Grace to You Resources
Grace to You - Resource

رسالة بُطرس الأولى 1: 1-2. أرجو أنْ تَفتحوا على ذلك النَّصّ. ونحنُ مُستعدُّونَ للحصولِ على بَركاتٍ غَنيَّة ورائعة في هذا المساء إذْ نَتشارَك معًا في حَقِّ اللهِ الثَّمين.

يَفْتَتِحُ بُطرسُ رسالَتَهُ، كما تَعلمون، بِوَصْفِ قرَّائِهِ بأنَّهُم "مُختارون". مُختارون. ويا لها مِن فِكرة رائعة! فنحنُ مُختارو اللهِ. فقد اختارَنا اللهُ وأعْطانا امتيازَ أنْ نَعْرِفَهُ مِن خلالِ ابنِهِ يسوعَ المسيح. وهذهِ ليسَت فكرة جديدة. فأسلوبُ اللهِ الدَّائم هو أنْ يختارَ بِسيادَتِه المُطلَقة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر نَحَمْيا 9: 7 أنَّ اللهَ اخْتارَ أَبْرَام. ونَقرأُ في سِفْر التَّكوين 21: 12 أنَّ اللهَ اختارَ إسْحاق. ونَقرأُ في رسالة رُومية 9: 8-15 أنَّ اللهَ اختارَ يَعقوب. ونَقرأُ في سِفْر حَجّي 2: 23 أنَّ اللهَ اختارَ زَرُبَّابِل. ونقرأُ في سِفْر إشعياء 42: 1 وفي رسالة بُطرس الأولى 2: 6 أنَّ اللهَ اختارَ المسيح.

وحَتَّى إنَّ إنجيل يوحنَّا يُذَكِّرُنا بكلماتِ رَبِّنا في يوحنَّا 15 بأنَّهُ اختارَ تلاميذَهُ الرُّسُل. ونقرأُ في رسالة غلاطيَّة 1: 15 أنَّهُ اختارَ بولُس وجَعَلَهُ إناءً مُختارًا. وَهُنا، نَتواجَهَ مَرَّةً أخرى بحقيقة أنَّهُ اختارَ الكنيسة بِمُقتضى سِيادَتِه. فاللهُ اختارَ الأشخاصَ الَّذينَ سيكونونَ لَهُ. ونحنُ نَتذكَّرُ ما جاءَ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الأوَّل إذْ نَقرأُ في العدد 4: "كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأسِيسِ الْعَالَم". ونَقرأُ في رسالة تسالونيكي الثانية 2: 13: "أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَص".

وقد تَأمَّلنا في هذا الحَقِّ العظيمِ والثَّمين بأنَّنا مُختارو الله. وبُطرسُ يَبتدئُ رِسالتَهُ بهذهِ الفكرة لأنَّهُ يُريدُ أن يُذَكِّرَ إخوتَهُ المُضطهَدينَ وأخواتِهِ المُضطهداتِ بأنَّهُ لم يَتِمّ اختيارُهُم مِنْ قِبَلِ العالَمِ، بل إنَّهم مُختارو الله. صَحيحٌ أنَّهم ليسوا مُختارينَ بِمِعيارِ العالَم، ولكِنَّهُم كَذلكَ بمِعيارِ الله. وَقَصْدُ اللهِ لهم يَتَكَشَّفُ طَوالَ الأبديَّة، بِصَرْفِ النَّظر عَمَّا قد يَفعله العالم. فقد كانوا في الوقتِ الَّذي كَتَبَ فيهِ هذهِ الرِّسالة مَرفوضينَ، ومُضطهدينَ، ويَتألَّمونَ بسببِ إيمانهم. وَهُوَ يُذكِّرُهم بأنَّهُم شَعبُ اللهِ المُختار. ويا لَهُ مِن تَشجيعٍ رائعٍ للمُؤمِنينَ المُضطَهَدين.

وبعدَ أنْ يَذكُر حقيقةَ أنَّهُم مُختارون، فإنَّهُ يُقَدِّمُ لنا بعضَ عناصِرِ عقيدةِ الاختيارِ العظيمة. ففي الكلمة "مُختارين"، هُناكَ طبيعةُ اختيارِنا. وهذا يعني أنَّنا مُختارونَ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِمُقتضَى نِعمَتِه. ثُمَّ إنَّهُ يَتحدَّثُ عن حالةِ اختيارِنا. فلأنَّنا المُختارون، فإنَّنا نَعيشُ (بحسب العدد 1) "كَغُرباء". فنحنُ لا نَنتمي إلى هُنا. بل نحنُ مُواطِنونَ في مَملكة أخرى، وأعضاءٌ في عائلة أخرى. فنحنُ غُرباء هُنا ونَعيشُ في غُربة مُؤقَّتة (إنْ شِئْتُم). فهذه هي حالة اختيارِنا.

ثالثًا، مَصْدَرُ اختيارِنا مَذكور في العدد 2: "بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِق". فاللهُ اختارَنا بِمُقتضى علاقة مُعَيَّنة سابقًا. فقد تَمَّ اختيارُنا مِنْ قِبَلِ اللهِ بِمُقتضى مَعرفتهِ السَّابقة الذَّاتيَّة. وقد قُلنا إنَّ هذهِ العِبارة لا تَعني عِلْمَهُ بما سيجري في المستقبل، ولا تَعني المعلومات الَّتي حَصَلَ عليها بالمُراقبة، بل تُشيرُ إلى علاقة مُعَيَّنة سابقًا. وهذا المُصطلَحُ نَفسُه (العِلْم السَّابق) مُستخدَمٌ في الأصحاح 1 والعدد 20 إذْ يقول إنَّ المسيحَ كانَ: "مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأسِيسِ الْعَالَم". ومِنْ غيرِ المَعقولِ أنَّ هذا يَعني أنَّ اللهَ اختارَ المسيحَ ليكونَ المُخَلِّصَ على أساسِ عِلْمِهِ بما سيحدث مُستقبلاً أو على أساسِ مُلاحظاتِه، بل يعني العلاقة والخُطَّة المُعَيَّنَيْن سابقًا، والخُطَّة المقصودة. لِذا فإنَّ مَصدرَ اختيارِنا مُرتبطٌ بخُطَّة الله المُعَيَّنة سابقًا والتي تُدعى "عِلْمَهُ السَّابِق".

أمَّا نِطاقُ اختيارِنا فيأتي بعدَ ذلك. وقد قُلنا عندَ حديثِنا عنِ العددِ الثَّاني إنَّنا نَدخُلُ في الاختبارِ الحقيقيِّ لاختيارِنا "فِي تَقْدِيسِ الرُّوح". وهذا يعني أنَّ الاختيارَ يَصيرُ واقعًا في حياةِ الشَّخصِ المُختار مِن خلالِ عَمَلِ الفَرْزِ الَّذي يَقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُس. فالتَّقديسُ يَعْني الفَرْز. فقد تَمَّ فَرْزُنا عنِ الخطيَّة. وقد تَمَّ فَرْزُنا عنِ العالَم. وقد تَمَّ فَرْزُنا عنْ أنْ نكونَ أولادَ الشَّيطانِ كَيْ نكونَ أولادَ اللهِ. وقد تَمَّ فَرْزُنا عنِ الموتِ كَيْ نَحصُلَ على الحياة. فهذا هو عَمَلُ التَّقديسِ أوِ الفَرْزِ الَّذي يَقومُ بِهِ الرُّوحُ القُدُس.

التَّقديسُ، إذًا، يَبْتدئُ بالخلاص. وَهُوَ عَمليَّة تَطهير تَستمرّ إلى أنْ نَرى يسوعَ المسيحَ وَجْهًا لوجه. وقد تَمَّ اختيارُنا، كما جاءَ في رسالة أفسُس 1: 4، كَيْ نكونَ قِدِّيسين. وقد تَمَّ اختيارُنا كَيْ نَتْبَعَ القَداسة. لِذا فإنَّ عَمَلَ التَّقديسِ يَبتدئُ بالخلاص حينَ نُفْرَزُ عنِ الخطيَّة لنصيرَ للهِ، وحينَ نُفْرَزُ عنِ الموتِ ونُوْهبُ حَياةً، وحينَ نُفْرَزُ عنِ الشَّيطانِ ونَصيرُ للمسيح. وعمليَّةُ الفَرْزِ هذهِ تَستمرُّ وتَستمرُّ إلى أنْ نَصيرَ أكثرَ قداسةً وأكثرَ شَبَهًا بِرَبِّنا يَسوعَ نَفسِهِ. لِذا فإنَّ نِطاقَ اختيارِنا هو بيئة التَّقديس. وَعَمَلُ التَّقديسِ الَّذي يَقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُسُ يَجْعَلُ غيرَ المُقَدَّسينَ مُقَدَّسين.

وهذا يَقودُنا خامسًا (بعدَ هذهِ المُراجعة السَّريعة) إلى الغايةِ مِنَ اختيارِنا بحسبِ ما جاءَ في العددِ الثَّاني. فعملُ التَّقديسِ الَّذي يَقومُ بهِ الرُّوحُ قد تَمَّ لكي "تُطيعوا يسوعَ المسيح". والآن، اسمعوا ما سأقول، وهذا أساسيٌّ جدًّا: فقد تَمَّ فَرْزُنا عنِ الخطيَّة لنصيرَ للهِ كَيْ نُطيعَ يسوعَ المسيح. فالطَّاعةُ، إذًا، هي النَّتيجة الثَّانويَّة. ونَقرأُ في رسالة أفسُس 2: 10: "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ [أيْ: عَمَلُ اللهِ]، مَخْلُوقِينَ...لأَعْمَال صَالِحَةٍ قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا".

بعبارة أخرى، فإنَّ الخَلاصَ، بِطَبيعَةِ الحالِ، هو حَياةُ طَاعَة. وهذا حَقٌّ مُهِمٌّ جدًّا. فقد تَمَّ فَرْزُنا للهِ مِن خلالِ عَمَلِ الرُّوحِ كَيْ نُطيعَ يسوعَ المسيح. وهذهِ الحقيقةُ تَعْقُبُ الحقيقة السَّابقة. فالاختيارُ، إذًا، يَقودُ إلى الخَلاصِ الَّذي يَقودُ، بِدَوْرِهِ، إلى حياةِ الطَّاعة. والآن، نحنُ لا نُطيعُ كما ينبغي أنْ نُطيعَ تمامًا، ولكنَّنا بالرَّغمِ مِن ذلك نُفْتَدى كَيْ نُطيعَ، ونُفْرَزُ كَيْ نُطيع.

وقد صارَ هذا هو نَمَطُ حياتِنا الجديدة. فقد صِرنا خاضِعينَ لناموسِ اللهِ (بحسب رُومية 7). وقد صِرنا خاضِعينَ للهِ بوصفِهِ سَيِّدًا لنا (بحسب رومية 6). فنحنُ لم نَعُد عبيدًا للخطيَّة، بلِ الآنَ خُدَّامًا للهِ. والبِرُّ هُوَ سِمَةُ سُلوكِنا. والفضيلةُ هي نَهْجُ حَياتِنا. فقد صِرنا أُمناءَ، ومُثمِرينَ، وصِرنا نَخْدِمُ المَسيحَ ونُحِبُّهُ. فالخلاصُ الحقيقيُّ يُنشئُ طاعَةً – ليسَ طاعةً كاملةً، بل طاعَةً.

وفي الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوُس 6: 3، يَقولُ بُولسُ: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا آخَرَ، وَلاَ يُوافِقُ كَلِمَاتِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الصَّحِيحَةَ، وَالتَّعْلِيمَ الَّذِي هُوَ حَسَبَ التَّقْوَى...". وما يَعنيه هُنا هو أنَّ العقيدة القويمة بخصوصِ المسيح، والعقيدة القويمة بخصوصِ الخلاص، تَقودُ إلى حَياةٍ تَتَّسمُ بالتَّقوى. فواقِعُ الخلاصِ المُبارك يُفْضي إلى ثَمَرِ الطَّاعةِ الرَّائع. وهذا أيضًا هو عملُ الرُّوحِ القُدُس.

أرجو أنْ تَنظروا معي قليلاً إلى رسالة تسالونيكي الأولى والأصحاحِ الأوَّل إذْ يَكْتُبُ بولسُ ورَفيقاه "سِيلا" [أو "سِلوانُس"] وَ "تيموثاس" رسالةً إلى الكنيسةِ في تسالونيكي. وَهُوَ يَشْكُرُ اللهَ دائمًا لأجلهم (في العدد 2). وَهُوَ يَقولُ في العدد 3: "مُتَذَكِّرِينَ بِلاَ انْقِطَاعٍ عَمَلَ إِيمَانِكُمْ، وَتَعَبَ مَحَبَّتِكُمْ، وَصَبْرَ رَجَائِكُمْ". ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في العدد 4 [لاحِظوا ذلك]: "عَالِمِينَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ اللهِ اخْتِيَارَكُمْ".

فَهُوَ يقول: "أنا أَعلمُ أنَّكُم مُختارون. وأنا أَعلمُ أنَّكُمْ مُصْطَفون". وكيفَ تَعلمُ ذلك؟ "لأَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِالْكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ بِالْقُوَّةِ أَيْضًا، وَبِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَبِيَقِينٍ شَدِيدٍ". ثُمَّ لاحظوا العدد 6: "وَأَنْتُمْ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِنَا وَبِالرَّبِّ". وفي العدد 7: "حَتَّى صِرْتُمْ قُدْوَةً لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُون". وفي العدد 9: "وَكَيْفَ رَجَعْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الأَوْثَانِ، لِتَعْبُدُوا اللهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ، وَتَنْتَظِرُوا ابْنَهُ مِنَ السَّمَاء".

فهو يقول: "أنا أَعلمُ أنَّكُم مُختارون". وكيفَ أعلَمُ ذلك؟ هل لأنَّكم قُلتُم ذلك؟ وهل لأنَّكُم رَفَعتُم يَدَكُم؟ وهل لأنَّكم اعْتَمَدْتُم يومًا؟ لا. أنا أَعلمُ أنَّكم مُختارونَ لأنَّكُم تَمَثَّلْتُمْ بِنا، وَتَمَثَّلتُم بالمسيح، وقَبِلْتُم الكلمة في ضيقٍ كثير، واختبرتُم الفَرَح، وصِرْتُم قُدوةً. وفي العدد 8: "لأَنَّهُ مِنْ قِبَلِكُمْ قَدْ أُذِيعَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ". وفي العدد 9: لأنَّكُم تَرَكْتُم عبادةَ الأوثان. وفي العدد 10: لأنَّكُم تَنتظرونَ المسيح. وهذه كُلُّها عوامِل تُشيرُ إلى اختبارِ التَّجديد، والحياة المُتَجَدِّدة. فهذه هي الأشياءُ الَّتي تُشيرُ إلى الاختيارِ الحقيقيّ. هذه هي المبادئ الأساسيَّة.

ويَطرَحُ "إيه.دبليو بينك" (A.W. Pink) السُّؤالَ التَّالي فيقول: "كيفَ أَعلمُ اختياري؟" كيفَ أَعلمُ أنَّني مُختار؟ ثُمَّ إنَّهُ يُجيبُ عنهُ كما يَلي: "أوَّلاً، بأنْ تأتي كلمةُ اللهِ بقوَّة إلهيَّة إلى نَفسي فَتَهْدِمُ زَهْوي بِنَفسي وتُحَطِّم بِرِّي الذَّاتيّ. ثانيًا، بأنْ يُبَكِّتَني الرُّوحُ على حالتي المُريعة والخاطئة والضَّالَّة. ثالثًا، بأنْ تُعْلَنَ لي مُلائمة وكِفاية المسيح لمُعالجة حالتي اليائسة، وبأنْ يُعطيني اللهُ إيمانًا يَجعلُني أتَمَسَّكُ بِهِ وأتَّكِل عليهِ بوصفِهِ رَجائي الوحيد.

"رابعًا، مِنْ خلالِ علاماتِ الولادةِ الجديدةِ فِيَّ والتي تَتَمَثَّلُ في محبَّتي للهِ، ورَغبتي الشَّديدة في فَهْمِ الأمورِ الرُّوحيَّة، وتَوْقي إلى القداسة، وسَعْيي إلى التَّمَثُّلِ بالمسيح. خامسًا، مِن خلالِ المقُاومة الَّتي تُبْديها طبيعتي الجديدة ضِدَّ طبيعتي القديمة لتجعلني أُبْغِض الخطيَّة وأبتعِد عنها. سادسًا، بأنْ أتجنَّبَ كُلَّ شيءٍ تُدينُهُ كلمةُ اللهِ، وبأنْ أتوبَ توبةً حقيقيًّةً، وبأنْ أعترفَ بانكسار بِكُلِّ خطيَّة".

"وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّ إخفاقَنا في القيامِ بذلك حالاً وسريعًا سيَجلِبُ سَحابةً سوداء تَحْجُبُ يَقينَنا، وتَجعلُ الرُّوحَ يَحْجُبُ شَهادَتَه. سابعًا، بأنْ أجتهدَ قدرَ الإمكانِ في الحُصولِ على النِّعَمِ المسيحيَّة، وبأنْ أستخدِمَ وسائلَ مَشروعة لهذهِ الغاية حَتَّى تكونَ مَعرفةُ الاختيارِ تَراكُمِيَّة".

إذًا، كيفَ تَعلمونَ أنَّكم مُختارون؟ كيفَ تَعلمون أنَّكم مُختارون؟ تَلخيصًا لما قالَهُ، يُمْكِنُكم أنْ تَعلموا ذلكَ لأنَّ كلمةَ اللهِ تُعَلِّمُكم، وتَعْمَلُ في حياتِكم، وتُبَكِّتُكم عنِ الخطيَّة، وتَسْحَقُ اتِّكالَكُم على ذَواتِكُم. ويُمكنُكم أنْ تَعلموا ذلَكَ لأنَّكم ستشعرونَ فجأةً أنَّ رُوْحَكُم صارَت تُدْرِكُ خَطاياكُم، وتُدركُ حقيقةِ المسيح، ولأنَّكم تَحصُلونَ على تلكَ الطَّبيعة الجديدة، وتُحِبُّونَ اللهَ، وتُحِبُّونَ كلمَتَه، وتَتوقونَ إلى خِدمَتِه وتَمجيدِه، وتُبغضونَ الخطيَّة، وتَرغبونَ في مُقاوَمَتِها، وَهَلُمَّ جَرَّا.

وكُلُّ ذلكَ يَعْكِسُ حَقًّا حَالةَ القلبِ المُطيع. فأنتُم تُطيعونَ الكلمة. وأنتُم تُطيعونَ تَبكيتَ الرُّوح. وأنتُم تُطيعونَ عملَ المسيح. وتُطيعون ما يُوصيكُم الكتابُ المقدَّسُ أنْ تَفعلوه. فالطَّاعةُ هي العَلامة. وهي النَّتيجة. وهي التَّجاوُبُ الَّذي يُبْديهِ الشَّخصُ الَّذي اختَبَرَ الفِداءَ حَقًّا.

لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقولُ لنا إنَّ عملَ الاختيارِ يُنشئُ طاعةً ليسوعَ المسيح. وهي ليست طاعةً تامَّة. ولكِنْ حينَ نُخْفِقُ في ذلك، سنَشعرُ في قُلوبِنا بالانسحاقِ ونَعترف بخطيئَتِنا. ولكِنَّ واحدةً مِنْ سِماتِ المُؤمِنِ الحقيقيِّ هي أنَّهُ يُطيعُ يسوعَ المسيح.

ولكي يَخْتِمَ بُطرسُ ذلكَ الحَقّ فإنَّهُ يَذكُرُ جانبًا سادسًا للاختيار أُريدُ أنْ أَلْفِتَ أنظارَكُم إليه. وهناكَ أسماءٌ كثيرة يُمكِنُنا أنْ نُطْلِقَها على هذا الجانب، ولكِنْ لِنُسَمِّيه: "يَقينُ اختيارِنا". ويمكننا أنْ نُسَمِّيه "وَاجِبُ اختيارِنا"، أو حَتَّى "عَهْدُ اختيارِنا". ولكِنِّي أريدُ مِنكُم أنْ تَرَوْا ذلك. فهو جانبٌ عميقٌ، ورائعٌ، وعَمليّ.

فهو يقول: "فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَةِ..." [ثُمَّ لاحِظوا العِبارةَ الَّتي تَلي ذلك وَضَعوا خَطًّا تَحتَها في كِتابِكُم المُقَدَّس وفي أذهانِكُم]: "وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيح". فهذه العِبارة تَحتاجُ إلى الكثيرِ مِنَ الانتباه.

ما الَّذي يَعنيهِ بُطرس بأنَّ رَشَّ الدَّمِ على الشَّعبِ هو شيءٌ مُرتبطٌ بالطَّاعة؟ ما الَّذي يَعنيه؟ قد تقول: "إنَّهُ يَعني: الخَلاص". لا، إنَّهُ لا يَعني ذلك. فَتَرتيبُ الكلماتِ في الآية يَضَعُ هذا الأمرَ بعدَ الخلاص. ففي أيِّ عِبارة تَمَّ الخلاصُ في العددِ الثَّاني؟ في أيِّ عِبارة؟ "الْمُخْتَارِينَ بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ". فقد حَدَثَ ذلكَ منذُ الأزَل. ثُمَّ إنَّ الخلاصَ حَدَثَ في العِبارة الَّتي تقول: "فِي [ماذا؟] تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَة". فَهُنا حَدَثَ الخلاص. وقد أَفْضَى إلى الطَّاعةِ وَرَشِّ دَمِ يسوعَ المسيح. فهو أمرٌ يَحْدُثُ نَتيجةَ الخلاص وَيُعَبَّر عنهُ بالعِبارة: "تَقديسِ الرُّوحِ للطَّاعة".

ولكِنْ ما مَعنى ذلكَ إذًا؟ ما الشَّيءُ الذي يَعْقُب الخلاصِ ويَشتمل على رَشِّ الدَّم؟ إنْ دَرَسْتُم الكتابَ المقدَّسَ، كما فَعَلْتُ أنا، وَتَتَبَّعْتُم هذهِ الفِكرة، ستَجدونَ أنَّ هناكَ مُناسبات قليلة جدًّا تَمَّ فيها رَشُّ النَّاسِ فِعليًّا بالدَّمِ. وهذا لم يحدث في الكَفَّارة. فلم يَحْدُث في يومِ الكَفَّارة أنْ تَمَّ رَشُّ أَحَدٍ بالدَّمِ. ولم يَحْدُث ذلك في أيٍّ مِنَ المُناسباتِ الَّتي تَمَّ فيها تَقديمُ ذبائح خطيَّة أو ذبائح إثم. فلم يَتِمّ رَشُّ أيِّ شخصٍ بالدَّمِ. فالمَذبحُ كانَ يُرَشُّ بِدَمِ الحَيَواناتِ؛ ولكِنَّ الشَّخصَ لم يَكُنْ يُرَشّ بالدَّم.

والحقيقة هي أنَّ الدَّمَ رُشَّ على أشخاصٍ في حَالَتَيْنِ فقط بحسبِ الشَّريعةِ في سِفْرِ اللَّاوِيِّين. وهذا مُدهشٌ جدًّا، بالمُناسبة. المَرَّةُ الأولى هي رَشُّ الدَّمِ على أَبْرَص. ففي التَّطهيرِ الرَّمزيِّ لشخصٍ أبرَص (بحسب ما جاءَ في سِفْر اللَّاوِيِّين 14: 6 ومَا يليه) تَمَّ رَشُّ دَمِ عُصفورٍ على شخصٍ أبرص. وقد تَمَّ رَشُّ دَمِ كَبْشٍ على هارون وبَنيه كَعَمَلِ تَطهيرٍ رَمزيٍّ وتَقديسٍ لهارون وبَنيه ليصيروا كَهَنة (بحسب ما جاءَ في لاوِيِّين 8 وخُروج 29). فهاتانِ هُما المُناسبتانِ الوَحيدتان. فقد تَمَّ رَشُّ دَمِ عُصفورٍ على شخصٍ أبرَص (في لاويِيِّين 14). وقد تَمَّ رَشُّ دَمِ كَبْشٍ على هارون والكهنة حينَ أُفْرِزوا للكهنوت. ولكِنَّ كِلتا هاتينِ الحالَتينِ لا تَفِيان بالغَرَضِ هُنا. فبُطرُس لا يَتحدَّثُ هُنا عن شخصٍ أبرَص، ولا يَتحدَّثُ عنِ الكهنة.

إذًا، ما هي الحادثة الأخرى الَّتي حَدَثت في العهدِ القديم وتَذَكَّرَها بُطرسُ في ما يَختصُّ بِرَشِّ الدَّمِ على أشخاص؟ لقد كانت هناكَ حادثة مُنفردة، وقد حَدَثَتْ مَرَّة واحدة فقط. ومِنَ الواضحِ جدًّا أنَّ هذا هو ما مكانَ بُطرسُ يُفَكِّرُ فيهِ. وقد حَدَثَ ذلكَ مَرَّةً واحدةً فقط. وقد حَدَثَ ذلكَ قبلَ إعطاءِ التَّشريعاتِ في سِفْر اللَّاوِيِّين. فهي حادثة وقعت خارِجَ التَّشريعات المُعطاة في سِفْر اللَّاويِّين. وهي لم تَكُنْ جُزءًا مِنْ ذلكَ التَّشريعِ لِبَني إسرائيل. ومَعَ ذلك، كانت تلك المَرَّة الوحيدة مُهِمَّة جدًّا حَتَّى إنَّها تُذْكَرُ مَرَّتين في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين (عبرانيِّين 9: 19، وعِبرانِيِّين 12: 24). وَهُما الشَّاهِدان الوحيدان اللَّذان يُشيران إلى هذه الحادثة المُنفرِدَة.

والآن، لِنَذهب لرؤية ذلك في سِفْر الخُروج والأصحاح 24. وهذا مُدهش. سِفْر الخُروج والأصحاح 24. وسوفَ أقرأُ الأعداد مِنْ 3 إلى 8. ويُمكنُكم أنْ تُتابعوا النَّصَّ أثناء قراءَتي لَهُ: "فَجَاءَ مُوسَى [خُروج 24: 3] وَحَدَّثَ الشَّعْبَ بِجَمِيعِ أَقْوَالِ الرَّبِّ وَجَمِيعِ الأَحْكَامِ، فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ وَقَالُوا: «كُلُّ الأَقْوَالِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا الرَّبُّ نَفْعَلُ». فَكَتَبَ مُوسَى جَمِيعَ أَقْوَالِ الرَّبِّ. وَبَكَّرَ فِي الصَّبَاحِ وَبَنَى مَذْبَحًا فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ، وَاثْنَيْ عَشَرَ عَمُودًا لأَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ. وَأَرْسَلَ فِتْيَانَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَصْعَدُوا مُحْرَقَاتٍ، وَذَبَحُوا ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ لِلرَّبِّ مِنَ الثِّيرَانِ.

"فَأَخَذَ مُوسَى نِصْفَ الدَّمِ وَوَضَعَهُ فِي الطُّسُوسِ. وَنِصْفَ الدَّمِ رَشَّهُ عَلَى الْمَذْبَحِ. وَأَخَذَ كِتَابَ الْعَهْدِ [أيْ كَلِمَةَ اللهِ، ووصايا اللهِ] وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ، فَقَالُوا: «كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ وَ [ماذا؟ ضَعُوا خَطًّا تحتَ ذلك:] نَسْمَعُ لَهُ». ثُمَّ في العدد 8: "وَأَخَذَ مُوسَى الدَّمَ وَرَشَّ [أين؟] عَلَى الشَّعْبِ وَقَالَ: «هُوَذَا دَمُ الْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ الرَّبُّ مَعَكُمْ عَلَى جَمِيعِ هذِهِ الأَقْوَالِ»".

فَهُنا نَجِدُ المُناسبة الوحيدة الَّتي تَمَّ فيها رَشُّ الدَّمِ على الشَّعبِ بِمَعْزِلٍ عنِ الحادِثَتينِ الّلَتين أَشَرنا إليهما. فقد حَدَثَ ذلكَ مَرَّةً فقط. وَهُوَ يُسَمَّى "دَمُ العَهْد".

والآن، اسمحوا لي أنْ أَتَتَبَّعَ ما حَدَث. اسمعوا بعناية شديدة وَسَتَرَوْنَ مَعنى ذلك. والنِّقاطُ الرَّئيسيَّة الَّتي ينبغي أنْ تَلتفِتوا إليها هي كالتَّالي: لقد أَعلنَ مُوسى للشَّعبِ كلمةَ اللهِ. وقد تَجاوبَ الشَّعبُ مَعَ ذلك بأنْ قَطَعوا وَعْدًا بأنَّهُم سيفعلونَ ماذا؟ يُطيعونَها إذْ نَقرأُ في العدد 3: "كُلُّ الأَقْوَالِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا الرَّبُّ نَفْعَلُ". ثُمَّ إنَّ مُوسَى كَتَبَ جَمِيعَ أَقْوَالِ الرَّبِّ، وَبَنَى مَذْبَحًا، وَأَرْسَلَ فِتْيَانَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَصْعَدُوا مُحْرَقَاتٍ، وَذَبَحُوا ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ لِلرَّبِّ مِنَ الثِّيرَان. ثُمَّ رَشَّ مُوسَى نِصْفَ دَمِ تلكَ الذَّبائحِ على المَذبحِ، وَوَضَعَ النِّصْفَ الآخَرَ [بحسب ما جاءَ في العدد 6] فِي طُسُوس (أيْ: أوعية).

ثُمَّ إنَّهُ أَخَذَ كِتَابَ الْعَهْدِ [أيْ: كَلِمَةَ اللهِ الَّتي كَتَبَها] وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ مَرَّةً أُخرى، فَقَالُوا قاطِعينَ وَعْدًا آخَرَ بالطَّاعةِ في العدد 7 إذْ قالوا: "كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ لَهُ".

والآن، اسمعوا بعناية ما حَدث: لقد قَطَعوا عَهْدَ طَاعة معَ اللهِ مِنْ خلالِ ذَبيحة. وقد كانَ ذلكَ وَعْدًا بالطَّاعة. "وَأَخَذَ مُوسَى الدَّمَ وَرَشَّ عَلَى الشَّعْبِ وَقَالَ: «هُوَذَا دَمُ الْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ الرَّبُّ مَعَكُمْ عَلَى جَمِيعِ هذِهِ الأَقْوَالِ»" (في العدد 8).

وفي الأزمنة القديمة، عندما كانَ شَخصانِ يَتعاهدان، كانَ ذلكَ العَهْدُ يُقْطَعُ عادةً بالدَّمِ. وأحيانًا، كانَ ذلكَ الدَّمُ يُوْضَعُ على كِلا الفَريقَيْن. وكانَ دَمُ العَهْدِ ذاكَ يَقْضي بالالتزامِ بِحِفْظِ العَهْد. وقد كانَ ذلكَ الأمرُ شائعًا في الثَّقافاتِ القديمة. وقد حَدَثَ هذا الأمرُ في ذلكَ اليوم. وقد كانَ العَهْدُ كَما يلي: "نحنُ نَعِدُكَ، يا رَبّ، بأنَّنا سنَفعلُ ماذا؟ سَنُطيعُ كُلِمَتَك" فقد كانَ عَهْدَ طاعة. عَهْدَ طاعةٍ مَختوما بالدَّم.

والقصدُ الرَّئيسيُّ مِنْ رَشِّ الدِّمِ هو التَّكريسُ وإلزامُ الطَّرَفَيْنِ المُتعاقِدَيْنِ بالعهد. وقد تَمَّ قَطْعُ عَهْدٍ بينَ اللهِ والشَّعب. والآن، لاحِظوا ما يَحْدُث هُنا. فأنتُم لا تُريدونَ أنْ تُفَوِّتوا ما سأقول لأنَّه الخُلاصة الرَّائعة والمُدهشة لِكُلِّ ما قُلناه. فهناكَ عَهْدٌ بينَ الشَّعبِ والله. وقد تَعَهَّدَ الشَّعبُ بأنَّهم سيَحفظونَ كَلِمَتَه. والدَّمُ الَّذي تَمَّ رَشُّهُ عليهم يُشيرُ إلى اشتراكِهِم في ذلكَ العهد. والدَّمُ الَّذي رُشَّ على المَذبحِ يُشيرُ إلى دَوْرِ اللهِ في العهد. وَرَشُّ الدَّمِ على الشَّعب يَرْمِزُ إلى التزامِهم بالطَّاعة. ورَشُّ الدَّمِ على المَذبح يَرمِزُ إلى التزامِ اللهِ بالأمانة. وأنا أعتقد أنَّ هذا هو تمامًا ما كانَ بُطرُسُ يُفَكِّرُ فيه. فهذا هو المَوضِعُ الوحيد في الكتابِ المقدَّس الَّذي يَرْبِطُ بينَ الطَّاعة وَرَشِّ الدَّم. ولأنَّ بُطرسَ كانَ يَهوديًّا ويَعرِفُ ذلكَ النَّصَّ جَيِّدًا، فإنَّهُ وَجَدَ فيهِ تَشابُهًا هائلاً فيما يَختصُّ بالمؤمِنِ ومسألةِ الاختيار.

اسمعوني: عندما خَلصَ هؤلاءِ المؤمنونَ الَّذينَ كَتَبَ إليهم بُطرس، عندما خَلصوا مِنْ خلالِ عَمَلِ التَّقديسِ الَّذي قامَ بهِ الرُّوحُ القُدُس إذْ جَعَلَ اختيارَهُم السَّابقَ واقعًا حاضرًا، دَخَلوا في عَهْدٍ مَعَ اللهِ مَخْتوم بالدَّم. مَختوم بالدَّم. فقد كانَ عَهْدَ طَاعة.

واسمحوا لي أن أقولَ لكم إنَّ مَوْتَ يسوعَ المسيح قَدَّمَ مِنْ خلالِ المِيثاقِ الجديدِ لا خَلاصًا فقط، بل أيضًا وَعْدًا مِنْ خلالِ ذلكَ العَهْدِ بالطَّاعة. فعندما نأتي ونَقبلُ ذبيحةَ المسيح عَنَّا، فإنَّنا نَقْبَلُ لا فقط مَزايا موتِهِ عَنَّا، بل إنَّنا نَتَعَهَّدُ لَهُ بأنْ نُطيعَهُ. وهذا هو مَعنى التَّكريسُ بِالدَّمِ بِمَوْتِ المَسيح.

فَرَشُّ الدَّمِ على المَذبَح يُرى مِن خلالِ ذبيحةِ المسيح على الصَّليب لإطفاءِ غَضَبِ الله. والحقيقة، قد يَهُمُّكُم أنْ تَعلموا أنَّهُ عندما اقتربَ وقتُ موتِ يَسوعُ فإنَّهُ اقتبسَ ما جاءَ في سِفْر الخُروج والأصحاح 24. فقدِ اقتبسَ نَفْسَ الكلماتِ حينَ تَكَلَّمَ عن ذبيحَتِهِ بوصفِها "دَم العَهد". وقد كانَ المِيثاقُ الجديدُ يَضُمُّ وَعْدًا. والوعدُ هو أنَّ الرَّبَّ سيأتي ويَفدينا، وأنَّنا سنتجاوبُ مَعَهُ بِحِفْظِ كَلِمَتِه. ولو كانَ الخلاصُ قد تَمَّ مِنْ دُونِ ذلكَ العهد لكانَ ذلكَ العَهْدُ زائفًا.

فقد كانَ رَشُّ الدَّمِ يَفْتَرِضُ مُسَبَّقًا أنْ يكونَ هُناكَ سَفْكُ دَمٍ. والتَّكريسُ بحسبِ المِيثاقِ الجديد يَفْتَرِضُ مُسَبَّقًا أنْ تكونَ هُناكَ ذبيحة على الصَّليب حيثُ بَذَلَ المسيحُ دَمَهُ لأجلِ الإنسانِ بحسبِ مَشيئةِ اللهِ. وقد فَعَلَ ذلكَ كَيْ يكونَ هُناكَ عهد.

ويُمكنُنا أنْ نُلَخِّصَ قَصْدَ بُطرس كما يلي: إنَّ عملَ المسيحِ اسْتَوْفى مَطالِبَ اللهِ لأنَّهُ ماتَ بوصفِهِ كَفَّارةً كاملةً عنِ الخطيَّة. ولكِنَّ الأمرَ يَتَخَطَّى ذلك ويُلْزِمُ البشرَ بِعَهْدِ طَاعَةٍ مَختوم بالدَّم. وهذا حَقٌّ مُهِمٌّ وعميق. لِذا فإنَّنا نقولُ إنَّ ما يَستنِتُجُه بُطرسُ هو أنَّهُ عندما فَرَزَكُم الرُّوحُ القُدُس، فإنَّهُ فَرَزَكُمْ للهِ كَيْ تَعيشوا حَياةَ طاعَةٍ مَختومة بِدَمِ المسيح. فلا يُمْكِنُنا أنْ نَفصِلَ الطَّاعةَ عن رَشِّ الدَّمِ.

فعندما سَفَكَ المسيحُ دَمَهُ، كانَ ذلكَ يَتَضَمَّنُ عَهْداً بالطَّاعَة. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في سِفْر أعمال الرُّسُل 5: 32: "وَنَحْنُ شُهُودٌ لَهُ بِهذِهِ الأُمُورِ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضًا، الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ". فالطَّاعةُ مُتَأصِّلة في العهد. والخلاصُ والطَّاعةُ وَجْهانِ للعهدِ الجديد. فَهُما وَجْهان للعهدِ الجديد.

ونَقرأُ في رسالة رُومية 6: 17 (على ما أَظُنّ): "فَشُكْراً للهِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ، وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ". فلا يُمكنكَ أنْ تَتحدَّثَ عنِ الخلاصِ مِنْ دونِ التَّحَدُّثِ عنِ الطَّاعة. ولا يُمكنكَ أنْ تَتحدَّثَ عنِ العهدِ الجديدِ مِن دونِ التَّحَدُّثِ عنِ الطَّاعة. فقد تَمَّ رَشُّ الدَّمِ علينا رَمزيًّا تَعْبيرًا عَنْ دَوْرِنا مِنْ جِهَةِ الطَّاعة، وعلى مَذْبَحِ اللهِ تَعبيرًا عن دَورِهِ مِنْ جِهَة أمانَتِهِ. فقد تَمَّ اختيارُنا كَيْ نُطيع. تَمَّ اختيارُنا للطَّاعة.

وهُناكَ فِكرة أخرى، وهي فِكرة تُدهِشُني حقًّا. استمعوا إليها. فقد تقول: "لماذا تَمَّ رَشُّ الدَّمِ على المَذبح؟ وما هو دَوْرُ الله؟" اسمعوني: إنَّ رَشَّ الدَّمِ علينا يَرمِزُ إلى التِزامِنا بالطَّاعة. وَرَشُّ الدَّمِ على مَذبحِ اللهِ يَرمِزُ إلى التِزامِهِ بالغُفران. هل فَهِمتُم ذلك؟ إلى التزامِهِ بالنِّعمة. وهذه فِكرة مُدهشة.

وهذا هو العهد. فالعهدُ هو أنَّنا نَعِدُ بالطَّاعة، وأنَّ اللهَ يَعِدُ بأنْ يَغْفِرَ لنا حينَ لا نُطيع. أليسَ هذا العهدُ رائعًا؟ فهذا هو ما كانَ الدَّمُ يَفعلُهُ. وهذانِ هُما جَانِبا عهدِ الطَّاعةِ. وهذا هو ضَمانُ اختيارِنا. فنحنُ مَضمونونَ بوصفِنا مُختارين بسببِ العهد. وقد دَخَلْنا عهد طَاعةٍ وحياتُنا تَتَّسِمُ بالطَّاعة. وإنْ قُلتَ لشخصٍ: "آمِنْ بالمسيح ولا تُبالي بالطَّاعة"، فإنَّكَ لا تُقَدِّمُ لهُ الرِّسالة الصَّحيحة. فعندما تَدعو شخصًا إلى الخلاص، فإنَّكَ تَدعوهُ إلى عَهْدٍ. ودَوْرُنا هو أنْ نُطيعَ. ودَوْرُ اللهِ هو أنْ يَغْفِرَ لنا حينَ لا نُطيع. وهذا هو العهد. هذا هو العهد.

فعندما تأتي إلى اللهِ مِن خلالِ المسيح فإنَّ لِسانَ حَالِكَ هُوَ: "يا رَبّ، أُقَدِّمُ حياتي لَكَ. وأريدُ أنْ أُطيعَكَ. وأنا أَعِدُكَ بأنْ أحيا لَكَ، وأنْ أُحِبَّكَ، وأنْ أخدِمَكَ بِقدرِ استطاعتي". وأنتَ تُرَشُّ بِدَمِ المسيحِ رَمزيًّا، وتُغفَرُ خطاياك. وأنتَ تَصيرُ ابنًا لَهُ. والدَّمُ الَّذي يُرَشُّ على المَذبحِ نِيابةً عنهُ هو عَهْدُهُ لَكَ بأنَّهُ عندما لا تَحفظُ العهدَ فإنَّهُ مُستعدٌّ لإسباغِ نِعْمَتِهِ وغُفرانِ خَطِيَّتِك. ويا لها مِن فكرة رائعة! فِكرة رائعة!

وضَمانُ اختيارِنا يَتَمَثَّلُ لا فقط في حقيقةِ أنَّنا نُرَشَّ بالدَّمِ في العهدِ، بل أيضًا في أنَّ المَذبَحَ يُرَشُّ أيضًا نِيابةً عنِ اللهِ رَمْزًا لِتَعَهُّدِهِ بِحِفظِ التزامِهِ حينَ لا نَحْفَظُ نحنُ التزامَنا. والدَّمُ نَفسُهُ الَّذي خَتَمَ العهدَ يَسْتُرُ خطيَّةَ المُؤمِنِ الَّذي يَعصي الله. فهذا هو ضَمانُ اختيارِنا. وهذا هو السَّببُ في أنَّهُ يَستمرُّ في تطهيرِنا مِنْ كُلِّ ماذا؟ خَطِيَّة. فيا لهُ مِنْ حَقٍّ عظيم!

لِذا فإنَّنا نَرى حَقيقةَ الاختيار: طَبيعَتَهُ، وحالَتَهُ، ومَصدَرَهُ، ونِطاقَهُ، والقَصْدَ مِنْه، وضَمانَهُ. وأخيرًا، مَزايا اختيارِنا. وسوفَ أَستقرِئُ ما جاءَ في الجُملة الخِتاميَّة في العددِ الثَّاني: "لِتُكْثَرْ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ". وتَتكرَّرُ هذهِ الكلماتُ في العهدِ الجديد مِنْ قِبَلِ كُتَّابِ الرَّسائل. فَهِبَةُ الخلاصِ هي نِعمة. والنَّتيجةُ هي السَّلام. وبُطرسُ يَقول: "أتَمَنَّى أنْ تَكْثُرَ لَكُمُ النِّعْمَةُ وَالسَّلاَمُ". فهذهِ هي أُمنيتُه. وهذا فِعْلٌ عَامِل. وَطَلَبَةُ اللُّغةِ اليونانيَّة يَعلمونَ أنَّ هذا الفِعْلَ يُعَبِّرُ عنِ الأُمنية. أَتَمَنَّى لَكُم النِّعمة. وأتمنَّى لَكُم السَّلامَ بأكبرِ قَدرٍ مُمكِن. وأتمنَّى لكمُ الأفضل، وكُلَّ الخَيْرِ الَّذي يُقَدِّمُهُ اللهُ، وكُلَّ ما لدى اللهِ مِنْ بَركاتٍ مُضاعفة المَرَّة تِلو المَرَّة تِلو المَرَّة.

بعبارة أخرى، أتَمَنَّى لكم كُلَّ البَركاتِ النَّابعةِ مِنْ كَوْنِكُم مُختارين. أليسَت هذهِ الأُمنيةُ رائعة؟ والآن، اسمحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا. هناكَ بَرَكاتٌ رائعة في كَونِنا مُختارين. وهل تَسمحوا لي أنْ أَضَعَ فِكرةَ بُطرس جانبًا وأنْ أَذْكُرَ لكم بَعْضًا مِنْ هذهِ البَرَكات؟

فما هي مَزايا الاختيار؟ نحنُ نُفَكِّرُ في عقيدةِ الاختيار ونَنقَبِض نوعًا ما. فنحنُ لا نُريدُ أن نَتحدَّثَ عنها. فهي عميقة جدًّا، ومُرْبِكَة جِدًّا، وتَستَعصي جِدًّا على الفهم. ولكِن اسمحوا لي أن أقولَ لكم ما ينبغي أنْ يُحْدِثَهُ الاختيارُ في قُلوبِكُم؛ أيِ المشاعر الَّتي ينبغي أنْ تَشعروا بها. فلا مُبَرِّرَ للتَّهَرُّبِ مِن هذهِ العقيدة، بل ينبغي أنْ تَرْكُضوا إليها. ولا مُبَرِّرَ للخوفِ مِنها، بل ينبغي أنْ تَفرحوا بها. وإليكمُ الأسباب:

الاختيارُ، في المَقامِ الأوَّلِ، هو أكثر عقيدة تَسْحَقُ الكِبرياءَ في الكتابِ المقدَّس. أجل. فهي عقيدة تَجعلُ المرءَ مُتواضِعًا. إنَّها تَجعلُ المرءَ مُتواضِعًا. فهو أكثرُ حَقٍّ يَقودُ إلى التَّواضُعِ لأنَّهُ يَجعَلُكَ تُدركُ تَمامًا أنَّهُ ليسَ لَكَ أيُّ دورٍ في خَلاصِك. فهي عقيدة تَسحَقُ كِبرياءَكَ الرُّوحيَّة والدِّينيَّة وَحَسْب. وقد قالَ "سبيرجن" (Spurgeon) عن هذهِ العقيدة إنَّها أكثرُ عَقيدة تُعَرِّي المَرءَ في العالَم. فهي تُعَرِّيكَ مِنْ كُلِّ شيء.

وقد كَتَبَ الكلماتِ التَّالية: "لا أعرِفُ شيئًا، أيَّ شيءٍ، أكثرَ سَحْقًا للكبرياءِ مِنْ عقيدةِ الاختيارِ هذه. وأنا أحيانًا أسْجُدُ أمامَها عندما أُحاولُ أنْ أفهَمَها. ولكِنْ عندما أَقتربُ مِنها فإنَّ الفِكرةَ الوحيدةَ الَّتي تَستحوِذُ عليَّ هي: ’الرَّبُّ اختارَكَ مُنذُ البداية للخلاص‘. وأنا أُدْهَشُ مِنْ تلكَ الفِكرة العظيمة. وَحينئذٍ فإنَّ نَفسي تَنْزِلُ مِنْ عَليائِها مَصْدومَةً وساجِدَةً ومُنسحقَةً فأقول: ’يا رَبُّ، أنا لا شيء. أنا أَقَلُّ مِن لا شيء. لماذا أنا؟ لماذا أنا‘". فهي عقيدة تَسْحَقُ الكِبرياء. وهذه بَرَكَة لأنَّ اللهَ يُعطي نِعْمَةً للمُتواضِعين.

ثانيًا، إنَّها عقيدة تُمَجِّدُ اللهَ. فهي تُعطي كُلَّ المجدِ لله. فهي تُعلِنُ أنَّ التَّوبة هي مِنَ الله، وأنَّ الإيمانَ هو مِنَ الله، وأنَّ القُدرة على الطَّاعة هي مِنَ الله، وأنَّهُ حَتَّى عندما نَسقُط، فإنَّ دَوْرَهُ في العهدِ هو أنْ يَسْتُرَ ضَعَفاتِنا. ولا عَجَبَ أنَّنا نَقول: "لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لكِنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا". فإنْ كانت إرادَتُنا قد تَحَرَّكَتْ فإنَّها فَعَلَتْ ذلكَ نَتيجَةَ تَحَرُّكِهِ هُوَ. لِذا فإنَّ الاختيارَ هو أكثرُ عُنصُرٍ يُمَجِّدُ اللهَ في عقيدةِ الخلاص. وَهُوَ أكثرُ عُنصُرٍ يَسحقُ الكِبرياء.

ثالثًا، الاختيارُ يُنْشِئُ فَرَحًا. فهو يُنشئُ فَرَحًا. اسمعوني، يا أحبَّائي. إنَّ رجاءَنا الوحيدَ هو أنْ نكونَ مُختارين. هل تَفهمونَ هذا؟ هذا هو رَجاؤُنا الوحيد. لِذا، فإنَّهُ يَمْنَحُنا فَرَحًا عظيمًا. فعندما أُفَكِّرُ في حقيقةِ أنَّ اللهَ اختارني، فإنَّ هذا يَملأُ قلبي بأعظمِ فَرَحٍ لأنَّني سأكونُ بلا رجاءٍ في الخلاصِ لَولا ذلك. فسوفَ أكونُ بلا رجاءٍ لولا أنَّ اللهَ، بِنِعْمَتِهِ وِسيادَتِهِ، اختارَني. فيا لها مِن فِكرة مُبْهِجَة. فهي تَملأُ القلبَ فَرَحًا.

فنحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاح 9: "لَوْلاَ أَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ أَبْقَى لَنَا نَسْلاً، لَصِرْنَا مِثْلَ سَدُومَ" (في العدد 29). فقد كُنَّا سنَهْلِك مِثْلَ الآخرينَ غيرِ المؤمنين لولا أنَّ الرَّبَّ اختارَنا. ونَقرأُ في المزمور 65: 4: "طُوبَى لِلَّذِي تَخْتَارُهُ..." [استمعوا إلى هذهِ الكلمات:] "...وَتُقَرِّبُهُ لِيَسْكُنَ فِي دِيَارِكَ" (المزمور 65: 4). "طُوبَى لِلَّذِي تَخْتَارُهُ".

لِذا، يا أحبَّائي، فإنَّ هذهِ العقيدةَ تَملأُ قُلوبَكُمْ بالفَرَح. فاللهُ أَحَبَّكُم لأنَّهُ الله. وَهُوَ دائمًا الله. وَهُوَ سَيُحِبُّكُم دائمًا.

رابعًا، إنَّها أكثرُ عقيدة تُعطي امتيازاتٍ في الخلاص. فهي تَسحقُ الكِبرياء، وتُمَجِّد الله، وتُنشِئُ فَرَحًا، وتُعطي امتيازات لأنَّها تُبارِكُنا "بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسوع" (كَما جاءَ في رسالة أفسُس 1: 3). فنحنُ نَحصُلُ على الامتيازِ، تِلْوَ الامتيازِ، تِلْوَ الامتياز. وقد جُعِلْنا (بحسب الأصحاح 2 والعدد 9): جِنْسًا مُخْتَارًا، وَكَهَنُوتا مُلُوكِيًّا، أُمَّةً مُقَدَّسَةً، شَعْبَ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ نُخْبِرَ بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَانا مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيب". تأمَّلوا في الامتيازاتِ الَّتي لدينا. فهي امتيازاتٌ عظيمة بسببِ الاختيار. لِذا، يجب عليكم أنْ تُحِبُّوا هذهِ العقيدة. ويجب عليكم أنْ تَتمسَّكوا بهذهِ العقيدة.

خامسًا، إنَّها أكثرُ عُنْصُرٍ يُشَجِّعُ على القداسةِ مِنْ بين عَناصِرِ الخلاص. فهل هُناكَ ما يَدفَعُني إلى أنْ أعيشَ لِمَجدِ اللهِ أكثر مِنْ أنْ أَعلمَ أنَّهُ اختارني بِدافِعِ مِحَبَّتِهِ لي؟ فِبِدافِعِ امْتناني المُطْلَق، ينبغي لي أنْ أحيا حياةً مُقَدَّسَةً. وأنا أشعرُ حقًّا، يا أحبَّائي، أنَّهُ عندما لا يَتِمُّ تَعليم عقيدة الاختيار تعليمًا سليمًا، وعندما لا تُفْهَمُ فَهْمًا صحيحًا، قد يَعيشُ النَّاسَ وَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّهُم فَعلوا شيئًا ما لأجلِ خلاصِهم. ولأنَّهم يشعرونَ بأنَّهُم قاموا بدورٍ جُزئيّ، فإنَّهم لا يَشعرونَ بأيِّ دافِعٍ لِخدمةِ اللهِ، ومَحَبَّتِه، وتَمجيدِه؛ مَعَ أنَّهُ هُوَ الوحيدُ الَّذي شاءَ أنْ يُخَلِّصَنا وَفَعَلَ ذلك.

فأنتُم لا تُساعِدونَ الآخرينَ بِعَدَمِ جَعْلِهِم يَفهمونَ هذا الأمر. ففي رأيِكُم، لماذا يقولُ بولس في رسالة كولوسي 3: 12: "فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ" وَهَلُمَّ جَرَّا؟ افعلوا هذهِ الأشياءَ لأنَّكُم مُختارو اللهِ. ويا لَهُ مِنْ شيءٍ يَحْصُرُنا! يا لهُ مِن شيءٍ يَحْصُرُنا! فالاختيارُ ينبغي أنْ يُنشِئَ طَاعَةً.

وقد قالَ "سبيرجن" أيضًا: "لا يوجد شيء تحتَ التَّأثيرِ المُنْعِمِ للرُّوحِ القُدُس يُمْكِنُهُ أنْ يَجعلَ المُؤمِنَ مُقَدَّسًا أكثرَ مِنْ فِكرةِ أنَّهُ مُختار. فهو يقول: ’أَيَليقُ بي أنْ أُخطئ بعدَ أنِ اختارَني اللهُ؟ أَيَليقُ بي أنْ أَتَعَدَّى على وصاياهِ بعدَ كُلَّ هذهِ المحبَّة؟ أَيليقُ بي أنْ أَضِلَّ بعدَ كُلِّ هذهِ الرَّحمة وهذا الرِّفْق؟‘ لا، يا رَبّ. فحيثُ إنَّكَ اخترتَني، سوفَ أُحِبُّكَ، وأحيا لأجلِكَ، وأُخَصِّصُ نفسي لَكَ إلى الأبد، وأُكَرِّسُ نَفسي بِكُلِّ تَواضُعٍ لِخِدمَتِكَ‘". فهو شيءٌ يَحْصُرُنا.

سادسًا، إنَّ عقيدةَ الاختيار هي أكثرُ عُنصُرٍ يَمُدُّنا بالقوَّة مِن بينِ كُلِّ عناصرِ الخلاص. ما الَّذي تَعنيه؟ إنْ كُنتُ مُختارًا، فإنَّ خَلاصي مَضمون. وإنْ كنتُ قد دَخلتُ في عهدِ طاعةٍ مِن خلالِ رَشِّ الدَّمِ، وكانَ الدَّمُ قد رُشَّ على المَذبحِ لتمثيلِ اللهِ، فإنَّ هذا يعني أنَّ اللهَ مُلْزَمٌ بِحِفْظِ العهد. فَدَوري هو أنْ أُطيع. ودَورُهُ هو أنْ يَغفِرَ لي عِصياني. وأنا أشعرُ بالطُّمأنينة في ذلك. فهو أكثرُ عُنصُرٍ يَمُدُّكُم بالقوَّة إذْ تَعلمونَ يَقينًا أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَهُوَ سَيُكَمِّلُه. وقد قالَ يسوع: "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا". "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ...لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِير". لماذا؟ لأنَّهم المُختارون.

اسمعوني، يا أحبَّائي: إذا كُنتُم مُختارين، فإنَّ هذا يَضْمَنُ أبدِيَّتَكُم. ويا لها مِن حقيقة تُقَوِّينا. ومَرَّةً أخرى، أعودُ إلى ما قالَهُ "سبيرجن" عن هذا الموضوع. استمعوا إلى هذا الاقتباسِ الَّذي بالرَّغمِ مِنْ أنَّهُ طَويل فإنَّهُ غَنِيّ:

فقد قال: "لا يوجد شخص أكثر شجاعةً مِن ذاكَ الَّذي يُؤمِنُ بأنَّهُ مُختارُ الله. فما الَّذي سيَجعلُ الإنسانَ يَقلقُ إنْ كانَ يَعلمُ أنَّهُ مُختارٌ مِنْ قِبَلِ خالِقِه؟ وما الَّذي سيَجعلُهُ يَقلَقُ عندَ سَماعِ أصواتِ بعضِ العَصافيرَ الصَّغيرةِ إنْ كانَ يَعلمُ أنَّهُ نَسْرٌ مِنْ نَسْلٍ مُلوكِيّ؟ وهل سيُبالي إنْ أشارَ مُتَسَوِّلٌ إليهِ إنْ كانَ الدَّمُ المَلَكِيُّ السَّماويُّ يَجري في عُروقِهِ؟ وهل سيَخافُ إنْ كانَ العالَمُ كُلُّهُ يَقِفُ ضِدَّهُ؟ وحَتَّى لو اتَّحَدَتِ المَسكونَةُ كُلُّها ضِدَّهُ، فإنَّهُ يَنامُ في سَلامٍ لأنَّهُ يَسْكُنُ آمِنًا في سِتْرِ العَلِيِّ، وفي ظِلِّ القَديرِ يَبيت.

"فَهُوَ يقول: ’أنا مُختارُ اللهِ. وأنا مُمَيَّزٌ عنِ النَّاسِ الآخرين. أليسَ اسمي مكتوبًا في سِفْرِ اللهِ؟‘ فهل يُبالي بالعالم؟ لا. فكما أنَّ الأسدَ لا يُبالي بالكلبِ النَّابِح، فإنَّهُ يَضْحَكُ على كُلِّ أعدائِهِ. وعندما يأتونَ ويَدْنونَ مِنْهُ، فإنَّهُ يَتَحَرَّكُ ويُحَطِّمُهم إرْبًا إرْبًا. وَهُوَ يَسيرُ نَحْوَهُم كَمارِدٍ، في حين يَمشي الرِّجالُ الصِّغارُ تَحْتَهُ ولا يَفهمونَهُ. فَجَبينُهُ مَصنوعٌ مِنْ فولاذ، وقَلبُهُ صَوَّان. فهل يَخشى البَشَر؟ لا. وإنْ سَمِعَ صَرْخَةً كَونيَّةً واحدةً مِنَ العالَمِ الفَسيحِ، فإنَّهُ يَبتسِمُ لها ويقول: ’مَنْ جَعَلَ الرَّبَّ مَلْجَأً لَهُ، وَجَدَ مَسْكَنًا آمِنًا‘".

وهذا صحيح. فَمِمَّ نَخاف؟ فنحنُ المُختارون. ولا يمكن لأيِّ شيءٍ أنْ يَجعلَ الإنسانَ أكثر قُوَّةً، وأكثر شَجاعةً، وأكثر طُمأنينةً مِن ذلك. فهل تَرَوْنَ رَوعةَ هذهِ العقيدة؟ إنَّها عقيدة رائعة. فهي تَسْحَقُ كِبرياءَنا، وتَجْعَلُنا مُتواضِعين. وهي تُمَجِّدُ إلَهَنا. وهي تُنشئُ فَرَحًا؛ فَرَحًا نابِعًا مِن أعماقِنا. وهي تُعطينا امتيازاتٍ، وتَحْفِزُنا على القداسة، وتُعطينا القوَّة والجُرأة. فهل يمكنكم أنْ تتجاهلوا عقيدةً كهذه؟ فإنْ كانتِ الكنيسةُ تتجاهل تلكَ العقيدة، انظروا إلى ما تَخْسَرهُ، وانظروا إلى ما تُفَوِّتهُ. إنَّهُ حَقٌّ عظيم.

ويجب علينا، يا أحبَّائي، أنْ نَفهمَ ما وَهَبنا اللهُ إيَّاه بِنِعْمَتِه. ولا يجوزُ لنا أنْ نكونَ جاهلينَ لأنَّ كُلَّ عقيدةٍ أعطانا اللهُ إيَّاها تَمْنَحُنا امتيازَ أنْ نَتجاوبَ مَعَهُ بالتَّسبيح. لِذا فإنَّ جَهْلَنا بعقيدةِ الاختيار يَعْني عَجْزَنا عن تَسبيحِ اللهِ وتَمجيده. دَعونا نُصَلِّي مَعًا:

كم نَشكُرُكَ على اختيارِكَ لنا! فنحنُ مَدهوشون! صحيحٌ أنَّنا لا نَفهمُ هذه العقيدة فهمًا كامِلاً، ولكِنْ، يا رَبّ، كم نَفْرَحُ بها! كَم نَفرحُ بها! فنحنُ في عَهْدِ الطَّاعة. فعندما جِئْنا إلى المسيح، كانَ شَوقُ قُلوبِنا هو أنْ نُطيعَهُ. ونحنُ شاكِرونَ جِدًّا لأنَّها مَشيئَتُكَ ولأنَّهُ وَعْدُكَ، مِنْ خلالِ الدَّمِ، أنْ تَغفِرَ عِصيانَنا. فنحنُ نُشبِهُ بني إسرائيلَ في القديم لأنَّنا افتَخَرنا ووَعَدنا بأنَّنا سنُطيعُ كَلِمَتِك، ولكِنَّنا أَخْفَقْنا كَما أَخفقوا. نَشكُرُكَ على الدَّمِ الَّذي يَسْتُرُ هذهِ الإخفاقات. ونَشكُركَ على اختيارِكَ لنا. ونَشكُركَ على اختيارِ كَنيسَتِك. يا لَهُ مِنْ سِرّ! يا لَهُ مِنْ سِرّ! يا لَهُ مِنْ سِرّ! ولكِنَّ ما يَستعصي على أذهانِنا يُنيرُ قُلوبَنا كَضِياءِ الشَّمس. نَشكُرُكَ على ما فَعَلْتَهُ وتَفْعَلُهُ لأجلِنا. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize