Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كَما تَعلمون، فإنَّنا نَدرُسُ إنجيل لوقا، ولكِنَّنا أخذنا استراحةً قصيرة. وأنا أُشارِكُ مَعَكُم موضوعَ: "الإنقاذ: العقيدة المُهْمَلة". ورُبَّما تَدعو الحاجة إلى تَقديمِ اعتذارٍ إلى الأشخاصِ الَّذينَ لم يكونوا مَعَنا في شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر. فنحنُ نَقومُ بدراساتٍ مُتَّصِلة هُنا، ونُعَلِّمُ دائمًا سِفْرًا مُحَدَّدًا آية-آية. فإنْ جِئْتُم في أَحَدِ أيَّامِ الأحد إلى كنيسةِ "غريس" (Grace Church)، قد تَجِدونَ مِنَ الصَّعْبِ قليلاً أنْ تُتابِعوا الدِّراسة لأنَّنا نُواصِلُ تِباعًا [أُسبوعًا تِلْوَ الآخر] دِراسَتَنا لكلمةِ الله.

ولكِنَّنا أخذنا استراحةً قصيرةً مِنْ إنجيل لوقا للتحدُّثِ عن موضوعِ الإنقاذ. وأعتَرِفُ لكم أنَّ هذا الموضوعَ أيضًا صَارَ موضوعًا مُتواصِلاً نَدْرُسُهُ مُنْذُ شَهْر. وأعتذرُ إنْ كُنْتُمْ قد وَجَدْتُمْ أنفُسَكُمْ في وَضْعٍ كهذا في مُنتصفِ هذا الصَّباح. وأنا قَلِقٌ جِدًّا لأنَّ الكنيسةَ الإنجيليَّةَ تُبْدي استعدادَها ورِضاها للتَّخَلِّي عنِ العقيدة السَّليمة. وأنا لا أتحدَّثُ عنِ الكنائسِ اللِّيبراليَّة (أوِ المُتحرِّرة)، بل أتحدَّثُ عنِ الكنائسِ الَّتي تَدَّعي أنَّها إنجيليَّة. فالكثيرُ مِنَ القادةِ الإنجيليِّينَ المَعروفينَ، والكُتَّاب، والرُّعاة، والأساتذة الجامِعيِّين، وأصْحابِ النُّفوذِ رَاضينَ عنِ انعدامِ التَّمييزِ كما لو أنَّ ذلكَ فَضيلة رُوحيَّة!

وَأعتقد أنَّنا لو كُنَّا نَعيشُ في زَمَنِ "سبيرجن" (Spurgeon) لقُلْنا إنَّهُم "تَقَهْقَروا". فالكنيسةُ في وَضْعٍ حَرِجٍ جِدًّا. والكنيسة الإنجيليَّة تَتَقهْقَرُ بعدَ أنْ كانَتْ تُحَلِّقُ عاليًا في مُرْتَفعاتِ الحَقِّ وتَمْجيدِ اللهِ. فهي تَتَخَلَّى بِمِلْءِ إرادَتِها عنْ رُوْحِ التَّمييزِ لديها، وتَتَخَلَّى بِمِلْءِ إرادَتِها عنِ التَّفسيرِ الكِتابيِّ. لِذا فإنَّها تَتخلَّى عنِ الفهمِ العميقِ والصَّحيحِ للحَقّ. وبقيامِها بذلك، فإنَّها تَبتعِدُ عنِ الأمورِ الَّتي تُمَجِّدُ اللهَ لأنَّ ما يُمَجِّدُ اللهَ هُوَ الشَّرْحُ السَّليمُ للكتابِ المقدَّس.

واسمحوا لي أنْ أقولَ لكم، ببساطة مُتناهِيَة، لماذا. في الكتابِ المقدَّس، نَجِدُ أنَّ اللهَ مُعْلَنٌ. وَمَجْدُ اللهِ مُعْلَنٌ في كُلِّ أسفارِ الكتابِ المقدَّس. فاللهُ يُعْلِنُ ذاتَهُ في الكتابِ المقدَّس. لِذا فإنَّ هُناكَ وَاجِبًا واضِحًا وَمُلْزِمًا واحِدًا مُلْقَى على عَاتِقِ الواعِظِ وَهُوَ أنْ يُظْهِرَ مَجْدَ اللهِ مِنْ خِلالِ شَرْحِ الكتابِ المقدَّس. وسوفَ أقولُ ذلكَ مَرَّةً أُخرى: هُناكَ وَاجِبٌ واضِحٌ وَمُلْزِمٌ واحِدٌ مُلْقَى على عَاتِقِ الواعِظِ وَهُوَ أنْ يُظْهِرَ مَجْدَ اللهِ مِنْ خِلالِ شَرْحِ الكتابِ المقدَّس. فعندما تَشْرَحُ كلمةَ اللهِ، فإنَّكَ تُعَلِّمُ العقيدةَ السَّليمة؛ أيِ الحَقَّ. وعندما يَصيرُ الحَقُّ مَفهومًا وَيَصيرُ الحَقُّ مَعروفًا، فإنَّ اللهَ يَصيرُ مُعْلَنًا مِنْ خلالِ ذلكَ الحَقّ.

فإعلانُ الكتابِ المقدَّسِ هُوَ الحَقُّ. وَالحَقُّ الإلهيُّ هُوَ ذاتُ طَبيعةِ وَجوهرِ اللهِ. لِذا فإنَّني أقولُ ثانيةً إنَّ هُناكَ وَاجِبًا واضِحًا وَمُلْزِمًا واحِدًا مُلْقَى على عَاتِقِ الواعِظِ وَهُوَ أنْ يُظْهِرَ مَجْدَ اللهِ مِنْ خِلالِ شَرْحِ الكتابِ المقدَّس. ولكِنَّ هذا ليسَ هو ما يَحدُثُ في الكنيسةِ الإنجيليَّةِ اليوم. بل إنَّ النَّاسَ يَبْتَعِدونَ عَنِ الوعظِ الكِتابيِّ والتَّعليمِ الكِتابيِّ والتَّفسيرِ الكِتابيِّ. وَهُمْ يَتَخَلَّوْنَ عنِ اهتمامِهم بالعقيدةِ السَّليمة، والاهتمامِ بالحَقِّ القويم. وَهُمْ يَعْتَنِقونَ أيَّ شيءٍ وكُلَّ شيءٍ يَقولُ عَنْ نَفْسِهِ [اسْمِيًّا] إنَّهُ "مَسيحيّ". وسوفَ تَستمرُّ الكنيسةُ في القيامِ بذلك إلى أنْ يَقِفَ شخصٌ [أو أشخاصٌ] وَيُنادونَ بكلمةِ الله.

فالكلمة الَّتي يُنادى بِها بأمانَة، وَالكلمة الَّتي يُنادى بها بِصورة صحيحة، وَالكلمة الَّتي يُنادى بها دُوْنَ كَلَلٍ أوْ مَلَلْ تُعَرِّفُ النَّاسَ إلى الجَلالِ الحَقيقيِّ لله. وهَذا يُصاحِبُهُ فَهْمٌ صَحيح. وأيُّ واعِظٍ لا يَفعلُ ذلك قد تَخَلَّى عن مَسؤوليَّتِهِ أمامَ الله. وَدَوْري، بِصِفَتي واعِظًا، بَسيطٌ جِدًّا. فما هُوَ مُتوقَّعٌ مِنِّي هو أنْ أُعَلِّمَ الحقائقَ الكِتابيَّة العميقة حَتَّى أَقودَكُمْ إلى مُرتفعاتِ التَّسبيح. وأعتقد أنَّ بعضَ الزُّوَّارِ مِنْكُم يَقولونَ في أنفُسِهِم، ولا سِيَّما إنْ كُنْتُمْ قد جِئْتُم مِنْ بيئة كَنسيَّة مُختلِفة عَنَّا، أعتقد أنَّكُم تقولونَ إنَّنا نُرَنِّمُ الكثيرَ مِنَ التَّرانيمِ القديمة هُنا. فأينَ هِيَ جَوْقَاتُ التَّرنيم؟ وَهُناكَ سَبَبٌ لذلك. فالتَّرانيمُ وَثيقةُ الصِّلَةِ باللَّاهوت.

فحينَ تكونُ عميقًا، تَكونُ مُحَلِّقًا. وحينَ يكونُ لاهوتُكَ ضَحْلاً، تكونُ تَرانيمُكَ سَطحيَّة. وحينَ يكونُ فَهْمُكَ سطحيًّا للحقِّ الإلهيِّ، يكونُ تَعبيرُكَ عنهُ سَطحيًّا. ولكِنْ عندما يكونُ لَديكَ أُناسٌ فَهِموا عُمْقَ الحَقِّ الإلهيِّ، ولديهم أفكار رائعة ومجيدة عنِ اللهِ نَابِعَة مِنْ فهمٍ للحقائقِ الرَّاسخةِ للحَقِّ الإلهيِّ، فإنَّهم لن يَرْضوا بالتَّعبيرِ السَّطحيِّ عنها. ونحنُ نُحِبُّ التَّرانيمَ القديمة لأنَّها عميقة. وهي تَحوي مَوهبة شِعْريَّة مُعَيَّنة تَصِلُ إلى أعماقِ لاهوتِنا وتُعَبِّرُ عنهُ بطريقة رائعة.

فلا يَجوزُ أنْ نَنْخَدِعَ بالألْحانِ الجميلة، بل يَكفي أنْ نُرَنِّمَ كلماتٍ رائعة. ولا حَاجَةَ إلى إعادةِ المَقاطِعِ مِرارًا وتَكرارًا لِتَحريكِ عَواطِفِ النَّاس. فأفكارُنا بخصوصِ الحَقِّ، وأفكارُنا بخصوصِ اللهِ هي الَّتي تَحْفِزُنا على التَّرَنُّمِ بِتَرانيم عميقة. لِذا فإنَّ مَسؤوليَّةَ الواعِظِ هي أنْ يُوَصِّلَ الحَقَّ، وأنْ يُفَصِّلَ الحَقَّ المُعلَنَ في كلمةِ الله، وأنْ يَتعمَّقَ في الحَقِّ المُعلَنِ في كلمةِ الله. وحينئذٍ فإنَّ مَجْدَ اللهِ يُعلَن. وعندما يُعلَنُ مَجدُ اللهِ، فإنَّ شَعْبَ اللهِ يُسَبِّحُه. لِذا فإنَّ الواعِظَ يَغْطُسُ عَميقًا لكي يُحَلِّقَ بِرَعِيَّتِهِ عاليًا. فَهُوَ يَتَعَمَّقُ في الحَقِّ لكي يُحَلِّقُّوا في سَماءِ التَّسبيح.

وأنا أَمْلِكُ أداةً واحدةً فقط. فهل يُمكنُكم أن تتخيَّلوا حِرْفَةً يَستخدِمُ فيها الحِرَفِيُّ أداةً واحدةً فقط؟ فأنا أَمْلِكُ أداةً واحدةً، واحدةً فقط؛ وهي: الكتابُ المقدَّس. فهي الأداةُ الوحيدة. وهناكَ كِتابٌ مَعروفٌ كَتَبَهُ راعٍ مَشْيَخِيٍّ مَعروف يَدْعو إلى الإيمانِ بحقيقةِ أنَّ الإنجيلَ مَوجودٌ في النُّجوم ... أنَّ الإنجيلَ كُلَّهُ، بِما في ذلكَ التَّبرير، مُعْلَنٌ في البُروجِ الفَلَكِيَّة. وهو يقولُ في هذا الكِتابِ إنَّ اللهَ كَرَزَ بالإنجيلِ والنُّجومِ لآدَم حَتَّى قَبْلَ أنْ يَسْقُط. وهذا ليسَ تَعليمًا جديدًا. فقد مَضى على هذا الكَلامِ سَنوات عديدة. وما يُدهِشُني هو أنَّ رَجُلاً يَعرِفُ اللَّاهوتَ جَيِّدًا يَكْتُبُ كِتابًا كهذا لأنَّ هذا الكَلامَ هُوَ إنكارٌ صَريحٌ للإيمانِ بالكِتابِ المُقَدَّسِ وَحْدَهُ. اسمعوني: أنا أَمْلِكُ أداةً واحدةً فقط. وهي ليست النُّجوم، بل هي هذا الكِتاب.

فقد أَعلنَ اللهُ كُلَّ الحَقِّ الإلهيِّ في كِتابٍ واحدٍ كَتَبَهُ هُوَ. فإنْ قُلتُم إنَّ الحَقَّ موجودٌ في الكِتابِ وموجودٌ في النُّجوم، ما الَّذي يَمْنعُ كنيسةَ الرُّوم الكاثوليك مِنَ القولِ إنَّ الحَقَّ موجودٌ في الكِتابِ المُقدَّسِ وأيضًا في البابا وفي المَجامِعِ الكَنَسِيَّة؟ وما الَّذي يَمْنعُ "ماري بيكر إدي" مِنْ القولِ إنَّ الحَقَّ موجودٌ في الكِتابِ المُقدَّسِ وأيضًا في كِتابِها الَّذي يَحْمِلُ العُنوان: "العِلْمُ والصِّحَّةُ، مَعَ دَليلٍ للكتابِ المقدَّس" (Science and Health with Key to the Scriptures”؟ وما الَّذي يَمْنَعُ المُورمون مِنَ القولِ إنَّ الحَقَّ موجودٌ في الكِتابِ المُقدَّسِ وأيضًا في كِتابِهم "العَقيدة والعُهود" (Covenant and Doctrines) وفي كِتابِهم: "اللُّؤلؤة الكَثيرة الثَّمَن" (Pearl of Great Price)؟

فالحَقُّ الإلهيُّ ليسَ موجودًا في كنيسة، ولا في البابا، ولا في الأسقُف، ولا في طائفة، ولا في اختبارٍ مَا، ولا في حَدْسِ شخصٍ ما، ولا في النُّجوم؛ بل هُوَ في كِتابٍ: الكِتاب المُقدَّس. وفي كُلِّ مَرَّة زَاغَتْ فيها الكنيسةُ عنْ هذا الكِتابِ انْتَهى الأمرُ بِكارثة. إنَّ هذا الأحد هُوَ أَحَدُ الإصلاح. وما قَادَ إلى الإصلاح هو أنَّ كاهِنًا كاثوليكيًّا اسْمُهُ "مارتن لوثر" (Martin Luther) وَصَلَ إلى قَناعَةٍ بأنَّ الحَقَّ الإلهيَّ محصورٌ في الكِتابِ المُقدَّس. وهذهِ حقيقة ثَوريَّة لأنَّ هذا ليسَ ما تُؤمِنُ بِهِ الكنيسة الكاثوليكيَّة.

وقد قالَ "مارتن لوثر" إنَّ اللهَ تَكلَّمَ في الكِتابِ المُقدَّسِ فقط، وإنَّ كُلَّ الحَقِّ الإلهيِّ مَحصورٌ في الكتابِ المقدَّس. ليسَ في البابا، ولا في الأساقفة، ولا في المجامعِ الكنسيَّة، ولا في السُّلطة البابويَّة، ولا في التَّقليد؛ بل في الكتابِ المقدَّس. وقد قالَ إنَّهُ يوجدُ فقط الكِتابُ المُقَدَّسُ وَحْدَهُ بَعْدَ يَسوعَ والرُّسول بولُس. فقد كانَ "مارتن لوثر" أكثرَ رَجُلٍ حازِمٍ في تاريخِ الإيمانِ المسيحيّ. وقد أَحْدَثَ صَدْعًا هائلاً فَصَلَ الأشخاصَ الَّذينَ يُؤمِنونَ بالكِتابِ المُقَدَّسِ عنِ الأشخاصِ الَّذينَ عَلِقُوا في نِظامِ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. وقد كانت قَناعَتُهُ هي أنَّ اللهَ تَكَلَّمَ فقط في الكتابِ المقدَّسِ. وهذا هو ما أَدَّى إلى حَرَكَةِ الإصلاح.

إذًا، فقد اقتنعَ "مارتن لوثر" ذاتَ يومٍ بأنَّ الحَقَّ مُعلَنٌ في الكتابِ المقدَّسِ، وقرأَ الكتابَ المقدَّسَ فوجدَ الحَقَّ. فقد وَجَدَ أنَّ التَّبريرَ هُوَ بالنِّعمةِ مِنْ خلالِ الإيمانِ وَحْدَهُ. أليسَ كذلك؟ فأنتَ لستَ بحاجة إلى الاستماعِ إلى ما قالَهُ البابا، أو إلى ما قالَهُ الأسقُف، أو إلى ما قالَهُ المَجْمَع. فَكُلُّ شيءٍ مَكتوبٌ في الكتابِ المقدَّس. والكتابُ المقدَّسُ واضحٌ. وفي سنة 1539، عَلَّقَ "لوثر" على المزمور 119 فَكَتَبَ الكلماتِ التَّالية: "في هذا المزمور، يَقولُ داود دائمًا إنَّهُ سيتكلَّم، ويُفَكِّر، ويَقول، ويَسمع، ويَقرأ نهارًا وليلاً بصورة مُستمرَّة لا شيءَ سِوى كلمة الله".

وَقَدْ قالَ "لوثر" عنِ الكتابِ المقدَّسِ إنَّهُ الكلمة الخارجيَّة. وأنا أُحِبُّ ذلك. فهو موجودٌ خَارِجَنا. وقد قالَ "لوثر" إنَّ الكلمة المُخَلِّصَة، والمُقَدِّسة، والمُنيرة هي الكلمة الخارجيَّة. وما الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ لقد قَصَدَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ مُستقلٌّ عَنَّا؛ تَمامًا كما أنَّ اللهَ مُستقلٌّ عَنَّا. فلا يُمكِنُكَ أنْ تَخترعَ اللهَ، ولا يُمكنُكَ أنْ تَخترعَ الحَقَّ. فاللهُ ليسَ نِتاجًا لِخَيالِكَ. واللهُ ليسَ نِتاجًا لِمُخَيَّلَتِكَ. واللهُ ليسَ نِتاجًا لِخبرَتِكَ. واللهُ ليسَ نِتاجًا لِحَدْسِكَ. واللهُ ليسَ نِتاجًا لِعاطِفَتِكَ الكارِزماتيَّة. واللهُ ليسَ نِتاجًا لِفِكْرِكَ الوُجوديِّ. بل إنَّ اللهَ هُوَ اللهُ. وَهُوَ مُستقلٌّ عنكَ، وليسَ خاضِعًا لأهوائِكَ. فاللهُ ليسَ لُعْبَةً طِيْنيَّة يُمْكِنُكَ أنْ تُشَكِّلَها كَما يَحْلو لَكَ. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ مُستقلٌّ عنكَ. فهو خارجيّ. لِذا يمكنكَ أنْ تَقبَلَهُ، ويُمكنكَ أنْ تَرفُضَهُ؛ ولكِنْ لا يُمكِنُكَ أنْ تَتلاعَبَ فيه.

فلا يُمكنكَ أنْ تَجعَلَهُ غيرَ ما هو عليه. ولا يمكنكَ أنْ تَجعلَهُ يقول خِلافَ ما يَقول. فهو كِتابٌ ... إنَّهُ كتابٌ ثابِتٌ ذو أحرُف ثابتة، وكلمات ثابتة، وجُمَل ثابتة. وقد كانت هذهِ قناعة "لوثر" العظيمة الَّتي غَيَّرَتِ العالَم. وقد قالَ "لوثر" بِصَوْتٍ مُجَلْجِلٍ في سنة 1545، وهي السَّنة الَّتي سَبَقَتْ مَوتَهُ: "إنْ أرادَ الإنسانُ أنْ يَسْمَعَ اللهَ يَتكلَّم، فَلِيَقرأ الكتابَ المقدَّس". فكما تَعلمونَ، فإنَّ هُناكَ كُتُبًا كثيرةً جدًّا تَمْلأُ العالمَ المسيحيَّ اليوم. ويمكنكم أنْ تَرَوْها في المكتباتِ المسيحيَّة. وهي بِعُنوان: "كيفَ تَسْمَعُ صوتَ الله"، أو: "دَرِّبْ نَفسَكَ على سَماعِ صوتِ الله"، أو: "تَعَلَّمْ أنْ تَسمَعَ صوتَ الله". واسمحوا لي أنْ أقولَ لكم شيئًا: هل تريدُ أنْ تَسمعَ صوتَ الله؟ اقْرأ الكِتابَ المُقَدَّس. فإنْ أَرْخَيْتَ أُذُنَكَ للأصواتِ الأخرى، مَنْ يَدري ما الَّذي سَتَسْمَعُه! ولكِنْ أيًّا كانَ، فإنَّهُ لن يَكونَ صَوتَ الله. إذًا، ما هو واجِبُ الواعِظ؟ يَقولُ "جون بايبر" (John Piper) إنَّ جُزءًا كبيرًا ومُهِمًّا مِنْ عَمَلِنا هو أنْ نَجْتَهِدَ في مَعرفةَ المَعاني المقصودة في هذا الكِتاب. وهذا صحيح. وقد قالَ "لوثر" في سنة 1533 إنَّ كلمةَ اللهِ هي أعظمُ شيءٍ، وأكثرُ شيءٍ ضروريٍّ، وأهَمُّ شيءٍ في العالمِ المسيحيِّ. وهي كذلك. وأريدُ أنْ أقولَ لكم إنَّكُم حينَ تَبتعدونَ عنِ الكتابِ المقدَّسِ فإنَّكُم سَتَقَعونَ في مَتاعِبَ لا نِهاية لها. فإنِ ابتعدتُم عنِ الكتابِ المقدَّسِ سَيَصيرُ يَسوعُ لُعْبَة مِنْ طِيْن يُمْكِنُكُمْ أنْ تُشَكِّلوها كيفَما شِئتُم.

وسوفَ يَصيرُ الحَقُّ لُعبةً مِنْ طِيْن يُمْكِنُكُمْ أنْ تُشَكِّلوها كيفَما شِئتُم. ويقول "جون بايبر": "لقد كانَ لدى لوثر سلاحٌ واحدٌ لإنقاذ يسوعَ مِنْ أنْ يُباعَ في أسواقِ ويتنبرغ (Wittenberg). فقد طَرَدَ الصَّيارِفَةَ وَالباعَةَ الجَشِعينَ بِسَوْطِ الكلمة الخارجيَّة؛ أيِ الكتابِ المقدَّس" [نِهايةُ الاقتباس]. فالنَّاسُ يُريدونَ أنْ يُعيدوا تَصْويرَ يَسوعَ، وأنْ يُشَكِّلوهُ كَما يَحْلو لَهُمْ. وَهُمْ يُريدونَ أنْ يُصَوِّروا الحَقَّ كما يُريدون، وأنْ يُشَكِّلوهُ بالطريقةِ الَّتي يَشاءون. ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يَسْمَحُ لكم بالقيامِ بذلك. فإيمانُنا مُتَأصِّلٌ في إعلانٍ قاطِعٍ في التَّاريخِ اسْمُهُ: الكتاب المقدَّس. وبصِفَتي رَاعيًا للكنيسة، وبصفتي واعِظًا، وبصفتي خادِمًا، فإنَّ لديَّ مَهَمَّة واحدة. فأنا مُسْتَأمَنٌ على هذا الكِتاب؛ عَلى كَلِمَةِ اللهِ الَّتي أُوْدِعَتْ في كِتاب.

وبصورة أساسيَّة، أنا قَارئٌ، وأنا مُعَلِّمٌ، وأنا كَارِزٌ بالكِتابِ المُقدَّس. ويجب عليَّ أنْ أُغَذِّيكُم على الكتاب المقدَّس، أيْ على الحَقِّ الكامِنِ في الكتاب المقدَّس. فإنْ كُنْتُ أمينًا في القيامِ بذلك، أكونُ قد قُمْتُ بواجبي على خَيْرِ وَجْهٍ أمامَ اللهِ. أمَّا إنْ لم أكُن أمينًا في ذلك فإنَّني أتحمَّلُ مسؤوليَّةً خطيرةً أمامَ اللهِ. وأنا أريدُ أنْ أصْحَبَكُمْ إلى العُمْقِ لِتَختَبِروا غِنى الكلمة حَتَّى تتمكَّنوا مِنَ التَّحليقِ في سَماءِ التَّسبيح. فعندما يَفْهَمُ النَّاسُ عُمْقَ الكتاب المقدَّس فإنَّهم يَبتدئونَ في فَهْمِ جَلالِ اللهِ وَسُمُوِّه. وأنا أنظرُ إلى الكنيسةِ الإنجيليَّةِ اليوم وأرى ضَحالَةً، وَعَدَمَ مُبالاةٍ تُجاهَ كلمةِ اللهِ، وأنَّ الحَقَّ بَاتَ مُشكلةً في نَظَرِهِم لأنَّهُم يَرَوْنَ أنَّهُ يُفَرِّق.

وأنا أرى، بِسَببِ ذلك، أنَّهم لا يَعرفونَ عُمْقَ الحَقِّ، ولا يَعرفونَ أيضًا مَجْدَ الله. وقد كَتَبَ "ديفيد ويلز" (David Wells) في كِتابٍ رائعٍ لَهُ بعُنوان: "لا مَوْضِعَ للحَقّ" (No Place for Truth) قالَ فيه: "إنَّهُ هذا الإلهُ صَاحِبُ الجَلالِ والقَداسَةِ في شَخْصِهِ الَّذي اخْتَفى مِنَ العالَمِ الإنجيليِّ المُعاصِر". وقد كَتَبَ "ليسلي نيوبيغن" (Lesslie Newbigin): "لقد رأيتُ فجأةً أنَّ المَرءَ يَستطيعُ أنْ يَستخدِمَ كُلَّ مُفرداتِ المسيحيَّة الإنجيليَّة مَعَ أنَّ تَرْكيزَهُ يَنْصَبُّ في الأصْلِ على الذَّاتِ، ومَعَ أنَّ اللهَ يَأتي في المَقامِ الثَّاني بعدَ ذلك" [نِهايةُ الاقتباس]. فهذا الشَّطَطُ الإنجيليُّ المُعاصِرُ يَجْعَلُ الإنسانَ مِحْوَرَ كُلِّ شيء، ويَجْعَلُهُ أَهَمّ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ، وأَهَمّ مِنَ الله. وعندما يَحدثُ ذلك، فإنَّ الشَّيءَ الَّذي قد يُغَيِّرَ ذلكَ هو التَّصَدِّي لَهُ. وهذا هو السَّببُ الحَقيقيُّ الَّذي دَفَعَني إلى الحديثِ عن هذا الموضوعِ خِلالَ الأسابيعِ القليلة الماضية.

وأنا لا أَرْمي إلى القيامِ بأيِّ شيءٍ آخر سِوى ما قامَ بِهِ "لوثر" وما قامَ بِه "جون كالفن" (John Calvin)، وما قامَ بِهِ "سبيرجن" (Spurgeon)، وما قامَ بِهِ أُناسٌ آخرونَ في التَّاريخ. فيجب أنْ نَتَحَدَّثَ عن هذا الموضوعِ مُباشَرةً وأنْ نَقولَ الحقيقةَ كما هي. وأنا أنظرُ إلى ... فقد كنتُ أَنظرُ إلى حياةِ "كالفن" و "لوثر" ومُصْلِحينَ آخرينَ، وأحاولُ أنْ أَفهمَ كيفَ تَرَكوا مِثْلَ هذا التَّأثيرِ الهائل. وعندما تُفَكِّرونَ في هذهِ الأسماءِ، قد تَظُنُّونَ أنَّهم كانوا يَمتلكونَ شَخصيَّاتٍ قويَّة، وأنَّهم كانوا قادة موهوبين، وَهَلُمَّ جَرَّا. ولكِنْ عندما تَدرسونَ حياتَهُم، ستكتشفونَ أنَّهم كانوا يَعْكُفونَ بِلا كَلَلٍ أوْ مَلَل على تَفسيرِ الكتاب المقدَّس.

فقد كانوا يَستغلُّونَ كُلَّ فُرصة سَانِحَة لَهُم لتفسيرِ كلمةِ اللهِ للنَّاسِ. وقد كانت كلمةُ اللهِ هي الَّتي تُغَيِّرُ الأشياء. فعندما كانَ النَّاسُ يَسْمَعونَ الوعظَ القويَّ والواضحَ القائمَ على عُمْقِ الحَقِّ، كانوا يَتأثَّرونَ جِدًّا بمجدِ اللهِ، ويَمتَلِكونَ رُوْحَ تَمييز، ويَرَوْنَ الضَّلالَ على حَقيقَتِهِ والحَقَّ على حَقيقَتِهِ، ويَأخذونَ قَراراتٍ سليمة. وهناكَ "بنجامين وورفيلد" (Benjamin Warfield)، الَّذي كانَ لاهوتيًّا عظيمًا، وأستاذًا لِلَّاهوتِ في كُليَّة لاهوت "برينستون" (Princeton)، وكانَ لَهُ دَوْرٌ عظيمٌ في حياتي بعدَ وقتٍ طَويلٍ مِن موتِهِ حينَ كُنْتُ طَالبًا في كُليَّةِ اللَّاهوتِ وكنتُ أقرأُ عن وَحْيِ وسُلطانِ الكتابِ المقدَّس. فقد قالَ "وورفيلد" عن "جون كالفِن" إنَّهُ لم يَكُنْ هناكَ شخصٌ لديهِ حِسٌّ عَميقٌ باللهِ أكثرَ مِنْه. وقد قالَ ذلكَ في كِتابِهِ عن "كالفِن" و "أُغسطينوس". فقد قالَ إنَّهُ لا يوجد شخصٌ لديهِ حِسٌّ عميقٌ باللهِ أكثرَ مِنْ "جون كالفِن". وَمِنْ أينَ حَصَلَ "جون كالفن" على هذا الحِسِّ العميقِ باللهِ؟ لقد حَصَلَ عليهِ مِنَ الكتابِ المقدَّس. فقد صَرَفَ "جون كالفن" حياتَهُ في دراسةِ الكتاب المقدَّس. وقد عَاشَ حياتَهُ بِوَصْفِهِ مُفَسِّرًا للكِتابِ المقدَّس. وقد كانَ النَّاسُ يَفترِضونَ أنَّ "جون كالفن" هُوَ لاهوتِيٌّ مِنْ نَوْعٍ ما. صَحيحٌ أنَّهُ كانَ لاهوتيًّا، ولكنَّهُ كانَ لاهوتيًّا يَستحقُّ هذا اللَّقَبَ لأنَّهُ كانَ مُفَسِّرًا. فقد كانَ لاهوتُهُ نابِعًا مِنْ تَفسيرِهِ للكتابِ المقدَّس.

وَمِنْ خلالِ لاهوتِ "كالفِن" السَّليم المُصْلَح، وُجِدَ لاهوتُ الإصلاحِ، وَضَرَبَ بِجُذورِهِ عَميقًا. وَمِنْ خلالِ ذلكَ اللَّاهوتِ العَميقِ جاءَ ثَمَرُ ذلكَ اللَّاهوتِ الَّذي هُوَ التَّسبيحُ العَظيم. فالكثيرُ مِنَ التَّرانيمِ والتَّراتيلِ الَّتي نُرَنِّمُها، والغالية أكثر مِنْ غَيْرِها على قُلوبِنا، والغنيَّة أكثر مِنْ غَيْرِها، والعَميقة، كُتِبَتْ مِنْ قِبَلِ أولئكَ المُصْلِحينَ الطَّهوريِّين. وهل تَعلمونَ أنَّ "جون كالفن" لم يَكُنْ يَعِظُ إلَّا عِظاتٍ كِتابيَّة تَفسيريَّة؟ وقدِ استخدَمَهُ اللهُ لتغييرِ العالَم.

وقد ذهبَ إلى جنيفا في سنة 1536 وقَدَّمَ وَعْظًا تَفسيريًّا حَتَّى سنة 1564 تَخَلَّلَتْها ثلاثُ سَنَواتٍ مِنَ الإبْعاد. وسوفَ آتي على ذِكْرِ ذلك بعدَ قليل. ولكنَّهُ وَعَظَ وَعْظًا تَفسيريًّا كِتابيًّا. وقد وَقَفْتُ في مَكانٍ صَغيرٍ يُشْبِهُ الكنيسةَ. وهي قاعة مُجاورة لكنيسةِ القِدِّيس بُطرس حيثُ وَعَظَ "كالفِن" في يومِ الرَّبِّ. فقد وَعَظَ في هذهِ الكنيسة الصغيرة كُلَّ يوم. وقد قَدَّمَ وعظًا تفسيريًّا للكتابِ المُقدَّسِ. وكانَ يَطْلُبُ مِنْ خَمسةِ أشخاصٍ أنْ يَجلسوا في الصَّفِّ الأماميِّ ويُدُوِّنوا كُلَّ شيءٍ يَقولُه. فقد كانَ هناكَ خمسة أشخاصٍ يُدَوِّنونَ ذلكَ معًا، ويَجمعونَ ما كَتبوه، ويُعيدونَهُ إليهِ كَيْ يُنَقِّحَهُ. وهذهِ هي الطَّريقةُ الَّتي كَتَبَ فيها كُتُبَ الشَّرْحِ. فقد كانَ يُعَلِّمُ يومًا تِلْوَ الآخَرِ ويُفَسِّرُ الكتابَ المقدَّس.

وقد كَتَبَ "ر.إل. دابني" (R.L. Dabney): "كُلُّ المُصْلِحينَ البارِزينَ سواء في ألمانيا أو سويسرا أو إنجلترا أو إسكتلندا كانوا واعِظينَ دائمين. وكانت عِظاتُهُم تفسيريَّة في أغلبِ الأحيان". وهذا يعني – فالتَّفسيرُ يَعني أنْ تَشرحَ مَعنى الكتاب المقدَّس. لِذا فقد قالَ إنَّهُ لا يُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قالَ أنَّ الطَّريقةَ الفاعِلَةَ الَّتي حَرَّكَت تلكَ القُوَّةَ الروحيَّةَ وَأحْدَثَتْ ثورةً عظيمةً وإصلاحًا عظيمًا هي استعادةُ الوَعْظِ الكِتابيّ.

وقد اشارَ "دابني" أيضًا إلى أنَّ ما حَدَثَ في التَّاريخ هو تَقَهْقُرٌ على ثلاثِ مَراحِل. ونحنُ نَرى ذلكَ يَحدُثُ الآن. فهناكَ وقتٌ في تاريخِ الكنيسة يُسَمِّيهِ "العَصْر الذَّهبيّ" (The Golden Age)، وهو العصرُ الَّذي كانَ فيهِ الحَقُّ الإلهيُّ يُوْعَظُ بِهِ مِنْ كلمةِ اللهِ. فهذا هوَ العَصْرُ الذَّهبيّ. وَهُوَ عَصْرٌ كانَ الوُعَّاظُ فيهِ يَشرحونَ الكتابَ المقدَّس. وقد نَشَأتُ في زَمَنٍ كهذا. فقد نَشَأتُ في زَمَنٍ كهذا. فقد كانَ الوعظُ الكِتابيُّ التَّفسيريُّ مُنْتَعِشًا. وكانَ الوعظُ الكِتابيُّ التَّفسيريُّ هو ما يَقومُ بِهِ الوُعَّاظُ. ولكِنْ ليسَ الآن. فَكُلُّ الإنجيليّينَ يَقولونَ ... فَهُناكَ خُطوة ثانية؛ وَهُمْ لا يَعرِفونَ شيئًا عن هذا. ولكِنَّ "دابني" يقول إنَّ هناكَ خُطوة ثانية. فالإنجيليُّونَ يقولونَ: "نحنُ ما زِلنا نُؤمِنُ بالحَقِّ الكِتابيِّ. ونحنُ ما زِلنا نُؤمِنُ بالعقيدة الصَّحيحة. ونحنُ ما زِلنا إنجيليِّين. ولكِنَّنا نَظُنُّ وَحَسْب أنَّ الكتابَ المقدَّسَ عَتيقُ الطِّرازِ، والنَّاسُ لا يَتَقَبَّلونَهُ جَيِّدًا؛ بل إنَّهُ في نَظَرِهِمْ مُمِلّ. لِذا، فقد أَخَذنا الحَقَّ ووَضعناهُ في سِياقٍ ثَقافِيٍّ يَستطيعُ النَّاسُ مِنْ خِلالِهِ أنْ يَقبلوهُ، ويُمْكِنُنا أنْ نُوَصِّلَهُ إليهم بطريقة أفضل. فهو ما يَزالُ الحَقَّ. ونحنُ نُؤمِنُ بالحَقِّ. ولكِنَّ الكِتابَ المُقدَّسَ عَتيقُ الطِّرازِ، وَمَحْشُوٌّ جِدًّا. والنَّاسُ لا يَشْعُرونَ أنَّهُمْ مُنْجَذِبونَ إليهِ. لِذا فإنَّنا ما زِلْنا مُتَمَسِّكينَ بالحَقِّ، ولكِنَّنا نُريدُ فقط أنْ نُلْبِسَهُ ثَوْبًا جديدًا. وهذهِ نَقْلَة، يا أحبَّائي. فهي نَقْلَة أبْعَدَتْنا عنِ العَصْرِ الذَّهبيّ. فأوَّلاً، يجب علينا أنْ نَكْرِزَ بالحَقِّ الإلهيِّ مِنْ كلمةِ اللهِ. فهذا هُوَ الثَّوْبُ الَّذي أَلْبَسَهُ اللهُ لَهُ. فهذا هُوَ الثَّوْبُ الَّذي أَلْبَسَهُ اللهُ لَهُ. وَاللهُ يَعْرِفُ ما هو الأفضل لِنَفْسِ الإنسانِ وَروحِهِ وذِهْنِهِ عندما يكونُ تَحْتَ التَّأثيرِ المُبَكِّتِ للرُّوحِ القُدُس. أليسَ كذلك؟ لِذا، فإنَّهُ يَعرِفُ ما الحَقُّ الَّذي يَأتي للإنسانِ بأقوى طريقة مُمكِنَة مِن خلالِ عملِ الرُّوحِ القُدُس. لِذا فقد وَضَعَ ذلكَ الحَقَّ في الكتابِ المقدَّسِ بالطَّريقةِ الَّتي وَضَعَهُ بها. ولكِنْ رُبَّما يَظُنُّ النَّاسُ أنَّهُم يَعرفونَ أفضلَ مِنَ اللهِ. لِذا فإنَّهُم يأخذونَ الحَقَّ الكِتابيَّ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ ويُلْبِسونَهُ ثَوْبًا آخر، ويُلبِسونَهُ بطريقة مُختلِفة لكي يُزيلوا كُلَّ ما هُوَ مُزْعِجٌ مِنَ الكتابِ المقدَّس، وكُلَّ ما يُؤذي مَشاعِرَ الآخرين مِنَ الكتابِ المقدَّس. وَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّهُ بمقدورهم أنْ يَصِلوا إلى المُجتمعِ بطريقة أفضل إنِ اتَّبَعوا طُرُقًا تَسويقيَّةً أكثر لُطْفًا.

ولكنَّهُم، بصورة أساسيَّة، وَضَعوا الكتابَ المقدَّسَ جانِبًا لأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهُ مُحْرِجٌ. ويقولُ "دابني": "هذهِ هي المرحلة الانتقاليَّة. وفي هذهِ المرحلة فإنَّ العقيدة الَّتي يَتِمُّ تَعليمُها ما تَزالُ كِتابيَّة، ولكِنَّ ما يَقولونَهُ يُصاغُ بطريقة تَتَّفِق مَعَ المَنْطِقِ البشريِّ السَّائد. وبهذا، فإنَّ الحَقَّ الإلهيَّ خَسِرَ جُزءًا مِنْ سُلْطانِهِ على الرُّوح".

الخُطوةُ الثَّالثة: فقد قالوا" "إنَّ الكتابَ المُقدَّسَ يُؤذي مشاعِرَ النَّاسِ. لِذا، يجب علينا أنْ نُعالِجَ تلكَ المُشكلة. والآن، صِرْنا نجِدُ أنَّ العقيدةَ تُؤذي مَشاعِرَهُم أيضًا. لِذا، يجب علينا أنْ نَتخلَّصَ مِنها أيضًا".

ثُمَّ إنَّ "دابني" يَتَضَرَّعُ قائلاً: "يا ليتَنا نَرْضَى بأنْ نُعْلِنَ العقيدةَ الكِتابيَّةَ في ثَوْبِها الكِتابيِّ الخاصِّ بها". وهذا هو ما يَدفَعُني إلى القولِ إنَّهُ لو إنَّ الوُعَّاظَ ابتدأوا في الوعظِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعْطي وُضوحًا، ويُعطي حُسْنَ تَمييزٍ، ويُعطي فَهْمًا، ويُعطي عُمْقًا، ويَرفَعُ أيضًا النَّاسَ إلى سَماواتِ التَّسبيحِ الرَّائع. لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ هُوَ المُحْتوى الكامِل لِوَعْظِنا. وَهِيَ حِرْفَة تُستخدَمُ فيها أداة واحدة فقط (كَما ذَكَرْت). فاللهُ وَضَعَ كُلَّ ما في الكتابِ المقدَّسِ مِنْ حَقٍّ في سِياقٍ وأسلوبٍ وعلاقاتٍ يَعْلَمُ أنَّها تَصُبُّ في مَصْلَحَةِ نَفسِ الإنسانِ وَذِهنَه بأفضل طريقة مُمكنة حينَ يكونُ تحتَ تأثيرِ الرُّوحِ القُدُس. فلا توجد أشكالٌ أخرى للحَقِّ بِمِثْلِ هَذِهِ الجَوْدَة.

وَكَمْ أَكْرَهُ أنْ أرى أُناسًا يَقولونَ: "نحنُ ما نَزالُ نُؤمِنُ بالحَقِّ، ولكِنَّنا لا نُعَلِّمُهُ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ لأنَّ النَّاسَ لا يَقبلونَ ذلك". ولكِنْ إنْ تَنَكَّرْتَ للكِتابِ المُقَدَّسِ لأنَّهم لا يُحِبُّونَهُ، ما الَّذي سيَجعَلُكَ تَتمسَّكُ بالحَقِّ حينَ تَكتشِف أنَّهم لا يُحِبُّونَهُ أيضًا؟ فأنا لا أعتقد أنَّكَ تَستطيعُ أنْ تَقومَ بعملِ الخِدمة مِنْ دونِ تَكريسٍ مُتَطَرِّفٍ للكتابِ المقدَّس. وأنا أَعني "تَكريسًا مُتَطَرِّفًا للكتابِ المقدَّس". فالنَّاسُ يَنظرونَ إليَّ كشخصٍ مُتَطَرِّف. وَهُمْ يَنظرونَ إليَّ كَراعٍ مَسيحيٍّ غير ذَكِيّ، بل مُنْخَفِض الذَّكاء، لأنِّي لستُ مُنْفَتِحًا لِكُلِّ رأيٍ عن كُلِّ شيء. وَهُمْ يَنظرونَ إليَّ كَما لو كُنْتُ مُعادِيًا للفِكْر. ولا بأسَ في ذلك. فأنا لا أُبالي بهذا.

فَذَكائي لا يَعمل بكفاءة إلَّا لِمَجْدِ اللهِ بطريقةٍ واحدة وهي إنِ استخدمتُهُ لِفَهْمِ الكتابِ المقدَّسِ، ولتوصيلِ ذلكَ إليكُم. أمَّا في ما يَختصُّ بِتَقَبُّلي لِكُلِّ رأيٍ خاطئٍ فهذهِ مسألة غير وَثيقة الصِّلَة بموضوعِنا. فأنا لا أعتقد أنَّهُ يُمكنُكَ أنْ تَقومَ بعملِ الخدمة في هذا المُناخِ اليوم بالطَّريقةِ الَّتي يُريدُها اللهُ مِنْ دونِ تَكريسٍ مُتَطَرِّفٍ للكتابِ المُقدَّس. وأنا أَستخدِمُ الكلمة "مُتَطَرِّف" هُنا لأنَّ كلمةَ اللهِ تُلاقي مُقاوَمَةً حَتَّى مِنْ داخِلِ الوَسَطِ الإنجيليّ.

وكما قُلتُ سابقًا، فإنَّ مَعنى الكتابِ المقدَّس هُوَ: "الكِتاب المُقدَّس". فحينَ تُزيلُ الضَّبابَ وتَكشِفُ المَعنى، فإنَّ هذا هو الكتاب المقدَّس. وهذا هو الحَقُّ الإلهيُّ. وهذا يَجْعَلُ اللهَ مُعْلَنًا، ويُعطي النَّاسَ حُسْنَ تَمْييزٍ، ويُعطي الكنيسةَ قُوَّةً. وأنا أعتقدُ أنَّ هناكَ أُناسًا لا يُريدونَ أنْ يَجتهدوا في العمل. ولكِنْ إذا نَظَرْتُم إلى "كالفِن" ستجدونَ أنَّهُ كانَ يَكْتُبُ بِغزارة. فقد كَتَبَ كِتاب "الأُسُس المسيحيَّة" (The Institutes)، وَكَتَبَ كُتُبَ شَرْحٍ. وهُناكَ رُفوفٌ عديدة في مَكتبي مُمتلئة بِمُجَلَّداتٍ لَهُ. وقد كانَ يَعِظُ عَشْرَ عِظاتٍ كُلَّ أُسبوعَيْن. وهي جَميعُها عِظات تَفسيريَّة كِتابيَّة. والشَّيءُ نَفسُهُ يَصِحُّ على "لوثر". فما بينَ سنة 1510 وسنة 1546، وَعَظَ ثلاثةَ آلافِ عِظَة. فقد وَعَظَ مَرَّاتٍ عديدة في الأسبوع، ومَرَّات عديدة في اليوم.

إلى جانبِ ذلك، كانَتْ هُناكَ تَحَدِّياتٌ عائليَّة. فقد أَنْجَبَتْ لَهُ زوجَتُهُ "كيتي" (Katie) سِتَّة أبناء. وقد ماتَ بعضٌ مِنهم. ولكِنَّهُ كانَ يُعَلِّمُ البقيَّة مِنهم بعدَ ظُهْرِ يومِ الأحد. وهل تُريدونَ أنْ تَعرفوا كيفَ كانَ "مارتن لوثر" يَصرِفُ وَقْتَهُ يومَ الأحد عادَةً؟ في السَّاعة الخامسة صباحًا، كانَتْ هُناكَ الخِدمة الأولى؛ وهي شَرْحٌ لإحدى الرَّسائل. وفي السَّاعة العاشرة صباحًا، كانَت هناكَ خِدمة أخرى؛ وهي شَرْحٌ للإنجيل. وفي فَترةِ بعدِ الظُّهر، كانَ يُعَلِّمُ كلمةَ اللهِ لأولادِه. وفي السَّاعة الخامسة مساءًا، كانَ يعودُ لِشَرْحِ أحدِ أسْفارِ العهد القديم. وفي يومَيّ الاثنين والثَّلاثاء، كانَ يُعَلِّمُ تَعليمًا تَفسيريًّا. وفي يومِ الأَرْبِعاء، كانَ يُعَلِّمُ مِنْ إنجيل مَتَّى. وفي يومَيّ الخميسِ والجُمُعة، كانَ يُعَلِّمُ مِنْ إحدى الرَّسائلِ الرَّسوليَّة. وفي يومِ السَّبت، كانَ يُفَسِّرُ إنجيلَ يُوحَنَّا.

كما تَعلمونَ، فإنَّ النَّاسَ لا يَتَقَلَّبونَ في فِراشِهِم فَيَقودونَ إصْلاحًا. هل تَفهمونَ ذلك؟ فهناكَ سَبَبٌ جَعَلَ هؤلاءِ الأشخاصَ يَتركونَ مِثْلَ هذا التَّأثير. فقد كانوا مُنْكَبِّينَ على دراسةِ الكتابِ المقدَّس، وَفَهْمِهِ، وَالمُناداةِ بِهِ. فقد كانَ كُلُّ ما يَفْعَلُهُ هو أنَّهُ كانَ يَعِظُ، وَيَعِظُ، وَيَعِظُ. وكانَ النَّاسُ يَتَعَبَّدون. فقد كانَ يَغوصُ عَميقًا فَيُحَلِّقونَ عَالِيًا. لِذا فقد قُلتُ لكم قبلَ بِضعةِ أسابيع أنَّهُ مِنَ الأفضلِ أنْ نَسيرَ بِبُطْءٍ على أنْ نَسيرَ بسُرعة. وَمِنَ الأفضل أنْ نَتعَمَّقَ على أنْ نَكونَ سَطْحِيِّين. وَمِنَ الأفضلِ أنْ نَغوصَ في الأعماقِ على أنْ نَبقى على السَّطْح. وَعَوْدَة إلى "جون كالفِن". فهو لم يَتَراجَع يومًا عنِ الوعظِ التَّفسيريِّ طَوالَ خمسٍ وعشرينَ سنة تَقريبًا (مِنْ سنة 1536 إلى سنة 1564 في جنيف). وَحَتَّى إنَّهُ كانَ يَتجاهَلُ عيدِ الميلاد المَجيد وعيد الفِصْح المجيد وَكُلَّ مُناسبة أخرى، ويَستمرُّ في وَعْظِهِ التَّفسيريّ. وهو لم يَكُن يُقَدِّمُ أيَّ رسالة خاصَّة، بل كانَ يَستمرُّ في وَعْظِهِ التَّفسيريّ. وقد كانَ نِطاقُ مِنْبَرِهِ مُدهشًا حقًّا. إنَّهُ مُدْهِشٌ وحَسْب. فقد وَعَظَ سِتَّ سَنواتٍ مِنْ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، وقَدَّمَ 46 عِظَة عنْ رسالَتَيْ تسالونيكي، و 186 عِظَة عن رِسالَتَيْ كورِنثوس، و 86 عِظَة عن رسالتيّ تيموثاوس الأولى والثَّانية والرِّسالة إلى تِيْطُس، و 43 عِظة عن رسالة غلاطيَّة، و 48 عِظة عن رسالة أفسُس. وفي رَبيعِ سنة 1559، ابتدأَ دراسةً للأناجيل إذْ راحَ يُفَسِّرُ الأناجيلَ بطريقة مُتوافقة، ولم يَكُنْ قد أَكْمَلَ ذلكَ عندَ موتِهِ في سنة 1564، في شَهْرِ أيَّار/مايو.

وقد كانَ يَفْعَلُ ذلكَ في يومِ الرَّبِّ. وفي مُنتصفِ الأسبوعِ، وَعَظَ 159 عِظَة عن سِفْرِ أيُّوب، و 200 عِظَة عن سِفْرِ التَّثنية، و 353 عِظَة عن سِفْرِ إشعياء، و 123 عِظَة عن سِفْرِ التَّكوين، وَهَلُمَّ جَرَّا. وكُلُّ ذلكَ كانَ يَتطلَّبُ تَحضيرًا ودراسةً. وقد كانَ يَعِظُ في عيدِ الفِصْحِ المَجيد في سنة 1538. وبعدَ عِظَتِهِ، غَادَرَ المِنْبَرَ في كنيسةِ القِدِّيس بُطرُس فَطَرَدوهُ مِنَ المدينة. فقد طَرَدَهُ مَجلِسُ المدينة بعدَ أنْ ضَجِروا مِنْه. وكانَ قد مَضى على وَعْظِهِ هُناكَ بِضْع سَنواتٍ فقط، ولكنَّهُ كانَ مُؤثِّرًا جدًّا وفَعَّالاً جدًّا حَتَّى إنَّهُم طَردوهُ خارِجَ المدينة بعدَ عِظَتِه. وقد عادَ بعدَ نحوِ ثلاثِ سِنين وتَابَعَ وَعْظَهُ التَّفسيريَّ مِنَ الآيةِ الَّتي كانَ قد تَوَقَّفَ عندَها.

وكما كنتُ أقولُ، فإنَّ كُتَّابَ السِّيَرِ الذَّاتيَّة يَقولونَ لنا إنَّ "كالفن" كانَ يُؤمِنُ أنَّ كلمةَ اللهِ هي السِّراجُ الوحيدُ، وأنَّ السِّراجَ قد نُزِعَ مِنَ الكنائس. وهذا هو ما أُوْمِنُ بِهِ. وقد كانَ "كالفِن" يَرتَعِبُ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يُنادونَ بأفكارِهم مِنْ على المِنْبَر. وكانَ يُؤمِنُ أنَّ شَرْحَ الكِتابِ المُقَدَّسِ هو الشيءُ الوحيدُ الَّذي يُريدُ اللهُ مِنَ الوُعَّاظِ أنْ يَفعلونَهُ. وكانَ "كالفن" يُؤمِنُ أنَّ جَلالَ اللهِ يُعلَنُ مِنْ خلالِ كَلِمَتِه، وأنَّكَ إنْ لم تَعِظ بالكلمة فإنَّكَ لا تُعْطِ المَجْدَ للهِ. ولِعِلْمِكُم، لم يَكُنْ مِنَ السَّهلِ على "كالفن" أنْ يَعِظَ عَشْرَ مَرَّاتٍ في الأسبوعين، وأنْ يُحاضِرَ ثلاثَ مَرَّاتٍ في اللَّاهوت، وأنْ يُقَدِّمَ دَرْسَ كِتابٍ مُقَدَّسٍ يومَ الجُمُعة، وأنْ يَزورَ المَرضى، ويُقَدِّمَ المَشورةَ للنَّاسِ، ويَقرأ، ويَكتُب.

وقد كانَت لديهِ مَعِدَة ضعيفة، ويُعاني مِنْ صُداعٍ نِصْفِيٍّ حَادّ. والطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي كانَ يَستطيع مِنْ خلالها أنْ يُهَدِّئَ صُداعَهُ هو أنْ يأكُلَ وَجْبَةً واحدةً في اليوم. وكانَ يَعمَلُ ليلاً ونهاراً مِنْ دونِ استراحة تقريبًا. لِذا فقد ماتَ في سِنٍّ مُبَكِّرَة. ففي سنة 1564، عندما كانَ في سِنِّ الثَّالثة والخَمسين، كَتَبَ رِسالةً لِطَبيبِهِ يَصِفُ لَهُ فيها أنَّهُ يُعاني مَغْصًا، وأنُّهُ يَبْصُقُ دَمًا، ويُعاني قُشَعْريرةً، وداءَ النِّقْرِس، وأنَّهُ يُعاني ألمًا شديدًا بسببِ داءِ البَواسيرِ وَحَصَى في الكُلْيَتَيْن، إلخ، إلخ. وفي الوقتِ نفسِه، كانت زوجَتُهُ قد أَنْجَبَتِ العديدَ مِنَ الأبناء. ولكِنَّهُمْ ماتوا الواحِدَ تِلْوَ الآخر، ثُمَّ ماتَتْ هي. وقد قَلَبَ "كالفِن" العالَمَ رأسًا على عَقِب. فهذا قَلَبَ العالَمَ حَرفيًّا رأسًا على عَقِب بسببِ قُوَّةِ تأثيرِ الثَّباتِ في كَلِمَةِ الله.

وَعَودة إلى "لوثر" قليلاً؛ فقط لكي أُبَيِّنَ لكم كَمْ كانُوا غَزيرينَ في كلمةِ الله. ففي سنة 1520، كَتَبَ "لوثر" 133 مُؤَلَّفًا. وفي سنة 1522، كَتَبَ 130 مُؤلَّفًا. وفي سنة 1523، كَتَبَ 183 مُؤلَّفًا؛ أيْ بِمُعَدَّلِ كِتابٍ كُلَّ يَوْمَيْن. وقد فَعَلَ الشَّيءَ نَفسَهُ في سنة 1524. وَكُلُّ المُؤلَّفاتِ كانت عَميقة جدًّا في كلمةِ الله. وهذا هو ما غَيَّرَ التَّاريخ. ولكِنَّ الكنيسةَ الإنجيليَّة المُعاصِرة، ويا للأسف، غير مُهتمَّة بالعُمْقِ الكِتابيّ. لِذا فإنَّها لا تَختبرُ المُرتفعاتِ الكتابيَّة، بل تَكتفي بِكُلِّ ما هُوَ ضَحْل، ودُنْيويّ، وضَعيف، وَخادِع للنَّفس. فهي تَخْدَعُ نَفسَها بِنَجاحِها السَّطحيِّ.

وفي صَميمِ ذلك، هُناكَ القَبولُ المَأساوِيُّ لِغَيرِ المُؤمِنينَ على أنَّهم مُؤمِنون. وهذا هو ما كُنَّا نَتحدَّث عنهُ. وأنا أَعلمُ أنَّ هذهِ مُقَدِّمة طويلة وأنَّني لنْ أَجِدَ الوقتَ الكافي لِقَوْلِ ما أُريدُ قَوْلَه. ولكِنْ يجب أنْ تَعلموا أنَّ هذا الموضوعَ هُوَ شَغَفي. وأُريدُ مِنكم أنْ تَعلموا ما يَعْتَمِلُ في صَدري بخصوصِ هذا الموضوع. فَمِنْ دُوْنِ فَهْمٍ عميقٍ للحَقِّ الكِتابيِّ، لن يكونَ هناكَ تَمييز. وَمِنْ دونِ تَمييز، لا يمكنكم أنْ تُمَيِّزوا مَنْ هُوَ المَسيحيُّ الحَقيقيُّ وَمَنْ هُوَ المَسيحيُّ الزَّائِف. وحينئذٍ فإنَّ الشَّيطانَ يَتَغَلْغَلُ في الكنيسة، وَيَتَغَلْغَلُ في القيادة، وَيَتَغَلْغَلُ في التَّعليمِ في الجامِعاتِ وكُليَّاتِ اللَّاهوتِ، ويُؤلِّفُ كُتُبًا، ويَظْهَرُ في البرامجِ المسيحيَّةِ التِّلفِزيونيَّة، وَهَلُمَّ جَرَّا.

وكما قُلتُ لكم: عندما لا تَعرِفونَ الحَقَّ، ولا تَسْمَعونَ وَعْظًا يَجْلِبُ مَزيدًا مِنَ الوُضوحِ والتَّمييز، ويُمَجِّدُ اللهَ، فإنَّكُمْ ستَقعونَ في وَرْطاتٍ مُريعة. وأوَّلُ وَرطةٍ هي أنَّ النَّاسَ لن يَعودوا يُمَيِّزونَ بينَ مَنْ هُوَ مَسيحيّ وَمَنْ هُوَ غير مَسيحيّ. وقد كانت هذهِ واحدةً مِنَ الحقائقِ في عَهْدِ الإصْلاح. فقد كانَ الإصلاحُ يقولُ: "أنتَ لستَ مَسيحيًّا". نُقْطَة. أنتَ لستَ كذلك. فقد تقولونَ: "نحنُ مَسيحيُّون"؛ ولكنَّكُم لستُم كذلك. وقد آنَ الأوانُ لكي نأخُذَ مَوقِفًا مِنْ هذهِ النُّقطةِ نَفسِها في هذا اليوم. وكما حاولتُ أنْ أقولَ لكم في الأسابيعِ القليلة السَّابقة، فإنَّ الطَّريقة الصَّحيحة لتمييزِ المؤمنِ الحقيقيِّ مِنْ غيرِ المُؤمِن (بِغَضِّ النَّظَر عَمَّا يَدَّعونَهُ) موجودةً في هذهِ الفئة الَّتي نُسَمِّيها: "الإنْقاذ". أليسَ كذلك؟

وما كُنَّا نُحاولُ أنْ نَقولَهُ هو: يمكنكم أنْ تُمَيِّزوا المُؤمِنينَ الحقيقيّنَ لأنَّهُ تَمَّ إنقاذُهُم. فقد كانت خِدمةُ الرَّبِّ هي أنْ يُنْقِذَ، وأنْ يُحَرِّرَ، وأنْ يُخَلِّص. فالمؤمِنُ لا يُمَيَّزُ مِنْ خِلالِ عَمَلٍ مَا، أوْ مِنْ خِلالِ حَدَثٍ ما، أوْ مِنْ خِلالِ صَلاةٍ مَا، أوْ مِنْ خِلالِ تَوقيعِ بِطاقَةٍ ما، أوْ مِنْ خِلالِ التَّقَدُّمِ إلى الأمام، أوْ مِنْ خلالِ المَعموديَّة، أوْ مِنْ خلالِ الانضمامِ إلى كنيسة. فَهُوَ لا يُمَيَّزُ مِنْ خِلالِ حَدَثٍ مَا، بل مِنْ خلالِ الإنقاذ. فالمُؤمِنونَ الحقيقيُّونَ هُمْ أشخاصٌ تَمَّ إنقاذُهُم. والإنقاذُ هو هذا الحَقُّ العامُّ. وَهُوَ يَضُمُّ حَقيقةَ الخَلاصَ. وقد قُلنا [أوَّلاً] إنَّ المؤمِنينَ الحقيقيِّينَ أُنْقِذوا مِنَ الضَّلالِ إلى ماذا؟ الحَقّ. وقد كانت هذهِ مَسألة مُهِمَّة. وهي المسألة الَّتي ينبغي أنْ نكونَ واضِحينَ بشأنِها.

وإنْ لم تكونوا مَعَنا في الأسابيعِ السَّابقة، يجب عليكم أنْ تَحصُلوا على العِظاتِ المُسَجَّلة. فهذا مُهِمٌّ جِدًّا. فلا يوجد مَسيحيٌّ حقيقيٌّ، يا أحِبَّائي، ما لم يَكُنْ يُؤمِنُ بالإنجيلِ الصَّحيح. وهذا أَمْرٌ لا جِدالَ فيه. فيجب عليكَ أنْ تُؤمنَ بالإنجيلِ الصَّحيحِ؛ وإلَّا فإنَّكَ لستَ مَسيحيًّا. ولا يُمْكِنُكَ أنْ تُؤمِنَ بإنجيلٍ زائف كما يَفعلُ المُورمون والنَّاسُ في الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. فيجب عليكَ أنْ تُؤمِنَ بالإنجيلِ الصَّحيح. فلا يُمكنكَ أنْ تُؤمِنَ بالرِّسالةِ اللِّيبراليَّة (أوِ المُتَحَرِّرَة) الَّتي تُنادي بالأعمالِ الصَّالحةِ والتَّغييرِ الاجتماعيّ. ولا يُمكنكَ أنْ تُؤمِنَ بتلكَ الأشياءِ البَغيضَةِ عن يسوع.

ولا يُمكنكَ أنْ تكونَ شخصًا لا يُؤمِن بالثَّالوث، أيْ أنْ تُؤمِنَ بأنَّ اللهَ ليسَ مُثَلَّثَ الأقانيم مِثْلَ "تي.دي. جيكس" (T.D. Jakes)، وَمَنْ هُمْ عَلى شَاكِلَتِهِ، وأنْ تكونَ مَسيحيًّا. فالمُؤمِنونَ الحقيقيُّونَ يُؤمِنونَ بالحَقِّ لأنَّ هذا هو ما رأيناهُ بوضوح في رسالة كولوسي 1: 12 و 13 إذْ إنَّنا أُنْقِذْنا مِنْ سُلطانِ الظُّلمة إلى مَلكوتِ ابْنِ مَحَبَّةِ اللهِ. وقد صِرْنا قِدِّيسينَ في النُّور. وقد أُعْتِقْنا مِنْ ظُلْمَةِ الجهلِ والضَّلالِ وَأَقْبَلْنا إلى نُوْرِ الحَقِّ. وقد كُنْتُ وَاضِحًا جِدًّا مَعَكُم لأنَّني أشعُرُ أنَّهُ يجب علينا أنْ نَفعلَ ذلك. إذًا، مَنْ هُوَ المُؤمِنُ؟ إنَّهُ شخصٌ أُنْقِذَ مِنَ الضَّلالِ إلى الحَقِّ. فيجب علينا أنْ نَفهَمَ الحَقَّ، ونُؤمِنَ بِهِ، ونَقبَلَهُ.

ثانيًا، لقد قُلنا إنَّ المؤمِنينَ الحقيقيِّينَ أُنْقِذوا ليسَ فقط مِنَ الضَّلالِ إلى الحَقِّ، بل أيضًا مِنَ الخطيَّةِ إلى البِرّ. وقد نَظَرنا تحديدًا إلى رسالة رُومية والأصحاحِ السَّادسِ؛ وَهُوَ نَصٌّ مُهِمٌّ جِدًّا (في المَرَّة السَّابقة)، وهو يتحدَّثُ عن حقيقةِ أنَّنا كُنَّا عبيدًا للخطيَّة، وَصِرْنا الآنَ خُدَّامًا للبِرِّ. وأودُّ فقط أنْ أُنْهي تلكَ النُّقطة. افتحوا على رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّالث. وسوفَ أَذْكُرُ تَعْليقَيْنِ لإنهاءِ تلكَ النُّقطة. وفي الأسبوعِ القادِم، سوفَ أَذكُرُ لكم النُّقطة الثَّالثة لأنَّ الوَقْتَ قَدْ نَفَد.

رِسالةَ يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّالث. فيُوحَنَّا يُقَدِّمُ لنا صُورةً واضحةً تمامًا هُنا. فنحنُ نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 2: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ". حسنًا. فنحنُ أولادُ اللهِ. وكيفَ نَعلمُ ذلك؟ كيفَ تَعلمُ أنَّ شخصًا ما هو وَلَدٌ للهِ؟ وكيفَ تَعرِفُ أنَّ شخصًا ما يَنتمي إلى اللهِ، أو أنَّهُ مُؤمِنٌ حقيقيٌّ؟ انظروا إلى العدد 4: "كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضًا. وَالْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي". حسنًا؟ ثُمَّ إنَّ العدد 5 يَقول: "وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا". والآنْ، تَوَقَّفوا هُنا.

لِمَ جاءَ يسوعُ إلى العالَم؟ لكي يَرفعَ ماذا؟ خَطايانا. لِذا، ما هِيَ صِفَةُ المُؤمِن؟ أنَّ الخطيَّة قد رُفِعَتْ. وَما مَدى وُضوحِ ذلك! فنحنُ نقرأُ في إنجيل مَتَّى 1: 21 أنَّهُ جاءَ لِكَيْ "يُخَلِّصَ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ". لِذا فإنَّ يوحنَّا يَقول، ببساطة، إنَّ يَسوعَ أُظْهِرَ لكي يَرْفَعَ خطايانا. إذًا، الحقيقةُ بخصوصِ المُؤمِنِ هي أنَّ الخطيَّةَ استُعيضَ عنها بالبِرّ. وهُوَ يُتابِعُ حَديثَهُ شَارِحًا ذلك فيقول في العدد 6: "كُلُّ مَنْ يَثْبُتُ فِيهِ لاَ يُخْطِئُ". وَالفِعْلُ هُنا يأتي بصيغةِ المُضارِعِ بِمَعنى أنَّهُ لا يَستمرُّ في نَفْسِ ذلكَ النَّهْج. وهو لا يَعني أنَّهُ لا يُخْطِئُ البَتَّة لأنَّهُ قالَ في الأصحاحِ الأوَّل: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ نَجْعَلُ [اللهَ] كَاذِبًا". فَمِنَ المُؤكِّدِ أنَّكَ ستُخطئ، ولكِنَّكَ لا تَستمرُّ في القيامِ بذلكَ النَّهْجِ المُستمرِّ في اقترافِ الخطيَّة. فالفِعْلُ هُنا يأتي بصيغةِ المُضارعِ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ إشارةً إلى استمرارِ العَمَل.

فلا يوجد شخصٌ ثابِتٌ في المسيحِ يَستمرُّ في ذلكَ السُّلوكِ الخاطئ. ولا أحدَ يَستمرُّ في ذلكَ السُّلوكِ الخاطئ إنْ كانَ قد أَبْصَرَ المسيحَ أوْ عَرَفَ المسيح. فالنَّاسُ يقولونَ طَوالَ الوقتِ: "أنا أَعلمُ أنَّ فُلانًا يَعيشُ بتلَك الطريقة ويَفعلُ كذا، ولكنِّي أَعلمُ أنَّهُ مُؤمن. فأنا أَعلمُ أنَّهُ مُؤمِن لأنِّي أتذكَّر عندما حَدَثَ ذلك وأَذكُرُ ما جَرى". اسمعوني: إنَّ المُؤمِنينَ لا يَستمرُّونَ في فِعْلِ الخطيَّة لأنَّ هذا يَعني أنَّ قَيْدَ الخطيَّة لم يُكْسَر بَعْد في حياتِهم. ونَجِدُ في العدد 7 المِفتاح: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ". أيْ: لا تَسْمَحوا لأيِّ شخصٍ أنْ يَخْدَعَكُم. "مَنْ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ". فهل هذا أمرٌ يَصْعُبُ فَهْمُه؟

هَيَّا! مَنْ هُوَ البارُّ؟ الأشخاصُ الَّذينَ يَفعلونَ البِرَّ. فالأمرُ يتوقَّفُ على الطَّبيعة. وهذا مَبْدأٌ حَياتِيٌّ. فَهي قُوَّة مُغَيِّرة للحياة. وَهُوَ يُبَيِّنُ ذلكَ بوضوحٍ شَديد فيقول: "مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ..." [في العدد 8] "...فَهُوَ مِنْ إِبْلِيس". فقد جَعَلَ طَبيعَتَهُ القديمةَ تَحْتَ هَيمنةِ الشَّيطان. "لأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَدْءِ يُخْطِئُ. لأَجْلِ هذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ". وما هي أعمالُ إبليس؟ الخطيَّة. فَهُوَ يَقولُ مَرَّةً أُخرى في العدد 5، وفي العدد 8 إنَّ الابنَ جاءَ لكي يَنْقُضَ نَمَطَ الخَطِيَّة ذاك. فقد جاءَ لكي يَنقُضَ ذلكَ المَبدأَ القائم على الخطيَّة، وتلك القوَّة المُهيمِنة للخطيَّة. لِذا فإنَّهُ يقولُ في العدد 9: "كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً..." أيْ إنَّهُ لا يُمارسُ الخطيَّةَ باستمرار "لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ".

فَهُوَ يَستخدِمُ استِعارةَ الولادة، الولادة البَشريَّة. فالطِّفْلُ هُوَ نِتاجُ وَالِدَيْه. وَهُوَ يَحْمِلُ حَياةَ وَالِدَيْه. والزَّرْعُ (أوِ البُويضَةُ) الَّتي اشتركَ الوالِدان في إنتاجِها وتَلقيحِها هي الَّتي أَنْتَجَتْ جَوْهَرَ ذلكَ الطِّفل. فذلكَ الطِّفلُ هو حَرفيًّا نِتاجُ اتِّحادِ حَياتَيْن. والطِّفلُ سَيُظْهِرُ صِفاتٍ. وَهُوَ سيَتَشكَّل مِثْلَ والِدَيه. وَهُوَ سَيَبدو في مَلامِحِهِ مِثْلَ والِدَيْه. وَهُوَ سَيتصرَّفُ مِثْلَ والِدَيْه. وَهُوَ سيمتلِكُ قُدراتٍ عقليَّة مِثْلَ والِدَيْه، أو رُبَّما قُدراتٍ أخرى أيضًا تَعكِسُ الصِّفاتِ الوراثيَّة الَّتي وَرَثَها عن والِدَيْه. وهذا هو ما يَقولُهُ يوحنَّا هُنا بصورة رئيسيَّة.

فإنْ كُنْتَ مولودًا مِنَ اللهِ، فإنَّكَ ستكونُ نِتاجَ تلكَ الولادة الجديدة، ولن تَستمرَّ في مُمارسةِ الخطيَّة. بل إنَّ ما سيَحدُثُ هو أنَّكَ ستحصُل على زَرْعٍ جديدٍ فيكَ، ولا يُمكنُكَ أنْ تَستمرَّ في مُمارسةِ الخطيَّة لأنَّكَ مولودٌ مِنَ الله. اسمعوني: إنْ كُنْتَ قد وُلِدْتَ يومًا مِنَ اللهِ، فإنَّ قَيْدَ الخطيَّةِ قدِ انْكَسَرَ في حياتِك، ومَبدأَ الخطيَّة قدِ انْقَطَعَ مِنْ حياتِك. أمَّا إنْ بَدا أحدُ الأشخاصِ وكأنَّهُ مَسيحيٌّ، ولكِنَّهُ ضَلَّ فجأةً وراحَ يَفعلُ الخطيَّةَ وَبَقِيَ فيها، فإنَّهُ لم يَختبِر يومًا تلكَ الولادةَ الجديدة. لأنَّهُ لَوِ اختبرَ الولادةَ الجديدة، ولو أنَّهُ وُلِدَ مِنَ اللهِ، فإنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لا يُمارِسُ الخطيَّة.

فلا أحدَ يُمارِس ذلكَ بصورة دائمة. وكما قُلتُ لكم في الأسبوعِ الماضي، فإنَّ ذلكَ يتوقَّفُ على ما تَرْغَبُ فيه. صحيحٌ أنَّنا نُخطئُ بالرَّغمِ مِنْ أنَّنا مَسيحيُّونَ، ولكِنَّنا نُبْغِضُ تلكَ الخطيَّة. فنحنُ نُحِبُّ البِرَّ (كما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح 7). فأنا أُحِبُّ أنْ أفعلَ أمورًا مُعَيَّنَةً، ولكِنَّ جَسَدي يَقِفُ في طَريقي: "لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ". ولكنِّي أعرِفُ أنَّ هذا الأمرَ قَبيحٌ، وأنا أُبْغِضُ ذلك. وأنا أَصْرُخُ طَالِبًا مِنَ اللهِ أنْ يُنْقِذَني مِنْ هذا. وواحِدٌ مِنَ الأسبابِ العظيمةِ للذَّهابِ إلى السَّماءِ ... وقد تتحدَّثونَ إلى أُناسٍ عنِ الذَّهابِ إلى السَّماءِ فيبتدئونَ بالتحدُّثِ عنْ وُجودِ شَوارِع مِنْ ذَهَب، وما إلى ذلك. ولكِنَّ أفضَلَ شيءٍ بخصوصِ الذَّهابِ إلى السَّماءِ هو أنَّهُ لن تكونَ هُناكَ خطيَّة.

فهذا هو أفضلُ ما فيها. ألا تَسْأَمونَ مِنَ الخطيَّة؟ وأنا لا أتحدَّثُ هُنا عنِ الخطيَّة الموجودة في شَريكِ الحياة، بل أتحدَّثُ عنْ خطاياكَ أنت. فلا أحدَ مولودٌ مِنَ اللهِ ويَستمرُّ في اقترافِ الخطيَّة. فهذا لا يُمكِن أنْ يَحدُث. لماذا؟ لأنَّ زَرْعَهُ فيكَ. فأنتَ مولودٌ ثانِيَةً "لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى" (كَما يَقولُ بُطرُس)، بل إنَّكَ تَمتلِكُ حياةً جديدة، وطبيعةً جديدة، وأنتَ خليقة جديدة. ثُمَّ إنَّ العددَ العاشِرَ يُلَخِّصُ ذلك: "بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ". فالأمرُ واضِحٌ. وأنا أُحِبُّ ذلك. فَيا لِوُضوحِ ذلك! "كُلُّ مَنْ لاَ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ". وهذا كَافٍ في نَظَري.

إذًا، كيفَ تَعرِفُ إنْ كانَ أحدُ الأشخاصِ مُؤمِنًا؟ إنَّهُ شخصٌ يُحِبُّ الحَقَّ، ويُحِبُّ ناموسَ اللهِ، ويَكرهُ الخطيَّة، ويَفعلُ البِرَّ عادَةً مَعَ أنَّهُ قد يُخطئ أحيانًا. وَتلكَ الخطيَّة الَّتي يُبْغِضُها هي مُخَلَّفاتُ طبيعَتِهِ القديمة، وشخصيَّتِهِ القديمة. وفي رسالة غَلاطيَّة 2: 20، يَتحدَّثُ الرَّسولُ بولُس عن هذهِ النُّقطة فيقول: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ". وما الَّذي تَعنيه يا بولُس؟ أنا مَيِّتٌ. فبولسُ القديمُ قد ماتَ. والحياةُ القديمةُ قد ماتت. "فَأَحْيَا لاَ أَنَا...". فالأنا القديمة، وشخصيَّتي القديمة قد مَضَتْ. "...بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ".

ويا للعَجَب! فإنْ كانَ المسيحُ يَحيا فيكَ فإنَّ كُلَّ شيءٍ سيكونُ مُختلِفًا...كُلَّ شيء. فهناكَ مَبْدأٌ حياتِيٌّ جديدٌ يُنشِئُ فيكَ مُمارَساتٍ جديدة. وإنْ لم نَفهم مَنْ هو المسيحيُّ الحقيقيُّ فإنَّنا نُحْدِثُ تَشويشًا في أَهَمِّ نُقطة. أليسَ كذلك؟ لأنَّنا لن نَتمكَّنَ مِنْ مَعرفةِ الحالةِ الروحيَّةِ الصَّحيحةِ للآخرين. فقد يكونونَ ضَالِّينَ وفي طريقهم إلى جَهَنَّم. ولن يَكونَ مِنْ مَصْلَحَتِهم أنْ نَقولَ لهم إنَّهُم مُؤمِنون. وإنْ فَعلنا ذلكَ فإنَّنا نَدعو أيضًا أعوانَ الشَّيطانِ المُريعين إلى الكنيسة؛ وَهُمْ أشخاصٌ لا يُحِبُّونَ الحَقَّ الإلهيَّ، ولا يُحِبُّونَ شَريعَتَهُ البارَّة، ولا يَجوعونَ إلى البِرِّ، ولم يَحصُلوا على قلبٍ جديد، ولم يُولدوا ثانيةً، ولم يَحصُلوا على زَرْعٍ لا يَفْنى، ولا يَسْكُنُ المَسيحُ فيهم، ولم يَتِمَّ إنقاذُهم. وإنْ لم يَكُنِ القلبُ قد تَغَيَّرَ لكي يُحِبَّ كلمةَ اللهِ، وإنْ لم يَكُنِ القلبُ قد تَغَيَّرَ لكي يُحِبَّ شَريعةَ اللهِ، وإنْ لم يَكُنِ القلبُ قد تَغَيَّرَ لكي يَرْغَبَ في إطاعَةِ فَرائِضِ اللهِ (كما جاءَ في سِفْر حِزْقيال والأصحاح 36)، وإنْ لم يَكُنِ القلبُ قد تَغَيَّرَ لكي يَسْعى إلى الفضيلة عِوَضًا عنِ الخطيَّة، فإنَّ ذلكَ القلبَ لم يتغيَّر يومًا. فَعلامَةُ الخلاصِ، يا أحبَّائي، هي أنْ تَفهموا حَقَّ الإنجيل، وتُؤمِنوا بِهِ، وتَقبلوه. فيجب أنْ تُحِبُّوا ذلكَ الحَقَّ، وأنْ تُحِبُّوا البِرَّ، وأنْ تُبْغِضوا الخطيَّة.

فالمؤمِنونَ الحقيقيُّونَ يَعبُدونَ اللهَ، ويُحِبُّونَ كلمةَ اللهِ، ويُطيعونَ كلمةَ اللهِ. وَهُمْ يُشبِهونَ "الإِيَّل" الَّذي نَقرأُ عنهُ في المَزمور الثَّاني والأربعين (الَّذي "يَشْتَاقُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ") إذْ إنَّ نُفوسَهُمْ تَشْتَاقُ إلى الله. فالمُرَنِّمُ يَقول: "عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ". ويَقولُ المُرَنِّمُ في المزمور 119: 97: "كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ!" لِذا، إذا كانَ لديكَ وَلَدٌ، أو شَريكُ حَياةٍ، أو أخٌ، أو أُختٌ، أو صَديقُ، أوْ شخصٌ مِنْ مَعَارِفِكَ يَتوقُ حَقًّا إلى فِعْلِ الخطيَّة، ويُخَطِّطُ لاقترافِ الخطيَّة، ويُخَطِّطُ للاستمتاعِ بالخطيَّة، ولا يَتوقُ إلى البِرِّ، ولا يُبالي بالحَقِّ، فإنَّهُ شخصٌ لم يَخْلُص. وَهُوَ ليسَ مَسيحيًّا - بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا يَدَّعيه.

واليوم (كما قُلنا سابقًا) فإنَّ الكنائسَ الإنجيليَّة والقادة الإنجيليُّونَ يقولونَ إنَّ أيَّ شخصٍ يَقولُ إنَّهُ مَسيحيٌّ هو مَسيحيٌّ، وإنَّ أيَّ شخصٍ يَقولُ إنَّهُ يُؤمِنُ بيسوعَ هُوَ مَسيحيّ. فاللِّيبراليُّونَ، والبروتستنت، والكارِزماتيُّونَ، والرُّوم الكاثوليك، والأرثوذكس يَقبلونَ أيَّ شخصٍ يَقولُ عَنْ نَفسِهِ إنَّهُ يُؤمِنُ بيسوع. وهُناكَ رِياضيُّونَ يَفعلونَ ذلكَ ويُمَثِّلونَ على النَّاسِ؛ ثُمَّ إنَّهُ يُقْبَضُ عَليهم مُتَلَبِّسينَ بِقَضِيَّةِ دَعارة. ولكِنْ يجب علينا أنْ نَفْحَصَ أيَّ شخصٍ يَدَّعي أنَّهُ مَسيحيٌّ بِمعيارِ الحَقِّ والفضيلة. فهذا أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا. فالإنقاذُ الحقيقيُّ يُؤدِّي إلى تَغييرٍ في الحياة. وهُناكَ نُقطة ثالثة. وسوفَ أكْتَفي بِذِكْرِها الآنَ وأُؤجِّلُ الحَديثَ عنها إلى الأسبوعِ القادِم. فالمُؤمِنونَ الحَقيقيُّونَ هُمْ أشخاصٌ تَمَّ إنقاذُهُم مِنَ العالَمِ المَيِّتِ إلى الملكوتِ الأبديّ. وهذا حَقٌّ ثَمين سَنَتحدَّثُ عنه في المَرَّة القادمة.

دَعونا نُصَلِّي: يا أبانا، مَا أَوْضَحَ وَأَدَقَّ كَلِمَتك! نَشكُرُكَ على نَماذِجِ الأشخاصِ في الماضي الَّذينَ تَحَدَّثنا عنهم في هذا الصَّباحِ والَّذين نَستفيدُ مِنْ شَهاداتِهم بِسَبَبِ أمانَتِهِم، وقُوَّةِ شَهاداتِهِم، واستِخدامِكَ الفَعَّالِ لهم.

أَعْطِ كنيسَتَكَ ثِقَةً مِنْ جديد، وشَغَفًا مِنْ جديد، وجوعًا مِنْ جديد للحَقِّ، ولكلمةِ الحَقِّ. ونحنُ نُصَلِّي، يا أبانا، أنْ تُعطينا تَمْييزًا لكي نُمَيِّزَ حَقًّا حالةَ الشَّخصِ الروحيَّة. احْمِ كنيسَتَكَ مِنَ التَّقَهْقُرِ في ما يَختصُّ بالحَقِّ، وَمِنَ التَّقَهْقُرِ في ما يَختصُّ بالكِتابِ المُقَدَّس. ونحنُ نُصَلِّي وَحَسْب، يا أبانا، أنْ تُعْطي الرُّعاةَ والقادةَ نِعْمَةً لكي يكونوا أوْفياء، ولكي يَعِظوا الحَقَّ الكِتابيَّ والتَّعليمَ الكِتابيَّ بِشَغَفٍ وَدونَ كَلَلٍ أوْ مَلَل طَوالَ سَنواتِ خِدمتِهم حَتَّى تَعْمَلَ أعمالاً عظيمةً وحقيقيَّةً في القُلوب. نَشكُركَ على إنْقاذِكَ لَنا بِنِعْمَتِكَ. باسْمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize