Grace to You Resources
Grace to You - Resource

مِنْ دَواعي فَرَحي الشَّديد دائمًا أنْ يأتي مَوسِمُ عيدِ الميلادِ المَجيد، وأنْ أَحظَى بفُرصة التَّركيز على الرِّسالة البسيطة والعميقة لميلادِ المسيح. ولِعِلْمِكُم، مِنَ العَجيبِ جِدًّا في أمريكا أنَّنا نَحتفلُ بعيدِ ميلادِ شخصٍ نَرفُضُ الاعترافَ به. وهذا غَريبٌ نَوعًا ما! فنحنُ نَحتفل بعيد ميلاد "جورج واشنطن" (George Washington)، وعيد ميلاد "إبراهام لِنْكِن" (Abraham Lincoln) في اليومِ نفسِه. ونحنُ نَحتفِل بمارتن لوثر كينج (Martin Luther King) في يومٍ خاصٍّ به. وبحسب عِلْمي، لم أَسمع حَتَّى الآن شخصًا مِنَ جمعيَّة الحُريَّاتِ المَدنيَّة الأمريكيَّة (ACLU) يُقاضِي أحدًا بسببِ الاحتفال بعيدِ ميلادِ أيِّ شخصٍ مِن هؤلاءِ الثَّلاثة. ولكنَّ ما يُدْهِشُني هو أنَّهُ لا يُمْكِنُنا في أيِّ نِطاقٍ عامٍّ أوْ مَكانٍ عامٍّ أنْ نَحتفلَ بعيد ميلادِ يسوعَ المسيح. ولا يمكننا أنْ نُسَبِّحَهُ وَلا أنْ نُرَنِّمَ عَنْ شَخصيَّتِهِ الفَريدَةِ بِمَنْأى عَنِ الدَّعاوى القانونيَّة أوِ الحَظْر. والحقيقة هي أنَّهُ لا أحدَ يُريدُ أنْ يُوْقِفَ الاحتفال. فالفِكرة لا تَكْمُنُ هُنا، على الأقَلِّ ليسَ على صَعيدِ العالَمِ التِّجاريِّ لأنَّهُم يَسْعَوْنَ وَراءَ المال.

ولا على صَعيدِ الحُكومةِ لأنَّها تَسْعى وراءَ الضَّرائبِ الَّتي تَجْنيها مِنَ الشِّراءِ والبَيْعِ ومُنْتَجاتِ السَّفر. ولا على صَعيدِ مُحِبِّي الحَفَلاتِ لأنَّهُم يَسْعَوْنَ وراءَ المُتعة. فلو كانَ بِمَقدورِهِم أنْ يَحتفلوا بالعيدِ مِنْ دونِ يَسوع، فإنَّ الكُلَّ سيكونُ سَعيدًا. وبصراحة، لقد صارَ ميلادُ يسوع مُفيدًا جدًّا. فهو يَمتلك قيمة عَمليَّة كبيرة إنْ أَبْقَيْنا يَسوعَ خارِجَ الأمر. وبسببِ ذلك، قد تَظُنُّ أنَّ يسوعَ شخصٌ غيرُ مُهِمٍّ، أو أنَّهُ شَيءٌ مُلَفَّقٌ نابِعٌ مِنْ أوهامِ مَجموعةٍ مِنَ المَسيحيِّينَ الأغنياء، أو أنَّهُ شخصيَّة قديمة عَفاها الزَّمن تَمَّ تَلْميعُها على مَرِّ السِّنين لتصيرَ شخصيَّةً مُختلفة تمامًا عن شخصيَّة يسوع الحقيقيَّة، وأنَّنا جَرَّدناها مِنْ كُلِّ شيءٍ حَقيقيٍّ يَختصُّ بها.

فهل يسوعُ شخصٌ يَقِلُّ أهميَّةً مِن "جورج واشنطن"، أو "إبراهام لِنْكِن" أو "مارتن لوثر كنج"؟ وهل يسوعُ شخصٌ لا ينبغي أنْ نُبالي بهِ كثيرًا، ولا أنْ نَهتمَّ كثيرًا بشخصيَّتِه، أو حياتِه، أو أقوالِه، أو سببِ مَجيئِه؟ وهل يسوعُ شخصٌ ينبغي أنْ نَتوقَّفَ عَنْ تَسليطِ الأضواءِ عليه؟ وهل ينبغي لنا أنْ نَحتفظَ بمَظاهرِ الاحتفال دُوْنَ أنْ نُبالي بِصَاحِبِ العيد؟ وهل هو غيرُ مُهِمّ؟ وهل ينبغي إسْكاتُ الأشخاصِ الَّذينَ يُريدونَ أنْ يُنادوا باسْمِ يسوعَ وأنْ يُسَبِّحوا لَهُ؟

إنَّ الرَّسولَ بولس يُريدُ أنْ يُساعِدَنا على فَهْمِ مَنْ هُوَ يَسوع. وأرجو منكم أنْ تَفتحوا كُتُبَكُم المقدَّسة على رسالة كولوسي والأصحاح الأوَّل. فَمِنْ بينِ جميعِ المقاطعِ الكِتابيَّةِ الَّتي رُبَّما تأمَّلنا فيها لِنَرى حقيقةَ الطِّفْلِ الإلَه، لا يوجد مَقطعٌ أَهَمُّ مِنْ هذا المَقطع في الأصحاحِ الأوَّلِ مِنْ رسالةِ كولوسي. وأودُّ أنْ أقرأَ على مَسامِعِكُم ابتداءً مِنَ العدد 15. اسْتَمِعوا إلى ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن يسوعَ المسيح: "الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ. وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ. لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ [الآبُ] أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ".

 

إنَّ كُلَّ جُملة مِن هذه الجُمل الَّتي ذُكِرَت في الآيات 15-19 هي جُملة حَصريَّة تمامًا. فهي تَصِحُّ عليهِ هُو فقط دونَ سِواه. وخُلاصَةُ هذه الجُمَلِ جَميعِها موجودة في نهايةِ العدد 18 إذْ نَقرأ إنَّهُ ينبغي أنْ يكونَ صَاحِبَ المكانةِ الأولى في كُلِّ شيء. فلا يوجد شخصٌ آخر هو صُورةُ اللهِ غير المَنظور. ولا يوجد شخصٌ آخر يمكن أن يكونَ بِكْرُ كُلِّ خَليقة. ولا يوجد شخصٌ آخر يمكن أن يكونَ خَالِقَ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى. ولا يوجد شخصٌ آخر يَستطيع أنْ يَجلِسَ على عُرُوشٍ وسِيَادَاتٍ وَرِيَاسَاتٍ وَسَلاَطِين. ولا يوجد شخصٌ آخر كائِنٌ قبلَ كُلِّ شيءٍ ويُمْسِكُ كُلَّ الأشياءِ معًا. ولا يوجد شخصٌ آخر يَقْدِرُ أن يكونَ رَأسَ الجَسَدِ: الكَنِيسَةِ، وأنْ يكونَ البَدَاءَة والبِكْر. ولا يوجد شخصٌ آخر يَحِلُّ فيهِ كُلُّ المِلْءِ لِمَسَرَّةِ الآب. فهذه جميعُها جُمَلٌ حَصْرِيَّة تمامًا. وما تَقولُهُ لنا هو أنَّ يسوعَ المسيحَ فَريدٌ بِكُلِّ مَعنى الكلمة. فلا يوجد مَثيلٌ له. فهو يَفوقُ أيَّ شخصٍ آخر. وَهُوَ يَسْمو جِدًّا على أيِّ شخصٍ آخر. وإنْ أردنا أنْ نَتَجاهَلَ شخصًا في عيدِ ميلادِه، يَجْدُرُ بِنا أنْ نَستخفَّ بإنسانٍ، لا باللهِ المُتَجَسِّد.

فالولادةُ المُتواضِعَةُ ليسوعَ المسيحِ (كما قرأنا عنها قبلَ مُدَّة قصيرة مِنْ إنجيل لوقا)، والمِذْوَد الَّذي كانَ مَعْلَفًا للدَّوابِ في حَظيرةِ الحَيَواناتِ، وقِطْعَةُ القُماشِ الوَضيعَة الَّتي قُمِّطَ بِها جَسَدُهُ الصَّغيرُ لم تَكُنْ جميعُها وَاجِهَة هادِئَة لإخفاءِ حقيقة أنَّ اللهَ قَدْ وُلِدَ. فمعَ أنَّ العالَمَ حاوَلَ أنْ يَجْعَلَ الأمرَ يبدو كذلك، فإنَّ ما حَدَثَ كانَ عَرْضًا لِتَنازُلِهِ، وتَواضُعِهِ، واتِّضاعِهِ. وبصراحة، إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يحاولونَ أنْ يَجِدُوا في أحداثِ عيدِ الميلادِ بَساطَةً وَتواضُعًا لِحَجْبِ الحقيقةَ يُلاقونَ صُعوبةً بالغةً في تفسيرِ سَبَبِ حُصولِ حَدَثٍ مُتواضِعٍ كهذا على كُلِّ هذه الشُّهرةِ الأوْسَعِ نِطاقًا على وَجْهِ الأرض. فلو لم يكن يسوعُ فريدًا جدًّا، ما الَّذي يَدْفَعُنا إلى اعْتِمادِ تَقويمٍ تاريخيٍّ قائمٍ على ميلادِه؟

ويبدو لي أنَّ كُلَّ الاعتراضاتِ على يسوع، وكُلَّ مُحاولاتِ تَسْفيهِ ميلادِه هي أَشْبَهُ بالاعترافِ الَّذي ذَكَرَهُ شِكسبير حين جَعَلَ شَخصيَّةً مِنْ شخصيَّاتِهِ تقول: "أعتقد أنَّكَ تَعترضُ أكثرَ مِمَّا يَنبغي". فهي خِيانةٌ نابعةٌ مِنْ دافِعٍ شِرِّير. والحقيقة هي ما قالَهُ المَلاك: "وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ". وهي ما قالَهُ النَّبِيُّ: "وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا". والحقيقةُ هي أنَّ ما تَجِدونَهُ في وِلادةِ المسيح هُوَ أنَّهُ إلَهٌ مُخَلِّصٌ جاءَ في هَيئةِ إنسان. فاللهُ دَخَلَ عالَمَنا المُلَوَّثَ بالخطيَّة مِنْ دونِ أنْ يَتلوَّثَ بِهِ، وَدَفَعَ أُجرةَ خَطايانا، وحَمَلَ أحْزانَنا، وتَحَمَّلَ أوجاعَنا، وَجُرِحَ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، وَسُحِقَ لأَجْلِ آثَامِنَا، وصَعِدَ لكي يَشْفَعَ فينا، ولكي يُعِدَّ لنا مَكانًا. وَهُوَ سيَعودُ ليأخُذَنا لنكونَ مَعَهُ إلى الأبد. فهذا هو عِمَّانوئيل. إنَّهُ: اللهُ مَعَنا. لِذا فإنَّ الاستخفافَ بطِفلِ عيدِ الميلادِ المَجيد هو تَجديفٌ على إلَهِ السَّماء. فهو فَريدٌ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ مَثيلٌ يومًا، ولن يَكونَ لَهُ مَثيلٌ يومًا.

وفي سِفْر الرُّؤيا، اخْتَبَرَ يوحنَّا اختبارًا مُدهشًا في الأصحاحِ الخامسِ إذْ إنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ خِلالِ رُؤيا أنْ يَدْخُلَ إلى عَرْشِ السَّماءَ وإلى حَضْرَةِ اللهِ. وهو يَرى اللهَ جالسًا على عَرْشٍ ويَحْمِلُ بِيَدِهِ سِفْرًا. وذلكَ السِّفْرُ يُمَثِّلُ صَكَّ مِلْكيَّةِ الكَوْن. فالكَوْنُ في الوقتِ الحاضِرِ بِيَدِ مُغْتَصِبٍ هو الشَّيطان؛ وَهُوَ أَلَدُّ عَدُوٍّ للهِ وَمُهْلِكٌ للنُّفوس. والشَّيطانُ هُوَ الآن رَئيسُ هذا العالَم. وهو إلَهُ هذا الدَّهر. ولكِنَّ يُوحَنَّا يَرى اللهَ في الأصحاحِ الخامِسِ مِنْ سِفْر الرُّؤيا يُمْسِكُ صَكَّ مِلْكيَّةِ الأرضِ والكَوْنِ بِيَدِهِ ويقول: "مَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ أَنْ يَأخُذَ صَكَّ المِلْكيَّةِ، وأنْ يَفْتَحَ خُتومَهُ، وأنْ يَسترِدَّ العالَمَ والكَوْن؟" وحينَ نَظَرَ يوحنَّا، رَأى مَسْحًا لِكُلِّ السَّماءِ والأرض، ولكِنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مُسْتَحِقًّا ... لا أحدَ قَطّ. فلا يوجد أحدٌ مِنْ بينِ العَباقرةِ العُظماء. ولا يوجد أحدٌ بينَ الباحِثينَ العُظماء. ولا يوجد أحدٌ بينَ القادةِ العسكريِّينَ العُظماء. ولا يوجد عَاهِلٌ عَظيمٌ، ولا حاكِمٌ، ولا مَلِكٌ، ولا إمبراطورٌ، ولا قائدٌ دينيٌّ عظيمٌ. فلم يوجد أحدٌ قَطّ. وقدِ ابتدأَ يُوحَنَّا يَبكي. وقد راحَ يَبكي لأنَّهُ لم يُوْجَدْ شخصٌ يَمْلِكُ السُّلطانَ أوِ القُدرةَ على الوقوفِ واستردادِ مِلكيَّةِ الكَوْنِ مِنَ المُغْتَصِب. وفيما هُوَ يَبكي، رأى كائِنًا يَقِفُ في وَسَطِ العَرْشِ بهيئةِ حَمَلٍ وأسد. وَهُوَ ليسَ سِوى يَسوعَ المسيح. وقد مَدَّ يَدَهُ وأخذَ السِّفْرَ مِنْ يَدِ الآب.

ففي الكَوْنِ كُلِّه، إنَّهُ الوحيدُ المُستحقّ. وفي الكَوْنِ كُلِّه، إنَّهُ الوحيدُ الَّذي يَمْلِكُ ذلكَ السُّلطانَ وتلكَ القُدرة. فلا يوجد لَهُ مَثيل. وإنْ كانَ ينبغي الاحتفالُ بشخصٍ ما، ينبغي الاحتفالُ به. أمَّا أنْ نَحْتَفِلَ مِنْ دُوْنِهِ فهذا أَشْنَعُ نَوْعٍ مِنَ التَّجديف. فهو اللهُ المُتَجَسِّدُ الَّذي جاءَ لكي يُخَلِّص. ولكِنْ لكي نَرى عَظَمَةَ شخصِه، يَكفي أنْ نَرْجِعَ إلى النَّصِّ الَّذي قرأناه. ويجب أنْ أعتَرِفَ لكم بأنَّهُ كانَ يوجد صِراعٌ صغيرٌ في قلبي بينَ هذا النَّصِّ وما جاءَ في عِبرانِيِّين 1: 1-3. لِذا، سوفَ أتحدَّثُ عن عِبرانِيِّين 1: 1-3 في أثناءِ حديثي. حَسَنًا؟ لأنَّ المَقْطَعَيْنِ مُتشابِهَيْن جِدًّا. وأنا أريدُ مِنكم أنْ تَرَوْا لَوْحَةً رَسَمَها الرَّسولُ بولُس بِوَحْيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس اسْتَخْدَمَ فيها ضَرَباتِ فُرْشاةٍ تُبَيِّنُ حَقيقَةَ يسوعَ المسيح. وكُلُّ ضَرْبَةِ فُرشاةٍ مِنْ هذه الضَّرَباتِ الخَمْسِ تُمَثِّلُ عَلاقةً مُحَدَّدَةً. فنحنُ نَرى عَلاقَةَ المسيحِ باللهِ، ثُمَّ نَرى عَلاقَتَهُ بالكَوْنِ المَخلوقِ، ثُمَّ نَرى عَلاقَتَهُ بالعالَمِ غيرِ المَرْئِيِّ، ثُمَّ نَرى عَلاقَتَهُ بالكنيسة، ثُمَّ نَرى عَلاقَتَهُ بكُلِّ الإعلاناتِ الأخرى. ولنبتدئ بِعَلاقةِ يسوعَ باللهِ إذْ نَقرأُ في العدد 15: "الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ". وسوفَ تحتاجونَ إلى خَلفيَّة صغيرة. وأنا لَنْ أَستغرِقَ وقتًا طويلًا فيها، بل سأكتَفي بمساعدتكم على مَعرفةِ الخلفيَّة. فقد كانتِ الكنيسةُ في كولوسي تُواجِهُ خَطَأً دينيًّا شائعًا آنذاك كما هي حالُ الكنائسِ اليوم. فقد كانَ هناكَ مُعَلِّمونَ كَذَبة آنذاك كما هي الحالُ اليوم. وكانَ النَّاسُ يُرَوِّجونَ أكاذيبَ كما لو كانت حقائقَ دينيَّة. وكانت هناك مجموعة مِنَ المُعلِّمينَ الدِّينيِّين الَّذينَ يَظُنُّونَ أنَّهم يَمتلكونَ مَعرفةً فائقةً ومَعرفةً مُميَّزَةً. وقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُم الفئة المُثَقَّفة رُوحيًّا في زَمانِهم. وقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّ المسيحيَّة ديانة عاديَّة وبَسيطَة غير مُمَيَّزة في شَيء. لذا فقد رَفَعوا أنفُسَهُم إلى مَرتبة أعلى بكثير.

وقد أَظْهَروا أنفُسَهُم بأنَّهم النُّخْبة الرُّوحيَّة، والنُّخبة اللاَّهوتيَّة، والنُّخبة الفِكريَّة. وقد عَوَّجوا الكِتابَ المُقدَّسَ في أثناءِ سَعْيِهِم للحُصولِ على مَكانَة عالية. ولكي أُعطيكُم خلفيَّة مُوجَزة تُساعدكم على رَبْطِ هذا الأمرِ بالنَّصّ، كانوا يُؤمنونَ بأنَّ الخَليقةَ مَخلوقة مِنْ مادَّة شِرِّيرة. فقد كانوا يُؤمِنونَ بأنَّ كائنًا شِرِّيرًا خَلَقَ الكَونَ وأنَّ كُلَّ ما خَلَقَهُ ذلكَ الكائنُ الشِّرِّيرُ شَرٌّ. لِذا فإنَّ المادَّةَ شَرٌّ ... كُلَّ المادةِ شَرٌّ. وكُلَّ شيءٍ ماديٍّ هو شَرٌّ. وقد آمَنوا بأنَّ الرُّوحَ كانَ صَالِحًا، وأنَّ أيَّ شيءٍ غيرَ مَنظورٍ وغيرَ مَلموسٍ صَالِحٌ. لِذا لا يُعْقَلُ أنْ يأخُذَ اللهُ هيئةً جسديَّة لأنَّ هذا يعني أنْ يَختلِطَ الخيرُ بالشَّرّ. واللهُ الصَّالِحُ لا يُمكن أنْ يَفعلَ ذلك، بل إنَّ اللهَ الصَّالِحَ لا يُمْكِن أنْ يَخْلِقَ أيَّ شيء. وقد قالوا إنَّ اللهَ خَلَقَ سِلسلةً مِنَ الانبثاقاتِ أوِ الكائناتِ الملائكيَّةِ مِنْ ذاتِهِ، وأنَّهُ خَلَقَ خَلائقَ لامُتَناهية مِنْ نَفْسِهِ؛ ولكِنَّهُ بَقِيَ بعيدًا جِدًّا جِدًّا عنها. وقد بَقِيَتْ تلكَ الانبثاقاتُ تَتوالَى وَتَتوالى نُزولاً. وفي نُقطةٍ ما، تَخَطَّتْ تلكَ الانبثاقاتُ نُقطَةَ الصَّلاحِ وَدَخَلَتْ حَيِّزَ الشَّرّ. وواحدٌ مِنْ تلكَ الانبثاقاتِ الشِّرِّيرة هو الَّذي خَلَقَ المادَّة.

فَهُناكَ إلَهٌ شِرِّيرٌ مِنْ مَرتبةٍ مُنْحَطَّةٍ. أمَّا بقيَّةُ التَّاريخِ البشريِّ فيتألَّفُ مِنْ أُناسٍ يُحاولونَ أنْ يُقاوموا غَباوةَ هذا الإلهِ المُتَدَنِّي الَّذي خَلَقَ المادَّةَ وَسَبَّبَ اضطرابًا في العالمِ الرُّوحيِّ الَّذي كانَ ذاتَ يومٍ كاملاً. ولا يُمْكِن أنْ يكونَ يَسوعُ إلهًا ظَهَرَ في جَسَدٍ بشريٍّ لأنَّ الإلهَ الحقيقيَّ صالِحٌ ولا يُمكِن أنْ يُلامِسَ جَسَدًا. فكُلُّ ما لَهُ جَسَدٌ هو شَرٌّ. ويسوعُ، بحسب قولهم، كانَ واحدًا مِنْ تلكَ الآلهة المُنْبَثِقَة، ولا يُمكن أنْ يأخذَ شكلاً جسديًّا لأنَّهُ لا يمكن أنْ يَقْتَرِن بالشَّرّ. لذا فإنَّ اللهَ لم يُشارِك في عمليَّة الخَلْق، ويسوعُ ليسَ الله الخالِق، واللهُ لا يُمْكِن أنْ يَتجسَّد في هيئة بشريَّة. ولا يُعْقَلُ أنَّ يَسوعَ يَفعلُ ذلكَ أيضًا.

وبولُس يَكْتُبُ رَدًّا على ما كانَ يَجري آنذاك ويقولُ لهم، ببساطة: "يَسوعُ هُوَ صُورةُ اللهِ غير المَنظور". وَهُوَ يقول في العدد 16: "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ". أيْ: "تَخَلَّصُوا مِنْ هذا النِّظامِ السَّخيفِ الَّذي وَضَعْتُموهُ وافهموا أنَّ هُناكَ إلهًا واحدًا خَلَقَ كُلَّ شيء. وهذا الإلهُ الواحدُ جاءَ إلى العالَمِ في صُورةِ يسوعَ بجسدٍ بشريٍّ". فهذه هي الحقيقة. لِذا، مِنْ جِهَةِ اللهِ، فإنَّ يَسوعَ هُوَ صُورةُ اللهِ غير المَنظور. فهو صُورةٌ طِبْقُ الأصل، ونُسخةٌ طِبْقُ الأصل. فهو صُورةُ مُطابِقَةٌ. ونقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 1: 3 مَا يَلي: وَهِيَ، في الحَقيقة، نَفْسُ النُّقطة: "[يَسوعُ] هُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ". فهو بَهاءُ مَجْدِ اللهِ. وهذا يَعني أنَّهُ صُورةٌ تَعْكِسُ اللهَ. وبحسب ما يقول كاتبُ الرِّسالةِ إلى العِبرانيِّين: إنَّهُ يُمَثِّلُ اللهَ تَمثيلاً كاملاً. فهو ليسَ إشعاعًا للهِ، بل هو رَسْمُ جوهَرِه ... رَسْمُ جوهَرِه.

والكلمة "رَسْم" هي الكلمة اليونانيَّة الكلاسيكيَّة للإشارة إلى الصُّورة المَصكوكة أوِ الخَتْم. فهو صُورةٌ طِبْقُ الأصلِ لله. وهو نُسخة طِبْقُ الأصلِ لله. وكما يَقولُ يُوحنَّا لنا في رِوايَتِهِ عن وِلادةِ المسيح: "ورأينا مَجْدَهُ". وماذا كانَ مَجْدُهُ؟ "مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ"، مَمْلُوءًا بِذاتِ الصِّفاتِ الإلهيَّة. وبولسُ يَكْتُبُ في الأصحاحِ الثَّاني مِنْ رِسالَتِهِ إلى أهلِ فيلبِّي أنَّ المسيحَ كانَ في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ "في صُورةِ اللهِ"، ولكنَّهُ "أَخْلى نَفسَهُ" مِنْ ذلك وجاءَ في صُورةِ إنسان. فهو صُورةٌ طِبْقُ الأصْل، ونُسخة طِبْقُ الأصلِ عنِ الله. وَهُوَ ذاتُ جوهرِ وأصلِ اللهِ. وَهُوَ بَهاءُ مَجْدِ اللهِ المُشِعِّ في هيئةٍ بشريَّة. لِذا فقد قالَ في إنجيل يوحنَّا 14: 9: "اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ". والحقيقة هي أنَّهُ ليسَ مُجَرَّدَ رَسْمٍ سَريعٍ للهِ، بل إنَّنا نَقرأُ في رسالة كولوسي 2: 9: "فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا". ونَقرأُ في العدد 19 مِنَ الأصحاحِ الأوَّل: "لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ". وفي رسالة كورِنثوس الثَّانية 4: 4، يَقولُ بولُس: "الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ". فهو الصُّورة والإعلان الكامِلَيْن عنِ الله. وبولسُ يُريدُ أنْ يُبَيِّنَ بوضوحٍ تَامٍّ أنَّهُ لا يوجدُ التباسٌ بخصوصِ هُويَّة يسوعَ المسيح. فهو اللهُ المُتَجَسِّدُ في هيئةٍ بشريَّة. وهذا شيءٌ يَخلو مِنْ عَدَمِ المَنْطِقِ إذا نَظرتُم إلى حياةِ المسيح. فَكِّروا في الأمرِ بالطريقة التَّالية: لو كانَ اللهُ إنسانًا، ماذا نَتوقَّعُ مِنْهُ أنْ يكون؟

حسنًا، لو كانَ اللهُ إنسانًا، إليكُم الصِّفاتِ الَّتي قد تَخْطُرُ ببالي: فأنا أتوقَّعُ منهُ أنْ يكونَ بلا خطيَّة. وقد كانَ يسوعُ بلا خطيَّة. فقد كانَ مُجَرَّبًا في كُلِّ شيءٍ مِثْلَنا، ولكِنْ بلا خطيَّة. وحتَّى إنَّ "بيلاطُس" الَّذي جَلَسَ لِمُحاكَمَتِهِ بعدَ كُلِّ ما جَرى، تَوَصَّلَ إلى هذه النَّتيجة: "إِنِّي لاَ أَجِدُ" [ماذا؟] عِلَّةً فِي هذَا الإِنْسَانِ". وقد وَصَلَ قائدُ المِئة الرُّومانيّ إلى النَّتيجة نفسِها. وكذلكَ اللِّصُّ على الصَّليب. فلم يتمكَّن أحدٌ مِنَ اتِّهامِهِ بأيِّ تُهمة صحيحة. فقد حُوْكِمَ أمامَ حَنَّان، وحُوْكِمَ أمامَ قَيافا، وحُوْكِمَ أمامَ هيرودُس وأمامَ بيلاطُس. ولكِنَّ أحدًا لم يتمكَّن مِنَ اتِّهامِهِ بأيِّ تُهمة حقيقيَّة. فلو كانَ اللهُ إنسانًا، كنتُ أتوقَّعُ منهُ أنْ يكونَ بلا خطيَّة.

وبحسب سِجِلِّ التَّاريخِ وشَهادَةِ الرُّسُل المُؤكَّدة، فإنَّ الحقيقةَ هي أنَّ يسوعَ كانَ بلا خطيَّة. ولو كانَ اللهُ إنسانًا، كنتُ أتوقَّعُ مِنهُ أنْ يَنْطِقَ بأعْمَقِ وأعظمَ كلماتٍ قِيْلَتْ في التَّاريخ. أليسَ كذلك؟ وقد فَعَلَ يسوعُ ذلك.

وقد عَلَّقَ خُصومُهُ عليهِ قائلين: "لم نَسمع يومًا يتكلَّمُ هكذا". وفي كُلِّ مَرَّةٍ عَلَّمَ فيها، دُهِشُوا تَمامًا. ولو كانَ اللهُ إنسانًا، كنتُ أتوقَّعُ منهُ أيضًا أنْ يُمارِسَ تأثيرًا عميقًا على الشَّخصيَّة البَشريَّة. وقد فَعَلَ ذلك. فتأثيرُ يَسوعَ المسيح على البشريَّة لا مَثيلَ لَهُ. والحقيقة هي أنَّكَ إذا نَظرتَ فقط إلى التَّلاميذِ الَّذينَ كانوا أشخاصًا عاديِّينَ مُتَلَعْثِمينَ يَجِدونَ صُعوبةً بالغةً في استيعابِ أبسطِ المواضيعِ والحقائقِ اللاَّهوتيَّةِ، سَتَجِدُ أنَّ قُوَّةَ حياةِ يَسوعَ غَيَّرتهم وجَعلَتهم أشخاصًا غَيَّروا العالَم. وهو ما يَزالُ يُغَيِّرُ النَّاسَ بتلكَ الطَّريقة.

إذًا، التَّأثير. فلو كانَ اللهُ إنسانًا، كنتُ أتوقَّعَ أنْ يَتْرُكَ ذلكَ النَّوعَ مِنَ التَّأثير. ولو كانَ اللهُ إنسانًا، كنتُ أتوقَّعُ مِنْهُ أنْ يَصْنَعَ مُعجِزاتٍ. وقد فَعَلَ يسوعُ ذلكَ مِرارًا، وأمامَ النَّاسِ، وبطريقةٍ لا جِدالَ فيها، وبطريقة دراميَّة، وبصورة مُتزايدة. ولو كانَ اللهُ إنسانًا، كنتُ أتوقَّعُ منهُ ... كنتُ أتوقَّعُ منهُ أنْ يَعرِفَ المُستقبل. وقد عَرَفَ يسوعُ ذلك. فقد تَنبَّأَ أُمورًا عن نفسه، وأمورًا تَختصُّ بِبَنِي إسرائيل، وتفاصيلَ تَختصُّ بالمُستقبلِ ونهايةِ العالم. ولو كانَ اللهُ إنسانًا، كنتُ أتوقَّعُ منهُ أنْ يُرينا صِفاتِ الله. وقد فَعَلَ يَسوعُ ذلك. فقد رأينا فيهِ المحبَّة واللُّطف والرَّحمة والنِّعمة الَّتي كانت تَفوقُ تَمامًا أيَّ شيءٍ يُمكنُ لأيِّ إنسانٍ أنْ يَختبرَهُ يومًا.

وقد رأينا فيهِ مُستوىً مِنَ الفَضيلةِ، والعَدْلِ، والحِكمةِ الَّتي لم يَرَ العالَمُ مَثيلاً لها يومًا. فأيًّا كانتِ الزَّاويةُ الَّتي تَنظرونَ مِنها، لو كانَ اللهُ سيأتي إلى العالمِ بوصفِهِ إنسانًا، كانَ سيأتي بهيئة يسوعَ المسيح. وهذا هو ما حَدَث. فيسوعُ المسيحُ هو الصُّورة الكاملة عنِ اللهِ غيرِ المنظور. وهو يَجْعَلُ اللهَ غيرَ المَنظورِ مَنظورًا. وإنْ كُنْتُم تَسْتَهينونَ بميلادِ المَسيح، كما قُلْتُ مِنْ قَبل، فإنَّ هذا هُوَ أَشْنَعُ شَكْلٍ مِنْ أشكالِ التَّجديف لأنَّ هذا يُوَجِّهُ ضَربةً إلى إعلانِ اللهِ الأزليِّ في المسيح. فَضْلاً عن ذلك، نَقرأُ في العدد 15 أنَّ يسوعَ هُوَ "بِكْرُ كُلِّ خَليقة". وهذه العِبارة لا تُشيرُ إلى عامِلِ الزَّمَن. فهو لم يكن أوَّلَ شخصٍ وُلِدَ في الخليقة. فقد خُلِقَ آدَمُ أوَّلاً، ثُمَّ إنَّ حَوَّاء خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَم. ثُمَّ إنَّهُما ابتدأا في إنجابِ الأبناء. وقد وُلِدَ أبناءٌ كثيرونَ قَبْلَ أنْ يُوْلَد. لِذا فإنَّ هذه العِبارةَ لا تَعني أنَّهُ كانَ أوَّلَ شخصٍ وُلِدَ في الخليقةِ بأسْرِها. بل إنَّ المَعنى المَقصودَ هو أنَّهُ مِنْ بينِ كُلِّ الخليقةِ فإنَّهُ الـ "بروتوتوكوس" (prototokos). وهذا يعني أنَّهُ الأوَّلُ مِنْ جِهَةِ المَقام. ففي الأزمنة القديمة، كانَ البِكْرُ يَعني: الوَريث، والشَّخص المُتقدِّم، والشَّخص الأسْمَى، والشَّخص الَّذي يَحِقُّ لَهُ أنْ يأخُذَ المِيراث، والشَّخص الَّذي يَمْلِكُ الحَقَّ في الحُصولِ على الامتيازِ والمَكانَةِ والشَّرَف. فيعقوبُ لم يُوْلَد أوَّلاً، ولكنَّهُ كانَ الـ "بروتوتوكوس". فقد كانَ الوَريث.

ورُبَّما يُمكنكم أنْ تَفهموا ذلكَ إنْ فَهِمتُم المزمور 89: 27 إذْ يَقولُ اللهُ: "أَنَا أَيْضًا أَجْعَلُهُ بِكْرًا، أَعْلَى مِنْ مُلُوكِ الأَرْض". فهو يَصِفُ البكْرَ بأنَّهُ مَلِكُ المُلوكِ وبأنَّهُ الأسْمَى. ونَقرأُ أيضًا في الأصحاحِ الأوَّل مِنَ الرِّسالة إلى العِبرانيِّين عن ذلك إذْ جاءَ في العدد الثَّاني: "ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ". فهذه هي النُّقطةُ الجوهريَّة. وهذا هو السَّببُ في أنَّنا نَقرأُ في العددِ الثَّالثِ (في نهايةِ العدد) أنَّهُ "جَلَسَ فِي يَمِينِ العَظَمَةِ فِي الأَعَالِي. فهو يَجلِسُ على عَرْشِ اللهِ. وبولسُ يقولُ فيما يَختصُّ بيسوعَ إنَّهُ رَسْمُ جَوْهَرِ اللهِ، وإنَّهُ مِنْ بينِ كُلِّ البَشَرِ فإنَّهُ الوَريثُ، وإنَّهُ الأَسمَى، وإنَّهُ صَاحِبُ المقامِ الأوَّل، وَإنَّهُ الأعلى شأنًا. ثُمَّ إنَّ بولُسَ يُعْلِنُ أنَّ يسوعَ هُوَ الله، وأنَّهُ صُورةٌ طِبْقُ الأصلِ عنِ الله، وأنَّهُ أَسْمَى شخصٍ في الوُجودِ كُلِّه.

وقد يَتَساءلُ بعضُ الأشخاصِ عَمَّا إذا كانَ يَسوعُ قدِ ادَّعَى ذلك. والشَّيءُ المُؤكَّدُ هو أنَّ اليهودَ في زَمانِهِ لم يُصَدِّقوا ذلك. لِذا فقد أرادوا أنْ يَرْجُموه لأنَّهُمُ اتَّهموهُ بالتَّجديف. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 10: 33 أنَّهُم قالوا: "فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا". ولكِنَّهُ كانَ حَقًّا الله. وقد كانَ "تُوما" مُحِقًّا حينَ مَدَّ يَدَهُ وقال: "رَبِّي وإلهي".

ثُمَّ انظروا إلى العلاقةِ الثَّانيةِ في العَدَدَيْن 16 و 17. فنحنُ نَرى يسوعَ لا فقط مِنْ حيث عَلاقَتِهِ باللهِ، بل أيضًا مِنْ حيث عَلاقَتِهِ بالعالمِ أوْ بالخَليقة. فنحنُ نقرأ في العدد 16: "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى". ثُمَّ نَقرأُ في نهايةِ العَدَد: "الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِق. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ". فنحنُ نَنظرُ هُنا لا إلى إنسانٍ فَحَسْب، ولا إلى إنسانٍ عظيمٍ وحَسْب، بل إنَّنا نَنظرُ هُنا إلى خَالِقِ وَحافِظِ الكَوْنِ كُلِّه: ما في السَّماواتِ وما على الأرض، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى. الْكُلُّ بِهِ قَدْ خُلِق. والكُلُّ لَهُ قد خُلِق. وَهُوَ موجودٌ قَبْلَ كُلِّ شيءٍ، وفيهِ يَقومُ الكُلِّ. فهو الخالِق. ومَرَّةً أُخرى، هذا هو تَمامًا ما قَرأناهُ في عِبرانِيِّين 1: 2: "الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ العَالَمِينَ". فهو يقولُ حَرفيًّا: "الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ العَالَمِينَ". فالكَوْنُ كُلُّهُ، والعَالَمُ بِأسْرِه، والكونُ المادِيُّ بِمُجْمَلِهِ قد خُلِقَ مِنْ قِبَلِ يَسوعَ المَسيح.

وما أعنيهِ هو أنَّ مُجَرَّدَ التَّفكيرِ في ذلك مُذْهِلٌ حَقًّا. فلو كانَ بمقدورِكَ أنْ تَحْفُرَ حُفْرَةً في الشَّمسِ وأنْ تَبْتَدِئَ في دَفْنِ الأرضِ فيها، يمكنكَ أنْ تَضَعَ مِليونًا وَمِئَتَيْ ألفِ أرضٍ فيها. وسوفَ يبقى لديكَ مُتَّسَعٌ لِدَفْنِ أربعةِ مَلايين وثلاثمئةِ ألفِ قَمَرٍ فيها. فالشَّمسُ ضَخمة فوقَ التَّخَيُّل. والشَّمسُ تَبْعُدُ عَنَّا 93 مليون ميل. وأقربُ نَجْمٍ (وَهُوَ: "ألفا القَنْطُور" – “Alpha Centauri”) هو أكبر بخمسة أضعاف مِنَ الشَّمس. والقمرُ يَبْعُد عَنَّا (211,463) ميل. فهو قَريبٌ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ يُمْكِنُكَ أنْ تَذهبَ إليهِ مَشْيًا. هذا صَحيح! فيُمكنكَ أنْ تَذهبَ إلى القَمَرِ سَيْرًا على الأقدام فَتَصِلُ إليهِ في سَبعٍ وعِشرينَ سنة إنْ سِرْتَ أربعةً وعِشرينَ ميلاً كُلَّ يوم.

وشُعاعُ النُّورِ يَنتقل بسُرعة (186,000) ميل في الثَّانية. لِذا فإنَّهُ يَصِلُ إلى القمر في ثانية ونِصْف الثَّانية. ولو كانَ بمقدورِنا أنْ نُسافِر بتلك السُّرعة، ولو كانَ بمقدورِنا أنْ نَنتقلَ بتلكَ السُّرعة، لكانَ بمقدورِنا الوصول إلى كوكبِ عُطارِد في أربعة دقائق ونِصف الدَّقيقة. فهو يَبعُد 50 مِليون ميل فقط. والحقيقة أنَّهُ لكانَ بمقدورِنا الوصول إلى كوكبِ الزُّهرة في دَقيقَتَيْن لأنَّهُ يُبْعُدُ سِتَّةً وعِشرينَ ميلاً فقط. ولكانَ بمقدورِنا الوصول في أربعة دقائق وإحدى وعشرينَ ثانية إلى كوكبِ المَرِّيخ لأنَّهُ يَبعُد أربعةً وثلاثينَ مِليون ميل فقط. وإنْ أردنا الذَّهابَ في رحلة أطول قليلاً، يمكننا الذهاب إلى كوكب المُشتري الَّذي يَبعُد 367 مليون ميل. وحينئذٍ ستَستغرِقُ الرِّحلة 35 دقيقة و 11 ثانية. ولو أردنا الذَّهاب إلى كوكَب زُحَل فإنَّ ذلكَ سيَستغرِق وقتًا أطول: ساعة و 11 دقيقة. فهو يبعُد عَنَّا 790 مليون ميل. وإنْ أردنا أنْ نَذهبَ إلى مكانٍ أبعد، يمكننا الذَّهاب إلى كوكب "أورانوس" الَّذي يَبعُد مليون وستمئة وثمانية آلافِ ميل، أو إلى كوكب "نبتون" الَّذي يَبْعُد ثلاثة مليارات ميل، أو إلى كوكب "بلوتو" الَّذي يَبْعُد أكثر مِن ذلك. وحينَ تَصِلُ إلى كوكب "بلوتو" لن تكونَ قدِ ابتعدتَ كثيرًا. وهناكَ نَجْمٌ يُدعى "يَد الجَوزاء" (Bettlejuice)، وَهُوَ نَجْمٌ مُذهلٌ يَبعُد 880 كوادريليون ميل. وهل أنتُم مُستعدُّونَ لسماعِ شيءٍ آخر؟ فَقُطْرُهُ أكبر مِنْ مَدارِ الأرض. فهو نَجْمٌ ضَخمٌ جِدًّا. وَمَنِ الَّذي خَلَقَ كُلَّ هذه المادَّة؟ وَمَنِ الَّذي خَلَقَ كُلَّ هذه الأشياء؟ يَسوع. لذا، يجب على شخصٍ ما أنْ يَقولَ لجمعيَّة الحُقوق المَدنيَّة الأمريكيَّة بعضَ هذه الحقائق. أتَعلمونَ ذلك؟ فقد يُساعِدُهُم ذلك!

فقد خَلَقَ الخليقةَ وخَلَقَ كُلَّ شيءٍ حَسَنًا. أليسَ كذلك؟ ولكِنَّ الإنسانَ لَوَّثَها بالخطيَّة. وهو سيأتي ذاتَ يومٍ ليُعيدَ خَلْقَها وليُعيدَها إلى الحالةِ الأصليَّةِ المَجيدةِ الَّتي قَصَدَها لها. انظروا إلى العدد 16 (إلى نهايةِ العدد): "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ ... الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ": لِمَجْدِهِ، ومَسَرَّتِهِ وَمَقاصِدِه. وَهُوَ موجودٌ قَبْلَ كُلِّ الأشياء. وقد كانَ ينبغي أن يكونَ موجودًا قبلَ كُلِّ الأشياء لكي يَقْدِرَ أنْ يَخلِقَها. وهذا يعني أنَّ وُجودَ يسوعَ يَسْبِقُ الوُجود. فقد كانَ حَيًّا قبلَ التَّجَسُّد. وفيهِ يَقومُ الكُلِّ. فهو موجودٌ قَبلَ الخَلْقِ لأنَّهُ كانَ الخالِق. وهو الَّذي يُمْسِكُ كُلَّ الأشياءِ معًا. فهو مَنْ يَضُمُّها معًا. ونحنُ لا نَقبلُ ما يَقولُهُ أنصارُ مَذهبِ التَّأليهِ الطَّبيعيِّ بأنَّ اللهَ خَلَقَ العالَمَ وَتَرَكَهُ وَشأنَهُ. فهو يُمْسِكُ كُلَّ الأشياءِ مَعًا. ونحنُ نَقرأُ في عِبرانِيِّين 1: 3 أنَّهُ "حَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِه". فهو أَساسُ تَرابُطِها. وَهُوَ الَّذي يُبْقي كُلَّ شيءٍ يَتحرَّك، ويُبقي كُلَّ شيءٍ يَدور. هل تَفهمونَ ذلك؟ وهل تَفهمونَ أنَّ الأَجْرامَ الكَونيَّةَ لا تَبقى في مَداراتِها لِمُجَرَّدِ أنَّها تَبقى في مَداراتِها؟ بل إنَّها تبقى في مَداراتِها لأنَّهُ يَحْفَظُها هُناك. وهل تَعلمونَ أنَّهُ عندما تُدَقِّقونَ النَّظَرَ في الذَّرَّة وتَنظرونَ إلى مُكَوِّناتِ الذَّرَّة وتَرَوْنَ النيوترون، والبروتون، والإلكترون، فإنَّها تَفعلُ تمامًا ما تَفعل في داخلِ الذَّرَّة لا لأنَّ هناكَ شيئًا فيها يُحافِظُ عليها، بل لأنَّ هناكَ إلهًا يَجْعَلُها تَعملُ بتلكَ الطريقة دائمًا. فهو حَامِلٌ كُلَّ الأشياءِ معًا بكلمةِ قُدرَتِه. وهل تَعلمونَ أنَّهُ لو أنَّ الأرضَ أَبْطَأتْ قليلًا في دَورانِها فإنَّنا سَنتجمَّد أو نَحْتَرِق؟ فيجب أنْ يَجْعَلَها اللهُ تَدورُ بنفسِ السُّرعة طَوالَ الوقت. وَأرْضُنا تَميلُ بزاوية 23 تمامًا. وهذا يَسْمَحُ بحدوثِ الفُصولِ الأربعة. ولو أنَّها لم تَكُنْ مائلة هكذا فإنَّ البُخارَ النَّاجِمَ عنِ المُحيطات سيتحرَّكُ شَمالاً وجنوبًا ويَتَسَبَّبُ في تَراكُمِ كَميَّاتٍ هائلةٍ مِنَ الثَّلْجِ في كِلا القُطْبَيْن فتحدُثُ مشاكِل هائلة في الدَّوران، عَدا عنِ اضطرابِ الفُصول. ولو أنَّ القَمَرَ لم يَحْتَفِظ بِبُعْدِهِ الدَّقيقِ عنِ الأرض فإنَّ مَدَّ المُحيطاتِ سَيُغْرِقُ اليابسةَ مَرَّتَيْنِ في اليوم. وَمَنِ الَّذي يَحْفَظُ كُلَّ هذهِ الأمور في مَكانِها؟ ولو أنَّ المُحيطَ صَارَ أَعْمَقَ بِضعةَ أقدامٍ مِمَّا هُوَ عليه فإنَّهُ سَيِتُّم امتصاصُ ثاني أوكسيد الكربون والأكسجين في الغِلافِ الجَوِّيِّ ولا يُمْكِن للنباتاتِ أنْ تَعيش. وَمَنِ الَّذي يَحْفَظُ هذا التَّوازُنِ الدَّقيق؟ إنَّهُ يسوعُ المسيح. فهو موجودٌ قبلَ كُلِّ الأشياء، وفيهِ تَبقى كُلُّ الأشياءِ مُتماسِكَة، وتَبقى كُلُّ الأشياءِ مُترابطة معًا. وكُلّ ذلكَ وُلِدَ في ذلكَ المِذْوَد. وهو الخالِقُ والحافِظُ الموجودُ قبلَ كُلِّ الأشياء. فهذا الطِّفْلُ هو بِكْرُ كُلِّ خليقة، ونهايةُ كُلِّ خليقة، ومُمْسِكُ الخَليقة، وَغايةُ الخَليقة.

ثُمَّ انظروا، ثالثًا، إلى علاقَتِهِ بالعالمِ غيرِ المَنظور. فنحنُ نَقرأُ في مُنتصفِ العدد 16: "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ ... سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ". وهذه الكلماتُ مألوفة لأيِّ دَارِسٍ للعهدِ الجديد لأنَّها تُشيرُ إلى رُتَبِ الملائِكة. ويمكنكم أنْ تَجِدوا هذه الكلماتِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ في كِتاباتِ بولُس، وعِدَّةَ مَرَّاتً في رسالته إلى كنيسة أفسُس. وَهي تقولُ لنا إنَّ يسوعَ هُوَ الخالِقُ والمَلِكُ على كُلِّ الملائكة. فالعُرُوشُ والسِّيادَاتُ والرِّيَاسَاتُ والسَّلاطِينُ تُشيرُ وَحَسْب إلى رُتَبِ أوْ دَرَجاتِ الملائكة. وهو يَسمو عليها جميعًا. فأعلى رُؤساءِ الملائكةِ يَخضعونَ ليسوعَ المسيحِ، سَواءٌ كانوا سَرافيم أو كَروبيم أو كانوا أرواحًا شِرِّيرةً أو كانوا الشَّيطانَ نَفسَهُ.

فالملائكةُ الَّتي رَنَّمَتْ في تلك الليلة: "المَجْدُ للهِ في الأعالي" هي نَفْسُها الَّتي خَدَمَتِ الطِّفلَ في المِذْوَد. فَهُوَ الَّذي خَلَقَها. والملائكةُ، سَواءٌ كانوا ملائكةً صَالِحينَ ومُقَدَّسينَ، أو ملائكةً ساقِطينَ، يَخْضَعونَ للمسيح. وَهُمْ لا يُوْجَدونَ مِنْ دُوْنِ قُدرَتِهِ الخالِقَةِ، ولا يُمكن أنْ يَستمرُّوا في الوجودِ مِنْ دونِ قُدرَتِهِ الحافِظَة. ونحنُ نَقرأُ مَرَّةً أخرى في عِبرانِيِّين 1: 7: "وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا" [إشارَةً إلى عَملِ الخَلْقِ] "وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ. وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُور". فعندما خَلَقَ اللهُ الملائكةَ بقُدرَتِهِ الخالِقَةِ، أيْ عندما خَلَقَ المسيحُ الملائكةَ بقُدرَتِهِ الخالِقَةِ، جَعَلَهُم خُدَّامًا. فهذهِ الكلمة تَعني خُدَّامًا. ولكِنْ عندما أَرسلَ اللهُ ابْنَهُ، لم يَكُن خادِمًا، بل قال: "كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُور". والملائكةُ تَعْبُدُهُ لأنَّهُ صَاحِبُ السِّيادة. ونقرأ في العددِ السَّادسِ: "وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ". فالملائكةُ خُدَّامٌ. وَهُوَ الَّذي ينبغي أنْ يُخْدَمَ. فهو المَلِك. وَهُوَ صاحِبُ السِّيادة.

وهُناكَ علاقة رابعة هُنا أوَدُّ أنْ أَلْفِتَ أنظارَكُم إليها. انظروا إلى العدد 18. فقد رأينا عَلاقَةَ يسوعَ باللهِ، وعلاقتَهُ بالكَوْنِ المَخلوق، وعلاقَتَهُ بِعالمِ الملائكةِ غيرِ المنظور. والآن، سَنَرى علاقَةَ يسوعَ بالكنيسة: "وَهُوَ رَأسُ الجَسَدِ: الكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ البَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ". ونحنُ نَجِدُ هُنا حَقًّا عظيمًا. فهو رأسُ الجَسَدِ: الكَنيسة. ومِنْ جِهَة كِتابِيَّة، فإنَّ استعارَةَ الجَسَد تُستخدَمُ غالبًا. فالكَنيسة تُشْبِهُ الجَسَد. والمسيحُ يُشْبِهُ رأسَها. وهذا أمرٌ يُمْكِنُنا أنْ نَستوعِبَهُ. وَهُوَ يَعني ما نَفْهَمُ أنَّهُ يَعنيه: فالقُدرة على النُّمُوِّ تَكْمُنُ في دِماغِكَ. ففي أسفلِ جُمْجُمَتِك، هناكَ تَجويفٌ صَغير. وفي ذلكَ التَّجويفِ الصَّغير توجد غُدَّة تُسَمَّى "الغُدَّة النُّخامِيَّة" مَسؤولة عنِ النُّمُوّ. فهي تُفْرِزُ هُرمونَ النُّمُوِّ وهُرموناتٍ أُخرى تَحْفِزُ على النُّموِّ. وَنُمُوُّ الجسدِ يَرتبط ارتباطًا مُباشِرًا بالقدرة الَّتي يُوَفِّرُها الرَّأس. فَدِماغُنا يُسيطرُ على أعضاءِ الجسد. والمُخَيْخُ يُسَمَّى "مُنَظِّم عَمَل العضلات". فجميعُ وظائفِ الجسدِ البشريِّ تَخضعُ لسيطرةِ الدِّماغ (الإراديَّة واللاَّإراديَّة على حَدٍّ سَواء). فهي تَعْمَلُ وفقًا للأوامرِ الصَّادرةِ عنِ الرَّأس: النُّمُوُّ، والإرشاد، وجميعُ عمليَّاتِ التَّفكيرِ تَجري، دُوْنَ شَكٍّ، في الدِّماغِ والرَّأس. فالرَّأسُ يُعطي الأوامِرَ المُختصَّة بكُلِّ ما نَفعلُه ونَقولُه ونُفَكِّرُ فيه.

وهذا يُبَيِّنُ، ببساطة، حقيقةَ أنَّ المسيحَ هو مَصدرُ كُلِّ الحَقِّ، وكُلِّ المعرفةِ، وكُلِّ الحِكمةِ، وكُلِّ النموِّ، وكُلِّ الإرشادِ في كنيسَتِه. فهو رأسُ الكنيسة. ثانيًا، إنَّهُ يقولُ: "الَّذِي هُوَ البَدَاءَةُ". فهو بَداءَةُ الكَنيسَةِ. فهو مَصْدَرُ الكنيسة. وقد قالَ يسوعُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 16: "أَبْنـِــي كَنِيسَتِي". وهذه هي الفِكرة هنا. فالكنيسةُ هي خَليقةُ المسيح. فهو مَصْدَرُ وُجودِها. وَهُوَ، في الحقيقة، أَهَمُّ عُضْوٍ فيها بسببِ القيامة. وهذا أمرٌ سنَراهُ بعدَ قليل. فهو "المُتَقَدِّمُ". وَهُوَ الرَّائِدُ. وَهُوَ السَّبَّاقُ. وَهُوَ القائِدُ. وَهُوَ مَصْدَرُ الكنيسة. فهو ليسَ رأسَها وَحَسْب، بل هُوَ خَالِقُها وَمَصْدَرُها. ثُمَّ انظروا ما جاءَ في العدد 18. فهو أيضًا: "بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ". ونَجِدُ هنا الكلمة "بروتوتوكوس" (prototokos) مَرَّةً أُخرى. وهذا لا يَعني أنَّهُ أوَّلَ شخصٍ قامَ مِنَ الأموات. فهناكَ أشخاصٌ في العهدِ القديمِ قاموا مِنَ الأموات. وهناك أشخاصٌ أقامَهُم يسوعُ مِنَ الموتِ قبلَ أنْ يقومَ هُوَ نَفسُهُ مِنَ الموت. فالحديثُ هنا هو ليسَ عنِ الأوَّلِ مِنْ جِهَةِ الوقتِ، بل إنَّهُ المُتَفَوِّقُ على جميعِ الَّذينَ قاموا يومًا أوِ الَّذينَ سيقومونَ يومًا. فهو "البروتوتوكوس"، أيْ: المُتقدِّم. فَهُنا، يُرَكِّزُ بولسُ على القيامة. فقد دُفِنَ، ولكنَّهُ قامَ مِنَ الأموات. وهو بِكْرُ الَّذينَ رَقَدوا. فقيامَتُهُ هي الضَّمانة بالقيامةِ إلى الحياةِ الأبديَّة لجميعِ البشر. فهو ليسَ بَطلاً مَيْتًا. بل إنَّهُ "اللهُ-الإنسانُ" الَّذي قامَ مِنَ الموت. وَمِنْ بينِ جميعِ الَّذينَ قاموا يومًا مِنَ الموت، فإنَّهُ الأعلى مَقامًا، والأَسْمَى. فلا يمكنكَ أنْ تُعامِل يسوعَ كما لو كانَ شخصًا تاريخيًّا مَيْتًا. فهو حَيٌّ. وهو رأسُ الجسد: الكنيسة. وهو المَصْدَرُ، ومُعْطي الحياةَ للجسد (أيِ الكنيسة). وهو الَّذي أعطى الولادةَ مِنَ الموتِ للكنيسة بأسْرِها مِنْ خلالِ قِيامَتِه.

وبسببِ كُلِّ هذهِ الأشياء، ولأنَّهُ صُورةٌ طِبْقُ الأصلِ ونُسخةٌ طِبْقُ الأصلِ عنِ اللهِ غيرِ المنظور، ولأنَّهُ أَسْمى شخصٍ في كُلِّ الخليقة، ولأنَّهُ الخالِقُ نَفسُهُ الَّذي خَلَقَ كُلَّ شيءٍ في الكَوْن: الأشياء الَّتي تُرى والتي لا تُرى، ولأنَّهُ صاحِبُ السِّيادة على العالَمِ الرُّوحِيِّ، ولأنَّهُ المُهَيْمِنُ، والقائدُ، وصاحِبُ السُّلطةِ، وَمَصْدَرُ الكنيسةِ وَحياتُها، فإنَّنا نَقرأُ في نهاية العدد 18: "لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ". فهو مُتَقَدِّمٌ دُوْنَ أدنى شَكٍّ. وإنَّهُ أمرٌ مَنْطِقِيٌّ (أليسَ كذلك؟) أَنْ يكونَ الشَّخصُ المُتَقَدِّمُ هُوَ سَيِّدُ الكَوْن، والمَرْجِعُ، والمُبْدِئُ، والغايَةُ، والرَّائِدُ، والحافِظُ، والحاكِمُ في نِطاقِ الخَليقة، والذي هُوَ رأسُ الكنيسة. فالمُنْشِئُ، والبِكْرُ في الرُّتْبَةِ على الَّذينَ يَقومونَ مِنَ الموتِ هُوَ المُتَقَدِّمُ. لِذا، ما أَغْرَبَ أنْ نَحْتَفِلَ بعيدٍ، وأنْ نُحاولَ في الوقتِ نَفسِهِ أنْ نَتجاهَلَ صَاحِبَ العيد. وحينَ تَتجاهَلُ شخصًا، فإنَّهُ ليسَ شخصيَّةً تاريخيَّةً وحسب، بل هُوَ اللهُ الحَيّ.

ولكي يَضْمَنَ بولسُ أنَّهُ لم يَنْسَ شيئًا بعدَ أنْ قالَ كُلَّ ذلك في العدد 19، فإنَّهُ يُضيفُ كلمةً عنْ عَلاقَةِ يسوعَ بِكُلِّ الإعلاناتِ الأُخرى: "لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ [الآبُ] أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ"؛ أيْ: كُلُّ القُدراتِ الإلهيَّةِ، وكُلُّ الصِّفاتِ الإلهيَّةِ، وكما جاءَ في العددِ الثَّالثِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني: "جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ"، وكما جاءَ في العدد 9: "كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ" ... فَكُلُّ شَيءٍ موجودٌ فيه. كُلُّ شيءٍ موجودٌ فيه. فهو مِلْءُ جَوهرِ اللهِ ومَجْدِ اللهِ. فَهذا كُلُّهُ يَحِلُّ فيهِ وَحْدَهُ دُوْنَ سِواه. وهذا يعني أنَّهُ إنْ جاءَ شخصٌ بعدَ ذلك وقالَ: "أنا الله"، لا تُصَدِّقوه. فيسوعُ لا يَحتاجُ إلى مُكَمِّل. وَلا يُوْجَدْ مُنافِسونَ لَهُ. ولا توجد إعلاناتٌ إضافيَّة. فَفِيْهِ، وَفِيْهِ فقط، وَضَعَ اللهُ كُلَّ مِلْءِ لاهُوتِهِ لأنَّهُ سُرَّ أنْ يَفعلَ ذلك. والسُّؤالُ الخِتامِيُّ هو: "لِماذا؟" والجوابُ موجودٌ في العدد 20. اسمعوا ما يَقول: "وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً أَجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ". فلماذا جاءَ يسوعُ إلى العالَم؟ لكي يُخَلِّصَ الخُطاة، ولكي يَمضي إلى الصَّليب ويَسْفِكَ دَمَهُ، وَيَدْفَعَ مِن خلالِ مَوْتِهِ أُجرةَ الخطيَّة لكي يُحْضِرَكُمْ إلى اللهِ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ.

فقد جاءَ لكي يَجمعَ أُناسًا مَفْدِيِّينَ ويأخُذَهُم إلى الله. وقد جاءَ إلى العالمِ لكي يُخَلِّصَ الخُطاةَ. لهذا فقد دُعِيَ "يَسوع". فقد جاءَ لكي يَصْنَعَ مُصالحةً بينَ الخُطاةِ واللهِ القُدُّوس. وقد جاءَ لكي يَرْفَعَ اللَّعنةَ عنِ الكَوْنِ، ولكي يُعيدَ الكَوْنَ إلى حَالَتِهِ الأصليَّة وقَصْدِهِ الَّذي خُلِقَ لأجلِه. وقد جاءَ لكي يَجمعَ رِجالاً ونِساءً مِثلَكُم ومِثلي مَعًا، ولكي يَجمعَ جَميعَ الأشخاصِ الآخرينَ طَوالَ تاريخِ البشريَّةِ مِمَّنْ شَاءَ اللهُ أنْ يَجْمَعَهُم لكي يُحْضِرَهُمْ إلى اللهِ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ. فقد جاءَ لكي يُخَلِّصَنا مِنَ الخطيَّةِ ولكي يُحْضِرَنا إلى اللهِ، ولكي يُصالِحَ الضَّالِّينَ مَعَهُ. وقد أَخَذَ خَطايانا لكي نَصيرَ قِدِّيسينَ كما هُوَ قُدُّوس.

ويا لَهُ مِنْ حَقٍّ عظيم! ولَعَلَّ هذا يُذَكِّرُكُم بما فَعَلَهُ "يُوآب" في العهدِ القديم حينَ تَضَرَّعَ لأجلِ "أبشالوم" (الابْن الضَّالّ المُتمرِّد) وَأحْضَرَهُ أمامَ داوُد فَقَبَّلَهُ داوُد. فهكذا أيضًا يُحْضِرُنا يَسوعُ المَسيحُ أمامَ اللهِ لكي يُقَبِّلَنا فَنَتصالَحُ مَعَه. وهذا هو مَعنى عيدِ الميلادِ المَجيد. فلا يوجد ما هُوَ أَقَلُّ مِن ذلك. وَلا يوجد، بِكُلِّ تأكيد، ما هو أكثر مِن ذلك. وَمِنَ المُحزِنِ في ثقافَتِنا أنَّ عيدَ الميلادِ المَجيد يُسَفَّهُ مِنْ جِهَة، وَيُهاجَمُ مِنْ جِهَةٍ أُخرى في مُحاولةٍ لإزالةِ الشَّيءٍ الوحيدِ المُهِمِّ فيه والذي لَهُ قيمة أبديَّة. وأعتقدُ، في الخِتام، أنَّهُ يجب علينا في وقتٍ كهذا أنْ نَنتهِزَ كُلَّ فُرصة للتحقُّقِ مِنْ أنَّ النَّاسَ يَفهمونَ مَعنى عيدِ الميلادِ المَجيد.

وأنا لا أُدافِعُ عن الخامِسِ والعِشرين مِنْ شَهرِ كانونَ الأوَّل/ديسمبر كما لو كانَ اليومَ الَّذي وُلِدَ فيهِ يَسوع. فهذا غيرُ مُحْتَمَلٍ البَتَّة. وأنا لا أُدافِعُ عن كُلِّ الأشياءِ الَّتي تَجري في مَوْسِمِ عيدِ الميلادِ المجيد. ولكنِّي أقولُ إنَّهُ إنْ كانَ العالَمُ يُعطينا فُرصةً للتَّركيزِ على وِلادةِ يسوعَ المسيح، دَعونا نَنْتَهِزُ هذه الفُرصة. دَعونا نَنتهِزُ هذه الفُرصة لكي نَعْبُدَهُ ونُسَبِّحَهُ لأنَّهُ يَليقُ بِنا أنْ نَشْهَدَ عَنْهُ أمامَ أولئكَ الَّذينَ يَحْتاجونَ إلى الاستماع. ويا لِغَباوةِ وَحماقَةِ الأشخاصِ الَّذينَ يُريدونَ أنْ يُقْصُوا يَسوعَ المسيحَ بَعيدًا، وأنْ يَحتفِظوا بالعيد. فَهُمْ يُريدونَ أنْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ صَاحِبِ العيد. وحينَ يَفعلونَ ذلكَ ويحاولونَ أنْ يَكْسَبوا العالَمَ، فإنَّهُم يَخْسَرونَ نُفوسَهُم. ونحنُ لدينا مَسؤوليَّة عَظيمَة تُجاهَ هؤلاء. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا معًا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، نأتي إليكَ بِشُكْرٍ وامْتِنانٍ قَلْبِيٍّ عَميقَيْنِ ونَعترِفُ بِكَ في هذا الصَّباحِ مُخَلِصًا لنا لا لأنَّ هذا الأمرَ نابِعٌ مِنَّا، بل مِنْكَ أنت. فهذه هِبَة. ولا يَسَعُنا حَتَّى أنْ نَستوعِبَ سَبَبَ نِعْمَتِكَ الفائِقَة هذِهِ حَتَّى تُعطينا إيَّاها. ولكِنَّنا رُغْمَ ذلكَ نَشْكُرُك. ونحنُ نُصَلِّي لأجلِ أولئكَ الَّذينَ لا يَعرفونَ المسيح. ونحنُ نُصَلِّي في مَوْسِمِ عيدِ الميلادِ المَجيدِ هذا تَحديدًا أنَّهُ مِنْ خِلالِ شَهادةُ المؤمنينَ الَّذينَ يَنتمونَ إلى المسيحِ، فإنَّ قُلوبَ أُناسٍ آخرينَ سَتَنْجَذِبُ إلى المُخَلِّصِ. وفي حين أنَّ العالَمَ يَبْذُلُ كُلَّ جُهدٍ مُمكِن لإخفاءِ الحَقِّ المُختصِّ بالمسيح مِنْ خِلالِ التَّشويهِ التَّامِّ لِعيدِ ميلادِهِ، وفِكرةِ التَّجَسُّد، وحَقيقةِ الخلاص، نُصَلِّي، يا رَبّ، أنْ تُعطينا القُدرة على أنْ نَتكلَّمَ بجَسارَة. وكُلَّما زادت الهَجَماتُ، ليتَ الشَّهادَةُ تَزيدُ أيضًا. ونُصَلِّي أنْ تُعطينا امتيازَ اقتيادِ النَّاسِ إلى مَعرفةِ المسيح. نُصَلِّي هذا لِمَجْدِ اسْمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize