Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفْتَح كُتُبَنا المُقَدَّسَةَ على المَزمور 19. كَما تَعلمون، فقد حَدَّثْتُكُمْ في الأسبوعِ المَاضِي عَنْ مَوضوعِ "كِفَايَةِ الكِتابِ المُقَدَّس". وأوَدُّ أنْ أَخْتِمَ ذلِكَ الفَاصِلَ القَصيرَ (في مُنْتَصَفِ دِراسَتِنا لِرِسالةِ تيموثاوسَ الأولى) بالرُّجوعِ إلى المَوضوعِ نَفْسِهِ. ولكِنْ في هذِهِ المَرَّةِ، عِوَضًا عَنْ مُعالَجَةِ المَوضوعِ مِنْ خِلالِ التأمُّلِ في آياتٍ كَثيرةٍ، أوَدُّ أنْ نَرَكِّزَ معًا على مَقْطَعٍ واحِدٍ وَرَدَ في المَزمورِ 19.

وَكَما هِيَ عَادَتي مِنْ حِيْنٍ إلى آخَر، فإنِّي أجِدُ مُتْعَةً في قِراءَةِ مُؤلَّفات "الطَّهورِيِّين". فَأنَا أَنْتَقي كِتابًا مِنْ كُتُبِهِمْ عَنِ رَفِّ مَكْتَبَتي، وَأجْلِسُ في كُرِسِيِّي في مَكْتَبي، وأسْتَمْتِعُ بِقراءَتِهِ. وقد كُنْتُ أقْرَأُ في بَحْرِ هَذا الأسْبوعِ مَقْطَعًا رَائِعًا كَتَبَهُ "ثوماس واطسون" عَنِ الكِتابِ المُقَدَّسِ. وَقَدْ ذَكَرَ "ثوماس" جُمْلَةً أظُنُّ أنَّها تَصِفُ حَالَتَنا تَمامًا. فقد قالَ (وأنا أقْتَبِسُ هُنا): "لَقَدْ كانَ الشَّيْطانُ وأعْوانُهُ [وَمَا زَالوا] يَنْفُخونَ على نُوْرِ الكِتابِ المُقَدِّسِ، ولكنَّهُمْ لم وَلَنْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ إطْفائِهِ. وهَذِهِ دَلالَةٌ وَاضِحَةٌ على أنَّ هَذا النُّورَ هُوَ مِنَ السَّماء". (نِهايَةُ الاقْتِباس)

لَقَدْ أخْبَرْتُكُمْ في الأسبوعِ المَاضي أنَّني على قَناعَةٍ تَامَّةٍ بأنَّ جَماعَةً مُعارِضَةً مِنَ النَّاسِ تَنْفُخُ اليومَ على نُوْرِ الكِتابِ المُقَدَّسِ في مُحاوَلَةٍ يَائِسَةٍ لإطفائِهِ. والغَريبُ في الأمْرِ هُوَ أنَّ الهُجومَ الذي أتَحَدَّثُ عنهُ الآنَ على كَلِمَةِ اللهِ لَيْسَ صَادِرًا عِنْ أُناسٍ يُنْكِرونَ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. بَلْ هُوَ صَادِرٌ عَنْ أشْخاصٍ يُؤكِّدونَ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. وَيَبْدو لي أنَّ واحِدًا مِنْ أخْبَثِ وَأخْطَرِ التَّهديداتِ التي تُواجِهُ كَلِمَةَ اللهِ نَابِعٌ مِنْ دَاخِلِ الجَماعاتِ المَسيحيَّةِ الإنجيليَّةِ. بِعِبارَةٍ أُخرى، فإنَّ هَذا التَّهْديدَ نَابِعٌ مِنْ أُناسٍ يَتَظاهَرونَ بالإيمانَ بأنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ، وَلَكِنَّهُمْ (في الوَقْتِ نَفْسِهِ) يُنْكِرونَ كِفايَتَهُ وَيَطْعَنونَ فيه.

وَيَبْدو أنَّ قِراءَةَ كَلِمَةِ اللهِ، وَتَعْليمَها، وَإعْلانَها، وَإطاعَتَها، وَتَطْبيقَها في الحَياةِ اليوميَّةِ لا يُقْنِعُ كَثيرينَ في وَقْتِنا الحَاضِرِ بأنَّها كَافِيَة لِشُؤونِ الحَياةِ والسُّلوكِ في النِّطاقِ الرُّوحِيِّ. وأعْتَقِدُ أنَّ هؤلاءِ الأشْخاصَ يُحاوِلونَ العُثورَ على دَعائِمٍ يَظُنُّونَ أنَّها قَدْ تُساعِدُ في بَقاءِ الكِتابِ المُقَدَّسِ صَامِدًا. وَرُبَّما يَشْعُرُ هَؤلاءِ بأنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَحْتاجُ إلى نَوْعٍ مِنَ المُساعَدَةِ لإعْطائِهِ الزَّخْمَ الذي يَظُنُّونَ أنَّهُ يَنْقُصُهُ في ذَاتِهِ. ولكنِّي أَرَى، كَما أَوْضَحْتُ في المَرَّةِ الأخيرَةِ، أنَّنا أمامَ خَطيئَةٍ عَظيمَةٍ تُجاهَ اللهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأنَّنا أمامَ اتِّهامٍ خَطيرٍ يُشَكِّكُ في كِفايَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ.

وَكَما أَشَرْتُ في العِظَةِ السَّابِقَةِ، فإنَّنا نُواجِهُ مَخاطِرَ عَديدَةً. فَهُناكَ تَوَجُّهٌ وَاسِعُ النِّطاقِ في الكَنيسَةِ الإنجيليَّةِ نَحْوَ عِلْمِ النَّفْسِ بِوَصْفِهِ وَسيلَةً لِحَلِّ مَشاكِلِ الإنْسانِ. وهُناكَ بَحْثٌ دَؤوبٌ عَنْ نَهْجٍ يُساعِدُ الكَنيسَةَ على النُّمُوِّ وَفْقًا للأنْماطِ السَّائِدَةِ في قِطاعِ الشَّرِكاتِ وَالمُؤسَّساتِ التِّجاريَّةِ الكُبرى. وَهُناكَ آمالٌ مُعَلَّقَةٌ على القُوَى السِّياسيَّةِ بِوَصْفِها المِفْتاحَ لِحُدوثِ نُهْضَةٍ - كَما يُزْعُمُ البَعْضُ. وَهُناكَ صَرَخاتٌ مُدَوِّيَةٌ تُطالِبُ بِحُدوثِ آياتٍ وَمُعْجِزاتٍ وَعَجائِبَ، وَتُطالِبُ أيْضًا بِظُهورِ إعْلاناتٍ جَديدَةٍ وَأمورٍ خَارِقَةٍ للطَّبيعَة. وَهُناكَ ابْتِعادٌ عَنِ الإنْجيلِ البَسيطِ والحَقِّ المُعْلَنِ في كَلِمَةِ اللهِ بَحْثًا عَنْ إنْجيلٍ شَعْبِيٍّ يَعِدُ النَّاسَ بالرَّخاءِ، وَالوَفْرَةِ، وَالمُتَعِ الحِسِّيَّةِ، وَالنَّجاحِ الذي يُرَوِّجُ لَهُ مَشاهيرٌ يُظَنُّ أنَّهُمْ يَمْتَلِكونَ قُدْرَةً فائِقَةً على الوُصولِ إلى النَّاسِ بِطَريقَةٍ تَعْجَزُ كَلِمَةُ اللهِ البَسيطَة عَنِ القِيامِ بِها. وَلَكِنَّ هَذِهِ الأُمورَ كُلَّها هِيَ، في رَأيِي، خِيانَةٌ حَقيقيَّةٌ – لا لأنَّها تَدْعُو إلى إقْحامِ الشُّؤونِ الدُّنْيَوِيِّةِ في الكَنيسَةِ فَحَسْب، بَلْ أيْضًا لأنَّها تُعَبِّرُ عَنْ نَظْرَةٍ قَاصِرَةٍ وَمُحْزِنَةٍ تُجاهَ الكِتابِ المُقَدَّسِ.

وَهَذا يَدْفَعُني إلى طَرْحِ السُّؤالِ التَّالي: هَلِ الكِتابُ المُقَدَّسُ كَافٍ (في ذَاتِهِ) لِسَدِّ كُلِّ حَاجَةٍ في حَياتِنا الرُّوحِيَّةِ؟ وَهَلْ هُوَ كَافٍ لِشَعْبِ اللهِ، وَيَمْتَلِكُ كُلَّ المُقَوِّماتِ التي تَجْعَلُهُم يَحْيَوْنَ حَياةً فَيَّاضَةً في مِلْءِ مَشيئَةِ اللهِ؟ أَمْ أنَّنا في حَاجَةٍ إلى الإقرارِ بأنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَحْوي نَقائِصَ لا يُمْكِنُنا التَّغَلُّبُ عليها إلَّا مِنْ خِلالِ الحِكْمَةِ البَشَرِيَّةِ وَالأساليبِ التي ابْتَكَرَها أُناسٌ مُقْتَدِرونَ يَرْغَبونَ في مُساعَدَةِ اللهِ - وَلَوْ قَليلًا - على تَحْقيقِ أهْدافِهِ؟

وللإجابَةِ عَنْ سُؤالِ كِفايَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ، أرْجو أنْ تَتَأمَّلوا مَعي في المَزْمورِ التَّاسِع عَشَر الذي يُقَدِّمُ لَنا، مِنْ وُجْهَةِ نَظَري، أقْصَرَ وَأوْفَى مُعالَجَةٍ (في كَلِمَةِ اللهِ بِجُمْلَتِها) عَنْ مَوضُوعِ كِفايَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ. وَبِمُناسَبَةِ الحَديثِ عَنْ هَذا المَوضوعِ، سَنُقارِنُ بَيْنَ مَا جاءَ في المَزْمورِ التَّاسِع عَشَر وَالمَزمور المِئَة والتَّاسِع عَشَر بِسَبَبِ التَّشابُهِ الكَبيرِ بَيْنَهُما. واسْمَحوا لي أنْ أقولَ، في مُسْتَهَلِّ حَديثي، أنَّ دَاوُدَ الذي كَتَبَ المَزْمورَ التَّاسِعَ عَشَر كانَ رَجُلًا يَفْهَمُ نَوائِبَ الدَّهْرِ، وَشَدائِدَ الحَياةِ، وَتَقَلُّباتِ الأحوالِ، وَالصِّراعاتِ، وَالتَّجارِبَ، وَالمَتاعِبَ، وَالضِّيقاتِ التي تَزْخُرُ بِها الحَياةُ كَما لَمْ يَفْهَمْهَا غَيْرُهُ مِنَ النَّاسِ.

فَقَدْ كانَ (داوُدُ) يَعْرِفُ مَعْنى أنْ تَكونَ حَياتُهُ مُهَدَّدَةً دائِمًا. وَقَدْ كانَ يَعْرِفُ أهْوالَ السُّقوطِ في حَمْأةِ الخَطِيَّةِ. وَقَدْ كانَ يَعْرِفُ صُعوبَةَ خِيانَةِ الثِّقَةِ وَالأمانَة. وَقَدْ كانَ يَعْرِفُ مَعْنى أنْ يَتَمَرَّدَ أبناؤُهُ عليهِ. وَقَدْ كانَ يَعْرِفُ مَرارَةَ الزَّواجِ الفاشِلِ وَالأحوالِ العائليَّةِ المُتَوَتِّرَة. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فإنَّنا أمامَ إنْسانٍ يَتَكَلَّمُ مِنْ أعْماقِ قَلْبِهِ فِيَجِدَ كُلَّ الكِفايَةِ في كَلِمَةِ اللهِ.

وَكَمُقَدِّمَةٍ عَامَّةٍ، يَقْتَضي التَّنويهُ إلى أنَّ المَزْمورَ التَّاسِعَ عَشَر قَدْ كُتِبَ لِكَيْ يُحَدِّثَنا عَنْ أهميَّةِ إعلانِ اللهِ. فَنَحْنُ نَقْرَأُ في الأعْداد مِنْ 1 إلى 6 عَنْ إعْلانِ اللهِ في الطَّبيعَةِ. والعَدَدُ الأوَّلُ يَقولُ إنَّ اللهَ أعْلَنَ ذاتَهُ مِنْ خِلالِ السَّماواتِ التي تُحَدِّثُ بِمَجْدِهِ، وَمِنْ خِلالِ الْفَلَكِ الذي يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ.

وإنْ تابَعْنا قِراءَةَ هَذا المَزمورِ سَنَجِدُ أنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ حَرَكَةِ الشَّمْسِ وَدَوَرانِها العَجيبِ في مَدارِها حَوْلَ الكَوْنِ. وَهَذا كُلُّهُ ليسَ إلَّا صُوْرَةً رَمْزِيَّةً لإعلاناتِ اللهِ مِنْ خِلالِ الطَّبيعَةِ – وَهُوَ الأمْرُ الذي يُسَمِّيهِ اللَّاهوتِيُّونَ "الإعلانَ العَامَّ". فَاللهُ مُعْلَنٌ في خَليقَتِهِ. وَهَذا يُشْبِهُ مَا جاءَ في الأصْحاحِ الأوَّلِ مِنْ رِسَالَةِ رومية إذْ إنَّ الأشياءَ التي نَراها تُعْلِنُ لَنا أنَّ هُناكَ إلَهًا وَأنَّ هَذا الإلَهَ كُلِّيُّ القُدْرَةِ.

وَلَكِنَّنا نَجِدُ إعْلانًا أكْثَرَ تَحْديدًا في كَلِمَةِ اللهِ في العَدَدِ السَّابِعِ مِنْ هَذا المَزمور. فَفي الجُزْءِ الثَّاني مِنْ هَذا المَزْمورِ (وَهُوَ الجُزْءُ الذي يَبْتَدِئُ بالعَدَدِ السَّابِعِ وَيَنْتَهي بِنِهايَةِ العَدَدِ الرَّابِع عَشَر)، فإنَّ التَّركيزَ مُنْصَبٌّ على "الإعْلانِ الخَاصِّ" – أيْ عَلى إعلانِ اللهِ مِنْ خِلالِ الكِتابِ المُقَدَّسِ. وَهَذا هُوَ المَوضوعُ الذي نُريدُ أنْ نَتأمَّلَ فيهِ. فحينَ نَتأمَّلُ في الأعْداد 7-14 مِنَ المَزْمور 19، نَجِدُ أنْفُسَنا أمامَ كِفايَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ.

وَالحَقيقَةُ هِيَ أنِّي أوَدُّ أنْ أُوَضِّحَ ثَلاثَ نِقاطٍ، إنْ سَمَحَ الوَقْتُ بِذَلِك: أوَّلًا، كِفايَةُ الكِتابِ المُقَدَّسِ. ثانِيًا، قِيْمَةُ الكِتابِ المُقَدَّسِ. ثالِثًا وَأخيرًا، تَعَهُّدُنا تُجاهَ الكِتابِ المُقَدَّسِ. وَقَبْلَ الغَوْصِ في هَذا المَوضوعِ، أرْجو مِنْكُمْ أنْ تُصْغُوا جَيِّدًا إلى مَا سَأقولُه. فَبِحُكْمِ الضَّرورَةِ، سَأُغَطِّي مَادَّةً كَبيرَةً في وَقْتٍ قَصيرٍ نِسْبِيًّا. لِذلَكَ أُريدُكُمْ أنْ تَنْتَبِهُوا جَيِّدًا وَأنْ تُصْغُوا بِعِنايَةٍ لأنِّي أعتَقِدُ حَقًّا أنَّ هَذِهِ رِسالَةً جَوْهَرِيَّةً تُعَبِّرُ عَنِ عُمْقِ الْتِزامِنا بِكَلِمَةِ اللهِ.

وكَنُقْطَةِ بِدايَةٍ، لِنُلاحِظْ مَا تَقولُهُ الآياتُ مِنْ 7-9 عَنْ كِفايَةِ الكِتابِ المُقدَّسِ. وَأرْجو مِنْكُمْ مُتابَعَةَ الآياتِ أثناءَ قِراءَتي لَها: "نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ. شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الجَاهِلَ حَكِيمًا. وَصَايَا الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ تُفَرِّحُ القَلْبَ. أَمْرُ الرَّبِّ طَاهِرٌ يُنِيرُ العَيْنَيْنِ. خَوْفُ الرَّبِّ نَقِيٌّ ثَابِتٌ إِلَى الأَبَدِ. أَحْكَامُ الرَّبِّ حَقٌّ عَادِلَةٌ كُلُّهَا".

وَالآنْ، أُريدُكُمْ أنْ تُلاحِظُوا بُنْيَةَ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاث. فَهِيَ تَضُمُّ سِتَّ أفْكارٍ. وَكُلُّ فِكْرَةٍ مِنْ هَذِهِ الأفْكارِ السِّتِّ تَحْوي ثَلاثَةَ عَناصِرَ: لَقَبٌ لِكَلِمَةِ اللهِ، وَسِمَةٌ لِكَلِمَةِ اللهِ، وَفائِدَةٌ لِكَلِمَةِ اللهِ. وَالألْقابُ السِّتَةُ للكِتابِ المُقَدَّسِ هِيَ: النَّاموسُ، والشَّهادَةُ، وَالوَصِيَّةُ، وَالأمْرُ، وَالخَوْفُ، وَالحُكْمُ. وَهَذِهِ جَميعُها مُرادِفاتٌ للكِتابِ المُقَدَّسِ.

أمَّا سِماتُهُ فَهِيَ أنَّهُ: كامِلٌ، وصادِقٌ، وَمُسْتَقيمٌ، وَطَاهِرٌ، وَنَقِيٌّ، وَحَقٌّ. وَإنْ أرَدْنا أنْ نَذْكُرَ فوائِدَ الكِتابِ المُقَدَّسِ السِّتَّ فَهِيَ أنَّهُ: يَرُدُّ النَّفْسَ، وَيُصَيِّرُ الجَاهِلَ حَكِيمًا، وَيُفَرِّحُ القَلْبَ، وَيُنِيرُ العَيْنَيْن، وَيَثْبُتُ إلى الأبَد، وَأحْكَامُهُ عَادِلَةٌ كُلُّهَا. وَهَذا يَعني أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يُزَوِّدُنا بِكُلِّ مَا نَحْتاجُ إليهِ مِنْ مَصَادِرَ رُوحِيَّة. وَلا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ، المُنْسَجِمَةَ مَعَ فِكْرِ اللهِ الأزَلِيِّ وَمَشيئَتِهِ الصَّالِحَةِ، تُعَبِّرُ عَنْ حَقيقَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ بِكَلِماتٍ قَليلَةٍ تَفوقُ عَقْلَنا وَاستيعابَنا جَميعًا. وَلا شَكَّ أيْضًا أنَّ عَظَمَةَ هَذا المَقْطَعِ الكِتابِيِّ تَفوقُ قُدْرَتَنا بِما لا يُقاس.

وَهُناكَ عُنْصُرٌ آخَرُ أوَدُّ أنْ تُلاحِظونَه، وَهُوَ عُنْصُرُ سُداسِيٌّ أيْضًا. فَفي هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ، نَقْرَأُ الكَلِمَةَ "الرَّبَّ" سِتَّ مَرَّاتٍ: نَامُوسُ الرَّبِّ ... شَهَادَاتُ الرَّبِّ ... وَصَايَا الرَّبِّ ... أَمْرُ الرَّبِّ ... خَوْفُ الرَّبِّ ... أَحْكَامُ الرَّبِّ. وَنُلاحِظُ، مَرَّةً أُخرى، أنَّ هَذِهِ العِباراتِ تُعَبِّرُ عَنْ أُمورٍ مُخْتَصَّةٍ بالله. فَقَدْ وَرَدَ اسْمُ الرَّبِّ المُخْتَصِّ بالعَهْدِ (أيْ: يَهْوَه) سِتَّ مَرَّاتٍ لِتَحْديدِ مَصْدَرِ كَلِمَةِ اللهِ الكَافِيَة. لِذلكَ فإنَّنا نَجِدُ مِنْ خِلالِ كَلِماتِ نَاظِمِ المَزْمور التَّاسِع عَشَر شَهادَةَ اللهِ الشَّخصيَّةَ على كِفايَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ لِكُلِّ حَاجاتِنا الرُّوحِيَّةِ.

وَالآنْ، لِنَتأمَّلْ في هَذِا العُنْصُرِ السُّداسِيِّ: أوَّلًا، نَقْرَأُ في العَدَدِ السَّابِعِ: "نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ". وَقَدْ قُلْنا إنَّ اللَّقَبَ الأوَّلَ لِلكِتابِ المُقَدَّسِ هُوَ "النَّاموس". وَهَذا يَجْعَلُنا نُرَكِّزُ أنْظارَنا على كَلِمَةِ اللهِ. فالكَلِمَةُ المُسْتَخْدَمَةُ هُنا هِيَ "التَّوراة". وَهِيَ تُشيرُ في الأصْلِ إلى "التَّعليمِ الكِتابِيِّ أوِ الإلَهِيِّ". وَهِيُ تُشيرُ إلى طَبيعَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ التَّعليميَّة. فَهُوَ يَحْوي كُلُّ مَا يُريدُ اللهُ أنْ يُعَلِّمَنا إيَّاه.

وَالكَلِمَةُ "نَاموس" تُشيرُ إلى التَّعليم. فَهِيَ تُعَرِّفُ الكِتابَ المُقَدَّسَ بأنَّهُ مَجْموعَةُ تَعاليمٍ قَدَّمَها اللهُ للإنسان. وَهِيَ تَضُمُّ التَّعليمَ الإلهيَّ المُخْتَصَّ بالعَقيدَةِ (أيْ: ما نُؤمِن بِهِ)، وَالمُخْتَصَّ بالشَّخصيَّة (أيْ: هُوِيَّتِنا)، وَالمُخْتَصَّ بِسُلوكِنا (أيْ: ما نَفْعَلُهُ). وهذا يَعني أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ الشَّرْحُ الكامِلُ لتعليماتِ اللهِ المُخْتَصَّةِ بحياةِ الإنسان. وَهُوَ (باخْتِصارٍ شَديدٍ): تَعْليمٌ مُباشِرٌ مِنَ اللهِ يُفْضِي إلى الحَياة.

وَكَما يَقولُ العَدَدُ السَّابِعُ، فإنَّ هَذا التَّعليمَ النَّابِعَ مِنْ صَفَحاتِ الكِتابِ المُقَدَّسِ: "كامِلٌ". لِذلكَ فَقَدْ قالَ عَنْهُ يَعْقوبُ إنَّهُ "النَّاموس الكَامِل". وَقَدْ وَصَفَهُ نَاظِمُ المَزْمورِ وَصْفًا يَعْكِسُ الفَرْقَ الشَّاسِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَفْكيرِ الإنْسانِ المَشوبِ بالنَّقْصِ. وَلِكَيْ نَفْهَمَ الكَلِمَة "كامِل"، يَجِبُ علينا أنْ نَفْهَمَ أنَّها كَلِمَةٌ شَائِعَةٌ تُشيرُ إلى الكَمالِ، والاكْتِمالِ، وَالشُّمولِ، وَالكِفايَة. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ أحَدَ عُلَماءِ العَهْدِ القَديمِ قَدْ قالَ إنَّ المَعْنى الحَقيقيَّ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ لا يَكْتَمِلُ إلَّا إذا قُلْنا إنَّها تَعْني: "مُكْتَمِلُ الجَوانِبِ بِحَيْث يُغَطِّي كُلَّ جَوانِبِ الشَّيءٍ". لِذلكَ فإنَّ الكَلِمَةَ "كَامِلٌ" تَدُلُّ على الشُّموليَّة.

وَهَذا يَعْني أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَشْمَلُ كُلَّ شَيءٍ. فَهُوَ لا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ. أجَلْ، لا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ! فَهُوَ مَصْدَرٌ شَامِلٌ للتَّعليمِ مِنَ اللهِ. لِذلكَ فإنَّهُ يُجَسِّدُ كُلَّ ما هُوَ لازِمٌ للحَياةِ الرُّوحِيَّةِ لِشَعْبِ اللهِ. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ التَّرْكيزَ الأساسِيَّ في العِبارَةِ الرَّئيسيَّةِ في العَدَدِ السَّابِعِ يَنْصَبُّ على أنَّ كَمالَ النَّاموسِ يَرْتَبِطُ ارْتِباطًا وَثيقًا بِرَدِّ الرُّوحِ. وَهُنا نَجِدُ الفائِدَةَ الأولى مِنَ الفوائِدِ السِّتِّ للكِتابِ المُقَدَّسِ. فَهُوَ يَرُدُّ النَّفْسَ. وَالكَلِمَةُ العِبْرِيَّةُ المُتَرْجَمَة "يَرُدُّ" يُمْكِنُ أنْ تَعْني: "يُحْيي"، أو "يُجَدِّدُ"، أو "يُنْعِشُ"، أو "يَهْدي". وَلَكِنَّ الكَلِمَةَ المُرادِفَةَ المُفَضَّلَةَ لَدَيَّ هِيَ: "يُغَيِّرُ". فَهِيَ تَحْمِلُ في ثَناياها فِكْرَةَ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ شَامِلٌ وَقادِرٌ أنْ "يُغَيِّرَ" قَلْبَ الإنْسانِ الذي يُراعِي تَعاليمَهُ بِدِقَّة.

وَالكِتابُ المُقَدَّسُ يهَبُ حَياةً مُتكامِلَةً في جَميعِ جَوانِبِ النَّفْسِ. وَالكَلِمَةُ "نَفْس" هِيَ كَلِمَةٌ شَائِعَةٌ أيْضًا. وَهِيَ تَعْني "الإنْسان"، أوِ "الذَّات"، أوِ "القَلْب". فَهِيَ تَحْتَمِلُ جَميعَ هَذِهِ التَّرْجَماتِ وَالمَعاني. وَخُلاصَةُ الأمْرِ هِيَ أنَّها تُشيرُ إلى بَاطِنِ الإنْسانِ، أوْ إلى الإنْسانِ بِمُجْمَلِهِ، أوْ إلى الإنْسانِ على حَقيقَتِهِ. لِذلكَ فإنَّ كَلِمَةَ اللهِ كَامِلَةٌ وَشامِلَةٌ وَقادِرَةٌ أنْ تُغَيِّرَ المَرْءَ بِكُلِّ كِيانِهِ.

إذًا، فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ كَافٍ تَمامًا لِهِدايَةِ الإنْسانِ، وَتَغْييرِهِ، وَرَدِّ نَفْسِهِ، وَوِلادَتِهِ الثَّانِيَةِ، ونُمُوِّهِ الرُّوحِيِّ - لِما يَؤولُ إلى كَمالِهِ كَكُلّ. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ هَذا يُذَكِّرُني بِرِسالَةِ بُولسَ الرَّسولِ إلى تِيموثاوُس، وَتَحْديدًا رِسالَتَهُ الثَّانِيَةَ 3: 15-17. فَفي هَذِهِ الآياتِ، يُذَكِّرُ بُولسُ تِلْميذَهُ تِيموثاوُسَ بأنَّ الأسْفارَ المُقَدَّسَةَ قَادِرَةٌ أَنْ تُحَكِّمَهُ لِلْخَلاَصِ. وَلَيْسَ هَذا فَحَسْب، بَلْ إنَّها قادِرَةٌ أيْضًا أنْ تَجْعَلَهُ "كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ".

وَهَذا يَعْني أنَّ كَلِمَةَ اللهِ قادِرَةٌ أنْ تُجْري تَغْييراتٍ جَذْريَّةٍ وَشامِلَةٍ. فَهِيَ كامِلَةٌ وَشَامِلَةٌ لأنَّها قادِرَةٌ على إعادَةِ تَشْكيلِ نَفْسِ الإنْسانِ (أيْ: كِيانَهُ كَكائِنٍ حَيٍّ) على تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِها التي يُريدُها اللهُ لَهُ. وَهَذا التَّغييرُ يَبْدَأُ بالوِلادَةِ الثَّانِيَة. وَنَحْنُ نَقْرَأُ الشَّهادَةَ نَفْسَها في رِسالَةِ بُطْرُسَ الأولى 1: 23: "مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الحَيَّةِ البَاقِيَةِ إِلَى الأَبَد". بِمَعْنًى آخَرَ، فإنَّ الوِلادَةَ الجَديدَةَ (بِما تَشْتَمِلُ عليهِ مِنِ اهْتِداءٍ وَتَغييرٍ) تَتِمُّ مِنْ خِلالِ كَلِمَةِ اللهِ. وَيَقولُ بُطْرُسُ أيْضًا في العَدَدِ الخامِسِ وَالعِشْرين: "وَهذِهِ هِيَ الكَلِمَةُ الَّتِي بُشِّرْتُمْ بِهَا". وَهَذا يَعني أنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ التي تَرُدُّ النَّفْسَ.

وَيَقولُ بُولسُ الرَّسولُ في رِسَالَتِهِ إلى أهْلِ رُومية 1: 16: "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ المَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ". لِذا فإنَّ كَلِمَةَ اللهِ قادِرَةٌ (بِذاتِها) أنْ تُغَيِّرَ حَياةَ الإنْسان. فَهِيَ وَسيلَةُ الوِلادَةِ الجَديدَة. وَلَكِنْ يَبْدو، وَيا للأسَف، أنَّ أُناسًا في وَقْتِنا الحَاضِرِ لا يُؤمِنونَ بِقُدْرَةِ كَلِمَةِ اللهِ. فَهُمْ يَشْعُرونَ أنَّ كَلِمَةَ اللهِ ضَعيفَةٌ أوْ هَزيلَةٌ لِسَبَبٍ أوْ لآخَرَ، وَأنَّها في حَاجَةٍ إلى مَنْ يُساعِدَها مِنْ خِلالِ تَدْعيمِها بِكَلامٍ يَتَفَوَّهُ بِهِ أحَدُ المُغَنِّينَ المَشْهورينَ الذينَ يَخْلِطونَ الحَقَّ بالباطِلِ.

أَمْ أنَّ كَلِمَةَ اللهِ ضَعيفَةٌ وَعَديمَةُ القُدْرَةِ في ذاتِها، وَلا تَسْتَطيعُ أنْ تُقْنِعَ أحَدًا إلَّا إذا نَطَقَ بِها أحَدُ المَشاهيرِ – لا لِكَوْنِهِ مَعْروفًا بِتَقْواه، وَلا لِكَوْنِهِ يَفْهَمُ كَلِمَةَ اللهِ بِعُمْق، وَلا لِكَوْنِهِ شَهيرًا بِسَبَبِ أعْمالِهِ العَظيمَةِ التي قامَ بِها لأجْلِ اللهِ، وَلا بِسَبَبِ شَخْصِيَّتِهِ الرَّائِعَةِ، بَلْ هُوَ مَشْهورٌ لِمُجَرَّدِ أنَّ وَسائِلَ الإعْلامِ جَعَلَتْهُ شَهيرًا لِمُجَرَّدِ الشُّهْرَةِ فَقَط!

فَهَلْ يَنْبَغي لَنا أنْ نُصَدِّقَ أنَّ هَؤلاءِ قَادِرونَ على تَحْقيقِ مَا لا يُمْكِنُ لِكَلِمَةِ اللهِ أنْ تُحَقِّقَهُ؟ وَهَلْ يَنْبَغي لَنا أنْ نَنْجَرِفَ وَراءَ عَواطِفِ النَّاسِ المُتَذَبْذِبَةِ القائِمَةِ على مَشاعِرِهِمْ، أوْ على شَخْصِيَّاتِهِمْ الوَاهِيَةِ، أو على حَاجَتِهِمْ إلى الشُّعورِ بالأهميَّة؟ فَهَذِهِ هِيَ الأسْبابُ التي تَدْفَعُهُمْ إلى تَحْويلِ الإنْجيلِ (الذي يَصْعُبُ عَلَيْهِمْ هَضْمُهُ) إلى شَيْءٍ بَسيطٍ جِدًّا يَأخُذونَهُ دُوْنَ حَتَّى أنْ يَعْلَموا مَا هُوَ بالحَقيقَة.

أَمْ أنَّ الإنْجيلَ الضَّعيفَ، مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ هَؤلاء، يَنْبَغي أنْ يُلَوَّثَ بِتِلْكَ الوُعُودِ البَرَّاقَةِ بالنَّجاحِ المادِّيِّ؟ فَلِماذا يُخْبِرُنا الوُعَّاظُ على شَاشاتِ التِّلِفزيونِ دَائِمًا أنَّهُ إنْ أرْسَلْنا مَبْلَغًا مِنَ المَالِ فَإنَّ "بِذْرَةَ" إيْمَانِنا سَتُثْمِرُ لَنا أضْعافًا كَثيرَةً يَعْسُرُ عَلى عُقولِنا أنْ تَتَخَيَّلَها؟ فَهَلْ هُناكَ مُبَرِّرٌ لإضافَةِ المَالِ إلى الإنْجيلِ لِجَعْلِهِ مُسْتَساغًا لأنَّهُ (وَفْقًا لِهؤلاءِ) لَيْسَ كَافِيًا في ذاتِهِ لِرَدِّ النَّفْسِ؟

وَهَلِ الكِتابُ المُقَدَّسُ عَاجِزٌ عَنْ تَخْليصِ البَشَرِ حَتَّى إنَّنا نُريدُ تَعْيينَ نُوَّابٍ مَسيحيِّينَ وَنُريدُ السَّيْطَرَةَ على المَناصِبِ الحُكوميَّةِ لِكَيْ نُجَدِّدَ الأُمَّةَ بأسْرِها؟ وَهَلْ تَقْضِي خُطَّةُ اللهِ للأشْخاصِ المَدْعُوِّينَ إلى الوَعْظِ بالكَلِمَةِ أنْ يَتْرُكَ هَؤلاءِ كَلِمَةَ اللهِ لا لِيَخْدِمُوا مَوائِدَ فَحَسْب، بَلْ لِيَصِيرُوا نَاشِطينَ سِياسِيِّينَ يَضْغَطونَ على صَانِعي القَرارِ في حُكوماتِهِمْ - على أمَلِ أنْ يَتَغَلَّبوا على هَذا العَجْزِ المَزْعومٍ في الإنْجيلِ مِنْ خِلالِ القُدْرَةِ البَشَرِيَّةِ؟ وهَلْ نَشْعُرُ أنَّ الإنْجيلَ يُنَفِّرُ النَّاسَ وَيُبْعِدُهُمْ عَنِ اللهِ حِيْنَ تَأتي رِسَالَتُهُ إلى النَّاسِ مُباشَرَةً حَتَّى رُحْنا نَبْحَثُ عَنْ خُطَّةٍ تَسْويقيَّةٍ مُحْكَمَةٍ وَمُسْتَساغَةً تَجْعَلُهُ رَائِجًا عِنْدَ المُشْتَرينَ المُحْتَمَلينَ مِنْ خِلالِ مُحاوَلَةِ إقْناعِهِمْ بأنَّ هَذا الإنْجيلَ يَزْخُرُ بمِيزاتٍ كَثيرَةٍ تُلائِمُهُم؟

وَالآن، مَا الذي نَعْنيهِ بِكَلامِنا هَذا؟ يَبْدو لي أنَّ المَعْنى الوَحيدَ لِهَذا الكَلامِ بِمُجْمَلِهِ هُوَ أنَّنا لا نَثِقُ في قُدْرَةِ كَلِمَةِ اللهِ الكَامِلَةِ على رَدِّ النَّفْسِ. وَلَكِنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ البَحْرُ الذي يُوْجَدُ فيهِ المَسيحُ (الذي هُوَ اللُّؤلُؤةُ الكَثيرَةُ الثَّمَن). وَهِيَ أيْضًا الحَقْلُ الذي يُوْجَدُ فيهِ المَسيحُ (الذي هُوَ الكَنْزُ المُخْفَى). وَهَذا هُوَ مَا تُؤكِّدُهُ شَهادَةُ المَزْمورِ المِئَة وَالتَّاسِع عَشَر الذي سَنَتَطَرَّقُ إليهِ الآن لِمَعْرِفَةِ أوْجُهِ التَّشابُهِ بَيْنَهُ وَبينَ المَزْمورِ التَّاسِع عَشَر. فنحنُ نَقْرَأُ في المَزْمور 119: 41: "لِتَأتِنِي رَحْمَتُكَ يَا رَبُّ، خَلاَصُكَ حَسَبَ قَوْلِكَ". إذًا، يَقولُ المُرَنِّمُ هُنا إنَّ الخَلاصَ مُرْتَبِطٌ بِكَلِمَةِ اللهِ.

وَنَقْرَأُ في العَدَد 50: "هذِهِ هِيَ تَعْزِيَتِي فِي مَذَلَّتِي، لأَنَّ قَوْلَكَ أَحْيَانِي". وَفي العَدد 81: "تَاقَتْ نَفْسِي إِلَى خَلاَصِكَ. كَلاَمَكَ انْتَظَرْتُ". وَفي العَدَد 146: "دَعَوْتُكَ. خَلِّصْنِي، فَأَحْفَظَ شَهَادَاتِكَ". وَفي العَدَد 155: "الخَلاَصُ بَعِيدٌ عَنِ الأَشْرَارِ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَمِسُوا فَرَائِضَكَ". بِعِبارَةٍ أُخرى، فإنَّ الخَلاصَ مَوْجودٌ في كَلِمَتِكَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَبْحَثوا عَنْهُ هُناك.

وَنَقْرَأُ في العَدَد 158: "رَأَيْتُ الغَادِرِينَ وَمَقَتُّ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَحْفَظُوا كَلِمَتَكَ". وَفي العَدَد 174: "اشْتَقْتُ إِلَى خَلاَصِكَ يَا رَبُّ، وَشَرِيعَتُكَ هِيَ لَذَّتِي". لِذلكَ، فإنَّ كَلِمَةَ اللهِ الحَيِّ كَافِيَةٌ. في ضَوْءِ ذَلِكَ، أَنَتَعَجَّبُ لأنَّ بولسَ قالَ لِتيموثاوُسَ: "اكْرِزْ بالكَلِمَة"؟ فَكَلِمَةُ اللهِ كَافِيَةٌ لِرِدِّ النَّفْسِ.

ثَانِيًا، يَقولُ المُرَنِّمُ إنَّ شَهادَةَ الرَّبِّ "صَادِقَةٌ، تُصَيِّرُ الجَاهِلَ حَكِيمًا". وَهُوَ يَخْطُو خُطْوَةً أُخرى لِتَدْعيمِ هَذا العَرْضِ القَوِيِّ الرَّائِعِ لِكِفايَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ. فَهُوَ يَسْتَخْدِمُ الكَلِمَة "شَهادَة" التي تَنْظُرُ إلى كَلِمَةِ اللهِ لا على أنَّها تَعْليمٌ إلَهِيٌّ فَحَسْب، بَلْ أيْضًا شَهادَة إلَهِيَّة. فَاللهُ هُوَ الذي يَشْهَدُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَطالِبِهِ.

لِذلكَ، عِنْدَما تَنْظُرُ إلى شَهادَةِ اللهِ عَنْ نَفْسِهِ في كَلِمَةِ اللهِ، سَتَجِدُ أنَّ شَهادَتَهُ، كَما يَقولُ المُرَنِّمُ، "صَادِقَة". وَمَرَّةً أُخرى، نَجِدُ أنَّهُ على النَّقيضِ مِنْ عَدَمِ صِدْقِ الإنْسانِ، وَعَدَمِ شُعورِهِ بالأمانِ، وَتَقَلُّبِهِ، وَتَبَدُّلِهِ، وَتَغَيُّرِهِ، وَعَدَمِ جَدارَتِهِ بالتَّصديقِ أوِ الثِّقَةِ، فإنَّ كَلِمَةَ اللهِ الحَيِّ صَادِقَةٌ. وَالكَلِمَةُ "صَادِقَة" تَعْني أنَّها لَيْسَتْ مُتَزَعْزِعَة، وَلَيْسَتْ مُتَقَلِّبَة، وَلَيْسَتْ قابِلَة للخَطأ، بَلْ إنَّها جَديرَةٌ بالتَّصديقِ وَالثِّقَة.

في ضَوْءِ مَا سَبَق، فإنَّ كَلِمَةَ اللهِ تُوَفِّرُ لَنا الأساسَ المَتينَ الذي يُمْكِنُنا أنْ نَبْني عَلَيْهِ حَياتَنا وَمَصيرَنا الأبَدِيَّ دُوْنَ تَرَدُّدٍ. وَهَذا يُذَكِّرُني بِما قالَهُ بُطْرُسُ الرَّسولُ في الأصْحاحِ الأوَّلِ مِنْ رِسالَتِهِ الثَّانِيَةِ. فَقَدْ وَصَفَ مُواجَهَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ مَعَ جَلالِ المَسيحِ في حَادِثَةِ التَّجَلِّي قَائِلًا إنَّهُ كانَ هُناكَ، وَإنَّهُ رَأى مَجْدَ المَسيحِ وَعَايَنَ عَظَمَتَهُ في ذَلِكَ المَشْهَدِ البَديعِ عِنْدَما ظَهَرَ بَطَلاَ العَهْدِ القَديمِ (مُوسَى وَإيليًّا).

ثُمَّ يَقولُ بُطْرُسُ في العَدَد 19: "وَعِنْدَنَا الكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ". فَمَعَ أنَّ الخِبْرَةَ الشَّخْصِيَّةَ، وَالظَّواهِرَ الخَارِقَةَ للطَّبيعَةِ، وَالآياتِ، وَالعَجائِبَ، تَحْظى بالمَكانَةِ والاحْتِرامِ، فإنَّ بُطْرُسَ يَقولُ: "وَعِنْدَنَا الكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ". وَهَذِهِ الكَلِمَةُ هِيَ الكِتابُ المُقَدَّسُ الذي كَتَبَهُ أُنَاسُ اللهِ القِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ. وَهَذا يُرينا أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ أَثْبَت!

فَخِلافًا لِتَفْكيرِنا المُتَقَلِّبِ، وَوُجْهاتِ نَظَرِنا المُتَبايِنَةِ، وَآرائِنا غَيْرِ السَّديدَةِ عَنِ اللهِ وَالأخْلاقِ، فإنَّنا نَسْتَطيعُ أنْ نَتَّكِلَ على كَلِمَةِ اللهِ. وَما هِيَ المَنْفَعَةُ مِنْ كَلِمَةِ اللهِ؟ لاحِظْ ثانِيَةً أنَّها "تُصَيِّرُ الجَاهِلَ حَكِيمًا". وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ أَصْلَ الكَلِمَةِ العِبْرِيَّةِ المُتَرْجَمَة "جَاهِل" تُشيرُ إلى فِكْرَةِ بابٍ مَفْتوحٍ. فَالإنْسانُ الجاهِلُ هُوَ إنْسانٌ عاجِزٌ عَنِ التَّمْييزِ. لِذلكَ فإنَّ الجُهَّالَ لا يَعْلَمونَ مَتى يَنْبَغي أنْ يُغْلِقوا البابَ. وَهُمْ لا يُمَيِّزونَ الأشياءَ التي يَنْبَغي لَهُمْ أنْ يُبْقوها خَارِجًا. وَهَذا هُوَ مَا يَجْعَلُهُمْ يَسْمَحونَ لأيِّ شَيءٍ بالدُّخولِ - لأنَّهُمْ بِلا رُوْحِ تَمْييز. فَهُمْ جُهَّالٌ، وَعَدِيمُو الخِبْرَةِ، وَقَليلو النَّباهَةِ، وَسُذَّجٌ.

وَبالرَّغْمِ مِنْ ذَلِك، فإنَّ بِمَقْدورِ هَؤلاءِ أنْ يَصِيرُوا حُكَماء. وَمَا مَصْدَرُ هَذِهِ الحِكْمَةِ؟ إنَّ مَصْدَرَها هُوَ: كَلِمَةُ اللهِ! فكَلِمَةُ اللهِ تأخُذُ السَّاذِجَ، وَعَديمَ الخِبْرَةِ، وَعَديمَ التَّمْييزِ، وَالجاهِلَ، وَتُصَيِّرُهُ حَكيمًا. وَمَا أكْثَرَ مَا أُحِبُّ الكَلِمَة "حِكْمَة"! فَهِيَ كَلِمَةٌ غَنِيَّةٌ في اللُّغَةِ العِبْرِيَّة. وَهِيَ تَعْني في الأصْلِ أنْ يَكونَ المَرْءُ بَارِعًا في فَنِّ الحَياةِ المُقَدَّسَةِ، وَأنْ يَكونَ مَاهِرًا في شُؤونِ الحَياةِ العَمَلِيَّةِ. وَهِيَ تُشيرُ إلى إتْقانٍ فَنِّ الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ مِنْ خِلالِ مَعْرِفَةِ كَلِمَةِ اللهِ وَتَطْبيقِها. وَبالمُناسَبَةَ، فإنَّ اللهَ هُوَ مَصْدَرُ الحِكْمَةِ دَائِمًا في الكِتابِ المُقَدَّسِ. لِذلكَ فإنَّ يَعْقوبَ يَصِفُ تِلْكَ الحِكْمَةَ بأنَّها "مِنْ فَوْق".

والحَقيقَةُ هِيَ أنَّ العَهْدَ القَديمَ يُعَرِّفُ الحِكْمَةَ بأنَّها القُدْرَةُ على اتِّخاذِ القَراراتِ "الصَّحيحَةِ" بِشَأنِ الأمورِ "الصَّحيحَةِ" في اللَّحَظاتِ "الصَّحيحَةِ" في الحَياة. وَهُنا يَأتي هَذا الوَعْدٌ الرَّائِعٌ الذي يَقولُ إنَّ كَلِمَةَ اللهِ قادِرَةٌ أنْ تَأخُذَ الأشخاصَ السُّذَّجَ، والجُهَّالَ، وَالذينَ يَفْتَقِرُونَ إلى الخِبْرَةِ وَلا يُحْسِنونَ التَّمْييزَ، وَأنْ تَجْعَلَ مِنْهُمْ أشْخاصًا حُكَماءَ يَعيشونَ حَياةً تَقِيَّةً حَسَبَ مَشيئَةِ اللهِ. وَهَذا يَحْدْثُ مِنْ خِلالِ كَلِمَةِ اللهِ. فَهِيَ المَصْدَرُ الذي يُوَفِّرُ لَنا كُلَّ مَا يَلْزَمُ لِتَطْبيقِ مَشيئَةِ اللهِ في حَياتِنا اليوميَّةِ.

بَعْدَ كُلِّ مَا أوْرَدْناه، هَلْ مَا زِلْنا نَظُنُّ أنَّ كَلِمَةَ اللهِ لَيْسَتْ كَافِيَةً في ذَاتِها؟ وَهَلْ مَا زِلْنا نَظُنُّ أنَّنا نَسْتَطيعُ أنْ نَجِدَ في المَصَادِرِ البَشَرِيَّةِ (مِنْ عِلْمِ الاجْتِماعِ، وَعِلْمِ النَّفْسِ، وَالفَلْسَفَةِ، وَالحِكْمَةِ البَشَرِيَّةِ) مَا يَسُدُّ النَّقْصَ المَزْعومَ في كَلِمَةِ اللهِ؟ وَهَلِ الوُعَّاظُ مُضْطَرُّونَ حَقًّا للبَحْثِ خَارِجَ الكِتابِ المُقَدَّسِ عَنْ وَسائِلَ تَجْعَلُ الكِتابَ المُقَدَّسَ "وَثيقَ الصِّلَةِ وَعَمَلِيًّا" – كَما أسْمَعُ غَالِبًا؟ أرْجو أنْ تُصْغُوا جَيِّدًا! إنَّ اللهِ نَفْسَهُ يَشْهَدُ أنَّ كَلِمَتَهُ كَافِيَةٌ لِتَصْييرِ الجَاهِلِ حَكيمًا في مَا يَخْتَصُّ بالحَياةِ المُنْسَجِمَةِ مَعَ مَشيئَتِهِ.

وَأرْجو أنْ تُصْغوا مَرَّةً أُخرى إلى الشَّهادَةِ الرَّائِعَةِ التي يَشْهَدُ بِها نَاظِمُ المَزْمور 119 عَنْ سِماتِ كَلِمَةِ اللهِ. فالمُرَنِّمُ يَقولُ في العَدَد 27: "طَرِيقَ وَصَايَاكَ فَهِّمْنِي". بِعِبارَةٍ أُخرى، فإنَّهُ يَسْألُ اللهَ أنْ يُعَلِّمَهُ لأنَّ اللهَ يَعْلَمُ الطَّريقَ الصَّحيحَ الذي يَنْبَغي أنْ نَسْلُكَ فيهِ، وَالنَّهْجَ الأفْضَلَ للحَياة. وَهُوَ يَقولُ أيْضًا في العَدَد 34: "فَهِّمْنِي فَأُلاَحِظَ شَرِيعَتَكَ، وَأَحْفَظَهَا بِكُلِّ قَلْبِي". وَهَذا يُرينا أنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ مَصْدَرُ الحِكْمَةِ. وَنَقْرَأُ في العَدد 66: "ذَوْقًا صَالِحًا وَمَعْرِفَةً عَلِّمْنِي، لأَنِّي بِوَصَايَاكَ آمَنْتُ". ثُمَّ نَقْرَأُ في الأعداد 98-100: "وَصِيَّتُكَ جَعَلَتْنِي أَحْكَمَ مِنْ أَعْدَائِي، لأَنَّهَا إِلَى الدَّهْرِ هِيَ لِي. أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مُعَلِّمِيَّ تَعَقَّلْتُ" - (فَنَحْنُ نَمْتَلِكُ فَهْمًا أكْثَرَ مِنْ جَميعِ مَنْ يَتَّكِلونَ على المَعْرِفَةِ البَشَرِيَّةِ) – "لأَنَّ شَهَادَاتِكَ هِيَ لَهَجِي. أَكْثَرَ مِنَ الشُّيُوخِ فَطِنْتُ، لأَنِّي حَفِظْتُ وَصَايَاكَ". وَنَقْرَأُ في العَدَد 104: "مِنْ وَصَايَاكَ أَتَفَطَّنُ". وَنَقْرَأُ في العَدَد 125: "عَبْدُكَ أَنَا. فَهِّمْنِي فَأَعْرِفَ شَهَادَاتِكَ". وَنَقْرَأُ في العَدَد 169: "حَسَبَ كَلاَمِكَ فَهِّمْنِي".

وَكَما تَرَوْنَ، يا أحِبَّائي، فَإنَّ المُرَنِّمَ يَعْلَمُ أنَّ مَصْدَرَ الحِكْمَةِ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ – أيِ الكِتابُ المُقَدَّسُ. إذًا، هَلِ الكِتابُ المُقَدَّسُ كَافٍ في ذاتِهِ؟ أجَلْ! فهُوَ قادِرٌ أنْ يَرُدَّ النَّفْسَ. وَهُوَ قادِرٌ أنْ يُعْطي الإنْسانَ حِكْمَةً تُمَكِّنُهُ مِنْ أنْ يَحْيا حَياةً يَوْمِيَّةً تُمَجِّدُ اللهَ.

ثالثًا، هَلْ لاحَظْتُمْ مَا جَاءَ في العَدَدِ الثَّامِنِ مِنَ المَزْمورِ التَّاسِع عَشَر؟ فنحنُ نَقْرَأُ: "وَصَايَا الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ تُفَرِّحُ القَلْبَ". وَالسُّؤالُ الذي يَطْرَحُ نَفْسَهُ هُنا هُوَ: أيْنَ يَذْهَبُ المُؤمِنُ للعُثورِ على الفَرَح؟ وَأيْنَ يَذْهَبُ المُؤمِنُ للعُثورِ على الرَّاحَةِ، وَالسَّعادَةِ، والتَّحَرُّرِ مِنَ الحُزْنِ وَالقَلَقِ وَالكآبَةِ؟ أجَلْ، أيْنَ يَذْهَبُ المُؤمِنُ؟ وَأيْنَ هُوَ مَصْدَرُ الفَرَحِ الحَقيقيِّ؟

يَشْهَدُ المُرَنِّمُ أنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ المَصْدَرُ (أوِ النَّبْعُ). فَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ التي تُفَرِّحُ القَلْبَ. وَيَسْتَخْدِمُ المُرَنِّمُ هُنا الكَلِمَةَ "وَصَايا" للإشارَةِ إلى الكِتابِ المُقَدَّسِ. وَمَعَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لا تُشيرُ إلى التَّعليمِ الإلَهِيِّ مُباشَرَةً، فإنَّها تُجَسِّدُهُ. وَمَعَ أنَّها لا تُشيرُ إلى الشَّهادَةِ الإلهيَّةِ تَحْديدًا، فإنَّها تُجَسِّدُها أيْضًا. وَلَكِنَّها تُشيرُ – في الأصْلِ - إلى فِكْرَةِ المَبادِئِ الإلهيَّةِ، وَالمَفاهيمِ الإلهيَّةِ، وَالإرشاداتِ الإلهيَّةِ.

إنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَزْخُرُ بالإرشاداتِ الإلهيَّةِ المُخْتَصَّةِ بالحَياةِ. وَالآن، لاحِظُوا أنَّ العَدَدَ الثَّامِنَ يَقولُ إنَّ وَصَايَا الرَّبِّ "مُسْتَقِيمَةٌ". وَهَذا يَعْني أنَّها تُرينا الطَّريقَ الصَّحيح. فَهِيَ تُقَدِّمُ لَكَ إرْشادًا مُسْتَقيمًا. وَهِيَ تَقودُكَ في الدَّرْبِ الصَّحيحِ الذي يَضْمَنُ لَكَ فَهْمًا سَليمًا. وَيا لِرَوْعَةِ ذَلِك! فبالنِّسْبَةِ إلينا (نَحْنُ الذينَ مَضَى عَلى إيمانِنا وَقْتٌ طَويلٌ) يَكْفي أنْ نَرْجِعَ بِذاكِرَتِنا إلى الوَراء، وَأنْ نَتَذَكَّرَ صُعوبَةَ الأمْرِ عِنْدَما كُنَّا نُحاوِلُ أنْ نَسْلُكَ في هَذِهِ الحَياةِ دُوْنَ مَعْرِفَةٍ بِكَلِمَةِ اللهِ. فَحينئذٍ فَقَطْ سَنُدْرِكُ المِيراثَ الغَنِيَّ الذي لَنا في وَصَايا اللهِ التي أرْشَدَتْنا وَهَدَتْنا الطَّريقَ القَويم.

فَنَحْنُ لا نَسيرُ دُوْنَ خَارِطَةٍ أوْ بُوْصَلَةٍ. وَنَحْنُ لا نَسيرُ دُوْنَ مَبادِئَ حَياتِيَّة. وَنَحْنُ لَسْنا مَتْروكينَ للضَّياعِ في وَسَطِ ضَبابِ الآراءِ البَشَرِيَّةِ. فَنَحْنُ نَتْبَعُ كَلِمَةَ الحَقِّ والاسْتِقامَةِ. وَلأنَّنا نَفْعَلُ ذَلِكَ فإنَّنا نَسْلُكُ في الطَّريقِ القَويمِ الذي يُفَرِّحُ القَلْبَ. وَأنا أُوْمِنُ أنَّ الفَرَحَ الحَقيقيَّ يَنْبُعُ مِنَ السُّلوكِ في كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ تَطْبيقِ مَبادِئِها، وَمِنَ السُّلوكِ في ضَوْءِ مَفاهيمِها وَطُرُقِها.

وَقَدْ شَهِدَ النَّبِيُّ إرْميا بِذَلِكَ في وَسَطِ الكَرْبِ الذي عَاناهُ بِسَبَبِ رَفْضِ رِسَالَتِهِ النَّبَوِيَّةِ، وَبِسَبَبِ نَبْذِه كَإنْسانٍ، وَبِسَبَبِ الكَارِثَةِ التي حَلَّتْ على أُمَّتِهِ بأسْرِها. فَهُوَ يَشْهَدُ عَنِ الفَرَحِ النَّابِعِ مِنْ كَلِمَةِ اللهِ فَيَقولُ في الأصْحاحِ 15 وَالعَدَد 16 مِنْ نُبوءَتِهِ: "وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي".

وَقَدْ كَتَبَ يُوحَنَّا الرَّسولُ في رِسالَتِهِ الأولى 1: 4: "وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ..." - يَكونُ ماذا؟ "لِكَيْ يَكونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً". فَكَلِمَةُ اللهِ تُؤكِّدُ أنَّها مَصْدَرُ الفَرَح. وَعِنْدَما تَسْلُكُ في طَاعَةِ مَشيئَةِ اللهِ وَتَسيرُ في ذَلِكَ الطَّريقِ القَويمِ فإنَّ ذَلِكَ سَيُفَرِّحُ قَلْبَكَ.

لِذلكَ، هَلْ نَحْنُ في حَاجَةٍ إلى سَماع أصْواتٍ مِنَ السَّماءِ، وَأنْ نُخاطِبَ مَلائِكَةً، وَأنْ نَجْتازَ في اخْتِباراتٍ خَارِقَةٍ للطَّبيعَةِ، وَأنْ نَشْهَدَ مُعْجِزاتٍ لِكَيْ نَفْرَحَ؟ وَهَلْ نَحْنُ في حَاجَةٍ إلى الاتِّكالِ على العُلومِ الذِّهْنِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ لِكَيْ يَقْتادَنا اللهُ إلى الفَرَحِ الكَامِلِ؟ ألا يَكْفي أنْ نَسْلُكَ في كَلِمَتِهِ؟ وَمَاذا عَنِ الأشخاصِ الذينَ يُعانونَ اكْتِئابًا أوْ قَلَقًا أوْ خَوْفًا أوْ شَكًّا، أوِ الذينَ لا يَعْلَمونَ وُجْهَتَهُمْ في الحَياةِ، أوِ الذينَ يُعانونَ مَرَضًا جَسَدِيًّا أوْ دَاءً؟ ألا يُمْكِنُ لِهؤلاءِ أنْ يَلْتَصِقوا بِكَلِمَةِ اللهِ مِنْ أجْلِ الحُصولِ على حَلٍّ، وَجَوابٍ، وَإرْشادٍ، وَتَوْجيهٍ يُحَوِّلُ حُزْنَهُمْ إلى فَرَح؟

إنِّي أُوْمِنُ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَشْهَدُ أنَّ فَرَحَنا وَسُرورَنا الحَقيقيَّيْنِ يَنْبُعانِ مِنَ السُّلوكِ في الطَّريقِ الذي تُرْشِدُنا إليهِ كَلِمَةُ اللهِ - وَلَيْسَ مِنَ البَحْثِ الأنانِيِّ عَنْ تَقْديرِ الذَّاتِ، وَإشْباعِ الشَّهَواتِ، وَالانْغِماسِ في المَلَذَّاتِ. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنِّي أخْشى أنَّ النَّاسَ الذينَ يَهْرُبونَ مِنْ كَلِمَةِ اللهِ وَيَلْتَجِئونَ إلى الأطِبَّاءِ النَّفْسِيِّينَ مِنْ أهْلِ العَالَمِ، وَإلى المَصادِرِ التي يُقَدِّمُها العَالَمُ لَهُمْ، وَإلى الأشياءِ المَادِّيَّةِ التي في هَذا العَالَمِ، أخْشى أنَّهُمْ لا يَدْنُوْنَ مِنَ الفَرَحِ، بَلْ يَبْتَعِدونَ عَنْهُ! وَحِينئذٍ، سَيَكْتَشِفونَ أنَّهُمْ خُدِعُوا وَأنَّهُمُ ابْتَعَدوا أكْثَرَ فَأكْثَرَ عَنِ المَصْدَرِ الحَقيقيِّ للفَرَح. وَلَكِنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بأنَّهُ هُوَ مَصْدَرُ الفَرَح. أجَلْ! إنَّهُ مَصْدَرُ فَرَحِ المُؤمِن.

وَلْنَرْجِعْ ثانِيَةً إلى المَزْمور 119 لتأكيدِ هَذِهِ الشَّهادَة. فَالمُرَنِّمُ يَقولُ في العَدَد 14: "بِطَرِيقِ شَهَادَاتِكَ فَرِحْتُ كَمَا عَلَى كُلِّ الغِنَى". وَيا لَيتَنا نَسْتَطيعُ أنْ نَقولَ اليومَ إنَّ النَّاسَ يَفْرَحونَ بِكَلِمَةِ اللهِ كَما يَفْرَحونَ بالأشياءِ المَادِّيَّةِ! وَيا لَيْتَنا نَسْتَطيعُ أنْ نَقولَ إنَّنا نُقَدِّمُ للنَّاسِ الإنْجيلَ الحَقيقيَّ عِوَضًا عَنْ إنْجيلِ الرَّخاءِ وَالازْدِهار!

وَنَقْرَأُ في العَدَد 54: "تَرْنِيمَاتٍ صَارَتْ لِي فَرَائِضُكَ فِي بَيْتِ غُرْبَتِي". وَهَذِهِ آيَةٌ مِنْ أجْمَلِ الآياتِ في سِفْرِ المَزاميرِ بِمُجْمَلِه. "تَرْنِيمَاتٍ صَارَتْ لِي فَرَائِضُكَ فِي بَيْتِ غُرْبَتِي". وَهَذا يَعْني أنَّ حَياتي امْتَلأتْ بالتَّرانيمِ مِنْ جِهَةِ نُاموسِكَ. بِعِبارَةٍ أُخرى، فإنَّها وَهَبَتْني فَرَحًا يَنْسابُ كَالمُوسيقا الجَميلَةِ في قَلْبي.

وَهُوَ يَقولُ في العَدَد 76: "فَلْتَصِرْ رَحْمَتُكَ لِتَعْزِيَتِي، حَسَبَ قَوْلِكَ لِعَبْدِكَ". وَنَقْرَأُ في العَدَد 111: "وَرِثْتُ شَهَادَاتِكَ إِلَى الدَّهْرِ، لأَنَّهَا هِيَ بَهْجَةُ قَلْبِي". وَنَقْرَأُ في العَدَد 114: "سِتْرِي وَمِجَنِّي أَنْتَ. كَلاَمَكَ انْتَظَرْتُ". أجَلْ! فَأنا أحْتَمي بِكَ، يا رَبُّ، في وَسَطِ حَاجَتي وَحُزْني وَهَمِّي. وَكَما رَأيْنا، يا أحِبَّائي، فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ، وَصَادِقٌ يُصَيِّرُ الجَاهِلَ حَكيمًا، ومُسْتَقيمٌ يُفَرِّحُ القَلْبَ.

رَابِعًا، نُلاحِظُ في نِهايَةِ العَدَدِ الثَّامِنِ مِنَ المَزْمورِ التَّاسِع عَشَر أنَّ أَمْرَ الرَّبِّ "طَاهِرٌ يُنِيرُ العَيْنَيْنِ". وَيَسْتَخْدِمُ المُرَنِّمُ هُنا الكَلِمَة "أمْر" – وَهِيَ طَريقَةٌ أُخرى للنَّظَرِ إلى الكِتابِ المُقَدَّسِ. صَحيحٌ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ ناموسٌ، وَشَهاداتٌ، وَوَصَايا. وَلَكِنَّهُ أيْضًا أوامِرُ إلَهِيَّة.

وَنَجِدُ هُنا تَرْكيزًا على سُلْطانِ كَلِمَةِ اللهِ (أيْ على أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ لَيْسَ خِيارًا مِنَ الخِياراتِ المُتاحَةِ للإنْسان). فَالكِتابُ المُقَدَّسُ لا يَزْخرُ باقْتراحاتٍ كَثيرَةٍ، بَلْ هُوَ مَجْموعَةٌ مِنَ الأوامِرِ المُلْزِمَةِ التي لَها سُلْطانٌ حَقيقيٌّ. فَهِيَ تعَبِّرُ عَمَّا يُريدُهُ اللهُ مِنَّا. وَهُناكَ بَرَكَةٌ لِمَنْ يَتَجاوَبُ مَعَ هَذِهِ الأوامِرِ. أمَّا الذينَ لا يَتَجاوَبونَ مَعَها فَهُناكَ دَيْنونَةٌ تَنْتَظِرُهُم.

وَيَقولُ المُرَنِّمُ إنَّ كَلِمَةَ اللهِ التي تُخاطِبُنا بِوَصْفِها مَجْموعَةً مِنَ الأوامِرِ الإلهيَّةِ: "طَاهِرَةٌ". أجَلْ، إنَّها طَاهِرَة! وَهَذا يَعْني أنَّها "وَاضِحَة". فَهِيَ لَيْسَتْ "غَامِضَةً"، وَلا "مُرْبِكَةً"، وَلا "مُحَيِّرَةً". وَمَعَ أنَّنا قَدْ نَجِدُ في كَلِمَةِ اللهِ أُمورًا قَدْ لا نَفْهَمُها تَمامًا، فإنَّها تَبْقى وَاضِحَةً بِصورَةٍ عَامَّةٍ، وَيَسْهُلُ اسْتيعابُها، وَتُقَدِّمُ إرْشادًا وَاضِحًا للحَياةِ.

وَيَقولُ العَهْدُ القَديمُ إنَّهُ إنْ سَلَكَ الجاهِلُ في الطَّريقِ المُقَدَّسَةِ فإنَّهُ "لا يَضِلُّ". فَكَلِمَةُ اللهِ تُنيرُ الظَّلامَ. فَعِنْدَما تَكونُ هُناكَ ظُلْمَةٌ في العَالَمِ، وَتَعْجَزُ عَنْ فَهْمِ مَا يَجْري، وَلا تَعْلَمُ سَبَبَ ما يَحْدُثُ مِنْ حَوْلِكَ، فَإنَّ كَلِمَةَ اللهِ تُوَضِّحُ الأشياءَ لَكَ – خِلافًا للأفْكارِ البَشَرِيَّةِ المُشَوَّشَةِ التي هِيَ نِتاجُ أُناسٍ مُصَابينَ بالعَمَى الرُّوحِيِّ.

وَلِكَيْ نَتَمَكَّنَ مِنْ رُؤيَةِ الحَقِّ في هَذا العَالَمِ المُظْلِمِ البَعيدِ عَنِ الحَقيقَةِ، وَلِكَيْ نُمَيِّزَ الصَّوابَ مِنَ الخَطَأ، وَلِكَيْ نَتَعَزَّى في الأوقاتِ التي تَعْجَزُ فيها أذْهانُنا عَنْ فَهْمِ مَا يَجْري (كَما حَدَثَ مَعَ أيُّوب)، فَإنَّ كُلَّ الغُموضِ الذي يَكْتَنِفُ الأشياءَ يَنْجَلي مِنْ خِلالِ كَلِمَةِ اللهِ التي تُنيرُ أعْيُنَنا. وَيا لَهُ مِنْ حَقٍّ رَائِعٍ! فَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ كُلُّ الإعْلانِ الذي نَحْنُ في حَاجَةٍ إليهِ. فَهِيَ وَاضِحَةٌ. وَهِيَ سَهْلَةُ الفَهْمِ. وَهِيَ لا تَتْرُكُ أيَّ شَكٍّ في قُلوبِنا مِنْ نَحْوِ الحَقائِقِ الجَوْهَرِيَّةِ المُهِمَّة. فنحنُ نَقرأُ في أمْثال 6: 23: "لأَنَّ الوَصِيَّةَ مِصْبَاحٌ، وَالشَّرِيعَةَ نُورٌ، وَتَوْبِيخَاتِ الأَدَبِ طَرِيقُ الحَيَاةِ".

لِذلكَ، يَجِبُ علينا أنْ نَطْرَحَ السُّؤالَ الآتي: هَلِ الكِتابُ المُقَدَّسُ عَاجِزٌ عَنْ كَشْفِ هَذِهِ الأشياءِ لَنا حَتَّى إنَّنا نَلْتَجِئُ إلى الحِكْمَةِ البَشَرِيَّةِ؟ وَهَلْ يَنْبَغي لَنا أنْ نَطْلُبَ رَأيَ البَشَرِ في مَا يَحْدُث؟ وَهَلْ نَحْتاجُ إلى إعْلانٍ إضافِيٍّ؟ وَهَلْ نَحْتاجُ إلى التَّحليلِ النَّفْسِيِّ للمَشاكِلِ الرُّوحِيَّةِ مِنْ مَصادِرَ لَطَالَما رَفَضَتِ الكِتابَ المُقَدَّسَ وَأنْكَرَتْ أنَّهُ مَصْدَرُ الحَقِّ كُلِّهِ؟ وَهَلِ الكِتابُ المُقَدَّسُ عَاجِزٌ إلى هَذا الحَدِّ حَتَّى إنَّنا مُضْطَرُّونَ إلى اللُّجوءِ إلى العِلْمِ لِتَفْسيرِ أصْلِ الكَوْنِ، وَإلى الفَلْسَفَةِ لِتَفْسيرِ الحَياةِ، وَإلى عِلْمِ الاجْتِماعِ لِتَفْسيرِ الخَطِيَّةِ؟ الجَوابُ هُوَ: "لا!" فَكُلُّ النُّورِ الذي نَحْنُ في حَاجَةٍ مَاسَّةٍ إليهِ مَوْجودٌ في كَلِمَةِ اللهِ.

وَمَرَّةً أُخرى، أدْعوكُمْ إلى فَتْحِ كُتُبِكُمِ المُقَدَّسَةِ على المَزْمور 119 إذْ نَقْرَأُ في العَدَد 52: "تَذَكَّرْتُ أَحْكَامَكَ مُنْذُ الدَّهْرِ يَا رَبُّ، فَتَعَزَّيْتُ". بِعِبارَةٍ أُخرى: إنِّي أَلْتَجِئُ إلى كَلِمَتِكَ، يا رَبُّ، في وَسَطِ اليَأسِ، فَأتَعَزَّى. وَنَقْرَأُ أيْضًا في العَدَد 59: "تَفَكَّرْتُ فِي طُرُقِي، وَرَدَدْتُ قَدَمَيَّ إِلَى شَهَادَاتِكَ". بِمَعْنًى آخَر: إنِّي نَظَرْتُ إلى الطَّريقِ الذي كُنْتُ أسْلُكُ فيهِ فَعُدْتُ إلى طَريقِكَ أنْتَ!

وَنَجِدُ في الأعْداد 81-83 شَهادَةً قوِيَّةً أيضًا على وُضوحِ الكِتابِ المُقَدَّسِ وَإنارَتِهِ الطَّريق. فَنَحْنُ نَقرأُ: "تَاقَتْ نَفْسِي إِلَى خَلاَصِكَ. كَلاَمَكَ انْتَظَرْتُ. كَلَّتْ عَيْنَايَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى قَوْلِكَ، فَأَقُولُ: «مَتَى تُعَزِّينِي؟» لأَنِّي قَدْ صِرْتُ كَزِقّ فِي الدُّخَانِ، أَمَّا فَرَائِضُكَ فَلَمْ أَنْسَهَا". فَعِنْدَما تَعْجَزُ عَنِ الرُّؤيَةِ وَيَبْدو كُلُّ شَيءٍ ضَبابِيًّا، ثَبِّتْ عَيْنَيْكَ على كَلِمَةِ اللهِ.

وَنَقْرَأُ في العَدَد 86: "كُلُّ وَصَايَاكَ أَمَانَةٌ (أيْ: صَادِقَة)". وَنَقْرَأُ في العَدَد 92: "لَوْ لَمْ تَكُنْ شَرِيعَتُكَ لَذَّتِي، لَهَلَكْتُ حِينَئِذٍ فِي مَذَلَّتِي". وَنَقْرَأُ في العَدَد 105: "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي". وَنَقْرَأُ في العَدَد 130: "فَتْحُ كَلامِكَ يُنيرُ، يُعَقِّلُ الجُهَّالَ".

وَنَقْرَأُ في العَدَد 140: "كَلِمَتُكَ مُمَحَّصَةٌ جِدًّا، وَعَبْدُكَ أَحَبَّهَا". بِعِبارَةٍ أُخرى، فإنَّهُ يَقولُ إنَّ كَلِمَةَ اللهِ كَافِيَةٌ في ذاتِها وَتُعْطيني كُلَّ المَعْرِفَةِ التي أحْتاجُ إليها. فَهِيَ تُنيرُ الطَّريقَ المُظْلِمَ. وَهِيُ تُعْطيني فَهْمًا. أجَلْ! فالكِتابُ المُقَدَّسُ كَافٍ للخَلاصِ، وَكافٍ لِتَزْويدِنا بِالمَهاراتِ الحَياتِيَّةِ. وَهُوَ كافٍ لِمَلْءِ قُلوبِنا فَرَحًا وَسَعادَةً وَرِضًا. وَهُوَ كَافٍ لإعْطائِنا فَهْمًا وَاضِحًا للأشياءِ العَسِرَةِ الفَهْمِ.

خَامِسًا، نَقْرَأُ في المَزْمور 19: 9 إنَّ "خَوْفَ الرَّبِّ "نَقِيٌّ ثَابِتٌ إِلَى الأَبَد". وَنُلاحِظُ هُنا أنَّ المُرَنِّمَ يَسْتَخْدِمَ العِبارَةَ "خَوْفَ الرَّبِّ" كَمُرادِفٍ للكِتابِ المُقَدَّسِ! وَلَكِنْ لِماذا يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ لأنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَرْمِي إلى إشاعَةِ مَخافَةِ اللهِ في قُلوبِنا لِكَيْ نُدْرِكَ جَلالَ اللهِ وَلِكَيْ يَجْتَذِبَنا إلى عِبادَتِهِ. وَتُسْتَخْدَمُ الكَلِمَة "خَوْف" هُنا بِمَعْنى أنَّهُ يُنْشِئُ في القَلْبِ رَهْبَةً. فالكِتابُ المُقَدَّسُ يُنْشِئُ فينا خَوْفًا، أوْ رَهْبَةً، أوْ تَوْقيرًا، أوْ تَسْبيحًا للهِ. لِذلكَ فإنَّ المُرَنِّمَ يَسْتَخْدِمُ العِبارَةَ "خَوْف الرَّبِّ". وَلَمَّا كانَ رُوْحُ الإنْسانِ يَتوقُ دَائِمًا إلى عِبادَةِ اللهِ، فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يُعَلِّمُنا عَنِ اللهِ الحَيِّ الذي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وَعَنْ كَيفيَّةِ عِبادَتِهِ.

وَيَقولُ المُرَنِّمُ إنَّ هَذا الكِتابَ الذي يُعَلِّمُنا عَنْ عِبادَةِ اللهِ "نَقِيٌّ". وَيا لَها مِنْ فِكْرَةٍ رَائِعَةٍ وَمُدْهِشَةٍ حَقًّا! وَالكَلِمَةُ "نَقِيٌّ" تَعْني في الأصْلِ: "طَاهِر". والطُّهْرُ يُشيرُ إلى الخِلْوِ مِنَ النَّجاسَةِ، وَالدَّناسَةِ، وَالنَّقْصِ، وَالعَيْبِ. وَهَذا يَعْني أيْضًا أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ لا تَشوبُهُ شَائِبَةٌ، وَيَخْلو مِنَ الشَّرِّ، وَلا يَعْتَرِيهِ فَسَادٌ أوْ خَطَأٌ.

وَهَذا كُلُّهُ يُرينا الفَرْقَ الشَّاسِعَ بينَ الكِتابِ المُقَدَّسِ وَشَرِّ فِكْرِ الإنْسانِ. فَكَلِمَةُ اللهِ نَقِيَّةٌ إذْ لا شَرَّ فيها. لِذا، يُمْكِنُكَ أنْ تَلْتَجِئَ إليها عَالِمًا أنَّ مَا تَقولُهُ لَكَ هُوَ الحَقُّ وَلا شَيءَ غَيْرَ الحَقِّ. فالحَقُّ الذي يُعْلِنُهُ الكِتابُ المُقَدَّسُ طَاهِرٌ وَنَقِيٌّ لأنَّ الشَّرَّ لا يُخالِطُهُ. وَنَجِدُ في المَزْمور 12: 6 شَهادَةً رَائِعَةً أُخرى إذْ نَقْرَأُ: "كَلاَمُ الرَّبِّ كَلاَمٌ نَقِيٌّ، كَفِضَّةٍ مُصَفَّاةٍ فِي بُوطَةٍ فِي الأَرْضِ، مَمْحُوصَةٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ". أجَلْ! فَكَلِمَةُ اللهِ نَقِيَّةٌ جِدًّا، وَمُقَدَّسَةٌ، وَطاهِرَةٌ، وَمُنْفَصِلَةٌ عَنِ الخَطِيَّةِ.

وَما أبْعَدَ هَذِهِ السِّماتِ عَنْ كَلامِ الإنْسان! فَمَعَ أنَّكَ لا تَسْتَطيعُ أنْ تَثِقَ في كَلامِ النَّاسِ دَائِمًا، فإنَّكَ تَسْتَطيعُ أنْ تَثِقَ في كَلِمَةِ اللهِ. لِذلكَ، وَكَما يَقولُ المُرَنِّمُ، فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ "ثَابِتٌ إِلَى الأَبَدِ". وَهَذا يَعْني أنَّنا نَسْتَطيعُ أنْ نُطَبِّقَهُ دَائِمًا. فَهُوَ جَديرٌ بالتَّصْديقِ كُلَّ الوَقْتِ. وَهُوَ (كَما يَقولُ بُطْرُسُ الرَّسولُ في رِسَالَتِهِ الأولى 1: 23): "كَلِمَةُ اللهِ الحَيَّةِ البَاقِيَةِ إلى الأبَد". فَهُوَ لا يَتَغَيَّرُ البَتَّة، وَلا يَتَبَدَّلُ بِتَعاقُبِ الأجْيالِ. لِذلكَ، عِنْدَما أسْمَعُ أُناسًا يَقولونَ إنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ لا يَتَلاءَمُ مَعَ مُجْتَمَعاتِنا التِّكنولوجِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ"، فَإنَّ أوَّلَ شَيءٍ يَخْطُرُ بِبالي هُوَ أنَّهُمْ يَجْهَلونَ مَا يَقُولون.

فَالحقيقةُ هِيَ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ نَقِيٌّ وَخَالٍ مِنْ أيِّ عَيْبٍ أوْ خَطَأٍ أوْ خَطِيَّةٍ. لِذلكَ فإنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَحْديثٍ أوْ مُراجَعَةٍ أوْ تَنْقيحٍ. فَهُوَ كامِلٌ. لِذلكَ، أَيَجوزُ لَنا أنْ نُصَدِّقَ فَجْأةً أنَّهُ يَحْوي نَقائِصَ أوْ أخْطاءَ تَحْتاجُ إلى التَّصْحيحِ والتَّعديل؟ وَهَلْ يَجوزُ لَنا أنْ نُصَدِّقَ أنَّهُ يَحْتاجُ إلى شَهادَةِ أُناسٍ يُظَنُّ أنَّهُمْ يَمْتَلِكونَ خِبْرَةً أكْثَرَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ الذي أَوْحَى بِهِ؟

وَهَلْ يَجوزُ لَنا أنْ نُصَدِّقَ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ لا يَسْتَطيعُ أنْ يُنَقِّي القَلْبَ وَالنَّفْسَ وَالحَياة؟ وَهَلْ يَجوزُ لَنا أنْ نُصَدِّقَ أنَّهُ يَنْبَغي للنَّاسِ أنْ يَذْهَبوا إلى مَكانٍ مَا وَأنْ يَتَعَلَّمُوا تَرْديدَ عِباراتٍ مُعَيَّنَةٍ للتَّخَلُّصِ مِنْ خَطاياهم، أو للحُصولِ على الشِّفاءِ الدَّاخِلِيِّ، أوْ لِتَنْقِيَةِ النَّفْسِ مِنْ خِلالِ مُعالِجٍ بَشَرِيٍّ في مَكانٍ مَا لأنَّ كَلِمَةَ اللهِ ليسَتْ كَافِيَةً في ذاتِها لِتَحْريرِ النَّاسِ مِنَ الخَطِيَّةِ؟

وَهَلْ فَقَدْنا إيمانَنا بِقُدْرَةِ كَلِمَةِ اللهِ على تَطْهيرِ الأُمَّةِ فَآثَرْنا الالْتِفاتَ إلى القُوى السِّياسيَّةِ مِنْ أجْلِ جَبْرِ ضَعْفِ كَلِمَةِ اللهِ الحَيِّ الأزليَّة؟ حَاشَا أنْ نُصَدِّقَ ذَلِكَ لَحْظَةً وَاحِدَةً! فَكَلِمَةُ اللهِ كَافِيَة لأنَّها نَقَيَّة. فَهِيَ قادِرَة أنْ تُنَقِّي القَلْبَ وَأنْ تُطَهِّرَهُ.

وَمَرَّةً أُخرى، أرْجو مِنْكُمْ أنْ تَفْتَحوا على شَهادَةِ المَزْمور 119. فَكُلُّ مَا نَحْتاجُ إلى سَماعِهِ مَوْجودٌ في هَذا المَزْمور. فَعلى سَبيلِ المِثال، نَقْرَأُ في العَدَدَيْن 2 و 3: "طُوبَى لِحَافِظِي شَهَادَاتِهِ. مِنْ كُلِّ قُلُوبِهِمْ يَطْلُبُونَهُ. أَيْضًا لاَ يَرْتَكِبُونَ إِثْمًا. فِي طُرُقِهِ يَسْلُكُونَ". أجَلْ! فالأشْخاصُ الذينَ يُطيعونَ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُمْ أنْقياءُ القَلْبِ وَطَاهِرون.

وَنَقْرَأُ في الأعْداد 9-11: "بِمَ يُزَكِّي الشَّابُّ طَرِيقَهُ؟" وَهَذا سُؤالٌ مُهِمٌّ حَقًّا! فكَيْفَ يُمْكِنُكَ أنْ تُطَهِّرُ حَياتَكَ؟ مِنْ خِلالِ الشِّفاءِ الدَّاخِلِيِّ؟ أَمْ مِنْ خِلالِ اللِّقاءِ بِشَخْصٍ يَدَّعي القُدْرَةَ على حَلِّ مَشاكِلِكَ لأنَّهُ يَمْتَلِكُ قُوَىً سِحْرِيَّةً خَارِقَةً؟ أَمْ مِنْ خِلالِ اللُّجوءِ إلى بَعْضِ العُلومِ المُعاصِرَةِ التي تَزْعُمُ أنَّها تَفْهَمُ العَقْلَ البَشَرِيَّ؟ لا يا أحِبَّائي، بَلْ إنَّ كَلِمَةَ اللهِ تُجيبُ عَنْ هَذا السُّؤالِ فَتَقول: "بِحِفْظِهِ إِيَّاهُ حَسَبَ كَلاَمِكَ. بِكُلِّ قَلْبِي طَلَبْتُكَ. لاَ تُضِلَّنِي عَنْ وَصَايَاكَ. خَبَأتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ".

وَنَقْرَأُ في العَدَد 38: "أَقِمْ لِعَبْدِكَ قَوْلَكَ الَّذِي لِمُتَّقِيكَ". بِعِبارَةٍ أُخرى: امْلأنَي، يا رَبُّ، بِكَلِمَتِكَ. ثُمَّ نَقْرَأُ في العَدَد 67: "قَبْلَ أَنْ أُذَلَّلَ أَنَا ضَلَلْتُ، أَمَّا الآنَ فَحَفِظْتُ قَوْلَكَ". فَالكَلِمَةُ وَالطَّاعَةُ يَسيرانِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ. وَنَقْرَأُ في العَدَد 101: "مِنْ كُلِّ طَرِيقِ شَرّ مَنَعْتُ رِجْلَيَّ، لِكَيْ أَحْفَظَ كَلاَمَكَ". وَنَقْرَأُ في العَدَد 172: "يُغَنِّي لِسَانِي بِأَقْوَالِكَ، لأَنَّ كُلَّ وَصَايَاكَ عَدْلٌ". والآنْ، أرْجو أنْ تُصْغي إلى مَا سأقولُهُ لَكَ: إنَّ كَلِمَةَ اللهِ كَافِيَة لِتَنْقِيَتِنا. أجَلْ يا صَديقي! إنَّها كَافِيَةٌ لِتَطْهيرِ حَياتِنا. وَهِيَ وَثيقَةُ الصِّلَةِ بِحَياتِنا مِنَ الأزَل. لِذلكَ فإنَّها كُلُّ مَا نَحْتاجُ إليهِ لِتَطْهيرِ نُفوسِنا. فَنَحْنُ لَسْنَا في حَاجَةٍ إلى مُعَالِجينَ زَائِفينَ، بَلْ إنَّنا في حَاجَةٍ إلى كَلِمَةِ اللهِ.

سَادِسًا وَأخيرًا، يَقولُ المُرَنِّمُ في المَزْمور 19: 9: "أَحْكَامُ الرَّبِّ حَقٌّ". وَالعِبارَةُ "أحْكامُ الرَّبِّ" تُشيرُ هُنا إلى كَلِمَةِ اللهِ. وَهُوَ يَصِفُها بأنَّها حَقٌّ. وَالكَلِمَةُ "أحْكام" تَعْني الأحْكامَ الإلهيَّةَ. لِذلكَ فإنَّنا نَقْرَأُ هُنا عَنْ "تَعاليمِ الرَّبِّ" (أيْ عَنْ نامُوسِهِ أوْ شَريعَتِهِ). وَنَقْرَأُ عَنْ "شَهادَتِهِ" (أيْ عَنْ مَا يَشْهَدُ بِهِ عَنْ كَلِمَتِهِ). وَنَقْرَأُ أيْضًا عَنْ وَصَاياه، وَأوامِرَةُ. وَنَقْرَأُ عَنِ العِبادَةِ في مَخافَةِ الرَّبِّ. وَهَا نَحْنُ الآنَ أمامَ أحْكامِ الرَّبِّ الصَّادِرَةِ مِنْ عَرْشِ دَيَّانِ كُلِّ الأرْضِ. فالكِتابُ المُقَدَّسُ هُوَ الدُّسْتورُ القَضائِيُّ لِحَياةِ الإنْسانِ وَمَصيرِهِ الأبَدِيِّ مِنْ مِنْظارِ الدَّيَّانِ الأزَلِيِّ الوَحيد. لِذلكَ فإنَّ دَاوُدَ يَقولُ هُنا إنَّ "أحْكامَ اللهِ حَقٌّ". وَيا لَها مِنْ كَلِماتٍ مُعَبِّرَةٍ حَقًّا!

وَهَلْ تُدْرِكونَ كَمْ مِنَ الصَّعْبِ على النَّاسِ في مُجْتَمَعِنا أوْ في أيِّ مَكانٍ آخَرَ في العَالَمِ أنْ يَجِدُوا الحَقَّ؟ وَهَلْ تَعْلَمونَ المَعْرَكَةَ التي يَنْبَغي أنْ يَخوضَها الإنْسانُ بَحْثًا عَنِ الحَقِّ؟ وَلَكِنَّنا هُنا أمامَ كَلِمَةِ اللهِ التي يَصِفُها دَاوُدُ بأنَّها "حَقٌّ". أجَلْ يا صَديقي، إنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَقٌّ! وَهِيَ كَذَلِكَ دَائِمًا. وَهَذا هُوَ مَا يَجْعَلُها جَديرَةً بالتَّصْديقِ، وَوَثيقَةَ الصِّلَةِ بِنا، وَقابِلَةً للتَّطْبيقِ – خِلافًا لأكاذيبِ النَّاسِ الذينَ هُمْ، في الحَقيقَةِ، ضَحايا أبو الكَذِب (أيْ: إبليس). أجَلْ، إنَّها "حَقٌّ".

وَالآنْ، أرْجو أنْ تُصْغُوا جَيِّدًا، يا أحِبَّائي. مَا دَامَتْ كَلِمَةُ اللهِ قادَرَةً أنْ تُخَلِّصَنا. وَمَا دَامَتْ قَادِرَةً أنْ تَرُدَّ نُفوسَنا. وَما دَامَتْ قادِرَةً أنْ تُزَوِّدَنا بِكُلِّ المَهاراتِ الحَياتِيَّةِ. وَما دَامَتْ قادِرَةً أنْ تَمْلأَ قُلوبَنا فَرَحًا وَأنْ تُساعِدَنا على التَّغَلُّبِ على الحُزْنِ وَاجْتِيازِ صُعوباتِ الحَياةِ. وَما دَامَتْ قادِرَةً أنْ تُنيرَ أعْيُنَنا في وَسَطِ هَذا العَالَمِ المُظْلِمِ. وَما دَامَتْ قادِرَةً أنْ تُطَهِّرَنا مِنْ كُلِّ خَطِيَّة. وَما دَامَتْ كَلِمَةُ اللهِ حَقٌّ في جَميعِ هَذِهِ الأحْوالِ، لا شَكَّ أنَّها مَصْدَرُ كُلِّ شَيءٍ في حَياتِنا الرُّوحِيَّةِ. لِذلكَ فإنَّها جَديرَةٌ بالتَّصْديق.

وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ إلَهَ الكِتابِ المُقَدَّسِ الذي نَحْمِلُهُ بَيْنَ أيْدينا قَدْ أعْطانا مَا يُعَبِّرُ تَعْبيرًا شِبْهَ تَامٍّ عَنْ مَشيئَتِهِ الأزَلِيَّةِ لِكَيْ يُثَبِّتَ الحَقَّ الذي نَحْتاجُ إليهِ في حَياتِنا الرُّوحِيَّةِ وَفي القِيامِ بالمَهامِّ المُوْكَلَةِ إلينا. وَأنا مَتَيَقِّنٌ تَمامًا مِمَّا أقولُ لأنَّ هَذِهِ هِيَ الشَّهادَة التي شَهِدَ بِها اللهُ نَفْسُهُ. وَعِنْدَما تَسْكُنُ كَلِمَةُ اللهِ في حَياةِ الإنْسانِ وَتَكونُ عَامِلَةً فيهِ بالرُّوحِ القُدُسِ، فإنَّها تَكونُ كَافِيَةً جِدًّا. وَإنْ كُنَّا لا نُصَدِّقُ هَذا كُلَّهُ فإنَّنا نُشَكِّكُ في صِدْقِ اللهِ الحَيِّ وَنَزاهَتِهِ.

وَالآنْ، لاحِظُوا مَا جَاءَ في العَدَدِ التَّاسِعِ عَنْ نَتيجَةِ صِدْقِ الكِتابِ المُقَدَّسِ. فَلأنَّ أحْكامَهُ حَقٌّ، فإنَّها "عَادِلَةٌ كُلُّهَا". وَالفِكْرَةُ هُنا هِيَ وَصْفُ شُمولِها. فَهِيَ بِمُجْمَلِها "عَادِلَة". وَلَكِنْ هَلْ هَذا يَعْني أنَّها خَالِيَة مِنَ الأخْطاء؟ أجَلْ. وَفَوْقَ هَذا كُلِّهِ، فإنَّها مَصْدَرُ الحَقِّ الكامِلِ وَالشَّامِلِ.

لِذلكَ فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَقولُ في سِفْرِ التَّثْنِيَة 4: 2: "لاَ تَزِيدُوا عَلَى الكَلاَمِ الَّذِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ وَلاَ تُنَقِّصُوا مِنْهُ، لِتَحْفَظُوا وَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا". لِذلكَ لا يَجوزُ لَنا أنْ نَزيدَ على كَلامِ اللهِ شَيْئًا، وَلا أنْ نُنْقِصَ مِنْهُ شَيْئًا. لِماذا؟ لأنَّهُ شَامِلٌ وَكَامِلٌ. وَنَحْنُ نَقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا 22: 18 و 19: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ المَكْتُوبَةَ فِي هذَا الكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذِهِ النُّبُوَّةِ، يَحْذِفُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الحَيَاةِ، وَمِنَ المَدِينَةِ المُقَدَّسَةِ، وَمِنَ المَكْتُوبِ فِي هذَا الكِتَابِ". لِذلكَ، لا تَزِدْ على كَلامِ اللهِ شَيْئًا، وَلا تَحْذِفْ مِنْهُ شَيْئًا.

وَنَقْرَأُ في سِفْرِ التَّثْنِيَة 17: 19 و 20 عَنْ وَصايا اللهِ المُخْتَصَّةِ بِحَياةِ المَلِكِ إذْ تَقولُ كَلِمَةُ اللهِ: "فَتَكُونُ مَعَهُ [أيْ: مَعَ المَلِك]، وَيَقْرَأُ فِيهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ، لِكَيْ يَتَعَلَّمَ أَنْ يَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَهُ وَيَحْفَظَ جَمِيعَ كَلِمَاتِ هذِهِ الشَّرِيعَةِ وَهذِهِ الفَرَائِضَ لِيَعْمَلَ بِهَا، لِئَلاَّ يَرْتَفِعَ قَلْبُهُ عَلَى إِخْوَتِهِ، وَلِئَلاَّ يَحِيدَ عَنِ الوَصِيَّةِ يَمِينًا أَوْ شِمَالاً. لِكَيْ يُطِيلَ الأَيَّامَ عَلَى مَمْلَكَتِهِ هُوَ وَبَنُوهُ فِي وَسَطِ إِسْرَائِيلَ". وَنَرى هُنا أنَّ البَرَكَةَ مُرْتَبِطَةٌ بإطاعَةِ كَلِمَةِ اللهِ.

في ضَوْءِ ذَلِكَ كُلِّهِ، هَلْ يَجوزُ لَنا أنْ نُصَدِّقَ أنَّنا في حَاجَةٍ إلى إعلاناتٍ أُخرى؟ وَهَلْ يَجوزُ لَنا أنْ نُصَدِّقَ أنَّنا في حَاجَةٍ إلى مَزيدٍ مِنَ الرُّؤى وَكَلِماتِ النُّبُوَّةِ. فَهَلْ تَرَوْنَ سُخْفَ هَذِهِ الحُجَج وَالذَّرائِع؟ فَكَلِمَةُ اللهِ كَافِيَةٌ في ذَاتِها. وَهِيَ صَادِقَةٌ وَشَامِلَةٌ. وَالآنْ، لِنَفْتَحْ كُتُبَنا المُقَدَّسَةً ثانِيَةً على المَزْمور 119. فَنَحْنُ نَقرأُ في العَدَد 89: "إِلَى الأَبَدِ يَا رَبُّ كَلِمَتُكَ مُثَبَّتَةٌ فِي السَّمَاوَاتِ". وَيا لَها مِنْ كَلِماتٍ رَائِعَةٍ عَنْ كِفايَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَكَمالِهِ، وَشُمولِهِ!

وَنَقْرَأُ في العَدَد 128: "لأجْلِ ذَلِكَ حَسِبْتُ كُلَّ وَصاياكَ في كُلِّ شَيءٍ مُسْتَقيمَةً. كُلَّ طَريقِ كَذِبٍ أَبْغَضْتُ". وَنَقْرَأُ في العَدَد 137: "بَارٌّ أَنْتَ يَا رَبُّ، وَأَحْكَامُكَ مُسْتَقِيمَةٌ". وَنَقْرَأُ في العَدَد 138: "عَدْلاً أَمَرْتَ بِشَهَادَاتِكَ، وَحَقًّا إِلَى الغَايَةِ". وَنَقْرَأُ في العَدَد 142: "عَدْلُكَ عَدْلٌ إِلَى الدَّهْرِ، وَشَرِيعَتُكَ حَقٌّ". ثُمَّ نَقْرَأُ في العَدَد 151: "قَرِيبٌ أَنْتَ يَا رَبُّ، وَكُلُّ وَصَايَاكَ حَقٌّ".

وَنَقْرَأُ في العَدَد 160: "رَأسُ كَلاَمِكَ حَقٌّ، وَإِلَى الدَّهْرِ كُلُّ أَحْكَامِ عَدْلِكَ". أجَلْ، يا صَديقي! فَالِكتابُ المُقَدَّسُ هُوَ شَهادَةٌ رَائِعَةٌ. وَهُوَ مَصْدَرٌ كَامِلٌ وَشامِلٌ للحَقِّ الرُّوحِيِّ اللَّازِمِ للحَياةِ الرُّوحِيَّةِ وَلِسَدِّ كُلِّ حَاجَةٍ رُوْحِيَّةٍ عِنْدَ الإنْسان. وَمَا هَذِهِ، يا أحِبَّائي، إلَّا مُحاوَلَةً مُتَواضِعَةً للكَشْفِ (في وَقْتٍ وَجيزٍ) عَنِ الكُنوزِ الدَّفينَةِ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ التي تَتَحَدَّثُ عَنْ كِفايَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ.

بِناءً على مَا سَبَق، أوَدُّ أنْ أُوَجِّهَ أنْظارَكُمْ إلى أهَمِيَّةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ وَقيمَتِهِ. تَأمَّلوا، مِنْ فَضْلِكُمْ، في الآيات 10-13 التي سَأقْرَأُها الآن. وَأَرْجو أنْ تُصْغُوا بِعِنايَة. فالكِتابُ المُقَدَّسُ قَيِّمٌ جِدًّا بِوَصْفِهِ المَصْدَرَ الشَّامِلَ للحَياة. وَهُوَ لا يُماثِلُهُ شَيءٌ في القيمَةِ لأنَّهُ:

أوَّلًا، مَصْدَرُ أعْظَمِ كَنْزٍ يُمْكِنُنا أنْ نَمْتَلِكَهُ. فنحنُ نَقرأُ في العَدَد 10: "أَشْهَى مِنَ الذَّهَبِ وَالإِبْرِيزِ الكَثِيرِ". أجَلْ، يا صَديقي! فَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ أعْظَمُ شَيْءٍ يُمْكِنُنا أنْ نَمْتَلِكَهُ. فَإنْ كُنَّا نَمْتَلِكُ كَلِمَةَ اللهِ فإنَّنا نَمْتَلِكُ أعْظَمَ كَنْزٍ في العَالَمِ بِأسْرِهِ.

وَيا لَيْتَنا نَسْتَطيعُ أنْ نُقْنِعَ مُجْتَمَعَنا بِهَذا! وَيا لَيْتَنا نَسْتَطيعُ أنْ نُقْنِعَ كَثيرينَ في الكَنائِسِ الإنْجيليَّةِ بأنَّنا لَسْنا في حَاجَةٍ إلى تَقْديمِ الوُعودِ المَادِّيَّةِ للنَّاسِ. فَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ أعْظَمُ كَنْزٍ. وَهِيَ عَظيمَةُ القِيمَةِ لأنَّها تَقودُ الإنْسانَ في طَريقِ الفَرَحِ، وَتَرُدُّ النَّفْسَ، وَتُصَيِّرُ الجَاهِلَ حَكيمًا (عَدا عَنْ كُلِّ مَا ذَكَرْناهُ قَبْلَ قَليل). أجَلْ يا صَديقي! إنَّها أعْظَمُ كَنْزٍ في الوُجود!

ثانِيًا، الكِتابُ المُقَدَّسُ لا يُماثِلُهُ شَيءٌ في القيمَةِ لأنَّهُ أعْظَمُ بَهْجَةٍ. فنحنُ نَقرأُ في العَدَد 10: "... أَحْلَى مِنَ العَسَلِ وَقَطْرِ الشِّهَادِ". فَلا شَيْءَ يَفوقُ كَلِمَةَ اللهِ حَلاوَةً أوْ بَهْجَةً أوْ غِنًى. وَلا شَيءَ يَفوقُها في الأهميَّةِ على النِّطاقِ الشَّخْصِيِّ. فَهِيَ أجْمَلُ شَيءٍ على الأرْضِ. لِذلكَ، أوَدُّ أنْ أسْألَكَ، يا صَديقي: مَا الذي تَبْحَثُ عَنْهُ؟ وَأيْنَ تَجِدُ مُتْعَتَكَ؟

وَيُمْكِنُني أنْ أقولَ لَكُمْ بِمِلْءِ الثِّقَةِ إنَّهُ لا مُتْعَةَ في الحَياةِ بِأسْرِها تَفوقُ المُتْعَةَ وَالفَرَحَ الدَّائِمَيْنِ النَّاشِئَيْنِ عَنْ صَرْفِ سَاعاتٍ في قِراءَةِ كَلِمَةِ اللهِ وَالتَّأمُّلِ فيها. وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ الحَلَّ لِجَميعِ مُشْكِلاتِنا لا يَكْمُنُ في مُحاوَلَةِ سَدِّ النَّقْصِ المَزْعومِ في الكِتابِ المُقَدَّسِ. بَلْ إنَّ الحَلَّ الأمْثَلَ يَكْمُنُ في التَّطْبيقِ السَّليمِ للكِتابِ المُقَدَّسِ – بَعْدَ دِراسَتِهِ وَفَهْمِهِ فَهْمًا صَحيحًا. لِذلكَ فَإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ أعْظَمُ كَنْزٍ وَأعْظَمُ بَهْجَةٍ.

ثالِثًا، الكِتابُ المُقَدَّسُ لا يُماثِلُهُ شَيءٌ في القيمَةِ لأنَّهُ أعْظَمُ حِمايَةٍ لَنا. فنحنُ نَقرأُ في المَزْمور 19: 11: "أَيْضًا عَبْدُكَ يُحَذَّرُ بِهَا". فَالكِتابُ المُقَدَّسُ مَصْدَرٌ عَظيمٌ لِحِمايَتِنا. فَعِنْدَما نُواجِهُ التَّجارِبَ وَالخَطِيَّةَ وَالجَهْلَ، فإنَّنا نَكونُ في حَاجَةٍ مَاسَّةٍ إلى كَلِمَةِ اللهِ. فَهِيَ تَحْمينا. وَنَحْنُ نُخَبِّئُها في قُلوبِنا لِكَيْ لا نُخْطِئَ إلى اللهِ الحَيِّ.

رابِعًا، الكِتابُ المُقَدَّسُ لا يُماثِلُهُ شَيءٌ في القيمَةِ لأنَّهُ أعْظَمُ فَائِدَةٍ لَنا. فَعِنْدَما نُطَبِّقُ الحَقَّ المُعْلَنَ فيهِ فإنَّنا نَنالُ مُكافَأةً عَظيمَةً. ولَكِنَّ المُكافَأةَ الحَقيقيَّةَ هِيَ لَيْسَتْ هُنا أوِ الآن. وَهِيَ لَيْسَتْ إقْرارًا إيجابيًّا ولا تَخَيُّلًا ذِهْنِيًّا لِما تَرْغَبُ فيهِ الآن. فَالمُكافأةُ الحَقيقيَّةُ لإطاعَةِ كَلِمَةِ اللهِ تَتَمَثَّلُ في المَجْدِ الآتِي. فَعِوَضًا عَنِ العَيْشِ مِنْ أجْلِ تَكْديسِ الأمْوالِ وَالأشياءِ المَادِّيَّةِ عَلى الأرْضِ (كَما هِيَ حَالُ كَثيرينَ مِمَّنْ يُرَكِّزنَ فَقَطْ على الصِّحَّةِ، وَالمَالِ، وَالرَّخاءِ، وَالنَّجاحِ الوَقْتِيِّ)، يَجِبُ علينا أنْ نُدْرِكَ نَعيمَ العَيْشِ مِنْ أجْلِ المُكافأةِ الأبديَّةِ.

أجَلْ يا أحِبَّائي! فالكِتابُ المُقَدَّسُ هُوَ الشَّيءُ الوَحيدُ الذي يَمْنَحُنا، دُوْنَ أدْنى شَكٍّ، أعْظَمَ كَنْزٍ، وَأعْظَمَ بَهْجَةٍ، وَأعْظَمَ حِمايَةٍ، وَأعْظَمَ فَائِدَةٍ.

خَامِسًا، الكِتابُ المُقَدَّسُ لا يُماثِلُهُ شَيءٌ في القيمَةِ لأنَّهُ أعْظَمُ مُطَهِّرٍ لِحَياتِنا. وَهَذا هُوَ مَا نَقْرَأُهُ في المَزْمور 19: 12 و 13. فَمَعَ أنَّ دَاوُدَ مَرَّ بِظُروفٍ عَصِيبَةٍ حَقًّا، فَإنَّهُ يَقولُ: "السَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا؟"

وَكَأنَّ لِسانَ حَالِ دَاوُدَ هُنا هُوَ: بَعْدَ أنْ قُلْتَ هَذا كُلَّهُ عَنْ كَلِمَةِ اللهِ، كَيْفَ يُمْكِنُني أنْ أَفْهَمُ سَبَبَ اقْتِرافي لِلْخَطِيَّة؟ وَلِمَ سَأتَعَدَّى على الشَّيءِ القادِرِ أنْ يُغَيِّرَني، وَأنْ يَجْعَلَني حَكيمًا، وَأنْ يَمْلأَ قَلْبي فَرَحًا، وَأنْ يُنيرَ عَيْنَيَّ، وَأنْ يُنَقِّي قَلْبي، وَأنْ يَسُدَّ كُلَّ حَاجَاتي؟ لِمَ أتَعَدَّى على حَقٍّ كَهَذا؟ وَكَيْفَ أفْهَمُ مَا يَحْدُث؟

وَبَعْدَ أنْ يَتَفَحَّصَ دَاوُدُ كَلِمَةَ اللهِ فَإنَّهُ يَقولُ: "مِنَ الخَطَايَا المُسْتَتِرَةِ أَبْرِئْنِي". وَالخَطايا المُسْتَتِرَةُ هِيَ تِلْكَ التي لَمْ أقْتَرِفْها عَمْدًا وَلَمْ أُخَطِّط لَها، بَلْ رُبَّما نَسيتُها بِرُمَّتِها وَنَسيتُ أنْ أعْتَرِفَ بِها. ثُمَّ يَقولُ دَاوُد: "أَيْضًا مِنَ المُتَكَبِّرِينَ [أيِ: الكَبائِرِ] احْفَظْ عَبْدَكَ". وَالكَبائِرُ هِيَ الخَطايا التي أُدْرِكُها، وَأُخَطِّطُ لَها، وَأَعْلَمُ عَنْها. وَهَكَذا فإنَّ دَاوُدَ يُصَلِّي إلى اللهِ وَيَسْألُهُ أنْ يَحْفَظَهُ مِنَ الخَطايا الخَفِيَّةِ، وَمِنَ الكَبائِرِ. وَهُوَ يُتابِعُ قَائِلًا: "فَلاَ يَتَسَلَّطُوا عَلَيَّ. حِينَئِذٍ أَكُونُ كَامِلاً وَأَتَبَرَّأُ مِنْ ذَنْبٍ عَظِيمٍ".

إذًا، يَسْألُ دَاوُدُ اللهَ أنْ يُنَجِّيِه. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ العِبارَةَ "ذَنْب عَظيم" تُشيرُ إلى مُحاوَلَةِ تَحْريرِ النَّفْسِ أوِ التَّخَلُّصِ مِنْ حَاجِزٍ سَابِقٍ. بِعِبارَةٍ أُخرى، إنَّها تُشيرُ إلى مُحاوَلَةِ الهَرَبِ مِنْ سِيادَةِ اللهِ وَمِنْ نِطاقِ النِّعْمَةِ. لِذلكَ، يُمْكِنُنا أنْ نَرى أنَّ نَظْرَةً فَاحِصَةً وَاحدَةً إلى الكِتابِ المُقَدَّسِ قَدْ تُحْدِثُ تأثيرًا مُضادًّا إذْ إنَّها تَدْفَعُنا إلى التَّضَرُّعِ إلى اللهِ لِكَيْ يُطَهِّرَ قُلوبَنا. لِذلكَ فإنَّ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ أعْظَمُ مُطَهِّرٍ لِحياتِنا.

وَقَدْ تَرْغَبُ، صَديقي المُسْتَمِع، في كِتابَةِ هَذِهِ النِّقاطِ (عَنْ أهَمِيَّةِ كَلِمَةِ اللهِ في حَياتِنا) عَلى وَرَقَةٍ صَغيرَةٍ، وَأنْ تَحْتَفِظَ بِها في مَكانٍ مَا. وَعِنْدَما تَجْلِسُ لِدِراسَةِ كَلِمَةِ اللهِ، قَدْ تُذَكِّرُكَ هَذِهِ النِّقاطُ بِما يُمْكِنُ للكِتابِ المُقَدَّسِ أنْ يَفْعَلَهُ في حَياتِكَ. فَهُوَ أعْظَمُ كَنْزٍ لأنَّهُ يُزَوِّدُكَ بِكُلِّ مَا يَلْزَمُكَ لِمُعالَجَةِ جَميعِ مَشاكِلِ الحَياةِ. وَهُوَ أعْظَمُ بَهْجَةٍ لأنَّهُ يَمْلأُ قَلْبَكَ فَرَحًا في كُلِّ الظُّروفِ وَالأحوال. وَهُوَ أعْظَمُ حِمايَةٍ لأنَّهُ يُحَذِّرُكَ. وَهُوَ أعْظَمُ فَائِدَةٍ لأنَّهُ يَقودُكَ إلى المُكافأةِ الأبديَّةِ. وَهُوَ أعْظَمُ مُطَهِّرٍ لأنَّهُ يُنَقِّي قَلْبَكَ.

بِهَذا، نَكونُ قَدْ تَحَدَّثْنا عَنْ كِفايَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ وَقِيمَتِهِ. وَلَكِنْ ماذا عَنْ تَكْريسِنا لَهُ وَتَعَهُّدِنا مِنْ نَحْوِهِ. فَما هُوَ تَجاوُبُكَ مَعَ كُلِّ مَا ذَكَرْناه؟ نَجِدُ الرَّدَّ عَنْ هَذا السُّؤالِ في المَزْمور 19: 14. فَهَذِهِ هِيَ صَرْخَةُ دَاوُدَ (الَّتي أرْجو أنْ تَكونَ صَرْخَةَ قَلْبِكَ أنْتَ أيْضًا): "لِتَكُنْ أَقْوَالُ فَمِي وَفِكْرُ قَلْبِي مَرْضِيَّةً أَمَامَكَ يَا رَبُّ، صَخْرَتِي وَوَلِيِّي".

وَلَكِنْ لِماذا يَقولُ دَاوُد: "لِتَكُنْ أَقْوَالُ فَمِي وَفِكْرُ قَلْبِي مَرْضِيَّةً أَمَامَكَ يَا رَبُّ"؟ لأنَّهُ يُريدُها أنْ تَكونَ مُتَوافِقَةٌ مَعَ كَلِمَةِ اللهِ وَإعْلانِهِ. فَكَأنَّ لِسانَ حَالِهِ هُوَ: "اجْعَلْني، يا رَبُّ، رَجُلَ الكَلِمَة. اجْعَلْ أفْكار قَلْبي مُوافِقَةً لِتَعْليمِ الكِتابِ المُقَدَّسِ. واجْعَلْ اقْوالَ فَمي مُنْسَجِمَةً مَعَ الكِتابِ المُقَدَّسِ أيْضًا. وَاحْفَظْني في كَلِمَتِكَ". وَهَذا هُوَ، يا صَديقي، التَّكْريسُ السَّليمُ وَالتَّعَهُّدُ الحَقيقيُّ.

وَكَمْ يُؤسِفُني أنْ أَقولَ إنَّنا نَرَى أُمورًا مُحْزِنَةً في الكَنيسَةِ الإنْجيليَّةِ اليومَ. وَكُنْتُ قَدْ فَصَّلْتُ ذَلِكَ تَفْصيلًا. فَإنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ سَمِعْتَ العِظَةَ السَّابِقَةَ، حَاوِلْ أنْ تَسْتَمِعَ إليها. فَهُناكَ أشْخاصٌ كَثيرونَ يُقِرُّونَ بِصِحَّةِ كَلِمَةِ اللهِ، وَلَكِنَّهُمْ يَلْهَثونَ وَراءَ أُمورٍ كَثيرَةٍ أُخرى لأنَّهُمْ يَشْعُرونَ بأنَّ كَلِمَةَ اللهِ لا تَسُدُّ حَاجَتَهُمْ. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ هَذِهِ كِذْبَةٌ مِنْ أكاذيبِ الشَّيْطانِ لأنَّهُمْ لَمْ يَعيشوا يَوْمًا حَياةً مُوافِقَةً لِلْكِتابِ المُقَدَّسِ، وَلأنَّهُمْ لَمْ يَكونُوا شُرَفاءَ كَأهْلِ بِيرِيَّة (الذينَ كَانُوا يَفْحَصونَ الكُتُبَ المُقَدَّسَةَ كُلَّ يَوْمٍ). كَذَلِكَ، فَإنَّ مَا قَالَهُ الرَّسولُ بولُسُ في رِسالَتِهِ إلى أهْلِ كُولوسي يَصُحُّ عَليهِمْ أيْضًا لأنَّهُمْ لَمْ يَسْمَحُوا لِكَلِمَةِ المَسيحِ أنْ تَسْكُنَ فيهِم بِغِنًى.

فَقَدْ عَامَلَ هَؤلاءِ الأشخاصُ كَلِمَةَ اللهِ بإهْمالٍ وَلَمْ يَتَمَتَّعُوا بِقُوَّتِها وَعُمْقِها. وَمَا أحْوَجَنا في هَذا اليومِ أنْ نَدْعو كَنيسَةَ المَسيحِ إلى العَوْدَةِ إلى الانْشِغالِ بكَلِمَةِ اللهِ الحَيَّةِ وَاللَّهْجِ فيها. وَلْتَكُنْ رِسَالَتُنا خَالِيَةً مِنْ أيِّ عَناصِرَ خَارِجِيَّةٍ غَيْرَ كَلِمَةِ اللهِ. وَلْنُرَكِّزْ فَقَطْ على تَوْصيلِ كَلِمَةِ اللهِ لأنَّ لَنا فيها وَحْدَها كُلَّ الكِفايَة. وَهَذا يُذَكِّرُني بِكَلِماتٍ قَالَها شَيْخُ مُسِنٌّ مِنْ إحَدى القَبائِلِ البِدائيَّةِ الإفريقيَّةِ لِلْمُبَشِّرِ العَظيمِ "روبرت مُوفات". فَقَدْ قالَ لَهُ وَهُوَ يَحْمِلُ الكِتابَ المُقَدَّسَ بِيَدِهِ: "هَذا هُوَ النَّبْعُ الذي أَرْتَوي مِنْهُ. وَهَذا هُوَ الزَّيْتُ الذي يُنيرُ مِصْباحِي". وَلَيْتَنا جَميعًا نَنْظُرُ إلى الكِتابِ المُقَدَّسِ بِهَذِهِ النَّظْرَةِ نَفْسِها. وَالآنْ، لِنَحْنِ رُؤوسَنا للصَّلاة:

في قَلْبِكَ في هَذِهِ اللَّحْظَةِ، هَلْ يُمْكِنُكَ أنْ تُجَدِّدَ عَهْدَكَ أمامَ الرَّبِّ بِأنَّكَ سَتُكَرِّسُ نَفْسَكَ لِكَلِمَتِهِ؟ هَلْ يُمْكِنُكَ أنْ تَسْتَجْمِعَ أفْكارَكَ لِلْقِيامِ بِذَلِك؟ فَما العَهْدُ الذي تَرْغَبُ في تَجْديدِهِ أمَامَ الرَّبِّ؟ فَما تَعَلَّمْناهُ اليومَ مِنْ خِلالِ تَأمُّلِنا في كَلِمَةِ اللهِ لا يُضَاهيهِ شَيْءٌ آخَرُ في الأهميَّةِ أوِ القيمَةِ في حَياةِ المُؤمِن.

فَهَلْ تَتَعَهَّدُ أَمَامَ اللهِ بأنْ تَكونَ ثَابِتًا وَراسِخًا في كَلِمَتِهِ؟ وَأنْ تَنْتَهِلَ مِنْها كُلُّ مَا تَحْتاجُ إليهِ؟ وَأنْ تُطَبِّقَها في حَياتِكَ؟ وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّكَ لَنْ تُدْرِكُ مَا يُمْكِنُ لِكَلِمَةِ اللهِ أنْ تَفْعَلَهُ في قَلْبِكَ وَحَياتِكَ إلَّا إنْ دَرَسْتَها. أَمَّا إنْ لَمْ تَدْرُسْها فَسَتَخْسَرُ الكَثير. فَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ المَصْدَرُ الرُّوحِيُّ الكَامِلُ لَكَ مِنْ خِلالِ قُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس.

أُصَلِّي، يَا أَبَانا، مِنْ أجْلي وَمِنْ أجْلِ جَميعِ مَنْ يَسْمَعونَ هَذِهِ الرِّسالَة - رَاجِيًا أنْ نَكونَ جَميعًا مُكَرَّسينَ لِلْكَلِمَةِ التي نَقْرَأُ (في المَزْمور 138) أنَّكَ عَظَّمْتَها "عَلَى كُلِّ اسْمِكَ". وَلَيْتَك، يا رَبُّ، تُساعِدَنا على أنْ نَكونَ شُرَفاءَ مِثْلَ أهْلِ بِيرِيَّة الذينَ كَانُوا يَفْحَصُوا الأسْفارَ المُقَدَّسَةَ كُلَّ يَوْمٍ. وَنَسْألُكَ أيْضًا، يا رَبُّ، أنْ تُساعِدَنا على أنْ نَجِدَ في كَلِمَتِكَ مَا وَجَدَهُ ذَلِكَ الشَّيْخُ المُسِنُّ الإفْريقيُّ – أيْ أنْ تَكونَ النَّبْعَ الذي نَرْتَوي مِنْهُ، وَالزَّيْتَ الذي يُنيرُ مِصْباحَنا. وَأخيرًا، نَسْألُكَ، يا إلَهَنا الحَيَّ، أنْ تُلْهِبَ كَلِمَتَكَ الحَيَّةَ في قُلوبِنا بالرُّوحِ القُدُسِ السَّاكِنِ فينا. فَنَحْنُ لا نُريدُ أنْ نَقْرَأها كَواجِبٍ دِيْنِيٍّ، وَلا أنْ نَدْرُسَها لِغاياتٍ أَكَاديمِيَّةٍ بَحْتَةٍ؛ بَلْ نُريدُ أنْ نَلْهَجَ فيها نَهارًا وَلَيْلًا لأنَّها الحَقُّ الحَيُّ وَالمُحَرِّرُ في حَياتِنا. باسْمِ يَسوعَ المَسيحِ نُصَلِّي. آمين!

This sermon series includes the following messages:

< !--Study Guide -->

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize