدد 24 (أو بالحَرِيّ: في العدد 23): "نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا". وفي العدد 24: لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. لِذا فإنَّنا نَمُرُّ في تَجارِب. والتَّجاربُ تُعطينا شَوْقًا أعظَم للأشياءِ الأبديَّة. وهي تُساعدُنا على الاشتياقِ إلى المدينةِ السَّماويَّة. وهي تُثَبِّتُ أشواقَنا على الأشياءِ الَّتي فوق. وهذا شيءٌ رُوحِيٌّ مُهِمٌّ جِدًّا.

وهي تَجعلُنا نُفَكِّرُ في الأشياءِ الإلهيَّة والأشياءِ السَّماويَّة. وهذا هو ما قالَهُ بولُس في رسالة كورِنثوس الثانية 4: 16: "لِذلِكَ لاَ نَفْشَلُ، بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا. لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ". وكيفَ أَخَذَ بولسُ هذا الموقِف؟

إنَّ الأمرَ سَهْلُ جِدًّا. انظروا إلى العدد 8: "مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ... مُتَحَيِّرِينَ ... مُضْطَهَدِينَ ... حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ". وفي العدد 12: "إِذًا الْمَوْتُ يَعْمَلُ فِينَا". فهو يَختبِر متاعِب كثيرة. لِذا، لا عَجَبَ أنَّهُ لا يُحِبُّ العالَم. فهو يُفَضِّلُ أنْ يكونَ في المجد.

وكما تَرَوْن، فإنَّ التَّجاربَ لها مَقاصِد مُفيدة جِدًّا جدًّا. فهي تَمتَحِنُ قُوَّة إيمانِنا. وهي تَجْعَلُنا مُتواضِعين لِئَلَّا نَظُنَّ أنَّنا أَقوى روحيًّا مِمَّا نحنُ عليه. وهي تَفْطِمُنا عنِ الأشياءِ العالميَّة وتَجْعَلُنا نَتَمَسَّكُ بالرَّجاءِ السَّماويّ.

خامسًا، التَّجارِبُ تَخْدِمُ غايةً مُهِمَّةً جِدًّا أيضًا لأنَّها تَكْشِفُ الأشياءَ الَّتي نُحِبُّها حَقًّا. فهي تَكشِفُ الأشياءَ الَّتي نُحِبُّها حَقًّا. فهل كانَ هناكَ شيءٌ أَغْلى عندَ إبراهيم مِنْ إسْحاق – أيُّ شيء؟ مِنَ المَشكوكِ فيه أنَّهُ كانَ هُناكَ أيُّ شيءٍ أَغلى عِنْدَهُ مِنْ إسحاق – أيُّ شيءٍ في العالَم. ولكِنْ مِنَ المُؤكَّد أنَّ اللهَ كانَ أَغلى عِنْدَهُ مِنْ إسحاق. ولكِنَّ هذا هُوَ الامتحان. وللتحقُّقِ مِمَّا إذا كانَ يُحِبُّ حَقًّا إسحاقَ أكثر مِمَّا يُحِبُّ اللهَ، أوْ مِمَّا إذا كانَ يُحِبُّ اللهَ أكثرَ مِمَّا يُحِبُّ إسحاقَ، كانَ لا بُدَّ مِنْ هذا الامتحان. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ التَّجارِبَ ستكشِف عَمَّا تُحِبُّونَهُ حَقًّا مِنْ خِلالِ رُدودِ أفعالِكُم.

وكما تَرَى، إذا كنتَ تُحِبُّ اللهَ مَحَبَّةً فائقةً، سوفَ تَقولُ لَهُ: شُكرًا لكَ، يا رَبّ، على ما صَنَعْتَهُ مِنْ خلالِ هذه التَّجرِبة. ساعِدني على أنْ أَرى ذلك. وأنا أُمَجِّدُكَ بالرَّغمِ مِنْ سَماحِكَ بِحُدوثِ ذلك". أمَّا إذا كنتَ تُحِبُّ نَفسكَ أكثرَ مِنَ الله، فإنَّكَ ستقول: "يا رَبّ، لماذا تَفعلُ هذا؟" وسوفَ تَغضَبُ، وتَنزعجُ، وتَشعُر بالمَرارة، وتَقلقُ جِدًّا.

وكما تَرَوْنَ، إذا كانَ هناكَ شَيءٌ أَغلى لديكَ مِنَ اللهِ، يجب عليهِ أنْ يَأخُذَهُ منكَ وأنْ يُزيلَهُ مِنْ حَياتِك. لِذا، يجب عليَّ، في حياتي الشَّخصيَّة، أنْ أتَحَقَّقَ مِنْ عَدَمِ وُجودِ شَيءٍ أغلى على قَلبي مِنَ الرَّبِّ لأنِّي لا أريدُهُ أنْ يُزيلَهُ. فهو لا يَفعلُ ذلكَ دائمًا. وقد كنتُ أفَكِّرُ في ذلك وأقرأُ في أسفارِ مُوسى الخمسة قليلاً فوصلتُ إلى سِفْر التَّثنية 13: 3: "فَلاَ تَسْمَعْ لِكَلاَمِ ذلِكَ النَّبِيِّ أَوِ الْحَالِمِ ذلِكَ الْحُلْمَ". فَهُوَ نَبِيٌّ كاذِب" "لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ" [اسْتَمِعوا إلى هذه الكلمات] "يَمْتَحِنُكُمْ لِكَيْ يَعْلَمَ هَلْ تُحِبُّونَ الرَّبَّ إِلهَكُمْ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ". يا للعَجَب! فالرَّبُّ يَمْتَحِنُكَ ليرى مَنْ تُحِبُّ حَقًّا، وما إذا كنتَ تُحِبُّهُ مِنْ كُلِّ قلبِكَ ومِنْ كُلِّ نَفسِك.

ونَقرأُ في إنجيل لوقا 14: 26: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي [ماذا؟] تِلْمِيذًا. وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا". والآن، ما الَّذي يَعنيه؟ هل يَقولُ حَرفيًّا إنَّ المَسيحيَّة تَدعوكَ إلى كُرْهِ كُلِّ شخصٍ – حَتَّى نَفْسَك؟ لا! بل إنَّ ما يَعنيه بهذه الكلماتِ هو: إنْ لم تَكُنْ تُحِبُّ الرَّبَّ لِدَرَجَة تَدْفَعُكَ طَوْعًا، إنِ اقتضى الأمرُ ذلك، إلى فَصْلِ نَفسِكَ عنْ أبيكَ، وأُمِّكَ، وزوجَتَكِ، وأبنائِكَ، وأخيكَ، وأُختِكَ، وحَتَّى نَفْسِكَ، فإنَّكَ لا تُحِبُّ اللهَ بِحَقّ. وأنتَ لا تَستحقُّ أنْ تكونَ لَهُ تِلميذًا. وما الَّذي يَعنيهِ الانفصال؟ نحنُ نَعني بذلك ما يَلي: أنْ تَفعلَ مَشيئةَ اللهِ أوَّلاً وأخيرًا مَهْما كانتِ الإغراءاتُ الَّتي يُقَدِّمُها لَكَ هؤلاء. فمهما كانتِ الإغراءاتُ الَّتي قد يُقَدِّمُها لكَ أبوكَ، أوِ الَّتي قد تُقَدِّمُها لكَ أُمُّكَ، أو زَوجَتُكَ، أو ابْنُكَ، أو أخوكَ، أو أُختُكَ، أو جَسَدُكَ، فإنَّكَ ستَفعل مشيئةَ اللهِ مَهما كانتِ الإغراءاتُ لأنَّكُ تُحِبُّ اللهَ أكثرَ مِنْ أيِّ شخصٍ وشيءٍ آخر.

وقد أرادَ اللهُ في حالةِ إبراهيم أنْ يَجعلَ إبراهيمَ (وأنْ يَجعَلَنا جميعًا) نَعلمُ الحُبَّ الأعظمَ في حياتِه. لِذا فقد قالَ لَهُ: "ضَحِّ بإسحاق، ابْنكَ الوَحيدَ الَّذي تُحِبُّهُ". وقد اجتازَ إبراهيمُ الامتحانَ بِنَجاح. ومَنْ كانَ الحُبُّ الأكبرُ في حياةِ إبراهيم؟ الله. وهذه هي قيمةُ الامتحان. فقد عَلِمَ إبراهيمُ أنَّهُ يُحِبُّ اللهَ أكثرَ مِنْ أيِّ شخصٍ آخر. وقد عَلِمَ الجَميعُ ذلكَ أيضًا. وهذا أمرٌ مُهِمٌّ جِدًّا ينبغي أنْ نَعْلَمَه. فحينَ تَمُرُّونَ في تَجربة، اكتشفوا ما تَكْشِفُهُ عَنْ مَحَبَّتِكُم.

وهناكَ قَصْدٌ سَادِسٌ مِنَ التَّجارِب يَلْزَمُنا جِدًّا جِدًّا أنْ نَعْرِفَهُ وَهُوَ الآتي: التَّجارِبُ تُعَلِّمُنا أنْ نُقَدِّرَ بَرَكَةَ اللهِ. فهي تُعَلِّمُنا أنْ نُقَدِّرَ بَرَكَةَ اللهِ. فالمَنْطِقُ – المَنْطِقُ يُعَلِّمُنا أنْ نُقَدِّرَ العَالَم. والمشاعرُ والأحاسيسُ تُعَلِّمُنا أنْ نُقَدِّرَ المُتعة. ولكِنَّ الإيمانُ يُعَلِّمُنا أنْ نُقَدِّرَ كلمةَ الله ... كلمةَ اللهِ، وإحسانَ اللهِ، وبَرَكَةَ اللهِ. فالمَنطِقُ يقول: "تَمَسَّك بما يُمْكِنُكَ أنْ تَتَمَسَّكَ به في العالَم وانطلِق". والمشاعرُ والأحاسيسُ تقول: "ابْحَث عنِ المُتعة بأيِّ ثَمَن". ولكِنَّ الإيمانَ يقول: "أَطِعِ كَلِمَةَ اللهِ فتَكونُ مُبَارَكًا".

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ التَّجارِبَ تُعَلِّمُنا بَرَكَةَ الطَّاعة. وفي وسط التَّجربة، نحنُ نُطيعُ فنَتبارَك. لِذا فإنَّ التَّجارِبَ تَهْدِف إلى تَعليمِنا ذلك. فهي تُرينا أنَّ الطَّاعةَ مَهما كانَ الثَّمَن تَجْلِبُ بَرَكَةَ اللهِ. والمُرَنِّمُ يقولُ في المزمور 63: 3 (وَهُوَ يَقولُ ذلكَ مِنْ خِبرَتِهِ الشَّخصيَّة): "لأَنَّ رَحْمَتَكَ أَفْضَلُ مِنَ الحَيَاةِ. شَفَتَايَ تُسَبِّحَانِكَ". بعبارة أخرى: "يا رَبّ، لقد رأيتُ رَحْمَتَكَ فوجدتُ أنَّها أفضلُ شيءٍ – إنَّها أفضلُ شيءٍ في الحياة". ويَسوعُ هو أفضلُ نَموذَجٍ على ذلكَ بحسب ما جاءَ في عِبرانِيِّين 5: "الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْت". فيسوعُ خَاضَ التَّجربة في البُستان. فهذه هي الصُّورة هُنا. وقد صارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ فيما كانَ يَبْكي وَيُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ إلى اللهِ لكي يُجِزْ عَنْهُ تلكَ الكأس.

وقد "سُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ". وَ "مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا [مَحْبوبًا]، تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ. وَإِذْ كُمِّلَ صَارَ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ، سَبَبَ خَلاَصٍ أَبَدِيٍّ". لاحِظوا ما جاءَ هُنا. فقد تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ. وقد رَفَّعَهُ اللهُ. ونجدُ الفِكرةَ نفسَها بعباراتٍ أُخرى في رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّاني: فقد "أَخْلَى نَفْسَهُ ... صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ" ... وَ "وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا".

فالتَّجارِبُ تأتي لكي تَجْعَلَنا نتألَّم لكي نُطيعَ في أثناءِ الألم فنَحصُل على البركةِ الكاملةِ مِنَ الله. وأوَدُّ أنْ أقول إنَّهُ عندما تَمُرُّ في تَجربة، إذا تَعلَّمتَ أنْ تُطيعَ اللهَ، فإنَّكَ ستَختَبِر فَيْضَ بَرَكَتِه. فهذا هو وَعْدُهُ. واسمحوا لي أنْ أَذْكُرَ لكم قَصْدَيْنِ آخَرَيْنِ للتَّجارِب.

سابعًا، التَّجارِب تأتي (وهذا قَصْدٌ مُهِمٌّ جدًّا جدًّا) – فالتَّجارِبُ تأتي لكي تُمَكِّنَنا مِنْ مُساعدةِ الآخرينَ في آلامِهِم. فأحيانًا، حينَ تأتي الآلام فإنَّ القَصْدَ الرَّئيسيَّ مِنْها هو أنْ تَجعَلَنا مُؤهَّلينَ تَأهيلاً أفضَل لمساعدةِ الآخرينَ في آلامِهِم. وأنا أُفَكِّرُ في ذلكَ مِنْ مُنْطَلَق ما جاءَ في الأصحاح 22 مِنْ إنجيل لوقا إذْ نَقرأُ أنَّ يَسوعَ قالَ لبُطرس: "وَقَالَ الرَّبُّ: «سِمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ!" فسوفَ يُجَرِّبُكُم الشَّيطانُ وَيُغَرْبِلُكُم. "وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ". ثُمَّ لاحِظُوا هذه الكلمات: "وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ" – أيْ: "مَتى اجْتَزْتَ هذا الامتحان"، فإنَّهُ يَقول: "ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ". فهذا هُوَ القَصْد.

ويا لَهُ مِنْ قَصْدٍ رائع! وهذا يُشْبِه ما جاءَ عن يسوع في عِبرانِيِّين 4، وأيضًا في عِبرانيين 2. فقد صارَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا للهِ لكي يَقدرَ أنْ يُعينَ أولئكَ الذينَ يأتونَ إليهِ لأنَّهُ قد جُرِّبَ في كُلِّ تَجربةٍ اختَبرناها نحنُ. أليسَ كذلك؟ فهذا هو ما يَجْعَلُهُ رَئيسَ كَهَنةٍ رَحيمًا وأمينًا. لِذا فإنَّنا نَخْتَبِرُ التَّجاربَ لكي نكونَ قادرينَ على إعانَةِ الآخرين. ويا لهُ مِنْ أمرٍ رائع! فما أَرْوَعَ أنْ يَسْمَحَ اللهُ لنا بأنْ نَتَعَلَّمَ بالخِبرة أنْ نُعينَ الآخرين.

ثامِنًا وأخيرًا، وَهِيَ نُقطة تَقودُنا إلى النَّصِّ مُباشَرَةً. ويجب علينا أنْ نَنتظرَ أُسبوعًا للحديثِ عن ذلك. ولكِنْ ثامِنًا: التَّجاربُ تأتي لكي تُنَمِّي قُدرتَنا على التَّحَمُّلِ لكي نَصيرَ أَكْثَرَ نَفْعًا. فهي تأتي لكي تُنَمِّي قُدرتَنا على التَّحَمُّلِ لكي نَصيرَ أَكثَرَ نَفْعًا. ومَرَّةً أُخرى فإنَّ "توماس مينتون" (Thomas Menton) قال: "حينَ تكونُ كُلُّ الأمورِ هادئةً ومُريحةً فإنَّنا نَعيشُ بالمَشاعِرِ لا بالإيمان. ولكِنَّ قِيمةَ الجُنديِّ لا تُعْرَفُ البَتَّة في أوقاتِ السَّلام". وهذا صحيح. فقيمةُ الجُنديِّ لا تُعْرَفُ البَتَّة في أوقاتِ السَّلام. واللهُ لَديهِ قَصْدٌ مِنَ السَّماحِ بالتَّجارِب. والقَصْدُ مِنْها هو أنْ تُعْطينا قُوَّةً أكبر.

فحينَ تَمُرُّ في تَجربة، فإنَّ عَضَلاتِكَ الرُّوحيَّةَ تَتَقَوَّى. وأنتَ تَصيرُ أقوى في التَّجربة القادمة. وهذا يَعني أنَّكَ تَصيرُ أكثرَ قُدرةً على احتمالِ خَصْمٍ أقوى. وهذا يعني أنَّكَ تَصيرُ أكثرَ نَفْعًا. وأنتَ تَمُرُّ بتجرِبة أخرى، وتجربة أخرى، وتجربة أخرى. وهذه التَّجارِبُ جميعُها تُقَوِّيكَ، وتُقَوِّيكَ، وتُقَوِّيكَ إلى أنْ تَصيرَ نافِعًا أكثرَ فأكثر. فَصَبْرُكَ يَجْعَلُكَ أكثر نَفْعًا. وكُلَّما ازْدَدْتَ نَفْعًا، زادَ استخدامُ اللهِ لك. وكُلَّما زادَ استخدامُ اللهِ لك، زادَ إنْجازُكَ بِقُوَّةِ الرُّوحِ لِمَجْدِ الله.

واسمحوا لي أنْ أُلَخِّصَ ذلك. فما قَصْدُ اللهِ مِنَ اختبارِنا؟ أوَّلاً، أنْ يَمْتَحِنَ قُوَّةَ إيمانِنا لكي نَعرفَ ما إذا كانَ قَوِيًّا أَمْ لا. ثانيًا، أنْ يَجْعَلَنا مُتواضِعينَ لِئَلَّا نَظُنَّ أنفسَنا أقوى رُوحِيًّا مِمَّا نحنُ عليه. ثالثًا، أنْ يَفْطِمَنا عنِ الأشياءِ العالميَّة. رابعًا، أنْ يَدْعونا إلى التَّمَسُّكِ بالرَّجاءِ السَّماويِّ لكي نَحيا في السَّماويَّاتِ، لا في الأرضيَّاتِ. خامسًا، أنْ يَكْشِفَ عَمَّا نُحِبُّهُ حَقًّا. سادسًا، أنْ يُعَلِّمَنا أنْ نُقَدِّرَ بَرَكَةَ اللهِ، وأنْ نُقَدِّرَها حينَ نَحْصُلُ عليها مِنْ خلالِ الألم.

سابعًا، أنْ تُمَكِّنَنا مِنْ مُساعدةِ الآخرينَ في تَجارِبهم لكي يَحْمِلَ بَعْضُنا أَثْقالَ بَعْض. ثامِنًا، أنْ تُنَمِّي قُدرَتَنا على التَّحَمُّل لكي نَصيرَ أكثرَ نَفْعًا لكي يَأتَمِنَنا اللهُ على خِدْمَةٍ أكبر ونكونَ أكثر فاعليَّة. أليست هذه مَقاصِد رائعة؟ فهي جميعُها تُوافِقُ خُطَّةَ اللهِ وتَعتمِد على نِعمَتِه. ولكِنَّ النُّقطةَ الَّتي بَقِيَتْ قائمةً في أذهانِكُم وفي ذِهني هي أنَّ التَّجاربَ لا بُدَّ أنْ تأتي.

فلنرجِع إلى رسالة يعقوب والأصحاح الأوَّل وَنَخْتِمُ بهذه الفِكرة. فالنَّصُّ يقولُ إنَّ التَّجاربَ سَتأتي لا مَحالَة. فلا بُدَّ أنْ يُمْتَحَنَ إيمانُكُم – كَما جاءَ في العدد الثَّالث. ونَقرأ في العدد 12: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ»". فلا بُدَّ أنْ تأتي التَّجارِب. ولا سَبيلَ إلى تَجَنُّبِها. وقد نقول: "أنا أَعلمُ أنَّها ستأتي، وأَعلمُ أنَّ كُلَّ هذه الأشياء تَحْدُثُ لِمَقاصِدَ إلهيَّة، وأنَّهُ يُريدُ أنْ يُحَقِّقَ كُلَّ هذه الأمور. وأنا أَتَقَبَّلُ هذا كُلَّهُ. ولكِنَّ هذا لا يُجيبُ عنِ السُّؤالِ المُهِمِّ وَهُوَ: كيفَ أَجْتازُ هذه التَّجارِب؟ كيفَ أجْتازُهُا بِنَجاح؟ فَمِنَ الجَيِّدِ أنْ أُدَوِّنَ كُلَّ هَذهِ النِّقاطِ في مَكانِها المُناسِب وأنْ أَضَعَها في لائِحَة في دَفْتَرِي الخاصّ بالعِظات. ولكِنْ كيفَ أجْتازُ ذلكَ الامتحان؟". وَهُنا تأتي الآياتُ 1 و 2 إلى 12 إذْ إنَّها تُخاطِبُ حَقًّا القلب. فأوَّلاً، إنَّ ذلكَ يَقْتَضي مِنَّا أنْ نأخُذَ مَوقِفَ الفَرَح. فأوَّلُ وسيلة للمُثابرة في التَّجربة هو أنْ نأخُذَ مَوقِفَ الفَرَح: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي". والوسيلةُ الثانيةُ هي العَقْلُ المُتَفَهِّمُ: "عَالِمينَ أنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا". ثالثًا، الإرادَة الخاضِعَة: "وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ". بعبارة أخرى، اسْمح بمجيءِ التَّجربة لأنَّ اللهَ يَعمَل.

رابعًا، بحسب ما جاءَ في الأعداد مِنْ 5-8، هُوَ القلبُ المؤمِن. اطلُب مِنَ اللهِ ما تَحْتاجُ إليه. وبِحَسَب ما جاءَ في العدد 6، يجب عليكَ أنْ تَطْلُب بماذا؟ بإيمان. فجيب أنْ يكونَ لديكَ قلبٌ مُؤمِن وأنْ تُؤمِنَ بأنَّ لَدى اللهِ قَصْدٌ، وبأنَّهُ سيُوَفِّرُ لَكَ كُلَّ ما تَحتاجُ إليهِ لاجتيازِ تلك التجربة. قَلْبٌ مُؤمِن. وأخيرًا، بحسب ما جاءَ في الأعداد 9-11، الرُّوحُ المُتواضِعَة. الرُّوحُ المُتواضِعَة. فأنتَ تَصْبِر في التَّجارِب مِنْ خلالِ الموقِفِ الفَرِح، والعَقلِ المُتَفَهِّم، والإرادة الخاضِعَة، والقلبِ المؤمِن، والرُّوحِ المُتواضِعَة.

وفي المَرَّةِ القادمة، سننظر إلى هَاتَيْنِ النُّقطَتَيْنِ الأخيرَتَيْن: القلبِ المؤمِن، والرُّوحِ المُتواضعة. وقد أردتُ فقط أنْ أُهَيِّئَكُم لذلك. وأريدُ مِنْكُم أنْ تُلاحِظوا أنَّنا سنَرَى حَقائقَ مُدهشةً جِدًّا جِدًّا إذْ إنَّ النَّصَّ يَتحدَّثُ عن طَلَبِ الحِكْمَةِ مِنَ اللهِ، ويَتحدَّثُ عنِ الطَلَبِ بإيمانٍ لا يَتَزَعْزَع، ويَتحدَّثُ عنِ الرَّجُلِ ذِي الرَّأيَيْن، ويَتحدَّثُ عن كيفَ أنَّ ذلكَ الرَّجُل لا يَنالُ أيَّ شيءٍ مِنَ الله. ثُمَّ إنَّنا سنَنظرُ أيضًا إلى فِكرةِ الرُّوحِ المُتواضِعَةِ بأسرِها، وعن دَوْرِ ذلكَ في الصَّبْر.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize