Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفتَح كُتُبَنا المُقدَّسة على الأصحاحِ الأوَّل مِنْ رسالة يَعقوب إذْ نَتأمَّل مَعًا في كلمةِ اللهِ، وتَحديدًا في الآيات مِنْ 2 إلى 12. وفيما نَستَعِدُّ لدراسةِ كلمةِ اللهِ معًا، اسمحوا لي أن أُذَكِّرَكم فقط أنَّهُ مِنَ المألوفِ في الحياةِ (ولا سِيَّما في حَياتي، وأعتقد أنَّكم تَختبرونَ الشَّيءَ نَفسَهُ في حياتِكُم أنتم أيضًا)، مِنَ المألوفِ أنْ نَلتقي أُناسًا يَظُنُّونَ أنَّهُم مَسيحيُّون.

وأعتقد أنَّ هذا الأمرَ شائعٌ جِدًّا. وأنا أتحدَّثُ هُنا عنِ الأشخاصِ الذينَ شَعَروا أنَّهُم مُخَلَّصون، واعتقدوا أنَّهم يَعرِفونَ اللهَ؛ ثُمَّ عندما حَدَثَتْ ضِيقة في حياتِهِم كَشَفَتْ عن حقيقةِ أنَّهُم لم يكونوا يَعرِفونَ اللهَ قَطّ لأنَّهم بَرْهَنوا على أنَّهُم غيرُ قادِرين على التَّعامُلِ معَ تلك التَّجرِبة القاسية. فقد ظَهَرَ إيمانُهُم على حَقيقَتِه. وقد تَبَيَّنَ أنَّهُ إيمانٌ مَيِّتٌ، وليسَ إيمانًا حَيًّا، ولا إيمانًا مُخَلِّصًا. فَهُمْ لم يَتَمَكَّنوا مِنَ الاستفادَةِ مِنَ المَوارِدِ المُتاحَةِ لأولئكَ الذينَ يُؤمِنونَ حَقًّا بالله. وقد تَخَلَّوْا عَمَّا بَدا أنَّهُ إيمانٌ حَقيقيّ.

فَنَوْعُ التَّجارِبِ الَّتي تَحْدُثُ في الحياةِ طَوالَ الوَقْتِ مُصَمَّمَة للقيامِ بذلك. فَهِيَ تُخْرِجُ النَّاسَ مِنْ نِطاقِ رَاحَتِهِم، وتَجْعَلُهُم يَسْتَفيقونَ على حقيقةِ أنَّهُمْ إمَّا يَثِقونَ في اللهِ أوْ لا يَثِقونَ بِهِ في أصْعَبِ الأحوالِ البشريَّة. فالتَّجارِبُ تُحَقِّقُ هَدَفًا مُفيدًا جِدًّا في أنَّها تُؤكِّدُ لنا صِدْقَ أوْ عَدَمَ صِدْقِ إيمانِنا. وهذا هو تَمامًا ما كانَ في فِكْرِ يَعقوب في هذا المَقطعِ الافتِتاحِيِّ مِنْ هذه الرِّسالةِ الرَّائعة.

فهو يُرَكِّزُ في الرِّسالةِ بِمُجملِها على موضوعِ الإيمانِ الحَيّ. وهو يُرَكِّزُ على موضوعِ ومسألةِ الخَلاصِ الحَقيقيّ. وكما ذَكَرْنا، فإنَّ الرِّسالةَ بِمُجْمَلِها هي سِلْسِلَة مِنَ الامتحاناتِ المُصَمَّمَة للكَشْفِ عن صِدْقِ إيمانِ المَرْء. فالرِّسالةُ بِمُجمَلِها هي سِلْسِلَة مِنَ الامتحاناتِ المُصَمَّمَة للكَشْفِ عنِ الإيمانِ الحَيّ. وأوَّلُ امتحانٍ هو امتحانُ التَّجارِبِ القاسية.

فعندما تأتي التَّجاربُ إلى حياتِنا، فإنَّها تَكْشِفُ عَمَّا إذا كانَ إيمانُنا حَقيقيًّا أَمْ لا، وَعَمَّا إذا كانَ يَصْمُدُ أوْ لا يَصْمُد، وعَمَّا إذا كُنَّا سنَبْقى مُتَمَسِّكينَ باللهِ ونَتَّكِل على مَوارِدِهِ أو أنَّنا لا نَفعل ذلك. وهذا أمرٌ ينبغي أنْ نَعرِفَهُ. فيجب علينا جميعًا أنْ نَفهمَ قُوَّةَ أوْ صِدْقَ إيمانِنا الشَّخصِيّ. ونحنُ بحاجة إلى إدراكِ ذلكَ لا في حياتِنا فقط، بل في حياةِ الآخرينَ أيضًا.

ولكي نُوَضِّحَ ذلك مِنْ خلالِ مَثَلٍ مِنَ الكتابِ المقدَّس، اسمحوا لي أنْ أَطرحَ عليكم بِضعة أسئلة: كيفَ تُقَيِّمونَ شخصًا أوِ الحياةَ الروحيَّةَ لشخصٍ أوَّلاً: سَمِعَ الإنجيلَ طَوْعًا بأُذُنَيْنِ مَفتوحَتَيْن، وتَركيز، وشَغَف. ثانيًا: قَبِلَ شخصيًّا الكلمة مِنْ دُونِ مُقاومة. ثالثًا: تَجاوَبَ بفرح. رابعًا: آمَنَ؟ فهو شخصٌ سَمِعَ الإنجيلَ طَوْعًا، وَقَبِلَ الكلمة شخصيًّا، وتجاوَبَ بفرحٍ، وآمَنَ؟

والآنْ، هل هذا يُشيرُ إلى خَلاصٍ حَقيقيّ؟ وهل هذا يُشيرُ إلى مُؤمِنٍ حَقيقيّ؟ وهل هذه هي سِماتُ الإيمانِ الحَقيقيِّ المُخَلِّص؟ لِنَعْرِفِ الإجابةَ مِن خلالِ النَّظرِ إلى آيةٍ وَرَدَت في إنجيل لوقا والأصحاح الثَّامن. إنجيل لوقا 8: 13، وهي آية واحدة تَشْرَح جُزءًا مِنْ مَثَل أنواعِ التُّربة، وتَحديدًا التُّربة الضَّحْلَة الَّتي توجد تَحْتُها صُخورٌ في الأرض.

فنحنُ نَقرأ: "وَالَّذِينَ عَلَى الصَّخْرِ هُمُ الَّذِينَ مَتَى سَمِعُوا [أيْ: مَتى سَمِعوا الإنجيلَ] يَقْبَلُونَ الْكَلِمَةَ [فَهُمْ يَقبلونَها شخصيًّا، أيْ يَقبلونَ الكَلِمَة المُختصَّة بالخلاصِ الَّذي بيَسوع] يَقبلونَها بِفَرَحٍ، وَهؤُلاَءِ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ، فَيُؤْمِنُونَ إِلَى حِينٍ، وَفِي وَقْتِ التَّجْرِبَةِ [ماذا؟] يَرْتَدُّونَ". ولَعَلَّكُم تُلاحِظونَ هُنا أنَّنا أمامَ أشخاصٍ سَمِعوا الإنجيلَ، وَقَبِلوا الكلمة شخصيًّا، وتجاوبوا معها بفرح، وآمَنوا، ثُمَّ ارْتَدُّوا. لِذا فإنَّ كُلَّ هذه الأشياء في ذاتِها لا تُؤدِّي إلى الإيمانِ المُخَلِّص. ولكِنْ رُبَّما لا يُمْكِنُ الكَشْفُ عَنْ أنَّهُ ليسَ إيمانًا مُخَلِّصًا لو لم تكن هناكَ تَجارِب، ولو أنَّ ذلك الإيمان لم يَخْضَع لوقتِ التَّجرِبة ... لوقتِ التَّجرِبة.

وتلك العِبارةُ القصيرة ("في وَقْتِ التَّجربة") هي عبارة مُدهشة جدًّا. وهي جُزءٌ مُهِمٌّ مِنْ خُطَّةِ اللهِ للبشر لأنَّها تَكْشِفُ عن حقيقةِ إيمانِهِم، وتُبَيِّنُ إنْ كانَ إيمانًا حَقيقيًّا أَمْ لا. والكلمة "وقت" هُنا هي ليست "كرونوس" (chronos) الَّتي تَعني "وقتًا زمنيًّا" كأنْ نَقولَ إنَّ الوقتَ الآن هو السَّادسة وخمسٌ وثلاثونَ دقيقة مَثَلاً. فهو ليسَ وقتًا زمنيًّا بمعنى التَّقاويمِ والسَّاعات. بل هي الكلمة "كايروس" (Kairos)، وهي كلمة مُختلفة. وهي تَعني "وقتًا مَقصودًا"، أو "فُرصةً مُعَيَّنَةً" أو "ظَرْفًا مَا" أو "مُناسَبة مُعَيَّنة". لِذا فإنَّ ما يَتحدَّثُ عنهُ هُنا هو ليسَ الوقت الَّذي نَقيسُهُ بالسَّاعات، بل الوقت المُحَتَّم كَمَصير. فهو وَقْتٌ مَحْتومٌ في حياةِ المَرْء. فلا بُدَّ أنْ تأتي أوقاتُ تَجربة. وفي هذه الحالة، هناكَ أشخاصٌ ارْتَدُّوا. وهذا لا يَعني أنَّهم كانوا يومًا يَنْتَمونَ إلى اللهِ، بل إنَّ الفِعْلَ "أفيستيمي" (aphistemi) يَعني حَرفيًّا: "يَقِفُ بَعيدًا عَنْ".

ففي وقتِ التَّجرِبة، وَقَفوا بَعيدًا عنِ اللهِ. فَهُمْ لم يكونوا يَنْتَمونَ إليهِ أَصْلاً، ثُمَّ إنَّ التَّجربة جاءت وَكَشَفَتْ عن تلك الحقيقة. ومَرَّةً أُخرى، فإنَّنا نَرْجِعُ إلى رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى 2: 19: "لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا". فهؤلاءِ أُناسٌ وَقَفُوا في وَقْتِ التَّجربة بِمُفردِهم. فَقد وَقفوا بعيدًا عنِ اللهِ. وَهُمْ لا يَعرِفونَ اللهَ أصلاً.

فكما هي حالُ البُذورِ في لوقا 8، فإنَّهُمْ يَجِدونَ تُربةً قليلةَ العُمْقِ تَكْفي فقط لِجَعْلِ النَّبتة تَظْهَرُ على السَّطح، ولكنَّها لا تَضْرِبُ بِجَذورِها عَميقًا. لِذا فإنَّ الفِكرة هنا هي ليست أنَّها خُلِعَتْ مِنْ جُذورِها. فهذه ليست الفكرة. فلم تَكُن هناكَ جُذورٌ في الأصل، بل إنَّ النَّبْتَة كانت تَقِفُ بِمُفردِها في التُّربة. وقد كانَ اتِّحادُها معَ التُّربة اتِّحادًا شَكْلِيًّا فقط وليسَ عَلاقةً حَقيقيَّة. فهو ليسَ ذلكَ الاتِّحاد الَّذي يَجعلُ النَّبْتَة تتأصَّلُ عميقًا، وتَنْمو وتُثْمِر.

ولكِنَّ حَقيقةَ ذلكَ النَّوع الزَّائِف مِنَ الإيمان لم يَظْهَر إلَّا في وقتِ التَّجرِبة. وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة المُستخدمة في إنجيل لوقا 8: 13 هي نفس الكلمة "بيرازموس" (peirasmos) – "وقت التَّجربة" الَّتي يَستخدِمُها يَعقوب. والآنْ، لِنَرجِع إلى رسالة يعقوب ونَرى كيفَ يُعَلِّمُنا يعقوبُ عن نفسِ هذه الفِكرة.

فالتَّجارِبُ لا تَستطيعُ أنْ تَهْدِمُ الإيمان. وأُريدُ مِنْكُم أنْ تَعلموا ذلك. وسوفَ أستمرُّ في التركيز على ذلك. فالتَّجارِب لا تَهْدِمُ الإيمان، بل هي تَفْحَصُهُ وَحَسْب. والإيمانُ الَّذي يَجْتازُ الامتحانَ بنجاح يُبرهِنُ على أنَّهُ حَقيقيّ. والإيمانُ الَّذي يَفْشَلُ في الامتحان يُبرهِنُ على أنَّهُ زائف. فالتَّجاربُ لا تَقدر أنْ تَهدمَ الإيمان، بل هي تَفحَصُهُ فقط.

وفي الأسبوعِ الماضي، بَيَّنْتُ لكم أنَّ للتَّجارِب مَقاصِدا عديدة. هل تَذكرونَ ما قُلتَهُ؟ فاللهُ يُرْسِلُ التَّجارِبَ لكي يَجعَلَنا مُتواضِعين. وهو يُرْسِلُ التَّجارِبَ لكي يَفْطِمَنا عنِ العالَم. وهو يُرْسِلُ التَّجارِبَ لكي يَدْفَعَنا إلى التَّركيزِ على الأشياءِ الأبديَّة. وهو يُرْسِلُ التَّجارِبَ لكي يَكْشِفَ لنا عنِ الأشياءِ الَّتي نُحِبُّها حَقًّا. وهو يُرْسِلُ التَّجارِبَ لكي يُعَلِّمِنا قيمةَ إحسانِ اللهِ وبَرَكَتِه. وهو يُرْسِلُ التَّجارِبَ لكي يُؤهِّلَنا لمساعدةِ الآخرينَ في تجارِبهم. وهو يُرْسِلُ التَّجارِبَ لكي يُنَمِّينا ويُعطينا قُوَّةً أكبر ليَجعَلَنا أكثرَ نَفْعًا. وهناكَ غايةٌ أخرى لم أذكرها. فهو يُرسلُ التَّجارِبَ أحيانًا لكي يُؤدِّبَنا على خَطايانا ويَقودَنا إلى الكَمال. ولكِنَّ يَعقوب يُرَكِّزُ بصورة رئيسيَّة على سَببٍ واحدٍ يَقومُ اللهُ لأجلِه بإرسالِ التَّجارِبِ وهو أنْ يَفْحَصَ صِدْقَ إيمانِنا. وكما قُلتُ في الأسبوعِ الماضي: لكي يَقيسَ قُوَّةَ إيمانِنا.

وقد كُنَّا نَقولُ طَوالَ الوقتِ إنَّهُ في وَسْطِ التَّجربة، فإنَّ الإيمانَ الحقيقيَّ سيَثْبُت. فالإيمانُ الحقيقيُّ سيَصْبِر. والإيمانُ الحقيقيُّ سيَبقى صَامِدًا ويَجعلِ المرءَ يُواصِل الطَّريق. فهو سيصمد إلى النهاية. وهو سيَحتَمِل أيَّ تجربة. والسُّؤالُ الَّذي يُواجِهُنا بِهِ يَعقوبُ في الحقيقة هو: كيفَ يَفعلُ الإيمانُ ذلك؟ فكيفَ يُمكن للإيمانِ الحقيقيِّ أنْ يَحتملَ أيَّ تَجربة؟ وكيفَ يمكن للإيمان الحقيقيِّ أنْ يَحتمل أيَّ خَسارة وأنْ يَبقى مُتَمَسِّكًا بهذا الإيمانِ بالله؟

فَما الَّذي يُعطينا القُدرة على الثَّباتِ وعدمِ الارتداد؟ الحقيقة هي أنَّ هناكَ عَناصِرَ عديدة سننظر إليها. العُنْصُرُ الأوَّلُ، كما يَقولُ يَعقوب هو: مَوْقِفُ الفَرَح. فالإيمانُ الحقيقيُّ يَجعلُ المُؤمِنَ يأخُذُ موقفَ الفَرحِ في وَسْطِ أصعبِ تَجرِبة. فنحنُ نَقرأُ في العدد الثاني: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي" [أو فَرَحًا كامِلاً، أو فَرَحًا عَظيمًا، أو فَرَحًا لا تَشوبُهُ شَائِبَة، أو فَرَحًا صِرْفًا] "حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ". فالموقفُ الأوَّلُ الَّذي يَتَّصِفُ بهِ المؤمِنُ هو الفَرَح في وسط التَّجربة. فهناكَ دائمًا نَافِذَة في مَكانٍ مَا في الضِّيقة يَجِدُ فيها المؤمنُ الحقيقيُّ مَصْدَرَ فَرَح.

وقد يكونُ ذلكَ المَصْدَر هو أنَّنا نَعلمُ أنَّ اللهَ مُسيطِرٌ. وَنحنُ نَعْلَمُ ذلكَ يَقينًا. وقد يكونُ ذلكَ هو الرَّجاءُ الَّذي لنا في السَّماء كَما رأينا في هذا الصَّباحِ إذْ إنَّ ذلكَ الأبَ كانَ يَعلمُ أنَّ بِنْتَيْه في حَضْرَةِ المسيح. فبالنِّسبة إلى المؤمِنِ الحَقيقيِّ، سيكونُ هُناكَ مَوْقِفُ فَرَح. ويجب علينا أنْ نَحْصُدَ ذلكَ في حياتِنا الروحيَّة الشَّخصيَّة بسببِ كُلِّ ما تَفْعَلُهُ التَّجاربُ، وبسببِ كُلِّ ما لا تَقدِرُ التجارب أن تَفعله، ولأنَّها تُقَرِّبُنا أكثر إلى الرَّبّ، وَتُقوِّينا، وتَجعلُنا أكثرَ نَفْعًا؛ أيْ بِسَببِ كُلِّ إيجابيَّاتِها. وبسبب حقيقة أنَّها لا تَقدر البَتَّة أنْ تُدَمِّر الإيمانَ الحقيقيّ، ولا تقدرُ البَتَّة أنْ تُعَطِّلَ خُطَّةَ اللهِ، ولا تَقدرُ البَتَّة أنْ تُغَيِّرَ خُطَّتَهُ الأزليَّة، يمكننا دائمًا أنْ نَجِدَ الفَرَحَ في وسط أيِّ تَجربة.

لِذا، هُناكَ موقِفُ الفَرَح. ثانيًا، هناكَ عُنصُرٌ آخر وَثيقُ الصِّلة بالقدرة على الثَّبات. وقد رأينا ذلكَ قبلَ أسبوعَيْن وَهُوَ: العَقلُ المُتَفَهِّم. لاحِظوا العددَ الثالث: "عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا". فيجب عليكم أنْ تَدخُلوا التَّجربة وأنتُم مُتَسَلِّحونَ بالمِعرفة. فيجب عليكم أنْ تَعلموا أنَّ التَّجارِبَ تُنْشِئُ صَبْرًا. بعبارة أخرى، فإنَّها تُنْشِئُ قُوَّةً دائمةً، وقُدرةً على التَّحَمُّل. فإنْ لم تَمُرَّ بأيِّ تَجرِبة، فإنَّكَ لن تَتَقوَّى ولن تَمتلك القُدرة على الصَّبر. لِذا، هناكَ موقِفُ الفَرَح، والعَقْلُ المُتَفَهِّم.

ثالثًا، لقد ذَكَرْنا الإرادَة الخاضِعَة. فنحنُ نَقرأ في العدد الرابع (بصيغَةِ الأمر): "وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ". بعبارة أخرى، اسْمَحُوا للتَّجرِبَة أنْ تأتي، واسمَحُوا لها أنْ تَجْلِبَ مَعَها الصَّبْر. واسمَحُوا للصَّبْرِ أنْ يَجْلِبَ مَعَهُ الكَمال. وقد قُلنا إنَّ الكَمالَ هُنا يَعني "النُّضْجَ الرُّوحِيّ" – النُّضجَ الروحيّ. اسْمَحُوا للتَّجربة أنْ تَفعل ما يُريدُها اللهُ أنْ تَفعل. اسْمَحوا لها أنْ تَقودَكُم إلى التَّواضُع. واسمَحوا لها أنْ تَفْطِمَكُم عنِ العالَم. واسمَحوا لها أنْ تَدعوكُم إلى الرَّجاءِ الأبديّ. واسْمَحُوا لها أنْ تَكْشِفَ عَنْ أكثرِ شَيءٍ تُحِبُّونَهُ. واسمَحوا لها أنْ تُعَلِّمَكُم أنْ تُقَدِّروا بَرَكَةَ اللهِ. واسْمَحوا لها أنْ تُؤهِّلَكم لمساعدةِ الآخرين. واسمَحوا لها أنْ تُنَمِّي القُوَّة فيكُم لكي تكونوا نافِعينَ بِطُرُقٍ أعظم في المستقبل. واسمحوا لها أنْ تُؤدِّبَكُم إنْ كانَ ذلكَ يَعني تَطهيرَكُم. بعبارة أخرى، اسمحوا لها أنْ تَفعلَ ما يُريدُها اللهُ أنْ تَفعل، ولا تُقاوِموها. لِذا فإنَّ الموقفَ السَّليمَ يَقتضي مِنَّا أنْ نُواجِهَ التَّجربة بفرح ... بموقِفٍ فَرِحٍ، وبعَقليَّةٍ سَليمةٍ (أيْ أنْ نَمتلكَ ذِهْنًا مُدركًا يَفهمُ قَصْدَ اللهِ)، وبإرادةٍ خاضِعَةٍ تَتوقُ وتَسْعى إلى قَبولِ التَّجربة لأنَّنا نَعلمُ أنَّهُ مِن خلالِ التَّجارِبِ فإنَّنا نَستطيعُ أنْ نَصيرَ مُشابهينَ للمسيح. فهذا هو الطَّريقُ الَّذي يَقودُ إلى النُّضْج.

والآن، بعدَ أنْ تَحَدَّثنا عن هذه العناصرِ الثلاثة، أَوَدُّ أنْ أُشارِكَ معكم في هذا المساء مَوْقِفَيْنِ آخَرَيْن مُهِمَّيْنِ في حياةِ الشَّخصِ الَّذي يَصْبِر. رابعًا، القلبُ المؤمِن ... القلبُ المؤمِن. ولكي نَرى ذلك، لننظر إلى الأعداد 5-8. القلبُ المؤمِن. والآن، اسمحوا لي أنْ أتوقَّفَ قليلاً قبلَ أنْ نَنظر إلى النَّصِّ لكي أُمَهِّدَ لَهُ قليلاً. فَلْنَقُل إنَّكَ تَمُرُّ بتجرِبة، وإنَّكَ تَفعلُ كُلَّ ما في وُسعِك للحفاظِ على موقِفِ الفَرَح، والعقلِ المُتفهِّم، والإرادة الخاضِعَة؛ ولكنَّكَ تُواجِهُ صُعوبةً حَقًّا في فَهْمِ ما يَجري. فقد تقول في نفسِك: "أنا أريدُ أنْ أَقِفَ موقفًا سليمًا. وأريدُ أنْ يكونَ لديَّ فَهْمٌ سَليم، وأريدُ أنْ تكونَ لديَّ إرادةٌ خاضِعَة. ولكنِّي أَفْتَقِرُ ... أَفْتَقِرُ إلى الحِكمةِ والقُدرةِ على البَقاءِ فَرِحًا، وعلى الاحتمال، وعلى النُّضْجِ في تَجربة كهذه. فأنا أُعاني للحفاظِ على ثَباتِ قلبي فَرِحًا. وأنا أُعاني في فَهْمِ هذا. وأنا أُعاني في مَسألةِ الخُضوع. أنا في حاجة إلى المُساعدة. ماذا ينبغي أنْ أفعل؟"

حسنًا، أنتَ بحاجة فقط إلى شيءٍ واحد. فأنتَ بحاجة إلى الحِكمة. أنتَ بحاجة إلى الحِكمة في التَّجربة. فأنتَ بحاجة إلى أنْ تَفهمَها. وأنتَ بحاجة إلى المَعرفة العَمليَّة لمواجهةِ تَحَدِّياتِ الحياة. ولكِنَّكَ لن تتمكَّنَ مِنَ الحفاظِ على موقفِ الفَرَح، والعقل المُتفهِّم، والإرادة الخاضِعة إلَّا إذا أعطاكَ اللهُ ما هو أكثر مِنْ مَلَكاتِكَ البشريَّة. لِذا فإنَّنا نأتي هُنا إلى العدد الخامِس: "وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ [ماذا؟] حِكْمَةٌ" ... "وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ". فالحِكمةُ هي دائمًا في الطَّليعَة، ولكنَّكَ تَحْتاجُ إليها بصورة خاصَّة حينَ تَمُرُّ في تَجرِبة. فإنْ أردتَ أنْ تَفهمَ، وإنْ أردتَ أنْ تَعلمَ كيفَ تكونُ فَرِحًا، وإنْ أردتَ أنْ تكونَ مُستعِدًّا لاحتمالِ التَّجربة لتحقيقِ مَقاصِدِ اللهِ، فإنَّكَ بحاجة إلى الحِكمة.

فَلا يمكنكَ أنْ تَجِدَ بِمَنْطِقِكَ البَشريِّ كُلَّ الإجابات. والحِكْمة في نَظَر يَعقوب وَنَظَرِ أيِّ قارِئٍ يَهودِيٍّ، وأيِّ يَهودِيٍّ في ذلك الزَّمَن هو الفَهْمُ اللَّازِمُ لعيشِ الحياةِ لِمَجْدِ الله. فالحِكمةُ تَعمَلُ مِن خلالِ الطَّاعةِ لمشيئةِ اللهِ وكَلِمَتِه. وهي تَبتدئُ بِخَشْيَةِ اللهِ، وتَقودُ إلى طَاعَةِ الله. وحينَ نَمُرُّ في اختبار، ونَمُرُّ في تَجرِبة، فإنَّنا نَحتاجُ إلى الحِكمة. فأيُّ مُؤمِنٍ سيَشعُرُ أنَّهُ ضَعيف. وَهُوَ سيَشعر بالحاجة إلى القُوَّة والموارِد. وَهُوَ سيَبحث عن شيءٍ يَتَمَسَّكُ بهِ في وسط التَّجربة. وإلى مَنْ يَلتجئ؟ إنَّهُ يَلتجئُ إلى الله ويَطْلُبُ مِنْهُ الحِكمة. وإليكُم الوَعْد: "إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ"، فليفعل ماذا؟ "فَلْيَطْلُبْ مِنَ الله" ... فَلْيَطْلُبْ مِنَ الله.

فَالبَحْثُ عنِ الحِكْمَة هُوَ أَسْمَى بَحْثٍ يَقومُ بِهِ الإنسان. وبالنِّسبة إلينا نحنُ الَّذينَ نَعرِفُ الربَّ ونُحِبُّهُ، فإنَهُ يُعْطينا تلكَ الحِكمة. وأنا أُفَكِّرُ في ما جاءَ في سِفْر الأمثال 3: 5-7: "تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ". ويا لها مِنْ جُملة رائعة! فعندما تَمُرُّ في تَجربة، وعندما تَمُرُّ بموقفٍ عَصيب، لا تَتَّكِل على فَهْمِك. بل "تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ". "فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ. لاَ تَكُنْ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِكَ". فلا تَنْظُر إلى نَفسِكَ بحثًا عنِ الحُلول، بلِ التجئ إلى اللهِ واطلب مِنْهُ الحِكمة الإلهيَّة.

لِذا، يمكننا أنْ نَقولَ بِكُلِّ يَقينٍ هُنا إنَّ التَّجاربَ لها طريقة في تَعْزيزِ حَياةِ الصَّلاةِ لديك. أليسَ كذلك؟ فهي تَجْعَلُكَ تَسْجُد. وهي تَجعلُكَ تَصْرُخُ إلى اللهِ وتَطلبُ ما ليسَ لديكَ بِلَجاجَةٍ وإلحاحٍ شَديد. لِذا، حينَما تَقَعُ في تَجارِبِ الحياةِ، أيًّا كانت، فإنَّ قَصْدَ اللهِ هو أنْ تُدركَ إفلاسَ المَنْطِقِ البشريِّ والحُلولِ التي قد تَحصُل عليها مِنَ النَّاسِ الآخرين. وأنا أُفَكِّرُ في أيُّوب الَّذي حاولَ أنْ يَحصُلَ على إجاباتٍ مِنْ كُلِّ شخصٍ حَوْلَهُ، ولكِنَّ كُلَّ شخصٍ قَدَّمَ لهُ إجابةً خاطئة. والجوابُ الصَّحيحٌ مُتاحٌ دائمًا عِنْدَ الله إنْ طَلَبْنا مِنْهُ أنْ نَحْصُلَ عليه.

انظروا معي قليلاً إلى سِفْرِ أيُّوب والأصحاح 28. وهذا واحدٌ مِنَ المَقاطِعِ المُفَضَّلَةِ لَدَيَّ في الكتابِ المقدَّس. فهو أصحاحٌ رائعٌ. والجُزءُ الأوَّلُ مِنْ هذا الأصحاحِ يَتحدَّثُ عنِ التَّعدينِ لاستخراجِ المَعادِنِ الثَّمينة، وكيفَ أنَّ الرِّجالَ يَذهبونَ مَسافاتٍ طويلة بحثًا عنِ الثَّروة. وَهُمْ يَستخرِجونَها مِنَ الأرضِ ويَحْفُرونَ عَميقًا في أعماقِ الأرضِ ويُواجِهونَ مَصاعِبَ كثيرة في مُحاولةِ البحثِ عنِ الثَّروة.

ولكِنَّنا نَقرأُ في العدد 12: "أَمَّا الْحِكْمَةُ فَمِنْ أَيْنَ تُوجَدُ؟" فأينَ يُمكنُ للإنسانِ أنْ يَذهبَ بحثًا عنِ الحِكمة حينَ يَحتاجُ إليها؟ "وَأَيْنَ هُوَ مَكَانُ الْفَهْمِ؟ لاَ يَعْرِفُ الإِنْسَانُ قِيمَتَهَا وَلاَ تُوجَدُ فِي أَرْضِ الأَحْيَاء". فهي ليست مُتاحة. وهي ليست للبَيع. وهي ليسَ لها ثَمَن. "الْغَمْرُ يَقُولُ: لَيْسَتْ هِيَ فِيَّ". فهو لن يَجِدَها في أعماقِ الأرضِ. "وَالْبَحْرُ يَقُولُ: لَيْسَتْ هِيَ عِنْدِي. لاَ يُعْطَى ذَهَبٌ خَالِصٌ بَدَلَهَا، وَلاَ تُوزَنُ فِضَّةٌ ثَمَنًا لَهَا. لاَ تُوزَنُ بِذَهَبِ أُوفِيرَ أَوْ بِالْجَزْعِ الْكَرِيمِ أَوِ الْيَاقُوتِ الأَزْرَقِ. لاَ يُعَادِلُهَا الذَّهَبُ وَلاَ الزُّجَاجُ، وَلاَ تُبْدَلُ بِإِنَاءِ ذَهَبٍ إِبْرِيزٍ. لاَ يُذْكَرُ الْمَرْجَانُ أَوِ الْبَلُّوْرُ، وَتَحْصِيلُ الْحِكْمَةِ خَيْرٌ مِنَ اللّآلِئِ. لاَ يُعَادِلُهَا يَاقُوتُ كُوشٍ الأَصْفَرُ، وَلاَ تُوزَنُ بِالذَّهَبِ الْخَالِصِ. فَمِنْ أَيْنَ تَأْتِي الْحِكْمَةُ، وَأَيْنَ هُوَ مَكَانُ الْفَهْمِ؟ إِذْ أُخْفِيَتْ عَنْ عُيُونِ كُلِّ حَيٍّ، وَسُتِرَتْ عَنْ طَيْرِ السَّمَاء".

فالحِكمةُ الحقيقيَّة (أيِ الحِكمةُ الخارقة للطَّبيعة الَّتي نَحتاجُ إليها لِفَهْمِ تَجارِبَ الحياةِ) ليست مُتوفِّرَةً في العالَمِ مِنْ حولِنا. "اَلْهَلاَكُ وَالْمَوْتُ يَقُولاَنِ: بِآذَانِنَا قَدْ سَمِعْنَا خَبَرَهَا". فالهَلاكُ والموتُ سَمِعا عَنْها. وَلكِنَّهُما لا يَجِداها. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 23: "اَللهُ يَفْهَمُ طَرِيقَهَا، وَهُوَ عَالِمٌ بِمَكَانِهَا". لِذا، إذا أردتَ الحِكمة، إلى مَنْ ينبغي أنْ تَلتجئ؟ ينبغي أنْ تَلتجئ إلى الله.

وأنا لا أُريدُ أنْ أُبالِغَ في تبسيطِ الأمر، بل أريدُ فقط أنْ أُرَكِّزَ على ما يَقوله الكتابُ المقدَّس. ويمكنكم أنْ تَفتحوا على رسالة يعقوب والأصحاح الأوَّل الآن. وأنا أريدُ مِنكم أنْ تَفهموا أنَّ ما يقولَهُ الكتابُ المقدَّسُ بهذه البساطة، يا أحبَّائي: حينَ تَقعونَ في تجربة، ينبغي أنْ تَلتجئوا إلى الله. فهذا أَهَمُّ جِدًّا مِنَ الإسراعِ إلى أصدقائِكَ طلبًا للإجابات لأنَّكَ سَتَضَعُ نفسكَ في نفسِ المكانِ الَّذي وَضَعَ أيُّوبُ نَفسَهُ فيه. وهذا أَهَمُّ جِدًّا مِنْ أخذِ مَوعِدٍ معَ عِيادَةٍ للمشورة قبلَ أنْ تَفعلَ أيَّ شيءٍ لِمَعرفةِ فِكْرِ الله. فأنا أَرى أنَّ وَعْدَ اللهِ في هذه الآية هو واحدٌ مِن أعظمِ الوعودِ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس؛ إنْ لم يَكُن أعظمُ وَعْدٍ بالمُطْلَق للمؤمِنِ الَّذي يَعيشُ في هذا العالم. وهذا الوعدُ يقول إنَّهُ إنْ كانَ بحاجة إلى الحِكمة، فإنَّ اللهَ يُعْطيها لَهُ.

وما أعنيه هو: ما هُوَ الشَّيءُ الأكثرُ أهميَّة مِن ذلك؟ وما الشَّيءُ الَّذي قد نَرغبُ في الحصولِ عليهِ أكثر مِنْ حِكمةِ اللهِ لكي نَفهمَ كُلَّ تجربة في الحياةِ ونتجاوبَ معها تجاوبًا سليمًا. فاللهُ يُعطي حِكمةً. والآنْ، ما نوعُ الحكمة الَّتي نَتحدَّثُ عنها؟ نحنُ لا نَتحدَّثُ عن التَّخمينات الفَلسفيَّة، بل نَتحدَّثُ عنِ القيامِ بالصَّواب. ونحنُ نتحدَّثُ عن فَهْمِ ما يَجري مِنْ خِلالِ فِكْرِ الله. ونحنُ نَتحدَّثُ عَمَّا يَتحدَّثُ عنهُ يَعقوبُ بتفصيلٍ أكبر في الأصحاح الثالث والعدد 17؛ أيْ عنِ الحِكمة الَّتِي مِنْ فَوْق، الَّتي هي طَاهِرَةٌ وَمُسَالِمَة.

وهذا هو التَّصَرُّفُ السَّليم في جَميعِ شُؤونِ الحياة. هذا هو ما نَتحدَّثُ عنه. فهذا هو نَوْعُ الحِكمةِ الَّتي تأتي مِنَ اللهِ وَمِنْ طُرُقِ اللهِ. ويجب علينا أنْ نُرَكِّزَ على ذلك. فعندما يَمُرُّ المؤمنونَ في ضيقات في هذه الأيَّام، فإنَّ رَدَّ فِعْلِهِم الأوَّل هو أنَّهُم يُسارعونَ عادةً إلى الحُصولِ على العَوْنِ مِن مَصْدَرٍ بَشَرِيٍّ مَا. ولكِنَّنا نَقرأُ هنا: "وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ" ... فَلْيَطْلُبْ مِنَ الله. وما الَّذي ينبغي أنْ تَطلُبَهُ؟ إنَّكَ تَطلُبُ فَهْمًا يُتيحُ لَكَ أنْ تَكونَ فَرِحًا وخاضِعًا. وأنتَ تَطلُبُ أنْ تَعْلَمَ الشَّيءَ الصَّائِبَ الَّذي ينبغي أنْ تَفعلَه. وَصَلاتي الحَارَّة هي أنْ يَعلمَ المؤمنونَ في وَسْطِ كُلِّ الضِّيقاتِ أنَّ الغَايَةَ مِنَ الضِّيقة هي أنْ تَقودَهُم لا إلى البشر، بل إلى الله. فالغايةُ مِنها هي أنْ يَجِدوا فيهِ المَصدرَ الوحيدَ للحِكمة الحقيقيَّة، والطَّريقَ إلى التَّجاوُبِ الصَّحيح.

والآن، انظروا إلى العدد الخامِس مَرَّةً أخرى: "وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ" ... فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ. فالفِعْلُ هُنا يَرِدُ بصيغةِ الأمر. فهو ليسَ شيئًا طَوعيًّا، بل إنَّهُ أمرٌ مُلْزِمٌ. وهو فِعْلُ أَمْر. وهي وَصيَّةٌ بأنْ نُصَلِّي ولا تَختَلِف في شيءٍ عنِ الوصيَّةِ الَّتي تقول: "صَلُّوا بلا انقطاع". وهي وَصيَّةٌ بأنْ نُصَلِّي ولا تَختلِف في شيءٍ عَمَّا جَاءَ في رسالة تيموثاوس الأولى والأصحاح الثَّاني إذْ نَقرأُ: "فَأُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ الرِّجَالُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، رَافِعِينَ أَيَادِيَ طَاهِرَةً". فهي وَصِيَّة لنا بأنْ نُصَلِّي. فالقَصْدُ مِنَ التَّجارِب هو أنْ تَدفَعَنا إلى الاتِّكالِ على اللهِ والصَّلاةِ إليه.

فحينَ نُدركُ أنَّهُ لا توجد لدينا مَصَادِرُ بَشريَّة، لا يَعودُ لدينا سِوى وَسيلة دَعْم واحدة غير مَنظورة. لِذا فإنَّ المؤمنَ الحَقيقيَّ الَّذي يَقَعُ في تَجربة يَعلمُ أنَّهُ بحاجة إلى الحِكمة ويَصْرُخُ إلى الله. فهو لا يَسْتَطيعُ أنْ يَمْنَعَ نَفسَهُ مِنَ الصُّراخِ إلى الله. ولكِنَّنا بحاجة إلى فِعْلِ ذلك أكثر بكثير. ونقرأُ في نهاية العدد 16 مِنْ رسالة يعقوب والأصحاح الخامِس: "طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا". ثُمَّ يأتي المَثَلُ التَّوضيحيُّ عن إيليَّا: "كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا، وَصَلَّى صَلاَةً أَنْ لاَ تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ عَلَى الأَرْضِ ثَلاَثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ صَلَّى أَيْضًا، فَأَعْطَتِ السَّمَاءُ مَطَرًا، وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ ثَمَرَهَا". فاللهُ يُجيبُ الصَّلاة. اللهُ يَستجيب.

ارجِعوا مَرَّةً أخرى إلى العدد الخامِس مِنَ الأصحاح الأوَّل. وما الَّذي نَراه؟ "وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ". وهذا فِعْلُ أَمْرٍ لنا بأنْ نُصَلِّي. اجْعَل الضِّيقَة تَقودُكَ إلى الله. واجْعَلِ الضِّيقة تَدفَعُكَ إلى الصَّلاةِ. وأوَدُّ أنْ أَقترحَ عليكَ ما يَلي: إذا كنتَ تَمُرُّ بضيقة شديدة في حياتِك ولم تُسْهِمْ تلكَ الضِّيقة في إثْراءِ حَياةِ الصَّلاةِ لديكَ، ولم تَقُدْكَ إلى عَرْشِ النِّعمَة، رُبَّما ستَستمرُّ الضِّيقة إلى أنْ تَستفيقَ أخيرًا وتَبتدئ في القيامِ بذلك.

فَمَصْدَرُ الحِكْمَة موجودٌ إنِ الْتَجأنا إليه. وما الَّذي سَنَجِدُه حينَ نَصِلُ إلى هُناك؟ انظروا إلى العدد الخامِس: "فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ" - الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ. فنحنُ لَدينا إلَهٌ سَخِيٌّ ومُنْعِمٌ يَرغبُ في أنْ يَسْكُبَ عَلينا تلكَ الأشياءَ الَّتي نَتَمَنَّى الحُصولَ عليها. ونحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال والأصحاحِ الثَّاني هذه الكلمات: "حَتَّى تُمِيلَ أُذْنَكَ إِلَى الْحِكْمَةِ، وَتُعَطِّفَ قَلْبَكَ عَلَى الْفَهْم". فكيفَ سأحصُلُ على ذلك؟

أجل، إذا صَرَخْتَ إلى اللهِ طَلَبًا للمَعرفة، وَتَضَرَّعتَ إليهِ طَلَبًا للفَهم: "إِنْ طَلَبْتَهَا كَالْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهَا كَالْكُنُوزِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُ مَخَافَةَ الرَّبِّ، وَتَجِدُ مَعْرِفَةَ اللهِ. لأَنَّ الرَّبَّ يُعْطِي حِكْمَةً. مِنْ فَمِهِ الْمَعْرِفَةُ وَالْفَهْمُ". فاللهُ لَديهِ كُلُّ هذه الأشياء. وَهُوَ يُريدُ أنْ يُعطيها لِمَنْ يَطْلُبها مِنْ أعماقِ قَلبِه. ولكِنَّهُ قد يُمْسِكُها عَنْكَ [إنْ جَازَ القَوْل] إلى أنْ تأتي إليهِ وتَطْلُبُها مِنْه مُظْهِرًا مَحَبَّتَكَ، وَثِقَتَكَ، واتِّكالَكَ عليه.

ونَقرأُ في سِفْر إرْميا 29: 11: "لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرّ، لأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً". بعبارة أخرى: لِكي أُعطيكُم كُلَّ ما هُوَ لِخَيْرِكُم. "فَتَدْعُونَنِي وَتَذْهَبُونَ وَتُصَلُّونَ إِلَيَّ فَأَسْمَعُ لَكُمْ. وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ. فَأُوجَدُ لَكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ". والكلمة "بِسَخاء" هي كلمة مُدهشة. فهي "هابلوس" (haplos) ومَعناها: "مِنْ دُوْنِ شَرْط". فهي تَعني: "مِنْ دُوْنِ مُساوَمَة". وهي تَعني: "مَجَّانًا وَبِوَفْرَة". وهي تُذَكِّرُنا بما جاءَ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّابع. وأنا أَعلمُ أنَّكُم[ تَعرِفونَ جَيِّدًا الأصحاحَ السَّابعَ مِنْ إنجيل مَتَّى، ولا سِيَّما الآيات مِنْ 7 إلى 11. فنحنُ جَميعًا طالَبْنا بها في وَقْتٍ أوْ آخَر:

"اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ. أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟ وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟ فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!" فالوَعْدُ مَوجود.

وحينَ تَمُرُّ في ضيقة، وعندما تَمُرُّ في وَقْتٍ عَصيب، وعندما تَمُرُّ في تَجرِبة، الْتَجئ إلى اللهِ مِن خلالِ الصَّلاة. فاللهُ لن يُساوِمَكَ. وَهُوَ لن يَفْرِضَ عليكَ شُروطًا. بل سيُعطيكَ بِسَخاء وَوَفْرَة الحِكمةَ الَّتي تَحتاجُ إليها لِكي تَفهمَ تلكَ التَّجربة وتتجاوب مَعَها تجاوُبًا سليمًا. ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ قائلًا في العَدَدِ الخامِس: "وَلاَ يُعَيِّرُ". وهذه كلمة قديمة. وهي تَعني في الأصل أنَّهُ لا يَحْجِبُ عَنْكَ شَيئًا. فهو يُعطي بِسَخاء وبوفرة مِنْ دُوْنِ تَحَفُّظ. وهذه هي الصِّيغة السَّلبيَّة للجُملة السَّابقة. فهو، كما جاءَ لاحِقًا (في الأصحاحِ الأوَّل والعَدد 17) مُعْطي "كُلَّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلَّ مَوْهِبَةٍ تَامَّة". وَهُوَ "لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ".

فهو يُعطي، ويُعطي، ويُعطي. فهذه هي طَبيعَتُه بوصفِهِ إلهًا مِعْطاءً. فهو يُعْطي بِأمانة. وَهُوَ يُعطي بِلا تَرَدُّد. وهو يُعطي مِنْ دُونِ تَحَفُّظٍ عَقليّ. فهو لا يُعطي بِتَرَدُّد. فهذا هوَ المَعنى المقصود. فهو لا يَقول: "حسنًا، لا يُفْتَرَضُ بي أنْ أَفعلَ ذلك، ولكِنْ سوفَ أفعلُ هذا الأمر. وأرجو أنْ تُقَدِّرَ ذلك". فهو لا يُعَيِّرُكَ بشأنِ عَدَمِ استِحْقاقِكَ. وَهُوَ لا يُذَكِّرُكَ بأنَّكَ عَديمُ الاستحقاق. فهو إلَهُ صَالِحُ. وَهُوَ يُعطي ويَستمرُّ في العَطاءِ وَحَسْب.

فَهُوَ لا يَحْجِبُ عنكَ شيئًا. فإنْ أَعْوَزَتْكَ حِكْمَة، فإنَّ كَلِمَةَ اللهِ تُوصيكَ بأنْ تَطْلُبَ مِنَ اللهِ الَّذي يُعطي الجَميعَ بِسَخاء وَوَفْرَة، ولا يَحْجُبُ شيئًا عنك. وعندما يَطْلُب المُؤمِنُ (كما جاءَ في نهاية العدد الخامِس): "فَسَيُعْطَى لَهُ". فليست هناكَ حِكْمَة، يا أحبَّائي، وَهذا الوعد ... ليست هناكَ حِكمة يَحتاجُ إليها المُؤمِنُ للمُثابرة في التَّجربة وَتُحْجَب عنه إنْ طَلَبَها.

ألا تَجِدونَ هذا وَعْدًا رائعًا؟ وأرجو أنْ تكونوا قد فَهِمْتُم ذلك. فليست هناكَ حِكمة يَحتاجُ إليها المُؤمِنُ للمُثابرة في التَّجربة وَتُحْجَب عنه إنْ طَلَبَها. ولكِنَّنا لا نَطْلُبُ أحيانًا. فقد نَفعلُ كُلَّ شيءٍ آخر عَدَا عنِ الطَّلَبِ مِنَ الله. وأحيانًا، يجب علينا أنْ نَسْجُدَ وأنْ نَصْرُخَ مِنْ أعماقِ قُلوبِنا إلى اللهِ لكي يُعْطينا إرشادَهُ. وكم أُحِبُّ ما جاءَ في المزمور 81: 10. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ هذه الكلمات: "أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ، الَّذِي أَصْعَدَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ" [ثُمَّ استمعوا إلى ما يقول]: "أَفْغِرْ فَاكَ فَأَمْلأَهُ". ألا تَجِدونَ هذا وَعْدًا رائعًا؟ فاللهُ يُريدُ أنْ يُوَفِّرَ كُلَّ مَصدرٍ يَحتاجُ المؤمنُ إليهِ في وَسْطِ التَّجربة. وما يَعنيه هذا، كما قُلتُ مِرارًا، هو أنَّنا نُثابِرُ مِن خلالِ الصَّلاة. ونحنُ نَصْبِر مِنْ خلالِ صَلاةِ الاتِّكال عليه إذْ نُلْقي بأنفُسِنا على الله.

ونحنُ نَقرأ في إنجيل مَرقُس 14: 38: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ [بيرازموس “peorasmos”]". "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ [بيرازموس]". وإنْ دَخَلْتُم في تَجربة، أيْ إذا وَقَعتُم في تَجربة، احْرِصُوا على ألَّا تَصيرَ التَّجربةُ مَريرةً بأنْ تُلْقوا بأنفُسِكُم على الله. فنحنُ نُثابِرُ مِن خلالِ الصَّلاةِ إنْ طَلَبْنا مِنَ الله. ولكِنْ لاحِظوا مِنْ فَضلِكُم في العدد 6 أنَّ هناكَ شَرْطًا للطِّلْبَة: "وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَان". بعبارة أخرى: أنْ يُصَلِّي بإيمانٍ وَثِقَة – ثِقَة حقيقيَّة. فبعدَ أنْ وَصَفَ يَعقوب استعدادَ الآب، فإنَّهُ يَنتقِل إلى المؤمنِ الَّذي يَنتظر. فإنْ أَعْوَزَتْهُ حِكمة، فإنَّ الخَطَأَ ليسَ خطأ الله. فإنْ لم تَفهم تَجربتك، وإنْ كنتَ تَتَحَسَّرُ ولا تَفهم لماذا ماتت زوجَتُك، أو لماذا ماتَ زَوْجُكِ، أو لماذا مَرِضَ أحدُ الأحبَّاء، أو إنْ لم تَعلم سببَ المِحنة الماليَّة الَّتي لَحِقَت بك، أو سبب الأزمة الماليَّة، أو سببَ المشكلة العائليَّة، أو سبب تَعَطُّلِ السَّيَّارة، أو سبب المشكلة الَّتي واجَهْتَها في العمل، أو سببَ القلقِ الَّذي تَشعُر به – إنْ كنتَ تَمُرُّ في تجارب وتَعْجَز عن فَهْمِ السَّبب، فإنَّ السَّبَبَ، ببساطة، هو أنَّكَ لم تَطلُب مِنَ اللهِ أنْ يُعطيكَ حِكمة. فأنتَ لم تَطلبهُ مِنْ كُلِّ قلبك. وإنْ طَلَبْتَ مِنهُ ذلك وما تَزالُ لا تَعلم، فإنَّكَ لم تَطلب بإيمانٍ حَقيقيّ. فرُبَّما صَلَّيتَ صَلاةً غير صَادِقة، أو صَلَّيتَ صَلاةً كتلك المذكورة في الأصحاحِ الرَّابعِ مِن رسالة يعقوب؛ أيْ رُبَّما صَلَّيْتَ وَطَلَبْتَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقَ فِي لَذَّاتِك.

فأنتَ لا تَطلُب حَقًّا بإيمانٍ حقيقيّ، ولا تُؤمِن مِن كُلِّ قلبِك بأنَّ اللهَ قادرٌ وبأنَّهُ يَستجيب. ورُبَّما صَلَّيْتَ بعكسِ الطريقةِ المذكورة في رسالة تيموثاوس الأولى 2: 8 إذْ نَقرأُ: "فَأُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ الرِّجَالُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، رَافِعِينَ أَيَادِيَ طَاهِرَةً، بِدُونِ غَضَبٍ وَلاَ جِدَال". ورُبَّما كنتَ تَشُكُّ في قُدرةِ اللهِ على مُساعَدَتِك. أو رُبَّما هُناكَ جِدالٌ. والكلمة "جِدال" هي تَرجمة للكلمة "دياكرينوماي" (diakrinomai)، وهي تَحْمِلُ فِكرةَ الارْتياب: "وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ الْبَتَّةَ". والكلمة "مُرتاب" تَعني الشَّكّ أو الجِدال أو المُشاحَنَة. فهناكَ أشخاصٌ يَشُكُّونَ في أنَّ اللهَ يَقدرُ أنْ يُجيبَ عن أسئلتهم. وهناكَ أشخاصٌ آخرونَ يُريدونَ فقط أنْ يَتجادَلوا معَ اللهِ بخصوصِ ما فَعَلَهُ. لِذا فإنَّ صَلواتِهم هي مُجَرَّدُ خِصام. ولكِنْ لا يَجوزُ لكَ أنْ تَشُكَّ في مَوارِدِ اللهِ المُتاحة. ولا يجوزُ لكَ أنْ تَشُكَّ في قُوَّةِ اللهِ المُتاحة. ولا يجوزُ لكَ أنْ تَشُكَّ في قَصْدِ اللهِ ومَشيئَتِه.

ولا يجوزُ لكَ أنْ تُجادِلَ اللهَ في ما إذا كانَ قد فَعَلَ ما ينبغي أنْ يَفعل أَمْ لا. فإنْ لم يَسِرْ شيءٌ في حياتِكَ على ما يُرام، لا يوجد سَبَبَ يَدعوكَ إلى مُجادلةِ اللهِ أوِ التَّشاحُنِ معَ اللهِ، ولا أنْ تَقولَ للهِ إنَّهُ كانَ ينبغي أنْ يَفعلَ هذا الأمرَ أوْ ذاكَ بطريقتِك. فالإيمانُ غيرُ المُرْتاب يُؤمِنُ، ببساطة، بأنَّ اللهَ صَاحِبُ السِّيادة، ويؤمنُ بأنَّ اللهَ مُحِبٌّ، ويؤمنُ بأنَّ اللهَ سَيُوَفِّر لكَ كُلَّ ما تَحتاجُ إليه لِفَهْمِ التَّجربة، ويَدفَعُكَ إلى الصَّلاةِ إليه. وألا تَعتقدونَ، يا أحبَّائي، أنَّنا اعْتَدنا على المُرورِ في التَّجارِب مِنْ دونِ اللُّجوءِ إلى الرَّبِّ وَوَضْعِ التَّجربة عندَ قدميه بِمَنْأى عن أيِّ شَكٍّ، عالِمينَ أنَّهُ قادرٌ على حَلِّها، وأنَّهُ قادرٌ أنْ يُعطينا الحِكمة، وَبِمَنْأى عن أيِّ نِقاشٍ أو جِدالٍ بخصوصِ ما فَعَلَهُ؛ بل فقط أنْ نَجلسَ هُناكَ وأنْ نَطْلُبَ مِنْهُ الحِكمةَ دائمًا؟ فهذا هو ما ينبغي أنْ نَفعله. ولكِنَّنا نَادِرًا ما نَفعلَ ذلك. وهذا مُؤسِفٌ! ففي إنجيل مَتَّى والأصحاح 21، أَوَدُّ أنْ أَلْفِتَ أنظارَكُم إلى بِضْعِ آياتٍ أعتقد أنَّها مُهِمَّة بخصوصِ هذا الموضوع: "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ وَلاَ تَشُكُّونَ، فَلاَ تَفْعَلُونَ أَمْرَ التِّينَةِ فَقَطْ، بَلْ إِنْ قُلْتُمْ أَيْضًا لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ فَيَكُونُ. وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي الصَّلاَةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ»". وما يَقولُهُ يسوعُ هُنا بصورة رئيسيَّة هو الشَّيءُ نفسُه. فالإيمانُ الصَّحيحُ يُحَرِّكُ عَضَلاتِ القُدرة الإلهيَّة.

والآنْ، هذا ليسَ شِيْكًا على بَياض. فأنتَ لن تَحصل على ما تَطلُب لكي تُنْفِقَ في لِذَّاتِكَ. وأنتَ لن تَحصُلَ على ما تَطلُب إلَّا إذا كانت طِلبَتُكَ تُوافِقُ مَشيئةَ الله. وأنتَ لن تَحصُلَ على ما تَطلُب إلَّا إذا كانت طِلبَتُكَ تُمَجِّدُ اللهَ الآب (كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 14: 13 و 14). وعندما يَستخدِمُ التِّلميذُ المُصَلِّي قُوَّةَ الإيمان، فإنَّهُ سيَرى اللهَ يَعملُ فجأةً وبصورة رائعة كما فَعَلَ يسوع. وَهُوَ سَيَنْقِلُ الجِبال. وهذه، بالمُناسبة، استعارة بلاغيَّة تُشيرُ إلى القيامِ بأمرٍ صعب. فقد استخدَمَها رَبُّنا كصورة بلاغيَّة، لا للإشارة إلى جَبَلٍ بالمَعنى الحَرْفِيّ. والإيمانُ الَّذي مِثْلَ حَبَّة الخَرْدَل هو الإيمانُ الَّذي يَبتدئُ صغيرًا ثُمَّ يَنمو ويَصيرُ كبيرًا جِدًّا. وقد كانت حَبَّةُ الخَرْدَل أصغرَ الحُبوبِ الزِّراعيَّة الَّتي تَصيرُ نَبْتَة كبيرة وضخمة وعظيمة كالشَّجرة. وما قَصَدَهُ هُنا هو أنَّهُ إذا كانَ إيمانُكَ صَغيرًا في البداية، ولكِنَّكَ ثابَرْتَ وَنَضَجْتَ وكَبِرْتَ، فإنَّكَ ستَرى تَحَرُّكاتٍ عظيمة يقومُ بها اللهُ استجابةً لصلواتِك. لِذا فإنَّ المُثابرةَ، والثِّقةَ المُتزايدة في الرَّبِّ، والانسجامَ معَ مشيئةِ اللهِ هي أُمورٌ فَعَّالة جِدًّا وتَمْنَحُكَ الحِكمة الَّتي تَحتاجُ إليها في كُلِّ تَجربة. ويا لهُ مِنْ وعد! فأيًّا كانتِ التَّجربة، يجب أنْ يَكونَ لديكَ قَلبٌ مُؤمِن. ويجب أنْ تُؤمِنَ بأنَّ اللهَ سَمَحَ بهذه التَّجربة لقَصْدٍ لَدَيهِ وبأنَّ هذا القَصْدَ صَحيح. ويجب عليكَ أنْ تُؤمِنَ بأنَّهُ سيُعطيكَ الحِكمة لكي تَحتملَ التَّجربة، ولكي تَصيرَ أفضل مِنْ أيِّ وَقْتٍ مَضى لو لم تَحتمِل تلكَ التَّجربة. ولكِنْ لاحِظُوا الجانبَ الآخر لذلك في العدد السَّابع: "فَلاَ يَظُنَّ ذلِكَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ" – آسِف! عودة إلى العَدَد السَّادِس. فقد فَوَّتْنا هذا العَدَد. فنحنُ نَقرأ في العدد 6: "لأَنَّ الْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ الْبَحْرِ تَخْبِطُهُ الرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ". فالشَّخصُ المُرْتابُ الَّذي يَلتجئُ إلى اللهِ ولا يُؤمِن حَقًّا بأنَّ اللهَ قادرٌ أنْ يُعطيهِ الحِكمة فيتأرجَحُ يُشْبِهُ بَحْرًا مُضْطَرِبًا وهائجًا ومُتَخَبِّطًا يَتحرَّكُ إلى الخَلفِ وإلى الأمامِ في مَدٍّ وَجَزْرٍ لا يَتوقَّفان دُوْنَ أنْ يَهدأ. وذلكَ الشَّخصُ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ الْبَحْرِ تَخْبِطُهُ الرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. وَهُوَ يُشبِهُ أولئكَ الذينَ نَقرأُ عنهم في أيَّامِ يَشوعَ. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهم كانوا "يَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْن". وَهُو يُشْبِهُ أولئكَ الذينَ نَقرأُ عنهم في أيَّامِ إيليَّا إذْ لم يتمكَّنوا مِنْ أخذِ قَرارٍ فيما إذا كانَ يَهْوَه هو الله أَمْ أنَّ البَعْلَ هُوَ الله. وَهُوَ يُشبِهُ أولئكَ الَّذينَ نَقرأ عنهم في أيَّامِ بولُس الذينَ أرادوا اللهَ، ولكنَّهم أرادوا شيئًا آخرَ فراحوا يَتقدَّمونَ خُطوةً ويَرْجِعونَ خُطوَتَيْن. وهؤلاءِ هُمُ الأشخاصُ الفاتِرونَ الَّذينَ سَيَتَقَيَّأهم الربُّ مِنْ فَمِه لأنَّهُم ليسوا حَارِّينَ وليسوا بارِدين. فذلكَ الشَّخصُ المُرْتابُ الَّذي لا يُريدُ أنْ يَلتجئَ إلى اللهِ ولا أنْ يَتَمَسَّكَ بِثِقَتِهِ به يُشْبِهُ البحرَ المُتَخَبِّط. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 7: "فَلاَ يَظُنَّ ذلِكَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ". فليسَ مِنَ المَنْطِقِ في شيء أنْ يَتوقَّعَ مِثلُ هذا الشَّخصِ أنْ يَنالَ شيئًا مِنْ عندِ الرَّبِّ. فالشَّخصُ الَّذي يَشُكُّ في الله، والذي يُجادِلُ اللهَ، والذي يَتَخَبَّطُ في ثِقَتِهِ بِهِ، ولا يُكَرِّسُ نَفسَهُ تمامًا للربّ، لن يَنالَ شيئًا. فذلكَ الشَّخصُ، أو ذلكَ الإنسانُ (كما جاءَ في بعضِ التَّرْجَماتِ) يُوْصَفُ بعدمِ الإيمان. وهذا الوَصْفُ يَسْري أيضًا على المؤمنِ الضَّعيفِ المُرتاب الَّذي يَتصرَّفُ كغيرِ المؤمِن. ومِنَ المُحزِنِ حَقًّا أنْ نَرى ذلك.

فالأشخاصُ الَّذينَ يأتونَ إلى الكنيسةِ باصْطِناعٍ دونَ أنْ يكونوا مُؤمِنينَ حقيقيّينَ، ثُمَّ يَمُرُّونَ في تَجربة، فإنَّهُم يَبتدئونَ في الشَّكِّ في اللهِ، وفي الجِدالِ مَعَهُ، وفي الغَضَبِ مِنْهُ، ويَتركونَ الكنيسة. ولكِنْ في أوقاتٍ كثيرة وطُرُقٍ كثيرة (وَهُوَ أمرُ مأساوِيٌّ)، فإنَّ الشَّيءَ نَفسَهُ يَصْدُرُ عنِ المؤمنينَ الضُّعَفاء. فَهُمْ يَمُرُّونَ بِمَحَنٍ شديدة. وَعِوَضًا عن أنْ يأخذُوا موقفَ الفَرَح، ويَمتلكوا عَقلاً مُتفهِّمًا، وإرادةً خاضِعَةً، وقلبًا مُحِبًّا، فإنَّهُم يَتخبَّطونَ، ويَتأرجحونَ، ويَضطربونَ عاطفيًّا، ويَعجَزونَ عنِ الثِّقةِ في اللهِ، ويَعجَزونَ عنِ الصَّلاةِ وَطَلَبِ الحِكمةِ مِنَ الله. وَهُم عاجِزونَ حَرفيًّا عنِ قَبْضِ المَوارِدِ الَّتي أَوْدَعَها اللهُ في حِسابِهم الرُّوحِيّ. لِذا فإنَّهم لا يَحصُلونَ على أيِّ شيء. لِذا فقد يَستمرُّونَ ويَستمرُّونَ ويَستمرُّونَ في البُؤسِ النَّاجِمِ عن تلك التَّجربة دونَ أنْ يَعلموا أنَّ هُناكَ مَوارِدَ مُتاحة لهم حالاً مِنْ خلالِ الصَّلاةِ الأمينة والمُلِحَّة النَّابعة مِنْ ثِقَتِهِم في الله.

والعَدَدُ الثَّامِنُ يُلَخِّصُ ذلك: فمِثْلُ هذا الرَّجُل ذي الرَّأْيَيْنِ الَّذي يَتأرْجَحُ صُعودًا وهُبوطًا دُوْنَ أنْ يَدري إنْ كانَ سيَتَّكِلُ على اللهِ أَمْ يَتْرُكهُ هُوَ "مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ". فهو رَجُلٌ ذُو رأيَيْن، ورَجُلٌ خاطئٌ، أوِ امرأة خاطئة. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في رسالة يعقوب 4: 8: "نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي الرَّأْيَيْن". فالشَّخصُ ذُو الرَّأيَيْن هو في الحقيقةِ شخصٌ مُراءٍ. فالأشخاصُ الَّذينَ يقولونَ: "أنا أُوْمِنُ باللهِ" ولكِنَّهُمْ عندما تأتي التَّجربة لا يَعلَمونَ كيفَ يتصرَّفون، فَهُمْ أُناسٌ رُبَّما يَرغبونَ في الثِّقة في اللهِ، ولكنَّهم لا يَثِقونَ باللهِ، بل يَكونونَ مُرْتابينَ (كما يَقولُ يَعقوبُ هُنا). وفي هذه الحالة، فإنَّهم لا يَنالونَ شيئًا. والحقيقة هي أنَّهُم يكونونَ مُتَقَلْقِلينَ فِي جَمِيعِ طُرُقِهم.

والعبارة "ذُو رَأيَيْن" هي "دِبْسُوكاس" (dipsuchos). والحَرْفان "دي. آي." (di) في البداية مَعناهُما "اثنان". والكلمة "سوكاس" (psuchos) تعني "نَفْس". لِذا فإنَّ العِبارة تُشيرُ إلى وُجودِ نَفْسَيْن أو فِكْرَيْن. وهي تُشيرُ إلى الإنسانِ المُنْقَسِمِ بينَ اللهِ والعالم، أو بينَ الثِّقة وعَدَمِ الثِّقة، أو بينَ الإيمانِ وعَدَمِ الإيمان، أو بينَ مَحَبَّةِ الربِّ وَمَحَبَّةِ العالَم. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّنا نَقرأُ في رسالة يَعقوب 4: 4: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ لله؟" فَقد نُحِبُّ العالمَ ونُحاولُ أنْ نُحِبَّ اللهَ في الوقتِ نفسِه. ولكِنَّ يُوحَنَّا يقولُ إنَّ هذا غير مُمْكِن. وقد دَعا "جون بَنيان" (John Bunyan) في رِوايَتِهِ الكلاسيكيَّة "سِياحة المَسيحِيّ" (Pilgrim’s Progress)، دَعا ذلكَ الشَّخص "السَّيِّد ذو الرَّأيَيْن".

ونَقرأُ في المزمور 12: 2 عنِ القلبِ المُنْقَسِم الَّذي يَدينُهُ الرَّبُّ. ونَقرأُ في سِفْر التَّثنية 6: 5 عنِ القلبِ المُوَحَدَّ: "فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ". وهذا هو الإنسانُ المُتَقَلْقِل. وأنا أعتقد أنَّ هذه صِفَة مِنْ صِفاتِ غير المؤمِن. ولكِنْ مِنَ المؤسِفِ أنْ نَقولَ إنَّ مؤمِنينَ كثيرينَ لا يَستطيعونَ أحيانًا أنْ يَفهموا سِيادةَ اللهِ، ولا أنْ يَثِقوا في اللهِ، ولا أنْ يَطْرُدوا شُكوكَهُم، ولا أنْ يَقبَلوا الحِكمةَ الَّتي يُقَدِّمُها اللهُ لهم بِكُلِّ سَخاء وَوَفْرَة حينَ يَطلُبونَها.

ومِثْلُ هذا الشَّخصِ ذي الرَّأيَيْن هو شخصٌ مُتَقَلْقِلٌ في كُلِّ جَوانِبِ الحياة – لا بَعْضًا منها، بل فيها كُلِّها. فهو لا يَقدرُ أنْ يَحتملَ تجاربَ الحياةِ لأنَّهُ لا يَمْلِكُ إيمانًا كافيًا في اللهِ. وَهُوَ لا يَملِكُ إيمانًا كافيًا في اللهِ يُمَكِّنُهُ مِنْ أنْ يَطلُبَ الحِكمةَ الَّتي هو في حاجةٍ مَاسَّةٍ إليها. وهذا الشَّخصُ الشَّكَّاكُ هُوَ شَخصٌ مُدانٌ في هذه الرِّسالة. فهو لا يَملِك ثِقَةً صحيحة، ولا وَلاءً صَحيحًا. فحياتُهُ بِمُجْمَلِها هي حَياةٌ مُتَقَلْقِلَة. وَهُوَ غيرُ مُستقرٍّ. وهذا يعني أنَّهُ مُضْطَرِب. وهي كلمة مُستخدَمة في رسالة كورِنثوس الأولى 14: 33: "لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ". فهو مُشَوَّشٌ. وَهُوَ مُتَقَلْقِل. وأعتقد أنَّها تُستخدَم أيضًا في رسالة يعقوب والأصحاحِ الثَّالث وتُتَرْجَم في العدد الثَّامِن: "غير مُنْضَبِط"؛ غير مُنْضَبِط. فهو شخصٌ غير مُستقرّ، وشخصٌ مُتقلقِل.

لِذا فإنَّ الأعداد 5-8 سَهلة جِدًّا. واسمحوا لي أنْ أُلَخِّصَها لكم: فحينَ تَقَعُ في تَجربة، فإنَّ الطريقةَ الَّتي تُتيحُ لكَ أنْ تَحتملَ تلك التَّجربة هي أنْ تَحْصُلَ مِنَ اللهِ على الحِكمة الإلهيَّة، وأنْ تَلتجئَ إلى اللهِ وتَكونُ لديكَ الثِّقة بأنَّهُ يُعطي بِسَخاء مِنْ دُوْنِ مُجادلة، ومِن دونِ مُشاحَنَة، ومِنْ دونِ أنْ يَحْجِبَ عنكَ أيَّ شيءٍ؛ بل إنَّهُ يُعطيكَ تمامًا ما تَحتاجُ إليهِ لاحتمالِ تلك التَّجربة. ولكِنَّ الشَّرْطَ هو أنْ يكونَ إيمانُكَ حقيقيًّا. أيْ أنْ يكونَ إيمانًا غيرَ مُتزعزِعٍ، وألَّا يكونَ كالبحرِ المُضطرِب لأنَّهُ إنْ كانَ إيمانُكَ مُتَقَلقِلاً بينَ الثِّقة وعَدَمِ الثِّقة، وبينَ الإيمانِ وعدمِ الإيمان، فإنَّكَ سَتَعْلَقُ في الوَسَط ولن تَحصُلَ على أيِّ شيء. والحقيقة هي أنَّ مِثْلَ هذا الفِكْرِ المُنْقَسِم سيَجعلُكَ مُشَوَّشًا في كُلِّ جَوانِبِ الحياة. والثَّباتُ الحَقيقيُّ في الحياةِ هُوَ مِنْ نَصيبِ الأشخاصِ الَّذينَ يَتَّكِلونَ على اللهِ في وَسْطِ أيِّ تَجربة؛ أيِّ تَجربة. لِذا فإنَّ القلبَ المؤمِنَ (الَّذي يُؤمِنُ إيمانًا حَقيقيًّا) هُوَ شيءٌ جَوهريٌّ للمُثابرة.

وأخيرًا، نأتي إلى الرُّوحِ المُتواضِعَة ... الرُّوحِ المُتواضِعَة. وهذا الحَديثُ غَنِيٌّ جِدًّا جدًّا. فنحنُ نَقرأُ في العدد 9: "وَلْيَفْتَخِرِ الأَخُ الْمُتَّضِعُ بِارْتِفَاعِهِ". تَوَقَّفوا هُنا قليلاً. فهذا فِعْلُ أَمْرٍ آخر. إنَّها وَصِيَّةٌ بأنْ نَبْتَهِج: "وَلْيَفْتَخِرِ الأَخُ الْمُتَّضِعُ بِارْتِفَاعِهِ". وما مَعنى ذلك؟ إنَّهُ يُشيرُ إلى الشَّخصِ الفَقيرِ، وإلى الشَّخصِ المُعْدَمِ اقتصاديًّا، وإلى المؤمنِ الفقير، وإلى الشَّخصِ الَّذي في أسفلِ السُّلَّمِ الاقتصاديّ. إنَّهُ الشخصُ الَّذي لا يَملكُ الكثير. وأنتُم تَعرفونَ هؤلاءِ الأشخاصَ المُشَتَّتينَ الَّذينَ كَتَبَ يَعقوبُ إليهم رِسالَتَهُ: "إِلَى الاثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا الَّذِينَ فِي الشَّتَات" (كما جاءَ في العدد الأوَّل). فقد كانوا ضَحايا الاضطهاد. وكانوا ضَحايا مُصادَرَةِ المُمتلكات، والحِرمان، والتَّفريقِ العُنصريِّ، والتَّعَصُّب. وقد كانَ الفَقْرُ بينَ هؤلاءِ المُشَتَّتينَ شائعًا. فقد كان كثيرونَ منهم فُقراء جدًّا.

فقد كانوا يملكونَ القليل جدًّا. والكلمة المُترجَمة هنا "مُتَّضِع" تُستخدَمُ في التَّرجمة السَّبعينيَّة (الَّتي هي تَرجمةُ العهدِ القديمِ باللُّغة اليونانيَّة) بِمَعنى فَقير "توبينوس" (topeinos): فَقير. أيْ: "لِيَبْتَهِج الأشخاصُ الفُقَراء". وما مَعنى ذلك؟ إنَّ تلك الكلمةَ تَزْخُرُ جِدًّا بالمَعاني. فهي تَعني "أنْ يَفْتَخِرَ بالحُصولِ على امتيازٍ أو شَيءٍ ما". لِيَفْتَخِروا". "لْيَفْتَخِر الأشخاصُ الفُقَراء". ونَجِدُ هُنا بَهْجَةَ الكِبرياءِ المَشروعة. صَحيحٌ أنَّ ذلكَ الشَّخصَ قد لا يَملك شيئًا في العالم يَدعو إلى البهجة. وصحيحٌ أنَّهُ قد لا يَملك أيَّ شيءٍ في العالم، ولكِنْ: لِيَفْرَح! وليَبتهِج! فهو امتيازٌ. وما هو هذا الامتياز؟ أنَّهُ مُرْتَفِع. وهو مُرتفِعٌ بأيِّ مَعْنى؟ رُوحيًّا. فقد يكونُ وَضيعًا وَمُعْدَمًا في نَظَرِ العَالَم، ولكِنْ بِمَقدورِهِ أنْ يَبْتَهِج بمَقامِهِ أمامَ اللهِ لأنَّهُ مَقامٌ رَفيع. لِذا فإنَّهُ يقولُ: "إنْ لم يكن لديكم شيء في هذه الحياة، وكنتُم قد جُرِّدْتُمْ مِنْ كُلِّ شيءٍ حَتَّى صِرْتُم أَدْنَى طبقةٍ بينَ النَّاسِ، فإنَّ لديكم سَبَبًا للفرح لأنَّكُم على الصَّعيدِ الرُّوحِيِّ مُرتفعون. فقد يكونُ ذلكَ الشَّخصُ جائعًا، ولكنَّهُ يَمْلِكُ خُبْزَ الحياة. وقد يكونُ عَطِشًا، ولكنَّهُ يَمْلِكُ ماءَ الحياة. وقد يكونُ فقيرًا، ولكِنَّهُ يَملِكُ الغِنى الأبديّ. وقد يكونُ مَنبوذًا مِنَ النَّاسِ، ولكنَّهُ مَقبولٌ مِنَ الله. وقد لا يَمْلِكُ منزلاً على الأرض، ولكِنَّهُ يَمْلِكُ مَنزِلاً مجيدًا في الحياةِ الآتية. لِذا فإنَّهُ يقول: "افرحوا، أيُّها الفُقراء، لأنَّكم حَظَيْتُم باهتمامٍ إلَهِيّ، ولأنَّ تجارِبكُم تَجعلُكُم كامِلينَ وتَرفَعُكُم على المُستوى الرُّوحِيِّ. فعندما يَسْمَحُ اللهُ بأيَّة تجربة، فإنَّهُ يَسمحُ بها لكي يَجعلَكُم ناضِجينَ روحيًّا. وحينَ يَجعلُكم ناضِجينَ رُوحيًّا فإنَّ هَذِهِ رِفْعَة. لِذا فإنَّ الشَّخصَ الَّذي حُرِمَ مِنْ مُمتلكاتِه يَستطيعُ أنْ يَقبلَ ذلكَ الحِرْمان، وأنْ يَقبلَ تَجربتَه بسببِ الرَّجاءِ بأنَّ اللهَ يُرَفِّعُهُ في تلك التَّجارِبِ على الصَّعيدِ الروحيِّ، وبأنَّهُ سيأتي بهِ إلى المجدِ المستقبليّ، وبأنهُ سيُرَفِّعُهُ أخيرًا ويَمْنَحُهُ ذاتَ يومٍ كُلَّ الميراثِ الَّذي وُعِدَ بِهِ جَميعُ القِدِّيسينَ الَّذينَ يُحِبُّونَ الله. فذاتَ يومٍ (كما يقولُ بُطرس) سيحصل على مِيراثٍ يَجْعَلُهُ يَبْتَهِجُ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيد. لِذا، يُمكننا أنْ نَبتهِجَ في أيِّ تَجربة. ويمكننا أنْ نَبتهِجَ في أيِّ مِحْنَة لأنَّ اللهَ اخْتارَنا لنكونَ أصحابَ مَقامٍ رَفيع في مَلكوتِه

وبولسُ يقولُ إنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا في ذلك اليوم (كما جاءَ في رسالة رُومية 8: 17 والأعداد الَّتي تَلي ذلك). فالغِنى الحَقيقيُّ هُوَ مِنْ نَصيبِنا. لِذا فإنَّ الفَقْرَ هو تَجربة قصيرة في الحياةِ، ولا تَدومُ وقتًا طويلاً جدًّا. والأشخاصُ الَّذينَ يَحتملونَ هذه الأنواع مِنَ التَّجارِب الَّتي قد يكونُ الفَقْرُ واحدًا مِنها يمكنهم أنْ يَتَطَلَّعُوا إلى الوقتِ المَجيدِ الَّذي سيُرَفَّعونَ فيه. ولتلخيصِ ذلك نَقول: لا تُحاوِل أنْ تَسْتَمدَّ فَرَحَكَ مِنَ الظُّروفِ العَالميَّة لأنَّكَ حينئذٍ لن تُصابَ بخيبةِ الأمل إنْ لم تَحصُل على أيِّ شيء. بلِ اسْتَمِدَّ فَرَحَكَ مِنَ الرِّفْعَة الرُّوحيَّة، وَمِنْ تَخليصِ اللهِ لَكَ، وَمِنْ جَعْلِكَ على صُورةِ المسيح وَجَعْلِكَ في يومٍ ما في حَضْرَتِه.

مِنْ جِهة أخرى، انظروا إلى العدد 10: "وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَبِاتِّضَاعِهِ"، أيْ: لِيَبتهِج بذلك. فيجب أنْ نَستخدِم هُنا نَفسُ الفِعْل: "وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَبِاتِّضَاعِهِ" (أيْ: "فليَفتخِر باتِّضاعِهِ"). فنحنُ نَتحدَّثُ هُنا عنِ الأخِ الغَنِيّ، أوْ عنِ المسيحيِّ الغَنِيّ، أوْ عنِ الشَّخصِ الَّذي يبدو أنَّ أَحوالَهُ كُلَّها تَسيرُ على ما يُرام. فهناكَ تَجارِب كثيرة جدًّا في الحياة مُرتبطة بالفقر، ولكِنْ فيما يَختصُّ بالشَّخصِ الغَنِيِّ الَّذي يبدو أنَّ جَميعَ أحوالِهِ تَسيرُ على ما يُرام، لِيَبتهِج لا بِغِناه، بل باتِّضاعِهِ، أيْ: بِتَواضُعِه.

لأنَّهُ عندما يَمُرُّ شخصٌ غَنِيٌّ في تَجربة، فإنَّهُ يَبتدئ واقِعِيًّا في إدراك حقيقةِ أنَّ كُلَّ ما يملِكُه لا يُمكنْ أنْ يَشتري الأشياءَ الحقيقيَّة في الحياة. فيجب على المؤمنِ الغَنِيِّ أنْ يَفرحَ لأنَّهُ حينَ يَمُرُّ في تَجارب فإنَّهُ يُدركُ إفلاسَ الغِنَى الأرضِيِّ ويَتَّكِل على عَطايا اللهِ ونِعْمَتِه. لِذا، فإنَّ الشَّخصَ المُتَّضِعَ يَبْتَهِجُ بِتَدبيرِ اللهِ، والشخصُ الغَنِيُّ يَبتهجُ بتدبيرِ اللهِ بالطريقة نفسِها.

فالشخصُ الَّذي لا يَملِكُ شيئًا يَفرحُ بما يُوَفِّرُهُ اللهُ له. والشخصُ الَّذي لديهِ كُلُّ شيءٍ ويُدركُ أنَّ أموالَهُ لا تَقدر أنْ تَشتري ما يَحتاجُ إليه يَفرح أيضًا بما يُوفِّرُهُ اللهُ له. والمؤمِنُ الفقيرُ يَستطيعُ أيضًا (كمُلاحَظَة هامشيَّة) أنْ يَفرحَ لأنَّهُ يَشترِك في نفسِ الامتيازِ معَ المؤمنينَ الأغنياء. والمؤمنُ الغَنِيُّ يستطيع أنْ يَفرح بهذا الامتياز، أيْ بامتيازِ إنكارِ الذَّاتِ لأنَّهُ اشتركَ معَ المسيحِ والمؤمنينَ الفُقراء. لماذا؟ لأنَّنا جميعًا نَتَّضِعُ بنفسِ المستوى في التَّجربة، ولأنَّهُ يجب علينا جميعًا أنْ نَتَّكِلَ على الله. أليسَ كذلك؟ فهذه هي النُّقطة الجوهريَّة. فالمالُ لا يَقْدِرُ أنْ يُخَلِّصَ النَّاسَ مِنْ مَشاكِلِهم، ولا مِنْ تَجارِبِهِم الحقيقيَّة. صحيحٌ أنَّهُ قد يُعالِج مُشكلة ماليَّة، ولكِنْ هناكَ مَشاكل كثيرة أخرى لا يَقدر أنْ يُعالِجَها. لِذا فإنَّ النُّقطة الرئيسيَّة هنا هي أنَّهُ سَواءٌ كانَ المؤمنُ فَقيرًا أَمْ غَنِيًّا، عندما تَقْتَحِمُ التَّجاربُ حياتَنا وتَجْعَلُنا مُتَّضِعينَ، مُتواضِعينَ حَقًّا، سواءٌ كُنَّا نَملِكُ الكثيرَ في هذا العالمِ أوِ القليل، فإنَّ التَّواضُعَ الحَقيقيَّ يَجْعَلُنا نقولُ إنَّ اتِّكالَنا هُوَ على الله.

وقد كَتَبَ الشَّارِحُ اللُّوثَرِيُّ العظيم "لينسكي" (Lensky) هذه الفَقْرة المدهشة: "الإيمانُ بالمسيح يَرفعُ الأخَ المُتَّضِع فوقَ تَجارِبِهِ إلى أعلى مَكانَةٍ في ملكوتِ المسيح حيثُ يكونُ بوصفِهِ وَلَدًا للهِ غَنِيًّا وفَرِحًا ومُفْتَخِرًا. والإيمانُ بالمسيح يَفعلُ الشَّيءَ المُبارَكَ نَفسَهُ للأخِ الغَنِيِّ. فهو يَملأهُ بروحِ المسيح، وبروحِ الاتِّضاعِ والتَّواضُعِ المسيحيِّ الحقيقيّ. وكما أنَّ الأخَ الفقيرَ يَنسى كُلَّ فَقْرِهِ الأرضيِّ، فإنَّ الأخَ الغَنِيَّ يَنسى كُلَّ غِناه الأرضيّ فيَصيرُ الاثنانُ مُتساوِيَيْنِ مِنْ خلالِ الإيمانِ بالمسيح".

هذا صحيح. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ هذه المُساواة تَتحقَّق مِنْ خلالِ التَّجارِب. فعندما تَفقد ابنةً أو تَفيد ابنًا أو تَفقد زوجةً أو تَفقدينَ زوجًا، لا يَهُمُّ كَمْ تَمْلِك مِنَ المالِ لأنَّ كُلَّ المالِ لن يَتمكَّن مِنْ إخراجِكَ مِن تلك التَّجربة. فهو لا يَقدر أنْ يَفعلَ ذلك. وَهُنا تَكْمُنُ المُساواة. فالتَّجارِبُ تَجْعَلُنا نَتَّكِلُ بالقَدْرِ نَفْسِهِ على اللهِ، وتَجْعَلُنا مُتواضِعينَ وَمُتساوينَ بعضُنا معَ بعض. لِذا، لا يجوزُ أنْ نَنْهَمِك في التَّفكيرِ في الأشياءِ الأرضيَّة. وفي الكنيسة، نحنُ لا نَحْتَرِمُ أولئكَ الَّذينَ يَملِكونَ الكثيرَ على حِسابِ أولئكَ الَّذينَ يَمْلِكونَ القليل لأنَّ كُلَّ المُمتلكاتِ الأرضيَّة لا تَقدر أنْ تَشتري لنا ما نَحْنُ بحاجة إليهِ رُوحيًّا.

والآن، يبدو أنَّ يَعقوب كانَ مُهْتَمًّا إلى حَدٍّ ما بالتَّركيزِ على الأغنياء. فهو يَفعل ذلك في الأصحاحِ الأوَّل، ويَستمرُّ في فِعْلِ ذلك في كُلِّ الرِّسالة – كما سَنَرى. ولكِنْ لاحِظوا ما جاءَ في العدد 10 إذْ يَقول إنَّهُ يجب على الغَنِيِّ أنْ يَفرحَ حينَ يَتَّضِعَ لأنَّهُ حينَ يَتَّضِع فإنَّهُ يُدركُ أنَّ الغِنى الحَقيقيَّ ليسَ الغِنى الأرضيّ: "لأَنَّهُ كَزَهْرِ الْعُشْبِ يَزُولُ". وَهُوَ يَتحدَّثُ عنِ الأغنياءِ بصورة عامَّة. فهو لا يَتحدَّثُ عنِ المَسيحيِّ الغَنِيِّ، بل يقولُ إنَّ الأغنياءَ عَامَّةً سَيَزولونَ كما يَزولُ زَهْرُ العُشْب. ففي إسرائيل، هناكَ ثَلاثُ أزهارٍ شائعة جدًّا: "شَقائقُ النُّعْمان" و "بَخُور مَرْيَم" و "الزَّنْبَق". وهي تُزْهِرُ ويُمْكِنُ أنْ تَرى جَمالَ ألوانِها في شهر شباط/فبراير وَتَذْبُل في شهر أيَّار/مايو. وهذا غيرُ مُسْتَغْرَب لأنَّنا نَرى ذلكَ في تِلال جنوب كاليفورنيا إذْ إنَّ الأزهارَ تُزْهِر. وإذا ذَهَبْتَ في إجازة مُدَّة أُسبوع، فإنَّكَ تَعودُ فتَجِدُ التِّلالَ مُقْفِرَةً ثانيةً.

وهذا هُوَ ما يَتَحَدَّثُ عنهُ يَعقوبُ هُنا. فهناكَ رُوْحُ تَواضُعٍ حَقيقيٍّ يقول: "أنا لا أتَّكِلُ على هذه الأشياءِ الَّتي تَزولُ سريعًا جدًّا، والتي تَحترِق بسُرعة هائلة". ثُمَّ إنَّ المَلَكَةَ الشِّعْرِيَّةَ عندَ يَعقوب تَجْعَلُهُ يَتَوَسَّع أكثر في تَبْيانِ ذلك في العدد 11: "لأَنَّ الشَّمْسَ أَشْرَقَتْ بِالْحَرِّ، فَيَبَّسَتِ الْعُشْبَ، فَسَقَطَ زَهْرُهُ وَفَنِيَ جَمَالُ مَنْظَرِهِ. هكَذَا يَذْبُلُ الْغَنِيُّ أَيْضًا فِي طُرُقِهِ". والصِّيغةُ في اللُّغة اليونانيَّة هُنا تَخْرُجُ عنِ القاعدة. وَهذا يُعَبِّرُ عَمَّا يَحْدُثُ عادَةً. والفِكرةُ مُستَخلصَة مِنْ سِفْر إشعياء 40: 6-8. فهي مُسْتَعارَة مِنْ سِفْرِ النبيِّ إشعياء. فهو يقولُ إنَّ "الشَّمسَ أَشْرَقَتْ بالحَرِّ"، أوْ حَرفيًّا: الحَرارَةَ الحَارِقَة. وقد تُشيرُ هذه العِبارة إلى الرِّيحِ اللَّافِحَة الَّتي تُعْرَفُ باسم الرِّيحِ الشَّرقيَّةِ الَّتي تَهُبُّ وَتَسْفَعُ كُلَّ الأزهارِ في طَريقِها. فهي تلكَ الرِّيحُ اللَّافِحَة. وهذه هي الحالُ في المستقبَل فيما يَختصُّ بمصيرِ الإنسانِ الغَنِيّ. فالحرارةُ اللَّافحةُ والرِّيحُ المُتَمَثِّلَةُ في الموتِ، ودينونةُ اللهِ سَتَحْرِقُ كُلَّ شيءٍ وتَجْعَلُهُ رَمادًا. لِذا، يجب على الإنسانِ الغَنِيِّ أنْ يَفرَحَ في تَجارِبِهِ لأنَّها تَحْميه مِنَ الاتِّكال على مَوارِدِهِ لأنَّ جَميعَ مَوارِدِهِ ستزولُ في النِّهاية. وهو قادرٌ أنْ يَفرح. وحينَ يَحترِق كلُّ شيء، فإنَّهُ سيحصُل على الغِنى الحَقيقيِّ، كما هي حالُ الإنسانِ الفقير. لِذا، ما هُوَ الشَّيءُ المُهِمُّ؟ وما هو الموقفُ الَّذي ينبغي أنْ نأخُذَهُ لمواجَهَةِ التَّجارِب؟ مَوقِفُ الفَرَح، والعقلُ المُتَفَهِّمُ، والإرادةُ الخاضِعَةُ، والقلبُ المؤمِن، والرُّوحُ المُتواضِعَةُ الَّتي تَثِقْ لا في مُمتلكاتِنا، بل في تَدبيرِ الله.

وفي الخِتام، دَعونا نَرْجَع إلى نُقطة البداية. وأوَّلُ امتحانٍ للإيمانِ الحَيِّ هو امتحانُ التَّجارِب. فالصَّبْرُ في التَّجارِب يُبَرهِنُ على المؤمنينَ الحقيقيِّين. فهو يُبَرهِنُ على المؤمِنينَ الحَقيقيِّين. ويجب عليكَ أنْ تَبْحَثَ عن ذلك في حياتِكَ الشخصيَّةِ وفي حياةِ الآخرينَ لكي تُدرك وتُمَيِّز المؤمِنَ الحَقيقيَّ. فهذا أمرٌ مُهِمٌّ جِدًّا جِدًّا. وحينَ نَمُرُّ بهذه التَّجارِب فإنَّ الربَّ يُجَرِّدُنا مِنَ اتِّكالِنا على الأشياءِ الدُّنيويَّة، ويَجْذِبُنا إليه، ويُرينا حَقيقةَ إيمانِنا، ويُكَمِّلُنا على صُورةِ المسيح. ويا لها مِنْ فِكرة مَجيدة! وقد اعْتادَ البَحَّارَةُ على قولِ الكلماتِ التَّالية: "إنَّ الرِّياحَ العَرْضِيَّة هي الأَسْلَمُ لِدُخولِ الميناء". وهذا قَوْلٌ مَعقول. أليسَ كذلك؟ فهل أَبْحَرْتَ يومًا؟ وهل حاولتَ يومًا أنْ تَدخُلَ الميناءَ حينَ تكونُ الرِّيحُ عَموديَّة؟ إنَّهُ أمرٌ صَعبٌ جِدًّا. وهل حاولتَ أنْ تَدْخُلَ الميناءَ حينَ تكونُ الرِّيحُ خَلفيَّة ووجدتَ نَفسَكَ تَجتازُ الشَّاطِئَ بأربعينَ قَدَمًا؟ إنَّ البَحَّارةَ على حَقّ. فالرِّياحُ العَرْضِيَّةُ هي الأسْلَم لِدُخولِ الميناء.

وقد قالَ "جورج ويتفيلد" (George Whitfield): "كُلُّ التَّجارِب تَخْدِمُ غَرَضَيْن: أنْ نَعْرِفَ مَعْرِفَةً أفضل حالَ قُلوبِنا الشِّرِّيرة، وأنْ نَعْرِفَ مَعْرِفَةً أفضل مُخَلِّصَنا الحَبيب". وهذا صحيح. فهذه هي الغاية مِنَ التَّجارِب. وقد قالَ الكاردينال "ريشيليو" (Cardinal Richelieu) الَّذي ماتَ في سنة 1642: "الشَّخصُ الفاضِلُ والنَّاضِج هُوَ مِثْلُ المَعْدَنِ الجَيِّد. فَكُلَّما وُضِعَ أكثر في النَّار، زَادَتْ نَقاوَتُهُ. وكُلَّما وَاجَهَ مُقاومةً أكبَر زادَ نُضْجًا. فالإساءاتُ قد تُجَرِّبُهُ وَتُؤثِّرُ فيه، ولكنَّها لا تَستطيعُ أنْ تَدمَغَهُ بأيِّ خَتْمٍ ليسَ صَحيحًا". وهذا صحيح.

وقد كنتُ أقرأُ (كما أُحِبُّ أنْ أَفعلَ عَادَةً) بعضَ المؤلَّفاتِ القديمة في هذا الأسبوع، وعَثَرْتُ على هذه الفِكرة الجميلة الَّتي كَتَبَها "جوزيف تشيرتش" (Joseph Church) في القرن السابع عشر إذْ قال: "المُعاناةُ هي مُجَرَّدُ قِطَعٍ صغيرة مِنْ صَليبِ المسيح". "المُعاناةُ هي مُجَرَّدُ قِطَعٍ صغيرة مِنْ صَليبِ المسيح. فالمسيحُ تألَّمَ كثيرًا جِدًّا لأجلِنا. وإنَّهُ لامتيازٌ لنا أنْ نَتألَّمَ قليلاً لأجله".

وأودُّ أنْ أَخْتِمَ بهذه القصيدة لكي أُرَسِّخَ في أذهانِكُم هذه الفِكرة الَّتي عَبَّرَتْ عَنْها "إيلا ويلر ويلكوكس" (Ella Wheeler Wilcox) في نحوِ سنة 1880 إذْ قالت:

لَنْ أَشُكَّ، مَعَ أنَّ كُلَّ سُفُني الَّتي في البَحْرِ

تَعودُ إلى مَرْفَئِها مُكَسَّرَةَ الصَّواري والأشرِعَة؛

فسوفَ أُوْمِنُ باليدِ الَّتي لا تَخْذِلني يومًا،

فأنتَ تُخْرِجُ مِنَ الشَّرِّ خَيْرًا لي؛

ومعَ أنِّي أَبْكي لأنَّ تلكَ الأشرِعَةَ قد تَحَطَّمَتْ،

وسأبكي حينَ أَرى أنَّ آمالي قد تَحَطَّمَتْ،

فإنَّني أَثِقُ بِك.

وأنا لن أَشُكَّ، معَ أنَّ كُلَّ صَلواتي تَرْجِعُ

دُوْنَ إجابةٍ مِنْ عَرْشِ السَّماءِ في الأعالي؛

فأنا سأُوْمِنُ دائمًا بأنَّها مَحَبَّة تَفيضُ حِكْمَةً

لأنَّها تَرْفُضُ أنْ تَقْبَلَ الأشياءَ الَّتي أَتُوقُ إليها؛

ومعَ أنَّني لا أسْتَطيعُ أنْ أَمْنَعَ نَفْسي مِنْ أنْ أَحْزَن،

فإنَّ حَرارَةَ إيماني الرَّاسِخِ،

سَتَتَوَقَّدُ دائمًا بِكُلِّ قُوَّة.

لن أَشُكَّ، معَ أنَّ الأَحْزانَ تَنْهَمِرُ كالمَطَر،

والضِّيقاتُ تَحْتَشِدُ حولي كما يْحْتَشِدُ النَّحْلُ حولَ الخَلِيَّة؛

فسوفَ أُوْمِنُ بأنَّ المُرتَفَعاتِ الَّتي أَصْبُو إليها

لا يُمْكِنُ الوُصولُ إليها إلَّا مِنْ خلالِ الكَرْبِ والألم؛

ومعَ أنِّي أَئِنُّ وأَرْتَعِدُ حينَ أَمُرُّ في الضِّيقاتِ،

فإنَّني سأرى في غَمْرَةِ أَعْظَمِ مَخاسِري،

أَعْظَمَ مَكْسَبٍ.

لن أَشُكَّ، بل سأبقى راسخًا في الإيمان،

مِثْلَ سَفينَةٍ راسِخَةٍ، وَنَفْسي سَتُجابِهُ كُلَّ عاصِفَة؛

فَشَجاعَتُها قَوِيَّة جِدًّا حَتَّى إنَّها لن تَسْقُط

بل ستُجابِه بَحْرَ المَوْتِ الجَبَّارِ المَجهول.

يا ليتَني أَصْرُخُ حينَ يَنْفَصِلُ جَسَدي عن رُوحي

قائلاً: "لَنْ أَشُكَّ" لكي يَسْمَعَها العالَمُ المُصْغي

عندما أَقولُها وأنا أَلْفِظُ نَفَسي الأخير.

فهذه هي الطريقةُ الَّتي ينبغي أنْ نُواجِهَ بها الحَياة. وهذه هي الطريقةُ الَّتي ينبغي أنْ نُواجِهَ بها الموت. بِثَباتٍ لا مَثيلَ لَهُ. واللهُ يُعطينا هذا الثَّبات حينَ نَصْبِر بالطريقةِ الَّتي عَلَّمَنا إيَّاها يَعقوب. لِنَحْنِ رُؤوسَنا مَعًا حَتَّى نُصَلِّي:

اسمعوني جَيِّدًا: لقد قالَ "توماس واطسون" (Thomas Watson) ذاتَ مَرَّة: "أيًّا كانتِ الضِّيقةُ الَّتي يُواجِهُها وَلَدُ اللهِ في هذه الحياة فإنَّها كُلُّ الجَحيمِ الَّتي سَيَحْصُلُ عليه". وهذا صحيح. فأيًّا كانتِ الضِّيقاتُ الَّتي نُواجِهُها في هذه الحياة، فإنَّها كُلُّ الجَحيمِ الَّذي سَنَعْرِفُهُ لأنَّنا حَصَلْنا على الوعدِ بالسَّماءِ الأبديَّة. لِذا، يمكننا أنْ نَحْتَمِلَ لأنَّ إيمانَنا حَقيقيٌّ. وقد عَبَّرَ واحِدٌ مِنَ الطَّهورِيِّينَ القُدَماء عن المَوْقِفِ المَرْجُوِّ مِنْ أولادِ اللهِ في وَسْطِ كُلِّ التَّجارِب. واسمحوا لي أنْ أُشارِكَ ذلكَ مَعَكُم فيما تَتأمَّلون. فقد كَتَبَ الكلماتِ التَّالية: "هُناكَ فَرْقٌ شَاسِعٌ بينَ الأبرارِ والأشرار. وهذا الفَرْقُ يَتَّضِحُ في أوقاتِ الألمِ والتَّجارِب. فَكُلَّما ضَغَطَ اللهُ أكثر على الأشرارِ فإنَّهُم يَزدادونَ تَذَمُّرًا وَتَمَرُّدًا على الله. أمَّا المؤمنونَ فَكُلَّما شَعَروا أنفُسَهُمْ تحتَ وَطْأةِ الخطيَّة، وتحتَ وَطْأةِ هَجَماتِ الشَّيطان، وكُلَّما شَعَروا بِغَضَبِ اللهِ عليهم، فإنَّهُمْ يُسَارِعونَ في طَرْحِ أنْفُسِهِمْ بينَ ذِراعَيِّ اللهِ طَلَبًا لِرَحْمَتِه، ويَزدادونَ تَشَبُّثًا بِيَدِ اللهِ الَّتي تُؤدِّبُهُمْ فَيُقَبِّلونَها".

يا أبانا، نحنُ نَعْلَمُ أنَّ هناكَ أوقاتًا تَصْفَعُنا فيها بِيَدِك. وإنْ فَهِمْنا حَقًّا ما تَفعل، فإنَّنا سَنُقَبِّلُ تلكَ اليَد. فنحنُ لا نَشُكُّ، ولا نُجادِلُ، ولا نَعْتَرِضُ، بل إنَّنا نَتوقُ، يا رَبُّ، إلى أنْ نَقْبَلَ التَّجارِبَ الَّتي تَجْعَلُنا مُشابهينَ للمسيح. فهي تَكْشِفُ عَنْ حقيقةِ إيمانِنا أوْ زِيْفِه. وهي تَجارِبُ تَجْعَلُنا مُتَّضِعينَ، وتَفْطِمُنا عنِ العالَمِ، وتَدْعُونا إلى التَّمَسُّكِ بالرَّجاءِ الأبديِّ، وتُرينا الأشياءَ الَّتي نُحِبُّها حَقًّا، وتُعَلِّمُنا أنْ نُقَدِّرَ بَرَكاتِكَ، وتُعَلِّمُنا كيفَ نُساعِد الآخَرين، وتُنَمِّينا وتَجْعَلُنا أكْثَرَ نَفْعًا، وتُؤدِّبُنا لنكونَ طَاهِرينَ. شُكْرًا لَكَ، يا رَبّ، على هذهِ التَّجارِب. ونحنُ نَحْسِبُ ذلكَ كُلَّ فَرَح. ونحنُ نَتَفَهَّمُ ذلك، وَنَخْضَعُ، ونُؤْمِنُ بضرورةِ الصَّلاةِ طَلَبًا للحِكمة. ونحنُ نَتَّضِعُ لكي نَتَعَلَّمَ دَرْسَ الاتِّكالِ عليك، لا على الموارِدِ البَشريَّة. لذلك، اعْمَلْ فينا كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ ومُقَدَّسٍ مِنْ خلالِ كُلِّ التَّجارِبِ الَّتي تَسْمَحُ بها في حياتِنا. ونحنُ نُصَلِّي واثِقينَ بأنَّهُ لا توجد تَجرِبة في حياتِنا لا نَقْدِرُ أنْ نَحْتَمِلَها.

ولكِنَّكَ أمينٌ وَلا تَدَعُنا نُجَرَّبُ فَوْقَ مَا نَسْتَطيع، بَلْ تَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا المَنْفَذَ، لِنَسْتَطيعَ أَنْ نَحْتَمِلَ وَنُبَرْهِنَ على أنَّنا أولادُك. لذلك، اعْمَلَ عَمَلَكَ في قُلوبِنا. وَعَزِّينا في تَجارِبِنا. وعَلِّمْنا أنْ نُصَلِّي وأنْ نَتَّكِلَ عليهِ باتِّضاع لكي نَخْرُجَ مِنْ هذه التَّجارِب ونَصَيرَ كُلَّ ما تُريدُ مِنَّا أنْ نكون. لأجْلِ مَجْدِ المُخَلِّص. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize