Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَعودُ إلى هذا الأصحاحِ الأوَّلِ العظيم ونَنظر إلى العَدَدَيْن السَّابِع والثَّامِن. فنحنُ نقرأ في هذين العددين: "هُوَذَا يَأتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. نَعَمْ آمِينَ. «أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَاليَاءُ ...» يَقُولُ الرَّبُّ الكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأتِي، القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ".

إنَّ كُلَّ مَنْ يُحِبُّ الكتُبَ المُشوِّقةَ والكُتُبَ المُمتعةَ سيُحِبُّ بكل تأكيد سِفْر الرُّؤيا. ولا شكَّ في أنَّه سِفرٌ لا مَثيلَ لَهُ. فهو يَزْخُر بالدَّراما، ويَزْخُر بالتشويق، ويَزْخُر بالغموضِ والرُّعُبِ والكوارِث المُتلاحقة. فهو يُخبرنا مثلاً عن ارتداد الكنيسة الآتي. وهو يُخبرنا عن انهيار الاقتصاد العالميّ. وهو يُخبرنا عن الحَرْب الأخيرة التي ستحْدُث في العالم. وهو يُخبرنا عن كوارث طبيعيَّة لم يَسْبِق لها مثيل. وهو يُخبرنا عن الدينونات الأخيرة الناجمة عن غضب الله. وهو يتحدَّث عن مذابِح وصِراعات سياسيَّة تُمهِّد الطريق لمجيء حاكِمٍ شِرِّيرٍ وشَيطانيٍّ للعالم. وهو يتحدَّث عن الدَّمارِ التامِّ للكون بأسْره، وعن هلاك أجساد وأنْفُس الناس في جَهَنَّم الأبديَّة.

إنَّه سِفْرٌ مُشَوِّقٌ جدًّا. ومِنَ المُدهش أيضًا أنَّه سِفْرٌ مُفْعمٌ بالرجاء، وسِفْرٌ مُفعمٌ بالفَرَح، وسفرٌ ينتهي نهايةً سعيدة. وسوف يتطلَّبُ الأمرُ مِنَّا بعضَ الوقتِ لكي نَستوعِبَ قِصَته. وسوف يتطلَب الأمر مِنْ يُوحنَّا بعض الوقت لكي يَسْرُدَها. لذا فإنَّه يُقدِّم لنا هُنا (في العددين السابع والثامن) لَمَحاتٍ عن الأمور المُهمَّة الآتيَّة ومُقتطفاتٍ سريعة عَمَّا يَتحدَّثُ عنهُ السِّفْر.

وهو سِفْرٌ يَتحدَّثُ بمُجمله عنِ "الآتي" - عنِ "الآتي". فهو سِفْرٌ عنِ المجيءِ الثاني. ونَجِدُ هنا الإعلانَ المجيدَ العظيم لهذا السِّفْر، والفكرةَ الرئيسيَّةَ، وجوهرَ السِّفْر (في العدد السابع)، وهو أنَّ يَسوعَ آتٍ. وتلك الحقيقة العظيمة تُلخِّص السِّفْر. وهي تُلخِّصُ السِّفْرَ في عبارة تَوْكيديَّة عظيمة. وهي تَقتضي مِنْ يوحنَّا أنْ يَكْتُبَ واحِدًا وعِشرينَ أَصْحَاحًا قبل أنْ نَصِل إلى الأصحاح الثاني والعشرين الذي يَصْحَبُنا طُوْلَ الطريقِ إلى المَجْدِ لِكَشْفِ هذا كُلِّه.

فنحن نجد هنا (أيْ في العدد السابع) القَوْلَ النَّبَوِيَّ الأوَّلَ في السِّفْر. وهو يأتي بعد التحيَّة الافتتاحيَّة. وهذا القول النبويّ هو: "هُوَذا يأتي". فهذا هو فَحْوى السِّفْر. لذلك فإنَّه يقول هنا أَوَّلَ مَرَّة: "انظروا! انتبهوا!". لماذا؟ لأنَّه "هُوَذا يأتي". وتَرِدُ هذه العبارة بصيغة المُضارع. هل لاحظتُم ذلك؟ فهي لا تقول: "إنَّه سيأتي". إنَّها لا تقول ذلك. وهي لا تقول: "إنَّه سوف يأتي". بل إنَّها تقول: "هُوَذا يأتي". واستخدامُ الفِعْلِ هِنا بصيغةِ المُضارع مَقصودٌ لكي يُعْطيكم شعوراً بأنَّه أصلاً في الطَّريق، وبأنَّ عمليَّةَ مَجيئِهِ قدِ ابتدأت أصلاً.

وهذه العبارة (أيْ: "هُوَذا يأتي")، تُرَدِّدُ في الحقيقة صَدَى ما جاءَ في سِفْرِ دانيال 7: 13 إذْ نقرأ: "كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى". ثم نقرأ في سِفْر دانيال 7: 14: "فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا". وهذا يَعني أنَّ يُوحَنَّا يَتلقَّى أَقْوالاً مِنَ اللهِ ويَرى رُؤيا بأنَّ المسيحَ آتٍ. وهذا يُرَدِّدُ صَدى الوَعْدَ الَّذي وَردَ في سِفْر دانيال 7: 13.

و "الآتي" كان لَقَبًا للمسيَّا. فقد كان "الآتي" لَقَبًا خاصًا بالمسيَّا. والحقيقة هي أنَّنا نَجِدُ في إنجيل مَتَّى إشارةً مُدهشةً إلى ذلك؟ وسوف أقرأُ ذلك على مَسَامِعِكُم. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى أنَّ يُوحنَّا المعمدان كانَ في السِجْنِ وأنَّهُ أرسلَ خَبَرًا مع تلاميذه إلى يَسوعَ فسألوه: "أنتَ هُوَ الآتي؟" وكما تَرَوْن، فإنَّ اليهودَ جميعًا كانوا يَعلمونَ أنَّ "الآتي" هو لَقَبٌ للمسيَّا. فيسوع هو "الآتي". والفِعْلُ نَفسُه: "إيركوماي" (erchomai)، ومعناهُ: "آتٍ" يُستخدم بصورة مباشرة أوْ غير مباشرة للإشارة إلى المَسيح تِسْعَ مَرَّاتٍ في سِفر الرُّؤيا. وقد وَرَدَ سَبْعَ مَرَّاتٍ (مِنْ أَصْلِ هذه المَرَّاتِ التِّسْع) على فَمِ يَسوعَ نَفسِهِ مُشيرًا بذلكِ إلى نفسِه بأنَّه "الآتي".

لذا فإنَّ هذا السِّفْرَ هُوَ عن مَجيءِ "الآتي". والفعلُ المُضارعُ يُبيِّن لنا أنَّه ابتدأَ في مجيئه لكي يُعْطينا هذا الشُّعورَ بالترقُّب؛ وَهُوَ نفسُ الشُّعورِ الذي جَعَلَ يوحنَّا يقول: "انظروا، إنَّه آتٍ". وهذا يَجْعَلُنا نعيشُ في حالة تَرَقُّبٍ شديد. ونقولُ مَرَّةً أُخرى إنَّ هذا هو المَغزى الرَّئيسيّ لهذا السِّفْر.

ويجب علينا أنْ نفتح أذهاننا لِعَظَمة هذا الحَدَث بأنْ نُلِمَّ بأهميَّة ذلك في الكتاب المقدَّس. واسمحوا لي أنْ أُساعدكُم في ذلك. فيُقال إنَّ النُّبوءةَ أوِ التَّنَبُّؤاتِ المستقبليَّة تُشَكِّلُ خُمْسَ الكتابِ المقدَّس. ومِنْ أصْلِ هذا الخُمْسِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ (الذي يَذْكُرُ نُبوءاتٍ مُستقبليّةً) فإنَّ ثُلْثَ هذا الكَمِّ يُشيرُ إلى المجيءِ الثاني ليسوعَ المَسيح. وقد أَحْصى البعضُ أنَّ هناكَ 660 نبوءة عامَّة، وأنَّ 333 منها تَختصُّ بالمسيح (109 منها تَحقَّقت في مجيئِهِ الأوَّل، و 224 نُبوءة ستتحقَّق في مَجيئِهِ الثاني). لذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يتحدَّث كثيرًا عن مجيئه الثاني.

ومِنْ أَصْلِ سِتَّةٍ وأربعينَ نَبِيًّا في العهد القديم، فإنَّ أقَلَّ مِنْ عشرةٍ منهم تحدَّثوا عن مَجيئِهِ الأوَّل. أمَّا الأنبياء السِتَّة والثَّلاثون الآخرون فتحدَّثوا عن مجيئِهِ الثَّاني. وهناك أكثر مِنْ ألفٍ وخَمسِمِئَةِ مَقطعٍ في العهدِ القديم يُشيرُ بطريقةٍ أو بأخرى إلى المجيء الثاني ليسوع المَسيح. ومِنْ بين كُلِّ خمسٍ وعشرينَ آية في العهد الجديد، هناك آية واحدة تتحدَّث مباشرةً عن المجيء الثاني ليسوع المَسيح. وفي كُلِّ مَرَّة يَذْكُرُ فيها الكتابُ المقدَّسُ المجيءَ الأوَّلَ للمسيح، فإنَّه يَذْكُرُ المجيءَ الثَّاني ثَماني مَرَّات. وفي كُلِّ مَرَّة يَذْكُرُ فيها الكَفَّارةَ مَرَّةً واحدةً، فإنَّه يَذْكُرُ المجيءَ الثاني مَرَّتَيْن. ويَسوعُ يُشيرُ إلى مجيئه الثاني واحدا وعشرينَ مَرَّةً. وهو يَقولُ لنا أكثرَ مِنْ خَمسينَ مَرَّة أنْ نكون مُستعِدِّين لمجيئه.

لذا فإنَّ هذه فِكْرة رئيسيَّة في الكتاب المقدَّس. وأنا أُشيرُ إلى هذهِ الأرقامِ لا لكي تَتذكَّرُوها، بل لكي تَشعروا باتِّساعِ مَدى الكلمة النبويَّة التي تُشيرُ إلى المجيءِ الثاني.

وما يُدْهشني هو أنَّه في اجتماعِ مُمَثِّلي الكنائِسِ مِنْ حول العالم والذي عُقِد في "إيفانستون" (Evanston) بولاية "إيلينوي" (Illinois) برعاية مَجلسِ الكنائِسِ العَالمِيِّ، قَاموا باستطلاعٍ فوجدوا أنَّ عَشرة بالمئة فقط مِنْ رِجالِ الدِّينِ البروتستانت الأمريكان يُوْلُونَ أهميَّةً (مهما كانَ مِقدارُها) لعقيدةِ المجيءِ الثاني. فتِسعونَ بالمئة منهم قالوا إنَّها عقيدة ليست مُهِمَّة.

والحقيقة هي أنَّ بُطرسَ تَنَبَّأَ عن هذا النَّوعِ مِنْ عدم الإيمان حين قال: "أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟" فهذا هُوَ السُّؤالُ الَّذي كانَ المُسْتَهْزِئونَ يَطْرَحُونَهُ. فالمستهزئونَ يُريدون دَائمًا أنْ يُنْكِروا المجيءَ الثاني لأنَّه مُرتبطٌ بالدينونة، ولأنهم غيرُ مُستعدِّينَ وغيرُ جاهزين لِمواجهةِ دينونةِ الله. وبالرَّغمِ مِمَّا قد يَقولُهُ المُستهزئون، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُوَضِّحُ أنَّ يَسوعَ سيأتي ثانيَّةً.

ولكي أُبَرْهِنَ لكم على ذلك وأُوَسِّعَ مَدارِكَكُم، هناك أمورٌ عديدةٌ في الكتابِ المقدَّسِ تقتضي عَوْدة المَسيح. فالأمرُ لا يتوقَّف فقط على كَثْرةِ عددِ النُّبوءات. فَهُناك قضايا مُهمَّة أُخرى تَقتضي عَوْدة المَسيح. واسمحوا لي أنْ أَذْكُرَ لكم بعضًا منها. وأرجو أنْ تُصْغُوا بعنايةٍ شديدةٍ في أثناء حَديثي عنها.

أوَّلاً، إنَّ وَعْدَ اللهِ يَقتضي عَوْدةَ المَسيح. فَوَعْدُ اللهِ يقتضي أنْ يأتي المَسيحُ ثانيَّةً. فعلى سبيل المثال، نقرأ في سِفْر التَّكوين 49: 10، وهي أوَّلُ نُبوءةٍ عن حُكْمِ المَسيح: "لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ". فمِنْ صُلْب يهوذا سيأتي "شيلون" [أيِ المَسيح] والشعوبُ تخْضَع لَهُ. وهذا لم يحدُث بعد، ولكنَّ اللهَ وَعَدَ بأنَّه سيحدُث. فإنْ لم يكُن ذلك قد حَدَثَ في المَرَّةِ الأُولى التي جاءَ فيها يسوعُ، فإنَّه سيحدُث في المَرَّةِ الثانية التي سيأتي فيها.

وفي المزمورِ الثاني، وَعَدَ اللهُ أنَّ الشعوبَ ستَسْجُدُ ليسوعَ المَسيح، وأنَّه سيَحْكُمهم بقَضيبٍ مِنْ حديد. وهذا لم يَحدُث بعد، بل إنه سيحدُث في المستقبل. فهو لم يحدُث في مَجيئِهِ الأوَّل، ولكنَّه سيحدُث في مجيئِهِ الثاني.

وقد قالَ إشَعْياء إنَّهُ سيكونُ "إلهًا قديرًا، أبًا أبديًّا": "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ ... وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ". وهذا لم يَحْدُث في المَرَّةِ الأولى الَّتي جاءَ فيها. فهو لم يُنْشِئ حُكومَةً. وَهُوَ لم يَصِرْ رَئيسًا. لِذا فإنَّ ذلكَ سيحدثُ في المستقبل.

ويُخبرُنا الكتابُ المقدَّسُ في سِفْرِ زكريَّا أنَّه عندما يأتي فإنَّه سَيَشُقُّ جبلَ الزَّيتونِ مِنْ وسَطِهِ، وأنَّ الأمم ستُجْمَع هناك للدَّينونة. ويُخبرُنا الكتابُ المقدَّسُ أنَّه عندما يأتي فإنَّهُ سَيُؤسِّسُ مَلكوتًا جديدًا. ويمكنكم أن تَقرأوا عن ذلك في سِفر إشعياء. فهذه الأحداثُ لم تتحقَّق بعد. فهي لم تتحقَّق في مَجيئِهِ الأوَّل. وهذا يَعني أنَّها ستَحْدُث في مجيئِهِ الثاني.

ونقرأُ في سِفْرِ العَدَد والأصحاحِ الثَّالثِ والعِشرين: "لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ". فاللهُ يقولُ إنَّ هذا سيحدث. لذا، لا بُدَّ أنْ يأتي ابنُ اللهِ ثانيةً لكي يَحْدُثَ ذلك. فَوَعْدُ اللهِ يَقتضي حُدوثَ المجيءِ الثَّاني.

ثانيًا، إنَّ كلمات يسوع تقتضي المجيء الثاني. فقد قال يسوع في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14: "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا. وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا". فقد وَعَدَ يسوعُ أنَّهُ حينَ يَمْضي فإنَّهُ سيعودُ ثانيةً. وَوَعْدُ يسوعَ يَقتضي المجيءَ الثَّاني.

وقد قالَ يسوعُ في الأصحاح 19 مِنْ إنجيل لوقا: "إِنْسَانٌ شَرِيفُ الْجِنْسِ ذَهَبَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ لِيَأْخُذَ لِنَفْسِهِ مُلْكًا وَيَرْجعَ. فَدَعَا عَشَرَةَ عَبِيدٍ لَهُ وَأَعْطَاهُمْ عَشَرَةَ أَمْنَاءٍ، وَقَالَ لَهُمْ: تَاجِرُوا حَتَّى آتِيَ. وَأَمَّا أَهْلُ مَدِينَتِهِ فَكَانُوا يُبْغِضُونَهُ، فَأَرْسَلُوا وَرَاءَهُ سَفَارَةً قَائِلِينَ: لاَ نُرِيدُ أَنَّ هذَا يَمْلِكُ عَلَيْنَا. وَلَمَّا رَجَعَ بَعْدَمَا أَخَذَ الْمُلْكَ، أَمَرَ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ أُولئِكَ الْعَبِيدُ الَّذِينَ أَعْطَاهُمُ الْفِضَّةَ، لِيَعْرِفَ بِمَا تَاجَرَ كُلُّ وَاحِدٍ". وأنتم تَعرفونَ كيفَ تَمْضي بَقيَّةُ القِصَّة.

ونقرأ في العدد 26: "لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ. أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي". وما قَصَدَهُ يسوعُ هُوَ: "أنا الملك. وأنا سأمضي. ولكنِّي سأعود. وسوفَ أَفْحَصُ ما فَعلتموهُ بامتيازِ الإنجيلِ الَّذي أُعْطِيَ لكم. فإنْ لم تفعلوا شيئًا به، سوفَ أَدينُكُم. أمَّا إنْ آمَنْتُم بي فسوفَ آخُذُكُمْ إلى المَجْدِ مَعي". فهو الملكُ الَّذي مَضى، والذي سيعود. فهو سيعودُ ليُكافئَ خاصَّتَهُ، وسيعودُ لإدانَةِ أولئكَ الذينَ رَفضوه.

لقد أَرسلَ الرَّبُّ يَسوعُ مَلاكًا إلى يوحنَّا. وقد جاء ذلك الملاكُ إلى يوحنَّا حين شَرَع في كتابة سِفر الرُّؤيا. وقد قالَ يسوعُ لذلكَ المَلاك سِتَّ مَرَّاتٍ: "قُلْ لَهُ أنْ يَكْتُبَ: ’وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا‘". فقد وَعَدَ يسوعُ أنَّهُ سيأتي ثانيةً. ووعدُهُ يَقتضي المجيءَ الثَّاني. إذَنْ، فهو سيأتي لأنَّ اللهَ (الَّذي لا يَكْذِب) قالَ ذلك. وَهُوَ سيأتي لأنَّ يسوعَ نَفسَهُ (الَّذي لا يَنْطِقُ بشيءٍ سِوى الحَقّ) قالَ ذلك.

ثالثًا، إنَّ ضَمانَةَ الرُّوحِ القُدُس تقتضي ذلك. فالروحُ القُدُس يُدعى في إنجيل يوحنَّا 15: 26 "رُوْحُ الحَقِّ". وقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا 16: 13: "فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الحَق". وَهُوَ "يَأخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ". وما قَصَدَهُ هنا هو أنَّهُ سيوحي بالكتابِ المقدَّس. فهو سيُحَرِّكُ كُتَّابًا يكتبونَ الكتابَ المقدَّسَ المُوحى به. لذلك، في كُلِّ مَرَّةٍ تقرأونَ فيها عنِ المجيءِ الثاني (في رسالة كورِنثوس الأولى 1: 4-8، أو في رسالة فيلبِّي 3: 20-21، أو في رسالة كولوسي 3: 4، أو في رسالة يعقوب 5: 8، أو في رسالة بُطرس الأولى 1: 13، أو في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 2-3، وَهَلُمَّ جَرَّا)، في كُلِّ مَرَّةٍ تقرأونَ فيها عنِ المجيءِ الثاني للمسيح، هناكَ شهادةُ الرُّوحِ القُدُسِ بِصِفَتِهِ مَصْدَرَ الوَحْيِ للكاتِب.

لقد وَعَدَ اللهُ أنَّ المَسيحَ سيأتي. وقد وَعَد المسيحُ نَفسُهُ أنَّه سيأتي. وقد وَعَدَ الرُّوحُ القُدُسُ أنَّه سيأتي. لذلك لا بُدَّ أنْ يأتي لأنَّ وُعودَ الثَّالوثِ ومِصداقيَّةَ الثالوثِ على المِحَكِّ.

رابعًا، لا بُدَّ أنْ يأتي يَسوعُ ثانيَّةً لأنَّ خُطَّةَ اللهَ للكنيسةِ تقتضي ذلك. فخُطَّةُ اللهِ للكنيسةِ تقتضي ذلك. وهذا مُبَيَّنٌ في سِفر أعمال الرُّسُل والأصحاح 15. وسوف أُريكُم مقطعًا قصيراً جدًّا ولكنهُ قَوِيٌّ وَرَدَ في سِفر أعمال الرُّسُل 15: 14. فقد جاء بولُس وبرنابا وقَدَّما تقريرًا عنِ اهتداءِ الأُمم، وَهَلُمَّ جَرَّا. ثُمَّ إنَّ يعقوب تَحَدَّث. وإليكم ما قالَهُ ابتداءً بالعدد 14 إذْ نقرأ: "سِمْعَانُ قَدْ أَخْبَرَ كَيْفَ افْتَقَدَ اللهُ أَوَّلاً الأُمَمَ لِيَأْخُذَ مِنْهُمْ شَعْبًا عَلَى اسْمِهِ". بعبارةٍ أخرى، هُناكَ قَصْدٌ إلهيٌّ. وهذا القَصْدُ هو أنْ يَأخُذَ مِنَ الأُمَمِ شَعْبًا على اسْمِهِ.

ثُمَّ نقرأ في العدد 15: "وَهذَا تُوافِقُهُ أَقْوَالُ الأَنْبِيَاءِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ [وَهُو يَقتبسُ هُنا مِنَ العهدِ القديمِ – وتَحديدًا مِنْ سفرِ عاموس وسفر إرْميا]: سَأَرْجعُ بَعْدَ هذَا وَأَبْنِي أَيْضًا خَيْمَةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ، وَأَبْنِي أَيْضًا رَدْمَهَا وَأُقِيمُهَا ثَانِيَةً، لِكَيْ يَطْلُبَ الْبَاقُونَ مِنَ النَّاسِ الرَّبَّ، وَجَمِيعُ الأُمَمِ الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ الصَّانِعُ هذَا كُلَّهُ. مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ".

والآن اسمحوا لي أنْ أشرح لكم ما يَجْري هنا. فقد عَادَ بُطرس وقال إنَّ اللهَ يُخلِّصُ الأُمم. ومِنَ الواضح أنَّ بولُسَ وبرنابا قدِ اختَبَرا ذلك أيضًا. وَهُمْ يقولونَ إنَّ اللهَ يأخُذ شَعْبًا - فاللهُ يَدعو لنفسهِ شَعْبًا مِنْ جميع الأُمم. ونقرأُ في العدد الحادي عَشَر أنَّهُمْ يَخْلُصونَ "بِنِعْمَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ المَسِيحِ كَمَا أولئكَ أيضًا [أيِ اليَهود]". وهذهِ هي الكنيسة. ومِنَ المُدهشِ أنْ نَرى أنَّ اللهَ يَدْعو لنفسِهِ شَعْبًا مِنَ الأُمَم.

لذلك فقد وَقَفَ يَعْقوبُ (الأخُ غيرُ الشَّقيقُ لِرَبِّنا) واقتبسَ نُبوءَةً وَرَدَتْ في الأصل في سِفْر عاموس 9: 11-12 فقال: أليسَ هذا هوَ تمامًا ما قالَهُ عاموسُ بأنَّ الرَّبَّ سيقومُ لا فقط بإعادةِ بناءِ خَيمةِ داوُدَ السَّاقطة، بل إنَّهُ سيقومُ أيضًا بِدَعْوَةِ جَماعَةٍ مِنَ الأُمَم؟ وحينئذٍ فإنَّهُ سيُقيمُ مَمْلَكَةً.

أجل! فخيْمَةُ داود، أوِ الملكوتُ، أوْ بيتُ داود، أوِ البيتُ المَلَكِيُّ سَيُبْنى ثانيَّةً ويُسْتَردُّ. وهذه إشارة إلى الملكوت. ولكنْ قبل أنْ يَحْدُثَ ذلك، لا بُدَّ مِنْ وُجودِ شُعوبٍ يَدعوها اللهُ. إذَنْ فإنَّ ترتيب الأحداث هنا هو كالتالي: دَعْوةُ الكنيسةِ، ثُمَّ يأتي بعد ذلك الملكوتُ إذْ نقرأ في العدد 16: "سَأَرْجعُ بَعْدَ هذَا وَأَبْنِي أَيْضًا خَيْمَةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ". وهذا هوَ تمامًا ما قالَهُ النَّبِيُّ.

لذلكَ فإنَّ النقطةَ الجوهريَّةَ هي أنَّ اللهَ سيَدعو لِنَفْسِهِ كَنيسةً. ثُمَّ إنَّه سيَعودُ ويُؤسِّسُ مَملكَتَهُ. وفي تلك المملكةِ، سيكونُ جميعُ الأُممِ خاضعينَ للمَسيح. ونحن ما زِلْنا في العدد 14. ولنرجِع إلى تلك الآية الرئيسيَّة. فاللهُ يأخُذُ مِنْ أُمَمِ العالمِ شَعْبًا على اسمهِ. بعد ذلك (في العدد 16) فإنَّه سيعود. لذا فإنَّ خُطَّةَ اللهِ للكنيسةِ تقتضي دَعْوةَ الكنيسةِ ثُمَّ المجيء ثانيَّةً. والكنيسةُ بحسب ما قالَهُ بولُسُ هي أَشْبَهُ بعَذراء تنتظر زوجَها (كما جاء في رسالة أفسُس 5: 25-27). ونقرأ في رسالة تسالونيكي الأُولى أنَّ الكنيسةَ تَنتظرُ الاختطاف. لذلك فإنَّ خُطَّةَ اللهِ للكنيسةِ تقتضي عَوْدةَ المَسيح.

كذلك فإنَّ خُطَّةَ اللهِ للأمم تقتضي ذلك أيضًا. والوقتُ المُتاحُ لدينا لا يَتَّسِع لتوضيحِ ذلك تمامًا؛ ولكنَّ خُطَّةَ اللهِ للأُمم تقتضي عَوْدةَ المَسيح. لماذا؟ نقرأ في المزمور الثاني أنَّه ينبغي أنْ يأتي ثانيَّةً وأنْ يَمْلِكَ على الشُّعوب. وما أعنيه هو أنَّ هذه نُبوءة معروفة لأيِّ دارسٍ للكتابِ المُقدَّس. وسِفرُ يُوئيل 3: 2 يتحدَّثُ عن الوقتِ الذي يأتي فيه الرَّبُّ إذْ نَقرأُ: "أَجْمَعُ كُلَّ الأُمَمِ وَأُنَزِّلُهُمْ إِلَى وَادِي يَهُوشَافَاطَ، وَأُحَاكِمُهُمْ هُنَاكَ". وهذا الكَلامُ مُستقبليٌّ.

وَهُوَ يَتحدَّثُ في العدد التاسع عنْ حَرْبٍ. ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ: "اِطْبَعُوا سِكَّاتِكُمْ سُيُوفًا، وَمَنَاجِلَكُمْ رِمَاحًا". وَهُوَ يَتحدَّثُ عنْ مَعركةِ هَرْمَجَدُّون العظيمة ويقول: "جَمَاهِيرُ جَمَاهِيرُ فِي وَادِي الْقَضَاءِ". فسوفَ يأتي وقتٌ مُستقبليٌّ، وتأتي حَرْبٌ مُستقبليَّةٌ، ودينونةٌ مُستقبليَّةٌ. وفي أثناءِ تلكَ الحربِ، وفي زَمَنِ تلكَ الدَّينونةِ، سوفَ يأتي المسيَّا ويُنَفِّذُ قَضاءَهُ العَظيم.

والحقيقة هي أنَّنا نقرأُ في سِفْر يوئيل 3: 12: "لأَنِّي هُنَاكَ أَجْلِسُ لأُحَاكِمَ جَمِيعَ الأُمَمِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ". فهذا هُوَ دَوْرُ المَسِيَّا. وفي ضَوْءِ البَرنامجِ المُختصِّ بدينونةِ الأُمَمِ في المستقبل، ووادي يَهوشافاط، ووادي القضاء، فإنَّ دينونةَ الأُمَمِ تَقتضي أنْ يأتي يسوعُ ثانيةً.

سادسًا، إنَّ خُطَّةَ اللهِ لإسرائيل تقتضي أنْ يأتي ثانيَّةً. ويمكنكم أنْ تقرأوا ما جاء في العهد القديم. ولا حاجة حتَّى إلى ذِكْرِ العديدِ مِنَ الآياتِ الكتابيَّة. ولكنكم ستجدونَ مِرارًا وتَكرارًا في العهد القديم أنَّ اللهَ قد وَعَدَ إسرائيل بمملكة. فقد وعَدَ أنْ يأتي المَسيَّا ويُعْطيهم الملكوت. وقد جاءَ المَسيَّا ولكنَّهم لم يَحصلوا على الملكوت. فمثلاً، نقرأ في إشعياء 59: 20: "وَيَأتِي الْفَادِي إِلَى صِهْيَوْنَ وَإِلَى التَّائِبِينَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي يَعْقُوبَ، يَقُولُ الرَّبُّ. أَمَّا أَنَا فَهذَا عَهْدِي مَعَهُمْ، قَالَ الرَّبُّ: رُوحِي الَّذِي عَلَيْكَ، وَكَلاَمِي الَّذِي وَضَعْتُهُ فِي فَمِكَ لاَ يَزُولُ مِنْ فَمِكَ، وَلاَ مِنْ فَمِ نَسْلِكَ، وَلاَ مِنْ فَمِ نَسْلِ نَسْلِكَ، قَالَ الرَّبُّ، مِنَ الآنَ وَإِلَى الأَبَدِ".

بعبارةٍ أخرى، فإنَّ اللهَ يقول: "سوفَ آتي وأُعطيكم خلاصًا أبديًّا". ومِنَ الواضحِ أنَّ هذا لم يحدث بعد لإسرائيل. فالمسيحُ لم يَفعل ذلكَ بعد. ففي أوَّلِ مَرَّةٍ جاءَ فيها، قَتَلوه ورَفَضوه. ولكِنَّهُ سيأتي مَرَّةً أُخرى ويُؤمِنونَ به. فنحنُ نقرأ في سِفْر إرْميا 23: 5: "هَا أَيَّامٌ تَأتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأُقِيمُ لِدَاوُدَ غُصْنَ بِرّ، فَيَمْلِكُ مَلِكٌ وَيَنْجَحُ، وَيُجْرِي حَقًّا وَعَدْلاً فِي الأَرْضِ. فِي أَيَّامِهِ يُخَلَّصُ يَهُوذَا، وَيَسْكُنُ إِسْرَائِيلُ آمِنًا". وأنتم تَعلمونَ أنَّ هذا لم يَحدُث بعد. ولكنَّ المسيَّا سيأتي، ويُخَلِّصُهم، ويَمْنَحُهُم سلامًا، ورَخاءً، وأمانًا، ومَملكةً.

والثَّالوثُ نَفسُهُ يَضْمَنُ مَجيءَ المَسيحِ ثانيَّةً. فاللهُ الآبُ، واللهُ الابنُ، واللهُ الرُّوحُ القُدُسُ وَعَدَ بذلك. والخُطَّةُ التي وَضَعَها اللهُ للأُمم، ولإسرائيل، وللكنيسة، تَتطلَّبُ كُلُّها عَودةَ المَسيح. فيجب أنْ يأتي ثانيَّةً لكي يَدينَ الأُمم. ويجب أنْ يأتي ثانيَّةً لكي يَجمعَ الكنيسة. ويجب أنْ يأتي ثانيَّةً لكي يُعْطي المُلْكَ لإسرائيل.

وهناك ثَلاثُ نِقاطٍ بسيطةٍ أُخرى. فاتِّضَاعُ يَسوعَ المَسيح يَقْتَضي أنْ يأتي ثانيَّةً. فاتِّضاعُ المَسيح يَقْتَضي أنْ يأتي ثانيَّةً. فقد جاء إلى هذا العالم ورفضوه. فقد أداروا ظُهُورَهُم لَهُ ورفضوه. ولا يمكن أنْ تنتهي القِصَّة هكذا. فلا يُعْقَل أنْ تنتهي هذه النهاية. لذلك فإنَّه سيأتي ثانيَّةً. فسوف يأتي وقتٌ يعود فيه يَسوعُ بمجْدٍ فيَسْجُدوا لَهُ.

وفي الأصحاح 26 مِنْ إنجيل مَتَّى، هُناكَ قِصَّة مُرَوِّعةَ مذكورة في هذا الجزءِ مِنْ إنجيل مَتَّى عن مَوْت المَسيح. ولكنْ في مُنتصفِ القِصَّة، فيما كان يسوعُ ماثِلاً أمام رئيسِ الكهنة، اسمعوا ما قالَهُ يَسوعُ في إنجيل مَتَّى 26: 63 إذْ نقرأ: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتًا. فَأَجَابَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَــنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَــكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ». فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قائلًا: «قَدْ جَدَّفَ!». حِينَئِذٍ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَلَكَمُوهُ".

وقد قالَ يسوع: "لم تَرَوْا بعد الجُزءَ الأخيرَ المُختصَّ بي. فأنا لن أَدَعَ هذهِ المَلْحَمَةَ تَنتهي باتِّضاعي. بل إنَّكم ستَرَوْنَني في قُوَّتي وسَتَرونَني في مَجدي". وصَدِّقوني أنَّ العالمَ لم يَرَ بَعْد الجُزءَ الأخيرَ المُختصَّ بيسوع. ومِنَ الصَّعْبِ على أيِّ مُؤمِنٍ (فَكَمْ بالحَرِيِّ على اللهِ) أنْ يَتَخَيَّلَ أنْ تكونَ نَظرَةُ العالمِ الأخيرة ليسوعَ المسيحِ هي أنَّهُ كانَ مُجْرِمًا مَصْلوبًا يَنْزِفُ ويُوْشِكُ أنْ يَموتَ، وأنْ يَتذكَّروا الدَّمَ، والبُصَاقَ، والذُّبابَ الَّذي كانَ يُغَطِّي جَسَدَهُ كُلَّهُ وَهُوَ مُعَلَّقٌ عَارِيًا في سَماءِ اليَهوديَّة. فهذه لن تكونَ النَّظرة الأخيرة لابْنِ اللهِ. إنَّها لن تكونَ النَّظرة الأخيرة.

ثامنًا، هناكَ سَبَبٌ آخرُ يَقْتَضي مَجيءَ يسوعَ ثانيةً وَهُوَ أنَّ ارْتِفاع الشَّيْطانِ يَقتضي ذلك. فَالشَّيطانُ سيَرتَفِع إلى حِيْن. وَهُوَ يُدْعَى ثلاثَ مَرَّاتٍ في الكتابِ المقدَّسِ: "رَئيسُ هذا العالَمِ". وبولسُ يَدْعوهُ "إِلهُ هذَا الدَّهْرِ". ويوحنَّا يقولُ إنَّ "العَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ". وكاتبُ الرِّسالةِ إلى العِبرانيِّين يقول عِنْهُ إنَّهُ "الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ المَوْتِ". ولكِنَّ يسوعَ دَمَّرَ ذلكَ السُّلْطان. فنحنُ نقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 8 أنَّ يسوعَ جاءَ "لكي يَنْقُضَ أعْمالَ إبليس" - أيْ لكي يُدَمِّرَ الشَّيطان. فقد جاءَ لكي يُهْلِكَهُ. ونقرأُ في رسالة رُومية 16: 20: "وَإِلهُ السَّلاَمِ سَيَسْحَقُ الشَّيْطَانَ ... سَريعًا". لذلك، لا بُدَّ أنْ يأتي يسوعُ ثانيةً لكي يَخْلَعَ الغَاصِبَ الَّذي اغْتَصَبَ عَرْشَ هذا العالم.

وأخيرًا، النقطة التاسعة: إنَّ رَجاءَ القدِّيسين يَقْتَضي ذلك، إنَّ رَجاءَ القدِّيسين يَقْتَضي ذلك. فوعدُ اللهِ المُثلَّث الأقانيم يَقْتَضي ذلك، وخُطَّةُ اللهِ تَقْتَضي ذلك، واتِّضاعُ المَسيحِ يَقْتَضي ذلك، وارتفاعُ الشيطانِ يَقْتَضي ذلك، ورَجاؤُنا يَقْتَضي ذلك. فإنْ كان لنا في هذه الحياةِ فقط رَجاء، فإنَّنا [ماذا؟] أَشْقى جميعِ الناس. ولكنَّنا نَمتلكُ رَجاءً لأنَّنا نَعْلَم أنَّ يسوعَ آتٍ وأنَّ هناك حياةً أبديَّةً تنتظرُنا.

ولكِنْ ليسَ هذا فحسب. فنحنُ لا نَنتظرُ السَّماءَ فحسب، بل إنَّنا نَنْتَظِرُ أيضًا مَجيءَ المسيح. استمعوا إلى ما جاءَ في الرِّسالة إلى تِيْطُس 2: 11: "لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ، مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ، مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ". فَنَحْنُ نَنْتَظِرُ مَجيءَ المسيح. ونقرأُ في الرِّسالةِ الثَّانيةِ إلى تيموثاوُس 4: 8 أنَّنا نُحِبُّ ظُهُورَهُ.

لذلك، فإنَّ جَوْهَرَ الإنجيلِ المسيحيِّ والإيمانِ المسيحيِّ يَتطلَّبُ مِنَّا أنْ نُؤمِنَ بالمجيء الثاني ليسوع المَسيح. فمِصْداقيَّةُ الثَّالوثِ على المِحَكِّ. ومِصداقيَّةُ خُطَّةِ اللهِ لأجلِ الكنيسةِ ولأجلِ إسرائيلَ ولأجل الأُمم على المِحَكِّ. وخَلْعُ الشيطانِ عن عرْشِه على المِحَكِّ. وكذلك أيضًا تحقيق انتظار المؤمنينَ ورجائهم.

وسوفَ يَكْشِفُ سِفْرُ الرُّؤيا عناصِرَ عَديدَة مِنْ هذه النقاطِ التِّسْعِ كُلِّها في أثناءِ دِراسَتِنا لهذا السِّفْر. ولكنَّ كُلَّ ما ذَكَرْتُهُ لكم يَهْدِفُ فقط إلى التَّأكيدِ على الجُملةِ الافتتاحيَّةِ الواردة في الآية السابعة والتي تقول: "هُوَذَا [ضَعُوا خَطًّا تَحْتَ الكَلِمَةِ التَّالية:] يَأتِي". فَكُلُّ شَيءٍ يَقتضي مَجيئَهُ. فَهُوَ آتٍ.

وفيما يُقدِّم لنا يوحنَّا نظرةً سريعةً، ينبغي أنْ تنتبهوا جيِّدًا. وسوف أُقَدِّمُ لكم بعض الأفكارِ البسيطة جدًّا والمُباشرة. فهو يُبَيِّنُ لنا مَجْدَ ذلك، وهذه هي النقطة الأُولى. فكلُّ ما سَبَقَ هو مُجرَّدُ مُقدِّمة. وإليكم النقاط التي أريد منكم حقًّا أنْ تُرَكِّزوا عليها. فبعد أنْ عَرفتم أنَّه آتٍ، وأنَّ كُلَّ شيءٍ يَقْتَضي ذلك، فإنَّ أوَّلَ شَيءٍ هو المَجْدُ الكامِنُ في ذلك. وَمَجْدُ مَجيئِهِ مُشارٌ إليهِ بالعِبارة: "مَعَ السَّحَابِ.

وإذا درستم الكتابَ المقدَّسَ ستجدون أنَّ "السُّحُبَ" تُؤدِّي دورًا مُهمًّا. فقد كانت السحابةُ رَمْزَ حضورِ اللهِ في وَسْطِ شعبِه في الصَّحراءِ في أثناءِ تِيْهِهِمْ في البَرِّيَّة. فلَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ اللهَ كانَ يَقودُهُمْ بواسِطَةِ سَحابَةٍ في النهار. ولَعَلَّكُم تذكرون أيضًا أنَّ سحابةَ مَجْدِ اللهِ غَطَّتْ خَيْمةَ الاجتماعِ في الأصحاح 40 مِنْ سِفر الخروج حين اكْتَمَلَ بِناؤُها. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أيضًا أنَّه عندما اكتملَ بِناءُ الهيكلِ فإنَّنا نقرأ في سِفر الملوك الأوَّل 8: 10: أَنَّ سَحابَ مَجْدِ اللهِ "مَلأَ بَيْتَ الرَّبِّ". ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أيضًا ما جاءَ في سِفْر دانيال 7: 13 إذْ نَقرأُ أنَّ ابْنَ الإنسانِ سيأتي "مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ".

ولَعَلَّكُم تذكرون أنَّه عندما جاء يسوع ومَضى إلى الجبل وتَجَلَّى، فإنَّنا نقرأ في إنجيل مَتَّى 17: 5 أنَّ سَحابةً نَزَلَتْ وظَلَّلَتْ ابنَ الإنسانِ على جبلِ التَّجَلِّي ذاك. وعندما صَعِدَ يَسوعُ في سِفر أعمالِ الرُّسُل 1: 9 فإنَّنا نقرأ: "وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ". وعندما يأتي ثانيةً (بحسبِ ما جاءَ في إنجيل مَتَّى 24: 30) فإنَّهُ سيأتي "عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ".

لذلك فإنَّنا نرى هنا أيضًا أنَّه آتٍ مع السحاب. وما الغاية مِنْ ذلك؟ قد يعني ذلك أنَّ مَصدرَ ذلك سَماوِيٌّ. فهو آتٍ مِنَ السماءِ حيث السُّحُب. ولكني أعتقد أنَّ الأمر يَفوقُ ذلك. والحقيقة هي أنَّني لا أعتقد أنَّ النقطة هنا تَخْتصُّ بالسُّحُبِ المعروفةِ لدينا، بل أعتقدُ أنَّ الحديثَ هنا هو عن سحابةٍ (أو سُحُبٍ) مَجيدة - أيْ عن سُحُبٍ وَسُحُبٍ مِنَ المَجْد.

فإذا رجعتم إلى العهد القديم (وتحديدًا إلى سِفْر التَّكوين)، فإنَّكم تقرأون عن سحابة المَجْد التي كانت نُوْرًا، وضِياءً - أي نُوْرًا ساطِعًا ومُشْرِقًا إذْ إنَّ اللهَ أَظْهرَ ذاتَهُ في نُوْرٍ قابِلٍ للرُّؤية. وقد كان يُمكنُ سَماعُهُ أيضًا لأنَّهم سَمِعوهُ في جَنَّةِ عَدْن. فنحن نَسمعُ أنَّهمُا سَمِعا اللهَ يَمشي في الجنَّة. ولا بُدَّ أنَّه كان نُورًا مَشحونًا بالطاقة. فاللهُ رُوحٌ وليسَ جسد. واللهُ ليس إنسانًا، ولكنَّه أظْهَر نفسَه في نورٍ ساطعٍ مُفْعمٍ بالطاقة. وقد كان ذلك النورُ قويًّا جدًّا وساطعًا جدًّا حتَّى إنَّه لم يكن بمقدور أيِّ شخصٍ أنْ يَراهُ كُلَّهُ ويعيشَ (كما جاء في الأصحاح 33 مِنْ سِفر الخروج). لذلك، يمكنكم أنْ تَرَوْا شُعاعًا صغيرًا منه فقط. فقد كان ينبغي أنْ يكون مَحْجُوبًا.

ولكنْ في المستقبل، عندما يعود المَسيح، فإنَّ المَجْدَ لنْ يكون مَحجوبًا. فالشيءُ الأوَّلُ الذي سيفعلُهُ اللهُ هو أنَّه سيُطْفِئُ الكون. فالشمسُ ستنطفئ. والقمرُ سيختفي، والنجومُ ستختفي، والكونُ كُلُّه سيصيرُ ظلامًا دامسًا. وسوف نرى ذلك في سِفر الرُّؤيا. وفي ذلك الكون المُظْلِم جدًّا، سيأتي المَجْدُ مِنَ السماءِ ويكون مَجْدُ يسوعَ المَسيحِ البَهِيِّ أَعْظَمَ مِنْ مَليونِ شَمْس.

لذلك فإنَّنا نَرى مَجْدَ مجيئه. وبالمناسبة، هل تعلمون ما الذي يُشَكِّلُ ذلك السَّحاب؟ إنَّه بهاءُ مَجْدِ المَسيح الذي هو صُورةُ الآبِ، وبهاءُ مَجْدِ الآبِ، ورَسْمُ جَوهَرِه (كما جاء في عبرانيِّين 1). ويمكنكم أنْ تُضيفوا إلى ذلك رَبَواتِ رَبَواتٍ، وأُلوفَ ألوفٍ (أيْ عَدَدًا هائلاً جدًّا) مِنَ الملائكةِ القِدِّيسينَ في مَجْدٍ بَهِيٍّ. ويمكنكم أنْ تُضيفوا إلى ذلك جَميعَ القِدِّيسين المُمَجَّدينَ مِنَ العهدين القديم والجديد يَتَسَرْبَلونَ بِثيابٍ بِيْض ويَمتطونَ أَحْصِنَةً بيضاءَ بَهِيَّة.

والكلمة المُستخدَمة هي "لوكون" (leukon) ومَعناها: "ساطِع" وليسَ مُجَرَّدَ لونٍ أبيض عاديّ. فهناكَ مَوْكِبٌ خارِجٌ مِنَ الظَّلامِ، مِنَ السَّماءِ السَّوداءِ الَّتي صَارَتْ ساطِعَةً جدًّا. وعندما نَقرأُ: "هُوَذَا يَأتِي مَعَ السَّحَابِ" فإنَّ هذا لا يَعني أنَّهُ سيَكونُ مُبْحِرًا بِوَداعَةٍ على سَحابَةٍ بيضاءَ ظَريفَة. لا وألْفُ لا! وَهُنا يَكْمُنُ مَجْدُ ذلك. وصَدِّقوني أنَّ هناكَ تَفاصيلَ أُخرى بخصوصِ ذلك.

والشيءُ الثَّاني الذي يُقَدِّمُهُ هو نِطاقُ ذلك. فنحن نقرأُ في العدد السابع: "وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ" – كُلُّ عَيْن. فسوف يكون مَجيئُهُ مَنْظورًا مِنَ الجنسِ البشريِّ كُلِّه، ومِنْ كُلِّ شَخْصٍ، ومنَ العالمِ بأسْرِه. وفي هذه المَرَّة، لنْ يكونَ هناكَ أيُّ سُوْءِ فَهْمٍ. ففي المَرَّةِ الأُولى التي جاء فيها يسوعُ، كان مَجْدُهُ مَحْجوبًا. أليس كذلك؟ فقد كان مَحْجوبًا في جسدٍ بَشريٍّ. وذاتَ مَرَّة على جبل التَّجَلِّي، أَزالَ الحِجَابَ فَرَأَوْا مَجْدَهُ البَهِيَّ وخافوا (أيْ: بُطرسُ ويعقوبُ ويوحنَّا). فقد تَمَلَّكَهُمُ الخوفُ. وقد كانوا مؤمنين. وقد كان ذلك مُجرَّد لَمحة صغيرة عن مَجْدِه. ولكنَّه كان مَحجوبًا في جسدِهِ البشريّ. فقد كان مَسْتورًا. وقد كان مُخَبَّأً. ولكنْ عندما يعودُ ثانيَّةً فإنَّه لنْ يكون كذلك. فكُلُّ عَيْنٍ على وجه الأرض ستراه.

ثُمَّ إنَّه يُجَزِّئُ ذلك الجَمْعَ إلى مَجموعتَيْن إذْ نقرأ: "وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ". فهاتانِ هُما المجموعتان. وقد تقول: "ومَنْ يكونُ هؤلاء؟" إنَّهمُ "الَّذينَ طَعَنوه". وهم ليسوا الجنود الرُّومان. فهؤلاءِ مَاتوا منذُ وقتٍ طويل. وَهُمْ لنْ يَرَوْه. إذَنْ مَنْ هؤلاء الذين يتحدَّث عنهم؟ اسمحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لكم عَمَّنْ يَتحدَّث.

افتحوا على إنجيل يوحنَّا 19: 37. فقد أحاطُوا بِهِ (وَنَحْنُ نَتحدَّثُ هُنا بِكُلِّ تأكيدٍ عنِ الجُنودُ): "لكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ [في العدد 34]، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ". وَهُمْ لم يُضْطَرُّوا إلى كَسْرِ سَاقَيْه لأنَّهُ كانَ قد مات. لذا فإنَّنا نقرأ في العدد 36: "عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ" (لأَنَّ هذَا كَانَ لِيَتِمَّ الكِتَابُ). وَأَيْضًا يَقُولُ كِتَابٌ آخَرُ: "سَيَنْظُرُونَ إِلَى الَّذِي طَعَنُوهُ". وما الَّذي يُشيرُ إليهِ ذلك؟

إنَّهُ يتحدَّثُ عن نبوءةِ زَكريَّا. وَمَنْ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ قالَ زكريَّا إنَّهم سينظرونَ إلى الَّذي طَعَنوه؟ لقد قالَ زكريَّا إنَّهُمُ اليهود. فَهُمْ سيكونونَ اليهود. فقد قالَ زكريَّا إنَّهُ سيأتي يومٌ سينظرونَ فيهِ إلى الَّذي طَعَنوه. وَهُوَ يُشيرُ بذلكَ إلى اليهود. وقد تقول: "كيفَ تَعلمُ ذلك؟" لأنَّ هذا هو ما قالَهُ تَحْديدًا: "وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ". فَمَنِ الَّذي طَعَنَ يسوع؟ إنَّهُمْ ليسوا الرُّومان. فَمَنْ هُوَ المسؤولُ عن موتِهِ؟ إسرائيل.

انظروا إلى سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح الثَّاني. فنحنُ نقرأ في سِفْر أعمال الرُّسُل 2: 22: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ [أيُّها الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ]. هذَا أَخَذْتُمُوهُ ... وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ". فأنتُم مَنْ فَعلتُم ذلك. صَحيحٌ أنَّكُم استخدمتم أيدي الرُّومانَ، ولكنَّكُم أنتم مَنْ فَعلتُم ذلك.

ونقرأ في سِفْر أعمال الرُّسُل 3: 14: "وَلكِنْ أَنْتُمْ [وَهُوَ يتحدَّثُ هنا إلى اليهود] أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ". وهذا صحيح. فاليهودُ هُمُ الَّذينَ فَعَلوا ذلك.

إذَنْ ما الذي يقوله في العدد السابع؟ إنَّ اليهود الذين طعنوه سيروْنهُ. فسوف يَرَوْه. والآن اسْمَعوني جيِّدًا: ما سوف تَجدونَهُ في سِفْر الرُّؤيا هو أنَّ بعض هؤلاء اليهود سيكونونَ قد خَلَصُوا عِنْدَ مَجيئِهِ. والحقيقة هي أنَّ هناك مئةً وأربعةً وأربعينَ ألفًا منهم سيَخْلُصون (بِواقِعِ اثْنَيْ عَشَرَ ألفًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ). وهم يُبَشِّرونَ العالم. وسوف يكون هناك يهود آخرون يَخْلُصون في النِّصْفِ الثاني مِنَ الفترةِ التي تُدْعَى "الضِّيقَة" قبل مَجيئِهِ مباشرةً. لذلك فإنَّ البعض منهم (أيْ بعضَ اليهودِ) سينْظُرونَ إليه ويَخْلُصون في ذلكَ الوقت. ولكنْ بالنسبة إلى بعض اليهود الآخرين، عندما يَرَوْنه قادمًا مِنَ السماء لنْ يكونوا قد خَلَصوا بعد. ولكنْ في تلك اللحظة سَيَخْلُصون.

وَهُناك فترة عندَ مَجيءِ المَسيحِ مِنَ السماءِ، قبل الدينونة الأخيرة (وقد تكون هذه الفترة أيَّامًا أو ساعات - فنحنُ لا نَعْلَمُ مُدَّتَها)، ولكنْ سوف تكون هناك فترة للتوبة. وأنا أُوْمِنُ أنَّه بالنسبة إلى الأغلبيَّة العُظْمى مِنْ بَني إسرائيل فإنَّ تلك ستكونُ لحظةَ خَلاصِ اليهودِ الذين سيكونون على قَيْدِ الحياةِ في ذلك الوقت.

افتحوا على الأصحاح 12 مِنْ سِفْر زكريَّا إذْ سأُبَيِّنُ هذا الحَقَّ العَظيمَ لكم. سِفْر زَكريَّا 12: 10: "وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَات". وما مَعنى ذلك؟ أيْ أنَّني سَأُخَلِّصُ اليَهود. فسوفَ أُخَلِّصُهم. "فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ". ولماذا سيَبْكون؟ سوفَ أُخبركم لماذا سيَبكون. سوفَ يبكونَ بسببِ ما فَعَلوهُ بالمسيَّا.

فسوف يأتي يوم يُخَلِّصُ فيه اللهُ بيتَ داود إذْ إنَّه سيُخلِّصُ اليهود لأنَّهُ سيَفيضُ عليهم رُوْحَ النِّعْمَةِ والتَّضَرُّعاتِ. والكلمة "تَضَرُّعات" تعني أنَّه سيُعْطيهم رُوْحَ التَّوبةِ فيتضرَّعون مِنْ أجل الغُفْران. فسوف يَتضرَّعونَ مِنْ أجل الغُفْران. فهو يقول إنَّه سيفعل ذلك لأجلهم وإنهم سَيَرَوْنَ الذي طَعَنوه آتٍ مِنَ السماء. وسوف يَنوحون عليه كَنائِحٍ على ابْنِهِ. وسوف يَبْكونَ بِمَرارةٍ كَمَنْ فَقَدَ بِكْرَهُ لأنَّهم سيُدْرِكونَ ما فعلوه. فسوف يُدْرِكونَ خَطيئَتَهم وتكونُ دُموعُهم دموعَ التَّوبة.

"فِي ذلِكَ الْيَوْمِ [كما جاءَ في العدد 11] يَعْظُمُ النَّوْحُ فِي أُورُشَلِيمَ كَنَوْحِ هَدَدْرِمُّونَ فِي بُقْعَةِ مَجِدُّونَ". فسوفَ يكونُ هناكَ نَوْحٌ عَظيمٌ، وسيكونُ ذلكَ الوقتُ عَصِيبًا. وَهُوَ سيكونُ شبيهًا بالنَّوْحِ الَّذي حَدَثَ في وادي مَجِدُّو عندما قُتِلَ الملكُ البارُّ "يُوشِيَّا" في حَرْبِهِ مَعَ مَلِكِ مِصْر "نَخُو". وهذهِ الحادثةُ مُدَوَّنة في سِفْر أخبار الأيَّام الثَّاني والأصحاح 35. فسوفَ يكونُ ذلكَ وقتَ نَوْحٍ عَظيم.

ثُمَّ نقرأ في العدد 12: "وَتَنُوحُ الأَرْضُ عَشَائِرَ عَشَائِرَ عَلَى حِدَتِهَا: عَشِيرَةُ بَيْتِ دَاوُدَ عَلَى حِدَتِهَا، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى حِدَتِهِنَّ. عَشِيرَةُ بَيْتِ نَاثَانَ عَلَى حِدَتِهَا، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى حِدَتِهِنَّ". وَعَشِيرَةُ بَيْتِ لاَوِي، وَعَشِيرَةُ شَمْعِي، وكُلُّ شَخْصٍ سَيَنوح، وكُلُّ الزَّوجاتِ سَيَنُحْنَ، وَكُلُّ عائلةٍ سَتَنوح. بعبارةٍ أُخرى فإنَّ كُلَّ إسرائيل سَتَنوح.

فسوفَ يأتي المسيحُ في مَجْدٍ بَهِيٍّ. وكُلُّ شخصٍ في العالمِ سَيراه. واليهودُ سَيَرَوْنَهُ. والبعضُ منهم سيَخلُصون. ولكِنْ في هذهِ اللَّحظةِ فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ لم يَخْلُصوا بَعد سيَبكونَ في تَوْبَةٍ وَتَضَرُّعٍ. وسوفَ يَشعرونَ بنعمةِ اللهِ وغُفرانه. ونقرأ في الأصحاح 13 والعدد الأوَّل هذه الكلمات الرائعة: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ [أيْ: في اليَوْمِ الَّذي يأتي فيه] يَكُونُ يَنْبُوعٌ مَفْتُوحًا لِبَيْتِ دَاوُدَ وَلِسُكَّانِ أُورُشَلِيمَ لِلْخَطِيَّةِ وَلِلْنَجَاسَة". وما الَّذي سَيفعَلُه؟ سوفَ يُطَهِّرُهم. سوفَ يُطَهِّرُهم. ويا لَهُ مِنْ حَقٍّ عظيم! إنَّهُ الخلاص.

"وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ [في يومٍ واحدٍ]، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، أَنِّي أُزِيلُ ... الرُّوحَ النَّجِسَ مِنَ الأَرْضِ [في يومٍ واحدٍ]". وهذا سيَحدثُ في يومِ مَجيئِهِ. وبالمُناسَبَة، فإنَّ هذهِ الكلمات مَذكورة أيضًا في سِفْر زكريَّا 3: 9 إذْ نَقرأ: "وَأُزِيلُ إِثْمَ تِلْكَ الأَرْضِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ". وهل تَعلمونَ مَعنى النَّوْح، وَقَرْع الصَّدْر في حَسْرَة، والرِّثاء، والعَويل؟ إنَّهُ نَوْحٌ يُعَبِّرُ عنِ التَّوْبَة. ويجب أنْ تتذكَّروا ذلك. فعندما يأتي يسوعُ بمجدٍ بَهِيٍّ فإنَّ اليَهودَ سَيَتوبون – فإنَّ اليهودَ سَيَتوبون.

ونقرأ في سِفْر إشعياء 25: 9: "وَيُقَالُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: «هُوَذَا هذَا إِلهُنَا. انْتَظَرْنَاهُ فَخَلَّصَنَا". ويا لروعةِ ذلك! فالمئة والأربعة والأربعونَ ألفًا سيكونونَ قد نالوا الخلاصَ أصلاً. وقد كَرَزوا للعالم، ولا سِيَّما لليهود. وهذا يعني أنَّ اليهودَ سيكونون قد سمعوا الإنجيل. وهُمْ سيَرَوْنَ المسيحَ يأتي بمجد. وسوفَ يَقرعونَ صُدورَهُم إذْ يَفيضُ اللهُ عليهم بنِعمتهِ روحَ التَّضَرُّعاتِ ويَجعلُهم يَتَضَرَّعونَ لأجلِ الغُفران. وفي تلك اللَّحظة سيُرسل يُنبوعًا لتطهيرهم مِن خطاياهم. وسوف يَتحقَّق ما جاءَ في الأصحاح الحادي عشر مِنْ رسالة رُومية إذْ يقولُ بولُس: "وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ". فسوفَ يَراهُ اليهودُ ويَنوحونَ نُواحَ التَّوبة.

ولكِنْ لاحظوا المجموعة الثانية الَّتي ستَراه: "وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْض". جميعُ قبائلِ الأرضِ؟ ومَنْ يكونُ هؤلاء؟ نَجِدُ في إنجيل مَتَّى 24: 30 إجابةً مُحَدَّدَةً جدًّا. فنحنُ نقرأُ في إنجيل مَتَّى 24: 30: "وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ [فَهُمْ سيَفعلونَ الشَّيءَ نَفْسَهُ]، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ". فحينَ يُبصرونَهُ آتيًا، سيَنوحونَ أيضًا. ولكِنِ اسْمَعوا جيِّدًا: إنَّهُ ليسَ نُواح التَّوبة.

إنَّهُمُ الأُمَم. فهذه هي بقيَّة العالم. والكلمة "يَنوحون" هُنا هي كلمة مُدهشة. فهي الكلمة "كَبْتو" (kopto)، وهي تعني حرفيًّا: "يَجْرَح". ولكِنْ لماذا تُسْتَخْدَمُ الكلمة "يَجْرَح"؟ لأنَّها مُشتقَّة مِنْ شيءٍ كانَ أهْلُ الشَّرْقِ يفعلونَهُ. فعندما كان النَّاسُ يَحزنونَ جدًّا، كانُوا (لسببٍ غَريبٍ جدًّا) يُجَرِّحونَ أجسادَهُم. وهل تَعرفونَ أُناسًا ما زالُوا يفعلونَ ذلك؟ فقد تَحَدَّثتُ أكثرَ مِنْ مَرَّة إلى أُناسٍ قالوا لي إنَّ هؤلاءِ كانوا في حالةِ يأسٍ شَديد دَفَعَهُم إلى تَجريحِ أجسادِهم.

ونقرأُ في سِفْر الملوك الأوَّل 18: 28 أنَّ أنبياءَ البَعْلِ الخائفينَ والمذعورينَ والمرتعبينَ لأنَّ البَعْلَ لم يَسمع صلواتهم: "تَقَطَّعُوا حَسَبَ عَادَتِهِمْ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ حَتَّى سَالَ مِنْهُمُ الدَّمُ". فالنَّاسُ اليائسينَ قَدْ يُجَرِّحونَ أجسادَهُم. وقد كانَ أهْلُ الشَّرْقِ يَفعلونَ ذلكَ عادَةً. وكما قُلتُ، فإنَّ بعضَ النَّاسِ ما زالوا يَفعلونَ ذلك. لذلك فقد صارَ تَجريحُ الجَسَدِ وَسيلةً للتعبيرِ عنِ النُّواح.

وعندما يأتي يسوعُ، سيَنوحُ اليهودُ عليهِ نُواحَ التَّوبةِ (بحسب ما جاءَ في سِفْر زَكريَّا). والعالمُ سينوحُ عليهِ أيضًا، ولكنَّهُ ليسَ نُواح التَّوبة. فنحنُ نقرأ في العدد 21 مِنَ الأصحاحِ التَّاسع: "وَلاَ تَابُوا عَنْ قَتْلِهِمْ وَلاَ عَنْ سِحْرِهِمْ وَلاَ عَنْ زِنَاهُمْ وَلاَ عَنْ سَرِقَتِهِمْ". فهو ليسَ نَدَمُ التَّوبة. والحقيقة هي أنَّ المَطافَ يَنتهي بهم بِلَعْنِ اللهِ والتَّجديفِ عليه – لا بالتَّوبة. فهناكَ مجموعتان. ففيما يَخْتَصُّ بِنِطاقِ المجيءِ الثَّاني للمسيح فإنَّ الجميعَ سَيَنْظُرُهُ. وفي حين أنَّ اليهودَ سينوحونَ عليهِ نُواحَ التَّوبة، فإنَّ الأُمَمَ سَينوحونَ عليهِ بسببِ الدَّينونةِ والخوف.

أمَّا النقطة الثالثة في هذه الخُلاصة القصيرة فهي: التَّجاوُبُ مَعَ المجيءِ الثَّاني. فمجدُه يُرى في السَّحاب، ونِطاقُهُ يُرى في النَّاسِ الذينَ يَنظرونَهُ، والتَّجاوُبُ مَعَهُ هُوَ أمْرٌ أُحِبُّهُ. "نَعَمْ، آمين". وهذا هُوَ التَّجاوُبُ الرُّوحيُّ الأصليُّ. فيوحنَّا يقول: "نَعَم. لِيَكُن ذلك. افعل ذلك". فهذا هو التَّجاوُب. وَهُوَ يَستخدِم كلمتَيْن هُنا: كلمة يونانيَّة وأُخرى عِبْريَّة. "ناي" (Nai) وهي كلمة يونانيَّة تَعني: "نَعَم". والكلمة "آمين" (amen) هي كلمة عِبْريَّة تعني "نَعَم". لذلك فإنَّهُ يَستخدمُ كِلتا اللُّغَتَيْن لتأكيدِ ذلك. وهو يَفْعَلُ الشَّيءَ نَفسَهُ في العدد 20 إذْ يقول: "آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ" (أيْ: نَعَم، افعَل ذلك). إنَّ يوحنَّا مُتَحَمِّسٌ. وهذا هُوَ تَجاوُبُه. ويجب أنْ يكونَ هذا تَجاوبنا نحن أيضًا.

وأخيرًا، إليكم النُّقطة الرَّائعة الَّتي ينبغي أنْ تفهموها جيِّدًا. فالنُّقطة الأخيرة في هذا المُلَخَّصِ لهذا السِّفْر بخصوصِ عودة المسيح إلى الأرض هي حَتميَّةُ مَجيئه – حَتميَّةُ مَجيئه. وهذا مذكورٌ في العددِ الثَّامن. فالربُّ الإلَهُ يقول: "أَنَا هُوَ ’الألْفا‘ Alpha]] والـ ’أوميغا‘ [Omega، ... الكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأتِي، القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". وقد قرأتُ بعضَ كُتُبِ التَّفسير. والحقيقة هي أنَّني رُبَّما قرأتُ نَحْوَ عِشرينَ كِتاب تَفسيرٍ في هذا الأسبوع عن هذا المَقْطَعِ. والبعضُ منها يقول: "لا نَدري سَبَبَ وُجودِ هذهِ الآية هُنا. ولا ندري إنْ كان هناكَ أيُّ رابطٍ بينها وبينَ الآية السَّابعة. فيبدو أنَّهُ قالَ ذلكَ للتَّو. ونحنُ لا ندري إنْ كانَ لذلك أيّ أهميَّة في السِّياق".

ولكِنَّني في المَرَّةِ الأولى الَّتي قرأتُ فيها هذهِ الكلماتِ فَهِمْتُ سَبَبَ وُجودِها هنا. أتَعلمونَ سببَ وجودِها هنا؟ لأنَّ اللهَ يقول: "إذا كنتم تَعتقدونَ أنَّ هذا لن يحدث، أريدُ فقط أنْ أُؤكِّدَ لكم مَنْ هُوَ صاحِبُ الكلمةِ الأخيرةِ في هذا الحَدَثِ وَمَنْ يكون". لذلكَ فإنَّنا نقرأُ أنَّ الربَّ الإلهَ يَتحدَّث. والمُتكلِّم هو يَهْوَه. وهذا، بالمُناسبة، هو توقيعُه على حَتْميَّة المجيء الثَّاني. وهذا رائعٌ حقًّا. فاللهُ يَضَعُ تَوقيعَهُ على هذهِ النُّبوءةِ مِنْ خلالِ تأكيدِ ثلاثٍ مِنْ صِفاتِه – ثَلاثٍ مِنْ صِفاتِهِ المَعروفة جيِّدًا:

أوَّلاً: عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيء: "أَنَا الألفا والأوميغا". وما هي "الألفا" والـ "أوميغا"؟ إنَّهُما الحَرف الأوَّل والحرف الأخير مِنْ ماذا؟ مِنَ حُروفِ الهجاءِ اليونانيَّة. وما معنى ذلك؟ اسمَعوني: إنَّ الحُروفَ الهِجائيَّة هي طريقة عبقريَّة لتخزينِ وَنَقْلِ المَعارِفِ كُلِّها. فكم حَرْفًا هِجائيًّا يوجد في اللُّغة العَرَبيَّة؟ ثَمانيةٌ وعِشرون. وكم كلمة يمكن تشكيلُها مِنْها؟ عَدَدٌ لا يُحْصَى مِنَ الكلماتِ مِنْ ثَمانيةٍ وعِشرينَ حرفًا. إنَّها شيءٌ عبقريٌّ جدًّا يُدعى "حُروف الهِجاء". وبوجودِ ثَمانيةٍ وعشرينَ حرفًا في اللُّغةِ العَرَبيَّة، إذا رَتَّبناها في تراكيب لا حَصْرَ لها، يمكننا تَخزين وَنَقْل كُلِّ المَعَارف. فلا توجد تركيبات مِنَ الأحرف خارج نِطاق حُروفِ الهِجاء تُشَكِّل أيَّ معنى لدينا. فإذا استخدمتَ كلمةً غريبةً جدًّا لا تُوافِق حُروفَ الهجاءِ، وليست مألوفةً أو مُستساغةً، فإنَّها ستكونُ مُجَرَّد كلامٍ لا مَعنى لَهُ. فحُروفُ الهجاءِ تَختزنُ كُلَّ المَعارِف.

ولماذا يقولُ اللهُ: "أنا الألفا والأوميغا"؟ إنَّهُ يقولُ: "أنا الشَّكْلُ الأسمى مِنْ حُروفِ الهِجاءِ إذْ إنَّني أَحْوي كُلَّ المعرفة". فهذا هوَ ما يقولُهُ. "أنا الحرفُ الأوَّلُ والأخير. أنا الألفا والأوميغا. أنا الأَلِفُ وَالْيَاءُ". ولأنَّهُ قد يأتي شخصٌ ما ويقول: "أنتَ تقولُ إنَّ يسوعَ آتٍ. حسنًا. رُبَّما لا تَعلم شيئًا. فرُبَّما يوجد شيءٌ يُلغي المَجيءَ الثَّاني ولكنَّكَ لا تَعرفُ شيئًا عنه".

لذا فإنهُ يقول: "انظروا. أنا الألفُ والياء. وأنا أحْوي كُلَّ المعرفة. ولا توجد معلومات، ولا معرفة، ولا حَقّ، ولا فَهْم، ولا حكمة خارجَ ما أعرفه. وحينَ أقولُ إنَّ المسيحَ آتٍ، فإنَّني أقولُ لكم إنَّهُ لن تكونَ هناكَ أيُّ مفاجآتٍ لأنهُ لا يوجد شيء خارِج نِطاق عِلْمي. فأنا الألفُ والياءُ. وأنا أعلمُ كُلَّ شيء. وحيثُ إنَّني أملِكُ كُلَّ المَعرفة، لا يوجد أيُّ شيءٍ لا عِلْمَ لي بِه. ولا يوجد شيء قائم أو قد يحدث يمكن أنْ يُلغي هذه الخُطَّة لأنَّهُ لا يوجد شيء لا عِلْمَ لي بِه. ولا توجد عَوامِل مَجهولة قد تُبْطِل المجيء الثَّاني".

والصِّفةُ الثَّانية الَّتي يُشيرُ إليها هي حُضورُهُ في كُلِّ مكان. فهو يُعَرِّفُ نَفْسَهُ بأنَّهُ "الكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأتِي". وهذه عبارة مُدهشة حقًّا. فهو لا يقول: "أنا الَّذي كُنْتُ هُناك، والكائنُ هُنا، والذي سيكونُ هُناك"، بل يقولُ فقط: "الكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأتِي". والنِّهاية مَفتوحة. فهُنا، يُؤكِّدُ اللهُ وُجودَهُ السَّرْمَدِيّ. فهو في كُلِّ مكانٍ في كُلِّ الأوقات. وَهُوَ كائنٌ دائمًا وأبدًا. وَهُوَ موجودٌ إلى أبدِ الآبدين. وَهُوَ الكائنُ. فحُضورُهُ ليسَ محصورًا. وحُضورُهُ ليسَ مُقَيَّدًا بزَمانٍ أوْ مَكان.

وقد يقولُ البعض: "حسنًا. ولكِنْ رُبَّما تَعْلمُ ما تَعْلَم لأنَّكَ تَعلمُ ما تَعلم عنِ الأماكِنِ الَّتي كُنْتَ وما زِلْتَ موجودًا فيها. ولكِنْ رُبَّما توجد أماكن أخرى خارِج نِطاقِ وُجودِك. لذلك، رُبَّما يوجد شيء لا تَدري عنه". ولكنَّ اللهَ يقول: "أنا موجودٌ في كُلِّ مكان طَوالَ الوقتِ وفي كُلِّ الأزمنة. لذلك، لا يوجد شيء خارِجَ حُضوري. ولا يمكن لأيِّ شيءٍ أن يحدث قبلَ أنْ أكونَ موجودًا. ولا يمكن لأيِّ شيء أن يَحدث بعدَ مُغادَرَتي لأنَّهُ لا يوجد وقتٌ يَسْبِقُ وجودي، ولن يوجد وقتٌ لا أكونُ فيهِ حاضِرًا. وعندما أقولُ إنَّ يسوعَ آتٍ، فإنَّ المسألةَ مَحسومةٌ لأنَّ كُلَّ الأشياء، وكُلَّ المسائل، وكُلَّ الأشخاص، وكُلَّ الأحداث، وكُلَّ الأماكن، وكُلَّ الوقائعِ إلى أبدِ الآبدين مَنظورةٌ بالنِّسبة إليَّ".

أمَّا الصِّفة الثَّالثة فهي قُدْرَتُهُ على كُلِّ شيء. فهو يقول في نهايةِ العددِ الثَّامن: "القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". وقد يأتي شخصٌ ويقول: "حسنًا. أجل! رُبَّما كانَ اللهُ كُلِّيَّ العِلْمِ إذْ إنَّهُ يَعرفُ كُلَّ شيء. ورُبَّما كانَ كُلِّيَّ الحُضورِ إذْ إنَّهُ موجودٌ في كُلِّ مكان. ورُبَّما لا يوجد شيء في أيِّ مكانٍ يَخفى عليه. ولكِنْ رُبَّما يوجد شخصٌ أقوى مِنه. ورُبَّما يَستطيعُ ذلكَ الشَّخصُ أنْ يُحْبِطَ الخُطَّة".

لذا فإنه يقول: "إذا كنتم تَظُنُّونَ ذلك، أُريدُ أنْ أُذكِّركم بأنَّني ’بانتوكراتور‘ (pantokrator)، وهي كلمة يونانيَّة مَعْناها: ’القادرُ على كُلِّ شيء‘". فلا فائدة تُرْجَى مِنَ امتلاكِ كُلِّ المعرفة، والحُضورِ في كُلِّ مكانٍ إنْ لم تكُن كُلِّيَّ القُدرة. أليسَ كذلك؟ لأنَّ كُلَّ المعلوماتِ وكُلَّ دِقَّةِ الملاحظة لن تعني شيئًا إنْ لم تكن قادرًا على السَّيطرة على ما يَجري. وبالمناسبة، فإنَّ العِبارة "القادر على كُلِّ شيء" تُستخدَم تِسْعَ مَرَّاتٍ في سِفْر الرُّؤيا.

فهو القُوَّة المُطلَقة. وأجل، إنَّهُ العَليمُ بِكُلِّ شيء. وأجل، إنَّهُ حاضِرٌ في كُلِّ مكان. وأجل، إنَّهُ صاحبُ السِّيادة المُطلَقة والكاملة على كُلِّ شيءٍ دونَ استثناء. وعندما يقولُ يوحنَّا إنَّهُ آتٍ، فإنَّهُ آتٍ. واللهُ يَضْمَنُ ذلك. وهو سيأتي مَعَ سَحابِ المَجْدِ، والعالمُ كُلُّهُ سَيَراه. وسوفَ يَنوحُ اليهودُ ويَخْلُصون. وسوفَ ينوحُ الأُمَمُ ويَهْلِكون. ويجب أنْ يكونَ تَجاوُبُنا هُوَ: "نَعَمْ، آمين، لِيَكُنْ ذلك". واللهُ يقول: "صَدِّقوني أنَّ ذلكَ سيَحدُث". والآية السَّابعة صادقة لأنَّ اللهَ يَضْمَنُ حُدوثَ ذلك بتأكيدِ هُويَّتِه في الآية الثَّامنة.

لقد تَرَكَ يسوعُ السَّماءَ مَرَّةً وجاءَ إلى الأرضِ في اتِّضاع؛ ولكنَّهُ سيعودُ في ارتفاع. وقد تَرَكَ السَّماءَ مَرَّةً لكي يُقْتَل؛ ولكنَّهُ سيَفعلُ ذلكَ مَرَّةً أُخرى لكي يَقْتُل. وقد تَرَكَ السَّماءَ مَرَّةً لكي يَخْدِم؛ ولكنَّهُ سيفعل ذلكَ مَرَّةً أُخرى لكي يُخْدَم. وقد تَرَكَ السَّماءَ مَرَّةً لكي يُغْدِقَ النِّعْمَة؛ ولكنَّهُ سيفعل ذلكَ مَرَّةً أُخرى لكي يُحَقِّقَ العَدالة. وقد تَرَكَ السَّماءَ مَرَّةً لكي يَطْلُبَ ويُخَلِّص؛ ولكنَّهُ سيفعل ذلكَ مَرَّةً أُخرى لكي يَطْلُبَ وَيُهْلِك. والسُّؤالُ الَّذي يَنْبَغي أنْ يُطْرَحَ دائمًا أثناءَ دراسَةِ هذا السِّفْر هو: "هل أنْتَ جاهز؟ فَهُوَ آتٍ.

وقد كَتَبَ "جون فيليبس" (John Phillips): "إنَّ واحدًا مِنْ أكثرِ المقاطعِ المُدهشة في تَاريخ إنجلترا يحكي قصَّة الغزوات والحملات الَّتي قادَها "ريتشارد الأوَّل" المُلَقَّب بـِ "ريتشارد قلب الأسد". وبينما كانَ ريتشارد يَشِنُّ هُجومًا على صَلاحِ الدِّين، مَرَّتْ مَملَكَتُهُ بأوقاتٍ عصيبة. فقد أَقْدَمَ أَخوهُ الخَبيثُ الشِّرِّير "جون" على اغتصابِ كُلِّ حقوقِ المَلِكِ وأساءَ استخدامَ السُّلْطَة. وقد عَانى شعبُ إنجلترا وتَاقُوا إلى عودةِ مَلِكِهِمْ، وراحوا يَأملونَ في حدوثِ ذلكَ في وقتٍ قريبٍ جدًّا.

"وذاتَ يومٍ، عادَ ريتشارد. فقد حَطَّ الرِّحالَ في إنجلترا وَثَبَّتَ وَجْهَهُ نَحْوَ اسْتِردادِ عَرْشِهِ. وهُناكَ قِصَصٌ كثيرةٌ تُحْكى عن تلكَ العودة المُتألِّقة حَتَّى إنَّها صارت جُزْءًا لا يَتجزَّأُ مِنْ أساطير إنجلترا. وإحدى تلكَ الأساطيرِ هي شخصيَّة "روبن هود" (Robin Hood). وقد سَقَطَتْ قِلاعُ جون الواحدة تلو الأخرى. وقد طَالَبَ ريتشارد العظيم بعَرْشِهِ ولم يجرؤ أحدٌ على الوقوفِ في طريقِه. وقد صاحَ الشَّعْبُ صَيْحَةَ الابتهاج. وقد قَرَعُوا الأجراسَ المَرَّة تلوَ المَرَّة. فقد عادَ الأسَدُ. وقد صَرَخوا قائِلين: ’عَاشَ المَلِك‘.

"وذاتَ يوم، سوفَ يُطالِب مَلِكٌ أعظم جدًّا مِنْ ريتشارد بنِطاقٍ أكبر جدًّا مِنْ إنجلترا. وأولئكَ الَّذينَ اغْتَصَبوا الأرضَ في غيابِه، وأولئكَ الَّذينَ اغْتَصَبوا نِطاقَهُ وأساءوا إدارَةَ عَالَمِهِ سيَهلِكون".

أمَّا أولئكَ الَّذينَ يُحِبُّونَهُ ويَسْجُدونَ لِسُلْطانِهِ فإنَّهم الوحيدونَ الَّذينَ سيَشتركونَ في مَملكته. لِنَحْنِ رؤوسَنا معًا حَتَّى نُصَلِّي:

نشكرك، يا أبانا، على هذه اللَّمحة السريعة والرائعة عن مجيءِ المسيح. ونحنُ نقولُ معَ يوحنَّا: "نَعَمْ، آمين". وفي الوقتِ نفسِهِ فإنَّنا نُصَلِّي، يا أبانا، أنْ يكونَ كُلُّ شخصٍ هنا مُستعدًّا لأنَّهم جميعًا خَضَعوا للمسيح.

وفيما تَحْنونَ رُؤوسَكُم قليلاً وتتأمَّلون، إنْ لم تكن تَعرفُ الربَّ يسوعَ المسيح، فإنَّكَ لستَ جاهزًا لمجيئه. ولا توجد أيُّ ضَمانَة البتَّة بأنَّكَ سَتَنْجو مِنْ هَوْلِ الأحداثِ الَّتي ستَبْلُغُ الذُّروة بمجيئه لأنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ سيموتون. ولا توجد أيُّ ضَمانة البتَّة بأنَّكَ ستكونُ واحدًا مِنْ أولئكَ الناسِ الَّذينَ سيَرَوْنَهُ آتٍ مَعَ السَّحاب.

ولكِنْ حَتَّى لَوْ نَجَوْتَ مِنْ كُلِّ ما سيَحدُث، لا توجد أيُّ ضمانة البتَّة في أنَّكَ سَتَتوبُ حينئذٍ لأنَّ الأغلبيَّة السَّاحقة مِنَ سُكَّانِ العالمِ لن تتوب. لذلك فإنَّ بولسَ يقول: "هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ". لذلك، إنْ أردتَ أنْ تَطلُبَ مِنْ يسوعَ المسيحِ أنْ يُخَلِّصَكَ، وَأنْ تَتوبَ عن خطاياكَ، وأنْ تَقْبَلَهُ رَبًّا ومُخَلِّصًا، فإنَّ هذا هوَ الوقتُ المُناسب، واللَّحظة المُناسبة، واللَّيلة المُناسبة. وما أرْجوهُ هو أنْ تَفتحَ قلبَكَ لَهُ.

كُلِّمْ قُلوبَنا، يا أبانا. ونحنُ نُصَلِّي ألَّا يكونَ أيٌّ مِنَّا غير مُستعدٍّ لتلكَ اللَّحظةِ المَحْتومَة ولكُلِّ تلكَ الأحداثِ المأساويَّة الَّتي تَسْبِقُ مجيءَ المسيحِ بالدَّينونة. فِضْ بِنِعْمَتِكَ على نُفوسٍ كثيرة وخَلِّصْهُم إكْرامًا للمسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize