Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أَوَدُّ أنْ أُرَحِّبَ بِكُم في دراسَتِنا الَّتي ما زالَتْ مُستَمِرَّة لرسالة يَعقوب. لِذا، أرجو أنْ تَفتحوا كِتابَكُم المُقَدَّس على رِسالة يَعقوب. وهناكَ الكثيرُ أمامَنا في هذه الرسالة العظيمة. ولكِنَّنا سنتوقَّف في هذا المساء لإلقاءِ نَظرة خاطفة فقط على العدد 18. وقد كُنَّا في الأحوالِ العادِيَّة سنَدرس مَقطعًا آخر ابتداءً مِنَ العدد 19، لا سِيَّما أنَّنا تَحَدَّثنا عنِ العدد 18 في دَرْسِنا السَّابق. ولكنِّي أريدُ أن أتوقَّفَ قليلاً لكي نَتوَسَّعَ في ما جاءَ في رسالة يعقوب 1: 18 لأنَّها آية عظيمة ورائعة. فهذه آية تُبَيِّن ببساطَة مُتناهِيَة مَعنى الوِلادة الجديدة؛ أيْ: مَعنى الخَلاص.

وقد كانَ مِنْ دَواعي سُروري في هذا الصَّباح (في أثناءِ استقبالِ ضُيوفِنا الذينَ يأتونَ إلى هذه الكنيسة أوَّلَ مَرَّة) أنْ أَلتقي سَيِّدةً شَابَّة مِنَ اليابان تَعْرِفُ بعضَ الإنجليزيَّة على مُستوى التَّخاطُب. وقدِ اعترفَتْ لي في هذا الصَّباح أنَّها لاقَتْ صُعوبةً بالغةً في فَهْمِ ما أقول في العِظَة. وقد نَبَّهني ذلك لا إلى حقيقة أنَّ الكلماتِ الَّتي أقولُها ليست مَفهومة كثيرًا، بل إلى حقيقة أنَّهُ كُلَّما مَضَى على إيمانِكَ وقت أطول، وكُلَّما زادَ انْخِراطُكَ في المسيحيَّة وفي كلمةِ اللهِ، زادَتِ المُفرداتُ الإنجيليَّةُ الَّتي تَستخدِمُها. والشَّخصُ الَّذي لا يَعرفُ الإنجليزيَّة جَيِّدًا سيُلاقي صُعوبَةً جَمَّة في فَهْمِ مَا تَقول. وهذا تَذكيرٌ جَيِّدٌ بأنَّهُ بينَ الحينِ والآخر، يجب علينا أنْ نَعودَ إلى رِسالةِ الإنجيلِ البسيطة. وهذا هو ما سنفعلُه في هذا المساء. لِنَنظر معًا الآن إلى العدد 18 مِنْ رسالة يعقوب والأصحاحِ الأوَّل.

فالآيةُ تَقولُ الآتي: "شَاءً" – والحديثُ هُنا هوَ عنِ الآبِ، أيْ عنِ اللهِ الآبِ المذكور في العدد 17: "شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لِكَيْ نَكُونَ بَاكُورَةً مِنْ خَلاَئِقِه". إنَّها آية بسيطة، ولكنَّها آية تَزْخُرُ بِكُلِّ غِنى الولادةِ الجديدة. فالعهدُ القديمُ يقول: "وَتَكُونُونَ لِي قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنَا الرَّبُّ". وبُطرسُ يقول في رسالَتِه: "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا [الرَّبُّ] قُدُّوسٌ". فَلِكَيْ يَدْخُلَ الإنسانُ إلى حَضْرةِ اللهِ، يجب عليهِ أنْ يكونَ مُقَدَّسًا، ويجب أنْ يَنفصِلَ عنِ الخطيَّة ويَصيرَ بَارًّا. والحقيقةُ هي أنَّ البَشَرَ ليسوا مُقَدَّسين. وهذا أمرٌ واضِحٌ تَمامًا. وَهُمْ ليسوا أبرارًا. بل هُمْ خُطاة جِدًّا. فَهُمْ لا يُفَكِّرونَ تفكيرًا سليمًا، ولا يَتكلَّمونَ بطريقة سليمة، ولا يَفعلونَ الصَّواب. وَهُمْ لا يَفهمونَ اللهَ فَهْمًا صحيحًا. وَهُمْ لا يَفهمونَ أنفُسَهُم فَهْمًا سليمًا. وَهُمْ لا يَفهمونَ حَقَّ اللهِ كما ينبغي، ولا إعلانَ اللهِ، ولا شريعةَ اللهِ، ولا مَشيئةَ الله.

ولكِنْ مَعَ أنَّ البَشَرَ ليسوا قِدِّيسينَ، وليسوا أبرارًا أمامَ اللهِ، فإنَّ الأغلبيَّة مِنْهُم لا يُدركونَ أنَّهم ليسوا قِدِّيسين. وَهُم لا يُدركونَ أنَّهم ليسوا أبرارًا. وَهُمْ لا يَتَّفِقونَ طَوْعًا مَعَ تَشْخيصِ الكتابِ المقدَّسِ لهم بأنَّهُم خُطاة. فالبشرُ ليسوا قِدِّيسين. والأسوأُ مِن ذلك هو أنَّهم لا يُدركونَ حاجَتَهُم إلى القداسة، أو في حالاتٍ كثيرة، لا يُدركونَ عَدَمَ وُجودِها. وَإنْ أَدرَكوا أنَّهم ليسوا قِدِّيسين، فإنَّهُم يَلومونَ عادَةً شخصًا آخرَ على ذلكَ الواقِع.

وهذا هو ما نَاقَشْناهُ في المَرَّةِ السَّابقةِ في أثناءِ دراسَتِنا لهذا الأصحاحِ الرَّائع. فبصورة غير مُباشرة، فإنَّ النَّاسَ يُلْقونَ المسؤوليَّة المُختصَّة بخطيئتهم على اللهِ عادَةً. وعندَ النَّظَر إلى الأعداد 13-18 رأينا أنَّهُ لا يَجوزُ لنا أنْ نُلْقي اللَّوْمَ على أحدٍ سِوى أنفُسِنا مِنْ جِهَةِ خَطيئتِنا. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّنا لا نستطيعُ أنْ نَلومَ اللهَ قائِلين: "إنَّ اللهَ هُوَ الَّذي خَلَقَنا. واللهُ هو الَّذي وَضَعَ شَرائِعَ لا يُمكنُ تَطبيقُها. واللهُ هوَ الَّذي سَمَحَ بأنْ أَتَشَكَّلَ على الصُّورةِ الَّتي أنا عليها مِنْ خلالِ بيئتي. واللهُ هو الَّذي وَضَعَني في أحْوالٍ جَعَلَتْني عاجِزًا عن ضَبْطِ سُلوكي، إلخ، إلخ". ولكِنَّ ما يَقولُهُ يعقوبُ لنا هوَ أنَّ اللهَ ليسَ مَسؤولاً البَتَّة عن أيِّ جُزْءٍ مِنْ خطيئَتِنا، لا بطريقة مُباشِرة ولا غير مُباشِرة.

لِذا، يجب على النَّاسِ أنْ يكونوا قِدِّيسينَ لكي يَكونوا في علاقةٍ معَ الله. فَهُمْ ليسوا قِدِّيسين. وفي أغلبِ الأحيان، فإنَّهم لا يُدركونَ حَتَّى أنَّهم ليسوا قِدِّيسين. وإنْ كانوا يُدركونَ أنَّهُم يُخطِئون، فإنَّهم يُلْقونَ اللَّوْمَ عَادَةً على شخصٍ آخر. وهذا الشَّخصُ الآخر هُوَ غالبًا الله الَّذي وَضَعَهُم في تلكَ الأحوالِ الَّتي هُمْ فيها، والذي أعطاهُم رُدودَ الأفعالِ تلك. لِذا فإنَّهم يُحاولونَ أنْ يَتَنَصَّلوا مِنَ المسؤوليَّة. لِذلك فإنَّ يعقوبَ يقول في الأعداد 13-18 إنَّهُ لا يَجوزُ لَكَ أنْ تَلومَ أيَّ شخصٍ سِوى نَفْسِك على خطيئتِك. وَهُوَ يقولُ في العدد 13 إنَّ طَبيعةَ الشَّرِّ تُبَيِّنُ ذلك: "لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا". فلا يَجوزُ لَكَ أنْ تَلومَ اللهَ على الشَّرِّ لأنَّ اللهَ والشَّرَّ مُنفصلان تَمامًا. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 14 عن طبيعةِ الإنسان. فهو يقولُ إنَّ لِكُلِّ إنسانٍ مَشاكِلُهُ الشَّخصيَّة: "وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِه". فالمُشكلةُ تَكْمُنُ في الإنسان. وهي تَكْمُنُ في طبيعَتِهِ الخاطِئَة، وفي سُقوطِهِ.

ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّثُ عنْ طبيعةِ الشَّهوةِ في العَدَدَيْن 15 و 16: "ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا. لاَ تَضِلُّوا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ". بعبارةٍ أخرى، افهَموا أنَّ هذه هي حقيقةُ الخطيَّة. لِذا، فإنَّ الخَطَأَ ليسَ خَطَأ الله لأنَّ اللهَ والشَّرَّ لا يَتَّفِقان. بل إنَّ المُشكلةَ تَكْمُنُ في طبيعةِ الإنسان. والمُشكلةُ في طبيعةِ الإنسانِ تَكْمُنُ في رَغْبَتِهِ الشِّرِّيرة، وشَهوَتِه، وَتَوْقِهِ إلى الأشياءِ الخاطئة. ثُمَّ في العدد 17، يَعودُ يَعقوب إلى الحديثِ عن طبيعَةِ اللهِ فيقول: كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ". لِذا، لا يُمكِنُكَ أنْ تَلومَ اللهَ لأنَّ طَبيعَتَهُ تُحَتِّمُ عليهِ أنْ يُعْطي أشياءً صَالحةً فقط. فلا شيءَ يأتي مِنَ اللهِ سِوى الصَّلاح. لِذا فإنَّهُ يقولُ إنَّهُ لا يَجوزُ لنا أنْ نَلومَ اللهَ على خَطايانا وذلكَ بسبب طبيعةِ الشَّرِّ، وطبيعةِ الإنسانِ، وطبيعةِ الشَّهوةِ، وطَبيعةِ اللهِ. ثُمَّ إنَّهُ يُلَخِّصُ في العدد 18 ما ذَكَرَهُ قائلًا إنَّ طَبيعَةَ التَّجديدِ في ذاتِها، أوْ طَبيعةَ الاهتداءِ أوِ الخلاصِ أوِ الولادةِ الجديدة تُبَيِّنُ لنا أنَّ اللهَ لا يَقودُنا إلى أنْ نُخْطِئ. فالعَدَد 18 يقول: "شَاءَ". بعبارةٍ أخرى، لقد كانت مَشيَتُهُ هي أنْ يَلِدَنا وَيَجْعَلَنا مِثْلَهُ: "لِكَيْ نَكُونَ بَاكُورَةً مِنْ خَلاَئِقِهِ". لِذا فإنَّ الغَايَةَ مِنَ التَّجديدِ هي أنْ نُوْلَدَ ثانيةً، وأنْ يَخْلِقَنا لِنَفْعَلَ الصَّلاحَ (لا الشَّرَّ)، وأنْ يُعطينا سُلطانًا على الخطيَّة كَجُزْءٍ مِنْ خَليقَتِنا الجديدة.

لِذا فإنَّ اللهَ ليسَ مَسؤولاً بأيِّ طريقة عن خطايانا. ولا يَجوزُ لنا أنْ نَخْلِطَ بينَهُ وبينَ الشَّرّ. فالمُشكلةُ تَكْمُنُ في الإنسان. والمُشكلةُ في الإنسانِ مُرتبطة بشَهوَتِه. وطبيعةُ اللهِ تُحَتِّمُ عليهِ أنْ يُعطي فقط هِباتٍ صالحة. وحينَ يَلْمَسُ اللهُ حَياتَكَ فإنَّهُ يَفعَلُ ذلكَ لكي يُنْشِئَ حَياةً (لا مَوْتًا)؛ ولكي يُنْشِئُ بِرًّا (لا خَطِيَّةً)؛ ولكي يُنشِئُ خَليقةً جديدةً (لا خَليقةً عَتيقة).

لِذا فإنَّ كُلَّ هذه الأشياءِ الَّتي تَحَدَّثنا عنها في المَرَّة السَّابقة تُشيرُ إلى حقيقةِ أنَّ اللهَ لا يُمْكِنُ أنْ يكونَ (لا بطريقةٍ مُباشِرةٍ وَلا غيرِ مُباشرةٍ) مَصْدَرَ الخَطيَّة. فاللهُ ليسَ (ولا يُمكن أنْ يكونَ) مَنْ يُجَرِّبِ النَّاسَ لكي يُخْطِئوا. لِذا فقد نَظَرنا إلى العدد 18 في ضَوْءِ ذلك. ولكِنَّ الآيةَ غَنِيَّة جِدًّا لأنَّها تتحدَّثُ عن موضوعِ الوِلادةِ الجديدةِ، وعنْ تَجديدِ المَرْء. لِذا فإنَّها تَتَطَلَّبُ نَظرةً فاحِصَةً وَعَميقة. وهذا هو ما سنَفعَلُهُ في هذا المساء. فهو يُحَدِّثُنا عن موضوعِ الولادةَ الثَّانيةَ في العدد 18 مِنْ جِهَة نُقطة مُعَيَّنة في السِّياق. والنُّقطةُ هي تلكَ الَّتي ذَكَرْتُها لكم للتَّوّ. فهو يَستخدِمُ الوِلادةَ الثَّانيةَ لكي يُبَيِّنَ لكم أنَّ اللهَ لا يَقودُ النَّاسَ إلى الخطيَّة، بَلْ يَقودُهُم إلى أنْ يكونوا خَليقَةً مِنْ نَوْعٍ جَديدٍ، عَلى غِرارِهِ هُوَ. وهو يَقودُهُم بَعيدًا عنِ الخطيَّة لِيَدْخُلوا الحياةَ الجديدة. وهذا لا يَتَّفِقُ البَتَّة مَعَ أيِّ فِكرةٍ تقولُ إنَّهُ يَقودُنا إلى الخطيَّة. فهو يَخْلِقَنا ثانيةً لِيُبْعِدَنا عنِ الخطيَّة، لا لِيُقَرِّبَنا مِنَ الخطيَّة. ولكِنْ بِمَعْزِلٍ عنِ السِّياقِ نَفْسِهِ، عندما نَنظُرُ إلى الآية، أريدُ مِنْكُم أنْ تَفْحَصوها وَحْدَها لأنَّها تَقولُ الكثيرَ عنِ التَّجديد. وَكُلُّ التَّعليمِ عنِ التَّجديدِ أوِ الولادةِ الثَّانية يَستحقُّ مِنَّا انْتِباهًا شَديدًا. ولا تَنْسَوْا ما قُلْتُهُ سابقًا وما لاحَظْناهُ في النَّصِّ بأنَّ الإنسانَ مُمْتَلِئٌ بالشَّهوة. والشَّهوةُ تُنْشِئُ خَطِيَّةً. والخَطِيَّةُ تُنْشِئُ موتًا. ولا شَكَّ في أنَّهُ مِنْ دُوْنِ قَداسة، لا أَحَدَ يَستطيعُ أنْ يَتَمَتَّعَ بعلاقةٍ معَ الله، ولا أحدَ يَستطيعُ أنْ يَعْرِفَ اللهَ تَمامًا، وَلا أحدَ يَستطيعُ أنْ يَدْخُلَ إلى حَضْرَةِ اللهِ السَّرْمَدِيِّ مِنْ دُوْنِ قَداسة. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ الإنسانَ نَجِسٌ وخاطِئٌ. وكُلُّ شيءٍ في طبيعَتِهِ يُنْشِئُ شَهوةً وشَرًّا. ولكي أُعطيكُم فَهْمًا واضحًا لذلك، انظروا مَعي إلى رسالة رُومية والأصحاحِ الثَّالث.

وهذا مَقطعٌ كِتابِيٌّ مألوفٌ جِدًّا لِدارِسي الكتابِ المقدَّس؛ ولكنَّهُ مَقطَعٌ يَحتاج إلى نَظرةٍ فَاحِصَة في ضَوْءِ هذه النُّقطةِ تَحديدًا. فهو يَقول في نهايةِ العدد 9 إنَّ: "الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّينَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ الْخَطِيَّة". فَهُمْ حَرْفِيًّا تحتَ سُلْطانِ الخَطِيَّة. وَهُمْ خاضِعونَ جميعًا لِسُلْطانِ الخطيَّة. ثُمَّ إنَّهُ يَتَوَسَّعُ في حَديثِهِ لتوضيحِ ذلك مِنْ خلالِ اقتباسِ بعضِ الآياتِ مِنَ العهدِ القديم فيقول: "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ". فلا يوجدُ إنسانٌ واحدٌ مَخلوقٌ في هذا العالمِ منذُ سُقوطِ آدَم بارٌّ. وهذا يَعني أنَّهُ لا يوجدُ شخصٌ واحدٌ يَتمتَّعُ بعلاقةٍ سليمةٍ بالله، أوْ يَفعَلُ صَلاحًا، أوْ يُطيعُ مشيئةَ اللهِ مِنْ تِلْقاءِ نَفسِه.

"أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ". بعبارةٍ أخرى، لا أحدَ يَفْهَمُ تمامًا ما يَطْلُبُهُ اللهُ، ولا أحدَ يَقْدِرُ تمامًا أنْ يَفهمَ ذلكَ وأنْ يُطَبِّقَهُ. "لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ". فالإنسانُ يَميلُ إلى طَلَبِ الخطيَّة. فالنَّاسُ يُحِبّون ماذا؟ الظُّلمة (كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح الثَّالث)، أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. "الْجَمِيعُ زَاغُوا". فالجميعُ ابْتَعَدُوا عنِ الطريقِ الَّذي رَسَمَهُ اللهُ للبِرّ. "الجَميعُ فَسَدُوا". والكلمةُ اليونانيَّة المُتَرْجَمَة "فَسَدوا" تُشيرُ إلى الحَليبِ الفاسِد. فهو لا يَصْلُحُ لشيء. فَهُمْ غيرُ نَافِعينَ البَتَّة. "لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ". ثُمَّ إنَّهُ يَصِفُ طَبيعةَ شَرِّهم فيقول: "حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ". فهي نَتِنَةُ الرَّائحة كما لو كانت جُثَّةً تَفوحُ رائِحَتُها مِنْ قَبْرٍ. "بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ الأَصْلاَلِ [أيِ: الأفاعي] تَحْتَ شِفَاهِهِمْ". فالإنسانُ يُعْرَفُ بصورة رئيسيَّة مِنْ خلالِ كَلامِهِ وَفَمِهِ. فالشَّرُّ القَبيحُ والتَّجديفُ والمَوْتُ النَّاجِمُ عَنْ طَبيعَتِهِ الخاطِئَةِ يَظْهَرُ مِنْ خِلالِ أقوالِ فَمِه. "فَمُهُمْ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً. أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ. فِي طُرُقِهِمِ اغْتِصَابٌ وَسُحْقٌ. وَطَرِيقُ السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ. لَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ". وَنَجِدُ هُنا تَعريفًا للإنسانِ الخاطئ، أيِ الإنسانِ البَعيدِ عنِ الله. والعالَمُ كُلُّهُ يُوْصَفُ بهذا الوَصْفِ في العدد 18. "لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ، وَيَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ (كما يَقولُ في العدد 20) كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَ اللهِ مِنْ خِلالِ تَطْبيقِ بَعْضِ القَوانين أوْ مِنْ خِلالِ حِفْظِ النَّاموسِ، ولا حَتَّى ناموسِ اللهِ. فالنَّاموسُ يَجْعَلُنا، ببساطة، نَعْرِفُ الخَطِيَّة، ولكِنَّهُ لا يُنْشِئُ فينا بِرًّا. لِذا فإنَّنا نَجِدُ تَعريفَ الإنسانِ في رِسالة رُومية والأصحاح الثَّالث ... الإنسانِ بِحالَتِهِ الخاطئة. انظروا إلى رسالة أفسُس والأصحاحِ الثَّاني.

فنحنُ نَقرأ في رسالة أفسُس 2: 1: "وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا". وَنَجِدُ هُنا أنَّ الإنسانَ يُوْصَفُ مَرَّةً أُخرى بأنَّهُ مَيِّتٌ. فرَائِحَتُهُ النَّتِنَة وَسِماتُ موتِهِ تَتَمَثَّلُ في مَوْتِهِ بالذُّنوبِ والخَطايا. وهو يَستخدِمُ كَلِمَتَيْنِ فقط لتوضيحِ مَدى واتِّساعِ خَطيئَتِه. فهو يَسْلُكُ (كَما تَقولُ الآية) "حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ". بعبارة أخرى، فإنَّ حَياتَهُ اليَوميَّة تُمْلَى عَليهِ مِنْ قِبَلِ النِّظامِ الشِّرِّير. فالشَّخصُ المَسؤولُ عن تَسْييرِ حَياتِهِ هُوَ "رَئيسُ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَة". وهَذانِ وَصْفانِ للشَّيطان. فهو يَتَصَرَّفُ (كما جاءَ في العدد الثالث) بحسبِ شَهَوَاتِ الجَسَد. وَهُوَ يَعْمَلُ مَشِيئَاتِ الجَسَدِ وَالأَفْكَارِ. لِذا فإنَّهُ بِالطَّبِيعَةِ ابْن الغَضَب. وهذا يعني أنَّهُ يَستحقُّ الدَّينونة، أيْ يَستحقُّ دَينونةَ الله.

وهذا كُلُّهُ كلامٌ أساسِيٌّ جِدًّا. فَلِكَي يَتمتَّعَ الإنسانُ بعلاقة سليمة بالله، يجب أنْ يكونَ مُقَدَّسًا. فالإنسانُ ليسَ مُقَدَّسًا. والإنسانُ لا يُدرك أنَّهُ غيرُ مُقَدَّسٍ. وحينَ لا يُدرك أحيانًا أنَّهُ غيرُ مُقَدَّسٍ و خاطئٌ، فإنَّهُ يَميلُ إلى إلقاءِ اللَّوْمِ على الله بسببِ ظُروفِهِ، ويُحاولُ أنْ يَتَمَلَّصَ مِنَ المسؤوليَّة. وبذلكَ فإنَّهُ يَبقى عالِقًا في فَخِّ الخطيَّة؛ وبالتَّالي: مُنفَصِلاً عنِ الله. والسُّؤالُ الَّذي يَطْرَحُ نَفسَهُ الآنَ هُوَ: ما الَّذي ستَفعلُه لمساعدة هذا الشَّخص؟ ما الَّذي ستَفعلُه لتغيير الموقِف؟ وما الَّذي يَحتاجُ إليهِ هذا الرَّجُل؟ فالتَّغييراتُ الخارجيَّة لا تَكفي. فهو لا يَستطيعُ مِنْ خلالِ قَرارٍ في عَقلِهِ أنْ يُقَرِّرَ أنْ يُطيعَ ناموسَ اللهِ وأنْ يَجِدَ مَخْرَجًا مِنْ هذا الموت. وهو لا يَستطيعُ أنْ يَهَبَ نَفسَهُ حياةً جديدة.

فما يَحتاجُ إليه هو الخَلْقُ مِنْ جَديد. فهو بحاجة إلى قلبٍ جديد، وشخصٍ داخِلِيٍّ جديد، وإلى مَبدَأ جديد في الحياة. وهو بحاجة إلى أنْ يُوْلَدَ ثانيةً. وهو بحاجة إلى البَدْءِ مِنْ جديد وإلى تَغييرٍ جَذرِيّ. وكما قالَ نيقوديموس، فإنَّهُ بحاجة إلى الزَّحْفِ إلى رَحْمِ أُمِّهِ والبَدْءِ مِنْ جديد بطبيعةٍ مُختلفة. وحيثُ إنَّ القَداسةَ هي شَرْطٌ لازِمٌ للقَبولِ في الشَّرِكَةِ معَ الله، فإنَّ الإنسانَ الخاطِئَ في حالَتِهِ السَّاقِطَةِ المَيْتَة لا يُمكنُ أنْ يَتَمَتَّعَ يومًا بتلكَ الشَّرِكَة. واللهُ لن يَقْبَلَهُ بِفَسادِه. لِذا فإنَّهُ بحاجة إلى حَياةٍ جديدة. فهو بحاجة إلى حياةٍ جديدة تمامًا. لِذا، عندما نَتحدَّثُ عنِ الإنجيلِ أوْ عنِ الولادةِ الجديدة، فإنَّنا لا نَتحدَّثُ عن إضافةِ شيءٍ ما. ونحنُ لا نَتحدَّثُ عن زِيادَةِ كَمِيَّةِ شَيءٍ ما. ونحنُ لا نَتحدَّثُ عن وَضْعِ بَعْضِ مَساحيقِ التَّجميلِ على امرأةٍ عَجوز. ونحنُ لا نَتحدَّثُ عن وَضْعِ بَذلة جديدة على رَجُلٍ كَهْل. بل إنَّنا نَتحدَّثُ عن تَغييرٍ شامِل. فالتَّمَتُّعُ بعلاقةٍ سليمةٍ باللهِ يَتطلَّبُ شخصًا جديدًا بِكُلِّ مَعنى الكلمة. فيجب عليكَ أنْ تَرْجعَ وتَبتدئَ مِنْ جديد، وأنْ تُوْلَدَ ثانيةً مِنْ جديد وتَحْصُلَ على حَياةٍ جديدة.

والكِتابُ المقدَّسُ يُؤكِّدُ ذلك. فهذا ليسَ أمرًا جديدًا في العهدِ الجديد، بل إنَّهُ كانَ جُزءًا مِنَ الوَعْدِ والتَّرَقُّبِ في العهدِ القديم. فإرْميا (مَثَلاً) يَقولُ إنَّ قَلْبَ الإنسانِ "أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ". وَهُوَ يقولُ أيضًا: "هَلْ يُغَيِّرُ الكُوشِيُّ جِلْدَهُ؟" فهل يَستطيعُ مِنْ خلالِ الاستعدادِ والإرادةِ والرَّغبةِ أنْ يُغَيِّرَ لَوْنَ جِلْدِهِ الدَّاكِن؟ ثُمَّ إنَّ إرْميا يقول: "أَو [هَلْ يُغَيِّرُ] النَّمِرُ رُقَطَهُ؟" والجَوابُ، بِكُلِّ تأكيد، هو: لا. لِذا، هل يُمكِنُكَ أنْ تَصيرَ شخصًا صَالِحًا مَعَ أنَّكَ مُعْتادٌ على فِعْلِ الشَّرّ؟

فلا يُمكِنُكَ أنْتَ أيضًا أنْ تُغَيِّرَ حياتَك. لِذا فإنَّكَ بحاجة إلى التَّغيير. وهذا هو ما جاءَ في سِفْر إرْميا 13: 23. وفي الأصحاح 31، نَجِدُ الوَعْدَ الرَّائِعَ بذلكَ التَّغيير إذْ نَقرأُ في سِفْر إرْميا 31: 31: "هَا أَيَّامٌ تَأتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا. لَيْسَ كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، ..." وَهَلُمَّ جَرَّا. ثُمَّ إنَّهُ يقول: "بَلْ هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ ..." [في العدد 33]: "... أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا". فسوفَ أَدْخُلُ إلى الدَّاخِل وأُغَيِّرُهُم مِنَ الدَّاخِل. فَهُمْ لن يَتَمَكَّنوا مِنَ القيامِ بذلكَ بأنفُسِهم. لِذا لا بُدَّ أنْ أَفْعَلَ ذلكَ لَهُم. فيجب على الإنسانِ أنْ يَتَغَيَّرَ مِنَ الدَّاخِل.

"وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ ..." [إيِ الإنسانَ الَّذي لم يَخْتَبِر الوِلادة الثَّانية، أوِ الإنسانَ الَّذي لا يَعْرِفُ اللهَ، أوِ الإنسانَ الخاطِئَ، أوِ الإنسانَ غيرَ المَفْدِيَّ، أوِ الإنسانَ غيرَ المُخَلَّصَ] "... لاَ يَقْبَلُ ..." (بِحَسَبِ ما جاءَ في رسالة كورِنثوس الأولى 2: 14) "لا يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ". فهو لا يَستطيعُ أنْ يَقْبَلَ ذلك. فهو مَيِّتٌ. والجُثَّةُ لا تَتجاوَبُ مَعَ أيِّ شيء. لِذا، ما الَّذي يَحْتاجُ إليه؟ إنَّهُ بحاجة إلى وِلادَةٍ جديدة، ويَحتاجُ إلى حياةٍ جديدة. وقد قرأتُ للتَّوّ ما جاءَ في رسالة أفسُس 2: 1-3 حيثُ رأينا كيفَ أنَّ البَشَرَ أمواتٌ بالذُّنوبِ والخَطايا، وكيفَ أنَّهُم يَسْلُكونَ بِحَسَبِ شَهْوَةِ الجَسَدِ، وشَهْوَةِ الذِّهْنِ، ورَغْباتِ الجَسَدِ، وكيفَ أنَّهُم مُسْتَعْبَدونَ للشَّيطانِ الَّذي هُوَ رَئيسُ سُلطانِ الهَواء، وكيفَ أنَّهُم أولادُ الغَضَب. ولكِنَّنا نَقرأُ أيضًا: "وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا..." [في نَفْسِ الأصحاحِ والعَدَدِ الخامِس] "...أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ، وأقامَنا". وهُنا نَجِدُ فِكْرَة القيامَةِ مِنَ الأمواتِ، والحياةِ الجديدة، والوِلادة الجديدة. وفي رسالة رُومية والأصحاحِ السَّادِس، نَقرأُ أنَّهُ عندما تُؤمِنُ بالمسيح، فإنَّكَ تَموتُ وَتَقومُ لِتَسْلُكَ فيها. وَهُوَ يَستخدِمُ هذه العِبارةَ الرَّائعةَ: "في جِدَّةِ [ماذا؟] الحياة". وهذا هو ما يَنبغي لِكُلِّ شخصٍ أنْ يَحْصُلَ عليه: جِدَّة الحَياة. فالحياةُ العَتيقة ينبغي أنْ تُتْرَكَ، والحياةُ الجديدةُ ينبغي أنْ تَبْتَدِئ. ونَقرأُ في رِسالة أفسُس 4: 24: "وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ..." [اسْتَمِعوا إلى هذهِ الكلمات] "...المَخْلوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ". فعندما تَخْلَص، فإنَّكَ تَلْبَسُ الإنسانَ الجديدَ، أوِ الشَّخصَ الجَديدَ ... لا المَلابِسَ الجَديدة، بَلِ الإنسانَ الجَديد.

إنَّها إعادَةُ خَلْق. وأَفْضَلُ وَأَوْضَحُ مَثَلٍ على ذلك موجودٌ في المُواجَهَةِ الَّتي تَمَّتْ بينَ يَسوعَ ونيقوديموس. لِذا، افْتَحوا على إنجيل يُوحَنَّا والأصحاحِ الثَّالِث. وَلْنُلْقِ نَظرة سَريعة على هذا النَّصِّ لكي نُذَكِّرَ أنفُسَنا بهذهِ القِصَّة الرَّائعة والبديعَة: "كَانَ إِنْسَانٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ"؛ أيْ أنَّهُ كانَ قائِدًا دينيًّا ذَا مَكانَةٍ عَظيمة. ومِنَ المُرَجَّحِ أنَّهُ كانَ قائدًا مَعروفًا كأيِّ مُعَلِّمٍ آخرَ لأنَّ يَسوعَ يَقولُ لَهُ في العددِ العاشِرِ (مُسْتَخْدِمًا أداةَ التَّعريف): "أَنْتَ مُعَلِّمُ إِسْرَائِيلَ وَلَسْتَ تَعْلَمُ هذَا!"

لِذا فإنَّنا هُنا أمامَ رَجُلٍ كانَ مَعروفًا لدى النَّاسِ على الأرجَح بأنَّهُ مُعَلِّمٌ في إسرائيل، وَذا مَكانةٍ مَرموقة، وفَرِّيسيًّا مُتَضَلِّعًا مِنَ النَّاموسِ. وَهُوَ يأتي إلى يسوعَ ويقول: "نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا". فنحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ ذِي مَكانَةٍ عظيمة. ونحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ يُدْرِكُ دَعْوَتَهُ، ولكِنَّهُ يُدْرِكُ أنَّهُ يَقِفُ أمامَ شَخْصٍ يَفوقُهُ جِدًّا في الفَهْم. لِذا فإنَّهُ يأتي إلى يَسوعَ ويقولُ لَهُ في العددِ الثَّاني: "نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ". وَهُوَ لا يَقولُ ما في قَلبِه، وَلا يَطْرَحُ سُؤالاً، ولكِنَّ يَسوعَ يَقْرَأُ قَلْبَهُ. وقد أَجَابَهُ يَسوع في عِبارةٍ مُدهشةٍ لأنَّهُ لم يَسْأل شيئًا. بل قالَ وَحَسْب: "أنتَ مُعَلِّمٌ"، ثُمَّ قالَ: "وأنتَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ اللهِ. ونحنُ نَعلمُ ذلك". ولكِنَّ يَسوعَ أجابَ عَنِ السُّؤالِ الَّذي كانَ في قَلبِهِ وقالَ لَهُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ". فقد عَلِمَ أنَّ نيقوديموس كانَ يَتساءَلُ في قَلبِهِ: "كيفَ أَدْخُلُ المَلَكوت؟"

نَحْنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ كانَ مُعَلِّمًا في إسرائيل، وفَرِّيسيًّا، وُمُتَدَيِّنًا جِدًّا. ولكِنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّهُ لم يَدْخُلْ حَقًّا مَلَكوتَ الله. وكيفَ عَلِمُ أنَّهُ لم يَدخُل؟ لأنَّهُ لم يَكُنْ لديهِ أيُّ شيءٍ في الدَّاخِلِ يُؤكِّدُ ذلك. لِذا فقد جاءَ إلى يسوعَ وكانَ السُّؤالُ الَّذي يَدُورُ في قَلْبِهِ: ماذا أَفعلُ لكي أَدْخُلَ المَلَكوت؟" والمَعْنى المَقصودُ هُوَ: أنا مُتَدَيِّنٌ جِدًّا، وأدرُسُ النَّاموسَ، وأحاولُ أنْ أعيشَ بحسبِ شريعةِ العهدِ القديم. وأنا رَجُلٌ مُلْتَزِمٌ أخلاقيًّا. وأنا رَجُلُ جَديرٌ بِثِقَةِ الآخرين. وأنا أَحْظى بالاحترام. فما الَّذي يَنْبَغي أنْ أُضيفَهُ إلى حياتي لكي أَدْخُلَ الملكوت. فقالَ لَهُ يسوع: "أنتَ لستَ بحاجة إلى إضافةِ أيِّ شيء، بل ينبغي أنْ تَبْتَدِئَ مِنْ جَديد".

فيجب أنْ تَتَخَلَّصَ مِنْ كُلِّ شيءٍ وأنْ تَبتدئَ مِنَ الوِلادَة. فيجب أنْ تُولَدَ ثانيةً". فقالَ لَهُ نِيقُودِيمُوس: "كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟" وَهُوَ لا يَتحدَّثُ هُنا عنِ الوِلادةِ الجسديَّة. فيجب أنْ تَفهموا قَصْدَهُ. فهو لا يتحدَّثُ عنِ الولادةِ الجسديَّةِ ولا يَقول: "كيفَ يُمْكِنُني أنْ أَعودَ وأُوْلَدَ ثانيةً؟" فقد كانَ يَعْلَمُ قَصْدَ يَسوع، ولكِنَّهُ يَسْتَخْدِمُ نَفسَ اللُّغَةِ المَجازيَّةِ المُستخدَمَة، أوْ نَفْسَ اللُّغةِ الرَّمزيَّة، أوْ نَفْسَ الأسلوبِ الَّذي كانَ شائِعًا آنذاك. فهو يَستخدِمُ نفسَ الاستعارة، ونفسَ الألفاظِ الوَصفيَّة الَّتي يَستخدِمُها يسوعُ فيقولُ: "كيفَ يُعْقَلُ أنَّ شخصًا صَرَفَ سَنواتٍ طويلةً جدًّا في دِيانةٍ واحدة، وسنواتٍ طويلةً جدًّا في اتِّباعِ نفسِ الشَّريعة، وسنواتٍ طويلةً جدًّا حَتَّى صارَ يُعْرَفُ الآنَ بأنَّهُ فَرِّيسيٌّ، وحَبْرٌ مِنْ أحبارِ اليَهودِ، وَمُعَلِّمٌ للشَّريعةِ، كيفَ يُعْقَلُ أنْ يَعودَ وَيُبْطِلَ كُلَّ ذلكَ، ويَبتدئَ مِنْ جَديد!

هذا هو ما يَقولُه. وإنْ كنتَ قد بَشَّرْتَ يومًا يَهوديًّا تَقليديًّا، أيَّا كانَ عُمْرُهُ، سَتَفْهَمُ هذه العَقليَّة لأنَّ لِسانَ حَالِهِ هُوَ: "كيفَ يمكنني أنْ أُبْطِلَ كُلَّ هذا التَّدَيُّنِ الَّذي مَارَسْتُهُ طَوالَ حياتي وأنْ أبتدئَ مِنْ جديد؟" وقد كانَ هذا هو ما يَدورُ في ذِهْنِ نيقوديموس: "أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟" فقد كانَ مُتَحَيِّرًا آنذاك. وقد كانَ يَقولُ ذلكَ مَرَّةً أُخرى بما يَتَّفِقُ معَ ما قالَهُ يَسوع. "كيفَ أُوْلَدُ ثانيةً رُوحيًّا؟" وقد كانَ يَعرفُ أنَّ يسوعَ يَتكلَّمُ بالمَعنى الرُّوحِيّ. ولكِنْ كيفَ أَفْعَلُ ذلك؟ وكيفَ يمكن لذلك أنْ يَحدُث؟ وقد أَجابَهُ يسوعُ ببساطَة: "لا يمكنكَ أنْ تَفعلَ ذلك!"

"لا يمكنكَ أنْ تَفعلَ ذلكَ يا نيقوديموس! الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ [يَفعلَ ماذا؟] يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ". فهو يقول: "لا يمكنكَ أنْ تَفعلَ ذلك. بل يجب أنْ يَحْدُثَ ذلكَ مِنْ خِلالِ الماءِ والرُّوح. ويجب أنْ يَحْدُثَ ذلك مِنْ خلالِ قُوَّةٍ ومَصْدَرٍ خارِجِيَّيْن – خَارِجَ نِطاقِ نَفسِك. وتلكَ القُوَّة هي الماءُ والرُّوح. وما الَّذي يَعنيه ذلك؟ إنَّهُ مَاءُ الخَلاص. وأعتقد أنَّكُم إذا رَجَعْتُم إلى سِفْر حِزْقيال والأصحاح 36، ستَجِدونَ أنَّ يسوعَ يَتحدَّثُ إلى نيقوديموس بعباراتٍ مُشابهة. فقد كانَ يَعْرِفُ العهدَ القديم. وقد كانَ يَعْرِفُ الوعدَ المَذكور في سِفْر حزقيال 36: 25: "وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا".

وَمَنِ المُتَكَلِّمُ هُنا؟ الله. فَهُوَ عَمَلٌ ذُو سِيادَة: "فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ". وما يَقولُهُ لِنيقوديموس هوَ الآتي: أوَّلاً، يجب عليكَ أنْ تَحْصُلَ على التَّطهيرِ المُهَيْمِنِ مِنَ الله. ثانيًا، إنَّ هذا يَحْدُثُ مِنْ خلالِ الرُّوحِ القُدُس. فأنتَ بحاجة إلى خَلاصٍ مُهَيْمِنٍ يأتي مِنْ خارِجِ نِطاقِ نَفسِك. وهذا مُماثِلٌ لنبوءةِ حِزْقيال: "مَاءً طاهرًا فَتُطَهَّرونَ مِنْ نَجاسَتِكُم". وقد كَتَبَ بولسُ إلى تِيْطُس وَتَحَدَّثَ إليهِ عن غَسْلِ الماءِ بالكلمة؛ أيْ عَنْ مَاءِ التَّجديد. ونَقرأُ في العدد 26: "وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ". ثُمَّ يَقول: "وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ [مِنَ الدَّاخِلِ] تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي، وَتَحْفَظُونَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَ بِهَا".

لِذا، عندما يقولُ يَسوعُ لنيقوديموس: "ينبغي أنْ تُولَدَ مِنَ الماءِ والرُّوحِ لكي تَدْخُلَ الملكوت"، فإنَّهُ يُعيدُ نيقوديموس إلى سِفْرِ حِزْقيال والأصحاح 36 ويقول: "أتَعْلَمُ ماذا قالَ النبيُّ؟ ينبغي أنْ تَحْصُلَ على التَّطهيرِ المُهَيْمِنِ الَّذي مَصْدَرُهُ اللهُ، لا أنْتَ. وأنتَ بحاجة إلى سُكْنَى الرُّوحِ القُدُس في قلبِك لكي يُعطيكَ حياةً جديدة، وقلبًا جديدًا، ودافِعًا جديدًا. لماذا؟ نَقرأُ في العدد السَّادِس: إذا حاولتَ أنْ تَفعلَ ذلكَ بِالاتِّكالِ على ذاتِك: "اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ" هُوَ ماذا؟ وَكُلُّ ما سَتَفعلُهُ هو أنَّكَ سَتُنْتِجُ ماذا؟ ذَاتَكَ وَحَسْب. أيْ أنَّكَ سَتُنْتِجُ المَزيدَ مِنْكَ. "وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ [ماذا؟] رُوحٌ". لِذا، "لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ". لا تَتَعَجَّب. ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوح". وهل تَعلمونَ ما الَّذي يَقولُهُ هُنا؟ إنَّهُ يَقول: "لا يُمكنني أنْ أقولَ لكَ كيفَ أوْ مَتى يَفعلُ الرُّوحُ القُدُسُ ذلك، ولكِنَّ هذا العَمَلَ هُوَ عَمَلٌ مُهَيْمِنٌ يَقومُ بِهِ الرُّوحُ القُدُس. وهو لا يُمْكِن أنْ يُوْضَعَ في قَالَبٍ مَا. وحَتَّى إنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تَراهُ يأتي أوْ يَذهَب. ولكِنَّ رُوحَ اللهِ يَدْخُلُ أيْنَ يَشاء ويُعطي ولادةً جديدةً لِمَنْ يَشاء بوصفِهِ اللهَ صاحِبَ السِّيادة مِنْ خلالِ الرُّوح، ومِنْ خِلالِ غَسْلِ الماءِ بالكلمة بالولادةِ الثَّانية، ويُطَهِّرُ القلبَ ويَزْرَعُ ذلكَ الرُّوح في الإنسان. فما تحتاجُ إليهِ، يا نيقوديموس، هو حياة جديدة. وهذا عَمَلٌ يَتِمُّ بسيادَةِ اللهِ المُطلَقة. وهذا يُشْبِهُ تمامًا ما جاءَ في سِفْر إرْميا 24: 7 إذْ قالَ اللهُ: "وَأُعْطِيهِمْ قَلْبًا لِيَعْرِفُونِي".

طبيعةً جديدةً، وقلبًا جديدًا، وحياةً جديدة. "إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المَسِيحِ [2كورنثوس 5: 17] فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا". إذًا، فإنَّ ما أَعنيه هُنا هو أنَّ الوِلادةَ الجديدة ضروريَّة. فهذا هوَ فَحْوَى الخَلاص. فهو يعني أنْ يأتي اللهُ بِسِيادَتِهِ إلى الإنسانِ الخاطئ، وأنْ يَعْمَلَ بِنِعْمَتِهِ على تَطهيرِ ذلكَ الخاطئ وَزَرْعِ رُوْحِهِ في ذلكَ الخاطئ لكي يَتَكَفَّلَ تَطهيرُ ذلكَ الخاطئ بإصْلاحِ علاقَتِهِ باللهِ، ولكي يَتَكَفَّلُ زَرْعُ رُوحِ اللهِ بِإمدادِهِ بالقُوَّةِ الَّتي يَحتاجُ إليها لكي يَحيا بحسب مشيئةِ الله. فهذه هي الغايةُ مِنَ الوِلادةِ الثَّانية.

والآن، أَوَدُّ أنْ أَطْرَحَ أربعةَ أسئلة تَختصُّ بآيَتِنا (أيْ بيعقوب 1: 18). واسمحوا لي أنْ أَعودَ إليها. فقد كانَ مَا سَبَق مُقَدِّمَةً. يعقوب 1: 18. وأودُّ أنْ أَطرحَ عليكم أربعةَ أسئلة عنِ الولادة الثَّانية. وهي أسئلة بسيطة جدًّا ولا تَحتاجُ سِوى إلى وقتٍ قصيرٍ للإجابةِ عنها جميعًا:

السُّؤالُ الأوَّل: ما هي الوِلادة الثَّانية؟ فقد قُلنا للتَّوّ إنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أنْ يَعْرِفَ اللهَ مِنْ دُوْنِ قَداسة، وإنَّ الإنسانَ ليسَ قِدِّيسًا، وإنَّ الإنسانَ لا يُدركُ عَدَمَ قداسَتِهِ. وعندما يُدركُ ذلك فإنَّهُ يَميلُ إلى إلقاءِ اللَّومِ على الله. وكيفَ يَستطيعُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ هذهِ المُعضِلَة؟ فَها هُوَ يَلومُ اللهَ على ذلك، أوْ لا يُدركُ ذلك. فكيفَ سَيَتَغَيَّر إذًا؟ قد تقولُ إنَّهُ ينبغي لشخصٍ ما أنْ يَضَعَ لَهُ مَعاييرَ عالية جدًّا، وأخلاقيَّاتٍ أفضل، وقانونًا يَنْبَغي لَهُ أنْ يُطَبِّقَهُ. ويجب عليهِ أنْ يَفعلَ ذلكَ بِقُدرَتِه. ولكِنْ لا! فالشيءُ الوحيدُ الَّذي يَنْتُجُ عنِ الجسدِ هُوَ ماذا؟ مَزيدٌ مِنْ أعمالِ الجسد. إذًا، ما ينبغي أنْ يَحدُث هو أنَّهُ بحاجة إلى تَدُخُّلٍ إلهيٍّ مِنَ اللهِ صَاحِبِ السِّيادة. فيجب أنْ يأتي الله إلى داخِلِه، وأنْ يُطَهِّرَهُ مِنْ خَطيئتِه، وأنْ يَزْرَعَ حياةً جديدةً فيه، وأنْ يُعطيهِ رُوْحَهُ لكي يُمَكِّنَهُ مِنَ السُّلوكِ في تلكَ الحياةِ الجديدة، وَمِنْ إطاعَةِ الله. فهذا عَمَلٌ يَحْدُثُ بسيادَةِ الله. وهذا هوَ المَعنى الحَقيقيّ للولادةِ الثَّانية. ولكِنْ دَعونا نَقرأُ تلكَ الآية ونَطْرَحُ تلكَ الأسئلة الأربعة. السُّؤالُ الأوَّل: ما هي الولادة الثَّانية؟ أي: ما هي طبيعةُ الوِلادةِ الثَّانية؟ وقد لَمَّحْتُ إلى ذلكَ للتَّوّ، بل إنِّي أَجَبْتُ تَقريبًا عن هذا السُّؤال. ولكِنْ لنتحدَّث عن هذه العِبارةِ تحديدًا: "شَاءَ فَوَلَدَنَا". فهذه هي طبيعةُ الوِلادة الثانية.

فاللهُ هو الَّذي يأتي بِنا إليهِ، وَيَلِدُنا، ويَجْعَلُنا خَليقةً جديدة. فأنتَ لا تَبقى على حَالِكَ، بل تَصيرُ خَليقَةً جديدة. وبالمُناسَبة، فإنَّ الفِعْلَ المُستخدَمَ هُنا هُوَ نَفسُ الفعْلِ المُستخدَم في العدد 15. فاللهُ يَلِدُنا، ويَقومُ بعملِ التَّجديد، وَيُعطينا حياةً جديدة. إنَّهُ الفِعلُ نَفْسُهُ. وَهُوَ يَرِدُ بصيغةِ الماضي البَسيط مُشيرًا إلى حَدَثِ الخَلاصِ حينَ وُلِدْنا مِنْ أبينا السَّماويِّ وأُعطينا حياةً جديدة بوصفِنا أولادَ الله. وإنْ أردتُم تَعريفًا اصْطِلاحِيًّا للكلمة "وَلَدَنا"، إليكُم تَعريفًا أعتقد أنَّهُ رائعٌ. وَهُوَ تَعريفٌ قَدَّمَهُ اللَّاهوتِيُّ "بيركوف" (Berkhoff) قبلَ سنواتٍ طويلة، وهو كالآتي: "الولادة الثانية هي ذلكَ العَمَلُ الَّذي يقومُ بِهِ اللهُ إذْ يَزْرَعُ بِذْرَةَ الحياةِ الجديدة في الإنسان ويَجْعَلُ المُيولَ السَّائدةَ لديهِ مُقَدَّسة". وهذا تَعريفٌ رائع! فالولادة الثانية هي ذلكَ العَمَلُ الَّذي يقومُ بِهِ اللهُ إذْ يَزْرَعُ بِذْرَةَ الحياةِ الجديدة في الإنسان ويَجْعَلُ المُيولَ السَّائدةَ لديهِ مُقَدَّسة. وهذا يَعني أنَّ تَغييرًا كامِلاً يَحْدُث. وهذا لا يَبدو مُختلفًا عَمَّا جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح الثَّالث. أليسَ كذلك؟ أو عَمَّا جاءَ في رسالة أفسُس 2: 1-3. والحقيقة هي أنَّ بُطرس يقولُ إنَّنا صِرْنا "شُرَكاء الطَّبيعةِ الإلهيَّة". فاللهُ يُعطينا حَياتَهُ، حَياتَهُ هُوَ شَخصيًّا، وطَبيعَتَهُ البَّارَّة، وقَداسَتَهُ تُزْرَعُ فينا. وهذه فِكرة رائعة! فبصفَتِنا مُؤمِنين، فإنَّنا (أنا وأنتَ) نَمْتَلِكُ ذاتَ طَبيعةِ اللهِ (بحسب ما جاءَ في رسالة بُطرس الثانية 1: 4) إذْ نَحْنُ شُرَكاءُ الطَّبيعةِ الإلهيَّة. ونحنُ سَنَحْصَل على تلكَ الطَّبيعةِ بِكُلِّ مِلْئِها في وقتٍ لاحقٍ ... بِكُلِّ مَا تَنْطَوي عليه. ولكِنَّ تلكَ الحياةَ الجديدة قد زُرِعَتْ فينا أصلاً. وهذا يَحْدُثُ في لَحْظَةٍ مُعَيَّنة. فهي ليست عَمليَّة، بل هُوَ حَدَث. فهو حَدَثٌ يَعْمَلُ اللهُ مِنْ خلالِهِ على خَلْقِكَ إنسانًا جديدًا. وهو عَمَلٌ سِرِّيّ لا يُمْكِنُ فَهْمُه. لِذا، فإنَّنا لا نَسْتَطيعُ (كما قالَ يَسوعُ) أنْ نَفْصِلَ الحِنْطَةَ عَنِ الزَّوانِ لأنَّ هذا العَمَلَ تَحْديدًا يَسْتَعْصي على أذهانِنا. فَنحنُ نُدْرِكُهُ فقط مِنْ خلالِ تَأثيرِهِ. فلا يمكننا أنْ نَرى اللهَ وَهُوَ يُعيدُ خَلْقَ إنسانٍ مَا. فهذه مُعجزة إلهيَّة لا تُرَى بأيِّ عَيْنٍ بَشَريَّة.

ولكِنَّها تَزْرَعُ في الإنسانِ بِذْرَةَ حياةٍ جديدة، وقُدرةً جديدةً تُمَكِّنُهُ مِنْ (وَتَدْفَعُهُ إلى) إطاعَةِ ناموسِ الله. وهذا رائعٌ! فالتَّجديدُ يَتَغَلَّبُ على مَوْتِ الخطيَّة، وعلى فَتْكِ الخطيَّة. فنحنُ لا نَعودُ خاضِعينَ للخطيَّة. وبولسُ يقولُ في رسالة رومية والأصحاحِ السَّادسِ إنَّ الخطيَّةَ لا تَعودُ تَمْلِك علينا. فنحنُ نَتْبَعُ الآنَ سَيِّدًا جديدًا طَوْعًا وبحماسة.

وقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 10: "وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ [ماذا؟] حَيَاةٌ". فما الَّذي يَحتاجُ إليهِ البَشَرُ الخُطاة أكثر مِنْ أيِّ شيءٍ آخر؟ الحياة. لِذا فقد جاءَ لكي يُعْطينا حياةً جديدة. إذًا، ما هي الولادة الثانية؟ ما هي؟ أنَّهُ وَلَدَنا. وما مَعنى ذلك؟ أنَّهُ أعطانا حياةً جديدةً وَغَيَّرَنا تَمامًا في الإنسانِ البَاطِن.

السُّؤالُ الثَّاني: مَنِ الَّذي يُجْري الولادةَ الثانية؟ لقد أَجَبْتُكُم قبلَ قليل عن هذا السُّؤالِ بالاستشهادِ بإنْجيل يُوحَنَّا والأصحاحِ الثَّالث. فَمَنِ الَّذي يَفْعَلُ ذلك؟ انظروا إلى العدد 18 مَرَّةً أخرى: "شَاءَ فَوَلَدَنَا". فاللهُ الآبُ (كما جاءَ في العدد 17) الَّذي هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ ... "شَاءَ". والكلمة "شَاءَ" تَرِدُ أوَّلًا في اللُّغةِ اليونانيَّةِ في الآية. واستخدامِهُا بهذه الطريقة هُوَ أُسلوبٌ تَوْكيدِيٌّ يُنَبِّرُ على أنَّ مَشيئةَ الله صَاحِب السِّيادة هي أَصْلُ هذه الحياةِ الجديدة. فلا توجد طريقة أخرى لأنَّهُ كيفَ يُمكن لشخصٍ مَيِّت أنْ يُحْيي نَفْسَهُ؟ فهذا مُستحيل. فَمَصْدَرُ الحياةِ الجديدة هو الله ... الله. فهي نِعْمَةٌ مِنَ المُعْطي، لا رَغْبَةً نابِعَةً مِمَّنْ يأخُذ. وَحَتَّى إنَّ تلكَ الرَّغبةَ الموجودةَ لدى الشَّخصِ الَّذي يأخُذ تَنْبُعُ أصلاً مِنْ نِعْمَةِ اللهِ الَّذي يُعْطي. لِذا فإنَّ الوِلادةَ الثَّانيةَ بِرُمَّتِها هي خِيارُ اللهِ القَديرِ وَعَمَلُه.

فإنْ خَلَصْتُ أنا وَخَلَصتَ أنتَ، لِمَنْ يَعودُ الفَضْلُ كُلُّه؟ لله. فنحنُ نُسَبِّحُه. افتحوا على إنجيل يوحنَّا 1: 12 إذْ أَوَدُّ أنْ أَتحدَّثَ أكثر قليلاً عن هذه الفِكرة. فقد تقول: "مَهْلاً مِنْ فَضلِك! أَلَسْتُ أنا مَنْ قَبِلَ المسيح؟ ألستُ أنا مَنْ آمَن؟" بِكُلِّ تأكيد! أنتَ فَعَلْتَ ذلك. فأنتَ فَعلتَ ذلكَ، وَقَبِلْتَهُ، وآمَنْتَ بِه. انظروا إلى إنجيل يوحنَّا 1: 12: "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ". وقد تقولُ: "هذا صحيح. فأنا مَنْ آمَنْتُ وَقَبِلْتُ. أَلَسْتُ أنا مَنْ فَعَلَ ذلك؟ أَلَسْتُ أنا مَنْ بَادَرَ إلى ذلك؟" انظروا إلى العدد 13: "اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ" (فهو لا يَتحدَّثُ هُنا عنِ الولادةِ البشريَّة)، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ [ماذا؟] الله". فأنتَ تُؤمِنُ باللهِ وَتَقْبَلُهُ لأنَّها مَشيئةُ مَنْ؟ مَشيئةُ الله. فهذا شيءٌ مُرْتَبِطٌ بِسيادَتِه. صَحيحٌ أنَّكَ آمَنْتَ بِهِ. وصَحيحٌ أنَّكَ قَبِلْتَهُ. ولكِنْ وَراءَ ذلكَ كُلِّه، هُناكَ سِيادَةٌ إلهيَّة، وإرادةٌ إلهيَّة، ومَشيئةٌ ونِعمةٌ إلهيَّة.

فلا يوجد ابْنٌ وُلِدَ يومًا في العالَمِ (بالمَفهومِ البشريِّ) لأنَّهُ شَاءَ أنْ يُولَد. أليسَ كذلك؟ فولادةُ الطِّفْلِ هي قَرارٌ مَحْصُورٌ في الأبَوَيْن، لا في الأبناءِ الَّذينَ لم يُولَدُوا بعد. والولادةُ الروحيَّةُ تُحاكي ذلك. فهي قَرارُ وَمَشيئةُ الأبِ السَّماويِّ صَاحِبِ السِّيادة. فقد قالَ يسوع: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ" إِنْ لَمْ يَفْعَلِ الآبُ ماذا؟ "يَجْتَذِبْهُ". "إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ". فَحَتَّى الإيمانُ الَّذي نُمارِسُهُ هُوَ هِبَة يُنْعِمُ اللهُ بِها علينا. لِذا، عندما نَخْتَبِرُ الاهتداءَ، وعندما نُكَرِّسُ حياتَنا ليسوعَ المسيح مِنْ خِلالِ الإيمانِ بموتِهِ وقيامَتِهِ، وعندما نَفتَحُ قُلوبَنا لَهُ ونُؤمِنُ بالإنجيل، فإنَّ ذلكَ كُلَّهُ يَحْدُثُ بسببِ مَشيئَتِهِ المُهَيْمِنَة.

وعندما تتوقَّفونَ قليلاً، يا أحبَّائي، وتُفَكِّرونَ في أنَّكُمْ خَلَصْتُم لأنَّهُ عَيَّنَ مُسَبَّقًا (في المَاضي السَّحيق) أنْ يُخَلِّصَكُم، سَتَجِدونَ أنَّ هذا الأمرَ مُدهشٌ. فاللهُ، بِنِعْمَتِهِ ومَحَبَّتِه، عَيَّنَ مُسَبَّقًا أنْ يُنْشِئَ عَلاقةَ حُبٍّ حَميمة أبديَّة مَعَكَ فقط لأنَّ هذا هُوَ ما أرادَ أنْ يَفْعَلَهُ. وهذا مُدهشٌ! ويُوحَنَّا يُعَبِّرُ عن ذلكَ بالقول: "نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً". فالطِّفْلُ يُعطي الحُبَّ لأبويهِ البَشَرِيَّيْنِ نَتيجةَ مَحَبَّتِهِما لَهُ، وَعِنِايَتِهِما بِهِ، والحياةِ الَّتي مَنَحاها لَهُ. ولأنَّ اللهَ شاءَ أنْ يُخَلِّصَنا، ولأنَّهُ شاءَ أنْ يُعطينا حياةً جديدةً وطبيعةً مُقَدَّسَةً، مِنَ المُستحيلِ تَمامًا، كما يَقولُ يَعقوب، أنْ يَقودَنا اللهُ إلى الخطيَّة. فَهَلْ تَرَوْنَ مَدى تَعارُضِ ذلكَ مَعَ طبيعَتِه؟ ويا لها مِنْ فِكرةٍ رائعة! فقد عَيَّنَنا مُسَبَّقًا لكي نَحْصُلَ على مَحَبَّتِه، ولكي يُعْطينا حياةً جديدةً، ولكي تَكونَ لَنا شَرِكَة أبديَّة مَعَهُ. وَهُوَ يَتوقُ إلى أنْ نكونَ في حَضْرَتِهِ. وعندما نَذهبُ لنكونَ في حَضرَتِه، فإنَّهُ سيَجعَلُنا مُشابهينَ لابْنَهُ. وهو سيَسكُبُ بَرَكَتَهُ الأبديَّة علينا إلى أبدِ الآبِدينَ وَدَهْرِ الدَّاهِرين. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ يُوحَنَّا يَقولُ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّالث: "اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ الله!" فيوحَنَّا عاجِزٌ عنِ العُثورِ على صِفَةٍ مُناسِبة. فمحبَّتُهُ لا تُوْصَف. لِذا فإنَّهُ يقول: "أيَّة مَحَبَّة". فهو عاجِزٌ حَتَّى عنِ العُثورِ على صِفَةٍ مُناسبةٍ لِوَصْفِ تَعيينِهِ المُسَبَّقِ، وسِيادَتِهِ الإلهيَّةِ، ومَشيئَتِهِ الإلهيَّةِ بأنْ يُحِبَّنا.

والآنْ، لِنَنْظُر مَرَّةً أخرى إلى رسالة يعقوب 1: 18 إذْ سأذكُرُ فِكرةً أُخرى عن تلك النُّقطةِ تحديدًا. فحينَ يَقولُ: "شَاءَ فَوَلَدَنَا" فإنَّهُ يَستخدِمُ الكلمة "بوليثيس" (bouletheis) بصيغةِ اسمِ الفاعِل. فهي ليست مُجَرَّد أُمنية، بل هي إرادة فَاعِلَة وعامِلَة. فاللهُ لم يَتَمَنَّى حُدوثَ ذلكَ وَحَسْب. صحيحٌ أنَّهُ يُريدُنا أنْ نَخْلَص، ولكِنَّهُ يَشاءُ ذلكَ إلى الحَدِّ الَّذي يَجْعَلُ ذلكَ يَحْدُث. وهل تَسْمَحونَ لي أن أقولَ لكم شيئًا عَميقًا جِدًّا مِنَ النَّاحيةِ اللَّاهوتيَّة؟ فهذه هي ما يُمْكِنُنا أنْ نُسَمِّيه: "مَشيئةُ اللهِ العَامِلَة". فعندما يَشاءُ شيئًا فإنَّهُ يَحْدُث. فهي ليست أُمنية. فقد تَتَمَنَّى شيئًا قائلاً: "كَمْ أَتَمَنَّى أنْ يَحْدُثَ هذا الأمر"، ولكِنَّهُ قد يكونُ بَعيدًا كُلَّ البُعْدِ عَمَّا سيحدُث. أو قد تقول: "مَشيئَتي هي أنْ يَحْدُثَ هَذا الأمر لأنَّهُ في نِطاقِ قُدرتي وسُلطاني". وهذا هوَ مَعنى الكَلِمَة هُنا. فَرَغْبَةُ اللهِ تَجْعَلُ ذلكَ الشَّيء يَتَحَقَّق. إذًا، ما هي الولادة الثانية؟ إنَّها تَعْني أنْ يَخْلِقَنا اللهُ ثانيةً. وَمَنْ يَفعلُ ذلك؟ اللهُ يَفعلُ ذلكَ بِقُدرَتِهِ المُهَيْمِنَة. ونحنُ نَتجاوبُ مَعَ تلكَ النِّعمةِ المُهَيْمِنَة.

السُّؤالُ الثَّالث. حَسَنًا؟ فقد سألنا: "مَاذا؟" وَ "مَنْ؟" وإليكمُ السُّؤال الثَّالث: "كَيْفَ يَحْدُثُ ذلك؟" كيفَ يَحْدُثُ ذلك؟ فقد تقول: "حسنًا! هلِ اللهُ يَنْزِلُ إلى أسفل وَيُخُلِّصُكَ وَحَسْب؟ هلِ اللهُ يَصْعَقُكَ فَتَخْلَص؟ كيفَ يَحْدُثُ ذلك؟" حسنًا! لننظر مَرَّةً أخرى إلى ذلكَ العَدَد، إلى العدد 18: "شَاءَ فَوَلَدَنَا" [ثُمَّ استمعوا إلى ما يَقول:] "بِكَلِمَةِ الْحَقّ" ... بكلمةِ الحَقّ. فقد وَرَدَتْ هكذا حَرفيًّا: "بِكَلِمَةِ الْحَقِّ" ... بكلمةِ الحَقِّ. وهكذا يَعني: بكلمةِ اللهِ، أيْ: بالكِتابِ المُقَدَّس. وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ اللهَ يَلِدُنا ثانيةً، ويَغْسِلُنا، وَيُطَهِّرُنا، ويُعطينا إنسانًا باطِنِيًّا جديدًا، ويَزْرَعُ رُوْحَهُ فينا بِقُوَّةِ ماذا؟ بِقُوَّةِ كَلِمَتِه. بِقُوَّةِ كَلِمَتِه. فَالبَشَرُ يُوْلَدونَ ثانيةً بقُوَّةِ الكلمة. فإنْ لم تَسمَعِ الكلمة، فإنَّكَ لا تَسْمَعُ الرِّسالةَ الَّتي تُخَلِّص. وفي رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، يُثْنِي بولسُ على مُؤمِني تسالونيكي بسببِ كيفيَّةِ تَجاوُبِهِم مَعَ المُناداةِ بكلمةِ الله. وَهُوَ يَقول: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ، لأَنَّكُمْ إِذْ تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ اللهِ، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ اللهِ" [ثُمَّ استمعوا إلى ما يَقول:] "الَّتِي تَعْمَلُ أَيْضًا فِيكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِين".

فالكلمةُ هي الَّتي تَعملُ في القلبِ الَّذي يُؤمِن. فاللهُ يَتحرَّكُ بِسِيادَتِهِ لِيَفْديه. والإنسانُ يَتجاوبُ معَ سَماعِهِ للكلمةِ بإيمان فَيَحْدُثُ الخَلاص. بعدَ ذلك، فإنَّ مَشيئةَ اللهِ بتخليصِ ذلكَ الشَّخصِ تَتِمُّ في قَلبِهِ مِنْ خلالِ فَهْمِ الكلمةِ المُمْتَزِجِ بالإيمان، فيَحْدُثُ التَّجديد. إذًا، كيفَ تَحْدُثُ الولادة الثانية؟ إنَّها تَحدُثُ مِنْ خلالِ كلمةِ الله. ومَرَّةً أُخرى، أُذَكِّرُكُم بما جاءَ في رسالة تيطُس 3: 5: "لاَ بِأَعْمَال فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ". فنحنُ لا نَنالُ الخَلاصَ والحياةَ الجديدةَ مِنْ خلالِ القيامِ بأشياء مُعَيَّنة، ولا مِنْ خلالِ مُحاولةِ إطاعةِ اللهِ في الجسد، "بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا [لاحِظُوا ما يَقول:] بِغُسْلِ المِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُس". فَهُما نَفْسُ الشَّيئَيْن: غَسْلُ الماءِ بالكلمة، وَزَرْعُ الرُّوحِ القُدُس. وهذا عَمَلُ اللهِ المُهَيْمِن. لِذا فإنَّ كَلِمَةَ الحَقِّ هي الشَّيءُ الجوهريّ.

والآن، اسمحوا لي أنْ أَتَوَسَّعَ في تلكَ العِبارة أكثر قليلاً؛ أيْ في عِبارة "كلمة الحَقّ" ... كَلِمَة الحَقّ. فهذهِ العِبارة تَحديدًا تُستخدمُ عِدَّة مَرَّات في العهد الجديد. فهي تَرِدُ في رسالة كورِنثوس الثانية 6: 7. ولا حاجة إلى أنْ تَفتحوا على الآياتِ الَّتي سأذكُرُها. فسوفَ أكْتَفي بِذِكْرِها لكم. فهي تقول: "فِي كَلاَمِ الْحَقِّ، فِي قُوَّةِ اللهِ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. ونَقرأُ في رسالة كولوسي 1: 5: "مِنْ أَجْلِ الرَّجَاءِ ... الَّذِي سَمِعْتُمْ بِهِ قَبْلاً" [ثُمَّ اسْمَعوا ما يَقول:] "فِي كَلِمَةِ حَقِّ الإِنْجِيل" ... فِي كَلِمَةِ حَقِّ الإِنْجِيل. وَهُنا، تَرتبطُ "كلمةُ الحَقِّ" تَحديدًا بالإنجيل. وبالمناسبة، فإنَّنا نَقرأُ في رسالة تيموثاوس الثانية 2: 15 عن كلمةِ الحَقّ: "مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَة". لِذا فإنَّ "كلمةَ الحَقِّ" تَعْني عَامَّةً: "كَلِمَة الله".

فهي الكلمة الَّتي يُعْلِنُها اللهُ لنا لكي نَتَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِ إعلانِهِ عن نَفسِه. وتحديدًا، في ضَوْء ما جاءَ في رسالة كولوسي 1: 5، يمكننا أنْ نَدعوها: "كَلِمَةُ حَقِّ الإنجيل". وبعدَ أنْ فَهِمْنا ذلك، لنَرجِع إلى رسالة يعقوب. ويُمْكِنُنا أنْ نَقولَ بِبَساطَة إنَّنا لا نُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلْنا إنَّنا وُلِدْنا ثانيةً بكلمةِ الحَقِّ، لا فقط مِنْ خلالِ إعلانِ اللهِ العَامّ، بل أيضًا كما جاءَ في رسالة كولوسي 1: 5: مِنْ خِلالِ إعلانِهِ الخاصِّ المُتَمَثِّلِ بكلمةِ حَقِّ الإنجيل. وقد تَسْأل: "وما هو الإنجيل؟" إنَّهُ الخَبَرُ السَّارُّ بأنَّ يسوعَ جاءَ، وماتَ، وقامَ ثانيةً. لِذا فإنَّ النَّاسَ يَخْلَصون عندما يَشاءُ اللهُ بِسِيادَتِهِ أنْ يَهَبَهُم الوِلادةَ الثَّانية، وأنْ يُعطيهم طبيعةً جديدة، وأنْ يَغْسِلَ خَطاياهم، وأنْ يَزْرَعَ الرُّوحَ فيهم، وأنْ يُعْطيهِم فَهْمًا لذلك مِنْ خلالِ المَعرفةِ الَّتي يَحصُلونَ عليها مِنَ الإنجيلِ الَّذي يُكْرَزُ بهِ، أوِ الَّذي يُعْطَى لَهُم. وحينَ يَمْتَزِجُ ذلكَ بالإيمان فإنَّهُ يُفْضِي إلى الولادةِ الجديدة. وفي رسالة رُومية 10: 17 (وأنا أَنْتَقي وَحَسْب بعضَ الآياتِ الكِتابيَّة الَّتي تَخْطُرُ ببالي والتي أعتقد أنَّها تَرتبط بهذه النُّقطة فيما نَخْتِمُ هذه العِظَة). وعلى أيِّ حال، نَقرأُ في رسالة رُومية 10: 17 هذه الكلماتِ. فَهَلْ تَذكرونَها؟ "فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟" ثُمَّ نَقرأُ: "وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟" وَهَلُمَّ جَرَّا. فالنَّصُّ يَتحدَّثُ عن ضَرورةِ وُجودِ كَارِزين. فكيفَ سيَسمعُ النَّاسُ رسالةَ الإنجيل مِنْ دُوْنِ كارِزين؟ وكيفَ نُرْسِلُ كارِزينَ إنْ لم يوجد أحدٌ نُرْسِلُه؟ فيجب أنْ يَحْصُلَ النَّاسُ على كارِز. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ إشعياء: "مَا أَجْمَلَ ... قَدَمَيِ الْمُبَشِّرِ". فيا لأهميَّة الكِرازة بالإنجيل! لماذا؟ لأنَّ العدد 17 يقولُ إنَّ الإيمانَ يأتي مِنْ خِلالِ الحَديثِ عَنْ يَسوع. وهذه هي التَّرجمة الصَّحيحة لما جاءَ في النَّصِّ اليونانيِّ لرومية 10: 17. فالإيمانُ يأتي بالكِرازة بإنجيل يسوعَ المسيح (رسالة رومية 10: 17). لِذا، فإنَّ اللهَ يُخَلِّصُ النَّاسَ بِمُقتضى سِيادَتِهِ مِنْ خلالِ التَّحَرُّكِ في حَياتِهِم وَخَلْقِ تلكَ الحياة. ولكِنَّ ذلكَ يَحْدُثُ عندما يَسْمَعُ الإنسانُ الإنجيلَ ويَفْهَمُهُ، وعندما يَمْتَزِجُ ذلكَ بِالإيمان. فحينئذٍ فقط تَحْدُثُ الوِلادةُ الجديدة. وما هي الولادةُ الجديدة؟ إنَّها تَغْييرٌ كامِل. وَمَنِ الَّذي يَفْعَلُ ذلك؟ اللهُ هو الَّذي يَفعلُ ذلكَ بِمُقتَضَى مَشيئَتِهِ المُهَيْمِنَة. وكيفَ تَحْدُثُ الوِلادةُ الجديدة؟ بِسَماعِ إنجيلِ يسوعَ المسيحِ والإيمانِ بأنَّهُ ماتَ على الصَّليبِ، وقامَ ثانيةً. وهذا يَحْدُثُ مِنْ خِلالِ كَلمةِ اللهِ المُعْلَنَة. وهُناكَ آية أُخرى بهذا الخُصوص وَرَدَتْ في رسالةِ بُطرسَ الأولى والأصحاح الأوَّل: "مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً" [وإليكُم الوَسيلَة الَّتي تَحْدُثُ بها]، " مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى" [فَهُوَ لا يَتحدَّثُ عنِ الوِلادةِ الطَّبيعيَّةِ، بَلْ يَقول]، "بَلْ ... بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَد". "بَلْ ... بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَد". "لأَنَّ: كُلَّ جَسَدٍ كَعُشْبٍ". فلا يُمْكِنُكَ أنْ تُوْلَدَ ثانيةً بالجَسَد. "لأَنَّ: كُلَّ جَسَدٍ كَعُشْبٍ، وَكُلَّ مَجْدِ إِنْسَانٍ كَزَهْرِ عُشْبٍ. الْعُشْبُ يَبِسَ وَزَهْرُهُ سَقَطَ". فالجسدُ لا يَسْتَطيعُ أنْ يُعْطي أيَّ شَيءٍ يَدوم. "وَأَمَّا كَلِمَةُ الرَّبِّ فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَد". والآنْ، اسمَعوا ما يَقول: "وَهذِهِ هِيَ الْكَلِمَةُ [أيْ: رِسَالَةُ الإنجيلِ] الَّتِي بُشِّرْتُمْ بِهَا". وَهُوَ يَقولُ مَرَّةً أُخرى: لقد اختبرتُم الوِلادةَ الثَّانيةَ بكلمةِ اللهِ. وكلمةُ اللهِ الَّتي وُلِدْتُمْ بها وِلادةً ثانيةً هي الإنجيل. والإنجيلُ هُوَ قِصَّةُ مَوْتِ يَسوعَ وَقيامَتُهُ.

لِذا فإنَّ اللهَ يَخْتارُ بِمُقتَضى سِيادَتِهِ أنْ يَفْدي النَّاسَ، وأنْ يأتي، وأنْ يُطَهِّرَ القَلْبَ، وأنْ يَزْرَعَ رُوْحَهُ. ولكِنْ لكي يَفْعَلَ ذلك، يجب على القلبِ أنْ يَستوعِبَ الإنجيلَ بوضوح، وأنْ يَمْتَزِجَ ذلكَ الاستيعاب بالإيمان لِيُنْشِئَ حَياةً جديدة ... حَياةً جديدة. فإنْ كانَ هناكَ تَغْييرٌ ينبغي أنْ يَحْدُثَ فينا، فإنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَنبغي أنْ يَفعلَ ذلك. ويجب علينا أنْ نَتجاوَبَ نحنُ أيضًا مَعَ الإنجيل.

وبهذا يَتَبَقَّى لدينا سُؤالٌ واحد ... سُؤالٌ واحد: لِماذا تَحْدُثُ الوِلادةُ الثَّانية؟ لماذا؟ لماذا يُبالي اللهُ بذلك؟ لقد عَرَفْنا ما هي الولادة الثَّانية. وعَرَفنا مَنْ يَقومُ بها. وعَرَفْنا كيفَ تَتِمّ. ولكِنْ لماذا تَحْدُث؟ وما الغاية مِنْ جَعْلِنا نُوْلَد مِنْ جَديد؟ نَقرأُ في نهايةِ العدد 18 هذه الكلماتِ المُدهشة: "لِكَيْ نَكُونَ بَاكُورَةً مِنْ خَلاَئِقِهِ". ويا لها مِنْ عِبارة! ويمكننا أنْ نَتَحَدَّثَ كَثيرًا عنها. ومَفاعيلُ تلكَ الكَلِماتِ هائلة. "لكي نَكونَ" – فهذه عِبارة تَحْوي فِعْلَ كَينونَة. وهذه عِبارة تُعَبِّرُ عَنْ قَصْدٍ ما. والقَصْدُ هُوَ أنْ نَكونَ خَليقةً جديدة. فهذا هو ما يُريدُهُ اللهُ. فهو يُريدُ خَليقةً جديدةً. ونحنُ باكُورَة تلكَ الخَليقَة.

وهذا عَظيم! وما هي الباكورَة؟ لو كانَ لدينا الوقتُ الكافي (وَلَكِنْ لا يوجد لدينا وَقْت) لَدَرَسْنا ما يَقولُهُ العهدُ القديم. ولكِنْ يُمكِنُكُم أنْ تُدَوِّنوا الشَّواهد التَّالية: سِفْر الخُروج 23: 19، وسِفْرُ اللَّاوِيِّين والأصحاح 23، وسِفْر التَّثنية والأصحاح 18، وسفر التَّثنية والأصحاح 26. فهي جميعُها تُخْبِرُنا عنِ البَاكورة. فقد قالَ اللهُ: "عندما تَزْرَعونَ مَحْصولاً، أُريدُ البَاكورة". والباكورةُ تَعني شَيْئَيْن: أُريدُ الشَّيءَ الأوَّلَ مِنْ حيثِ الأولويَّة، وأُريدُ الأفضَل.

فعندما تَحْصُدونَ ذلكَ المَحْصول، هَاتوا تَقْدِمَةً إليَّ. وأنا أُريدُ باكورَةَ ما تَحْصُدُونَهُ. فهذا سَيُظْهِرُ أنَّكُمْ تَعيشونَ بالإيمان لأنَّكُمْ إذا أَخَذْتُم مَحصولَكُم الأوَّل لأنفُسِكُم فإنَّكُمْ تَتَشَبَّهونَ بالمُزارعينَ الَّذينَ يَأخُذونَ الباكُورةَ لأنفُسِهِم ويُخَزِّنونَها لأنفسهم. لِذلك، يجب عليكم أنْ تَأتوا بالباكُورةِ إليَّ وأنْ تُعْطوني الأفضل. فهذه هي البَاكورة. فهي أوَّلُ شَيءٍ مِنَ المَحْصولِ الَّذي سيأتي لاحِقًا. وهذا هو تمامًا المَعنى المَقصود هُنا.

وهو يقولُ شيئًا مُدهشًا: أريدُ مِنْكُم أنْ تَكونوا أوَّلَ وأفضلَ المَحاصيلِ القادِمَة. وهذا مُدهش! والآنْ، اسمعوني جَيِّدًا: هل تُدركونَ، يا أحبَّائي، أنَّ العالَمَ لن يَستمرَّ بالطريقةِ الَّتي هُوَ عليها الآن؟ هل تَعلمونَ ذلك؟ وهل تَعلمونَ أنَّنا نَسيرُ باتِّجاهِ تَغْييرٍ شاملٍ سيحدثُ للعالمِ الَّذي نَعْرِفُهُ الآن؟ وهل تَعلمونَ أنَّ كُلَّ هذهِ العَمليَّاتِ التي تَجْري على الأرض ستَحترِق، وأنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يُخبرُنا أنَّ الربَّ سيُعيدُ خَلْقَ هذه الأرض بالطَّريقةِ الَّتي يَشاء؟ وأنَّهُ سيَخْلِقُ خَليقةً جديدة، وأنَّ كُلَّ شيءٍ سيُوْلَدُ ثانيةً ... كُلَّ شيء. الرِّجالُ، والنِّساءُ، والتُّرابُ، والجِبالُ، والوُديانُ، والمياهُ، والعُشْبُ، والنَّباتاتُ، والحَيَواناتُ، وكُلُّ شيءٍ. فالحقيقة هي أنَّهُ سيَخْلِقُ سماءً جديدةً وأرضًا جديدة. فسوفَ تكونُ هناكَ خَليقة جديدة. ونحنُ أوَّلُ دَليلٍ على ذلك.

وكما يَقولُ بولُس في رِسالة رُومية والأصحاحِ الثَّامِن، فإنَّ العالَمَ لا يَعْرِفُ حَتَّى الحَالَةَ الَّتي سنكونُ عليها لأنَّنا ما زِلْنا نَحْيا في أجسادِنا ونَنتظِرُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. وحينئذٍ سَيَتَّضِحُ للجميع ما نَحْنُ عليه. ومِنَ المُدهشِ أنْ أَعْلَمَ مَنْ أنا مِنْ هذا الجَانِب. فأنا وأنتُم، بِوَصْفِنا مُؤمِنين، نَموذجٌ عَنِ الحالةِ الأبديَّة. فنحنُ النَّظرةُ الأولى إلى الخليقةِ الجديدة. وهذا أمرٌ مُدهش. فنحنُ خَليقَتُه. وهو يُعيدُ خَلْقَنا لنكونَ رُموزًا، أوْ نَماذِجَ، أو أمثلة توضيحيَّة، على خليقَتِهِ الجديدةِ في المُستقبَل. وإنْ أردتُم أنْ تَعلَموا كيفَ ستكونُ الخليقة في المُستقبل، سأُخبركم كيفَ ستكون. ستكونُ مِثْلَنا إذْ إنَّها ستكونُ جديدةً تمامًا مِنَ الدَّاخل. وهي ستكونُ مِثْلَنا بعدَ أنْ نَتَغَيَّر مِنَ الخارِجِ أيضًا. ولكِنَّنا الباكورة وَحَسْب. وما مَعنى ذلك؟ الباكورة هي الوَعْدُ بمحصولٍ كامل ... الوَعْدُ بمحصولٍ كامل. فنحنُ الباكورة. ويا لها مِنْ فِكرة. فاللهُ يَقول: "أريدُ أنْ آخُذَكُمْ لتكونوا خَاصَّتي. وأريدُ أنْ آخُذَكُمْ لتَنْتَمُوا إلِيَّ، ولتكونوا رُموزًا على الخليقةِ الجديدةِ المُستقبليَّة".

وهل تُدركونَ أنَّنا نَجْتَمِعُ في كنيسة "غريس" في هذا المَبنى الصَّغير في هذه اللَّيلة، وأنَّ العالَمَ لا يَدْري مَنْ نَحن؟ ولكِنَّنا وَحَسْب باكورةُ خليقةٍ جديدةٍ رائعة إذْ إنَّ اللهَ سَيُعيدُ خَلْقَ السَّماءِ كُلِّها والأرضِ كُلِّها. فنحنُ الباكورة وَحَسْب. ونحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاح 8 أنَّ الخَليقةَ تَئِنُّ بانتظارِ إعادَةِ خَلْقِها. ونحنُ نَئِنُّ أيضًا مِنْ أجْلِ إعادةِ الخَلْق ... لا مِنْ أجْلِ إعادةِ خَلْقِ نُفوسِنا. فنحنُ نَمْلِكُ ذلك. ولكِنَّنا نَنْتَظِرُ إعادةَ خَلْقِ ماذا؟ أجسادِنا الَّتي نَحْيا بِها.

فهذه الحياةُ الجديدة الَّتي لنا في المسيح هي مُجَرَّد لَمْحَة عنِ المجدِ المُستقبليِّ حيثُ سَيُعادُ خَلْقُ الكونِ بِأسْرِه. لِذا، يا لَهُ مِنَ امتيازٍ عظيمٍ لنا. إذًا، ما هي الولادةُ الثانية؟ إنَّها إعادَةُ خَلْقٍ يَجْعَلُنا اللهُ مِنْ خلالِها خَليقةً جديدةً مِنَ الدَّاخل. وَمَنِ الَّذي يَفعلُ ذلك؟ اللهُ يَفْعَلُ ذلكَ بِسِيادَتِه. ومَتى تَحْدُث، أوْ كيفَ تَحْدُث؟ إنَّها تَحْدُثُ حينَ نَسْمَعُ بِقُلوبٍ مُؤمِنَةٍ كلمةَ الإنجيلِ، ثُمَّ إنَّ اللهَ يَخْلِطُ هذا الإيمانَ بِقُدْرَتِه المُهَيْمِنَةِ ويُغَيِّرُنا. ولماذا يَفعلُ ذلك؟ لأنَّهُ يجب علينا أنْ نَحْيا في هذا العالمِ كَأمثلة حَيَّة على ما سيَحدثُ لهذا العالمِ عندما يُعيدُ اللهُ خَلْقَهُ.

والآن، لكي نَضَعُ كُلَّ شيءٍ في إطارِهِ الصَّحيحِ في سِياقِ رِسالةِ يَعقوب، لا يَقُلْ أَحَدٌ مِنْكُم إنَّ اللهَ يُريدُنا أنْ نُخطئ لأنَّني سأقولُ لَكَ إنَّكَ لم تَفْهَمْ أيَّ شيءٍ مِنَ العِظَة. فلا يُعقَل البَتَّة أنَّ اللهَ يُريدُ أنْ يَجْعَلَكَ تُخطِئ. ولا يُعْقَل البَتَّة أنَّهُ يُسَرُّ بخطيئَتِك. فهو خَلَقَكَ لتكونَ نَموذَجًا على مُجتَمَعٍ بلا خطيَّة. وهذا هُوَ ما يُريدُهُ. لِذا، عندما تُخطئ، لا تَلُمْهُ، بل وَجِّهْ إصْبَعَ اللَّوْمِ في الاتِّجاهِ المُناسِب، أيْ على جَسَدِكَ. وَتَرَقَّب اليومَ الَّذي سَيُفْدى فيهِ جَسَدُك. فهذا هو مَعْنى الولادة الثانية. ونحنُ لَدينا الكَثيرَ لِنَشْكُرَ اللهَ عليه. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، لقد عَنْوَنَّا رسالَتَنا في هذا المساء: "مَولودينَ للقَداسَة". ونحنُ مُكَرَّسونَ لذلكَ حَقًّا لأنَّنا وُلِدْنا ثانيةً لكي نَصيرَ [نَحْنُ غيرُ المُقَدَّسين] قِدِّيسين. ويا لَهُ مِنْ حَقِّ عظيم! ونحنُ نَشكُرُكَ جِدًّا، يا أبانا، على جَعْلِنا نَماذِجَ على خَليقَتِكَ الجديدة. ونحنُ نَسْألُكَ، يا أبانا، أنْ تَجْعَلَنا نُضيءُ كالأنوار في العَالَم.

ونحنُ نُصَلِّي أنْ نكونَ (بِوِصْفِنا مَفْدِيِّينَ) مُمْتَنِّينَ جِدًّا، وأنْ نَحْيا بطريقةٍ تُمَثِّلُ الخليقةَ الجديدةَ الَّتي نَحْنُ باكورَتُها. سامِحْنا على الأوقاتِ الَّتي لُمْنَاكَ فيها على خطايانا، وساعِدنا على أنْ نُدرِكَ أنَّ شَوْقَ قَلْبَكَ هُوَ أنْ تَلِدَنا ثانيةً لِحَياةِ القَداسَة. وساعِدنا على أنْ نَسْعى إلى ذلك بِكُلِّ قُدرتنِا بِقُوَّةِ الرُّوح.

ويا أبانا، إنْ كانَ يوجد في وَسْطِنا أشخاصٌ لم يأتوا بعد إلى المسيح، ولم يُولدوا ثانيةً، ولم يَقبلوا بَعْد بِذْرَةَ الحياة، ولم يتغيَّروا مِنَ الدَّاخل، ولم يُغْسَلُوا مِنْ خَطاياهُم، ولم يَقبلوا الرُّوحَ الجديدَ والإنسانَ الباطِنَ الجديد، وبِذرةَ الحياةِ الجديدة، ولم يَقبلوا بعد أنْ يَحْيا الرُّوحُ القُدُسُ فيهم، ولم يَصيروا بعد أَحِبَّاءَكَ ولا يَتمتَّعونَ بعد بالشَّركةِ الحميمةِ مَعَك، ولم يَصيروا بعد بَاكُورَتَكَ ولا نَموذَجًا يُشيرُ إلى الكَوْنِ الجَديد، ليتَ هذه اللَّيلة، يا رَبّ، تكونُ اللَّيلة الَّتي يَقبلونَ فيها يسوعَ المسيح. وليتَهُم يُؤمِنونَ بذاكَ الَّذي ماتَ على الصَّليبِ لأجلهم، وَسَفَكَ دَمَهُ لِيَدفَعَ أُجرةَ خَطاياهُم، وقامَ ثانيةً في اليومِ الثالثِ لأجلِ خَلاصِهم.

وليتَهُم يُؤمِنونَ بيسوعَ المسيحِ الحَيِّ. وليتَهُم يَختبرونَ تلكَ الرَّحمةَ وتلكَ النِّعمةَ المُهَيْمِنَةَ المَجيدة، وَفَرَحَ أنْ يكونوا الباكورة، وأنْ يكونوا نَماذِجَ حَيَّة على إعادَةِ خَلْقِ الأشياءِ في المُستقبَل. وليتَكَ، يا رَبُّ، تُساعِدنا على أنْ نَحْيا حياةً تُمَجِّدُك، وأنْ نُظْهِرَ لهذا العالَمِ ما سَيَحْدُثُ في المستقبل. نُصَلِّي باسْمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize