Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كما ذَكرتُ سابقًا: في يومِ الأحدِ القادِم، سأُقدِّم رسالةً خاصَّةً عن موضوعِ عُضويَّة الكنيسة، وأُشارِك ما في قلبي معكم. وفي يومِ الأحدِ الَّذي يَلي ذلك، سنعودُ إلى الأصحاحِ الأوَّل مِن رسالة كورِنثوس الثانية، ونُتابِعُ دراسَةَ النَّصِّ ابتداءً مِنَ الأصحاح الأوَّل والعدد 15. أمَّا في هذا الصَّباح، أريدُ أنْ أَتَرَيَّثَ قليلاً وأنْ أتحدَّثَ عن موضوعِ الضَّمير. افتحوا مِن فَضلِكُم على رسالة كورنثوس الثانية والأصحاح الأوَّل. ولَعَلَّكُم تَذكرون أنَّنا تَأمَّلنا في الأعداد 12-14 قبلَ بِضعة أسابيع، حَتَّى قبلَ عُطلةِ عيدِ الميلادِ المجيد، ودَرَسنا هذهِ الآياتِ بتفصيلٍ شديدٍ وناقشناها.

ولكِنِّي تَوقَّفْتُ في العِظاتِ الَّتي تَلَتْ ذلك عندَ الكلمة "ضَمير". واسمحوا لي أنْ أقرأَ العدد 12 على مَسامِعِكُم لكي نَعرِفَ السِّياقَ ونُهَيِّئَ أنفُسَنا للتحدُّثِ أكثر عن موضوعِ الضَّمير. فبولسُ يَكتُبُ: "لأَنَّ فَخْرَنَا هُوَ هذَا: شَهَادَةُ ضَمِيرِنَا أَنَّنَا فِي بَسَاطَةٍ وَإِخْلاَصِ اللهِ، لاَ فِي حِكْمَةٍ جَسَدِيَّةٍ بَلْ فِي نِعْمَةِ اللهِ، تَصَرَّفْنَا فِي الْعَالَمِ، وَلاَ سِيَّمَا مِنْ نَحْوِكُمْ". والآن، لَعلَّكُم تذكرون أنَّ الرسول بولس تَعَرَّضَ لِهُجومٍ يَطالُ نَزاهَتَهُ، وبِرَّهُ، وسُلطانَهُ، ومِصداقِيَّتَهُ، وفاعِليَّتَهُ. فقد هُوْجِمَ مِنْ كُلِّ حَدْبٍ وَصَوْب. وإذْ يُدافِعُ عن نفسِه، فإنَّهُ يَحْتَكِمُ إلى أعلى مَحكمةٍ، إلى أعلى مَحكمةٍ على الأرضِ بِمَعْزِلٍ عنِ اللهِ نَفسِهِ، وهي: الضَّمير. وَهُوَ لا يَطلُبُ شَهادةَ أشخاصٍ آخرينَ يأتونَ لتقديمِ العَوْنِ لَهُ. وَهُوَ لا يَطلُبُ مِنْ مجموعةٍ ما أنْ تَكتُبَ رسالةَ تَوْصِيَة. بل إنَّهُ يَقولُ وَحَسْب: "أيًّا كانَ ما تَقولونَهُ، فإنَّ فَخْرَنَا هُوَ هذَا: شَهَادَةُ ضَمِيرِنَا". وقد كانَ ضَميرُهُ يُؤكِّدُ لهُ أنَّهُ كانَ مُقَدَّسًا وتَقِيًّا، وأنَّهُ كانَ مُخْلِصًا، وأنَّهُ كانَ يَتَصَرَّفُ بلِياقةٍ في نعمةِ الله تُجاهَ العالَم، وتُجاهَ أهلِ كورِنثوس.

فالضَّميرُ، إذًا، هو أعلى مَحكمةٍ على الأرض. والضَّميرُ هو نِظامُ إنذارِ النَّفس (كما ذَكَرنا في رسالَتِنا السَّابقة عن هذا الموضوع). فالضَّميرُ (بحسب ما جاءَ في رسالة رُومية 2: 15) إمَّا أنْ يَشْهَدَ ضِدَّنا، وإمَّا أنْ يَشْهَدَ لنا. بعبارة أخرى: إمَّا أنْ يُؤكِّدَ صَلاحَنا وبِرَّنا وقَداسَتَنا، وإمَّا أنْ يَدينَنا ويَحكُم علينا بأنَّنا أشرار، وخُطاة، وفاسِدون. وبصراحة، فإنَّ الضَّميرَ هو أفضلُ حَكَمٍ لأنَّهُ يَعرِفُ أَدَقَّ الأسرار في قُلوبِنا. وهذا أمرٌ لا يَعْلَمُهُ أيُّ شخصٍ آخر سِوى الله. وإنْ أردنا أنْ نَعيشَ حياةً مُفعمة بالسَّلام، وإنْ أردنا أنْ نَعيشَ حياةً مُطْمَئِنَّة (أو كما يُسَمِّيها بولُس: "حَيَاةً مُطْمَئِنَّةً هَادِئَةً")، وإنْ أردنا أنْ نَتمتَّعَ بالسَّعادة والرِّضا، وإنْ أردنا أنْ نَحصُل على ذلكَ الفَرَح الَّذي يَجعل قُلوبَنا تَبتهِج، ويُحَرِّرُنا كَيْ نَخدِمَ اللهَ بسرور وفرح مِنْ دُونِ مُعَوِّقات، يجب علينا أنْ نَمتلِك ضَميرًا مُرْتاحًا. ويجب أنْ يكونَ هذا الأمرُ حَقًّا شَوْقَ قَلْبِ كُلِّ مُؤمِن وَهَدَفَهُ؛ أيْ أن يكونَ بمقدورِهِ أن يقولَ معَ بولس: "يُمكنكُم أن تُكيلوا إليَّ كُلَّ الاتِّهاماتِ الَّتي تُريدون، ولكِنَّ فَخْري هو هذا: أنَّ ضَميري يَشْهَدُ لي أَنَّني أعيشُ في قَداسةٍ وإخلاصٍ لله".

ويجب علينا أن نَحْصُلَ على مِثْلِ هذهِ الشَّهادةِ مِنْ ضَميرِنا. وهذا تَحَدٍّ صَعْب لأنَّ الخطيَّة تُؤثِّرُ فينا وفي كُلِّ كِيانِنا الباطِن. فالخطيَّة موجودة في كِيانِ النَّفسِ البشريَّة. فعلى سبيلِ المِثال، قالَ يسوع في إنجيل مَتَّى 15: 19 و 20: "لأَنْ مِنَ الْقَلْب تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ. هذِهِ هِيَ الَّتِــي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ". وقد قالَ أيضًا: "الإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ. فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ" (إنجيل لوقا 6: 45). بعبارة أخرى، في أعماقِ القلبِ البَشريّ، هناكَ خَطِيَّة مُريعة. وهي تَظْهَرُ وتُثْمِرُ كلماتٍ وأعمالاً تُصَنَّفُ بأنَّها خاطئة. وبصراحة، فإنَّ الطَّبيعةَ البشريَّةَ تُمْلي علينا أنْ نُحِبَّ الخطيَّة وأنْ نُبْغِضَ اللهَ: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ [كما جاءَ في رسالة رُومية 8: 7] هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ". فنحنُ نُوْلَدُ ونحنُ نُحِبُّ الخطيَّة، ونُحِبُّ أنفُسَنا، ونَكرَهُ البِرَّ، ونَكرَهُ اللهَ. ومعَ أنَّنا نُوْلَدُ هكذا، لاحِظوا ما سأقول: فإنَّ الخطيَّة ليست ضُعْفًا أو خَطَأً لا نَتَحَمَّلُ مَسؤوليَّتَهُ. فهي عَداوة شديدة ومَقصودة مُوَجَّهة إلى اللهِ وتَنْبُعُ مِنْ إرادَتِنا. فالخُطاةُ يَختارونَ الخطيَّة طَوْعًا، وبِمِلْءِ إرادَتِهم، وبِسُرور. بعبارة أخرى، فإنَّ الخطيَّة السَّاكِنة فينا تُظْهِرُ نَفسَها مِن خلالِ التَّمَرُّدِ على اللهِ بطريقة مَقصودة وطَوعِيَّة.

والكتابُ المقدَّسُ يقول إنَّ الخُطاةَ يَقولونَ في قُلوبِهم (كما جاءَ في المزمور 12: 4): "بِأَلْسِنَتِنَا نَتَجَبَّرُ. شِفَاهُنَا مَعَنَا. مَنْ هُوَ سَيِّدٌ عَلَيْنَا؟" فكأنَّ لِسانَ حَالِهِم هو: اللهُ لا شَأنَ لَهُ بحياتي. فأنا سأقولُ ما أريدُ أن أقول، وأفعلُ ما أريدُ أن أفعل. والآية إشعياء 57: 4 تَصِفُ الخُطاةَ بأنَّهم أولادُ المَعْصِيَةِ الَّذينَ يَفْغَرُونَ الفَمَ وَيَدْلَعُونَ اللِّسَانَ على الله. فالخطيَّةُ تُهينُ اللهَ، وتَحْتَقرُهُ، وتَتنَزِع سُلطانَهُ، وتَضَعُ نَفسَها مَكانَهُ. لِذا فإنَّ كُلَّ خطيَّة، في جوهَرِها، هي كِبرياء. كِبرياء. والكبرياءُ تَقول: "ابْتَعِد، يا الله. أنا المَسؤولة. وأنا سأفعلُ ما أشاء". لِذا، فإنَّ كُلَّ خَطِيَّة هي في صَميمِها: تَجديف. فَكُلُّ خطيَّة هي في صَميمِها: تَجْديف. لأنَّها تُهاجِمُ اللهَ.

وعندما نأتي إلى هذا العالَم فإنَّا نُحِبُّ الخطيَّة. لِذا فإنَّنا نُحِبُّ عِصيانَنا، ونُحِبُّ كِبرياءَنا، ونُحِبُّ تَجديفَنا. فنحنُ نُسَرُّ بذلك ونَبحثُ عن أيِّ فُرصَة سَانِحَة للتَّعبيرِ عن ذلك. ولكِنَّنا نُواجِهُ مُشكلةً. فنحنُ لَدينا ضَميرٌ. والضَّميرُ يُخْبِرُنا أنَّنا مُذْنِبون. فهو يَخِزُنا. وَصَوْتُهُ يُشْبِهُ الجَرَسَ الَّذي يَرِنُّ مِنْ دونِ تَوَقُّف في آذانِنا الرُّوحيَّة. لِذا، ماذا نَفعل؟ نحنُ نُحاولُ أنْ نُسَكِّتَ ضَميرَنا مِنْ خلالِ تَمْويهِ خَطيَّتِنا، أوْ مِن خِلالِ إعادةِ تَعريفِ خَطِيَّتِنا، أوْ مِن خلالِ التَّنَصُّلِ مِنْ مَسؤوليَّتِنا. ويمكننا أنْ نُلَخِّصَ كيفيَّةَ قِيامِنا بذلك بثلاثِ طُرُق: أوَّلاً، مِنْ أَجْلِ إسْكاتِ ضَميرِنا، نُحاولُ عادةً أنْ نُغَطِّي الخطيَّة وأنْ نُلْبِسَها قِناعًا. وهذهِ ليست طريقة جديدة. فقد فَعَلَ آدَمُ وحَوَّاءُ ذلكَ في الجَنَّة. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر التَّكوين أنَّهُ عندما أخطأَ كِلاهُما: "انْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ" ثُمَّ اختَبَأَ كُلٌّ مِنهُما مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ. فقد حاولا الاختباء. وقد حاولا أنْ يُغَطِّيا نَفْسَيْهِما.

وقد حاوَلَ المَلِكُ داوُد عَبَثًا أنْ يُغَطِّي شُعورَهُ بالذَّنب عندما أخطأَ إلى أُورِيَّا. فقد زَنى مَعَ زَوْجَةِ أوريَّا (بِثْشَبَع). وعندما حَبِلَت، حَاوَلَ داودُ في البداية أنْ يَجعلَ الأمرَ يَبدو وكأنَّ أوريَّا هو والِدُ الطِّفل (كما جاءَ في سِفْر صموئيل الثَّاني 11: 5-13). ولكِنَّ خُطَّتَهُ تلكَ لم تُفْلِح. لِذا، دَبَّرَ داودُ مَكيدَةً لِقَتْلِ أوريَّا. وقد أدَّى ذلكَ إلى تَعقيدِ خَطيَّتِه. وَطوالَ فَترةِ حَبَلِ بَثْشَبَع، كانَ داودُ يُفَكِّرُ في هذهِ المُعضلةِ ويُحاول أنْ يُغَطِّي خَطيئَتَه. وفي وقتٍ لاحق، عندما تَمَّتْ مُواجَهَةُ داود بخطيئتِهِ وتابَ عنها، قال: "لَمَّا سَكَتُّ [عَنْ خَطيئَتي] بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي الْيَوْمَ كُلَّهُ، لأَنَّ يَدَكَ ثَقُلَتْ عَلَيَّ نَهَارًا وَلَيْلاً. تَحَوَّلَتْ رُطُوبَتِي إِلَى يُبُوسَةِ الْقَيْظ" (المزمور 32: 3 و 4). فقد حاولَ داودُ أنْ يُغَطِّيها؛ ولكِنَّ ضَميرَهُ بَكَّتَهُ فَتَحَوَّلَتْ رُطوبَتُهُ إلى يُبوسَة. وما مَعنى ذلك؟ اللُّعاب، وَتَدَفُّق الدَّم، والسَّوائِل الَّتي تَنْقلُ الإشاراتِ في الجِهازِ العَصَبِيِّ. فقد صارَ حَرفيًّا رَجُلاً عَليلاً ومَريضًا.

وهناكَ طريقة ثانية نُحاوِلُ مِنْ خلالِها أنْ نَتعامَلَ مع خطايانا في سَبيلِ تَغْطِيَتِها وتَمويهِها ومُساعَدَةِ ضَميرَنا على النَّجاة، وهي أنْ نُحاولَ أنْ نُبَرِّرَ أنفُسَنا. فالخطيَّة هي دائمًا خَطَأُ شخصٍ آخر. وإنْ رَجَعْتُم مَرَّة أخرى إلى آدمَ وحَوَّاء، ستَجدونَ أنَّ آدَمَ وَجَّهَ اللَّومَ لا إلى حَوَّاء، بل في الحقيقة إلى الله. فقد وَصَفَ حَوَّاء بأنَّها: "المَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي". لِذا فَقَدْ وَجَّهَ اللَّوْمَ لا إلى زوجَتِهِ فقط، بَلْ إلى اللهِ أيضًا. وعادةً، فإنَّ النَّاسَ يحاولونَ أنْ يُبَرِّروا أخطاءَهُم لأنَّهُم يَظُنُّونَ أنَّ لديهم سَبَبًا مُقْنِعًا لذلك. وهُم يُقنِعونَ أنفُسَهم بأنَّهُ لا بأسَ في ذلك لأنَّهم ضَحايا قُوَّةٍ خارجيَّة أوْ مَصْدَرٍ آخر. وفي يومِنا هذا، صِرْنا نُسَمِّي الخطيَّة مَرَضًا، وَنُسَمِّي أنفُسَنا ضَحايا، ونُنكِرُ أنَّنا فَعَلنا يومًا أيَّ شيءٍ خاطئ. فالذِّهنُ البشريُّ لا يتوقَّفُ عنِ الابتكار في مُحاولةٍ لتبريرِ نَفسِه. والتَّفكيرُ المُنْحَرِفُ هو الَّذي يَجعَلُنا نَفعلُ ذلك.

ثالثًا، وباختصار، أنْ نَتغاضَى عَنْ خطايانا. فنحنُ نُحاولُ أنْ نُمَوِّهَ خطايانا بِتَغطيتِها، أو نحاولُ أنْ نُبَرِّرَ أنفُسَنا بأنَّنا ضَحيا، أو أنْ نَتغاضَى عَنْ خطايانا. بعبارة أخرى، قد نُخطِئ في جَهْلٍ مُطْبِق. فنحنُ جُهَّالٌ جِدًّا. ونحنُ لا نَعرِفُ شيئًا عن ناموسِ الله حَتَّى إنَّنا نُخطِئ سَهْوًا. وهذه صِفَةٌ مِنْ صِفاتِنا لأنَّنا خُطاةً. لِذا، يجب علينا أنْ نُصَلِّي كما صَلَّى المُرَنِّمُ: "اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا؟ مِنَ الْخَطَايَا الْمُسْتَتِرَةِ أَبْرِئْنِي". وهذا هو ما قالَهُ داود في المزمور 19. فهناكَ أمورٌ تَحْدُثُ في حياتي ولا أدري حَتَّى عنها. كذلكَ، أَبْرِئْني مِنَ الخطايا المُستَتِرة. فهناكَ أمورٌ نَعلَمُ عنها ونُخَطِّطُ لها بِكُلِّ أَناة. وهناكَ أمورٌ أخرى نَفْعَلُها لِمُجَرَّد أنَّنا خُطاة ساقِطون. فنحنُ، بِطَبيعَتِنا، لَسْنا مُرْهَفي الحِسِّ تُجاهَ خَطايانا. لِذا فقد قالَ يسوعُ إنَّهُ قَبْلَ أنْ تُخْرِجَ القَذى الَّذي في عينِ شخصٍ آخر (في إنجيل مَتَّى والأصحاح 7)، أَخْرِج الخَشَبَة الَّتي في عَيْنِك. فَلِمَ لا تُخْرِج أوَّلا الخشبة الكبيرة الَّتي في عَيْنِك؟

فبمقدورِنا غالبًا أنْ نَرى الخطيَّة في حياةِ الآخرين بصورة أوْضَح جِدًّا مِمَّا نَراها في حياتِنا. والخطيَّة مُخادِعة جِدًّا. فقد نَظُنُّ أحيانًا أنَّهُ لأنَّنا لا نَرى فِعْلَ الخطيَّة، فإنَّنا لسنا بحاجة إلى مُعالجةِ مَواقِفِ الخطيَّة الموجودة في قُلوبِنا. لِذا فإنَّنا [نحنُ البَشَر] ... ونحنُ نَتَحَدَّثُ بصورة عامَّة الآن. فنحنُ البشر لدينا ضمير. والضَّميرُ يُوَبِّخُنا حينَ نُخطئ. وَهُوَ يَخِزُنَا بِحَسَبِ أعلى ناموسٍ مَعروفٍ في قُلوبِنا. وحيثُ إنَّ اللهَ كَتَبَ ناموسَهُ في قُلوبِ النَّاسَ جميعًا، بِمَنْ في ذلكَ الوَثَنِيِّين، فإنَّهم يَعرِفونَ الصَّوابَ والخطأ، وضَميرُهُم يُبَكِّتُهُم ويَجعَلُهُم يَشعرونَ بالذَّنْب. ويجب عليهم أنْ يَتعاملوا معَ ذلك. وكيفَ يَفعلونَ ذلك؟ عادَةً، إنَّهُم يُغَطُّونَ خطاياهُم، أو يُبَرِّرونَها بطريقٍ ما، أو يَتجاهلونَها وَحَسْب لأنَّهم مَشغولونَ جِدًّا في حياتِهم، ولأنَّهم لا يَعرفونَ شيئًا عَمَّا يَقولُهُ اللهُ عنْ خطاياهُم. وحَتَّى لو أنَّهم عَرَفوا عنها في وقتٍ ما في الماضي، مِنَ المُرَجَّحِ أنَّهم قد نَسَوْا منذُ وقتٍ طويلٍ ما كانوا يَعرفونَهُ يومًا. لِذا فإنَّ الخطيَّةَ قد تَستمرُّ في حياةِ النَّاسِ مِنْ دونِ أنْ يَكونوا مُرْهَفي الحِسِّ لها. وقد صَارَ مِنَ الشَّائِعِ في حياتِنا ألَّا نُصَنِّفَ الخطيَّة بأنَّها خطيَّة. وهذه طريقة خطيرة للعَيْش لأنَّ هذا سَيَدينُكَ في النِّهاية. فسوفَ يَقودُكَ ذلك إلى جَهَنَّم في النِّهاية لأنَّكَ تُمَوِّهُ ذاتَ الشَّيءِ الَّذي ينبغي أنْ تَعترِفَ بِهِ لكي تأتي إلى المُخَلِّص. أليسَ كذلك؟ وقد تَحَدَّثنا عن ذلك.

والآن، أَوَدُّ أنْ أَغوصَ أعمق قليلاً في هذا الموضوع لأنَّني قَلِقٌ جِدًّا مِنْ حُدوثِ ذلك في حياتِنا جميعًا. وأودُّ فقط أنْ أَطرحَ بِضعة أسئلة في هذا الصَّباح، وأن أُجيبَ عنها لكي نَتَعَمَّقَ قليلاً في هذا الموضوع. والسُّؤالُ الأوَّلُ هو: ما هي الخطيَّة؟ دَعونا نُكَوِّن فِكرة واضحة عنِ الخطيَّة. فالخطيَّة (بحسبِ الكتابِ المقدَّس) هي (كما جاءَ في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 4) هي التَّعَدِّي على النَّاموس. بعبارة أخرى، فإنَّ الخطيَّة هي أيُّ تَعَدٍّ على شريعةِ الله. وَ"كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضًا" (كما تَقولُ التَّرجمة الأمريكيَّة القياسيَّة الجديدة في نفسِ تلكَ الآية). فالخطيَّة هي التَّعَدِّي. وهي انتهاكُ شَريعةِ الله. فأيُّ تَهاوُنٍ في تَطبيقِ مِعيارِ اللهِ الأدبيِّ الكامِل هو خَطيَّة. والمَطْلَبُ الرَّئيسيُّ لشريعةِ اللهِ هوَ الآتي: ما هي أوَّلُ وَصِيَّة؟ "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ". أليسَ كذلك؟ والثَّانية هي: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ". لِذا فإنَّ الخَطيَّة تَتَلَخَّصُ كُلُّها في التَّعَدِّي على هَاتينِ الوَصِيَّتَيْن. والخَطِيَّة كُلُّها تَتَلَخَّصُ في عَدَمِ مَحَبَّةِ الله. فهذا هو الانتهاكُ الرَّئيسيّ. وقدِ اتَّضَحَ ذلك مِنْ خلالِ ما جاءَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 16 إذْ نَقرأُ أنَّ الرَّبَّ سَيُرسِل الرُّوحَ القُدُسَ وأنَّهُ سَيُبَكِّتُ العَالَمَ عَلَى خَطِيَّة. وما هي أُمُّ كُلِّ خَطِيَّة؟ "لأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي". بعبارة أخرى، فإنَّ هذه طريقة أُخرى لِلتَّعبيرِ عن عَدَمِ مَحَبَّتِهم للرَّبّ بأنْ لا يُحِبُّوا الرَّبَّ يَسوعَ المسيح. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 16: 22: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ فَلْيَكُنْ مَلْعُونًا".

لِذا فإنَّ الخطيَّة العُظمى، أوِ الخَطِيَّة الكُبرى، أوْ خُلاصَةَ الخَطِيَّة بِمُجْمَلِها هي: عَدَم مَحَبَّة الله، وَعَدَم مَحَبَّة المسيح. فهذا هو ما يُلَخِّصُ الخَطِيَّةَ بأسرِها. وهذا هو ما يُلَخِّصُ طَبيعَتَنا الخاطئة. وَنَقرأُ مَرَّةً أُخرى: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ..." [بِحَسَب رسالة رُومية 8: 7] "...هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ". لِذا، فإنَّ الإنسانَ الَّذي لم يَخْتَبِرِ التَّجديدَ لا يَستطيعُ أنْ يَحْفَظَ نَاموسَ اللهِ. لِذا فإنَّهُ يَقترفُ الخطيَّة تِلْو الخطيَّة، تِلْوَ الخطيَّة، تِلْوَ الخطيَّة. والخطيَّة المَحْتومة الَّتي تَقودُ إلى الخطايا الأخرى هي: عَدَمُ مَحَبَّةِ اللهِ، وعدَمُ مَحَبَّة المسيح. وَهُناكَ أيضًا حُبُّ الذَّاتِ الَّذي يَقودُ إلى الكِبْرياء. فَكراهِيَّتُنا الطبيعيَّة للنَّاموسِ كبيرة جِدًّا حَتَّى أنَّ مَعْرِفَتَنا بِمَطاليبِ النَّاموسِ لا تَفْعَلُ أيَّ شيءٍ سِوى أنَّها تُحَرِّضُنا على المَزيدِ مِنَ العِصيان. استمعوا إلى ما كَتَبَهُ بولُس: "لأَنَّهُ لَمَّا كُنَّا فِي الْجَسَدِ كَانَتْ أَهْوَاءُ الْخَطَايَا الَّتِي بِالنَّامُوسِ تَعْمَلُ فِي أَعْضَائِنَا. ... بَلْ لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوسِ. فَإِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ الشَّهْوَةَ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّامُوسُ: «لاَ تَشْتَهِ». وَلكِنَّ الْخَطِيَّةَ وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ أَنْشَأَتْ فِيَّ كُلَّ شَهْوَةٍ" (رُومية 7: 5-7). فبولُس يقول: لقد قَرأتُ عنِ الخطيَّة، وَعَرَفْتُ ما هي. ثُمَّ إنَّني رأيتُ نَفسي أفعَلُها. فَعِوَضًا عن أنْ يُساعِدَني ناموسُ اللهِ على إلْحاقِ الهزيمةِ بالخطيَّة، أَثارَ ناموسُ اللهِ الخطيَّة. فَكُلَّما زادت مَعرفتي عنِ الخطايا، زادَتِ الأشياءُ الَّتي يَرْغَبُ قلبي في القِيامِ بها.

وَهَذا هُوَ وَلَعُ الخاطئِ بالخطيَّة. فَكُلَّما عَرَفَ المزيدَ عن ناموسِ اللهِ، زادَ اقترافُهُ للخطيَّة. فالنَّاموسُ لَنْ يُساعِدَهُ. فالنَّاموسُ يُثيرُ الخَطيَّةَ وَحَسْب. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ في رسالة رُومية 1: 32 [وأعتقد أنَّ هذا يُلَخِّصُ ذلك]: "الَّذِينَ إِذْ عَرَفُوا حُكْمَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هذِهِ يَسْتَوْجِبُونَ الْمَوْتَ، لاَ يَفْعَلُونَهَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يُسَرُّونَ بِالَّذِينَ يَعْمَلُونَ". فَهُمْ يَعرِفونَ شريعةَ اللهِ، ويَعرفونَ أنَّ الخطيَّةَ تَقودُ إلى الموت؛ ولكنَّهُم يَقترِفونَها بأيِّ حال. وَهُمْ يُصَفِّقونَ للآخرينَ الَّذينَ يَفعلونَها أيضًا. وهذا عَجيب!

والآن، إنَّ مُجْتَمَعَنا بِأسرِه اليوم يَعْكِسُ هذا الوَلَعَ بالخطيَّة. فنحنُ نَعيشُ في مُجْتَمَعٍ صَارَت فيها الأهواءُ مَشروعة. ففي بعضِ الثَّقافاتِ، إنَّها ليست مَشروعة. لِذا، هُناكَ قُيودٌ اجتماعيَّةٌ عليها. ولكِنَّ هذا لا يَسْري علينا. فَثَقافَتُنا بأسرِها تَعْكِسُ هذهِ المَحَبَّة الشَّغوفة للخطيَّة. ولا يبدو أنَّ أحدًا يُريدُ أنْ يُوْقِفَ ذلك. وليسَ هُناكَ مَكانٌ يَظْهَرُ فيهِ ذلكَ بوضوحٍ أكبر مِنْ وسائلِ الإعلام. فقد صارت وسائلُ الإعلامِ هي النَّاطِقُ الرَّسْمِيُّ بِلِسانِ أَحَطِّ خَطايا البَشَر. ولا يوجد مَكانٌ يَعْرِضُ ذلكَ بصورة شِرِّيرة أكثر مِنْ مَحَطَّة "إمْ.تي.في" (MTV). فمحطَّة "إمْ.تي.في"، وَهُوَ اختصارٌ لاسمِها: "المحطَّة التِّلِفزيونيَّة الموسيقيَّة" (Music TV) تَبُثُّ، مِنْ دُوْنِ تَوَقُّف، صُورًا عنِ الجِنْسِ والمُخَدِّراتِ والعُنف. مِنْ دونِ تَوَقُّف. فَبرامِجُها مُصَمَّمَة خِصِّيصًا لإثارةِ شَهْوَةِ العُيون، وشَهوةِ الجَسد، وَتَعَظُّم المعيشة. فلا يوجد لها هَدَفٌ آخر. فَهِيَ لا تُشَجِّعُ على أيِّ فَضائِل، ولا تَهْدِفُ إلى تَحسينِ أخلاقِ النَّاسِ، ولا إلى جَعْلِهم صَالِحين، ولا إلى جَعْلِهِم يُفَكِّرونَ بِعُمْق. وهي لا تَهْدِفُ إلى تَعليمِهم، ولا تَهْدِفُ إلى تَثقيفِهم؛ بل إنَّها تَرمي إلى إطلاقِ الجِماحِ لِشَهَواتِهم. فهذا هو كُلُّ مَا تَرْمي إليه. وهذا هو كُلُّ القَصْدِ مِنها.

وأكثرُ بَرنامَجٍ يُشاهِدُهُ النَّاسُ على مَحَطَّة "إمْ.تي.في" هو مُسَلْسَلٌ كَرتونِيٌّ يَعْرِضُ شَخصان يَعيشان حياتِهُما بأسرِها في مُشاهدةِ الموسيقا التَّصويريَّة، وَيَضْرِبانِ عُرْضَ الحائِطِ بِكُلِّ مَعاييرِ القداسة والأخلاق. فقد قامَ "بيفيس" (Beavis) وصَديقُهُ الَّذي لا يَليقُ بِنا أنْ نَذكُرَ اسْمَهُ عَلَنًا، ولكنَّهُ مَعروفٌ لكم، قَامَا حَرفيًّا بِسَبْرِ أغْوارِ العَدَمِيَّة الأخلاقيَّة على التِّلفزيون. فاللُّغةُ، والصُّورُ الَّتي تَعْرِضُها هذهِ البرامج مُسيئة بِشَكْلٍ مَقصود. وهي شِرِّيرة عَمْدًا. وهي مُعادية للأخلاق، ومُعادية للمسيحيَّة، ولا يَليقُ بي حَتَّى أنْ أَتَحَدَّثَ عنها في خِدمةِ العِبادة.

وبالرَّغمِ مِن هذا الواقِعِ الصَّادِمِ لمحطَّة "إمْ.تي.في"، الَّتي هي حُثالة وبَالوعة الصِّناعة الإعلاميَّة، قامت محطَّة "إمْ.تي.في" مؤخَّرًا بِتقديمِ بَرنامَجٍ خاصٍّ عن لاهوتِ الخطيَّة. وأنا لم أُشاهِد ذلكَ على محطَّة "إمْ.تي.في". وأنا أريدُ أنْ يكونَ هذا واضحًا. فأنا لا أَسْتَقْبِلُ هذهِ المحطَّة على تِلفزيوني. ولكنِّي شاهدتُها على محطَّة "بي.بي.إس" (PBS “Public Broadcast System”) حيثُ تَمَّتْ إعادةُ تلكَ الحَلْقة على هذه القَناة. وقد تَفاجأتُ حينَ رأيتُ أنَّ محطَّة "إمْ.تي.في" تَعترِف حَتَّى بفكرة الخطيَّة، فما بالُكُم بأنْ تُقَدِّمَ برنامَجًا خاصًّا عنها. لِذا، فقد دَفَعَني الفُضولُ إلى مُشاهَدَتِهِ.

وقد شاهدتُ شَريطًا مُسَجَّلاً لهذا البرنامج. وقد كانَ كما تَوَقْعتُهُ تمامًا: نَظرة إنسانيَّة مَحْضَة تُصَوِّرُ الخطيَّة كشيءٍ ليسَ شِرِّيرًا، بل تُعيدُ تَعريفَها. وهناكَ سُلوكيَّاتٌ قالوا إنَّهُ لا يُنْصَحُ بها. وما أعنيه هو أنَّهم قالوا إنَّ بعضَ الأشياء هَوْجاء، أوْ إنَّهُ ليسَ مِنَ اللُّطْفِ أنْ نَقومَ ببعضِ الأشياء. ولكِنْ لا يوجد شيءٌ شِرِّيرٍ في ذاتِهِ (في نَظَرِهم)، ولا يوجد شيءٌ يُهينُ اللهَ لأنَّهُم لا يُؤمِنونَ بوجودِ الله.

وفِكرةُ المُسلسَل قائمة على الخطايا السَّبْع المُميتة. وإنْ كانَ لدى أيٍّ منكم فِكرة عنِ الكاثوليكيَّة، رُبَّما سَمِعتُم أُناسًا يَتحدَّثونَ عنِ الخطايا السَّبْع المُميتة. وهي ليست مَذكورة هكذا في الكتابِ المقدَّس. ولكنْ في العُصورِ الوُسطى، وَضَعَ بعضُ لاهوتيّي العُصورِ الوسطى لائحةً بما يَظُنُّونَ أنَّهُ الخطايا السَّبع المُميتة. وهي لائحة مألوفة نوعًا ما. وهذه الخطايا هي: الغُرور، والجَشَع، والشَّهوة، والغضب، والحسد، والشَّراهة، والخُمول (أوِ الكَسل). وهي ليست لائحة كِتابيَّة، بل هي لائحة كلاسيكيَّة مِنَ المُرَجَّحِ أنَّ بعضَ اللَّاهوتيِّينَ في العُصورِ الوُسطى وَضعوها. والغايةُ مِنها ليسَ أنْ تَذْكُرَ كُلَّ خَطِيَّة، بل أنْ تُشيرَ إلى المواقفِ الكامِنَة وراءَ كُلِّ خطيَّة. وسوفَ تُلاحظونَ أنَّ هذهِ الخطايا السَّبع، الَّتي تُدعى "الخطايا السَّبع المُميتة" هي ليست أفعالاً، بل هي مواقِف. فالغُرور، والجَشَع، والشَّهوة، والغضب، والحسد، والشَّراهة والكسل قد تَقودُ إلى بعضِ الكلماتِ وبعضِ الأفعال، ولكنَّها كانت في نَظَرِ هؤلاءِ اللَّاهوتِيِّينَ الأشياءَ الَّتي تَكْمُنُ وراءَ السُّلوكيَّاتِ البشريَّة الخاطئة.

والآن، على محطَّة "إمْ.تي.في"، تَمَّ عَرْضُ الخطايا السَّبْع المُميتة بِشَتَّى الطُّرُق، ولكِنْ ليسَ باعتبارِها مُميتة. والحقيقة هي أنَّ كُلَّ ما فَعلوه هو أنَّهم أخذوا بعضَ الأصواتِ مِن شخصيَّاتٍ كرتونيَّة، وأجزاء مِن أفلامٍ مَعروفة جيِّدًا، ومُقابلاتٍ معَ بعضِ المشاهير، وبعض مُغَنِّي الرُّوك المشهورين، ومُغَنِّي الرَّاب (rappers)، ومُقابلاتٍ مع أشخاصٍ في السُّوقِ التِّجاريّ. وقد تَمَّتْ مَنْتَجَةُ ذلكَ كُلِّه لِوَضْعِ تَعليقٍ على هذهِ الخطايا. وإليكم الرُّدودُ الشَّائعة الَّتي عَرَضوها: فقد قالت "المَلِكة لَطيفة" (Queen Latifah)، وهي مُغَنِّية راب: "الغُرور خَطِيَّة؟ لم أَكُن أَعلمُ ذلك". وقد وافَقَتْها المُمَثِّلة "كيرستي آلي" (Kirstie Alley) الرَّأيَ فقالت: "لا أعتقد أنَّ الغُرور خطيَّة. بل أعتقد أنَّ بعضَ الحَمْقى ابْتَدَعوا ذلك". وقالَ أَحَدُ مُغَنِّي الرُّوك مِنْ فِرقة "إيروسميث" (Aerosmith): "الشَّهوة هي ما أعيشُ لأجله. وهي الشَّيءُ الَّذي انْضَمَمْتُ إلى الفِرقة لأجله. لأجلِ الفتياتِ في الصَّفِّ الأماميّ". وقالَ مُغَنِّي الرَّاب "آيس-تي" (Ice-T) عنِ الغضب: "إنَّهُ ضَروريّ. فيجب عليكَ أنْ تُطْلِقَ هذا التَّوَتُّر لأنَّ الحياةَ تَجْلِبُ التَّوتُّر. ونحنُ نُطْلِق غَضَبَنا حينَ نُسَجِّل الأغاني. فعندما سَجَّلْنا أُغنية ’قاتِل الشُّرطة‘ [Cop Killer]، كُنَّا غاضِبين. وقد غَضِبَ رِجالُ الشُّرطة بالمُقابِل". وقالَ المُمَثِّل "مايكل دوغلاس" (Michael Douglas) في فِيْلمٍ بعُنوان "وول ستريت" (Wall Street): "الجَشَعُ جَيِّدٌ".

ولا شَكَّ أنَّ هذا كُلَّهُ رافَقَهُ تَعريفٌ مَعكوسٌ تمامًا للخطيَّة؛ وهو أمرٌ لا بُدَّ مِنْهُ في عِلْمِ نَفْسِ الفَنِّ الشَّعبيِّ لكي يُدافِعوا عن وُجْهاتِ نَظَرِهم. وقد كانَ الدِّفاعُ دائمًا يُرَكِّزُ على الحِفاظِ على تقديرِ الذَّات. فَعِلمُ النَّفسِ يَقول إنَّنا لا نستطيع أنْ نُصَنِّفَ النَّاسَ كَخُطاة لأنَّ هذا سَيُحَطِّمُ تَقديرَهم لِذواتِهم. وقد قالَ "آيس-تي" (Ice-T): "الكِبرياءُ أمرٌ ضَروريّ. وهذه واحدة مِن مشاكلِ المدينةِ الدَّاخليَّة إذْ إنَّ الشَّبابَ ليسَ لديهم كبرياءٌ كَافية. وقد انْضَمَمْتُ إلى عِصابة بسببِ الكبرياء". ويا لَها مِن صُورة مُشَوَّهة!

وقد كَتَبَ "جون ليو" (John Leo) مَقالَةً بهذا الخُصوص في مَجَلَّة "يو.إس. نيوز آند وورلد ريبورت" (U.S. News and World Report) وَلَخَّصَ نَكْهَةَ البَرنامَج. وقد قرأتُ تلكَ المقالة ووجدتُ أنَّها مُدهشٌ جِدًّا. اسمعوا ما يقول: "عِوَضًا عن لُغَة الاعتدال وضَبْطِ النَّفس، يبدو أنَّ كُلَّ شخصٍ يَتحَدَّثُ لُغَةً مُعالَجَةً قائمةً على المشاعرِ وتقديرِ الذَّات. فالكبرياءُ ليست خطيَّة. فينبغي أنْ تَكونَ مَزْهُوًّا بنفسِك. والحَسَدُ يَجعلُكَ تَشعُر بمشاعِر سَيِّئة تُجاهَ نفسِك. وعندما تُمارِسِ الجِنْسَ مَعَ امرأةٍ (كما يَقولُ أحدُ مُغَنِّي الرُّوك) فإنَّها تَجْعَلُكَ تَشعُر بمشاعر جَيِّدة تُجاهَ نفسِك. ولكنِّي لا أَدري إنْ كانَ ذلكَ سيُخَلِّصُكَ في النِّهاية. وَحَتَّى إنَّ جِنْسيًّا مِثْلِيًّا بَلْطَجِيًّا راحَ يَتحدَّثُ عن نفسِهِ قائلاً: ’لقد كانَ غُفراني لنفسي أكبرَ تَحَدٍّ في حياتي‘". وهو يَكْتُبُ قائلاً: "هناكَ شُعورٌ مُبْهَمٌ بأنَّ الخطيَّة، إنْ كانت موجودة أصلاً، هي مُشكلة تَختصُّ بِعِلْمِ النَّفْس. ويُخْبِرُنا الرَّاوي "كورت لودر" (Kurt Loder) في بدايةِ البَرنامَج أنَّنا نَتعامَلُ مَعَ أفْعالٍ قَسْرِيَّة. وهو يقول: ’الخطايا السَّبعُ المُميتة هي ليست أفعالاً شِرِّيرة، بل هي بالحَرِيِّ تَصَرُّفات بشريَّة قَسْرِيَّة قد تكونُ مُزْعِجَةً، ولكنَّها مُمتعة جِدًّا‘.

ثُمَّ إنَّ الحديثَ عنِ الشَّراهة يَتَقَهْقَرُ سريعًا ويَصيرُ مُجَرَّدَ لَغْوٍ عنِ الإدمان. فهكذا تُناقَشُ كُلُّ العاداتِ والأمورُ الَّتي يَتَعَلَّقُ بها النَّاسُ. وهكذا ظَهَرَتِ العلاجاتُ السَّائدة وَتَرَعْرَعُ جِيْلُ الـ "إم.تي.في" عليها. وقد قالَ أحدُ الأشخاصِ عنِ الشَّراهة: ’أنا مُدْمِنٌ على صَديقَتي‘. وقالَ شخصٌ آخر إنَّ بَرنامَجَ الخُطْواتِ الاثتنا عَشرةَ في العِلاجِ الذَّاتيِّ هو هِبَة مِنَ اللهِ للقرن الحادي والعشرين. وَهُوَ يَسْتَرْجِعُ تاريخَ الفَوضَى والتَّشويش".

وبالمُناسبة، فإنَّ البَلْطَجِيَّ الشَّاذّ جنسيًّا الَّذي تَابَ والذي تَمَّتِ الإشارةُ إليهِ في تلكَ المقالة كانَ شابًّا قَتَلَ شخصًا شاذًّا جنسيًّا، ثُمَّ إنَّهُ يَصِفُ مَشاعِرَ النَّدَمِ لديه. وهو يَتساءَلُ إنْ كانَ سيَنالُ الغُفرانَ يَوْمًا. لِذا فقد ذَهَبَ إلى أحدِ الخُدَّامِ [المُلْحَقينَ بِالسِّجْنِ الَّذي كانَ مَسجونًا فيه، على ما أَظُنّ]، فقالَ لَهُ ذلكَ الخادِم إنَّ الغُفرانَ مُتاحٌ؛ ولكِنَّ الطريقة الوحيدة الَّتي يمكنه مِن خلالها أن يَعْلَمَ أنَّهُ حَصَلَ على الغُفران هي أنْ يَشْعُرَ يومًا بذلك. لِذا فإنَّهُ يَعيشُ كُلَّ يومٍ على أَمَلِ أنْ يَشعُر بالغُفران. وكَمْ هذا مُحْزِن!

إنَّ الخطيَّة، بحسب وُجهة نَظَر مَحَطَّة "إمْ.تي.في"، لا تَستَنِد على مَعايير أخلاقيَّة مُطْلَقة، بل هي مَسألة تتوقَّف على ما يُفَضِّلُهُ كُلُّ شخص على حِدَة. بعبارة أخرى، ما تُمَثِّلُهُ الخطيَّة لي قد لا يكونُ ما تُمَثِّلُهُ الخطيَّةُ لَك. ويُخْتَمُ برنامج محطَّة "إمْ.تي.في" بالدَّعوة إلى التَّسامِحُ في كُلِّ العالم. اسمعوا هذا: إنَّ الخطرَ الحقيقيَّ للخطيَّة، بحسب وُجهة نظر محطَّة "إمْ.تي.في" هو أيُّ شيءٍ يُؤذي الأنا لَديك. فهذه خطيَّة. ولا توجد خطيَّة أسوأ، اسمعوا ما يَقولون: لا توجد خطيَّة أسوأ مِن الموقفِ المُفْسِدِ للبَهْجَة الَّذي يَتَبَنَّاهُ الأشخاصُ الَّذينَ يَعتقدونَ أنَّ الخطيَّة هي مِعيارٌ مُطْلَقٌ يُهينُ اللهَ القُدُّوس. فَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّ هذه هي أسوأُ خَطِيَّة.

وهذا يُرينا المُستوى المُتَدَهوِرَ الَّذي وَصَلَت إليهِ الثَّقافة. والبرنامَجُ بأسرِه، وكُلُّ هذا الدِّفاعِ عنِ الخطيَّة يُذَكِّرُني بأنَّنا نَعيشُ في ثقافة أَسْلَمَها اللهُ لِشَهواتِها الشِّرِّيرة. فالنَّاسُ يُحِبُّونَ خَطاياهُم، وَهُمْ مُستعِدُّونَ لِفِعْلِ أيِّ شيءٍ لتبريرِها وتَحقيقِها. وطالَما أنَّهُم يَفعلونَ ذلك، فإنَّهم يَلعَنونَ أنفُسَهم. أليسَ كذلك؟ لأنَّكَ إنْ لم تُحَدِّد المَرَض بِدِقَّة، لا يُمْكِنُكَ أنْ تَصِلَ إلى العِلاجِ الصَّحيح. فلا يمكنكَ أنْ تَحصُلَ على الخلاصِ ما لم تَفهم الخطيَّة. وَمِنَ الواضحِ، إذًا، أنَّ هذا النَّوعَ مِنَ التفكير مُهْلِكٌ ويَدينُ أولئكَ المَخدوعينَ بِهِ. ولَكِنَّنا لا نُجاوِبُ الصَّوابَ إنْ قُلنا أيضًا، وهذه هي النُّقطة الَّتي أريدُ أنْ أتحدَّثَ عنها الآن...فالوقتُ المُتَبَقِّي قَصيرٌ...

إنَّ هذا النَّمَطَ مِنَ التَّفكير...وَهذا أَمرٌ يُقلِقُني...إنَّ هذا النَّمَطَ مِنَ التَّفكير قد غَزا تَفكيرَ المَسيحيِّين. أجل. فالمسيحيُّونَ هُمْ ضَحايا لإعادةِ تَعريفِ المُجتمعِ للسُّلوكِ الإنسانيّ. والكنائسُ ضَحِيَّة أيضًا. فالكنائسُ لم تَكُن في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ تَتَهاوَنُ في مَسألةِ الزِّنى، والإباحيَّة، والجنسيَّة المِثليَّة، والكَذِب، والغِشّ، وأيِّ شيءٍ مِنْ هذهِ الأشياء؛ ولكنَّها صارَت مُتهاوِنَةً فيها الآن. والكنائسُ الَّتي كانت مُستعدَّة للتَّصَدِّي للخطيَّة لا تُريدُ أنْ تَتَصَدَّى لها الآن. فقد انْجَرَفنا وراءَ اللُّعبةِ النَّفسيَّة القائمة على تَقديرِ الذَّاتِ وبِناءِ الأنا. وهذا أمرٌ يَسري على جَميعِ الحَرَكاتِ في الكنيسة المسيحيَّة. صحيحٌ أنَّ هذا غير موجود في كُلِّ كنيسة، ولكِنْ مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ المُوْضَة السَّائدة. وإنِ انْتَقَدْتَ ذلك، فإنَّكَ تَصيرُ مَلعونًا. فقد سَمَحْنا للعالَمِ أنْ يُعيدَ تَعريفَ ناموسِ اللهِ الأدبيِّ، وحَتَّى أنْ يُعيدَ تَعريفَ طَبيعةِ اللهِ إذْ جَعَلْناهُ أكثرَ تَسامُحًا مَعَ الخَطِيَّة مِمَّا هُوَ عليه.

لِذا فإنَّ اللَّهْجَ الدَّائمَ في كلمةِ اللهِ ضَروريٌّ. وأنا أقولُ لكم، يا أحبَّائي، إنَّهُ في وقتٍ كهذا، فإنَّ ما تَحتاجُ إليهِ الكنائسُ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر هو الالتزامُ الدَّائِمُ بمِعيارِ اللهِ المُقَدَّس. ولكِنْ عِوَضًا عنِ القيامِ بذلك، فإنَّهم يَزْرَعونَ كَنائِسَ مُذْعِنَة لعقليَّة الـ "إم.تي.في" وَتُقَدِّم للنَّاسِ ذاتَ المُحتوى. وهذا أمرٌ لا يَستطيعُ عَقلي أنْ يَستوعِبَهُ. فيجب أن تكونَ هناكَ مَشاعِر استياء كبيرة مُتزايِدة ضِدَّ هذا لكي تُطيحَ حَرفيًّا بهذا النَّوعِ مِنَ الكنائسِ الَّتي تُساوِم على الحَقّ. وما أعنيه هو أنَّهُ يجب علينا أنْ نَغْضَبَ جِدًّا بسبب هذا الإذعان حَتَّى نَقومَ بثورة روحيَّة. وما أعنيه هو أنَّني أندهِش أنَّهُ في وقتٍ صارت فيهِ الثَّقافة تَتَبَنَّى مَعايير الـ "إم.تي.في"، فإنَّ بعضَ الكنائسِ تُحاولُ أنْ تَتَبَنَّى تلكَ الثَّقافة. وهذا أمرٌ لا يُصَدَّق!

مِن جهة أخرى، إنَّ ما يحتاجُ إليهِ النَّاس بِشِدَّة هو الاستماعُ الدَّائمُ إلى كلمةِ اللهِ لأنَّها الشَّيءُ الوحيدُ [اسمعوا هذا:] لأنَّها الشَّيءُ الوحيدُ الَّذي سيُحافِظُ على رَهَافَةِ حِسِّكَ تُجاهَ المعاييرِ الأدبيَّة الإلهيَّة أسبوعًا تِلْوَ الآخر تِلْوَ الآخر في وَقْتٍ تَتَعَرَّضُ فيهِ لِكُلِّ هذهِ الأشياءِ الأخرى. ومعَ أنَّنا في حاجَةٍ مَاسَّةٍ إلى الحِفاظِ على رَهَافَةِ الحِسِّ تُجاهَ مِعْيارِ اللهِ، والحِفاظِ على القداسةِ الحقيقيَّةِ والطَّهارةِ الحقيقيَّةِ، فإنَّ بعضَ الكنائسِ تَتَخَلَّى عن ذلكَ في سَبيلِ تَسلِيَةِ رَعِيَّتِها. ويا لَهُ مِنْ زَمَنٍ عَجيبٍ نَعيشُ فيه!

والآن، أَوَدُّ أنْ أَطرَحَ سؤالً ثانيًا. وسوفَ نَرى إلى أيِّ مَدىً يُمْكِنُنا أنْ نَمْضي. ما هي الخطيَّة الأكثرُ خَطَرًا؟ فنحنُ نَعرِفُ ما هي الخطيَّة. فهي أيُّ تَعَدٍّ على ناموسِ اللهِ. ونحنُ لن نَكونَ مُرْهَفي الحِسِّ للخطيَّة ما لم نَبْقَ على الدَّوامِ مُرْهَفي الحِسِّ لناموسِ الله. وهذا يَتَحَقَّقُ مِنْ خلالِ تَعليمِ الكلمة لأنَّ الثَّقافية تُغْرِقُ النَّاسَ، بِمَنْ في ذلكَ المَسيحيِّينَ، في هذهِ الأخلاقيَّاتِ الجديدة، وفي هذا التَّفسيرِ النَّفسيِّ الجديدِ للإثم، وفي هذهِ النُّفاية الجديدة تَحْتَ شِعارِ تَقديرِ الذَّاتِ والحاجة إلى بِناءِ الأنا خَاصَّتِك. فنحنُ لن نَعرِفَ ما هي الخطيَّة إلَّا عندما نَسْمَع دائمًا كلمةَ اللهِ. وأعتقد أنَّ هذا ينبغي أنْ يَحدُثُ طَوالَ الوقت. فهذا ليسَ وقتًا مُناسبًا لتقديم عِظات قصيرة مُمْتِعَة، بل هو وقتٌ مُناسِبٌ لتقديمِ عِظاتٍ طويلة قويَّة. فالحِفاظُ على الحياةِ الطَّاهرةِ هُوَ تَحَدٍّ كبير جِدًّا في هذا الوقت. ويجب علينا أنْ نَسمَعَ كلمةَ الله.

ولكِنْ لِنَتَعَمَّق أكثر قليلاً. فما هي أخطر خَطيَّة؟ ما هي الخطيَّة الأكثر خَطَرًا؟ سوفَ أُجيبُكُم عن هذا السُّؤال. فقد كانَ لاهوتيُّو العُصورِ الوُسطى يَعرفونَ الجوابَ الصَّحيح. إنَّها خطايا الذِّهْن. إنَّها خطايا الذِّهْن. وقد قالَ يسوعُ ذلك: "فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ". وأيضًا: "لأَنْ مِنَ الْقَلْب تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ". والتَّحَدِّي الحقيقيّ في حياتِنا، يا أحبَّائي، هو أنْ نُحافِظَ على طَهارَةِ أذهانِنا. وهذا تَحَدٍّ صَعبٌ جدًّا. وأعتقد أنَّ الطريقة الوحيدة للقيامِ بذلك هي أنْ نَجْلِسَ دائمًا عندَ قَدَمَيْ كلمةِ اللهِ وأنْ نَسْمَحَ لها أنْ تُقْنِعَنا بذلك. والحقيقة هي أنَّ الخطايا السَّبْع المُميتة الَّتي ذَكَرَها لاهوتُ العُصورُ الوُسطى ليست سُلوكيَّات على الإطلاق، بل هي خطايا نابِعَة مِنَ الذِّهْن...كُلُّها. ولا توجد خطيَّة أكثر هَدْمًا للضَّمير مِنَ الخطيَّةِ الَّتي تَحدُثُ في إطارِ الذِّهْن. فَخَطايا الذِّهْنِ تُهاجِمُ الضَّميرَ بطريقة أشرَس مِنَ الخطايا الأخرى لأنَّ الضَّميرَ [اسمعوا ما سأقول:] لأنَّ الضَّميرَ هو الرَّادِعُ الوحيد لها.

فالصَّديقُ المُؤمِنُ قد يكونُ رَادِعًا لخطيَّةِ اللِّسان. أليسَ كذلك؟ فسوفَ تُراقِبُ ما تَقول إنْ كُنتَ بِرفقة مُؤمِنٍ آخر. أليسَ هذا صحيحًا؟ فالمُؤمِنُ، سَواءٌ كانَ صديقًا، أَمْ زوجًا، أوْ زَوجةً، أم وَلَدًا، سَيَكْبَحُ خطايا الفِعْل. ولكِنَّ الرَّادِعَ الوَحيدَ الموجودَ في حياتِكَ بِأسرِها والقادِر أنْ يَكْبَحَ خطايا الذِّهْن هو ماذا؟ ضَميرُك. ويجب عليكَ أنْ تُغَذِّي ذِهْنَكَ بِكلمةِ اللهِ دائمًا لكي يَعْمَلَ ضَميرُكَ بِطاقَتِهِ القُصوى. فيجب أنْ يكونَ ضَميرُكَ مُرْهَفَ الحِسِّ جِدًّا لخطايا الذِّهْن لكي تَتَمَتَّعَ بالشَّيءِ الَّذي كانَ بولسُ يَتَمَتَّعُ بهِ حينَ قالَ: "لأَنَّ فَخْرَنَا هُوَ هذَا: شَهَادَةُ ضَمِيرِنَا الصَّالِح". فيجب عليكَ أنْ تُعالِج خَطايا الذِّهْن. فأنتَ واللهُ الشَّخصانِ الوحيدانِ اللَّذانِ يَعرِفانِ عنها. فنحنُ نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 2: 11: "لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟" مَنْ يَعْرِف؟ لا أحدَ يَعرِف ذلك سِواكَ أنتَ، مِنْ خِلالِ رُوْحِكَ.

فالكثيرُ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ لا يَفعلونَ أعمالاً شِرِّيرةً هُمْ، رُغْمَ ذلك، شِرِّيرونَ في أفكارِهم. صَحيحٌ أنَّهم قد لا يَفعلونَ أُمورًا شِرِّيرةً لأنَّ هُناكَ رِفاقًا يُراقِبونَهُم، ولأنَّ هُناكَ أسبابًا تُرْغِمُهُم على عدمِ القيامِ بذلك؛ ولكنَّهُم مُنْغَمِسونَ جِدًّا في اقْتِرافِ الشَّرِّ في أذهانِهم. فعلى سبيلِ المِثالِ، إنَّ الشَّخصَ الَّذي يَمْتَنِعُ عنِ الزِّنى بسببِ الخوفِ مِنْ أنْ يُقْبَضَ عليهِ قد يُقْنِع نَفسَهُ أنَّهُ لا بأسَ في الانغماسِ ذِهْنِيًّا في تَخَيُّلاتٍ إباحيَّة لأنَّهُ يَظُنُّ أنَّهُ لن يكونَ هُناكَ مَنْ سَيَكتَشِف هذهِ الخطيَّة السِّريَّة. والحقيقة هي أنَّ الخطيَّةَ الَّتي يَرْعاها عَمْدًا في ذِهْنِهِ قد تكونُ أَشَرّ ألفَ مَرَّة مِنْ أيِّ شيءٍ قد يُفَكِّرُ في القيامِ بِهِ أمامَ الآخرين. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّ شُعورَهُ بالذَّنْب سيكونُ مُماثِلاً أمامَ اللهِ كما لو أنَّهُ فَعَلَ تلكَ الخطيَّة. لِذا فإنَّ ضَميرَهُ يُبَكِّتُهُ جِدًّا ويَكونُ مُعَذَّبًا جِدًّا. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الانغماسَ في خطايا الذِّهْنِ، والانغماسَ في هذا النَّوعِ مِنَ الأمورِ يُؤذي ضَميرَكَ مُباشرةً. وهذا سيؤدِّي إلى شُعورٍ دائمٍ بالذَّنْب، وغِيابِ الفرح. فالأشخاصُ الذينَ يَفتكرونَ بأفكارٍ نَجِسَة، لا يُمْكِنُهم أنْ يَتمتَّعوا بضميرٍ طَاهِر. فالشُّعورُ بالذَّنْبِ مُتَأصِّلٌ في الأفكارِ الشِّرِّيرة. وعندما تَتَنَجَّسُ الأفكار، فإنَّ الضَّميرَ يَتَنَجَّس حالاً. وحينئذٍ فإنَّ الضَّميرَ يَصْرُخُ. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ لِتيطُس في الأصحاحِ الأوَّل والعدد 15: "كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِرًا، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ". فعندما يَتَنَجَّسُ الذِّهْن، فإنَّ الضَّميرَ يَتَنَجَّس. ولا يوجد شيء يُدَمِّر الضَّمير أكثرَ مِنْ عادَةِ الانغماسِ في الأفكارِ الشِّرِّيرة. وللأسف، حالَما تَبتدئ في مُمارسةِ ذلك، فإنَّ الأمرَ يَصيرُ سَهْلاً جدًّا.

وبالمُناسبة، هذه خطيَّة لا تَحتاجُ إلى أيِّ فُرصة سَانِحَة. فهل لاحَظْتُم ذلك؟ فهي لا تَحْتاجُ إلى أيِّ شخصٍ، أو أيِّ شيء، أو أيِّ مَكانٍ مُحَدَّد. فخطايا الذِّهْن يمكن أنْ تُقْتَرَف في أيِّ زَمان، وأيِّ مكان، وفي أيِّ ظُروف. لِذا، عندما تَبتدئُ في رِعاية خَطايا الذِّهْن، فإنَّكَ تَضَعُ نَفسَكَ في مَوقِفٍ مُرْعِبٍ لأنَّكَ لا تَستطيعُ الفَكاكَ مِنْه. فهناكَ خَطايا يُمكِنُكَ أنْ تَهْرُبَ مِنها؛ ولكِنْ ليسَ خَطايا الذِّهْن.

لِذا، فإنَّها مُدَمِّرة أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر. فقد تَظُنُّ أنَّهُ لا بأسَ في ذلك لأنَّها ليست خطايا خارجيَّة، ولأنَّ الجَميعَ يَعتقدونَ أنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام. والحقيقةُ هي أنَّها أسوأ في الدَّاخِل لأنَّهُ لا يُمْكِن للآخرينَ أنْ يَرَوْها. لِذا فإنَّها تُنْتِجُ إثْمًا اعْتياديًّا مِنْ خلالِ تَوْريطِ الذِّهْنِ، والعواطِفِ، والرَّغْباتِ، والذَّاكرةِ، والمُخَيِّلَة. إنَّها خطايا الفِكْر. فأنتَ سَتُبَرْمِجُ نَفْسَكَ على عاداتٍ خاطئةٍ تَتَوالى تِباعًا. فإنْ زَرَعْتَ فِكْرَةً، حَصَدْتَ عَمَلاً. وإنْ زَرَعْتً عَمَلاً، حَصَدْتَ عَادَةً. وإنْ زَرَعْتَ عادَةً، حَصَدْتَ شَخصيَّةً. وإنْ زَرَعْتَ شَخصيَّةً، حَصَدْتَ مَصِيرًا.

وَهذا شيءٌ مأسَوِيّ. لِهذا، مِنَ المُهِمِّ جدًّا أنْ تَسمعَ كلمةَ اللهِ دائمًا، وأنْ تَتَطَهَّرَ مِنَ الخطيَّة دائمًا. وأنا أعودُ مَرَّةً أخرى إلى هذا الموضوعِ لأنَّهُ يُقْلِقُني كثيرًا. فالنَّاسُ قد يَذهبونَ إلى كنائس كثيرة المَرَّة تِلْوَ المَرَّة، تِلْوَ المَرَّة، تِلْو المَرَّة مِنْ دُوْنِ أنْ يُجابِهَهُمْ أَحَدٌ بخطاياهُم. وهذا قد يَجْعَلُهُم يَشعرونَ لَحْظيًّا بالرَّاحة؛ ولكنَّهُ لا يُفيدُ شيئًا في ما يَختصُّ بِضَميرِهِم على المَدى البعيد. وَهُوَ لا يُساعِدُهُم، بل يُعيقُهم. وفي النِّهاية، فإنَّ تلكَ الأشياءِ الموجودة في الداخل ستَظْهَرُ في الخارِج. فلا أحدَ يَسْقُطُ في الزِّنى فجأةً. فنحنُ نَقرأُ عن ذلكَ في حياةِ الرُّعاةِ والأشخاصِ الآخرين. فلا أحدَ يَسْقُطُ فجأةً في الزِّنى. فالقلبُ الزَّاني يَتَشَكَّلُ مِنْ خلالِ عمليَّة طويلة مِنَ الأفكارِ الشِّرِّيرة والأفكارِ الشَّهْوانيَّة. فهو يَتشكَّلُ بتلكَ الطريقة. وقَلْبُ اللِّصِّ يَتَشَكَّل هكذا قبلَ وَقْتٍ طويلٍ مِنْ قيامِهِ بالسَّرِقَة مِنْ خلالِ الجَشَع. فَكُلُّ خطيَّة تُوْجَدُ أوَّلاً في الفِكْر. ويعقوبُ يَقولُ في رسالة يعقوب 1: 13: "لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: «إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا. وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ. ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا". لا تَنْخَدِعوا، يا إخوتي. فالأمرُ كُلُّهُ يَبتدئُ مِنَ الدَّاخِل.

ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ المسيحَ وَبَّخَ الفَرِّيسيِّينَ المَرَّة تِلْوَ المَرَّة لأنَّهم كانوا يَحفظونَ النَّاموسَ الطَّقسيَّ الخارجيَّ ويُهْمِلونَ الجُزْءَ الأخلاقيَّ. فقد كانوا مُنشَغِلينَ جِدًّا بالظُّهورِ بِمَظهرِ التَّقوى، ولكِنَّهم كانوا يُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِج جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ. وَهُوَ يقول: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ، وَهُمَا مِنْ دَاخِل مَمْلُوآنِ اخْتِطَافًا وَدَعَارَةً. أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّ الأَعْمَى! نَقِّ أَوَّلاً دَاخِلَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ لِكَيْ يَكُونَ خَارِجُهُمَا أَيْضًا نَقِيًّا. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَارًا، وَلكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِل مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْمًا". وهل تَعلمونَ أنَّ الفَرِّيسيِّينَ بَلَغوا نُقْطَةً آمَنوا فيها حقًّا أنَّ الأفكارَ الشِّرِّيرة ليست خاطئة حقًّا، بل إنَّ الأفعالَ الشِّرِّيرة فقط هي الخاطئة. لِذا فقد قالَ يسوعُ لهم: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ. قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ". فليسَ القَتْلُ فقط خطيَّة، بل إنَّ الغَضَب خطيَّة أيضًا. وليسَ الزِّنَى فقط خطيَّة، بل إنَّ الشَّهوة خطيَّة أيضًا. ولكِنْ حاوِلوا أنْ تَقولوا ذلكَ لِمُجتمَعِنا!

وما الَّذي ينبغي أنْ يَدورَ في أذهانِنا؟ وما الَّذي يَنبغي أنْ يَدورَ في أعْمَقِ حَجْراتِ أذهانِنا وقُلوبِنا؟ ما الَّذي ينبغي أنْ يَحدُثَ هناك؟ سوفَ أُخبرُكم ماذا: العِبادةُ وَحُبُّ الله. العِبادةُ وَحُبُّ الله. فعندما خَلَصْنا، خَلَصْنا لكي نَكونَ عَابِدينَ حَقيقيِّين. فقد خَلَّصَنا الرَّبُّ لكي نَصيرَ عابِدينَ حَقيقيِّين. استمعوا إلى ما سأقول: إذًا، إنَّ اقترافَ الخطيَّةِ في الفِكْر يُنَجِّسُ المَقْدِسَ الَّذي ينبغي أنْ تَجْري فيهِ أَسْمى وأروع عِبادة. لِذا فإنَّ رِعايَةَ خَطايا الذِّهْنِ لا تُنَجِّسُ الذِّهْنَ فقط، بل تُزَعْزِعُ مَكانَةَ العِبادَةِ الَّتي خَلَصْنا لأجْلِ القيامِ بها. وهي أيضًا شَكْلٌ مِنْ أشكالِ التَّجديف.

مِنَ السَّهلِ نِسْبيًّا أحياًنا أنْ نَعترِفَ بالخطيَّة وأنْ نَتْرُكَ أعمالَ الخطيَّة، وكلماتِ الخطيَّة؛ ولكِنَّ الخَطايا الَّتي نَقْتَرِفُها في أفكارِنا قد تَبْقى دُوْنَ أنْ نَعْتَرِفَ بها أكْثَرَ مِنْ كُلِّ الخطايا الأخرى. وهي الخطايا الَّتي تُنَجِّسُ النَّفْسَ. وهي الخطايا الَّتي تُدَمِّرُ الشخصيَّة. وهي تَعْمَلُ مُباشَرَةً ضِدَّ الضَّمير. والضَّميرُ يُحارِبُ بِكُلِّ مَا أُوْتِيَ مِنْ قُوَّة ضِدَّ هذا الهُجوم. لِذا فإنَّ العهدَ القديمَ يَقولُ في سِفْرِ الأمثال 4: 23: "فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاة". ولكِنْ هل تَعلمونَ أنَّهُ عَدا عنِ الضَّمير، ينبغي أنْ أقولَ إنَّ اللهَ يَعْرِفُ قُلوبَنا. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 15: 8: "وَاللهُ الْعَارِفُ الْقُلُوبَ". ونقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 20: "اللهُ أَعْظَمُ مِنْ قُلُوبِنَا، وَيَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ". وقد كَتَبَ داودُ: "أَنْتَ...فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ. ...وَكُلَّ طُرُقِي عَرَفْتَ". لِذا فإنَّ اللهَ يَعْرِفُ ما إذا كان لدينا قَلْبُ شَهْوانِيّ، أوْ جَشِع، أوْ غَضوب، أوْ عُدوانِيّ، أوْ أنانِيّ، أو مُتَكَبِّر يَرْعَى كُلَّ هذهِ الخطايا الفِكريَّة، أوْ ما إذا كانت قُلوبُنا مُكَرَّسَة لِعِبادَتِه. فالمزمور 44: 21 يَقول: أَفَلاَ يَفْحَصُ اللهُ عَنْ هذَا؟ لأَنَّهُ هُوَ يَعْرِفُ خَفِيَّاتِ الْقَلْبِ". وقد قالَ يَسوعُ للفَرِّيسيِّينَ في إنجيل لوقا 16: 15: "أَنْتُمُ الَّذِينَ تُبَرِّرُونَ أَنْفُسَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ! وَلكِنَّ اللهَ يَعْرِفُ قُلُوبَكُمْ. إِنَّ الْمُسْتَعْلِيَ عِنْدَ النَّاسِ هُوَ رِجْسٌ قُدَّامَ اللهِ".

وهل تَعلمونَ شيئًا؟ إنَّ ما يَحدُث في قَلبِك هو الاختبارُ الحَقيقيُّ لِشَخصيَّتِك. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر الأمثال 23: 7: "لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ فِي نَفْسِهِ هكَذَا هُوَ". ونقرأ في أمثال 6: 12: "اَلرَّجُلُ اللَّئِيمُ، الرَّجُلُ الأَثِيمُ يَسْعَى بِاعْوِجَاجِ الْفَمِ". فهل تُريدُ حَقًّا أنْ تَعْرِفَ مَنْ أنتَ في الحقيقة؟ انْظُر إلى قَلبِك. انظر إلى داخِلِك: "كما يَعْكِسُ المَاءَ صُورةَ الوَجْهِ، كذلكَ يَعْكِسُ قَلْبُ الإنسان جَوْهَرَهُ" (أمثال 27: 19).

فالتَّصَرُّفُ الخارجيُّ لا يُعْطي صُوْرة دقيقة عنْ شَخصيَّتِك. أمَّا أفكارُ قَلبِكَ فَتَكْشِف الحقيقة. وأفكارُ قَلبِكَ لا يَعرِفُها أحدُ سِوى الله وَضَميرُك. ومِنَ المُهِمِّ جدًّا، يا أحبَّائي، أنْ نَحيا حياةً طاهرةً لكي نَتمتَّع بشهادةِ ضَميرٍ نَقِيّ. وكما تَعلمونَ، كُلَّما تَعَلَّمتَ كلمةَ اللهِ أكثر، وكُلَّما سَمِعْتَ كلمةَ اللهِ أكثر، وكُلَّما امتلأَ قَلبُكَ بِالحَقِّ المُعْلَنِ فيها، زادت مَحَبَّتُكَ وعبادَتُكَ لله. والتَّطهيرُ النَّاشِئُ عن ذلك سَيُؤثِّرُ في تَنقيةِ ضَميرِك. والحقيقة هي أنَّني لا أَدري كيفَ أنَّ هناكَ أُناسًا يُغَذُّونَ حَياتَهُم الفِكريَّة بِكُلِّ نَجاسة، وَفُحْش، وإثْم، وشُرور، وأمورٍ لا يَرْضى اللهُ عنها؛ ثُمَّ يَقفونَ وَيِخْدِمونَ مِنْ دونِ أنْ يُبَكِّتَهُم ضَميرُهم!

هل تَذكرونَ أصدقاءَ أيُّوبَ الَّذينَ جاءوا لِتَعْزِيَتِه؟ فقد جاءوا واتَّهموهُ ظُلْمًا. ولم يَكُنْ يوجدُ في حياتِهِ أيُّ شيءٍ يُمْكِنُهم أنْ يَتَّهِموهُ بِهِ. أليسَ كذلك؟ فأنتُم تَذكرونَ أيُّوب. فقد كانَ بَارًّا أكثرَ مِنْ أيِّ شخصٍ آخر. لِذا، ما التُّهمة الَّتي سَيُوَجِّهونَها إليه؟ سوفَ أُخبركم ما هي: لقدِ اتَّهموهُ بأنَّهُ كانَ يَفْتِكِرُ أفكارًا أثيمة. فقد جاءَ صُوْفَر وقالَ لَهُ (في سِفْر أيُّوب 20: 12 و 13): "إِنْ حَلاَ فِي فَمِهِ الشَّرُّ، وَأَخْفَاهُ تَحْتَ لِسَانِهِ، أَشْفَقَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتْرُكْهُ، بَلْ حَبَسَهُ وَسَطَ حَنَكِهِ".

بعبارة أخرى، إنَّهُ شِرِّيرٌ حقًّا مِنَ الدَّاخِل. صحيحٌ أنَّكُم لا تَرَوْنَ ذلك، ولا تَسمعونَ ذلك، ولكنَّهُ فَاسِدٌ مِنَ الدَّاخِل. والصُّورةُ الَّتي رَسَمَها لِمَنْ يَفْتَكِرُ بالشَّرِّ صحيحة وحَيَّة. فالأفكارُ الشِّرِّيرة هي كالحَلْوى بالنِّسبةِ إليهم. فَالأشخاصُ الَّذينَ يَفتكرونَ بالشُّرورِ يَشعرونَ بِمُتعة كبيرة مِنْ تَخَيُّلاتِهم. وَهُمْ يَتَلَذَّذونَ بالتَّخَيُّلاتِ الجَامِحَة. وَهُمْ يَسْتَسيغونَها كما يَستسيغونَ حَلوى لَذيذة وحُلوة المَذاق تحتَ لِسانِهم. وَهُمْ يُقَلِّبونَها في مُخَيِّلَتِهم. وَهُمْ يَعودونَ إلى نَفسِ التَّسلية الشِّرِّيرة الَّتي يُمْكِنُهُم أنْ يَحصُلوا مِنْها على المُتعة المَرَّة تِلْوَ المَرَّة. وَهُمْ يَجْتَرُّونَها كَما يَجْتَرُّ الحَيَوانُ الطَّعامَ إذْ يَسْتَحْضِرونَ الأفكارَ الشِّريرةَ المُفَضَّلة لديهم المَرَّة تِلْوَ الأخرى وَيُعيدونَ إحياءَها في أذهانِهم. فهذا هو ما اتَّهَموا أيُّوبَ بِهِ. ولكِنَّهُم أَخْطَأوا في الحُكْمِ على أيُّوب. فقد كانَ أيُّوبُ حَذِرًا جِدًّا في هذهِ الأشياء. وإليكُم ما قالَهُ في أيُّوب 31: 1: "عَهْدًا قَطَعْتُ لِعَيْنَيَّ، فَكَيْفَ أَتَطَلَّعُ فِي عَذْرَاءَ؟" أنا لا أفعلُ شَيئًا مِن هذا القَبيل. فأنا لا أَنظُرُ بأيِّ اتِّجاهٍ قد تأتيني مِنْهُ فِكرة شِرِّيرة. فقد كانَ يَعلَمُ أنَّ اللهَ يَرى أفكارَهُ. وَهُوَ يقول: "أَلَيْسَ هُوَ يَنْظُرُ طُرُقِي، وَيُحْصِي جَمِيعَ خَطَوَاتِي؟ إِنْ كُنْتُ قَدْ سَلَكْتُ مَعَ الْكَذِبِ، أَوْ أَسْرَعَتْ رِجْلِي إِلَى الْغِشِّ، لِيَزِنِّي فِي مِيزَانِ الْحَقِّ، فَيَعْرِفَ اللهُ كَمَالِي". ثُمَّ إنَّ أيُّوبَ أَنْكَرَ أنَّ قَلبَهُ قد غَوَى وراءَ عَيْنَيه، وَأنْكَرَ أنَّ قَلْبَهُ قد هَامَ وَراءَ امْرأة أخرى. وهو يقولُ إنَّ هذه رَذيلةٌ يُعاقِبُ عليهِ القُضاة. وَهُوَ يَقولُ إنَّ إخْفاءَ الإثْمِ في الحِضْنِ يُشْبِهُ إخْفاءَ التَّعَدِّي [كَما فَعَلَ آدَم]. فقد كانَ مُجَرَّدُ التَّفكيرِ في هذهِ الأمور يُرَوِّعُ قَلْبَهُ البَارّ.

لا! فقد كانَ أيُّوبُ واعِيًا جِدًّا لمخاطرِ الأفكارِ الشريرة. وقد وَضَعَ، عَنْ وَعْيٍ وَقَصْدٍ، حارِسًا على بابِ قَلبِهِ لكي يَتَجَنَّبَ مِثْلَ هذهِ الأشياء. ثُمَّ هل تَعلمونَ ماذا فَعَلَ أيضًا؟ لقد قَدَّمَ ذبائحَ للهِ في حالِ أنَّ أولادَهُ أخطأوا في قُلوبِهم: "وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: «رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ». هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّام". فقد كانَ قَلِقًا لا على حَياتِهِ الفِكريَّة الشَّخصيَّة فقط، بل أيضًا على الحياةِ الفِكريَّة لجميعِ أفرادِ عائلتِه. وهذا هو ما جَعَلَ الرَّبَّ يقول: "لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ".

لِذا، ينبغي لنا أنْ نَتَصَدَّى لهذهِ المَسألة المُختصَّة بخطايا الفِكْر إنْ أردنا أنْ نُطَهِّرَ ضَميرَنا، وإنْ أردنا أنْ نُريحَ ضَمائِرَنا وأنْ نَتَمَتَّعَ بالسَّلامِ والفرحِ والسَّعادة والبَرَكة في حياتِنا المسيحيَّة. فإنْ أردتَ أنْ تُريحَ ضَميرَكَ المُعَذَّب، يجبُ عليكَ أنْ تُطَهِّرَ حَياتَكَ الفِكريَّة.

والآن، رُبَّما يَجْدُرُ بي أنْ أُعَجِّلَ وَأُنْهي حَديثي في دَقيقَتَيْن. هناكَ ثلاثُ طُرُقٍ يَتَوَرَّطُ فيها الذِّهْن في الخطيَّة. وسوفَ أذكُرُها لَكُم في عُجالة، ثُمَّ أتوقَّف.

أوَّلاً: خَطايا استرجاعِ الذِّكريات. أيْ أنْ تُحِبَّ أنْ تَسترجِعَ خطايا الماضي، وأنْ تُحِبَّ أنْ تُحْيي في ذاكِرَتِك مِنْ جَديد خَطِيَّةً سابقةً، وأنْ تُعيدَ تَخَيُّل تلكَ الخطيَّة في ذِهْنِكَ المَرَّة تِلْوَ الأخرى. قبلَ مُدَّة ليست طويلة، عَمَّدْتُ رَجُلاً كانَ مِثْليًّا جِنْسيًّا قَبْلَ أنْ يَهْتَدي إلى المسيح. وقد تَغَيَّرَتْ حياتُهُ. وَتَغَيَّرَتْ دائِرَةُ صَداقاتِه. وقدْ نَأى بِنَفسِهِ أبعَدَ ما يُمكِن عن أيِّ شيءٍ قد يُذَكِّرُهُ بحياتِهِ السَّالِفة. وهو لم يَعُدْ يَشْعُرُ بالحَنينِ إلى عُشَّاقِهِ القُدماء، ولا إلى المِثْلِيِّينَ الجِنْسِيِّينَ حَوْلَهُ. ولكِنْ هل تَعلموا ما هي أَصْعَبُ تَجْرِبَةٍ مَرِّ فيها لِكَثْرَةِ مَا أَلَحَّتْ عليه؟ خَمِّنوا! ذِكْرياتُهُ الَّتي بَقِيَتْ تُعاوِدُهُ مِنْ كُلِّ علاقاتِهِ المُحَرَّمة السَّابقة. وهي ذِكرياتٌ حَيَّة جِدًّا ومَحفورة بِعُمْق في ذِهْنِه حَتَّى إنَّهُ كانَ يَظُنُّ أحيانًا أنَّهُ لن يتمكَّنَ يومًا مِنَ التَّغَلُّبِ عليها. فَكُلَّ العلاقاتِ الآثِمَة في الماضي كانت مُخَزَّنة هُناك. وإنْ أرادَ، كانَ بإمكانِهِ أنْ يَقولُ "لا" لهذهِ التَّجارِب. وإنْ أرادَ، كانَ بإمكانِهِ أنْ يَقولَ "نَعَم" وأنْ يَسْتَذْكِرَ مَرَّةً أُخرى كُلَّ آثامِ الماضي. فالخطيَّة تمتلِك وسائل كثيرة لِطَبْعِ نَفسِها في ذاكِرَتِنا وَجَعْلِنا نَشْعُرُ بأحاسيس حَيَّة لا نَستطيعُ التَّخَلُّص مِنها.

وسوفَ أُخبرُكم شيئًا: كَمْ يُحْزِنُني أنْ أَعلَمَ أنَّ المُراهِقينَ سَريعي التَّأثُّر سيَجلسونَ في صالاتِ السِّينما ويُشاهِدونَ أُناسًا طِوال القامَة يُمَثِّلونَ دراما مُؤثِّرة ويُمارسونَ أفعالاً جنسيَّة، ويَفْتَرِضونَ أنَّ تلكَ الصُّوَرَ سَتبقى حَيَّةً في أذهانِ أولئكَ المُراهِقين إلى الأبد (على أقَلِّ تَقدير: في هذهِ الحياة). فَهُمْ سيَعجزونَ عنِ التَّخَلُّصِ مِنها. وسوفَ تَعْجَزُ عنِ التَّخَلُّصِ منها. والشَّيطانُ قادِرٌ أنْ يَجْعَلَكَ تَسْتَذْكِر ذلك. وَجَسَدُكَ أيضًا قادِرٌ أنْ يَفعلَ ذلك.

وهذا الأمرُ لا يتوقَّف فقط على الخطايا الجنسيَّة. فهُناكَ أشخاصٌ يُحِبُّونَ أنْ يَسترجِعوا ذِكرياتِهم عنِ المَرَّةِ الَّتي غَضِبوا فيها وَصَبُّوا جَامَ غَضَبِهم على شخصٍ كانوا يَكرهونَهُ، أوْ عنِ المَرَّةِ الَّتي كَذَبوا فيها وَنَجَوْا بِفِعْلَتِهم، أوْ عنِ المَرَّةِ الَّتي غَشُّوا فيها في ضَريبةِ الدَّخْل. فَكُلُّ أنواعِ التَّجارِب تأتي مِنَ الذَّاكرة. وسوفَ يُحاولُ الشَّيطانُ أنْ يُعيدَكَ إلى قُمامَةِ مَاضيك. وَحالَما تَغْرِسُ صُورةً بَشِعَةً في ذِهْنِكَ، لا يُمكِنُكَ أنْ تُزيلَها. فهي تُحْفَظُ هناك. لِذا، فإنَّ إحْدى الطُّرُق الَّتي نُخْطِئُ فيها في أذهانِنا هي بأنْ نَسْتَرْجِعَ الخطايا الَّتي اقْتَرفناها في الماضي.

ثانيًا، خَطايا التَّخطيط. فالذِّهْنُ، كما رأينا في رسالة يَعقوب، يَبتدئُ بالشَّهوة. ثُمَّ إنَّ الشَّهوة تُثيرُ الرَّغْبَةَ في المُخَيِّلة وتُنْشِئُ خَيالاتٍ كاملة. فهو يُدَبِّر، وَيَحيك، ويُخَطِّط لتنفيذ الخطايا الَّتي فَكَّرْنا فيها سابقًا.

ثُمَّ نأتي إلى النَّوعِ الثَّالثِ وَهُوَ الخطيَّة الَّتي تَقْتَرِفُها بِمُخَيِّلَتِك. فالتَّخطيطُ قد يُفْضي إلى اقترافِ الخطيَّة عَمليًّا. ولكِنْ هناكَ خطايا تُقْتَرَف في المُخَيِّلة فقط. فهي خَطايا تَقْتَرِفُها بِمُخَيِّلَتِك وَحَسْب مِثْلَ أنْ تَزْني في قلبِك، أوْ تَقْتُل في قلبِك، أوْ تَشْتَهي في قلبِك، أوْ ألَّا تَكْتَفي في قلبِكَ بما لديكَ أوْ بمكانَتِكَ في الحياة، أوْ أنْ تَحْلُمَ في اليَقَظَة بالزَّواجِ مِنْ شخصٍ آخر، أوْ أنْ تَتَسَلَّى بِتَخَيُّلِ رَفاهِيَةٍ تَتَمَنَّاها في حياتِك، أوْ أنْ تَنْغَمِسَ في الشَّراهة مِنْ خِلالِ التَّخَيُّلات. وهناكَ مَلايينُ النَّاسِ [حَرْفِيًّا] يَعيشونَ في هذهِ التَّخَيُّلات الخاطئة. وهل تَعلمونَ ما أُوْمِنُ بِه؟ هل سَمِعْتُم عن لاهوتِ الاعترافِ الإيجابيّ؟ أعتقد أنَّ الجُزءَ الأكبرَ مِنها هو مُجَرَّد خَطِيَّة تَقْتَرِفُها بِمُخَيِّلَتِك. فهي ليست تَقْوى، وليست فضيلة، وليست إيمانًا. فإنْ قُلْتَ: "أريدُ سَيَّارة رولز رويس جديدة" أو "سيارة كاديلاك جديدة" أو "مِنْزِلاً جديدًا" أو عَملاً أفضل" أو "مَزيدًا مِنَ المال". "وإنْ حَصَلْتُ على ذلك سَوفَ أُوْمِنُ بالله"، فإنَّ هذا ليسَ سُلوكًا تَقِيًّا نابِعًا مِنْ إيمان؛ بل هو إثْمٌ. وهو خطيَّة تَقْتَرِفُها بِمُخَيِّلَتِك. وهو شهوة. وهو جَشَع.

لِذا، قد يُخطئُ الذِّهْنُ مِنْ خلالِ استرجاعِ الذِّكريات، أوْ مِنْ خلالِ التَّخطيطِ لاقترافِ خَطايا في المستقبل، أوْ مِن خلالِ حَفْزِ مُخَيِّلَتِه. وقد قالَ المُرَنِّمُ: "قَلْبًا [ماذا؟] نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ" حَتَّى يَتَمَتَّعَ بِضميرٍ نَقِيٍّ.

دَعونا نَحْني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي: والآن، فيما تَحْنونَ رُؤوسَكُم في هذه اللَّحظة الخِتاميَّة، اسْمَعوا ما سأقول؛ ثُمَّ سأخْتِمُ بالصَّلاة: كيفَ تُعالِج مُشكلة خَطايا الفِكْر؟ أوَّلا، اعْتَرِف بها. اعْرِفْها واتْرُكْها، سَواءَ كانت أفكارًا إباحيَّة، أو غَضَبًا، أو نَقْمَةً، أو مَرارةً، أوْ جَشَعًا، أوْ عَدَمَ رِضا. ثانيًا، ارْفُضْ أنْ تَرْعَى تلكَ الأفكار. عَاهِدِ الرَّبَّ على التَّفكيرِ في كُلِّ مَا هُوَ جَليل، وَحَقّ، وطَاهِر، وَمُسِرّ، وَمَا صِيتُهُ حَسَن. كذلك، تَغَذَّى على كلمةِ الله لأنَّكَ حينَ تُخَبِّئْها في قَلبِكَ فإنَّها تَرْدَعُ الخطيَّة. وأيضًا، تَجَنَّب كُلَّ الأشياءِ الجَذَّابةِ الشِّرِّيرة. لا تُعَرِّض نَفسَكَ لهذهِ الأشياء الَّتي تُحَرِّض على خَطايا الفِكْر. كذلك، أَحْبِبْ الله. وصلاتي وشَوْقُ قلبي لأجْلِكُم هي أنْ تُمَجِّدوا اللهَ، وأنْ تُمَجِّدوا مُخَلِّصَكُم، وأنْ تَتَمَتَّعوا بالبَرَكَة...بَرَكَةِ الانتصارِ النَّابعة مِنْ ضَميرٍ طَاهِرٍ حَتَّى تَقولوا مَعَ بولُس: "لأَنَّ فَخْرَنَا هُوَ هذَا: شَهَادَةُ ضَمِيرِنَا أَنَّنَا فِي بَسَاطَةٍ وَإِخْلاَصِ اللهِ...تَصَرَّفْنَا فِي الْعَالَمِ". يا لَها مِنْ شَهادة!

يا أبانا، اعْمَل ذلكَ في كُلِّ قلب. طَهِّر كُلَّ قلب. وليتَنا نَمْتَلِك ضَميرًا نَقِيًّا، وَفَرَحًا وسلامًا نَابِعَيْنِ مِنْ قَلْبٍ طَاهِر. نَشكُرُكَ لأنَّ الغُفرانَ مُتاحٌ، ولأنَّهُ ليسَ شُعورًا فحسب، بل حَقيقةً مُتاحَة لِكُلِّ مَنْ يَطْلُب لأنَّهُ إنِ اعْتَرَفْنا فإنَّكَ تَغْفِر. اخْلُقْ فينا قَلْبًا نَقِيًّا، يا الله. إكْرامًا للمسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize