Grace to You Resources
Grace to You - Resource

قَبْلَ لَحَظات، في أثناءِ الخِدمة، قَرأنا المزمورَ الصَّباحِيّ، وتَحديدًا: المزمورَ الثَّامِن والثَّلاثين. والمَزمورُ الثَّامِنُ والثَّلاثون يَزْخُرُ بِمَشاعِرِ الذَّنْب. ففي العددِ الثَّاني، يَقولُ المُرَنِّمُ: "لأَنَّ سِهَامَكَ قَدِ انْتَشَبَتْ فِيَّ، وَنَزَلَتْ عَلَيَّ يَدُكَ. لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي. لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي. كَحِمْل ثَقِيل أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ. قَدْ أَنْتَنَتْ، قَاحَتْ حُبُرُ ضَرْبِي مِنْ جِهَةِ حَمَاقَتِي. لَوِيتُ. انْحَنَيْتُ إِلَى الْغَايَةِ. الْيَوْمَ كُلَّهُ ذَهَبْتُ حَزِينًا. لأَنَّ خَاصِرَتَيَّ قَدِ امْتَلأَتَا احْتِرَاقًا، وَلَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ. خَدِرْتُ وَانْسَحَقْتُ إِلَى الْغَايَةِ. كُنْتُ أَئِنُّ مِنْ زَفِيرِ قَلْبِي". إنَّها مَشاعِرُ الذَّنب. وهي مُناقِضَة تَمامًا لما قالَهُ الرَّسولُ بولسُ لنا في رسالتِهِ الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوس 1: 12.

دَعونا نَذهبُ إلى ذلكَ النَّصِّ في هذا الصَّباح لأنِّي أريدُ أنْ أُتابعَ الحديثَ عن موضوعِ الضَّمير والخطيَّة في حياةِ المؤمِن. ففي رسالة كورِنثوس الثانية 1: 12، نَجِدُ أنَّ بولسَ يَقِفُ على النَّقيضِ تَمامًا مِنَ المُرَنِّمِ إذْ يَقول: "لأَنَّ فَخْرَنَا هُوَ هذَا: شَهَادَةُ ضَمِيرِنَا أَنَّنَا فِي بَسَاطَةٍ وَإِخْلاَصِ اللهِ، لاَ فِي حِكْمَةٍ جَسَدِيَّةٍ بَلْ فِي نِعْمَةِ اللهِ، تَصَرَّفْنَا فِي الْعَالَمِ، وَلاَ سِيَّمَا مِنْ نَحْوِكُمْ". فقد كانَ بولسُ يَتَمَتَّع بضَميرٍ نَقِيٍّ؛ ضَميرٍ صَالِحٍ. أمَّا المُرَنِّمُ فكانَ يَشعُرُ بمشاعِرِ الألمِ لأنَّ ضَميرَهُ كانَ يُبَكِّتُهُ.

لقد كُنَّا نَدرُسُ في رسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاح الأوَّل هذا المَقطعَ الصَّغيرَ المُمتدّ مِنَ العدد 12 إلى العدد 14. وقد رَكَّزنا على نِظامِ الإنذارِ البَشَرِيِّ وَهُوَ: الضَّمير. وكما تَعَلَّمنا، فإنَّ الضَّميرَ يُنْشِئُ شُعورًا بالذَّنْب، والعَار، والقلق، والتوتُّر، والخوف، والشَّكّ، والمرض الجَسديّ، والألم، والعديد مِنَ الأمور المُحْبِطَة الأخرى عندما يَنْتَهِكُ الإنسانُ أعلى مِعْيارٍ مَعروفٍ للسُّلوكِ الأخلاقيّ. فالضَّميرُ هُوَ هِبَةٌ مِنَ اللهِ لَنا لِتَحذيرِنا مِنَ الأشياءِ الَّتي تُهْلِكُ النَّفس. والرَّسولُ بولُس كانَ يَعيشُ حياةً مُقدَّسة. لِذا، كانَ ضَميرُهُ نَقِيًّا ولا يُبَكِّتُهُ في شيء. صحيحٌ أنَّهُ لم يَكُن كامِلاً، ولكنَّهُ كانَ مُنْتَصِرًا على الخطيَّة في حياتِه.

فلا يوجد مُؤمِنٌ واحِدٌ يَقْدِرُ أنْ يَشْهَدَ بِصِدْق أنَّهُ عندما صارَ مَسيحيًّا، فإنَّ الخطيَّة زَالَت. فالأمرُ ليسَ كذلك. فَالمَيْلُ إلى الخطيَّة ما زالَ موجودًا في حياتِنا. فَمَعَ أنَّنا خَلَصْنا، فإنَّنا ما زِلْنا نُخطئ. والأسوأُ مِن ذلك هو أنَّنا ما زِلْنا نَشْعُرُ باللَّذَّة حينَ نَقترف الخطيَّة. ونحنُ ما زِلنا نُحارِبُ العاداتِ الخاطئة، لا فقط التَّصَرُّفات الخاطئة بينَ الحينِ والآخر. وأحيانًا نَسْقُطُ في خطايا مُخْزِيَة ومُشينَة. وأفكارُنا وكلماتُنا ليست دائمًا كما ينبغي أن تكون. ووقتُنا يُهْدَرُ غالبًا على أمورٍ تافِهَة ودُنيويَّة. وعُقولُنا ومشاعِرُنا تَتَرَكَّزُ غالبًا على أمورٍ زائلة. وقُلوبُنا باردة غالبًا مِنْ جِهَة الأمور المُقدَّسة والكِرازِيَّة.

وقد نَتساءَلُ: لِمَ يَحْدُثُ ذلك؟ إنْ رَجَعنا إلى رسالة رُومية والأصحاح السَّادِسِ، قد تَستنتِج أنَّ كُلَّ شيءٍ ينبغي أنْ يكونَ مُختلِفًا. فنحنُ نَقرأُ في العدد 14 مِنْ رُومية 6: "فَإِنَّ الْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَة". ونَقرأُ في العدد 17: "فَشُكْراً للهِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ، وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا. وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ صِرْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرّ". فإنْ لم تَكُن الخطيَّة تَسودُ علينا حَقًّا، وإنْ لم نَعُدْ عَبيدًا للخطيَّة، لِمَ لا نَستطيعُ أنْ نَعيشَ حَياةً طَاهرةً وأنْ نَتمتَّعَ بضميرٍ طَاهِر؟ وَلِمَ هذه المَعركةُ مُستمرَّة؟ الجوابَ هوَ: ما تَزالُ هناكَ بَقايا خَطِيَّة فينا. فقد أُعْتِقْنا مِنْ عُقوبةِ الخطيَّة. ولأنَّ المسيحَ دَفَعُ أُجرةَ الخطيَّة عَنَّا إذْ ماتَ على الصَّليب، فإنَّنا أُعْتِقْنا مِنْ سُلْطانِ الخطيَّة إذْ إنَّ قَيْدَ الخطيَّة الَّذي كانَ يُقَيِّدُنا قد كُسِر. ونحنُ لسنا تَحْتَ أيِّ الْتِزامٍ بأنْ نُطيعَها. وقد أُعْتِقْنا، نوعًا ما في الحاضِر، مِنْ حُضورِ الخطيَّة لأنَّها لم تَعُدْ تُرافِقُنا في كُلِّ الأوقاتِ وَكُلِّ الطُّرُق. وذاتَ يومٍ، سَنُعْتَقُ مِنْ حُضورِها تمامًا. ولكِنْ بالرَّغمِ مِنْ أنَّنا قد نِلْنا الخلاصَ والفِداءَ والغُفرانَ، فإنَّهُ ما تَزالُ هُناكَ بَقَايا خَطِيَّة فينا.

وَهُنا تَكْمُنُ المُشكلة. والمُشكلة هي: إنْ أردتَ أنْ تَحيا حَياةً طاهرةً وأنْ تَعيشَ بِضَميرٍ طَاهِرٍ، يجب عليكَ أنْ تُعالِج بَقايا الخطيَّة. والسُّؤالُ هُوَ: كيفَ أُعالِج ذلك؟ أَوَدُّ أنْ أَستَعيرَ مَثَلاً توضيحيًّا مِنَ العهد القديم. وأعتقد أنَّهُ قد يُساعِدُنا في الحُصول على صُورة حَيَّة عن كيفيَّة التَّعامُل مع بَقايا الخطيَّة في حَياتِنا حَتَّى نَعيشَ بِضميرٍ طاهِرٍ. وعِوَضًا عنِ اختبارِ ما اختبَرَهُ المُرَنِّمُ، سنَختبرُ ما اختبَرهُ بولُس. افتحوا على سِفْر صموئيل الأوَّل والأصحاح 15. سِفْر صموئيل الأوَّل والأصحاح 15. فالقصدُ مِنْ هذه القِصَّة الرَّائعة الَّتي وَرَدَتْ في العهد القديم هو أنْ تُعَلِّمَنا عن خَطورةِ الخطيَّة، وَعَنْ عَدالةِ غَضَبِ اللهِ المُقَدَّسِ عليها. وأنا لا أَقْصِدُ أنْ أَتجاهَلَ هذهِ الحقائق، ولا قيمَتَها التَّاريخيَّة، ولكنِّي أريدُ أنْ أستخدِمَها كَمَثَلٍ توضيحيٍّ تصويريٍّ، أوْ كَتَشْبيهٍ، على كيفَ ينبغي للمُؤمِن أنْ يَتَصَدَّى للخطيَّة.

لِنَنظُر إلى العدد الأوَّل مِنْ سِفْر صموئيل الأوَّل والأصحاح 15: "وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «إِيَّايَ أَرْسَلَ الرَّبُّ لِمَسْحِكَ مَلِكًا عَلَى شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. وَالآنَ فَاسْمَعْ صَوْتَ كَلاَمِ الرَّبِّ". وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ تَمَّ اختيارُ شاوُل ليكونَ مَلِكًا لأنَّهُ كانَ أَطْوَلَ مِنْ بَقِيَّةِ الرِّجالِ. وقد كانَ مِنْ سِبْطِ بَنْيامين. لِذا فقد أرادَهُ الشَّعبُ أنْ يكونَ مَلِكًا عليهم. لِذا فقد وافَقَ الرَّبُّ على أنْ يُعْطِيَهُم الرَّجُلَ الَّذي أَرادوه. وكانَ يَنْبَغي أنْ يُمْسَحَ مَلِكًا، ولكِنْ كانَ هُناكَ تَحذيرٌ، وكانُ هُناكَ تَنْبيهٌ. فإنْ كانَ سَيَقومُ بهذا الدَّوْر، هناكَ شيءٌ ينبغي لَهُ أنْ يَفعلَهُ وَهُوَ أنْ يَسْمَعَ كَلامَ الرَّبِّ. فإنْ كانَ سَيَضَعُ نَفسَهُ في مَكانٍ يَكونُ فيهِ مَلِكًا على شَعْبِ اللهِ، يجب عليهِ أنْ يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ الَّذي كانَ مَلِكَهُم الحَقيقيّ.

ثُمَّ إنَّ التَّعليماتِ تَصيرُ مُحَدَّدَةً جِدًّا. أليكَ ما يَقولُهُ الرَّبُّ وما يَنبغي لكَ أنْ تُصْغي إليهِ وتُطيعَهُ. العدد الثَّاني: "هكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا". وهذا هو ما يُسَمَّى بالإبادة الجَماعيَّة. اذْهَب وامْحُ هذا الجِنْسَ بِأسْرِه. والحقيقة هي أنَّهُم كانوا قَبيلةً في هذهِ الحالة، وليسوا نَسْلاً بالمَعنى الحقيقيّ. فقد كانوا عَشيرةً كاملةً مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ أخذوا اسْمَهُمْ مِنْ جَدِّهِم: "عَماليق".

وقد كانَ أمرُ اللهِ واضحًا جدًّا. فقد كانَ ينبغي لِشَاوُل أنْ يَتَعامَلَ بِلا رحمَة مَعَ عَماليق. وكانَ يَنبغي لهُ أنْ يَقْتُلَ لا الرِّجالَ فقط، بلِ النِّساءَ، وكُلَّ الأطفالِ، وكُلَّ الرُّضَّعِ. وكانَ ينبغي لَهُ أيضًا أنْ يُهْلِكَ كُلَّ الحَيَواناتِ لديهم. فقد كانَ ينبغي لَهُ أنْ يُهْلِكَ كُلَّ العشيرةِ بلا رَحْمَة وأنْ يَمْحِي كُلَّ أَثَرٍ لهم. فلا يجوزُ لهُ أنْ يَأخُذَ أيَّ أَسْرى. وهذا يعني ضِمْنِيًّا أنَّهُ لم يَسْمَحْ لهُ أنْ يأخُذَ أيَّ غَنائِم أيضًا. والسُّؤالُ الَّذي يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ حالاً هو: لِماذا يَقومُ اللهُ المُحِبُّ والرَّحومُ والمُنْعِمُ بإنْزالِ مِثْلِ هذهِ الدَّينونة المُريعَة على عَشيرة وَثنيَّة؟

اسمحوا لي أنْ أُجيبَكُمْ عَنْ هذا السُّؤال: كانَ عَماليق عَشيرة قديمة. وقد كانوا بَدْوًا؛ أيْ أنَّهُم كانوا يَرْتَحِلونَ كثيرًا. وكانوا يَعيشونَ جَنوبَ أرضِ كَنْعان. وكانوا نَسْلَ عيسو. لِذا فإنَّهُمْ لم يكونوا مِنَ النَّسْلِ الَّذي نَالَ الوَعْد (كما تُشيرُ الآية تكوين 36: 12). وقد كانوا يُضْمِرونَ عَداوةً دائمةً لليهودِ حَالَما دَخَلَ اليهودُ أرضَ كَنْعان. والحقيقةُ هي: رُبَّما تَذْكُرونَ أنَّهُ عندما اقتربَ اليهودُ مِنْ أرضِ كَنْعان في البداية، كانوا خائِفينَ مِنْ دُخولِ الأرض. ورُبَّما تَذكرونَ أنَّهُم وَصَلوا إلى قَادَشْ بَرْنيع، ثُمَّ تَرَدَّدوا كثيرًا. فَهُمْ لم يَرغبوا في دُخولِ الأرض. فقد كانوا خائفينَ بسببِ شَراسةِ عَماليق المُخيفة. والحقيقة هي أنَّهُمْ في ذلكَ المَكانِ عَانَدوا وَعَصَوْا اللهَ لأنَّهم كانوا خائفينَ جِدًّا مِنْ هذه العشيرة الشَّرِسَة والشِّرِّيرة والمُتوحِّشة. وهي نفسُ العَشيرة المُشار إليها هُنا والتي هَاجَمَتْ بني إسرائيلَ في رَفِيدِيم. والحقيقة هي أنَّ هذا حَدَثَ بعدَ وقتٍ قصيرٍ مِنَ الخُروج، كما هُوَ مُبَيَّنٌ هُنا. وهذه هي المَعركة المشهورة المُدَوَّنة في سِفْرِ الخُروج والأصحاح 17 حينَ اضْطُرَّ هَارون وَحُوْر إلى دَعْمِ يَدَيْ مُوْسَى (كما تَذكرونَ) لِكَيْ يُحْرِزوا النَّصْر.

وقد اشتركَ هؤلاءِ في الحَرْبِ ضِدَّ إسرائيل بطريقة خَسيسة جِدًّا. وما فَعلوهُ، كما سَنقرأُ لاحقًا، هو أنَّهم هاجَموا الجُزءَ الخَلْفِيَّ مِنْ هذهِ القافلة البَشَرِيَّة الَّتي كانت خارِجَةً مِنْ أرْضِ مِصْر عندَ الخُروج في طَريقِهم إلى أرضِ المَوعِد. فقد هاجَموا الجُزءَ الخَلْفِيَّ مِنَ القافلة البَشريَّة. وهذا يَعني أنَّهُم هاجَموا المُتَخَلِّفينَ عَنِ القافلة. وَمَنْ يكونُ هؤلاء؟ إنَّهُم المُسِنُّونَ، والأطفال، والنَّساء الحَوامِل، والأشخاص المُعاقون، والمَرضى، والضُّعفاء، والمُتْعَبون، والمُرْهَقون. وقد كانَ سُلوكًا خَسيسًا أنْ يُهاجِموا الجُزءَ الخَلفيَّ مِنَ القافلة. لِذا، فقد نَصَبوا كَمينًا لإسرائيل وَقَتلوا جَميعَ المُتَخَلِّفينَ عنِ القافلة، وَتَقَدَّموا تَدريجيًّا إلى أنْ نَشَبَتْ المعركة في النِّهاية. وبالمُناسبة، نَجِدُ إشارةً إلى هذهِ الحادثة في سِفْر التَّثنية والأصحاح 25، كما سأقرأُ لكم بعدَ لَحَظات. وقد كَشَفَ هذا شَراسَتَهُم، وشَرَّهُم، وكراهِيَّتَهُم للهِ، وكَراهِيَّتَهُم لِكُلِّ ما هو مُقَدَّس، وموقِفَهُم الشَّرِّيرَ تُجاهَ الآخرين. وقد نَجَّى اللهُ إسرائيلَ في ذلكَ اليوم. وهل تَذكرونَ تلكَ القِصَّة الَّتي تَمَّ فيها رَفْعُ يَدَيْ مُوْسى عَالِيًا؟ وقد هَرَبَ العَمالِقَة واختبأوا. وفي نِهايةِ المعركة، في سِفْر الخُروج 17: 14، قَطَعَ اللهُ وَعْدًا لِمُوْسى قائلاً: "سَوْفَ أَمْحُو ذِكْرَ عَمَالِيقَ مِنْ تَحْتِ السَّمَاء". فاللهُ يَقولُ: "سوفَ أَمْحُو ذِكْرَ هؤلاءِ القَوْم".

وقد كانَ اللهُ عاقِدَ العَزْمِ جِدًّا على ذلك حَتَّى إنَّهُ جَعَلَ هذا القَسَمَ جُزءًا مِنْ شريعةِ مُوسى. فهو مَذكورٌ في الأسفارِ الخَمْسَةِ (في سِفْرِ التَّثنية والأصحاح 25). استمعوا إلى هذهِ الأعدادِ الثَّلاثة...الأعداد الثَّلاثة الأخيرة مِنَ الأصحاح 25: "اُذْكُرْ مَا فَعَلَهُ بِكَ عَمَالِيقُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ خُرُوجِكَ مِنْ مِصْرَ. كَيْفَ لاَقَاكَ فِي الطَّرِيقِ وَقَطَعَ مِنْ مُؤَخَّرِكَ كُلَّ الْمُسْتَضْعِفِينَ وَرَاءَكَ، وَأَنْتَ كَلِيلٌ وَمُتْعَبٌ..." [وَهُنا العِبارة الرَّئيسيَّة:] "...وَلَمْ يَخَفِ اللهَ". نَتيجة لِذلك: "مَتَى أَرَاحَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِكَ حَوْلَكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا، تَمْحُو ذِكْرَ عَمَالِيقَ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ". ثُمَّ يُضيفُ اللهُ هذهِ العِبارة: "لاَ تَنْسَ". فيجب أنْ تَفعلَ ذلك. فقد كانَ عَماليقُ هؤلاء عَشيرةً خائنةً، وشَرِسَةً، ومُرْعِبةً، وقاتِلةً. وقدِ احْتَدَمَ غَضَبُ اللهِ عليهم بسببِ شَرِّهِم.

وبحسب ما جاءَ في سِفْر العَدَد 24: 20، دَعا اللهُ النَّبِيَّ الفاسِدَ "بَلْعام" إلى التَّنَبُّؤِ عن مَصيرِهِم المَشؤوم. ونَقرأُ في سِفْر القُضاة 6: 3-5 أنَّ هؤلاءِ القَوْم كانوا يُحِبُّونَ أنْ يَنْهَبوا اليَهود. وأكثرُ ما كانوا يُحِبُّونَ القِيامَ به هو أنْ يأتوا ويُتْلِفوا مَحاصيلَهُم. ولا شَكَّ أنَّ هذا يعني حِرْمانَهُم مِنْ مَصْدَرِ رِزْقِهِمْ وَموارِدِ الطَّعامِ لديهم. فقد كانوا يُبْغِضونَ اللهَ. وكانوا يَمْقُتونَ اليهود. وكانوا يُسَرُّونَ بالعُنْف. فقد كانوا خُطاةً أشرار. وبسببِ هذا كُلِّه، ولأنَّ اللهَ أَقْسَمَ، فقد عَقَدَ العَزْمَ على إهْلاكِ عَماليق. وعندما نأتي الآنَ إلى النَّصِّ الَّذي أخبرتُكُم عنهُ (أيْ صموئيل الأوَّل والأصحاح 15)، نَقرأُ هُنا عَنْ وُقوعِ هذهِ الحادثة. إذًا، فاللهُ يَقولُ هُنا إنَّ بَني إسرائيلَ لديهم مَلِك، وإنَّ الوقتَ قد حَانَ للقيامِ بذلك. اذهبوا الآنَ وَاضْرِبوا عَماليق. فقد كانَ ينبغي لشاوُل وجُيوشِهِ أنْ يكونوا الأداةَ الَّتي سيَستخدِمُها اللهُ لتنفيذِ قَسَمِه وتَنفيذِ دَينونَتِهِ المُقَدَّسة على قَوْمٍ أشرار. ولكِنَّ طَاعَةَ شاوُل كانت جُزئيَّة فقط.

لِنَقرأ ما حَدَثَ بِحَسَب ما جاءَ في سِفْر صموئيل الأوَّل 15: 7: "وَضَرَبَ شَاوُلُ عَمَالِيقَ". والجُزءُ المُتَبَقِّي مِنَ الآية: "مِنْ حَوِيلَةَ حَتَّى مَجِيئِكَ إِلَى شُورَ الَّتِي مُقَابِلَ مِصْرَ" يُشيرُ إلى أنَّ النَّصْرَ كانَ سَاحِقًا، وهائلاً، وَواسِعَ النِّطاقِ، وَكاسِحًا. فقد قَضَى عليهم مِنَ التُّخْمِ إلى التُّخْم، وَمِنَ المُقَدِّمة إلى الخَلْف، وَمِنَ الشَّرقِ إلى الغَرب، وَمِنَ الشَّمالِ إلى الجَنوب. فقد هَزَمَهُم هَزيمَةً نَكْراء. ولكنَّنا نَقرأُ في العدد 8: "وَأَمْسَكَ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ حَيًّا، وَحَرَّمَ جَمِيعَ الشَّعْبِ بِحَدِّ السَّيْفِ. وَعَفَا شَاوُلُ وَالشَّعْبُ عَنْ أَجَاجَ وَعَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالثُّنْيَانِ وَالْخِرَافِ، وَعَنْ كُلِّ الْجَيِّدِ، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُحَرِّمُوهَا. وَكُلُّ الأَمْلاَكِ الْمُحْتَقَرَةِ وَالْمَهْزُولَةِ حَرَّمُوهَا". وبِدافِعِ الجَشَعِ وَمَحَبَّةِ المالِ، أَبْقَوْا على حَياةِ خِيارِ الحَيَواناتِ، واحتفظوا بأفضلِ المُمتلكاتِ، وجَمَعوا غَنائِمَ النَّصْرِ. وبالمُناسبة، فإنَّهم لم يَقوموا بعملهِم على أَكْمَلِ وَجْهٍ في إهْلاكِ كُلِّ العَمالِقَة. فقد هَرَبَ كَثيرونَ مِنهُم. والأسوأُ مِن ذلكَ هو أنَّهُمْ عَفَوْا عن "أَجاج". فقد عَفَوْا عنِ المَلِك.

لماذا؟ لماذا قامَ شاوُلُ بِهذا العِصْيانِ السَّافِر؟ لم يَكُنِ الأمرُ مَاديًّا فقط، بل كانَ في هذه الحالةِ هو: الكِبرياء. فنحن هُنا أمامَ مَلِكِ العَمالِقَةِ المَعروفِ بِحِقدِهِ وشَرِّهِ وتَرويعِهِ، والمَشهورِ لدى الجميعِ بأنَّهُ أعظمُ مُقاتِلٍ ومُحارِبٍ ومُنْتَصِرٍ يَرْتَعِدُ أمامَهُ الآخرون. ولكِنَّ شاولَ أرادَ أنْ يُظْهِرَ قُدرَتَهُ الفائقة والعظيمة، وقُوَّتَهُ الهائلة، مِن خلالِ الإبْقاءِ على حياةِ أَجاج والقول: "انظروا ما لَدَيَّ! انظروا مَنْ هَزَمْتُ!" فقد كانَ السَّببُ هو الكِبرياءُ والمَاديَّة. وقد كانَ قَلْبُ شاوُل الشِّرِّير هو الَّذي جعَلَهُ يَعْصي اللهَ بوقاحة وصَلافَة. ولكِنَّ خَطيئَتَهُ كانت خَطيرة جدًّا حَتَّى إنَّ اللهَ حَرَمَ شاوُلَ وَجَميعَ نَسْلِهِ إلى الأبَد مِنَ العَرْش. انظروا إلى العدد 23. والحقيقة هي أنَّهُ يُمكنُنا أنْ نَبتدئَ بالعدد 22: "فَقَالَ صَمُوئِيلُ: هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟" ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ شاوُل ادَّعَى أنَّهُ عَفا عَنْ بعضِ الحَيَواناتِ لكي يُقَدِّمَها مُحْرَقاتٍ. ولكِنَّ اللهَ كَلَّمَهُ مِنْ خلالِ صَموئيل وقالَ لَهُ: "هل تَظُنُّ أنَّني أُبالي بالمُحرَقاتِ؟ ما أُريدُهُ هو الطَّاعة": "هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ. لأَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ. لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ رَفَضَكَ مِنَ الْمُلْكِ".

لِذا، فقد تَمَّ خَلْعُهُ عنِ العَرش. فقد كانت خَطيئَتُهُ جَسيمة جِدًّا. والآن، انظروا إلى العدد 32: "وَقَالَ صَمُوئِيلُ: «قَدِّمُوا إِلَيَّ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ»". والآن، يجب أن تَعلموا أنَّهُ مِنْ بينِ الأشخاصِ الَّذينَ نَجَوْا مِنَ العَمالِقَة، رُبَّما كانَ هُناكَ أُناسٌ مِنْهُم على اتِّصالٍ بِمَلِكِهم بطريقةٍ ما. وطَالَما أنَّ مَلِكَهُم حَيٌّ، وطالَما أنَّ مَلِكَهُم على قَيْدِ الحياةِ، كانوا يَشعرونَ أنَّهُ يوجدُ لَديهم سَبَبٌ للعَيْش. فمَلِكُهم ما زَالَ حَيًّا. إذًا، هُمْ ما زالوا بِخَير. وما كانَ يَحْدُثُ خَلْفَ الكواليس هو أنَّ الأشخاصَ النَّاجينَ كانوا قدِ ابتدأوا في استِردادِ طَاقَتِهم وَحَيويَّتِهم مِنْ مُنْطَلَقِ عِلْمِهِم أنَّ مَلِكَهُم حَيٌّ. وقد قالَ صَموئيل: "قَدِّمُوا إِلَيَّ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيق". وقد ظَنَّ أَجاجُ آنذاكَ أنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام. فَشاوُلُ جالِسٌ على العَرْشِ. وكُلُّ خَطِيَّةٍ قد غُفِرَت. "فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَجَاجُ فَرِحًا. وَقَالَ أَجَاجُ: «حَقًّا قَدْ زَالَتْ مَرَارَةُ الْمَوْتِ»". بِعِبارة أخرى: "لقد مَرَّتِ الأزمَةُ بِسلام". ولكِنَّ صَموئيلَ قَال: "كَمَا أَثْكَلَ سَيْفُكَ النِّسَاءَ، كَذلِكَ تُثْكَلُ أُمُّكَ بَيْنَ النِّسَاء". بعبارة أخرى: "سوفَ أَقْتُلُكَ". "فَقَطَعَ صَمُوئِيلُ أَجَاجَ [أوْ: قَطَّعَهُ إرْبًا] أَمَامَ الرَّبِّ فِي الْجِلْجَال".

ويا لَهُ مِنْ مَشْهَدٍ تَقْشَعِرُّ لَهُ الأبْدان! أليسَ كذلك؟ واللهُ هو الَّذي أَمَرَ بالقيامِ بذلك. وقد نَفَّذَ صَموئيلُ ذلكَ أمامَ الرَّبِّ. ولم يَكُن صموئيلُ جُنديًّا. فقد كانَ صموئيلُ كاهِنًا. ولكِنَّ اللهَ أَرْسَلُ هنا دَينونةً إلهيَّةً بِدافِعِ غَضَبِهِ المُقَدَّسِ على الخطيَّة. وخِلافًا لِشَاوُل وبقيَّةِ بَني إسرائيل، نَفَّذَ صموئيلُ أَوامِرَ الرَّبِّ. وهذه صُورة رائعة لموقفِ اللهِ مِنَ الخطيَّة. ولكِنْ مِنَ المُؤسِفِ أنَّ المَعركةَ الَّتي كانَ يُفْتَرَضُ بها أنْ تَنتهي بالقضاءِ على عَماليق، وَمَسْحِهِم عَنْ بِكْرَةِ أبيهم، انْتَهَتْ قبلَ تَنفيذِ المَهَمَّة. وَمِنَ الواضِحِ أنَّ الجُنودَ كانوا مُنهَمِكينَ في جَمْعِ الغَنائِمِ والتَّحَقُّق مِنْ فَرْزِ خِيارِ الحَيَواناتِ عَنِ الحَيَواناتِ المَريضَةِ فَأَهْمَلوا القيامَ بِواجِبِهم. والكتابُ المقدَّسُ يُدَوِّنُ [بعدَ سنواتٍ عديدة] أنَّ ذلكَ القَوْمَ الَّذي وَقَفَ على قَدَمَيْهِ ثانيةً غَارَ على المِنطقةِ الجنوبيَّةِ وَسَبى كُلَّ النِّساءِ والأطفال.

افتحوا على الأصحاح 30 مِنْ سِفْر صموئيل الأوَّل إذْ نَقرأُ في العدد الأوَّل: "وَلَمَّا جَاءَ دَاوُدُ وَرِجَالُهُ إِلَى صِقْلَغَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، كَانَ الْعَمَالِقَةُ قَدْ غَزَوْا الْجَنُوبَ وَصِقْلَغَ [في المِنطقة الجنوبيَّة الَّتي كانوا ما زالوا يَتَواجَدونَ حَوْلَها]، وَضَرَبُوا صِقْلَغَ وَأَحْرَقُوهَا بِالنَّارِ، وَسَبَوْا النِّسَاءَ اللَّوَاتِي فِيهَا. لَمْ يَقْتُلُوا أَحَدًا لاَ صَغِيرًا وَلاَ كَبِيرًا، بَلْ سَاقُوهُمْ وَمَضَوْا فِي طَرِيقِهِمْ. فَدَخَلَ دَاوُدُ وَرِجَالُهُ الْمَدِينَةَ وَإِذَا هِيَ مُحْرَقَةٌ بِالنَّارِ، وَنِسَاؤُهُمْ وَبَنُوهُمْ وَبَنَاتُهُمْ قَدْ سُبُوا. فَرَفَعَ دَاوُدُ وَالشَّعْبُ الَّذِينَ مَعَهُ أَصْوَاتَهُمْ وَبَكَوْا حَتَّى لَمْ تَبْقَ لَهُمْ قُوَّةٌ لِلْبُكَاءِ. وَسُبِيَتِ امْرَأَتَا دَاوُدَ: أَخِينُوعَمُ الْيَزْرَعِيلِيَّةُ وَأَبِيجَايِلُ امْرَأَةُ نَابَالَ الْكَرْمَلِيِّ".

إذًا، فقد عَادَ هؤلاءِ العمالِقَة الأشرار المُريعين المُرْعِبين وفَعَلوا ذلكَ بِهم مَرَّةً أُخرى. ونَقرأُ في سِفْر صموئيل الأوَّل 30: 16: "فَنَزَلَ بِهِ وَإِذَا بِهِمْ مُنْتَشِرُونَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَرْقُصُونَ بِسَبَبِ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَخَذُوا مِنْ أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَمِنْ أَرْضِ يَهُوذَا [والحَديثُ هُنا هوَ عنِ العَمالِقَة]. فَضَرَبَهُمْ دَاوُدُ مِنَ الْعَتَمَةِ إِلَى مَسَاءِ غَدِهِمْ [أيْ حَارَبَهُم نحوَ أربعةٍ وعِشرينَ ساعةً]، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ أَرْبَعَ مِئَةِ غُلاَمٍ الَّذِينَ رَكِبُوا جِمَالاً وَهَرَبُوا". فقد نَجا بعضُ الغِلْمان. ولكِنَّ البَقِيَّة قُتِلوا. "وَاسْتَخْلَصَ دَاوُدُ كُلَّ مَا أَخَذَهُ عَمَالِيقُ، وَأَنْقَذَ دَاوُدُ امْرَأَتَيْهِ. وَلَمْ يُفْقَدْ لَهُمْ شَيْءٌ لاَ صَغِيرٌ وَلاَ كَبِيرٌ، وَلاَ بَنُونَ وَلاَ بَنَاتٌ وَلاَ غَنِيمَةٌ، وَلاَ شَيْءٌ مِنْ جَمِيعِ مَا أَخَذُوا لَهُمْ، بَلْ رَدَّ دَاوُدُ الْجَمِيعَ. وَأَخَذَ دَاوُدُ الْغَنَمَ وَالْبَقَرَ. سَاقُوهَا أَمَامَ تِلْكَ الْمَاشِيَةِ وَقَالُوا: «هذِهِ غَنِيمَةُ دَاوُدَ»". فَقَدْ نَجَحَ داوُد، بِرَحْمَةِ اللهِ، في إنقاذِ النِّسوة والأطفالِ المَأسورينَ، وفي استعادةِ الغنائمِ مِنْ هؤلاءِ القَوم. وقد اخْتَفى العَمالِقَةُ إلى الأبد بعدَ ذلك. فقد انْقَطَعَ ذِكْرُهُم مِنَ التَّاريخِ البشريِّ لأنَّ اللهَ وَعَدَ بأنْ يَفعلَ ذلك.

وكما قُلتُ، فإنَّ هذهِ نَظرة رائعة إلى مَوقفِ اللهِ مِنَ الخُطاة، وقداسَتِهِ وغَضَبِهِ على الخطيَّة. ولكِنِّي أريدُ أنْ أستخدِمَ هذهِ القِصَّة كَمَثَلٍ توضيحيّ فقط في هذا الصَّباح. فهي مَثَلٌ توضيحيٌّ رائعٌ واستعارة رائعة على الخطيَّةِ الَّتي تَبْقى في حياةِ المؤمِن. فعندما نِلْنا أنا وأنتَ الخلاصَ، لَحِقَتْ في تلكَ اللَّحظةِ هَزيمَةٌ نَكراءُ بالخطيَّة، وَمُنِيَتِ الخَطيَّةُ بِهَزيمةٍ ساحِقَة. ففي كُلِّ مكانٍ، مِنَ الشَّرقِ إلى الغَرب، وَمِنَ الشَّمالِ إلى الجنوب، سُحِقَتْ خَطيَّتُنا. ولَكِنْ ما زالت هُناكَ خَطايا باقية في حياتِنا. فهناكَ بعضُ العَمالِقَة الطُّلَقاء في حياةِ كُلِّ شخص. وهُناكَ "أَجاجٌ" في حياةِ كُلِّ شَخْصٍ مِنَّا. والمشكلة في حياتنا المسيحيَّة هي ليست أنَّ الخطيَّة لم تُهْزَم هَزيمة ساحقة (فقد سُحِقَتْ)، بل أنَّ هُناكَ خَطِيَّة باقية. فهناكَ بعضُ العَمالِقَةِ الطُّلقاءِ الأشرار فينا جميعًا. ومعَ أنَّ الخطيَّة مُنِيَتْ بهزيمة ساحِقَة مَجيدة وعظيمة في وقتِ خلاصِنا، هُناكَ حاجة مُلِحَّة إلى تَقْطيعِ الخطايا الباقية إرْبًا؛ وإلَّا فإنَّها سَتَستعيدُ قُوَّتها ثانيةً وتَنْهَبُ قُلوبَنا، وتَسْتَنْزِفُ قُوَّتَنا الرُّوحيَّة. فلا يمكننا أنْ نَكونَ رُحماء معَ أيِّ "أَجاجٍ" في حياتِنا. ولا يُمكنُنا أنْ نكونَ رُحماء معَ أيِّ خطايا باقية في حياتِنا؛ وإلَّا فإنَّها ستَلتفِت، وتَثورُ علينا، وتَتمرَّد، وتُحاول أنْ تُدَمِّرنا.

والحقيقة هي أنَّهُ كما هي حالُ العَمالِقَة، فإنَّ الخطيَّة الباقية فينا غالبًا ما تَصيرُ أكثر شَراسَةً، وأكثر هَوْلاً مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى لأنَّنا لا نَتَوَقَّعُها. ومِنَ المُؤكَّدِ أنَّ بني إسرائيلَ شعروا أنَّ العمالقةَ هُمْ خَصْمٌ مَهزوم. فقد تَمَّ تَقطيعُ مَلِكِهم إرْبًا. وها هُمْ قد عادوا. والكتابُ المقدَّسُ يَدعونا إلى التَّعامُلِ مَعَ خَطايانا كما تَعامَلَ صموئيل معَ أَجاج؛ أيْ أنْ نَقْتُلَها. فهناكَ خَطيَّة باقية ساكِنَة في بَشَرِيَّتِنا غير المَفديَّة، أيْ جَسَدِنا. وهذهِ ينبغي أنْ تُقْتَل. فينبغي أنْ نُلاحِقَها، وأنْ نَعْثُرَ عليها، وأنْ نُهْلِكَها. وما لم نَفعل ذلك، فإنَّنا لن نَحظى يومًا بذلك الاختبارِ الَّذي اختبَرَهُ بولُس مِنْ جِهَةِ ثِقَتِهِ بأنَّهُ يَمْتَلِكُ ضميرًا طاهرًا وصالحًا ونَقِيًّا.

انظروا الآنَ قليلاً إلى رسالة كولوسي والأصحاحِ الثَّالث. ففي رسالة كولوسي 3: 5، ستُلاحظونَ أنَّ هُناكَ قِراءة أُخرى في الهامِش. فإنْ كانَت هُناكَ مُلاحظات هامشيَّة في التَّرجمة الأمريكيَّة القياسيَّة الجديدة (New American Standard)، سَتَجدونَ أنَّ الآية الخامسة نَفسَها تقول: "احْسِبُوا إذَنْ أَعْضَاءَ أجْسادِكُم الأرضيَّة كَما لو أنَّها مَيِّتة". ولكِنَّ القراءةَ الهامشيَّة تقول: فَأَميتوا إذَنْ أعضاءَكُم الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: الزِّنَا، النَّجَاسَةَ، الْهَوَى، الشَّهْوَةَ الرَّدِيَّةَ، الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ". أيِ: اقْتُلوها، أوِ أَميتوها. فلا يُمْكِنُكُم أنْ تَتَخَلَّصوا مِنها جُزئيًّا. ولا يُمكنكم أنْ تَفعلوا ذلكَ بِهِمَّة فاتِرة. ولا يُمكنكم أن تُبْقوا جُزْءًا مِنْ أَجاج وأنْ تَتركوهُ في حياتِكُم في مَكانٍ ما. فهو سَيَقودُ عِصْيانًا. فيجب عليكم أنْ تَستمرُّوا في القيامِ بذلك إلى أنْ تُكْمِلوا المَهَمَّة. فالخطايا، أوِ العَمالِقَة، لَديها طريقة في النَّجاةِ مِنَ القَتْلِ، واستعادةِ قُوَّتِها، وشَنِّ هَجَماتٍ جديدة مُباغِتَة على مَكامِنِ الضُّعْفِ لدينا.

ارْجِعوا إلى رسالة رُومية 8: 12 و 13. ففي العدد 12، يَقولُ بولُس: "فَإِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ نَحْنُ مَدْيُونُونَ لَيْسَ لِلْجَسَدِ لِنَعِيشَ حَسَبَ الْجَسَد". ثُمَّ في العدد 13: "لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْن". فإماتَةُ أعمالِ الجسد هي صِفَةُ الشَّخصِ الحَيّ. بعبارة أخرى، مِنْ صِفاتِ المُؤمِنَ أنَّهُ يُميتُ أعمالَ الجسد؛ أيْ أنَّهُ يُنَفِّذُ حُكْمَ الإعدامِ بالعَمالقةِ في حياتِهِ، ويَفعلُ ذلكَ بقوَّةِ الرُّوحِ القُدُس. فهذا هو المَعنى المقصودُ هنا. وبعدَ إعلانِ النَّصرِ على الخطيَّة في رُومية 6، فإنَّهُ يَصِفُ بعدَ ذلكَ المعركة المُستمرَّة معَ الخطيَّة في رُومية 7. وَهُوَ يَصِفُ الآنَ النُّصرة والاختبارَ بعدَ الفوزِ في المعركة وإراحَةِ الضَّمير. وَهُوَ يقولُ هُنا إنَّ ذلكَ يَكْمُنُ في إِماتَةِ أعضاءِ الجسد؛ أيْ إماتَةِ الخطيَّة، وَتَقْطيعِها حَتَّى الموت.

فَالسُّلوكُ الَّذي يُمَيِّزُ المُخَلَّصينَ المُنْتَصِرينَ على الخطيَّة هو أنَّهم يَستمرُّونَ في إماتَةِ الأعمالِ الشِّرِّيرةِ، وفي القَضاءِ عليها. أوْ كما تَقولُ تَرجمةُ الملك جيمس: "إماتَة الخطيَّة". فبولسُ يقولُ إنَّ هذه هي صِفَةُ المؤمنِ الحقيقيّ: أنَّهُ يُميتُ أعمالَ الجسد، ويُميت الخطيَّة. فالمؤمنُ الحقيقيُّ لا يَتصرَّفُ كما تَصَرَّفَ شاوُل الَّذي أرادَ أنْ يُسامِحَ أَجاج وأنْ يُبْقي على حَياتِه. بل إنَّهُ يَتصرَّفُ مِثْلَ صَموئيل الَّذي قَطَّعَهُ إرْبًا مِنْ دونِ شَفَقَة. فلا يُمكنُكم، يا أحبَّائي، أنْ تَتَهاوَنوا معَ الجسد. ولا يُمكنُكم أنْ تَجعلوهُ مأوى للحَيَواناتِ الأليفة. ولا يُمكنكم أنْ تَعْقِدُوا هُدْنَةً مَعَهُ. ولا يُمكنكم أنْ تقولوا: "حسنًا، هناكَ بعضُ الخطايا هُنا وهُناك. لِنَتْرُكها وشأنَها. فهي لن تُؤذي أحدًا". فبولس يقول: "يجب عليكم أنْ تَبحثوا عنها جميعًا وأنْ تُميتوها كما أَمَرَ اللهُ شَعبَهُ بأنْ يَفعلوا بأولئكَ العمالقة الأشرار". فيجب أنْ تفعلَ ذلكَ بِحَزْم.

وقد تَكَلَّمَ رَبُّنا عن مِثْلِ هذا التَّصَرُّفِ الحازِمِ في مُناسباتٍ عديدة ذُكِرَتْ إحداها في إنجيل مَتَّى 5: 29 و 30 إذْ قال: "فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّم". وَهُوَ هُنا لا يَدعونا إلى بَتْرِ أعضائِنا، بل يَدعونا إلى إِماتَةِ شَهَواتِنا. وَهُوَ أمرُ مُشابِهٌ جِدًّا. فهناكَ أُمورٌ في حياتِكُم ينبغي أنْ تُميتوها. وبولسُ يقولُ بصورة أساسيَّة الشَّيءَ نَفسَهُ في رسالة رُومية حينَ يَتحدَّثُ عنْ إماتَةِ الخطيَّة. وبولسُ لا يَعِدُ المُؤمِنَ البَتَّة أنَّهُ سيتحرَّر حَالاً مِنْ مُضايقةِ الخطيَّة. وَهُوَ لا يقولُ إنَّهُ عندَ تَحقيقِ ذلكَ الانتصارِ العظيمِ فإنَّ كُلَّ العَمالقة سيموتون. بل إنَّهُ يقولُ إنَّهُ ينبغي لكَ أنْ تَستمرَّ في إِمَاتَتِهم طَوالَ حياتِك. وبولسُ لا يقولُ إنَّكَ ستتمكَّنُ مِنْ مُعالجةِ هذهِ المشكلة في لَحظةٍ حَرِجَة، أوْ مِن خلالِ بَرَكَةٍ ثانية، أوْ مِن خلالِ عَمَلٍ آخر مِن أعمالِ النِّعمة، أو مِن خلالِ اختبارٍ تَطْهيريٍّ فَوريّ. فهو لا يقولُ ذلك. وَهُوَ لا يقولُ إنَّكَ تستطيعُ أنْ تُعالِجَ هذه المشكلة عن طريقِ الاستسلامِ بأنْ تقول: "دَعِ الله يَهتمُّ بها. فلا يمكنني أنْ أفعلَ شيئًا. وأنا لن أفعلَ أيَّ شيء. فسوفَ أفشل. لِذا، سأكتفي بالجلوسِ والانتظار. فأنا لن أُوَرِّطَ نفسي في هذا الأمر، بل سأَدَعُ اللهَ يَهتمُّ بِهِ". إنَّ بولسَ لا يَقولُ ذلك. وهو لا يَقترحُ عليكَ أنْ تأخُذَ قَرارًا بالتَّحَوُّلِ مِئَةً وثمانينَ درجة، وإعادةِ تَكريسِ نفسِك، أوْ التَّعَهُّدِ مَرَّةً أخرى في نهايةِ دَعْوَةٍ يُوَجِّهُها أحَدُ الوُعَّاظِ بعدَ عِظَتِه.

بل إنَّهُ يقول: ما ينبغي لكَ أنْ تَفعلَهُ هو أنْ تَفعلَ ذلكَ دائمًا، ودونَ تَوَقُّفٍ، طَوالَ حياتِكَ؛ كَما تَدُلُّ صيغةُ الفِعلِ المُستخدَمِ هُنا إذْ إنَّهُ يَدُلُّ على الاستمرارِ في إماتَةِ أعضاءِ الجسد. فيجب عليكَ أنْ تَستمرَّ في إماتَةِ الخطايا طَوالَ الوقتِ. فهو جِهادٌ مُستمرّ إذْ تُواظِبُ على إماتَةِ أعضاءِ الجسد. وهو لا يَدعو إلى تَعذيبِ الذَّاتِ جسديًّا. فالفِكرةُ ليست كذلك. فأنا أَذكُرُ أنَّني التقيتُ رَجُلاً كانَ يَرتدي حِزامًا حولَ جَسَدِه وَضَعَ فيهِ دَبابيس صغيرة لأنَّهُ أرادَ أنْ يُمَزِّقَ ويُقَطِّعَ جَسَدَهُ طَوالَ الوقت كَيْ يُعالِج خطاياهُ بطريقةٍ ما. ولكِنَّ بولسَ لا يَتحدَّثُ عن ذلك. وأنا أَعْرِفُ عن أُناسٍ في تاريخِ الكنيسة الكاثوليكيَّة كانوا يَضَعونَ أشياءَ كالدَّبابيس والمسامير والحجارة في أحذيتهم كَيْ يُعَذِّبوا أنفسهم، ظَنًّا مِنهم أنَّهم سيتمكَّنونَ بذلكَ مِنْ كَبْحِ جِماحِ الخطيَّة. ولكِنَّ بولسَ لا يَدعونا إلى تَعذيبِ أنفُسِنا. وهو لا يَدعونا إلى حِرْمانِ أنْفُسِنا كما يَفْعَلُ النُّسَّاكُ. وهو لا يَدعونا إلى بَتْرِ أعضائِنا. وَهُوَ لا يَتَحَدَّثُ عن تَعذيبِ النَّفسِ خارجيًّا. بل إنَّهُ يَصِفُ نَهْجَ حَياةٍ يَرْمي إلى إماتَةِ الخطيَّة، وسَحْقِها، وَسَلْبِها قُوَّتَها، وتَجْريدِها مِنْ تَأثيرِها حَتَّى يُفْضي ذلكَ إلى التَّمَتُّعِ بِضَميرٍ طاهِرٍ وصالحٍ يَمْنَحُنا سلامًا، وفَرَحًا، وراحةً، وطُمأنيةً، وضَمانًا، ورجاء.

وبصورة رئيسيَّة، فإنَّ إِماتَةَ الخطيَّة أوْ قَتْل الخطيَّة يَتطلَّبُ اكتسابَ عاداتٍ جديدة مِنَ التَّقوى المَصحوبة بِالتَّخلُّصِ مِنَ العاداتِ القديمةِ المُنغمسة في الخطيَّة. فَمِنْ جِهَة، يجب عليكَ أنْ تَفعلَ أُمورًا صالحةً. وَمِنْ جِهَةٍ أخرى، يجب عليَ أنْ تَتوقَّفَ عنِ القيامِ بالأمورِ الخاطئة. وهذه حَرْبٌ مُستمرَّة ينبغي لنا أنْ نُكَرِّسَ لها أنْفُسَنا دائمًا.

والكتابُ المقدَّسُ يُقَدِّمُ لنا (وسوفَ أَخْتِمُ عِظَتي بِذِكْرِ بعضِ هذهِ الأشياء) فَهُوَ يُقَدِّمُ لنا وسائلَ عمليَّة يُمْكِنُنا مِن خلالِها أنْ نُقَطِّعَ أَجاج إرْبًا. وهي وسائل عمليَّة يمكننا مِن خلالِها أنْ نَقْتُلَ العمالِقَة البَاقينَ في حياتِنا. وهي ليست وسائل جسديَّة، أو خارجيَّة، أو آلِيَّة، أو طَقسيَّة، أو شَعائريَّة. فهي لا صِلَةَ لها بالشُّموعِ والطُّقوس. وهي لا صِلَةَ لها بأيٍّ مِن هذهِ الأنواعِ مِنَ الأشياء. وقد لاحَظَ "جون أوين" (John Owen)، وَهُوَ مُفَكِّرٌ وكاتِبٌ عظيمُ في عَصْرِ الطَّهورِيِّين، لاحَظَ أنَّ أغلبيَّةَ الأنظمة الدينيَّة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة تَتألَّفُ مِنْ [وأنا أقتَبِسُ كلماتِهِ هُنا]: "وسائل وأساليب خاطئة لِكَبْحِ الذَّات". فقد قالَ إنَّ هؤلاءِ الكاثوليك يحاولونَ دائمًا أنْ يَكْبَحوا جِماحَ الخطيَّة في حياتِهم بطُرُق خاطئة مِثْلَ النُّذورِ، والأوامِرِ، والأصوامِ، والتَّكفيرِ عنِ الذُّنوبِ، وغيرِها. وهي جميعُها وسائل عَديمة النَّفع. فالخطيَّة لا يُمْكِن أنْ تُماتَ مِن خلالِ النَّاموسيَّة، أوِ التَّنَسُّك، أوِ الزُّهْد، أوِ التَّقَشُّف، أوِ الفَرِّيسيَّة، أوِ البَتوليَّة، أوْ تَعذيبِ النَّفسِ، أو مَقصوراتِ الاعتراف، أوِ المَسْبَحَة الوَرديَّة، أوْ صَلاةُ السَّلامِ عليكِ يا مَريم، أو أيِّ وسائلَ خارجيَّة أخرى. فأداةُ إِماتَةِ الخطيَّة موجودة في القلب. فهي قوُّةُ الرُّوحِ إذْ نَقرأُ في رسالة رومية 8: 13: "بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَد". فهذا شيءٌ رُوحيُّ، لا جَسَدِيّ. فالرُّوحُ حاضِرٌ، ولكِن يجب علينا أنْ نَكونَ نُشَطاءَ في استخدامِه، لا خَامِلين. وَكُلُّ وسائلِ إِماتَةِ الجسد مُستخلَصَة مِن وَصَايا كِتابيَّة بسيطة مُوَجَّهة إلى المؤمِن وينبغي أنْ نُطيعَها.

واسمحوا لي أنْ أُشيرَ إلى بَعْضٍ منها. حسنًا؟ وسوفَ نَذْكُرُها بسُرعة. فإنْ أردتَ أنْ تُميتَ الخطيَّة في حياتِك (لأنَّها الطريقة الوحيدة لإراحَة ضَميرِك)، وإنْ أردتَ أنْ تَتَصَدَّى للخطيَّة في حياتِك، إليكَ الطَّريقة. الخُطوةُ الأولى: امْتَنِعُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ الجَسَدِيَّة. امْتَنِعُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ الجَسَدِيَّة. فيعقوبُ يقول: "وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِه. ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً". فإنْ أردتَ أنْ تُميتَ الخطيَّة، يجب عليكَ أنْ تَمْتَنِعَ عنِ الشَّهوة. ويجب عليكَ أنْ تُعالِجَها بضربة قاضية. فنحنُ نَقرُأ في رسالة بُطرس الأولى 2: 11، وهي آية أعتقد أنَّها بسيطة ومُباشرة جِدًّا: "أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ كَغُرَبَاءَ وَنُزَلاَءَ، أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ الْجَسَدِيَّةِ الَّتِي تُحَارِبُ النَّفْسَ". والآن، ما الَّذي يَعنيه؟ سوفَ أقولُ لكم ما قَصْدُهُ؟ امْتَنِعوا عنِ الشَّهوة. فالأمرُ ليسَ صُوفيًّا جِدًّا. امْتَنِعوا عنِ الشَّهوة. وهذا يُشبِهُ ما جاءَ في رسالة كورنثوس الأولى 6: 18: "اُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَا". فهل تريدونَ أنْ تُميتوا الشَّهَواتِ في قُلوبِكم؟ إذًا، تَوقَّفوا عن تَوْفيرِ المَأوى لَها. فبُطرسُ لا يُقَدِّمُ بَرنامَجًا عِلاجيًّا مُعقَّدًا، بل يقول: "امْتَنِعوا عنِ الشَّهوة". توقَّفوا عنها. أَخْرِجوها مِن حياتِكُم. فلا فائدةَ تُرجى مِنَ الجلوسِ بانتظارِ أنْ تَقومُ قُوَّةٌ سماويَّةٌ ما بِمَحْوِ الشَّهوة. ولا فائدةَ تُرجى مِنْ صَرْفِ السَّاعاتِ تِلْوَ السَّاعاتِ أوِ السِّنينَ تِلْوَ السِّنين في البحثِ عنِ الطَّريقةِ المُناسبة للتخلُّصِ مِنْ شَيْطانِ الشَّهوة. فإليكم أبسط وسيلة وأكثرُها مُباشرةً لإماتَةِ الشَّهوة: "امْتَنِعوا عنِ الشَّهوة. تَوقَّفوا عنها. وهذا يُشبِهُ ما جاءَ في رسالة يعقوب والأصحاحِ الرَّابعِ حيثُ نَقرأ: "قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ". توَقَّف عنِ الشَّهوةِ فتتوقَّف عنِ اقترافِ الخطيَّة.

وقد تقول: "ولكِنْ كيفَ أتوقَّفُ عنِ الشَّهوة؟" حسنًا! لِنَفتَح على رسالة رُومية 13: 14. وإليكُم وَصيَّة أخرى بسيطة جدًّا إذْ نَقرأُ في نهايةِ العدد: "لاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَات". فإنْ أردتَ أنْ تتوقَّف عنِ الشَّهوة، لا تُوَفِّر أيَّ شيءٍ قد تَتَغَذَّى الشَّهوةُ عليه. هل تَفهمونَ ذلك؟ لا تُوَفِّرِ المَأوى لِشَهْوَتِك. فالشَّهوةُ ينبغي أنْ تُكْبَحَ قبلَ أنْ تَبتدئ. وما أعنيه هو: إنْ كُنتَ شَرِهًا، لا تَذهب إلى السُّوقِ وأنتَ تَحمِلُ مَبلغًا كبيرًا مِنَ المال، أوْ وأنتَ جائعٌ، أو وأنتَ بِمُفرَدِك. بلِ اذهب بمَبلغٍ صَغيرٍ مِنَ المال، وبِمَعِدَةٍ مُمتلئة، وبِرفقةِ صَديقٍ رُوحِيّ. هل تَفهمونَ ما أقول؟ لا تَضَع نفسَكَ في ذلكَ الموقف. وإنْ كنتَ شَرِهًا، لا تَأكُل طَعامًا ضَارًّا. وإنْ كنتَ تُجَرَّبُ بالشَّهوةِ الجنسيَّة، لا تَملأ ذِهنَكَ بالصُّوَرِ التي تُغَذِّي تلكَ التَّجربة. ولا تَذهب إلى أفلامٍ تَعْرِضُ هذه الأشياء، ولا تَقرأ رِواياتٍ عن ذلك، ولا تُشاهِد بَرامِجَ تِلِفزيونيَّة مِن هذا النَّوعِ؛ ثُمَّ تَتَعَجَّبُ لماذا تُصارِعُ الشَّهوةَ دائمًا، ولماذا تُعاني دائمًا مِنْ ضَميرِكَ الَّذي يَشْتَكي عليك. "لاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَات". بعبارة أخرى، يجب عليكَ أنْ تُجَوِّعَها حَتَّى الموت.

لقد كنتُ أَعْشَقُ رَقائِق البَطاطِس. وهذه ليست خَطيَّة، ولكِنَّها مَثَلٌ توضيحيّ. فرقائقُ البطاطس ليست جَيِّدة بالنِّسبي إليَّ، كما أخبَرَني الطَّبيب. والطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي يُمكنني فيها أنْ أمْتَنِعَ عَنْ أكْلِ رقائقِ البطاطس هي ألَّا أَراها أمامي. فإنْ رأيتُها أمامي، سآكُلُها – باعتدال. أمَّا إنْ لم تَكن موجودة، لا مُشكلة لَدَيَّ. وَمِنَ الرَّائعِ أحيانًا أنَّهُ عندما أَفتحُ الخِزانة، ولا أَجِدُها هناك، فإنَّني أُهَنِّئُ نَفسي على قُدرتي العظيمة على ضَبْطِ نفسي. وما يَزيدُ الطِّينَ بِلَّةً هو أنَّني أَسْكُنُ على بُعْدِ مِيْلَيْنِ فقط مِنْ أقربِ مَتْجَرٍ. فَمِنَ السَّهلِ أنْ تُزيلَ الأسبابَ الَّتي تُعْطي العقلَ الوسيلة للتَّفكيرِ في الأفكارِ الشِّرِّيرة. لِذا، لا تَسْمَحْ بوجودِ أيِّ شيءٍ يُسَهِّلُ الخطيَّة. وحينئذٍ، يُمكِنُكَ أنْ تَقْتُلَها قبلَ أنْ تُفْرِخ. لِذا، إذا أردتَ أنْ تَمتَنِعَ عنِ الشَّهَواتِ الجسديَّة، لا تَصنَعْ تَدبيرًا لها.

وهناكَ خُطوة ثالثة في هذا الإطار، وهي: ثَبَّتْ قَلْبَكَ على المسيح. فنحنُ نَقرأُ في الآية نَفسِها، أيْ في الآية 14: "الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيح". الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيح. وَتَمَثَّلوا بالمسيح. فَلا تَقْنَعْ ولا تَرْضَ إلَّا حينَ تَسْتَيْقِظُ بِشَبَهِه (كما يَقولُ المُرَنِّمُ)، أو كما يَقولُ بولُس: "[إنَّني] أَتَمَخَّضُ (أيْ: أَشْعُرُ بألمٍ كآلامِ مَخاضِ الوِلادَةِ)...إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ". اسْعَوْا إلى التَّمَثُّلِ بالمسيح. فنحنُ نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 3: "وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ". ثَبِّتوا قُلوبَكُم على المسيح، وَتَمَثَّلوا بالمسيح، واسألوا أنفُسَكُم ما الَّذي سيفعَلُهُ المسيحُ لو كانَ مَكانَكُم. ولِعِلْمِكُم، إنَّهُ قَانونٌ رُوحيٌّ ثابِتٌ وَهُوَ أنَّكُمْ تَصيرونَ مِثْلَ الشَّيءِ الَّذي تَعْبُدونَهُ. أجل.

وأنا أَرى ذلكَ في حياةِ الرِّياضِيِّين. فيمكنكَ أنْ تَذهبَ إلى أيِّ سُوْقٍ تِجاريٍّ ضَخْمٍ في أيِّ مكانٍ في البلد. وسوفَ تَجِدُ مَتْجَرًا، أوِ اثنين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، أو سِتَّة مَتاجِر يمكنكَ أنْ تَشتري منها صُوَرًا للأبطالِ الرِّياضِيِّينَ في ثَقافَتِنا، أوْ أنْ تَشتري قمْصَانَهُم أوْ كَنْزاتِهم، أوْ جَاكيتاتِهم، أو قُبَّعاتِهم. وما أعنيه هو أنَّهُ لا نِهاية لذلك. فذاتَ مَرَّة، ذَهبتُ إلى مُباراةٍ لِفريق "كينغز" (Kings) مَعَ صَديقٍ يَلْعَبُ مَعَ فريق "فانكوفر كانوكس" (Vancouver Canucks). وكانَ يَلعبُ في تلك اللَّيلة. وقد صَرَفنا وقتًا في الشَّرِكة. فهو يَعْرِفُ الرَّبَّ ويُحِبُّه. وعندما دَخَلْتُ، لم أَكُنْ قد دَخَلْتُ إلى هناكَ منذُ وقتٍ طويل. وقد دُهِشْتُ وَصُعِقْتُ لرؤيةِ كُلِّ هؤلاءِ الأشخاصِ المُصابينَ بالسِّمْنَة والَّذينَ لَمْ يَسْبِقْ لَهُمْ أنْ مَارَسُوا الرِّياضة في حياتِهم يَرْتَدونَ كَنْزاتٍ كُتِبَ عليها اسم اللَّاعِب "وِيْن غريتزكي" (Wayne Gretzky) أو "كيلي رودي" (Kelly Rudy) أو "لوك روبيتايل" (Luc Robitaille) أو اسم شخصٍ آخر. فقد كانوا جميعًا يَقِفونَ ويَحْمِلونَ هذا الرَّقْم واسمَ الشَّخصِ على ظُهورِهم. وكانوا يحاولونَ أنْ يَتَمَثَّلوا بِبَطَلِهم أوْ إلَهِهم. ونحنُ نَعلمُ أنَّهُم لا يَستطيعونَ أنْ يَتَزَلَّجوا مِنْ جانِبِ المَلْعَبِ إلى الجانبِ الآخر، ولكِنْ هُناكَ نَوْع مِنْ عبادةِ الأبطالِ دَفَعَهُم إلى التَّمَثُّلِ بالصِّفاتِ الفريدةِ لإلَهِهم؛ أيْ لِبَطَلِهم الرِّياضيّ.

وهكذا هي الحال. وحَتَّى إنَّ المزمور 135 يَتحدَّثُ عن ذلك. فهو يقول: "أَصْنَامُ الأُمَمِ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ، عَمَلُ أَيْدِي النَّاسِ. لَهَا أَفْوَاهٌ وَلاَ تَتَكَلَّمُ. لَهَا أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُ. لَهَا آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُ. كَذلِكَ لَيْسَ فِي أَفْوَاهِهَا نَفَسٌ! مِثْلَهَا يَكُونُ صَانِعُوهَا". وما أعنيه هو أنَّ هذا قانونٌ رُوحِيٌّ ثابِت في أنَّكَ تَصيرُ مِثْلَ أيِّ شَيءٍ تَعبُدُه. فالوثنيُّونَ يَصيرونَ مِثْلَ آلِهَتِهم؛ سواءٌ كانت تلك الآلهة أصنامًا أَمْ رِياضِيِّين. فَكَمْ بالحَرِيِّ ينبغي للمؤمنينَ أنْ يَتَمَثَّلُوا بالمسيحِ بأنْ نَجْعَلَهُ بُؤرَةَ حياتِنا لأنَّنا لا نَصيرُ مِثْلَهُ مِنْ تِلقاءِ أنفُسِنا، بل بعملِ الرُّوحِ القُدُس الَّذي يُغَيِّرُنا ويَنْقِلُنا مِنْ مُستوى مِنَ المجدِ إلى الَّذي يَليه لِنَصيرَ مُشابهينَ صُورةَ يسوعَ المسيح! فحينَ تُثَبِّتْ قلبَكَ على المسيح، ستصيرُ مُشابهًا للمسيح. وحينَ تَصيرُ مُشابهًا للمسيح، لن تَختارَ تلكَ الأشياءَ الَّتي تَصْنَعُ تَدبيرًا لشهواتِكَ. وحينئذً فإنَّكَ ستَمتنِعُ عنِ الشَّهَواتِ الجسديَّة.

ولننتقل إلى الخُطوة الرابعة أوِ الوصيَّة الرَّابعة إذْ نَقرأُ في المزمور 119: 11 كلماتٍ مألوفة جدًّا وتَعرفونَها جَيِّدًا. المزمور 119: 11: "خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْك". فأنا أَلْهَجُ بكلمةِ الله. ونحنُ نَقرأُ الشيءَ نفسَهُ في سِفْر يَشوع 1: 8: "لاَ يَبْرَحْ سِفْرُ هذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَمِكَ، بَلْ تَلْهَجُ فِيهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ. لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تُصْلِحُ طَرِيقَكَ وَحِينَئِذٍ تُفْلِحُ". وقد صَلَّى يَسوعُ إلى الآبِ: "قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَقّ". وقد قالَ بولُس: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً". وعندما تَملأكُم الكلمة، وتُهيمِن عليكم الكلمة، وتَطغى الكلمة على تفكيرِكُم وحياتِكم، وتَتَشَبَّعونَ بالكلمة، هذا هو ما يَقودُكم إلى التَّركيزِ على المسيح. فعندما تَتأمَّلونَ في مَجدِ الرَّبِّ المُعلَن في الكلمة، فإنَّكُم تَتغيَّرونَ إلى صورةِ المسيح. وعندما تَتغيَّرونَ إلى صورةِ المسيح، فإنَّكم لن تَصنعوا تَدبيرًا لِشَهَواتِ الجسد، بل إنَّكم ستَمتَنِعونَ عنِ الشَّهَواتِ الجسديَّة، وتُميتونَ الخطيَّة. والحقيقة هي أنَّكُم سَتَكتَشِفُونَ سَيْفَ الرُّوحِ الَّذي هو كلمة الله. وهذا هو السَّيفُ الَّذي سَتُقطِّعونَ فيهِ الخطيَّةَ إرْبًا. فهو أكثرُ سِلاحٍ فَعَّالٍ لدينا.

وهُناكَ وسيلة روحيَّة خامسة ينبغي أنْ أَذكُرَها: فَاللَّهْجُ في كلمةِ اللهِ يَقودُ إلى التَّركيزِ على المسيح. وهذا يَقودُ، بِدَوْرِهِ، إلى عَدَمِ صُنْعِ تَدبيرٍ للجسد. وهذا يَقودُ، بِدَورِهِ، إلى الامْتِناعِ عنِ الشَّهوة. ولكِنْ يوجد شيءٌ آخر مُهِمٌّ جدًّا وَهُوَ: أنْ تُصَلِّي. أنْ تُصَلِّي دائمًا. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما حَدَثَ عندما سَألَ واحِدٌ مِنَ التَّلاميذِ يَسوعَ: "كَيْفَ نُصَلِّي؟" فَمِنْ بينِ الأشياءِ الَّتي عَلَّمَهُم إيَّاها ما يَلي: "مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: ...لاَ تُدْخِلْنَا فِي [ماذا؟] تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّير". فالأمرُ يَتطلَّبُ صَلاةً. وَهُوَ يَتطلَّبُ أنْ نَلتجئَ إلى الرَّبِّ. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في إنجيل مَتَّى 26: 41 وأعتقد أيضًا في إنجيل لوقا 22: 40. فهُناكَ مُلاحظة هُنا إذْ إنَّ يَسوعَ قال: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي [ماذا؟] تَجْرِبَة". فالصَّلاةُ، بِكُلِّ تأكيد، عُنْصُرٌ جوهريٌّ جدًّا إذْ نَطْلُبُ مِنَ الرَّبِّ أنْ يَمُدَّنا بالقُوَّة.

وقد قالَ المُرَنِّمُ في المزمور 19: "[يا رَبّ] أَيْضًا مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ احْفَظْ عَبْدَكَ". أيِ: امْنَعْني مِنَ اقترافِ الخطيَّة. وهي صَلاة مُباشرة جدًّا. وأعتقد أنَّ هذا هو ما قَصَدَهُ كاتِبُ الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين حينَ كَتَبَ في الأصحاحِ الرَّابع والعدد 16: "فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ". وأعتقد أنَّ العِبارة "في حِيْنِهِ" هُنا تُشيرُ إلى وَقْتِ التَّجربة، أو إلى صِراعِ المُؤمِنِ ضِدَّ الخطيَّة. فَفي هذِه الأوقاتِ نَحتاجُ نِعمَةً، ونحتاجُ رَحْمَةً. وَهُوَ يُوَفِّرُها لنا. ونحنُ بِحاجة إلى القيامِ بِكُلِّ هذهِ الأمور، يا أحبَّائي: الصَّلاة، وَصَرْفُ وَقْتٍ في دراسةِ الكلمة، والتَّركيز على المسيح، وعدم تَغذية الشَّهوة، والامتناع عن إغواءاتِها. وَهذا كُلُّهُ جُزءٌ مِنْ تَنميةِ ضَبْطِ النَّفسِ في حياتِكم. ففي رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 9، أَوَدُّ فقط أنْ أَلْفِتَ أنظارَكُم إلى هذا النَّصّ. ففي رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 9، نَجِدُ هذا النَّصَّ الَّذي تَعرِفونَهُ جَيِّدًا إذْ يَقولُ بولس: "كُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ". فيجب عليكَ أنْ تُواظِبَ على حياةِ الصَّلاة، وأنْ تُبْقي نَفْسَكَ تحتَ السَّيطرة، وأنْ تُواظِبَ على دراسةِ الكلمة، وأنْ تُرَكِّزَ على المسيح، وأنْ تَقولَ "لا" لِلأشياءِ الَّتي تُغَذِّي شَهْوَتَكَ إنْ أردتَ أنْ تَكونَ مُنتصِرًا. وبولسُ يَقولُ إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَتنافَسونَ في الألعابِ الرِّياضيَّةِ يُمارِسونَ ضَبْطَ النَّفْسِ في كُلِّ شيء. فَهُمْ يَضْبُطونَ طَعامَهُم، ويَضْبُطونَ خُطَّةَ تَمرينِهم، وبَرنامَجَهُم التَّدريبِيّ، ونَومَهُم. وما أعنيه هو أنَّكُم تَعلمونَ أنَّ الرِّياضيَّ العَظيمَ هو شخصٌ يُبْقي حَياتَهُ مُنْضَبِطَة. وَهُم يَفعلونَ ذلك، كما يَقولُ بولُس، لكي يَأخُذُوا إِكْلِيلاً يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلاً لاَ يَفْنَى.

لِذا فإنَّ بولسَ يقول في العدد 27: "بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي" ("هوبوبياتزو" – “hupopiazo”)؛ ومعناها الحَرفيُّ هو: "يَضْرِبُ تحتَ العَيْن". فأنا أَقْمَعُ جسدي، وأَضْبُطُهُ لكي أَجعلَهُ تحتَ السَّيطرة، ولكي أجْعَلَهُ خاضعًا. لِذا فقد كانَ بولسَ يَمتلِكُ ضميرًا نَقِيًّا. فقد كانَ ضَميرُهُ نَقيًّا لأنَّهُ كانَ يَتَصَدَّى للخطيَّة. فقد كانَ يُخْضِعُ جسدَه، ويُمارِسُ عمليَّةَ ضَبْطِ النَّفس بعناية؛ وهي عمليَّةُ ضَبْطِ نَفسِ نابعة مِنَ الصَّلاةِ الدَّائمة واللَّهْجِ المُستمرِّ في الكلمة. وَهُوَ الشَّيءُ المذكور في إنجيل لوقا 21: 34 إذْ نَقرأُ: "فَاحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ لِئَلاَّ تَثْقُلَ قُلُوبُكُمْ فِي خُمَارٍ وَسُكْرٍ وَهُمُومِ الْحَيَاة". فقد كانَ بولسُ يَضبُط نَفسَهُ ويَرتقي بنفسِهِ فوقَ ذلك. فهي عمليَّةُ ضَبْطِ نَفْسٍ وَحَسْب. وهذا هو تمامًا ما جاءَ في رسالة فيلبِّي والأصحاحِ الثَّاني: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّة". فينبغي أن تُكَرِّسوا أنفُسَكُم لذلك، وأنْ تَجتهدوا في عَمَلِ ذلك؛ أيْ في ضَبْطِ أنفُسِكُم.

ولكِنْ مِن جهة أخرى، فإنَّ اللهَ هو الَّذي يَعْمَلُ ذلك. وهذا مَذكورٌ في رسالة رومية 8: 13. أليسَ كذلك؟ "بالرُّوح". فَقُوَّةُ الرُّوحِ العاملة فينا هي الَّتي تُميتُ الخطيَّة؛ ولكِنْ ليسَ بِمَعْزِلٍ عنِ اشتراكِنا. فلا يمكنكَ أنْ تَجلسَ، كما قلتُ سابقًا، وأنْ تتوقَّعَ زَوالَ العَمالقة وأجاج مِنْ حياتِكَ بِسهولة. ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَسمحَ لهم بالوجودِ في حياتِك. فيجب أنْ تكونَ نَشِطًا وفَعَّالًا في الصَّلاةِ، وفي اللَّهْجِ في الكلمة، وفي تَثبيتِ قلبِكَ على يسوعَ المسيح، وفي لَبْسِ الرَّبِّ يسوعَ المسيح، وفي تَجَنُّبِ كُلِّ ما مِنْ شأنِهِ أنْ يُغَذِّي شَهوَتَك، وفي الامتناعِ عنِ الشَّهوة بتلكَ الطريقة.

وَلِعِلمِكُم، فإنَّ العهدَ الجديدَ يَضَعُ أمامَنا واجباتٍ أخرى، واجباتٍ أخرى تُميتُ الخطيَّة مِثْلَ أنْ نَتَسَرْبَلَ بالتَّواضُع (رسالة بُطرس الأولى 5: 5)، وأنْ يكونَ لنا فِكْرُ المسيح (فيلبِّي 2: 5)، وأنْ نَرْفَعَ مِنْ بَيْنِنا أيَّ مَشاعِرِ حِقْدٍ تُجاهَ الآخرين (أفسُس 4: 31 و 32)، وأنْ نَلْبَسَ سِلاحَ اللهِ الكامِل (أفسُس 6)، وأنْ نَطْرَحَ عَنَّا المواقِفَ الخاطئة (كولوسي 3: 8 و 9)، وأنْ نَتَحَلَّى بِبَركاتِ النُّموِّ الرُّوحِيِّ (رسالة بُطرس الثانية 1: 5-7). ولكِنْ بصورة أساسيَّة، فإنَّ خُلاصةَ الأمرِ هي: الصَّلاة، ودراسة الكلمة، والتَّمَثُّل بالمسيح، وتَجَنُّب الأشياء الَّتي تُغَذِّي الشَّهوة. وحينئذٍ فإنَّنا نَتوقَّفُ عنِ الشَّهوة، ونَتوقَّفُ عنِ اقترافِ الخطيَّة. وتَلخيصًا لذلك، في نفسِ الرِّسالة الَّتي نَدْرُسُها، وتحديدًا في رسالة كورِنثوس الثانية 7: 1، يَقولُ بولس: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ الْقَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ".

بعبارة أخرى، نَحْنُ مَسؤولونَ عنِ القيامِ بذلك. وهذا يَتِمُّ بِقُوَّة الرُّوح القُدُس. وهذا هو الجُزءُ الخَفِيُّ. ولكِنَّ دَوْرَنا يُحَتِّمُ علينا أنْ نُطَهِّرَ أنفُسَنا مِنْ كُلِّ خطيَّة، وأنْ نَتخلَّصَ مِنها، وأنْ نُميتَها لِئَلَّا تَعودَ إلينا بقوَّة مُدَمِّرة كما فَعَلَ العَمالِقة.

فالجسدُ مِاكِرٌ. والجسدُ مُخادِعٌ. وَهُوَ قد يَتْرُكُكَ وَشأنَكَ قليلاً، ويَجْعَلُكَ تَظُنُّ أنَّكَ قد تَخَلَّصْتَ منه. ثُمَّ إنَّهُ يعودُ بغضبٍ مُضْطَرِمٍ كالجَحيم. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الخطيَّة تَستمرُّ في مُلاحَقَتِكُم ولا يمكنكم أنْ تَستريحوا. فهي تَتوارى دائمًا عنِ الأنظار. وعندما يأتي إليكَ أَجاج فَرِحًا ويقول: "حَقًّا قَدْ زَالَتْ مَرَارَةُ الْمَوْتِ"، اعْلَم أنَّها طريقة أخرى لِقَوْل: "لقدِ انْتَهَتِ الحَربُ. وقد نَجَوْت. اذْهَب في حَالِ سَبيلِك. فأنا مَهْزوم. ولكِنْ لا تَقْلَق عَلَيَّ". فعندما يُحاولُ أجاج وَعمالِقَتَهُ أنْ يُصاحِبوك، ويُعلِنونَ انتهاءَ العَداوة بينَكُم، اعْلَم أنَّها اللَّحظة الَّتي ينبغي لكَ فيها أنْ تَسْحَبَ سَيفَكَ وأنْ تُقَطِّعَهُمْ إرْبًا. فنحنُ لا نَجْهَلُ أفْكارَ إبليس. ويَجْدُرُ بِنا ألَّا نَجْهَلَ أسْلِحَتَنا. دَعونا نَحْني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، نَشكُرُكَ مَرَّةً أخرى في هذا الصَّباح على وقتِ الشَّرِكة الرَّائعِ هذا. ونَشكُرُكَ على الطَّبيعةِ العَمَلِيَّةِ لِهذا النَّصِّ. ونَشكُرُكَ على القِصَّةِ الرَّائعةِ لِعَماليق وأَجَاج. ونَشكُرُكَ على الطَّريقةِ الَّتي تَكْشِفُ لنا فيها عن عَدالَتِكَ، ودينونَتِكَ، وغَضَبِكَ المُقَدَّس، وكُرْهِكَ للخطيَّة. ويا رَبّ، لقد وَجَدْنا أنَّ هذا الحَدَثَ التَّاريخيَّ العظيمَ الَّذي قامَ فيهِ صَموئيل بِتَقطيعِ أَجَاج إرْبًا يُقَدِّمُ لنا صُورةً تَشبيهيَّة واضحة عن كيفيَّة التَّعامُل معَ الخطيَّة في حياتِنا. ويا ليتَنا نَكون أشخاصًا مُصَلِّينَ، وأنْ نَلْهَجَ في الكلمة، وأنْ نُثَبِّتَ قُلوبَنا على المسيح، وألَّا نُعْطي مَكانًا للجسد، بل أنْ نَمْتَنِعَ عنِ الشَّهوة، ونَمْتَنِع عنْ أفكارِنا الشِّرِّيرة، ونَمتَنِع عنْ كلماتِنا الشِّريرة، وأفعالِنا الشِّريرة، ورَغْباتِنا الشِّريرة. ويا لَيْتَنا نُميتُ الخطيَّة في حياتِنا ونَتمتَّع بضميرٍ جَسُورٍ وواثِقٍ، وبضميرٍ مُقَدَّسٍ وطاهرٍ في صِدْقِهِ كما كانَ ضَميرُ بولُس. وأنا أَشكُرُكَ على الأشخاصِ الموجودينَ في وَسْطِنا في هذا الصَّباح، والَّذين يمكنهم أنْ يقولوا إنَّ ضَميرَهُم نَقِيّ. ويا لَيْتَهُم يَعترفونَ بِجَميعِ خطاياهُم في هذا الصَّباح. وفي هذهِ الأيَّامِ الَّتي يَعْبُدونَكَ فيها، وفي هذا الوقتِ مِنَ السَّنة، يا لَيتَ قُلوبَهُم تُثَبَّتْ عليكَ أنْتَ بطريقة خاصَّة لِيَتَمَتَّعوا بضميرٍ نَقِيٍّ. ولكِنْ، يا رَبّ، يوجد أشخاصٌ آخرونَ هنا يَشعرونَ أنَّهُم يُشْبِهونَ المُرَنِّم، وأنَّ الجُرْحَ عَميقٌ، وأنَّ الألمَ حَقيقيٌّ. وَهُم يَشعرونَ بالمرضِ الجسديِّ مِنْ وقتٍ إلى الآخر، والعار، والذَّنب، والقلق، والخوف، والشَّكّ، وفُقدانِ الفرح. وهذا كُلُّهُ لأنَّ يَدَكَ تَثْقُلُ عليهم مِنْ خلالِ تَبكيتِ ضَميرِهم لأنَّهم لا يَتَصَدَّوْنَ للعَمالِقة في حياتِهم. ويا لَيتَنا، يا رَبُّ، نُميتُ دائمًا أعمالَ الجسد لكي نَتمتَّعَ بحياةٍ طاهرة إذْ نُطَهِّرُ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الجَسَدِ وَالرُّوحِ، مُكَمِّلِينَ القَدَاسَةَ فِي خَوْفِ اللهِ كَيْ نَتَمَتَّعَ ببركةِ وامتيازِ الضَّميرِ الصَّالِح. ونحنَ نَسْألُكَ ذلك، ونَشكُرُكَ على جَعْلِ ذلكَ مُتاحًا لنا مِنْ خلالِ رُوحِكَ لأنَّهُ الوحيدُ القادرُ أنْ يَفعلَ ذلكَ فينا إذْ نُبْدي استعدادَنا لِقبولِه. باسْمِ المَسيحِ نُصَلِّي. آمين.

كنتُ أُفَكِّرُ بعدَ أنْ أَنهيتُ العِظَة في هذا الصَّباح كَمْ مِنَ المُهِمِّ، بل مِنَ المُهِمِّ جدًّا، أنْ نُعالِجَ هذه المسألة المُختصَّة بإماتَةِ الخطيَّة لأنَّها مسألة ضروريَّة جدًّا في حياتِنا. وقد تَذَكَّرتُ مَرَّةً أخرى حقيقةَ أنَّني قد أُحاولُ قَدْرَ استطاعتي، يومَ الأحد صباحًا، أنْ أُعَلِّمَكُم ذلكَ الحَقَّ، عَالِمًا يَقينًا أنَّكم قد تَستوعبونَهُ، وتَفهمونَهُ، وتُؤكِّدونَهُ، وتُوافِقونَ عليه، وتُؤمِنونَ به، وتَعْقِدونَ العَزْمَ على تَطبيقِهِ؛ ولكِنَّ ذلكَ لا يَحْسِمُ المَعركة. لِذا، ينبغي لنا أنْ نَعودَ، وأنْ نُكَرِّرَ ذلكَ المَرَّة تِلْوَ المَرَّة تِلْوَ المَرَّة، وأسبوعًا تِلْوَ الآخر لأنَّهُ يجب علينا أنْ نُحافِظَ على هذا المُستوى مِنَ المُساءَلَة فيما يَختَصُّ بالحَقّ، ولأنَّهُ يجب علينا أنْ نَتَصَدَّى دائمًا، وأسبوعًا تلو الآخر تلو الآخر، لِخطايا الرَّعيَّة لكي يُصَفُّوا حِساباتِهم معَ اللهِ القُدُّوسِ المَرَّة تِلو المَرَّة تِلو المَرَّة. ومِنَ المُدهش أنَّ الأشياءَ الَّتي نَعرِفُها قد تَغيبُ عَنْ بَالِنا، وأنَّ الخطيَّة قد تَطْفو على السَّطْحِ ثانيةً وَتَجِد مَكانًا لها.

وأعتقد أنَّهُ إنْ لكي نَعيشَ في هذا العالَمِ الَّذي نَعيشُ فيه اليوم، حيثُ تُسَوَّقُ الخطيَّة لنا مِن خلالِ وسائلِ الإعلامِ المُتطوِّرة، سيكونُ مِنَ الصَّعبِ علينا أنْ نُميتَ الخَطِيَّة هذا الأحد وأنْ نَنْتَظِرَ إلى الأحَدِ الَّذي يَليه لِنَفعل ذلكَ مَرَّةً أخرى. فلا يَكفي أنْ تَفْعَلوا ذلكَ أيَّامَ الأحدِ فقط، وإلَّا فإنَّكم ستَجِدونَ أنَّ حياتَكُم تَتَقَهْقَرُ وأنَّكُم تُراعونَ الخطيَّة. وفي الوقتِ الَّذي انْحَدَرَتْ فيهِ الثَّقافة، زادَتْ فيهِ الأشرِطَةُ والكُتُبُ المسيحيَّة الجَيِّدة، وتَكاثَرت، وصارَتْ هُناكَ مَحَطَّاتٌ إذاعيَّة مسيحيَّة ومصادِرُ أخرى. والنُّقطة هي أنَّهُ لا يكفي فقط أنْ نُزَوِّدَكُم بالمعلومات. فقد نُقَدِّمُ لكم المعلومات، وقد تَعرفوا المعلوماتَ وتُصَدِّقوها. وحَتَّى إنَّكُم قد تَعْرِفونَها جَيِّدًا وتُعَلِّموها. ولكِنَّ النُّقطة هي أنَّهُ يجب علينا أنْ نُحَرِّضَّكُم على المحبَّةِ والأعمال الحَسَنَة. فهذا هو سَبَبُ اجتماعِنا معًا [بحسب ما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح 10]، إذْ نَنْقِلُكُم إلى مُستوىً آخر مِنَ المُساءَلة؛ لا سِيَّما أنَّكُم تَعبدونَ الرَّبَّ وتأتونَ إلى حَضْرَتِهِ بالصَّلاةِ، وتَشتركونَ في مائِدَتِه. فهذه أيضًا نُقطةُ مُساءَلة. وهي ليست مَعلومات فقط. بل هو تَكرارٌ ضَروريٌّ لأنَّهُ مِنَ السَّهْلِ جِدًّا أنْ نَنسى ما نَعْرِفُه. لِذا فإنَّني موجودٌ هنا لا فقط لكي أُقَدِّمَ لكم مَعلومات جديدة أو معلومات قديمة في شَكْلٍ جديد، بل لكي أُذَكِّرَكُمْ بذلكَ مِرارًا وتَكرارًا لأنَّ المعركة تُشَنُّ بصورة مُستمرَّة.

وَمِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنْ يكونَ النَّاسُ أُمناء في عبادةِ الرَّبِّ كُلَّ يومِ أحد مِنْ دونِ انْقطاع لأنَّكم سَتَسقُطونَ في فَخِّ التَّهاوُنِ معَ الخطيَّة في حياتِكُم حينَ لا تَكونونَ تحتَ المُساءلة، وحينَ لا تَجلسونَ لِسَماعِ الوَعْظِ المُباشِرِ لكلمةِ الله. لِذا فإنَّني أَقلَقُ كثيرًا على الأشخاصِ الَّذينَ يَجلسونَ في كنائس تُقَدِّمُ رِسالةً تَهْدِفُ إلى جَعْلِ المؤمِنينَ يَشعرونَ بالارتياح. لأنَّ ما سيَحدثُ في النِّهاية هو أنَّ المُؤمِنَ سيَشعُر بالارتياح الشَّديد بخصوصِ خطيئَتِه لأنَّها لم تُواجَه يومًا، ولأنَّها لم تَجِد يومًا مَنْ يَتَصَدَّى لها حَقًّا. لِذا، فإنَّكُم تَجِدونَ مجموعةً مِنْ غيرِ المؤمِنينَ السُّعداء الَّذينَ يَجِدونَ كُلَّ تَسْلِيَة مُمْكِنَة، ومَجموعةً بائسةً مِنَ المؤمِنينَ الَّذي خَسِروا المَعركةَ أمامَ الخطيَّة.

لِذا، عندما تَجتمعُ الكنيسةُ معًا، مِنَ المُهِمِّ جدًّا أنْ تُواجِهَ نَفسَها بهذهِ الحاجة إلى القداسة. لِهذا فإنَّنا نَفعلُ ما نَفعل في يومِ الرَّبِّ. وقد أردتُ وَحَسْب أنْ أُضيفَ ذلكَ كَمُلاحَظَة هامِشِيَّة إلى عِظَةِ هذا الصَّباح لأنَّني أعتقد أنَّهُ مِنَ المُهِمِّ جدًّا أنْ تَفهموا أنَّ دَوْري لا يَقتصِر على تَقديمِ مَعلوماتٍ جديدة إليكم، بل يجب عليَّ أنْ أَضَعَكُم في مَوقِعِ المُساءلة عنِ المعلوماتِ القديمة؛ أيِ الحَقِّ القديم؛ الحَقِّ المُغَيِّر للحياة. ونحنُ نُخفِقُ كثيرًا جدًّا وفي أوقاتٍ كثيرة حَتَّى إنَّنا بحاجة إلى العودة إلى تلكَ المُساءلة المَرَّة تِلو الأخرى. والعودة إلى المُساءلة بِطَريقةٍ تَخِزُ ضَمائِرَكُم هو جُزْءٌ مِنْ دَوْرِ الواعِظ. وَلا شَكَّ أنَّ دَوْرَ مائِدَةِ الرَّبِّ هو أنْ تَتَصَدَّى لإخفاقاتِنا، وخطايانا، وآثامَنا، وضَميرَنا المُشتَكي علينا.

لِذا، في هذا المساء، قبلَ أنْ نَشترِك في مائدةِ الرَّبِّ بعدَ قليل، أَوَدُّ أنْ أُذَكِّرَكُم ببعضِ النِّقاطِ الَّتي لم أتمكَّن مِن قولِها في هذا الصَّباح. وَمِنْ خلالِ تَذكيرِكُم وإبداءِ بعضِ المُلاحظات، أَوَدُّ أنْ أُضيفَ إلى عِظَة هذا الصَّباح بعضَ الخُطوات الخِتاميَّة الَّتي تُساعِد في عمليَّة إماتَة الخطيَّة. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ الآية رُومية 8: 13 تقول: "إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْن". فَبِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس، يُمكِنُنا أنْ نُميتَ الخطيَّة الباقية. ويجب علينا أنْ نَنْشَغِلَ بِحَمْلِ سَيفِ الرُّوحِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ، وأنْ نُميتَ الخطايا الباقية في حياتِنا.

وفي أثناءِ قِيامِكُم بذلك، تَذَكَّروا أنَّنا ذَكَرْنا أنَّهُ يجب عليكم أنْ تَمتَنِعوا عنِ الشَّهواتِ الجسديَّة، وأنَّهُ يجب ألَّا تَصْنَعوا تَدبيرًا للجسد، وأنَّهُ يجب عليكم أنْ تَلْبَسوا الرَّبَّ يسوعَ المسيح، ويجب أنْ تَلْهَجوا في الكلمة، وأنْ تُخَبِّئوها في قُلوبِكُم كَيْلا تُخطِئوا، وأنَّهُ يجب عليكم أنْ تَسْهَروا وتُصَلُّوا لِئَلَّا تَدخُلوا في تجربة. وقد تَحَدَّثنا عن كُلِّ هذهِ الوصايا. وقد قُلنا أيضًا إنَّهُ يجب عليكم أنْ تَمتلِئوا بالرُّوحِ القُدُس لأنَّهُ القُوَّة الَّتي تَجْعَلُ ذلكَ يَتحقَّق، وإنَّهُ يجب عليكم أنْ تَضبُطوا أنفُسَكُم، وأنْ تَقْمَعوا أجسادَكُم حَتَّى لا تَصيروا مَرفوضين. وقد أَضَفْنا بعضَ الواجباتِ الأخرى الَّتي تُصاحِبُ ذلك مِثْلَ الاتِّضاع وأمورٍ مُشابِهَة.

ولكِن اسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم بعضَ المُلاحظاتِ التَّذكيريَّة الخِتاميَّة: فحينَ تَعْكِفونَ على تَطبيقِ كُلِّ هذهِ المبادئ في حياتِكُم، هناكَ بعضُ الأمورِ الَّتي ينبغي أنْ تَعرِفوها. وسوفَ أُقَدِّمُ لكم خَمسةً منها قبلَ أنْ نَتَقَدَّم إلى مائِدَةِ الرَّبِّ.

أوَّلاً، الخطيَّة لا تَموتُ حينَ تُغَطَّى وَحَسْب. الخطيَّة لا تَموتُ حينَ تُغَطَّى وَحَسْب. فقد تكونُ قد حَقَّقْتَ نَجاحًا باهِرًا في تَغطيةِ خطاياكَ حَتَّى هذهِ اللَّحظة. وكما يَرى آخرون، رُبَّما كُنْتَ ناجِحًا في إخفائِها عنِ الآخرينَ مِنْ حولِك. ولكِنَّ هذا ليسَ إماتَةً لها. فإنْ تَمَّتْ تَغطيةُ الخطيَّة بِطبقة رقيقة، وإنْ تَمَّتْ تَغطِيَتُها بِوَرَقٍ لاصِقٍ كَما يَفْعَلُ البعضُ عندما يُحاولونَ عَبَثًا أنْ يُغَطُّوا عُيوبَ الجُدرانِ بِوَرَقٍ لاصِقٍ، فإنَّ هذا رِياء. والرِّياءُ هو خطيَّة أخرى وَحَسْب. وإنْ غَطَّيْتَ ضَميرَكَ بطبقة مِنَ السُّكَّر، فإنَّكَ في حالة أخطر مِنَ السَّابق. وَحَتَّى لو نَجَحْتَ في تَغطية خَطِيَّتِك، فإنَّ هذا لا يُميت الخطيَّة، بل يَجْعَلُها أكثر نَشاطًا لأنَّها ليست مَكشوفة، بل مُختَبِئة. ونحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 28: 13: "مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ". وأنتَ لا تَقومُ بواجِبِكَ تُجاه إماتَة الخطيَّة إلَّا حينَ تَعترِف بها وتَتركها. فَتَغْطِيَتُها تَجْعَلُها في حالٍ أسوأ.

ثانيًا، لِمُساعدتِك على تَطبيقِ هذا الواجبِ الضَّروريِّ في إماتَةِ الخطيَّة، يجب عليكَ أنْ تتذكَّر أنَّ الخطيَّة لا تَموتُ حينَ تَحتَفِظ بها لِنَفْسِك. الخطيَّة لا تَموتُ حينَ تَحتفِظ بها لِنَفسِك. فقد يَظُنُّ النَّاسُ أنَّهُ كانت توجد خَطايا مارَسوها بطريقةٍ ما بِفَمِهِم، أو لِسانِهم، أو خطايا مارَسوها بِجَسَدِهم، أو بأيديهم، أو بأعيُنهم، أو بآذانهم، أو بأيِّ عُضْوٍ آخر. وعندما يتوقَّفونَ عنِ اقترافِها، ويَتَخَلَّوْنَ عن مُمارَسَةِ ذلكَ الشَّرِّ خارجيًّا، قد يَظُنُّونَ أنَّهم قد أَماتوها؛ في حين أنَّ الحقيقة هي أنَّهم يُطيلونَ التَّفكيرَ في لَذَّاتِ تلكَ الخطيَّة في أذهانِهم. فقد تَجِدُ أنَّكَ بَلَغْتَ مُستوىً في اخْتبارِكَ المسيحيِّ يَجْعَلُكَ تقول: "لن أسمحَ لنفسي أنْ أذهبَ لمُشاهدةِ أفلامٍ غير أخلاقيَّة". لِذا فإنَّكَ تتوقَّف. ولكِنَّكَ قَدْ تَسْمَحُ لتلكِ الصُّوَرِ الحيَّةِ الَّتي كُنْتَ تَراها عندَ مُشاهدةِ تلكَ الأفلامِ بالعَبَثِ بِذِهْنِكَ وَتَسْمَحُ لها بِفِعْلِ ذلك المَرَّة تلو الأخرى. فأنتَ لم تَقْتُل الخطيَّة تمامًا. فالخطيَّة لا تَموت حينَ تَحتفظ بها داخليًّا فقط. وهي لا تموتُ إنْ كُنْتَ ما تَزال تَستمتِع بِمَباهِجِها. صَحيحٌ أنَّكَ رُبَّما نَقَلتَها مِنَ الخارِج إلى الدَّاخِل، وأنَّكَ قد نَقَلتَها إلى نِطاقِ خَيالِكَ الخاصِّ حيثُ لا يَعْلَمُ أحدٌ بوجودِها سِواكَ أنتَ والله، ولكنَّ تلكَ الخَطيَّةَ لم تَمُتْ. بل إنَّها صارت أكثرَ خَطَرًا لأنَّها الآن مُغَلَّفَة بِبِرٍّ مُصْطَنَع. وهي الآن أَبشَعُ مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى في نَظَرِ الله. وهذا هو الشَّيءُ الَّذي وَبَّخَ يَسوعُ الفَرِّيسيِّينَ عليه. فقد تَجَنَّبوا القتلَ، ولكنَّهُم سَمَحوا لأنفُسِهِم أنْ يَكْرَهوا. وقد تَجَنَّبوا الفُحْشَ والزِّنا، ولكنَهم سَمَحوا لأنفُسِهم أنْ يَنظروا إلى امرأةٍ ويَشتهوها. وقد قالَ يسوعُ عنهم إنَّهُم يَستحقُّونَ جَهَنَّمَ الأبديَّة. فالخطيَّةُ لا تَمُتْ حينَ تُغَطَّى بالرِّياءِ وَحَسْب. وهي لا تُقْتَلُ حينَ تَبْقى مَحبوسَةً في الدَّاخِل. ففي كِلتا الحالَتَيْن، قد تَكونُ أكثرَ خُطورةً.

ثالثًا، وهي نُقطة عمليَّة جدًّا أيضًا ينبغي أنْ تَأخُذوها بِعَيْنِ الاعتبار: الخطيَّة لا تَمُتْ عندما تُسْتَبْدَلُ بخطيَّة أخرى. فهناكَ أشخاصٌ يَظُنُّون أنَّهُ حيثُ إنَّهُم تَركوا خطيَّةً ما واستبدلوها بأخرى، فإنَّهم قاموا بإماتَةِ الخطيَّة في حياتِهم. ولكِنْ ما النَّفعُ مِنْ مُقايَضَةِ شَهوةِ الجسد بشهوةِ العُيون؟ أوْ شَهوةِ العُيونِ بِتَعَظُّمِ المعيشة؟ فالشَّهوةُ تكونُ قد أَخَذَتْ أشكالاً أُخرى وَحَسْب. والاستعاضَةُ عنِ الزِّنا بِالشَّهوةِ لا يَنْفَعُكَ بأيِّ شيء. بل إنَّ هذا الأسلوبَ يُعَرِّضُكَ للخطر لأنَّهُ يَجْعَلُكَ تَتَقَسَّى بِخِداعِ الخطيَّة. فأنتَ تَتَخَلَّى عن خطيَّةٍ ما وتَختارُ خَطِيَّةً أخرى. ولأنَّكَ مَخْدوعٌ، فإنَّكَ تَظُنُّ أنَّكَ قد حَقَّقْتَ تَقَدُّمًا رُوحيًّا. ولكِنَّ هذا غير صحيح.

الخطيَّة [رابعًا] لا تَمُتْ عندما تُكْبَتْ. فقد تقول: "كيفَ يَكْبُتُ النَّاسُ الخطيَّة؟" سوفَ أُخبرُكم كيف: هُناكَ أشخاصٌ يَكْبُتونَ الخطيَّة بالمَشروباتِ الكُحوليَّة. فَهُمْ يَشرَبونَ حَتَّى النِّسْيان. فَهُمْ يُفَضِّلونَ الغِيابَ عَنِ الوَعْيِ على الشُّعورِ بالذَّنْب. وهناكَ أشخاصٌ يَكْبُتونَ شُعورَهُمْ بالذَّنْب مِن خلالِ وسائلِ التَّسلية وغيرِها مِنْ وَسائِلِ الإلهاء. وهُناكَ أشخاصٌ يَذهبونَ إلى المُشيرينَ والمُعالِجينَ كَيْ يُساعِدوهُم على زِيادَةِ تَقديرِهم لِذَواتِهم. لِذا فإنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ شُعورَهُم بالذَّنب قدِ اختفى، في حين أنَّهُ مَكْبوتٌ وَحَسْب بسببِ خِداعِ المَشورةِ غيرِ الحَكيمة.

وقد كَتَبَ "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyd-Jones) ذاتَ مَرَّة: "إنْ كُنْتَ تَكْتَفي بِكَبْتِ التَّجرِبةِ أوْ أوَّلِ إيماءةٍ باقترافِ الخطيَّة في داخِلِك، مِنَ المُرَجَّحِ أنَّ هذهِ التَّجرِبَة ستعودُ ثانيةً بقوَّة أكبر. وفي هذا النِّطاق، أَتِّفِقُ مَعَ عُلماءِ النَّفسِ المُعاصِرين بأنَّ الكَبْتَ سَيِّئٌ دائمًا. وقد يَسألُني أحَدُ الأشخاصِ: ’حَسَنًا، وما العَمَلُ إذًا؟‘ فأُجيبُهُ: ’عندما تَشعُرُ بأوَّلِ إيماءةٍ للخطيَّة، اسْتَجْمِع شَجاعَتَكَ وَقُلْ: لن يَكونَ لي أيُّ شأنٍ بهذا الأمر البَتَّة. واكشِفِ الخُدعة وَقُل: هذا شَرٌّ. وهذهِ رَذيلة، وهذا هو الشَّيءُ الَّذي تَسَبَّبَ في طَرْدِ أوَّلِ إنسانٍ مِنَ الجَنَّة. انْبُذها. انظر إليها واشْجُبْها، وأبْغِضْها بسببِ طَبيعَتِها. وبهذا تكونُ قد تَعامَلتَ مَعها‘. فلا يجوزُ أنْ تُعيدَها إلى مَكانِها بِدافِعِ الخوفِ أوِ الجُبْن؛ بل أَخْرِجْها خارِجًا، واكْشِفْها، وحَلِّلْها، ثُمَّ اشْجُبْها بسببِ ما هي عليه إلى أنْ تُبْغِضَها" [نهايةُ الاقتباس]. وهذه نصيحة جيِّدة. ونحنُ نَتعامَل معَ خَطِيَّتِنا بشجاعة حينَ نَضْرِبْها على رأسِها. فَكَبْتُها قليلاً لا يَكفي. بل يجب علينا أنْ نَقضي عليها (كَما تَعَلَّمنا في قِصَّةِ أَجَاج) بأنْ نُقَطِّعَها إرْبًا. وهذهِ مَهَمَّة يَنبغي أنْ نَقومَ بها طَوالَ حياتِنا.

لِذا، لِنُراجِع كُلَّ ما ذَكَرْناه بهذا الخُصوصِ بِكُلِّ الطُّرُقِ المُمْكِنَة: فالخطيَّة لا تَمُتْ عندما نُغَطِّيها فقط. والخطيَّة لا تَمُتْ عندما نُبْقيها في الدَّاخِل. والخطيَّة لا تَمُتْ عندما نُقايِضُها بخطيَّة أخرى. والخطيَّة لا تَمُتْ عندما نَكْبُتُها وَحَسْب.

وهُناكَ نُقطة أخيرة تُعيدُنا إلى حيث ابتدأنا هذا الحديثَ في هذا الصَّباح. فالخطيَّة لا تَكونُ قد ماتَتْ إلَّا عِنْدَما يَهْدَأ الضَّمير. والخطيَّة لا تَمُتْ إلَّا عندما يَتِمُّ تَسْكينُ الضَّمير. فالهَدَفُ في كُلِّ حُروبِنا ضِدَّ الخطيَّة مَذكورٌ في رسالة تيموثاوس الأولى 1: 5. فالهدفُ هو: "الْمَحَبَّة مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَضَمِيرٍ صَالِحٍ، وَإِيمَانٍ بِلاَ رِيَاءٍ". فَطالَما أنَّ الضَّميرَ ما يَزالُ يَشتَكي علينا، وطالَما أنَّ الضَّميرَ ما زالَ غيرَ مُرْتاح، فإنَّ هذا يعني أنَّ الخطيَّة لَم تَمُتْ. وفي رسالة بُطرس الأولى والأصحاح 3، استمعوا إلى ما جاءَ في العَدَدَيْن 15 و 16: "قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ، وَلَكُمْ ضَمِيرٌ صَالِحٌ". فيجب أنْ تَكونوا قادِرينَ على الدِّفاعِ عن عقيدَتِكُم. وهذهِ هي النُّقطةُ الأولى.

والنُّقطةُ الثَّانية هي أنْ تَعيشوا حياتَكُمْ بِضَميرٍ صَالِحٍ. فهل تُريدونَ أنْ تَتْرُكوا تأثيرًا في العالَم؟ وهل تُريدونَ أنْ تُسْكِتوا النُّقَّادَ والنَّاسَ الَّذينَ يَفْتَرونَ على إيمانِكُم؟ وهل تُريدونَ أنْ تَصنَعوا فَرْقًا؟ وهل تُريدونَ أنْ تَرَوْا النَّاسَ يَأتونَ إلى المسيح؟ افعلوا شَيئَيْن: جاوِبوا مَنْ يَسألَكُم، وَلْيَكُنْ لَكُمْ ضَميرٌ صَالِحٌ. والنُّقطةُ الأولى هي أنْ تكونوا قادرينَ على الدِّفاعِ عن إيمانِكُم. والنُّقطةُ الثَّانية هي أنْ تكونوا قادرينَ على الدِّفاعِ عن تَكريسِكُم لحياةِ الإيمان. فَهُناكَ فَرْقٌ بينَ أنْ تَقِفَ وتقول: "أنا أُوْمِنُ بالمسيحيَّة، وأُوْمِنُ بالإيمانِ المسيحيّ، وأنا مُكَرَّسٌ للإيمانِ المسيحيّ، ومُكَرَّسٌ للربِّ يسوعَ المسيح، ومُكَرَّسٌ لحقيقةِ أنَّهُ اللهُ الَّذي جاءَ في هيئة بَشريَّة، وماتَ على الصَّليب، وقامَ ثانيةً لأجلي، وأنا مُكَرَّسٌ تِمامًا للكِتابِ المُقَدَّسِ"، وبينَ أنْ يَسألَكَ شَخْصٌ ما: "إذًا، لماذا تَعيشُ في الخطيَّة؟" أو "ما هو مُستوى تَكريسِك؟" لِذا، هُناكَ وَصِيَّتَان في هذا النَّصّ: الأولى هي أنْ تَعْرِفوا أنْ تُجاوِبوا عن سَبَبِ الرَّجاءِ الَّذي فيكُم، والثَّانية هي أنْ تَعيشوا حياةً طاهرةً تَجْعَلُكُم تَمْلِكونَ ضَميرًا صَالِحًا حَتَّى يَعْجَزَ هؤلاء لا فقط عنِ الافتراءِ على ما تُؤمِنونَ به، بل حَتَّى يَعجزوا أيضًا عنِ الافتراء على مُستوى وَعُمْقِ تَكريسِكُم لما تُؤمِنونَ به.

وجُزءٌ مِن عمليَّةِ الإماتةِ الحقيقيَّة للخطيَّة، أوْ قَتْلِ الخطيَّة، هو أنْ تَسْتَمِعَ إلى ضَميرِك. فإنْ أردتَ أنْ تَعرِفَ المَوْطِنَ الَّذي لم تُعالِج فيهِ الخطيَّة في حياتِكَ، اسْتَمِع وَحَسْب إلى صَوْتِ ضَميرِك. وبالمُناسبة، هذا مُنَافٍ تَمامًا للحِكمة السَّائدة في وَقْتِنا الحاضِر. فالحِكمةُ السَّائدة في وقتِنا الحاضِر مُختلفة جدًّا. استمعوا إلى ما كَتَبَهُ "جون أُوين" (John Owen): "إنْ أردتَ أنْ تُميتَ الخطيَّة، اشْحَنْ ضَميرَكَ بِشُعورِهِ بالذَّنْب". ويا للعَجَب!

فأغلبيَّةُ النَّاسِ اليومَ سيقولونَ لكَ أنْ تَهْرُبَ مِنَ الشُّعورِ بالذَّنْب. ولكِنَّ "جون أُوين" قال: "اشْحَنْ ضَميرَكَ بالذَّنْب". فقد كانَ يُؤمِنُ بأنَّ الشُّعورَ بالذَّنبِ هو نَتيجة طبيعيَّة وصِحِّيَّة لِمَعرفةِ الأفعالِ الخاطئة. وقد كَتَبَ: "اخْجَل مِنْ نَفسِك. اخْجَل جِدًّا" لأنَّهُ كانَ يَرى الخَجَلَ مُفيدًا. "اسْتَمِع إلى صَوْتِ ضَميرِكَ المُحَمَّل بالعارِ والذَّنْب". وكما تَرَوْنَ، فقد كانَ يَفْهَمُ فَهْمًا صَحيحًا (أيْ: "جون أُوين) ما ينبغي لنا أنْ نَفْهَمَهُ عندما نَقرأُ ما كَتَبَهُ بولسُ في رسالة كورنثوس الثانية 7: 10 إذْ قال: "لأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يُنْشِئُ تَوْبَةً...بِلاَ نَدَامَةٍ". فالحُزنُ الصَّحيحُ النَّابِعُ مِنْ حَياةِ التَّقوى يُنْشِئُ تَوبةً. وما الشَّيءُ الَّذي يُنْشِئُ حُزنًا بِحَسَبِ التَّقوى؟ الضَّميرُ الَّذي يَشْعُرُ بماذا؟ بالذَّنْب. أليسَ هذا ما نَقرأهُ في المزمور 38؟ ألَمْ يَكُن المزمور 38 الَّذي قَرأناه في هذا الصَّباح مَثَلاً توضيحيًّا كلاسيكيًّا على الحُزْنِ المُقَدَّسِ النَّابِعِ مِنَ الشُّعورِ بالذَّنب؟ وقد كانَ ذلكَ الشُّعورُ بالخِزْي هو الَّذي قادَ المُرَنِّم إلى اعترافِهِ العظيم. فالأشخاصُ الَّذينَ يَسْكُتونَ على شُعورِهم بالذَّنْبِ، وَيَسْتَخِفُّونَ بقيمةِ الوعدِ بالغُفران، ويُسارِعونَ إلى طَمْأَنَةِ نُفوسِهم، ولا يُفَكِّرونَ ثانيةً في خطيئتِهم، إنَّما يُعَرِّضونَ أنفُسَهُم لِخِداعِ الخطيَّةِ الَّذي يُؤدِّي إلى تَقسيةِ قُلوبهم. لِذا، يجب أنْ تَدَعوا الحُزْنَ يَقومُ بِعَمَلِهِ التَّامِّ كَيْ يُنْشِئَ تَوبةً عميقة وصادقة. وحينئذٍ فإنَّ تلكَ الخطايا سَتَضْعُف جِدًّا.

لِذا، يُمكِنُنا أنْ نُميتَ العَمالِقَةَ في حياتِنا. ولِذا، يُمكِنُنا أنْ نُقَطِّعَ أَجاج إرْبًا. ويُمكنِنُا أنْ نُعالِجَ الخطيَّةَ الباقية. وهي مَهَمَّة تَستمرُّ مَدى الحياة. ونحنُ لَسنا مُضْطَرِّينَ إلى القيامِ بذلك بمُفردِنا، كما رأينا في هذا الصَّباح: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ [كما يَقولُ بولُس في رسالة فيلبِّي 2: 12]؛ ثُمَّ يَقول في العددِ الَّذي يَليه: "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّة".

فالخطيَّة هي شيءٌ خَطير. وهي الشَّيءُ الخطيرُ الَّذي يَسْلِبُكُم فَرَحَكُم. ولا أدري ما هو موقِفُكُم أنتُم، ولكنِّي أُريدُ أنْ أَبْلُغً مُسْتَوىً في حياتي المسيحيَّة أَتَمَكَّنُ فيهِ بصورة دائمة مِنْ تَرْديدِ كلماتِ بولُس المذكورة في ذلكَ الأصحاحِ الأوَّل مِنْ رسالة كورِنثوس الثانية: "لأَنَّ فَخْرَنَا هُوَ هذَا: شَهَادَةُ ضَمِيرِنَا أَنَّنَا فِي بَسَاطَةٍ وَإِخْلاَصِ اللهِ، لاَ فِي حِكْمَةٍ جَسَدِيَّةٍ بَلْ فِي نِعْمَةِ اللهِ، تَصَرَّفْنَا فِي الْعَالَمِ، وَلاَ سِيَّمَا مِنْ نَحْوِكُمْ". أيْ أنْ أَتَمَكَّنَ مِنَ القَوْلِ في كُلِّ وَقْت إنَّ ضَميري نَقِيٌّ (كما قالَ هُوَ لأهلِ كورِنثوس). مِنْ دونِ أنْ يَتَّهِمَني في شيء. فنحنُ هُنا أمامَ رَجُلٍ تَصَدَّى حَقًّا للخطيَّة. فهو لم يَكُنْ يُغَطِّيها، ولم يَكُنْ يُخفيها في الدَّاخِل، ولم يَكُن يَكْبُتها، ولم يَكُنْ يُقايِضها بخطيَّة أخرى؛ بل كانَ يَتَصَدَّى لها حَقًّا. وكانَ ضَميرُهُ مُرْتاحًا. استَمِع إلى صَوْتِ ضَميرِك. فهو نِظامُ إنذارِ النَّفس. وَهُوَ يُرْسِلُ رَسائلَ يُريدُ مِنْكَ اللهُ أنْ تَسْمَعَها.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize