Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نحنُ نَدرُسُ رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الأوَّل، وتَحديدًا ما جاءَ في العَدَدَيْن الأوَّل والثَّاني. فَهُوَ يَبتدئ هذه الرسالة الرائعة بالكلماتِ التالية: "بُطْرُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى الْمُتَغَرِّبِينَ مِنْ شَتَاتِ بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَأَسِيَّا وَبِيثِينِيَّةَ، الْمُخْتَارِينَ بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ، فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَةِ، وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: لِتُكْثَرْ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ".

يبدو أنَّنا لا نَتَوَقَّعُ في مُقدِّمةٍ قصيرةٍ كهذهِ أنْ نَغوصَ عميقًا جدًّا في اللَّاهوت، ولكِنْ ما إنْ يَقولَ بُطرس "الْمُخْتَارِينَ بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ، فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَةِ، وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" حَتَّى نَجِد أنَّهُ أَدْخَلَنا إلى نِطاقٍ فِكريٍّ عميقٍ جدًّا بَعيدِ المَدى والتَّأثير، وَهُوَ موضوعُ الاختيار. الاختيار.

والسببُ في أنَّهُ يَذكُرُ هذا الموضوعَ في البداية هو أنَّهُ موضوعٌ قادرٌ أنْ يُعَزِّي المؤمنينَ المُضْطَهَدين. فكما تَعلمونَ، فإنَّ هؤلاءِ المُتَغَرِّبينَ، أو هؤلاءِ النُّزلاء الغُرباء في العالَم، الَّذينَ كانوا في الحقيقة مواطِنينَ سَماوِيِّين، كانوا مُشَتَّتينَ هُنا وهُناك. وكانَ المُجتمعُ الَّذي يَعيشونُ فيهِ يَنظُرُ إليهم كما لو أنَّهم مَنبوذون. وقد كانوا يَتَعرَّضونَ إلى اضطهادٍ مُتزايِدٍ ابتدأَ في الحقيقة باتِّهامِهِم بإحْراقِ رُوما. وقد كانَ مِنَ المُهمِّ أنْ يَفهموا فِكرةَ أنَّهُ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّ العالَمَ لا يُقَدِّرُهم، فإنَّهُم مُختارونَ مِنَ الله. وهذا هو السَّببُ الَّذي دَفَعَ بُطرسَ إلى استهلالِ رِسالَتِهِ بهذه الطريقة. فهو يُعَزِّيهم بحقيقة أنَّهُ بالرَّغمِ مِنْ أنَّ العالمَ قد يَرفُضُهم ويَضطهِدُهم، فإنَّهُم مُختارونَ مِنْ قِبَلِ اللهِ.

والآن، نُلاحظُ مِنْ هَذَيْنِ العَدَدَيْن أمورًا عديدةً بخصوصِ الاختيار: أوَّلاً، لقد ذَكَرنا في المَرَّة السَّابقة طبيعةَ اختيارِنا. طبيعةَ اختيارِنا. فنحنُ نَقرأُ في نهايةِ العددِ الأوَّل: "الْمُخْتَارِين". وقد تَحَدَّثنا عن حقيقةِ أنَّ هذا يعني أنَّ اللهَ اختارَنا بِمُقتضَى سِيادَتِهِ، وبِمُقتضى مَشيئَتِهِ الإلهيَّة الَّتي لا تَتأثَّرُ بأيِّ شيء، فقط على أساسِ نِعْمَتِهِ وسيادَتِهِ ومَشيئَتِهِ المُطلَقة. فقد عَيَّنَ سَابِقًا أنْ يُحِبَّ أشخاصًا مُعَيَّنينَ في العالَم وَهُمُ المُختارون. فهذه هي طبيعةُ الاختيار.

ثُمَّ إنَّنا تَحدَّثنا عن حالةِ اختيارِنا. فلأنَّنا مُختارون، فإنَّنا نُقيمُ هُنا كَمُتَغَرِّبين. بعبارة أخرى، فإنَّنا غُرباء، ونحنُ أَجانِب، ونحنُ جِنْسٌ أجنبيٌّ. فنحنُ نَعيشُ مُؤقَّتًا على الأرض، ولكِنَّنا مواطِنونَ سَماويُّون. فنحنُ مُجتمعٌ داخِلَ مُجتَمَعٍ. ونحنُ ثقافة رُوحيَّة داخلَ ثقافة أرضيَّة. فنحنُ نَعيشُ وَفْقًا لأحكامِ اللهِ. فنحنُ نَعيشُ وفقًا لأحكامِ اللهِ المُبَيَّنة في كَلِمَتِه. ونحنُ يَسْكُنُ فينا الرُّوحُ القُدُس. ونحنُ لدينا قناعات، وأشياء نُؤمِنُ بها، وأفكار، ومُعتقدات، وأخلاقيَّات، وعادات، وعواطف، ومعايير للحياة، ومبادئ، وآراء، ومقاصِد، ومَسَرَّات غريبة تمامًا عنِ العالم. فنحنُ لسنا مُتوافِقينَ مَعَهُ. فنحنُ غُرباء تمامًا.

ونحنُ لا نُحِبُّ العَالَمَ (كما يَقولُ لنا يوحنَّا في رسالة يوحنَّا الأولى). ونحنُ لا نَنشَغِل بأمورِ العالم (كما يقولُ يَعقوب)، ولا نُعْرَفُ بأنَّنا أَصْدقاء العَالَم. فنحنُ أعداءُ العالَم. ونحنُ غُرَباء عنِ العالم بسببِ حَالَتِنا لأنَّنا المُختارون. والحقيقة هي أنَّنا لسنا مُختارينَ وَحَسْب لكي نَعيشَ كأشخاصٍ مُختلِفين، بل نحنُ مُختارونَ لكي نَشهدَ للعالم الَّذي نَعيشُ فيهِ غُرباء. ونحنُ نَشْهَدُ لا فقط مِن خلالِ ما نَقول، بل نَشهدُ أيضًا مِن خلالِ هُوِيَّتِنا. فَأساسُ ما نَقول يَقومُ على هُوِيَّتِنا.

فنحنُ سُفراء المسيح (كما يقولُ بولُس في رسالة كورنثوس الثَّانية والأصحاح 5). وقد أَوْكَلَ إلينا خِدمةَ المُصالحة؛ أيْ أنْ نَقولَ للنَّاسِ إنَّهُ بِمَقدورهم أنْ يَتصالحوا معَ اللهِ مِن خلالِ المسيح. فنحنُ مُرسَلونَ إلى العالم لنكونَ شُهودًا. فقد قالَ يسوع: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ".

إذًا، ها نحنُ. فنحنُ مُجتمعٌ داخلَ مُجتمع، وثقافة خارقة للطبيعة داخلَ ثقافة. ونحنُ مَجموعة مِنَ الأشخاصِ المَنبوذينَ الَّذينَ نَعيشُ بمِعيارٍ مُختلِف تمامًا. ونحنُ لا نَستطيع أنْ نُصَادِقَ العَالَم. ونحنُ لا نُحِبُّ العَالَم. ونحنُ أعداءٌ للعالَم. ويجب علينا أنْ نُكَلِّمَ العالَم. ويجب علينا أنْ نَعيشَ بطريقةٍ تَجْعَلُهُم يَنجذبونَ إلى ما نُريدُ أنْ نَقول. وهذا تَحَدٍّ كبير.

فَليسَ مِنَ السَّهلِ أنْ تكونَ فَعَّالاً في الشَّهادة أمامَ العالم. فَمِنْ جِهَة، نحنُ نَميلُ إلى العُزلَة والعيشِ في مُجتمعِنا الصَّغير. أليسَ كذلك؟ ويمكنكم أنْ تَتخيَّلوا أنَّهُ في بيئة يَكْثُرُ فيها الاضطهاد، كما كانت حالُ قُرَّاءِ هذهِ الرِّسالة العظيمة، فإنَّ الأمرَ الشَّائعَ هو أنْ يَتَقَوْقَعوا أكثرَ فأكثر على أنفُسِهم مِن أجلِ الحُصولِ على الحماية، والدَّعم، والمحبَّة، والرِّفْقة، والشَّركة. وقد كانتِ الحماية أَهَمَّ شيء.

لِذا فإنَّ بُطرسَ، الَّذي كَتَبَ هذهِ الرِّسالة بِكُلِّ تأكيد، يُذَكِّرُ المُؤمِنينَ المُضْطَهَدينَ بأنَّهُ لا يَجوزُ أنْ يَتَقَوقَعوا على أنفُسِهم لأنَّ هذا هو المَيْلُ الطَّبيعيّ. فنحنُ نُحِبُّ بعضُنا بعضًا جِدًّا. ونحنُ لدينا أمور مُشتركة كثيرة فيما بينَنا. وواحدٌ مِنَ الأخطارِ الكبيرة الَّتي تَتَهَدَّدُ المسيحيَّة هو أنَّهُ كُلَّما مَضى وقتٌ أطول على إيمانِك، قَلَّ احْتِكاكُكَ بالأشخاصِ غيرِ المُؤمِنين. فنحنُ نَتَقَوْقَعُ كثيرًا في ثَقافَتِنا المسيحيَّة وفي مُجتمِعنا المَسيحيّ.

وقد قالَ "ألكساندر ماكلارين" (Alexander MacLaren): "البُذورُ الموضوعة في سَلٍّ هي ليست في مكانِها الصَّحيح. ولكِنْ إنْ زُرِعَتْ في حَقْلٍ فإنَّها سَتُنْبِتُ قَمْحًا في شَهْرٍ أو شَهْرَيْن". ويجب علينا أنْ نُقاوِمَ هذا المَيْل بسبب حالَتِنا لِئَلَّا نَصيرَ مُتَقَوْقِعين، ولِئَلَّا نَصيرَ مُجتمعًا مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ نُكَلِّمُ أنفُسَنا عِوَضًا عنِ الكِرازةِ إلى عالَمٍ هالِك. وقد فَعَلَ اللهُ شيئًا صَغيرًا لِمُساعَدَتِنا على القيامِ بذلك. ففي كُلِّ مَرَّة سَمَحَ فيها للكنيسة أنْ تُضْطَهَدَ وأنْ يَتَشَتَّتَ المُؤمِنون (ابتداءً مِنْ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 8)، فإنَّ الكنيسة كانت تَنمو. ففي كُلِّ مَرَّة خَرَجتْ فيها البُذورُ مِنَ السَّلِّ وَزُرِعَتْ في الحَقْلِ، أَنْبَتَتْ قَمْحًا. لِذا، يجب علينا أنْ نُذَكِّرَ أنفُسَنا (حَتَّى عندما نُفَكِّرُ في حالَتِنا كَغُرباء) بأنَّنا لسنا هُنا لِمُجَرَّدِ العَيْش، بل نحنُ هُنا كَيْ نَكْرِزَ بالإنجيل في العَالم.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّنا لا نَنتمي إلى الأدْيِرَة. لِذا فإنَّنا لا نَذهبُ للعَيْشِ في كُهوفٍ في مكانٍ ما. ولهذا فإنَّنا لا نَعيشُ في بُروجٍ تَربويَّة عاجِيَّة طَوالَ حياتِنا. فيجب علينا أنْ نَتَشَتَّت. فنحنُ سُفَراءُ للمسيحِ نَعيشُ في غُرْبَة. ويجب علينا أنْ نَعملَ على توصيلِ رسالةِ الفداءِ إلى العالم، وأنْ نُقاوِمَ مَيْلَنا الدَّائِمِ إلى إقامةِ علاقاتٍ معَ المُؤمِنينَ فقط والتَّقوقُعِ على أنفُسِنا. إذًا، هذه هي طَبيعةُ اختيارِنا إذْ إنَّنا نُزَلاء في العالَم. ونحنُ لا نَتوقَّع أنْ نُعامَلَ كما يُعامَلُ أهل العالم. ونحنُ لا نَتوقَّع مِنْ أهلِ العالمِ أنْ يُعامِلونَنا بالطريقةِ الَّتي يُعامِلونَ بها بَعْضُهُمْ بَعْضًا. صحيحٌ أنَّنا نَعيشُ في العالَم، ولكِنَّنا لَسْنا مِنَ العالَم. ونحنُ نَتوقُ إلى مَكانٍ أفضل، مَكانٍ هُوَ مَوْطِنُنا الحقيقيّ.

وعند الحَديثِ عن إبراهيم في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين والأصحاح 11، فإنَّنا نَقرأُ: "لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ". فهذه هي مدينَتُنا. وهذا هو موطِنُنا حَقًّا. وقد دَعا "وليام باركلاي" (William Barclay) المَسيحيِّينَ: "مَسْبِيُّو الأبديَّة".

وهناكَ وَصْفٌ مَسيحيٌّ مَشهورٌ. والحقيقةُ هي أنَّهُ وَصْفٌ للمَسيحيِّين، ولكِنَّهُ لم يَكْتُبْ مِنْ قِبَلِ شخصٍ مَسيحيّ. ولكِنْ في الأزمنة القديمة، وَصَفَ كاتِبٌ مَجهولٌ المَسيحيِّينَ بالطريقةِ المُدهشةِ التَّالية. اسمعوا ما قال: "المَسيحيُّونَ لا يَتَمَيَّزونَ عن بقيَّةَ البَشَر بِموطِنِهم، أو بحديثهم، أو بعاداتِهم. فَهُمْ يَقطُنونَ في مُدُنٍ يَقْطُنُها اليونانيُّونَ والبَرابِرَة؛ كُلٌّ حَسَبَ قُرْعَتِه. وَهُمْ يَتَّبِعونَ عاداتِ المِنْطَقَة في ما يَلْبَسونَهُ ويأكُلونَهُ وفي ما يَخُصُّ الأشياءَ الحياتيَّة الخارجيَّة بِصورة عامَّة. ولكنَّهم يُظْهِرونَ شَخصيَّةً رائعةً مُختلفةً تمامًا تُعَبِّرُ عَنْ حَالَتِهم.

"فَهُمْ يَقْطُنونَ البِلادَ الَّتي وُلِدوا فيها، ولكِنَّهُمْ يَحْسَبونَ أنفُسَهُمْ مُجَرَّدَ مُقيمينَ مُؤقَّتينَ فيها. وَهُمْ يَتَحَمَّلونَ نَصيبَهُم مِنْ كُلِّ المسؤوليَّاتِ بوصفِهم مُواطِنين، وَيَتَحَمَّلونَ كُلَّ العَراقيلِ بوصفِهِمْ غُرَباء. فَهُمْ يَحْسَبونَ كُلَّ أرضٍ غريبة وَطَنًا لهم، وكُلَّ وَطَنٍ لَهُمْ أرضًا غريبة. وَهُمْ يَقْضونَ حياتَهُم على الأرضِ، ولكنَّ مُواطَنَتَهُم هي في السَّماء". وهذه هي الحقيقة. وهذا هو نَحْن. وهذا صحيحٌ تمامًا.

وأنا أَذكُرُ أنِّي نَشَأتُ كَصَبِيٍّ صَغيرٍ وكنتُ أُرنِّمُ في فَريقِ الفِتْيان: "هذا العالَم ليسَ وَطني. فأنا مُجَرَّدُ عَابِرٍ. فَكَنْزي هو في مَكانٍ ما في السَّماء". لِذا فإنَّ هذه هي حَالَةُ اختيارِنا.

ثالثًا، يجب علينا أنْ نَتحدَّثَ عن مَصْدَرِ اختيارِنا. وهذا يُعيدُنا إلى فِكرة مُهمَّة جدًّا جدًّا. العدد الثَّاني. فَنَحْنُ نَجِدُ هُنا مَصْدَرَ اختيارِنا. والآن، نحنُ نَعلمُ أنَّهُ تَمَّ اختيارُنا مِنْ قِبَلِ اللهِ. لِذا فقد صِرْنا جُزْءًا مِنْ عائلةٍ تُحَتِّمُ علينا أنْ نكونَ غُرباء في هذا العالَم. وَمَصْدَرُ اختيارِ اللهِ لنا، كَما جاءَ في العددِ الثَّاني هو: "بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ". فَبِمُقْتَضى عِلْمِ اللهِ السَّابِقِ، اخْتارَنا.

والآن، لقد عَرَفْنا في وقتٍ سابِقٍ أنَّ اللهَ الآبَ هو الَّذي قامَ باختيارِنا. فاللهُ الآبُ هو الَّذي اختارَنا. وإنْ أردتُ أنْ أُذَكِّرَكُم بإيجازٍ بذلك، يَكفي أنْ أُذَكِّرَكُمْ بما جاءَ في رسالة رُومية 11: 5: "فَكَذلِكَ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ أَيْضًا [كَما يَقولُ بولُس] قَدْ حَصَلَتْ بَقِيَّةٌ حَسَبَ اخْتِيَارِ النِّعْمَةِ".

ونَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الأوَّل: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". وفي العدد 4: "كَمَا اخْتَارَنَا فِيه". فقد اختارَنا. لِذا فإنَّ اللهَ هو الَّذي اختارَنا لنكونَ مُخَلَّصين. فهو الَّذي قامَ بالاختيار. فهو الَّذي اختار. وبالمُناسبة، فإنَّ اللهَ يَفعلُ ذلكَ بِمَعْزِلٍ عن أيِّ شخص. وَهُوَ يَفعلُ ذلكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أيِّ ... [هل أنتُم مُستعِدُّونَ لِسَماعِ ما سأقول؟] ... بِمَعْزِلٍ عن أيِّ ظُروف. ويجب علينا أنْ نَفهمَ ذلك. فلا يوجد شخصٌ يُحَرِّك مَشيئةَ اللهِ لمُساعَدَتِهِ على الاختيار. ولا يوجد ظَرْفٌ يَعْمَلُ، بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ، على دَفْعِ اللهِ إلى الاختيار.

وفي سِفْر دانِيال 4: 35، نَقرأُ: "وَحُسِبَتْ جَمِيعُ سُكَّانِ الأَرْضِ كَلاَ شَيْءَ، وَهُوَ يَفْعَلُ كَمَا يَشَاءُ فِي جُنْدِ السَّمَاءِ وَسُكَّانِ الأَرْضِ، وَلاَ يُوجَدُ مَنْ يَمْنَعُ يَدَهُ أَوْ يَقُولُ لَهُ: «مَاذَا تَفْعَلُ؟»" فلا أحدَ يَستطيع أنْ يُشَكِّكَ في قَراراتِه. ولا يوجد شخصٌ واحدٌ لَهُ يَدٌ في العمليَّة بأيِّ حَال. فاللهُ انْتَقى كائناتٍ مُعَيَّنةً في فِكْرِهِ، مِنَ الملائكةِ القِدِّيسينَ المُخْتارين (كَما جَاءَ في رسالة تيموثاوس الأولى 5: 21)، وَمِنَ البَشَر، واخْتارَهُمْ للحياةِ الأبديَّة والبَرَكة. فقبلَ خَلْقِهِ لَهُمْ، قَرَّرَ مَصيرَهُم.

ويُمْكُنني أنْ أُعَبِّرَ عن ذلكَ بالطريقة التَّالية: المُخْتارونَ مِنَ البَشَرِ يَتألَّفونَ مِنْ بَشَر تَمَّ اختيارُهُم. المُختارونَ مِنَ البَشَرِ يَتألَّفونَ مِنْ بَشَر تَمَّ اختيارُهم. ولكِنْ ما هو مَصْدَرُ اختيارِ اللهِ؟ نَقرأُ في العددِ الثَّاني [اسمعوني جَيِّدًا]: "بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِق". وهناكَ أشخاصٌ يَقولون؟ "أَتَرى؟ هذا هو الجواب. نحنُ مُختارونَ لأنَّ اللهَ كانَ يَعْلَمُ مُسَبَّقًا ما سَنَفعل". هل سَمِعْتُمْ يومًا شخصًا يقولُ هذا الكلام؟ فهذا هو التَّفسيرُ التَّقليديُّ الأكثر شُيوعًا للاختيار. فَهُمْ يقولون: "إنَّ عِلْمَ اللهِ السَّابِق يَعني "عِلْمَهُ بِما سيَحدُث لاحقًا". أو كما سَمِعْتُ أشخاصًا يُفَسِّرُونَ ذلكَ مَرَّاتٍ عديدة بالطريقة التَّالية: "لقد نَظَرَ اللهُ عَبْرَ عُصورِ التَّاريخ، ورأى بِعِلْمِهِ المُستقبليِّ المُطْلَق ما سيحدُث، وما سأفعل. وعندما رأى أنَّنا سنُؤمِن، اختارَنا. وحينَ رأى أنَّنا لن نُؤمِن، لم يَخْتَرْنا".

وهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ هذا هو المَعنى المقصود؛ أيْ أنَّ اللهَ عَلِمَ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ المُطْلَق بِكُلِّ شيء ما سَتَفعَل، وعَلِمَ مَا سَيَفْعَلُهُ كُلُّ شخصٍ. لِذا، فقد قامَ بطريقةٍ خارقةٍ للطبيعة بِمُراقبةِ التَّاريخ قبلَ أنْ يُكْتَب. وبِمُقْتَضى مُراقَبَتِهِ لنا، اختارَ الأشخاصَ الَّذينَ رَأى مُسَبَّقًا أنَّهُم سيؤمِنون. والنَّاسُ يُحِبُّونَ تلكَ العقيدة. إنَّهُمْ يُحِبُّونَ ذلك. وَهُمْ يَرغبونَ في تَصديقِ ذلك. وهُناكَ شَيءٌ فِي داخِلي يَرغبُ في تصديقِ ذلك. وهناكَ شيءٌ في داخِلِكُم يَرغبُ في تصديقِ ذلك. أجل. فهذا يَبدو أفضل.

وهل تَعلمونَ لماذا تَرغبونَ في تصديقِ ذلك؟ أوَّلاً، لأنَّهُ بسببِ حالَتِكُم السَّاقطة، فإنَّكم تَرغبونَ جِدًّا في أنْ يكونَ لَكُمْ بعضُ الفَضْلِ في خَلاصِكُم. وثانيًا، بسببِ حالَتِكُم السَّاقطة، فإنَّ التَّفسيرَ الآخرَ يَبدو كما لو أنَّهُ ماذا؟ غَيْر عَادِل. ولكِنْ حيثُ إنَّ أذهانَنا مُلَوَّثة بالخطيَّة، لا يُمْكِنُنا أنْ نُعْلي مِنْ شَأنِ كِبْريائَنا وأنْ نُسَمِّي ذلكَ "فَضيلة"، ولا أنْ نَحُطَّ مِنْ شَأنِ عَدالةِ اللهِ ونُسَمِّيها شيئًا دُوْنَ ذلك. ولكِنَّ "المَعرفةَ السَّابقةَ" لا تَعني ذلك.

هل تَعلمونَ ما الخطأُ في هذه النَّظرة؟ سوفَ أُخبرُكم. وسوفَ أُقَدِّمُ لكم بِضْعَةَ أسباب. ويُمكنكم أنْ تُدَوِّنوها. أوَّلاً، إنْ كُنْتُم ستُترجِمونَ فِكْرَةَ العِلْمِ السَّابِق" بأنَّها تَعني: "العِلْم سَلَفًا"، وأنْ تَفترضُوا أنَّ اللهَ نَظَرَ عَبْرَ التَّاريخِ ورأى ما ستَفعل، وكَتَبَ ذلكَ لأنَّهُ رأى أنَّكَ ستفعلُ ذلك، فإنَّ الشيءَ الأوَّلَ الَّذي يَفْعَلُهُ ذلك هو أنَّهُ يَجْعَلُ الإنسانَ ذُو سِيادَة. أليسَ كذلك؟ فنحنُ ذو سِيادة. فنحنُ نَفعلُ ذلكَ، واللهُ يقول: "حسنًا. سوفَ أُدَوِّنُ ذلك. سوفَ يَفعلُ فُلان ذلك". لِذا فإنَّ هذا يَجْعَلُ الإنسانَ ذو سِيادَة.

وهذا يَعني أنَّكُم سَتَصْطَدِمونَ بِما جاءَ في إنجيل يوحنَّا 15: 16 إذْ قالَ يَسوع: "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ [ماذا؟] أَنَا اخْتَرْتُكُمْ". فهل تَعلمونَ مَنْ هو صَاحِبُ السِّيادة؟ هلِ الإنسانُ هو صاحِبُ السِّيادة؟ هل أنتَ ذو سُلْطان؟ وهل أنا ذو سُلطان؟ وهل كُلُّ شخصٍ ذو سُلطان؟ فهل بمقدورِ كُلِّ شخصٍ أنْ يَفعلَ ما يَشاء في حين أنَّ اللهَ يَجلِسُ في السَّماءِ ويُحاولُ أنْ يُوَفِّقَ بينَ كُلِّ ما يَجري، ويحاولُ أنْ يَضَعَ الأشخاصَ المُناسِبين في الخَانةِ المُناسبةِ مِنْ دَفْتَرِ الحِسابات؟ لا. فإنْ آمَنْتُم بذلك، فإنَّكم تَجعلونَ الإنسانَ ذو سِيادَة.

ثانيًا، إنَّ هذهِ النَّظرة تُعطي الإنسانَ أيضًا الفَضْلَ في خلاصِهِ بطريقةٍ ما، وتَسْمَحُ لَهُ بأنْ يُشارِكَ اللهَ في المَجْد. وكما قُلتُ، فإنَّ الإنسانَ يُحِبُّ ذلك. وقد سَمِعْتُ شخصًا يَحْكي اخْتبارَهُ ذاتَ ليلة ويقول: "أنا مَسرورٌ لأنِّي تَعَقَّلْتُ وَقَبِلْتُ المسيح". وقد أردتُ أنْ أَنهضَ وأقول: "لا، أنتَ لم تَكُنْ عاقِلاً. ومعَ أنِّي لا أعرِفُكَ، فإنَّني أعرفُ أنَّكَ لم تَتَعَقَّلْ وتَقبل المسيح لأنَّهُ لا يوجد شخصٌ واحدٌ يَستطيعُ أنْ يَتَعَقَّلَ ويَقبلَ المسيح". فهذا الأمرُ لا يَتِمُّ نَتيجةَ تَعَقُّلِ الإنسان. "أنا مَسرورٌ لأنِّي تَعَقَّلتُ وَوَهَبْتُ حياتي للمسيح". لا، أنتَ لم تَفعل. ولكِنَّنا نُريدُ أنْ نَحْصُلَ على جُزءٍ مِن ذلكَ المَجد.

فاللهُ هو الَّذي اختارَنا. ونحنُ نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 1: 29 أنَّهُ لا يَجوزُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَفْتَخِرَ أمامَ اللهِ: "لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ". وَنَقرأُ في رسالة أفسُس 2: 9 الأمرَ نَفسَهُ.

لِذا، إذا كُنْتَ ستنظرُ إلى عِلْمِ اللهِ السَّابِقِ وتقول إنَّ اللهَ كانَ يَعْلَمُ سَلَفًا ما ستَفعل، فإنَّكَ تَجْعَلُ الإنسانَ ذو سِيادة، وثانياً: أنْتَ تُعطي الإنسانَ الفَضْلَ لأنَّهُ كانَ ذَكِيًّا بما يَكفي لقبولِ المسيح. لِذا فإنَّهُ يَشترِكُ في المجدِ بِسببِ هِبَةِ الخَلاص.

والمُشكلة الثَّالثة في هذهِ النَّظرة هي أنَّها تَفترِضُ أنَّ الإنسانَ يستطيعُ أنْ يَطْلُبَ الله. فهي تَفترِضُ أنَّ الإنسانَ، في حالَتِه السَّاقطة، يَستطيعُ أنْ يَستخدِمَ البياناتَ المُتاحة وأنْ يَطْلُبَ اللهَ. ولكِنَّنا نَقرأُ في رسالة رُومية 3: 11: "لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ". فالسَّببُ في خَلاصِكَ هو ليسَ أنَّكَ طَلَبْتَ اللهَ، بل لأنَّ اللهَ [فَعَلَ ماذا؟] طَلَبَكَ. فأنتَ لا تستطيعُ أنْ تَطلُبَ اللهَ إلَّا بعدَ أنْ يَطْلُبَكَ اللهُ أوَّلاً ويُحَرِّكَ قَلبَكَ مِنْ نَحْوِه.

رابعًا، إنَّ هذهِ النَّظرة تَجعلُ الخلاصَ ناجِمًا عن عَمَلٍ بَشَرِيٍّ. وما هو هذا العمل؟ الإيمان. فلو كانَ إيمانُكَ قائمًا فقط على أساسِ قُدرَتِكَ البشريَّة، تكونُ قد حَصَلْتَ على الخلاصِ بِمَجهودٍ بشريّ. وقد تقول: "مَهْلاً مِنْ فَضْلِك! ألا يَجْدُرُ بِكَ أنْ تُؤمِنَ لكي تَخْلَص؟" أجل. ولكِنَّ إيمانَكَ لكي تَخْلَص كانَ أيضًا هِبَةً مِنَ الله. فاللهُ وَهَبَكَ الإيمان. ولو أنَّ اللهَ كانَ يَجْلِسُ في الأبديَّة ويَنظرُ إلى الطَّريقِ، ويَنتظرُ ليَرى ما تفعل، لكانَ الإيمانُ الَّذي تُمارِسُهُ إيمانًا نابِعًا مِنْكَ أنتَ، لا مِنْهُ هُوَ. لِذا فإنَّهُ عَمَلٌ بَشريّ. وهذا يَجعلُ الخلاصَ عَمَلا بَشريّا. صحيحٌ أنَّهُ عَمَلُ إيمانٍ، ولكنَّهُ ما يَزالُ عَملاً بشريًّا أو إيمانًا بشريًّا.

خامسًا، إنَّ تلكَ النَّظرة تَجعلُ اللهَ ضَحِيَّةَ اختيارِ الإنسان. فهي تَجعلُ اللهَ ضَحِيَّةَ اختيارِ الإنسان. فاللهُ يَجلسُ في السَّماءِ ويقول: "يا للهَوْل! هذا سَيُغَيِّرُ شيئًا في خُطَّتي. فلو أنَّ هذا الشَّخصَ قالَ ’أجل‘ لَتَمَكَّنْتُ مِنَ القيامِ بِكذا، وَلكانَ بمقدوري أنْ أفعلَ ذلك. أمَّا الآن، لن تَنْجَحَ خُطَّتي". ولكِنَّ هذا التَّفكيرَ هُوَ تَجديفٌ على الله. فاللهُ يَعملُ كُلَّ الأشياءِ بِحَسَبِ مَشيئَتِهِ هُوَ. واللهُ يَفْعَلُ ما يَشاء. واللهُ لا يُحْبَطُ بسببِ أيِّ شيء قامَ بِهِ أيُّ شخصٍ في أيِّ وقت. ومِنَ المُهِمِّ جدًّا أنْ نَفهمَ ذلك.

فنحنُ نَقرأُ في سِفْر إشعياء 46: 9: "أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرُ. الإِلهُ وَلَيْسَ مِثْلِي. مُخْبِرٌ مُنْذُ الْبَدْءِ بِالأَخِيرِ، وَمُنْذُ الْقَدِيمِ بِمَا لَمْ يُفْعَلْ، [استمعوا إلى هذهِ الكلمات] قائلاً: رَأيِي يَقُومُ وَأَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِي". فاللهُ ليسَ ضَحِيَّةً.

والآنْ، إنْ كُنتَ تَعْتَنِق فِكرةَ أنَّ اللهَ يَنظُرُ إلى الطَّريق ويَرى مَنْ سيُؤمِن، تكونُ قد جَعلتَ الإنسانَ ذو سيادة، وتكونَ قد نَسَبْتَ إلى الإنسانِ جُزءًا مِنْ خَلاصِه وجَعَلْتَهُ يَحْصُلُ على بعضِ المجد، وتكونُ قدِ افترضتَ أنَّ الإنسانَ يَستطيعُ مِنْ تِلْقاءِ نَفسِهِ أنْ يَطلُبَ اللهَ مِنْ دونِ أيِّ حَضٍّ مِنَ اللهِ نَفسِهِ. وتكونُ قد جَعَلْتَ الخلاصَ عَمَلاً بشريًّا يُسَمَّى "الإيمان". وتكونُ قد جَعلتَ اللهَ ضَحِيَّةَ ما يَفْعَلُهُ البَشَر. ولكِنَّ هذا يُناقِضُ ما تَقولُهُ هذهِ الكلمة.

والآن، هذه هي الأسبابُ اللَّاهوتيَّةُ الَّتي تُبَرْهِنُ على أنَّ هذهِ النَّظرة غير صحيحة. واسمحوا لي أنْ أَرْجِعَ إلى النَّصّ وأنْ أُقَدِّمَ إليكم سَبَبًا موجودًا في كلمةِ اللهِ نَفسِها. فالكلمة هُنا [أرجو أنْ تُلاحِظوا ذلك] فالكلمة المُتَرْجَمة هُنا: "عِلْم الله السَّابِق" هي: "بروغنوسيس" (prognosis). هل سَمِعْتُم هذهِ الكلمة مِنْ قَبْل؟ "بروغنوسيس". إنَّها كلمة مُهِمَّة جدًّا. وبُطرسُ يَستخدِمُها مَرَّةً أخرى أيضًا في نَفسِ الأصحاح. أرجو أن تُلاحظوها – في العدد 20. فالعدد 19 يَنتهي بالكلمة "المسيح". ثُمَّ إنَّهُ يقولُ عنِ المسيح: "مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأسِيسِ الْعَالَم". فهي الكلمة نَفسُها. فهي مُشتقَّة مِنَ الكلمة "بروغينوسكو" (proginosko). الكلمة نَفسُها.

وهل هي تَعني "رُؤية الأمور قبلَ وُقوعِها" هُنا؟ فهل هي تَعني أنَّ اللهَ كانَ جالسًا في السَّماءِ ويَنظُر إلى الطَّريقِ، وأنَّهُ قال: "آه! أنا أَرى ما سيَفعلُهُ المسيحُ. أوه! أنا أرى ذلك. لقد فَهِمْتُ ما يَجري"؟ وهل كانَ اللهُ يَنظرُ إلى ما سيحدثُ عَبْرَ التَّاريخِ ويَرى ما سَيُقْدِمُ المسيحُ على فِعْلِه؟ لا. فأيًّا كانَ مَعنى الكلمة "بروغنوسيس" في العدد الثَّاني، فإنَّهُ نَفسُ المعنى في العدد 20. فَمِنَ المُؤكَّد أنَّ بُطرُس لن يُحاولَ أنْ يُشَوِّشَ أفكارَنا. وإنْ كانَ المسيحُ مَعروفًا سابِقًا قبلَ تأسيسِ العالَم، وكنتُ أنا مَعروفًا سابقًا قبلَ تأسيسِ العالَم، فإنَّ هذا يعني أنَّني عُرِفْتُ سابقًا بذاتِ الطريقةِ الَّتي عُرِفَ المسيحُ بها سابقًا. أليسَ كذلك؟

وكيفَ ينبغي أنْ نَفهمَ ذلك؟ انظروا إلى سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح الثَّاني. فسِفْرُ أعمالِ الرُّسُل 2: 23 يَتحدَّثُ عنِ المسيح. وكانَ بُطْرُسُ هو الَّذي يَعِظُ هُنا. وهو يُحِبُّ هذهِ الكلمة. وهذا هو بُطرسُ في يومِ الخمسين. وهو يتحدَّثُ عنْ يسوعَ النَّاصِريّ. وهو يقولُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 2: 23: "هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا [استمعوا إلى ما يَقول:] بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَ [ماذا؟] وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ". والآنْ، مَهْلاً! المسيحُ سُلِّمَ ليموتَ بِمَشورةِ اللهِ المَحتومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِق.

هل تَفهمونَ هذا، يا أحبَّائي؟ فَعِلْمُ اللهِ السَّابِق مُقْتَرِن بِمَشورَتِهِ المَحتومة. وعِلْمُهُ السَّابِق هو اخْتيارٌ مَقصود. اختيارٌ مَقصود. فهي عَلاقة مُحَدَّدة سابقًا، علاقة مُحَدَّدة سابقًا في عِلْمِ اللهِ. وهذا لا يعني أنَّهُ رَاقَبَ سابقًا، بل يَعني أنَّهُ خَطَّطَ سابِقًا. فهي مَعرفة، لا بِمَعنى المُراقبة، بل هي مَعرفة بمعنى جَعْل الأمر حقيقيًّا.

فمثلاً، اسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم بعضَ الأمثلة التوضيحيَّة تُجَنِّبُكُم التَّشويش. إرْميا 1: 5. فاللهُ يَقولُ لإرْميا: "قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ [ماذا؟] عَرَفْتُكَ". فهذا هو نوعُ هذهِ المَعرفة. وما الَّذي تَعنيه بذلك؟ لقد قَرَّرْتُ سابِقًا علاقَتي بِكَ. فهذا هو المعنى المقصود. لقد قَرَّرْتُ سابِقًا علاقَتي بِكَ.

عاموس 3: 2: "إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ". ما مَعنى ذلك؟ أنَّ إسرائيل هو الشَّعب الوحيد الَّذي أعرِفُ أيَّ شيءٍ عنه؟ أو أنَّهم الشَّعب الوحيد الَّذي أُراقِبُه؟ لا. بل أنَّهم الشَّعبُ الوحيدُ الَّذي أرتبطُ بهم بعلاقة مُقَرَّرة سابقًا.

وأنا أُفَكِّرُ في إشعياء. وأريدُ مِنْكُم أنْ تَفهموا هذا الأمرَ فَهْمًا صحيحًا لأنَّهُ يُشَوِّشُ أُناسًا كثيرينَ جدًّا. إشعياء 49: 1: "اِسْمَعِي لِي أَيَّتُهَا الْجَزَائِرُ، وَاصْغَوْا أَيُّهَا الأُمَمُ مِنْ بَعِيدٍ: الرَّبُّ مِنَ الْبَطْنِ دَعَانِي. مِنْ أَحْشَاءِ أُمِّي ذَكَرَ اسْمِي، وَجَعَلَ فَمِي كَسَيْفٍ حَادٍّ". فهذا هو النَّبيُّ إشعياء يقول إنَّ هذا كُلَّهُ حَدَثَ قَبْلَ حَتَّى أنْ يُولَد ... قَبْلَ حَتَّى أنْ يُولَد. فقد خَطَّطَ اللهُ للأمرِ بِرُمَّتِه. "الرَّبُّ عَرَفَني". ما الَّذي تَعنيه بذلك؟ أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ مَنْ يَكون؟ لا. بل إنَّهُ خَطَّطَ سَلَفًا علاقَتَهُ الفريدةَ والحميمةَ بِذلكَ النَّبيّ.

ونقرأُ في سِفْر الخروج والأصحاح 33: "عَرَفْتُكَ بِاسْمِكَ، وَوَجَدْتَ أَيْضًا نِعْمَةً فِي عَيْنَيَّ". فهذا هو كلامُ الرَّبِّ إلى مُوسى. والرَّبُّ تَكَلَّمَ إلى مُوسى في العدد 17: "هذَا الأَمْرُ أَيْضًا الَّذِي تَكَلَّمْتَ عَنْهُ أَفْعَلُهُ، لأَنَّكَ وَجَدْتَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيَّ، وَعَرَفْتُكَ بِاسْمِكَ". بعبارة أخرى، هُناكَ شيءٌ مُرْتَبِطٌ بهذهِ المعرفة وهو صِلَةُ اللهِ المُعَيَّنة سابقًا، أو علاقةُ اللهِ المُعَيَّنة سابقًا.

ويمكنكم أنْ تَرَوْا الأمرَ نَفسَهُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 7. فهل تَذكرونَ ما جاءَ هُنا؟ "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِــي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَارَبُّ، يَارَبُّ! ... فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ [في العدد 23]: إِنِّي [ماذا؟] لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!" وهل هذا يعني أنَّني لم أَكُنْ أعرِفُ مَنْ أنتُم؟ لا. فقد كانَ يَعْرِفُ مَنْ هُمْ. ولكنِّي لم أرْتَبِطْ بِكُمْ بعلاقةٍ مُعَيَّنة سابقًا.

إنجيل يُوحنَّا 10: 14. "أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي". أَتَرَوْن؟ فهناكَ عَلاقة وثيقة بيني وبينَهُم. فَفَضْلاً عن مَعرفتي لِهُوِيَّتِهم، فإنَّني أرتبطُ بهم بعلاقة وثيقة بِمُقْتَضى اختيارِي السَّابق.

وهذه هي الفِكرة. لِنَرْجِع، إذًا، إلى بُطرس، ونَفهم تمامًا ما يَقول. فعندما يَقول: "المُختارين بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ"، فإنَّهُ يَعني العلاقة المُعَيَّنة سابقًا والَّتي وَضَعَها اللهُ في فِكْرِهِ في خُطَّتِهِ المُعَيَّنة سابقًا. فهذا هو المعنى المقصود تمامًا. إذًا، إنَّ مَصْدَرَ الاختيارِ الإلهيِّ هو عَمَلُ اللهِ المُعَيَّن سابقًا حينَ حَدَّدَ عَلاقَتَهُ بنا. فهذا كُلُّهُ كانَ جُزءًا مِن خُطَّتِه. فهذا لا يَعني أنَّ اللهَ نَظَرَ إلى التَّاريخ وقال: "يجب عليَّ أنْ أَتَصَرَّفَ بِمُقتضى ما يَفعلونَهُ". بل إنَّ اللهَ عَلِمَ ذلكَ لأنَّهُ هو الَّذي قَرَّرَ ذلك.

وهل تريدونَ أنْ تَسمعوا شيئًا؟ لاحِظوا ما يلي مِنْ فَضْلِكُم: كُلُّ شيءٍ موجود في الكون إنَّما هو موجودٌ لأنَّ اللهَ سَمَحَ بوجودِهِ، وشاءَ ذلك، وأوْجَدَهُ. هل فَهِمتُم ذلك؟ وقد تقول: "وماذا عنِ الخطيَّة؟" إنَّهُ لم يَخْلِقْها، بل سَمَحَ بها. فلا يوجد شيءٌ يَحْدُث، أو حَدَث، أو سيَحدُث؛ وَلا يَحْدُث، ولم يَحدُث، ولن يَحدُثَ لأنَّ اللهَ هو الَّذي سَمَحَ بحدوثِهِ. هل فَهِمْتُم ذلك؟ وقد تقول: "وكيفَ نَفْهَمُ مَسألةَ الخطيَّة؟" لا أدري. ولكِنَّهُ سَمَحَ بها، ولديهِ قَصْدٌ مِنْها. وعلى أَقَلِّ تقدير، لقد سَمَحَ بوجودِها كَيْ يُدَمِّرَها إلى الأبد حَتَّى لا تُشَكِّل أيَّ خَطَرٍ مُستقبليٍّ وَتُشَوِّه مَملكته المُقدَّسة.

وليسَ مِنَ السَّهلِ علينا أنْ نَفهمَ هذا الأمر. ولكِنْ ما ينبغي أنْ تَفهموه هو أنَّ اللهَ عَيَّنَ سابقًا في خُطَّتِهِ أنْ يُحِبَّ شعبًا مُعَيَّنًا. وهذا هو العِلْمُ السَّابق. فقد عَرَفَكَ مُسَبَّقًا. ولا شَكَّ أنَّ المسيحَ هُوَ مِثالٌ جَيِّدٌ على ذلك. فالمسيحُ (في رسالة بُطرس الأولى 2: 6) كانَ حَجَرَ زَاوِيَةٍ مُخْتَارًا، ومُصْطَفى، وكَرِيمًا. وكما أنَّهُ اختارَ المسيحَ مِنْ خلالِ عِلْمِهِ السَّابقِ، فإنَّهُ اختارَنا مِنْ خلالِ عِلْمِهِ السَّابِق. ويا لَهُ مِنْ حَقٍّ رائع!

إذًا، طَبيعةُ الاختيار هي أنَّنا مُختارونَ مِنْ قِبَلِ اللهِ. وحالةُ الاختيار هي أنَّنا غُرباء في العالَم. ومَصْدَرُ الاختيار هو أنَّهُ حَدَثَ مِنْ خلالِ العلاقة المُعَيَّنة سابقًا باللهِ والتي قَرَّرَهُا كَجُزْءٍ مِنْ خُطَّتِه. رابعًا، عندَ التَّأمُّلِ في موضوعِ الاختيار، هناكَ أمورٌ كثيرة أخرى يمكننا أنْ نَقولَها، ولكِنْ لننتقل إلى الفِكرة الرَّابعة وهي: نِطاقُ اختيارِنا. نِطاقُ اختيارِنا.

العدد الثَّاني. وهذا رائعٌ جدًّا. والآن، لاحِظوا ما يَلي: "فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَة". "فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَة". والآن، اسمعوني مِن فَضلِكُم: إنَّ الاختيارَ والخلاصَ شَيئانِ مُختلفان. هل تَفهمونَ هذا؟ إنَّهُما أمرانَ مُختلفان. وهل أنتُم مُستعدُّونَ لِسَماعِ ما سأقول؟ قد تَكونُ مُخْتارًا وغيرَ مُخَلَّصٍ!

ما الَّذي تَعنيه بذلك؟ لقد كُنَّا جميعًا مُختارينَ وغير مُخَلَّصين في وقتٍ ما. أليسَ كذلك؟ وهذا لا يعني أنَّهُ بِمَقدوري أنْ أقول: "أنا مُخْتارٌ. وأعتقد أنَّني لستُ بحاجة إلى الخلاص". لا. فَالنِّطاقُ الَّذي يَسيرُ فيهِ الاختيار مِنْ كَوْنِهِ خُطَّة إلى أنْ يَصيرَ حَقيقةً هو الخلاص. فَواقِعُ الاختيارِ يَتَحَقَّقُ في حياةِ المُختارين مِنْ خلالِ عَمَلِ التَّقديسِ الَّذي يقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُس. فهكذا يَصيرُ المَرسومُ الإلهيُّ الأزليُّ حَقيقةً تاريخيَّة.

كَمْ مِنَ الوقتِ مَضى على كَوْنِ المُختارينَ مُخْتارين؟ هل تَذكرون؟ كَمْ مَضى على كونِكَ مُختارًا؟ مِنَ الأزل. وكم مَضى على كَوْنِكَ مُخَلَّصًا؟ بِضْعَ سِنين. فقد تَمَّ اختيارُكَ قبلَ وَقْتٍ طَويلٍ مِنْ خَلاصِك. فقد كُنْتَ مُخْتارًا حينَ كُنْتَ حَيًّا وَضَالًّا. وهُناكَ فَرْقٌ. فالاختيارُ [الَّذي هُوَ خُطَّةُ اللهِ] يَصيرُ واقعًا في حياةِ المُختارينَ في نِطاقِ عَمَلِ التَّقديسِ الَّذي يقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُس.

وهذه فِكرة عظيمة لأنَّ الكلمة "تَقديس" مُستخدمة هُنا للإشارة إلى كُلِّ ما يُشيرُ إليهِ اللَّاهوتِيُّونَ بأنَّهُ "عَمَلُ الخلاص ... عَمَلُ الخلاص. وأعتقد أنَّ ما قَصَدَهُ بُطرسُ بالحديثِ عن عَمَلِ التَّقديسِ الَّذي يقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُسُ هو "الولادة الجديدة"؛ أيْ: الخَلاص، وَالتَّجديد، وَالإيمان، والتَّوبة، وكُلّ ما يَفْعَلُهُ الرُّوحُ القُدُس.

إنَّ عَمَلَ التَّقديسِ هذا "هاغيازموس" (hagiasmos)، وهي ذاتُ الكلمة الَّتي جاءت مِنها الكلمة "هولي" (holy)؛ أيْ: "مُقَدَّس" تَعني في الأصل: "يَنْفَصِل" أو "يَنْفَرِز"، أو "يَتَقَدَّس"، أو "يَتَكَرَّس" أو "مُقَدَّس". ويبدو أنَّ صيغةَ الفِعْلِ هُنا تُشيرُ إلى أنَّ الرُّوحَ هوَ الَّذي يُنْشِئُ هذا التَّقديس. فالرُّوحُ يأتي، ويَجْعَلُكَ مُقَدَّسًا؛ أيْ أنَّهُ يَجْعَلُكَ مُنْفَصِلاً أوْ مُفْرَزًا، ويُقَدِّسُكَ، ويُكَرِّسُكَ للهِ في عَمَلِ الخلاص.

فقد تَمَّ اختيارُك واختياري مِنَ الأزلِ السَّحيق، ولكِنَّنا جميعًا، في وقتٍ مِنَ الأوقات، كُنَّا جُزءًا مِنَ جُموعِ البشرِ غير المَفدِيِّين. فقد كُنَّا نَعيشُ في حالة غير مَفديَّة إلى أنْ جاءَ الرُّوحُ القُدُسُ وَأَفْرَزَنَا وخَلَّصَنا. فالكلمة "مُقَدَّس" تعني: "مُفْرَز". وهي قد تُشيرُ إلى الخلاصِ وإلى كُلِّ ما يَنْجُمُ عنه. فالرُّوحُ القُدُسُ يَقومُ بذلكَ العمل الرَّائع.

رسالة بُطرس الأولى 2: 9. انظروا قليلاً إلى هذهِ الآية: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي [وَإليكُم عَمَلَ التَّقديسِ] دَعَاكُمْ مِنْ [ماذا؟] مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى [ماذا؟] إلى نُورِهِ الْعَجِيب".

فهذا هو فَرْزُكَ. وهذا هو تَكريسُكَ. وهذا هو تقديسُكَ. ثُمَّ نقرأُ في العدد 10: "الَّذِينَ قَبْلاً لَمْ تَكُونُوا شَعْبًا [مَعَ أنَّكُمْ كُنْتُمْ مُختارين]، وَأَمَّا الآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ الله. الَّذِينَ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْحُومِينَ، وَأَمَّا الآنَ فَمَرْحُومُونَ".

لِذا فإنَّهُ يَقول: لقد كُنتم مُختارينَ طَوالَ الوقتِ، ولكنَّكم لم تَخلَصوا إلَّا منذُ أنْ تَمَّ عَمَلُ التَّقديسِ الَّذي قامَ بهِ الرُّوحُ القُدُسُ عندما فَصَلَكُمْ عنِ الخطيَّة ودَعاكُم إلى اللهِ، وعندما فَصَلَكُم عنِ الظُّلمةِ ودعاكُم إلى النَّور، وعندما فَصَلَكُم عنْ عدمِ الإيمانِ ودَعاكُم إلى الإيمان، وعندما فَصَلَكُم عنْ مَحَبَّةِ الإثْمِ ودَعاكُم إلى التَّوبة. فهذا كُلُّهُ هو عَمَلُ التَّقديسِ الَّذي قامَ بهِ الرُّوح.

أعمال الرُّسُل 15: 7. استمعوا إلى هذهِ الكلمات. "فَبَعْدَ مَا حَصَلَتْ مُبَاحَثَةٌ كَثِيرَةٌ [في مَجْمَعِ أورُشليم] قَامَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنْذُ أَيَّامٍ قَدِيمَةٍ اخْتَارَ اللهُ بَيْنَنَا أَنَّهُ بِفَمِي يَسْمَعُ الأُمَمُ كَلِمَةَ الإِنْجِيلِ وَيُؤْمِنُون". فاللهُ هوَ الَّذي قامَ بالاختيار. فقدِ اختارَ بُطرسَ للوَعْظ. "وَاللهُ الْعَارِفُ الْقُلُوبَ، شَهِدَ لَهُمْ [أيْ للأُمَم] مُعْطِيًا لَهُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا لَنَا أَيْضًا. وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِشَيْءٍ، [ثُمَّ لاحِظوا ما يَقول هُنا:] إِذْ طَهَّرَ بِالإِيمَانِ قُلُوبَهُمْ".

فَمَنِ الَّذي فَعَلَ ذلك؟ الرُّوحُ القُدُس. فقد طَهَّرَ قُلوبَهُم بالإيمان. فاللهُ أرسَلَ رُوحَهُ القُدُّوس. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقول: "يَنبغي أنْ تُوْلَدَ مِنَ الرُّوح". أنْ تُوْلَدَ مِنَ الرُّوح. فالرُّوحُ هو الَّذي يأتي ويَفْصِلُنا عنِ الخطيَّةِ وعدمِ الإيمانِ ويَدعونا إلى الإيمانِ والقداسة. فنحنُ مَولودونَ مِنَ الرُّوح. وهذا هو عَمَلُ الرُّوح.

وفي رسالة تيطُس، ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ذلك. فنحنُ نَذكُرُ هذهِ الآية كثيرًا لأنَّها آية رائعة. اسمعوا: "خَلَّصَنا [رسالة تيطُس 3: 5] لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ". فهو لم يَنظر عَبْرَ التَّاريخُ ويقول: "آه، هذا هو ما سَيفعلونَهُ. لِذا، يجب أنْ أفعلَ كذا". لا، بل إنَّهُ خَلَّصَنا لا على أساسِ ما فَعَلناه، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِه. وإليكُم كيفَ خَلَّصَنا: "بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُس". فاللهُ خَطَّطَ الخلاص. والمسيحُ اشترى الخلاص. والرُّوحُ القُدُسُ طَبَّقَ الخلاص. فهو يَقومُ بعملِ التَّجديد.

وَهُوَ يَقولُ في رسالة تسالونيكي الأولى 1: 4: "عَالِمِينَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ اللهِ اخْتِيَارَكُمْ". فأنا أَعلمُ أنَّ اللهَ اختارَكُم. "أَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِالْكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ بِالْقُوَّةِ أَيْضًا، وَبِالرُّوحِ الْقُدُس". فكيفَ نَعلمُ أنَّنا مُختارون؟ لأنَّنا رأينا الرُّوحَ يأتي بقوَّة ويُغَيِّر حَياتَكُم. فهذه هي الطريقة الوحيدة الَّتي يُمْكِنُكم مِن خلالِها أنْ تَعرِفوا. فعندئذٍ، يَصيرُ الاختيارُ واقِعًا.

وفي رسالة تسالونيكي الثَّانية والأصحاحِ الثَّاني، وهي الآية الَّتي ذَكَرناها في المَرَّة السَّابقة، نَقرأُ ما يلي [والآن، استمعوا إلى هذهِ الكلمات]: "أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَص". كيفَ؟ رسالة تسالونيكي الثانية 2: 13: "بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ". فالرُّوحُ يُحْدِثُ تَغييرًا، ويُطَهِّرُ، ويَفْرِز. ويا لَهُ مِنْ حَقٍّ ثَمين! فاللهُ خَطَّطَ ذلك. والمسيحُ نَفَّذَ ذلك. والرُّوحُ يَجْعَلُ ذلكَ حَقيقةً.

وفي رِسالة رُومية 15: 16، يَقولُ بُولُس إنَّهُ كانَ: "خَادِمًا لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ الأُمَمِ، مُبَاشِرًا لإِنْجِيلِ اللهِ كَكَاهِنٍ، لِيَكُونَ قُرْبَانُ الأُمَمِ مَقْبُولاً مُقَدَّسًا بِالرُّوحِ الْقُدُس". وهذه هي نَفسُ العِبارة المُستخدمَة للإشارة إلى الخلاص. فَعَمَلُ التَّقديسِ الَّذي يقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُس هو أنَّهُ يَفْرِزُ النَّاسَ للهِ.

وما الَّذي يَقولُهُ بولسُ لأهلِ كورِنثوس؟ نَقرأُ في العدد 6: 11: "وَهكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ...". أيْ أنَّكُمْ كُنْتُم زُنَاةَ، وَعَبَدَةَ أَوْثَانٍ، وَفَاسِقينَ، وَمَأبُونينَ، وَمُضَاجِعي ذُكُورٍ، وَسَارِقينَ، وَطَمَّاعينَ، وَسِكِّيرينَ، وَهَلُمَّ جَرَّا؛ "...لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ". لِذا، أعتقد أنَّنا نُفَكِّرُ دائمًا أنَّ التَّقديسَ شيءٌ يَحدُثُ بعدَ أنْ تَصيرَ مُؤمِنًا، وأنَّهُ يَضُمُّ كُلَّ شيء. فهو يعني أنْ تَنْفَصِلَ عنِ الخطيَّة وتُقْبِل إلى اللهِ. وَهُوَ مُرادِفٌ هُنا للخلاصِ في رسالة بُطرس الأولى. وَهُوَ العَمَلُ المُهِمّ جِدًّا الَّذي يقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُسُ عندَ الاهتداء. فهو يَفْرِزُنا. لِذا، يجب علينا أن نَتذكَّرَ أنَّنا مولودونَ مِنَ الرُّوح.

والآن، اسمعوني: حالما يَفْرِزُكَ الرُّوحُ فإنَّهُ يَستمرُّ في تَقديسِكَ، وتَكريسِكَ، وَجَعْلِكَ أكثر قَداسَةً. وهذه هي عمليَّةُ التَّقديس. وهي تَستمرُّ طَوالَ حياتِنا. فالخلاصُ هو عَمَلُ الرُّوح. فأنتَ مَولودٌ مِنَ الرُّوح. أنتَ مَولودٌ مِنَ الرُّوح. فهذا هو عَمَلُه. فالرُّوحُ يَهَبُكَ إيمانًا. والإيمانُ عَطِيَّة مِنَ الرُّوح. والرُّوحُ يَفتَحُ قَلبَكَ كَيْ تُؤمِن. والرُّوحُ يُنيرُ ذِهْنَكَ كَيْ تَفهمَ رسالةَ الإنجيل.

ونقرأُ في الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 2: 25 أنَّ الرُّوحَ يُعْطيكَ تَوبةً. فالرُّوحُ يَفْصِلُكَ عنِ الخطيَّة، ويَجْذِبُكَ إلى الله. لماذا؟ لأنَّهُ يَجْعَلُ قَصْدَ اللهِ في اختيارِكَ حَقيقةً. وهذه حقيقة رائعة. رائعة. فالرُّوحُ القُدُسُ يَجعَلُنا مُقَدَّسين. ونقرأُ في رسالة أفسُس 1: 4 إنَّنا مُختارونَ لِنكونَ قِدِّيسين. ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 12: 14: "اِتْبَعُوا ...للْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ".

وهذا لا يَعني الكَمال، بل يَعني الانفصال. فأنا قِدِّيسٌ. هل تَعلمونَ ذلك؟ وأنتَ قِدِّيسٌ إنْ كُنْتَ مُؤمِنًا. صَحيحٌ أنَّني لستُ قِدِّيسًا كما ينبغي، وأنتَ لستَ قِدِّيسًا كما ينبغي. وأنا لستُ قِدِّيسًا كما سأكونُ ذاتَ يومٍ. وأنتَ لستَ قِدِّيسًا كما ستكونُ ذاتَ يومٍ. ولكنِّي لم أَكُنْ قِدِّيسًا قَطّ ذاتَ يوم. فأنا لم أكن مُنفصلاً عنِ الخطيَّة، بل كنتُ أعيشٌ في عَدَمِ إيمانٍ وفي الظُّلمة. ولكنِّي الآنَ قِدِّيس. وأنا أنمو أكثرَ فأكثر لأصيرَ مُشابهًا صُورةَ المسيح. وبينما أنمو رُوحيًّا، فإنَّ تَراجُعَ الخطيَّة في حياتي يَعني زيادةَ حقيقةِ القداسة. وهذه عمليَّة، ولكنَّها تَبتدئُ بعملِ الخلاصِ الَّذي يقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُس. وهذا هو حَقًّا العهدُ الجديد بطريقة رائعة.

والحقيقة هي أنَّني أريدُ أنْ أقولَ مُلاحظةً سريعةً هُنا. فَمِنَ التَّناقُضِ أنْ نَقولَ الآتي. وأريدُ أنْ أُوَضِّحَ هذه النُّقطة. وَمِنَ الجَيِّدِ أنَّني فَكَّرْتُ في القيامِ بذلك. فَمِنَ التَّناقُضِ أنْ نَقولَ إنَّ اللهَ اختارَ إنسانًا ليكونَ في المسيح، ولكنَّهُ لم يَجْعَلْهُ قِدِّيسًا. هل فَهِمْتُم ذلك؟ فهذا تَناقُضٌ تامٌّ. تَناقُضٌ تامٌّ.

فإنْ أُخْرِجْتَ مِنَ الظَّلمة إلى النُّور، وإنْ أُنْقِذْتَ مِنَ الموت وَوُهِبْتَ حَياةً، وإنْ أُخْرِجْتَ مِنْ عَدَمِ الإيمانِ وَوُهِبْتَ إيمانًا، وإنْ تَمَّ فَصْلُكَ عنِ الخطيَّة، فإنَّكَ قِدِّيس. صحيحٌ أنَّكَ لستَ قِدِّيسًا كما ينبغي أنْ تكون، ولكِنَّكَ قِدِّيس. وَمِنَ المُستحيلِ أنْ يَختارَ اللهُ إنسانًا ليكونَ في المسيح، وأنْ يُرسِلَ الرُّوحَ القُدُسَ للقيامِ بالعملِ مِنْ دونِ أنْ يَفصِلَ ذلكَ الإنسانَ عنِ الخطيَّة بطريقةٍ ما. وما أعنيهِ ببساطة هو: انظروا إلى كلماتِ بولُس في رسالة رُومية 6: 22: "وَأَمَّا الآنَ إِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ، وَصِرْتُمْ عَبِيدًا للهِ، فَلَكُمْ ثَمَرُكُمْ لِلْقَدَاسَة". بِكُلِّ تأكيد. بِكُلِّ تأكيد.

لِذا، قد يَقولُ قائِلٌ: "حسنًا، أنا مُؤمِن، ولكِنْ لم يَطرأ تَغييرٌ في حياتي". مَهْلاً. ما مَعنى ذلك؟ ما الَّذي تَعنيه بذلك؟ إنْ فَرَزَكَ الرُّوحُ القُدُسُ عن عَدَمِ الإيمانِ وَوَهَبَكَ إيمانًا، وَفَصَلَكَ عنْ محبَّةِ الخطيَّة وجَعَلَكَ تُبْغِضُ الخطيَّة، وإنْ فَصَلَكَ بِكُلِّ تلكَ الطُّرُقِ عنِ الموتِ وَوَهَبَكَ حَياةً، وَدَعاكَ مِنَ الظُّلمةِ إلى النُّور، فإنَّكَ قِدِّيس. ويجب أنْ يَظْهَرَ ذلكَ في حَياتِك.

وقد أَدَّى عَدَمُ فَهْمِ ذلك إلى سُوْءٍ فَهْمٍ خَطيرٍ للإنجيل. فلا يمكنكَ أنْ تقولَ لي إنَّ هناكَ أشخاصًا تَقَدَّسوا بِعَمَلِ الرُّوحِ القُدُس، وانفَصلوا عنِ الخطيَّة وصاروا مُكَرَّسينَ للهِ مِنْ دونِ أنْ يكونَ ذلكَ ظَاهِرًا في حياتِهم. مَهلاً مِنْ فَضلِك. ينبغي أنْ يكونَ هُناكَ فَرْقٌ. ينبغي أنْ يكون. فقد كُنتَ عَبْدًا للخطيَّة، ولكنَّكَ الآنَ خَادِمٌ للبِرِّ. فهُناكَ تَغييرٌ كامِلٌ في طَبيعَتِكَ.

وقد كنتُ أُفَكِّرُ في رسالة غلاطيَّة 4: 6: "ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ". يا للرَّوعة! فهذا شيءٌ آخر يَفْعَلُهُ الرُّوحُ القُدُسُ إذْ إنَّهُ يأتي ويَسْكُنُ في قُلوبِنا. وهل تَعتقدُ أنَّ هذا يَجْعَلُكَ شخصًا مُختلفًا؟ أُريدُ أنْ أقولَ لكَ إنَّهُ يَجْعَلُكَ مُختلفًا. فكيفَ يُعْقَلُ لأيِّ شخصٍ أنْ يقولَ إنَّ المرءَ يستطيعُ أنْ يَخْلَصَ بِعَمَلِ التَّقديسِ الَّذي يقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُسُ مِنْ دونِ أنْ يُؤمِن وَمِنْ دونِ أنْ يَنْفَصِل (كما يقولُ أشخاصٌ اليوم)؟ فهذا يُناقِضُ ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس.

إذًا، نحنُ نَتحدَّثُ عن نِطاقِ الاختيار. فما هو؟ إنَّ بيئةَ تَحقيقِهِ هي الخلاص. فهو يَحْدُثُ مِنْ خلالِ الخلاص. فَعَمَلُ التَّقديسِ الَّذي يقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُسُ هو الَّذي يَجعلُ الإنسانَ غيرَ المُقَدَّسَ مُقَدَّسًا. ولنقرأ ما جاءَ في رسالة بُطرس الثانية 1: 3. فالتحيَّةُ في هذهِ الرِّسالة (في العددِ الثَّاني) مُشابهة: "لِتَكْثُرْ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. والآيةُ تتحدَّثُ عن يسوعَ المسيح فتقول: "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا..." [استمعوا إلى ما تقول:] "...كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى".

إذًا، كيفَ نَحصُل على ذلك؟ مِنْ خلالِ مَعْرِفَتِهِ مَعرفةً حقيقيَّة. فعندما تَعْرِفُ المسيحَ مَعرفةً حقيقيَّةً، فإنَّكَ تَحصُلُ على كُلِّ ما هو للحياةِ والتَّقوى. وقد تقول: "وما هو ذلك؟" لا بُدَّ أنَّ التَّوبةَ جُزءٌ مِن ذلك. فَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّ التَّوبةَ تَختصُّ بالحياةِ الرُّوحيَّةِ والتَّقوى. وهناكَ الإيمانُ، والفضيلة، والبِرّ، ومحبَّة الله، والابتهاج بعملِ الرُّوح. فَهذا كُلُّهُ مَشمول.

وفيما يَختصُّ بطبيعةِ الاختيار، فإنَّ اللهَ اختارَنا بِمَعْزِلٍ عن أيِّ تأثيرٍ خارجيّ. وقد تقول: "لماذا؟" لَسْنا نحنُ مَنْ يُجيبُ عن هذا السؤال، بل هو. وهذا هو كُلُّ ما في الأمر.

وما هي حالةُ الاختيار؟ نحنُ مُتَغَرِّبونَ مُقيمونَ في بَلَدٍ أجنبيّ. ونحنُ نُحِبُّ بعضُنا بعضًا. ونحنُ نَعيشُ بِمْعْيارٍ مُختلفٍ في الحياة. ويجب علينا أنْ نُقاومَ تَجربةَ التَّقَوْقُعِ على أنفُسِنا لِئَلَّا نُضَيِّع الغاية مِن وجودِنا هُنا، وهي: أنْ نكونَ مِلْحًا ونُورًا، وأنْ نَبْذُرَ البِذار.

وَما هو مَصدرُ اختيارِنا؟ إنَّهُ شيءٌ يَنْبُعُ مِنْ خُطَّةٍ مُعَدَّة سابقًا إذْ إنَّ اللهَ عَرَفَنا مِنْ قبلِ تأسيسِ العالَم. لا مَعْرِفَتِنا مِن خلالِ المُراقبة. صَحيحٌ أنَّهُ كانَ يَعلَمُ كُلَّ شيءٍ عَنَّا مِن خلالِ المُراقبة، ولكنَّهُ يَعْلَمُ عَنَّا بِمَعنى أنَّهُ قَرَّرَ سابقًا كيفَ ستكونُ العلاقةُ بينَهُ وبينَنا. فهذا هو المَصْدَر. فقد كانَ ذلكَ موجودًا في فِكرِهِ. وقد جَعَلَ ذلكَ حقيقةً. وقد قَرَّرَ ذلكَ مِنْ قَبْلِ حُدوثِهِ.

وما هو النِّطاقُ الَّذي يَصيرُ فيهِ الاختيارُ واقِعًا؟ نِطاقُ الخلاص. فَمِن ناحية نَظريَّة، لو كنتَ ستموتُ مِنْ دونِ أنْ تَقبل المسيح، ستذهبُ إلى جَهَنَّم؛ حَتَّى لو كنتَ [نَظَريًّا] مُخْتارًا. ولكِنَّ هذا مُستحيل. ولكِنَّكُمْ تَفهمونَ قَصدي. فالاختيارُ لا يَصيرُ فاعِلاً إلَّا عِنْدما يَتأكَّدُ مِنْ خلالِ عَمَلِ التَّقديسِ الَّذي يقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُسُ. فهذا هو النِّطاقُ الَّذي يَحْدُثُ فيه.

كانَ ينبغي أنْ أُقَدِّمَ لكم مُراجَعةً سريعة. خامِسًا: القَصْدُ مِنَ اختيارِنا. هل أنتُم مُستعدُّونَ لسماعِ ما سأقول؟ ما هو القَصْدُ مِنَ اختيارِنا؟ سوفَ يكونُ الجوابُ مُباشرًا جدًّا. لكي تَفعلوا ماذا؟ تُطيعوا يسوعَ المسيح. فهذا هو القَصْدُ مِنَ اختيارِنا. فقد خَلَّصَكُم كَيْ تُطيعوا يسوعَ المسيح. وهذا واضحٌ جدًّا. فهذه ليست أُمنية، بل هي حقيقة. فنحنُ نَقرأُ في رسالة أفسُس 2: 10: "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ [لأيِّ غاية؟] لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا". فهذهِ ليست أُمنية، بل هي حقيقة.

وسوفَ نَتحدَّثُ عن حقيقةِ الطَّاعة، ثُمَّ سنتحدَّثُ عن مَعنى أنْ نَكونَ مَرشوشينَ بالدَّمِ. وهذه الحقيقة بِمُفردِها هي واحدة مِن أعظمِ الحقائقِ الَّتي وَجَدْتُها في العهدِ الجديد. ولكنِّي أُريدُ أنْ أُرْجِئَ الحَديثَ عنها إلى وقتٍ لاحِق لأنَّهُ يجب أنْ أُشْبِعَها حَديثًا. لِذا، سوفَ نَنتظرُ إلى المَرَّة القادمة.

اسمعوني: لا تَفقدوا تَركيزَكُم. ولا تُغْلِقوا أذهانَكُم. إنَّ عقيدةَ الاختيارِ هي عقيدة عَمليَّة جدًّا. وهي قويَّة جدًّا. وعندما يَفهمُها المرءُ فإنَّها تُغَيِّرُ حَياتَهُ بِأسرِها إنْ فَهِمَ هذهِ العقيدة. فعندما تَفهمُ أنَّكَ مُخْتارٌ، فإنَّ النَّتائجَ العمليَّة لذلك ستُغَيِّر الطريقة الَّتي تَحيا بها كُلَّ يوم.

فعقيدةُ الاختيارِ سَتَحُلُّ مُشكلةَ كِبريائِك. هذا صحيح. وهي ستُعالِجُ مَسألةَ العبادة في قلبِك. وهي ستُعالِج مسألةَ الفرح. وعقيدةُ الاختيارِ ستُخبرُكَ عن كُلِّ ما تحتاجُ إلى مَعرفتِه عن الفوائدِ والامتيازاتِ الروحيَّة. وعقيدةُ الاختيارِ سَتَدْفَعُكَ إلى السُّلوكِ بطريقة مُعَيَّنة لا تَفْعَلُها أيُّ عقيدة أخرى. وعقيدةُ الاختيارِ سَتَهَبُكَ قُوَّةً في حياتِكَ بِطُرُقٍ رُبَّما لم تَكُن ستفهمُها يومًا لو لم تَفهم هذهِ العقيدة. فلا يَسَعُكَ أنْ تَتجاهَلَها. لا يَسَعُكَ البَتَّة أنْ تَتجاهَلَها.

استمعوا إلى ما قالَهُ "سبيرجن" (Spurgeon). وسوفَ أَخْتِمُ بهذا: "قبلَ أنْ يأتي الخلاصُ إلى هذا العالَم، كانَ الاختيارُ يَسيرُ في المُقدِّمة. وكانَ القَصْدُ مِنْهُ هوَ الخلاص. فقد سارَ الخلاصُ في العالَمِ وَراحَ يَضَعُ علامَةً على المَنازِلِ الَّتي سيَزورُها الخلاصُ والقُلوبُ الَّتي سَيُستودَعُ فيها الكَنْز. وقد نَظرَ الاختيارُ إلى كُلِّ الجنسِ البشريِّ، مِنْ آدَمَ إلى الشَّخصِ الأخير، ووَضَعَ عَلامَةَ خَتْمٍ مُقَدَّسٍ على أولئكَ الَّذينَ عُيِّنُوا للخَلاص. وقد قالَ الاختيارُ إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَمُرَّ مِنَ السَّامرة، وإنَّ الخلاصَ لا بُدَّ أنْ يَذهبَ إلى هُناك.

"ثُمَّ جاءَ التَّعيينُ السَّابِق. والتَّعيينُ السَّابقُ لم يَكْتَفِ بِوَضْعِ علامَةٍ على المَنْزِل، بل رَسَمَ خَريطَةَ الطَّريقِ الَّتي ينبغي للخلاصِ أنْ يَسْلُكَها للوصولِ إلى ذلكَ المَنزِل. وقد رَسَمَ التَّعيينُ السَّابِقُ كُلَّ خُطوة لِجيشِ الخلاصِ العظيم. وقد عَيَّنَ التَّعيينُ السَّابقُ الوقتَ الَّذي سيأتي فيهِ الخاطئُ إلى المسيح، والطريقةَ الَّتي سيَخلُصُ بها، والوسيلةَ الَّتي سَتُستخَدَمُ. وقد عَيَّنَ السَّاعةَ واللَّحظة المُحَدَّدة الَّتي سَيُحْيي فيها رُوْحُ اللهِ الأمواتَ بالخطايا، وعندما يُنادى برسالةِ السَّلامِ والغُفرانِ مِنْ خلالِ دَمِ يَسوع. وقد وَضَعَ التَّعيينُ السَّابقُ علاماتٍ كاملة تَقودُ إلى ذلكَ المَنزلِ حَتَّى لا يَتَخَطَّى الخَلاصُ يومًا الحُدودَ ولا يُضَيِّعَ يومًا الطَّريق. فبمُقتضى الخُطَّةِ الأزليَّةِ للهِ صاحِبِ السِّيادة، فإنَّ خُطُواتِ الرَّحمة مُعَيَّنة سابقًا خُطوةً خُطوة".

ويا لها مِن صورة جميلة. أليسَ كذلك؟ فالاختيارُ وَضَعَ علاماتِ تُشيرُ إلى المَنزِل. والتَّعيينُ السَّابقُ رَسَمَ الطَّريقَ وعَيَّنَ الوقتَ. والخلاصُ مَشى في ذلكَ الطَّريق. إنَّهُ عَطِيَّة مِنَ اللهِ. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا معًا حَتَّى نُصَلِّي:

نحنُ نَعترِف، يا أبانا، أنَّنا عاجِزونَ عنِ التَّعبير. ونحنُ عاجزونَ عنِ التَّفكير في نِعْمَتِكَ الغَنيَّةِ مِنْ نَحْوِنا. فنحنُ لا نَفهمُها. فلماذا اخترتَنا؟ ولكِنَّنا سنَفرَحُ دائمًا. شُكْرًا لكَ، يا رَبّ. شُكرًا لَك. نُبارِكُ اسْمَكَ.

ويا رَبّ، كَمْ ينبغي أنْ تَعْكِسَ حياتُنا امتنانَنا. ساعِدنا، يا رَبُّ، على أنْ نَتذكَّرَ دائمًا أنَّنا غُرباءَ هُنا. فأنتَ اخْتَرتَنا لمكانٍ آخر، مكانٍ كامِل. نُصَلِّي ألَّا تَسْمَحَ لنا أنْ نَتَمَسَّكَ بهذا المكان، بل أعْطِنا أنْ نُرَكِّزَ على موطِنِنا الحقيقيّ، ومكانِنا الأبديّ. واملأ قُلوبنا بالامتنانِ لأجلِ نِعمَتِكَ كَيْ يَقودَنا ذلكَ إلى حياةِ التَّكريسِ، والسَّخاءِ، والخِدمةِ دُوْنَ كَلَل، واستثمارِ وقتَنا ومواهِبَنا وأموالَنا في تَسبيحِ اسْمِكَ المُبارَك.

نَجِّنَا، يا رَبُّ، مِنَ الانجرافِ مَعَ هذا العالَمِ الزَّائلِ الَّذي لا يَرْبُطنا بِهِ أيُّ رابِط. نَشكُرُكَ، يا رَبُّ، لأنَّكَ فَرَزْتَنا. قُدْنا في طَريقِ القداسةِ لِنَصيرَ يومًا بعدَ يوم أكثر تَمَثُّلاً بالمسيح لأنَّنا نَعْلَمُ أنَّ هذا هو عَمَلُ الرُّوحِ المُستمرّ.

ويا رَبّ، نُصَلِّي أنْ يَصيرَ الاختيارُ حَقيقةً في حياةِ البعضِ في هذهِ السَّاعة مِمَّنْ اخَتْرَتَهْم أنتَ، يا رَبّ، إذْ يَقبلونَ الآنَ الرَّحمة والنِّعمة المُخَلِّصة، وإذْ يُمْنَحونَ التَّوبةَ والإيمان، ويُفْرَزونَ عنِ الخطيَّة كَيْ يَصيروا لَك. اعْمَل هذا العَمَل، يا رَبّ، لأجْلِ مَجْدِكَ أنت. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize