Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كُنَّا قد أخذنا استراحةً مِنْ دراسَتِنا لإنجيل لوقا خِلال الأسابيع الخمسة الماضية. وهذا هو الأسبوعُ السَّادس الَّذي أتحدَّثُ فيه إليكم عن موضوع "الإنقاذ: العَقيدة المُهمَلة". وقد فَعَلْتُ ذلكَ لأنِّي أشعرُ بالواجِبِ أمامَ الرَّبِّ أنْ أُقَدِّمَ فَهْمًا للحالة الرَّاهنة للكنيسة الإنجيليَّة. وأنا أَفعلُ ذلكَ بشيءٍ مِنَ التَّرَدُّد. فأنا لستُ سَعيدًا بقيامي بذلك، بل إنَّ هذا يَجعلُني حَزينًا. فأنا لا أُحِبُّ أنْ أُشيرَ إلى العديدِ مِنَ الأشياءِ الَّتي أَشَرْتُ إليها، ولكنَّها الحقيقة. وهذه هي مَسؤوليَّتي أمامَ الله. وما كنتُ أقولُهُ لكم هو أنَّ الحركة الإنجيليَّة هي في وضعٍ يائِس. وهذا اليأسُ يَظْهَرُ مِن خلالِ عدمِ قُدرتِها على تَمييزِ المَسيحيِّينَ الحقيقيِّين. فقد تَخَلَّيْنا عن أيِّ فَهْمٍ واضحٍ لِمَعْنى أنْ يكونُ المَرْءُ مُخَلَّصًا بِحَقّ؛ وأنا أتكلَّمُ عَنَّا نحنُ في الإطارِ الإنجيليِّ العامّ. ويجب على مَنْ يُعَلِّمونَ الكتابَ المقدَّسَ، وعلى مَنْ يَتَمَسَّكونَ بالعقيدةِ الصَّحيحة أنْ يَقِفوا ويَقولوا الحَقَّ. وقد حاولتُ أنْ أُبَيِّنَ لكم حَجْمَ هذه المُشكلة. وأودُّ أنْ أَذْكُرَ بعضَ التَّعليقاتِ على بعضِ الأشخاصِ والقضايا وأنْ أُرَكِّزَ على أُمورٍ مُعَيَّنة في هذا الصَّباح.

فَعَلى مَرِّ السِّنين، صِرْنا جميعًا مُتأثِّرينَ بِـ "بيلي غراهام" (Billy Graham). فبطريقةٍ أو بأخرى، صارَ "غراهام"، بالنِّسبةِ إلينا، النَّاطِقَ الرَّسميَّ باسْمِ المسيحيَّة الإنجيليَّة. وقد صارَ رَمْزًا لِلوُعَّاظِ الإنجيليِّينَ في نَظَرِ العالم، وحَتَّى في نَظَرِ الكنيسة. وقد أَثَّرَ أكثرَ مِنْ أيِّ شخصٍ آخر في الحركة الإنجيليَّة مِنْ خلالِ وَعْظِه، ومِنْ خلالِ كِرازَتِهِ التَّعاوُنيَّة، ومِنْ خِلالِ تأثيرِهِ في "كُليَّة ويتن" (Wheaton College)، وكُليَّة "فوللر للَّاهوت" (Fuller Seminary)، و "المسيحيَّة اليوم" (Christianity Today)، والعَديدِ مِنَ الهيئاتِ الأخرى. وهناكَ مَقالة في إحْدى الصُّحُفِ تُراجِعُ وتُعَلِّق على سِيرَتِهِ الذَّاتيَّةِ الَّتي تَحْمِلُ العُنوان: "كما أنا" (Just As I Am). وأعتقد أنَّها تَستحقُّ وَقفةً تأمُّليَّةً فيها لأنَّني أعتقد أنَّها تُشيرُ إلى عُمْقِ هذهِ المُشكلة. فَمُحَرِّرُ الصَّحيفة يقول: "مَعَ أنَّ غراهام صَارَ رَمْزًا كبيرًا للإنجيليَّة اللَّطيفة والمُتعاطِفة والمُحِبَّة، فإنَّهُ صارَ أيضًا رَمْزًا للإنجيليَّة الَّتي تَتكلَّمُ بِتَحَفُّظ، وتتكلَّمُ سياسيًّا، وتتكلَّمُ بطريقة غير لاهوتيَّة. فهو لم يتمكَّن قَطّ مِنَ النَّجاةِ مِنَ البراغماتيَّة اللَّاهوتيَّة المُشَوَّشَة الَّتي تَطَبَّعَتْ بها الإنجيليَّة المُعاصِرة. وبيلي غراهام هو أكثرُ شخصٍ في هذا القَرْن أَسْهَمَ مِنْ خِلالِ شخصيَّتِهِ القويَّة في وُجودِ الأزمة الإنجيليَّة في وقتِنا الحاضِر، والتي تُهَدِّد بِهَدْمِ ذاتِ المؤسَّساتِ والأسبابِ الَّتي استثمَرَ غراهام حياتَهُ وطاقَتَهُ فيها على مَدى أكثرِ مِنْ خمسةٍ وخمسينَ عَامًا" [نهايةُ الاقتباس].

إنَّها كَلِماتٌ مُحْزِنة، ولكنَّها صَحيحة في ضَوْءِ الحَقائق. وهُناكَ مُقابلة عَلنيَّة حديثة معَ "بيلي غراهام" و "روبرت شولر" (Robert Schuller) تُوَضِّحُ ذلك. فقد راحَ غراهام يَمْتَدِح خِدْمَة شولر ولم يُوَجِّهْ إليها أيَّ نَقْدٍ؛ وهي خِدمة قائمة على ما يُسَمَّى بالأرثوذكسيَّة المُحْدَثَة المَمزوجة بِعِلْمِ النَّفس، لا على المسيحيَّة التَّاريخيَّة الحقيقيَّة. ولكِنْ في المُقابلة، إليكُمْ ما قِيْلَ حَرفيًّا. فسوفَ أكتفي بمشاركةِ بعضِ الأشياءِ معكم لأنَّها ستَفتَح أذهانَكُم. فقد تَحَدَّثَ "د. شولر" إلى "بيلي غراهام" قائلاً لَهُ: "قُلْ لي: ما هو مُستقبَل المسيحيَّة؟" د. غراهام: "الحقيقة هي أنَّ المسيحيَّةَ وَكَوْنَ المَرْءِ مُؤمِنًا حقيقيًّا، كما تَعلم، أعتقد أنَّ هناكَ جَسَدًا للمسيح يتألَّف مِنْ جَميعِ المجموعاتِ المسيحيَّة حولَ العالم، أو مِنْ خارِجِ المجموعاتِ المسيحيَّة. فأنا أعتقد أنَّ كُلَّ مَنْ يُحِبُّ المسيحَ أوْ يَعرِفُ المسيح، سَواءَ كانوا يُدركونَ ذلكَ أوْ لا يُدركونَهُ، هُمْ أعضاءٌ في جسدِ المسيح. ولا أَظُنُّ أنَّنا سنَرى نَهضةً عظيمةً وكاسِحَةً تُحَوِّلُ العالَمَ كُلَّهُ إلى المسيحِ في أيِّ وقتٍ مِنَ الأوقات".

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أتوقَّفَ هُنا. فقد قالَ إنَّ أعضاءَ الجَماعاتِ غير المسيحيَّة هُمْ أعضاءٌ في جسد المسيح، وإنَّهُ بِمقدورِ النَّاسَ أنْ يُحِبُّوا المَسيحَ ويَعرِفوا المسيحَ سواءَ كانوا يُدركونَ ذلكَ أَمْ لا، وأنْ يَصيروا أعضاءً في جسدِ المسيح. لِذا، فإنَّنا لن نَرى نَهْضَةً كاسِحَةً تُحَوِّلُ العالَمَ كُلَّهُ إلى المسيحِ في أيِّ وقتٍ مِنَ الأوقات لأنَّهُ مِنَ الواضِحِ أنَّ هذا ليسَ أمرًا ضَروريًّا. وَهُوَ يُتابِعُ حَديثَهُ قَائِلاً: "إنَّ ما يَفْعَلُهُ اللهُ اليومَ هو أنَّهُ يَدعو شَعْبًا مِنَ العالَمِ على اسْمِه. وسواءٌ جاءَ هؤلاءِ مِنَ العالَمِ الإسلامِيِّ، أوْ مِنَ العالَمِ البُوذِيِّ، أوْ مِنَ العالَمِ المَسيحيِّ، أوْ مِنْ عَالَمِ غيرِ المُؤمِنين، فإنَّهُم أعضاء في جسدِ المسيح لأنَّهُمْ مَدعوُّونَ مِنَ الله". وَهُوَ يَقولُ: "صَحيحٌ أنَّ هؤلاء قد لا يَعْرفونَ حَتَّى اسمَ يسوع، ولكنَّهم يَعرفونَ في قُلوبِهم أنَّهُم بحاجة إلى شيءٍ لا يَملِكونَهُ، وَهُمْ يُقْبِلونَ إلى النُّورِ الوحيدِ الموجود لديهم. وأعتقد أنَّهُمْ مُخَلَّصونَ وأنَّهُمْ سيكونونَ مَعَنا في السَّماء".

د. شولر: "أَفهمُ مِنْ ذلكَ أنَّكَ تقول إنَّهُ مِنَ المُمْكِن أنْ يأتي يسوعُ المسيحُ إلى قُلوبِ البَشَر وإلى نُفوسِهم وحياتِهم حَتَّى لو كانوا قد وُلِدوا في الظَّلامِ ولم يَسمعوا يومًا بالكِتابِ المُقدَّس. هل هذا تَفسيرٌ صحيحٌ لما تَقولُه؟" د. غراهام: "أجل، إنَّهُ صحيح لأنَّني أُوْمِنُ بذلك. فقدِ التقيتُ أُناسًا في أجزاء عديدة مِنَ العالَم في بِيْئاتٍ قَبَلِيَّة لم يَرَوْا فيها كِتابًا مُقَدَّسًا مِنْ قَبْل، ولم يَسمعوا فيها عنِ الكِتابِ المُقَدَّس مِنْ قَبْل، ولم يَسمعوا عن يسوع، ولكنَّهم آمنوا في قُلوبهم بأنَّ هُناكَ إلهًا، وحاولوا أنْ يَعيشوا حياةً مُنفصلةً عنِ المُجتمَعِ المُحيطِ بهم". د. شولر: "هذا رائع! وإنَّهُ لَيُفْرِحني جِدًّا أنْ أَسمَعَكَ تَقولُ ذلك. فَرَحْمَةُ اللهِ واسِعَة". د. غراهام: "أجل! إنَّها كذلكَ بِكُلِّ تأكيد".

ورَدًّا على تلكَ المُقابلة، كَتَبَ مُحَرِّرُ هذهِ الصَّحيفة رسالةً إلى مُنَظَّمَةِ بيلي غراهام يَستوضِحُ فيها هذا الأمرَ فجاءَهُ رَدٌّ يَقول: "إنَّ آراءَ د. غراهام هي نفسُها دائمًا وأبدًا". وَمِنَ الواضِحِ أنَّ رأيَهُ دائمًا هو أنَّ المُسلِمينَ هُمْ جُزءٌ مِنْ جسدِ المسيح، وأنَّ البُوذِيِّينَ هُمْ جُزءٌ مِنْ جسدِ المسيح، وأنَّ غيرَ المُؤمِنينَ هُمْ جُزءٌ مِنْ جسدِ المسيح، وأنَّ النَّاسَ الَّذينَ لم يَسمعوا يومًا عنِ الكتابِ المُقدَّسِ هُمْ جُزءٌ مِنْ جسدِ المسيح إنْ كانوا يُحاولونَ أنْ يَكونوا أفضلَ مِنَ الأشخاصِ الآخرينَ المُحيطينَ بهم. فالنَّاسُ الَّذينَ لم يَسمعوا يومًا عن يسوعَ هُمْ جُزءٌ مِنْ جسدِ المسيح. وإنَّهُ لَتَناقُضٌ غير مَعقول البَتَّة أنْ يَتَمَكَّنَ شخصٌ يُؤمِنُ بذلك مِنْ جَمْعِ تَبَرُّعاتٍ تَصِلُ إلى مَلايينِ المَلايينِ مِنَ الدُّولارات بِوَصْفِهِ شخصًا إنجيليًّا، وأنْ يَجمَعَ النَّاسَ مِنْ جَميعِ أنحاءِ العالَمِ في مَلاعِبَ رياضيَّة ضَخْمَة، وأنْ يَقولَ لهم إنَّهُ ينبغي لهم أنْ يُؤمِنوا بيسوعَ المسيح، وأنْ يَكْرِزَ بِشَغَفٍ لَهُمْ برسالةِ الإنجيل، وأنْ يُكَلِّمَهُمْ عن دينونةِ الله، وأنْ يَدعوهم إلى الإيمانِ بالمُخَلِّصِ الَّذي ماتَ وقامَ ثانيةً، وأنْ يُحَذِّرَهُمْ مِنَ الدَّينونةِ إنْ لم يُؤمِنوا! فما نُوْعُ انْفِصامِ الشَّخصيَّةِ هذا؟ ولا عَجَبَ أنَّهُمْ يَقبَلونَ كنيسةَ الرُّومِ الكاثوليك، والكنيسةَ الأرثوذكسيَّة اليونانيَّة، وأتْباعِ اللَّاهوتِ اللِّيبراليِّ مَعَ أنَّهُم يُنكِرونَ يسوعَ المسيح. ولا عَجَبَ أنَّهُ قالَ في مُقابلةٍ لَهُ مَعَ "لاري كينغ" (Larry King) إنَّهُ ليست لديهِ مُشكلة معَ المُورمون، وإنَّهُ ليست لديهِ مُشكلة معَ اليهودِ الَّذينَ يَرفُضونَ يسوع!

مَا الَّذي يَجري هُنا؟ وأنا لا أتحدَّثُ عن شخصٍ غير مُؤثِّر، بل أتحدَّثُ عن شخصٍ مُؤثِّرٍ جِدًّا. وهذا هو السَّببُ في أنَّنا قد نَذهبُ إلى حَرَمٍ جامعيٍّ مَسيحيٍّ اليومَ ونَجِدَ أساتِذَةً يُؤمِنونَ بكلمةِ اللهِ، وأساتذةً لا يُؤمِنونَ بها. فقد تَذْهَبُ إلى كُليَّةِ لاهوتٍ وتَجِدُ أساتذةً يُؤمِنونَ بالحَقِّ الإلهيِّ والإنجيل، وأساتذةً يُريدونَ أنْ يَقبَلوا الجَميع. وهذا النَّوعُ مِنَ الإنجيليَّة سائِدٌ اليوم. وهو في طَوْرِ النُّمُوِّ والانتشارِ بِصورة نِظامِيَّة. والنَّاسُ مُتَرَدِّدونَ في تَسْمِيَتِهِ بِاسْمِهِ الحقيقيِّ لأنَّ الآخرينَ سيقولونَ عنهم إنَّهُمْ غير مُحِبِّين. والحقيقةُ هي أنَّهُ مِنَ الصَّعْبِ أنْ تَجِدَ مِنْبَرًا تَقولُ مِنْهُ هذا الكَلامَ لأنَّكَ إنْ قُلْتَ هذا الكَلامَ (فأنا أستطيعُ أنْ أقولَ هذا الكَلامُ في هذهِ الكنيسة)، ولكِنْ إنْ خَرَجْتُ خارجًا وقلتُهُ، لن يَطْلُبَ أَحَدٌ مِنِّي أنْ أَعِظَ في كَنيسَتِه. وهذا واحِدٌ مِنَ التَّحَدِّياتِ الَّتي تُواجِهُنا في خِدْمَتِنا الإذاعيَّةِ إذْ إنَّنا إذا استمرَّينا في المُناداةِ بالحَقِّ، واستمرَّينا في المُناداةِ بالحَقِّ، واستمرَّينا في المُناداةِ بالحَقِّ، فإنَّ الوَسَطَ الإنجيليَّ سيُقاوِمُ ذلكَ الحَقَّ مُقاومةً شديدةً حَتَّى إنَّهُ قد يَقومُ في نِهايةِ المَطافِ بِإلغاءِ بَرْنامَجِنا.

والآن، يَنبغي أنْ أَطرحَ السُّؤالَ التَّالي: هلِ الإنجيلُ غير واضح إلى هذا الحَدّ؟ وهل هُوَ مُشَوَّش إلى هذا الحَدّ؟ وهل مِنَ الصَّعبِ جِدًّا علينا أنْ نَفهمَ الإنجيل؟ وهلِ العهدُ الجديدُ غير واضِح بخصوصِ هذا الموضوع؟ وهل هو لا يُعطينا نُورًا كافيًا لمعرفةِ المُؤمِنِ الحقيقيِّ، ومَعنى أنْ نكونَ في جَسَدِ المسيح، ومُتَطَلَّباتِ الذَّهابِ إلى السَّماء؟ وما أعنيهِ هو: أَلا يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا"؟ أَلا يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ فَلْيَكُنْ مَلعونًا"؟ أَلا يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ إنَّ الخَلاصَ بالإيمان، وإنَّ الإيمانَ هُوَ نَتيجة سَماعِ كلمةِ اللهِ، وَأنَّ السَّماعَ هُوَ مِنَ التَّبشيرِ بكلمةِ المسيح؟ وكيفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وكَيْفَ سَيَسْمَعونَ كارِزًا مَا لَمْ يُرْسَلْ أَحَدٌ مَا؟ فهل يُفْتَرَضُ بِنا حَقًّا أنْ نَطْلُبَ مِنْ جَميعِ المُرسَلينَ أنْ يَعودوا إلى دِيارِهم؟ وهل يُفْتَرَضُ بِنا حَقًّا أنْ نَتوقَّفَ عنِ الكِرازة لأنَّ أيَّ شخصٍ في أيِّ مكانٍ يَفتكِرُ أفكارًا جَيِّدَةً عنِ اللهِ ويُحاولُ أنْ يكونَ مُختلِفًا قليلاً عنْ مُجتَمَعِهِ سيذهبُ إلى السَّماء؟

نَحْنُ نُجَرِّدُ الكَنيسةَ مِنْ أَهَمِّ ما فيها، ونُجَرِّدُ خِدْمَتَنا مِنْ ذلكَ أيضًا. مِنْ جِهَة أخرى، مَا دامَ العهدُ الجديدُ يَحْسِمُ المسألة، لا يَجوزُ لنا أنْ نَتجاهَلَ العهدَ الجديد. ولا يَجوزُ لنا أنْ نُعيدَ تَعريفَهُ كَما نَشاء لكي نُحَقِّقَ الشَّعبيَّة، ولكي نَكونَ مَقبولين. فالمسيحيَّة الحقيقيَّة والتَّاريخيَّة لم تَكُنْ يومًا مُشَوَّشَةً بخصوصِ مَعنى أنْ يكونَ المَرءُ مَسيحيًّا. فهذا لم يَحْدُث قَطّ. فالمسيحيَّة الحقيقيَّة والتَّاريخيَّة تَعْرِفُ دائمًا أنَّ العهدَ الجديدَ واضِحٌ كُلَّ الوُضوحِ في هذهِ المسألة. فالعهدُ الجديدُ يُخبِرُنا بِكُلِّ ما ينبغي أنْ نَعْرِفَهُ حَتَّى نَكونَ مُتَيَقِّنينَ بلا أَدنى شَكٍّ مِنْ مَعْنى ما ينبغي للمرءِ أنْ يُؤمِنَ بِهِ لكي يَخْلَص. فلا يوجد نَقْصٌ في المعلوماتِ يَحُوْلُ دُوْنَ تَمْييزِك. ولا يُوْجَد نَقْصٌ في المعلوماتِ والحَقِّ يَحُوْلُ دُوْنَ أنْ تُمَيِّزَ بينَ الصَّوابِ والخطأ، وبينَ المسيحيِّينَ الاسْمِيِّينَ والحَقيقيِّين.

وقد قُلنا إنَّ هُناكَ طَريقة جَيِّدة جدًّا لمعرفةِ المَسيحيِّ الحقيقيِّ وهي أنْ نَفهمَ هذا الحَقَّ العظيمَ المُختصَّ بالإنقاذ. فإنْ فَهِمْتُم الإنقاذَ، ستَفهمونَ هذهِ المسألة. فيمكنكم أنْ تَعرِفوا مَنْ هُمُ المَسيحيُّونَ الحقيقيُّونَ لأنَّهُ تَمَّ إنقاذُهُمْ ... لأنَّهُ تَمَّ إنقاذُهُم. وفي المَقامِ الأوَّل، لقد تَمَّ إنقاذُهُم مِنَ الضَّلالِ إلى ماذا؟ الحَقّ. فلا يُمْكِن أنْ يكونَ المرءُ مَسيحيًّا حَقيقيًّا إنْ لم يَكُنْ يُؤمِنُ بالحَقِّ المُختصِّ بالمَسيح. فالمُسلمونَ لا يُؤمِنونَ بالحَقِّ المُختصِّ بالمسيح. والبُوذيُّونَ لا يُؤمِنون. وغيرُ المُؤمِنينَ لا يُؤمِنون. والمُورمون لا يُؤمِنون. والشَّعبُ اليهوديُّ لا يُؤمِن. والقبائلُ الوَثنيَّة لا تُؤمِن بذلك. وإنْ كانوا يَمْلِكونَ قلبًا يَبحثُ عنِ اللهِ، وإنْ كانَ الرُّوحُ يَحْفِزُ قُلوبَهُم، صَدِّقوني أنَّ اللهَ سَيَحْرِص على توصيلِ ذلكَ الحَقِّ المُختصِّ بالمسيح إليهم حَتَّى يَكونَ بمقدورِهم أنْ يُؤمِنوا. ولكِنْ بِمَعْزِلٍ عن ذلك، لا يوجد خلاص. فلا يوجد خَلاصٌ بأيِّ اسمٍ آخر. أليسَ كذلك؟ فكُلُّ شخصٍ مُؤمِن يُقْبِلُ إلى مَعرفةِ الحَقِّ، ويَفْهَمُ الحَقَّ، ويؤمِنُ بالحَقِّ، ويَقْبَلُ الحَقَّ، ويُحِبُّ ذلكَ الحَقَّ، ويَرْفُضُ أيَّ وسيلة أُخرى للخلاص. فهناكَ شيءٌ واحدٌ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ عنِ المَسيحيِّ الحقيقيّ وَهُوَ أنَّهُ يَعرِفُ الحَقَّ، ويُحِبُّ الحَقَّ، ويَعْبُدُ إلَهَ الحَقِّ، ويُمَجِّدُ مَسيحَ الحَقِّ، ويَسْكُنُ فيهِ رُوْحُ الحَقِّ، ويُطيعُ كَلمةَ الحَقِّ. فالحَقُّ هُوَ قَلْبُ وَرُوْحُ الإنجيلِ الَّذي يُخَلِّص. والتَّغييرُ يَبتدئُ بالانتقالِ مِنَ الظُّلمةِ إلى النُّور. فالظُّلمة تَرْمِزُ (في رسالة كولوسي 1: 12 و 13) إلى الضَّلال. والنُّورُ يَرْمزُ إلى الحَقّ.

ويجب علينا أنْ نَذْهَبَ إلى العالَمِ أَجْمَع، يا أحبَّائي، وأنْ نُخبِرَ النَّاسَ الحقيقة؛ الحقيقةَ الوحيدةَ الَّتي تُخَلِّص. فإنْ كانَ كُلُّ هؤلاءِ النَّاسِ في الأصلِ في جسدِ المسيحِ، وسيذهبونَ إلى السَّماءِ، لِماذا نُرْسِلُ كُلَّ هؤلاءِ المُرْسَلينَ وَنُنْفِقُ مِلياراتِ الدُّولاراتِ للذَّهابِ والقيامِ بهذا العملِ غيرِ الضَّروريّ؟ وقد تَسألُ: ما الخطأُ الَّذي حَدَث؟ ما الخطأُ الَّذي حَدَث؟ وما الخطأُ في الحركة الإنجيليَّة؟ سوفَ أُخبرُكم ما الخطأ. فقد يَقولُ قائِلٌ: "إنَّهُ الضَّغْطُ الاجتماعيُّ. إنَّهُ الضَّغْطُ مِنَ العالَم". لا، إنَّهُ ليسَ الضَّغط مِنَ العالَم. وَهُوَ ليسَ ضَغْطًا اجتماعيًّا. وهو ليسَ شيئًا مُختصًّا بالثَّقافة. وهو ليسَ شيئًا يَفْعَلُهُ غيرُ المُؤمِنينَ بِنا. وهو ليسَ شيئًا خَارِجِيًّا يَفْعَلُ هذا بِنا. فالمشكلةُ تَكْمُنُ في أنَّهُ يُوْجَدُ في إطارِ المسيحيَّةِ تَعليمٌ خَاطِئ. وقد كانَ "إيان مُوري" (Iain Murray) على صَواب حينَ كَتَبَ في كِتابِهِ بِعُنوان: "الإنجيليَّة المُنْقَسِمَة" (Evangelicalism Divided)، وأنا أَقْتَبِسُ كَلامَهُ هُنا: "إنَّ التَّقَهْقُرَ الرُّوحِيَّ ليسَ لُغْزًا يَتْرُكُهُ الكتابُ المقدَّسُ مِنْ دُوْنِ تَفسير. بل هُوَ ناجِمٌ عن وُجودِ الخطأِ عِوَضًا عَنِ الحَقِّ" [نهايةُ الاقتباس]. فهذا هو السَّبب. فالمُشكلةُ تَكْمُنُ في أنَّنا نَتَجَرَّعُ الأكاذيب. فهذهِ هي المُشكلة.

وهناكَ شيءٌ تَتَعَلَّمونَهُ بِسُرعة كبيرة عندما تَدرُسونَ الكتابَ المقدَّسَ وَهُوَ أنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ حَقٍّ، وأنَّ الشَّيطانَ كَاذِبٌ. وَمُنْذُ البِداية، مِنَ المُواجَهَةِ الأولى في الجَنَّةِ مَعَ حَوَّاء، قَادَ الشَّيطانُ الجِنْسَ البَشريَّ كُلَّهُ إلى الخطيَّة مِنْ خلالِ الأكاذيب. والكِتابُ المُقَدَّسُ يُحِذِّرُ مِنَ المُعَلِّمينَ الكَذَبة مِنْ أوَّلِ صَفْحَة إلى آخِرِ صَفحة، مِنَ البداية إلى النِّهاية، مِنَ الأعلى إلى الأسفل. فالكِتابُ المُقدَّسُ يَتَحَدَّثُ المَرَّةَ، تِلْوَ المَرَّة، تِلْوَ المَرَّة عنِ الخِداعِ، والخِداعِ، والخِداعِ، وَعَنْ كِلاَبٍ بُكْمٍ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَنْبَحَ، وَعَنْ غُيومٍ بِلا ماء. والعِبارةُ "كِلاَبٌ بُكْمٌ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَنْبَحَ" هي عِبارةٌ استخدَمَها إشعياءُ في سِفْر إشعياء 56: 10. فَهؤلاءِ الأشخاصُ يأتونَ ويقولونَ (كما جاءَ في سِفْر إرْميا 8: 11): "سَلاَمٌ، سَلاَمٌ". فَهُمْ يَعِدونَ النَّاسَ بالسَّلام. يَعِدونَ النَّاسَ بالسَّلام. وَلَكِنْ "لاَ سَلاَمَ". وَهُمْ يَعْرِضونَ عليكُم طَريقَ سَلامٍ مَعَ اللهِ بِمَعْزِلٍ عَنِ المُصالحة. ولكِنَّ ذلكَ كَذِب. وَهُوَ خِداع. فَهؤلاءِ (بحسب ما جاءَ في سِفْر إرْميا والأصحاح 23) أنبياءٌ لم يُرْسِلْهُمُ اللهُ. صَحيحٌ أنَّهُم يَذهبون؛ ولكنَّ اللهَ لم يُرسلهم. وَهُمْ يَتكلَّمونَ؛ ولكِنْ ليسَ بِكلمةِ اللهِ.

إنَّ التَّعليمَ الخاطئَ يَجعلُ الكنيسةَ عاجِزة، ومُشَوَّشة، ويَجْعَلُها هَرْطَقة. وقد كَتَبَ الواعِظُ الإسكتلنديُّ العظيم "هوريشَس بونار" (Horatius Bonar) عنِ الشَّيطانِ والإنجيلِ الكلماتِ التَّالية: "إنَّهُ يأتي كَملاك نُور لكي يُضِلَّ؛ مَعَ أنَّهُ يَدَّعي أنَّهُ يَقود. ولكي يُعْمي، مَعَ أنَّهُ يَدَّعي أنَّهُ يَفْتَحُ العُيون. ولكي يُرْبِكَ وَيُوْقِع في الحَيْرَة، مَعَ أنَّهُ يَدَّعي أنَّهُ يُنير ويُرْشِد. وَهُوَ يأتي إلينا بكلماتٍ مَعْسُولَة على شَفَتَيْه مِثْلَ الانْفِتاحِ، والتَّقَدُّم، والثَّقافة، والحُريَّة، والتَّوسُّع، والرُّقِيّ، والإحسان. وَهُوَ يَسْعى إلى تَحْقيقِ غايَتِهِ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الأمور لكي يُعْطي العالمَ أكبرَ قَدْرٍ مِنْ هذهِ الأشياءِ وَفْقًا لغاياتِه، وبالقَدْرِ الَّذي يَجعلُهم رَاضينَ بالعَيْشِ مِنْ دُوْن اللهِ، وَمِنْ دُوْنِ المسيح، وَمِنْ دُونِ الرُّوحِ القُدُس. وَهُوَ يُعادي اللهَ والأشياءَ المُختصَّةَ باللهِ بِشَتَّى الطُّرُق. وقد يُنْكِرُ الإنجيلَ أوْ يُرَقِّقْ رِسالةَ الإنجيل، أوْ يَطْمُس الإنجيل، أوْ يَجْعَل رِسالةَ الإنجيلِ مُحايِدَة. وَهُوَ يَهْتاجُ غاضِبًا على اللهِ الحَقيقيِّ؛ أحيانًا بصورة عَلنيَّة ووَقِحَة، وأحيانًا بصورة هادئة ومُهَذَّبة لكي يَجعلَ النَّاسَ يُصَدِّقونَ أنَّهُ نَصيرُ الحَقِّ".

إذًا، يُمْكِنُكُم أنْ تُمَيِّزوا المسيحيَّ الحقيقيَّ. فالمسيحيُّ الحقيقيُّ يَعرِفُ الحَقَّ، ويَفهمُ الحَقَّ، ويُحِبُّ الحَقَّ، ويَحيا لأجْلِ الحَقّ. ولا يوجد شخص مُخَلَّص إنْ لم يُؤمِن بذلك. فالمسيحيُّ الحَقيقيُّ يُؤمِنُ بالحقِّ المُختصِّ باللهِ؛ أيْ أنَّهُ اللهُ المُثَلَّثُ الأقانيمِ، والقُدُّوس، وصاحِبُ السِّيادة الأزليَّة على الكون، والذي هو المسيحُ، اللهُ الظَّاهِرُ في جَسَدٍ بَشريٍّ، والذي عاشَ حياةً خاليةً مِنَ الخطيَّة، وماتَ موتًا بَدَلِيًّا، مَعَ أنَّهُ كانَ بَريئًا مِنْ أيِّ خطيَّة، والذي قامَ في اليومِ الثَّالثِ قِيامةً جسديَّة، والذي غَلَبَ الموتَ، وصَعِدَ إلى السَّماءِ حيثُ أرسلَ الرُّوحَ القُدُسَ، والذي يَشفَعُ الآنَ فينا، والذي سيعودُ يومًا لتأسيسِ مَجْدِهِ ومَلكوتِهِ الأبديِّ. وَيُؤمِنُ بأنَّ الخلاصَ هو بالنِّعمةِ وَحْدَها مِنْ خلالِ الإيمانِ بيسوعَ المسيحِ وَحْدَهُ، بِمَعْزِلٍ عن أيِّ أعْمال. فلا يَهُمُّ إنْ كُنْتَ تُحاولُ أنْ تكونَ أفضلَ قليلاً مِنَ النَّاسِ الآخرينَ مِنْ حولِك. فهذا هو الحَقُّ. وبِمَعزِلٍ عن ذلكَ الحَقِّ، لا يوجد أحدٌ مُخَلَّص. وإنْ كانَ المَرءُ مَسيحيًّا بِحَقّ، فإنَّهُ يَعرِفُ ذلكَ الحَقَّ، ويَفهمُ ذلكَ الحَقّ، ويُؤمِنُ بذلكَ الحَقّ، ويَقبَلُ ذلكَ الحَقّ.

ثانيًا، إنَّ المُؤمِنينَ الحقيقيِّينَ أُنْقِذوا لا فقط مِنَ الضَّلالِ إلى الحَقِّ، بل أيضًا مِنَ الخطيَّةِ إلى البِرّ. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في رِسالة رُومية والأصحاح 6. أرجو أنْ تَفتحوا عليها قليلاً. فالآيتان رُومية 6: 17 و 18 مُهِمَّتان جِدًّا لأنَّهُما تُوَضِّحان جَوْهَرَ عقيدةِ الإنقاذِ هذه. فنحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية 6: 17؛ في مُنتصفِ الآية: "...وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا". فهذا هو ما يَقولُهُ النَّصُّ اليُونانِيُّ. "...وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ [أوْ ذلكَ القَالَبَ العَقِيديَّ، أو تلكَ الحَقيقة] الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا". فقد كانَ هذا هو خَلاصُكم. فقد خَرَجْتُمْ مِنَ الظُّلمةِ إلى النُّورِ، وَمِنَ الضَّلالِ إلى الحَقّ. وأنتُم أَطَعْتُمْ مِنْ أعماقِ قُلوبِكُم تلكَ العقيدة، وذلكَ التَّعليم المُختصّ بيسوعَ المسيح وبالإنجيل. فقد آمَنْتُمْ بذلك. وقد تَسَلْمُتْم ذلك.

والآن، ارْجِعُوا إلى بِدايةِ الآية: "فَشُكْراً للهِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ...". والآنْ، انتقِلوا إلى العدد 18: "وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ صِرْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ". فالشَّيءُ الثَّاني الَّذي أُنْقِذْتُمْ مِنهُ: لا فقط مِنَ الضَّلالِ إلى الحَقِّ، بل أيضًا مِنَ الخطيَّةِ إلى البِرّ. لِذا، يُمْكِنُكم أنْ تُمَيِّزوا المسيحيَّ الحقيقيَّ. فَهُوَ يُمارِسُ البِرَّ. فقد أُعْتِقوا مِنَ الخطيَّةِ إلى البِرِّ. وقد تأمَّلنا في الأسبوعِ الماضي في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّالث؛ وَهُوَ مَقطعٌ رائعٌ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ ابتداءً مِنَ العددِ الرَّابع إلى نِهايةِ العددِ العاشِر مِنْ رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثالث. وقد رأينا كيفَ أنَّ الشَّخصَ المولودَ مِنَ اللهِ لا يُمارِسُ الخطيَّة. فالشَّخصُ الَّذي يَثْبُتُ في اللهِ لا يَستمرُّ في مُمارسةِ الخطيَّة. فإنْ كُنْتَ مَسيحيًّا حقيقيًّا فإنَّكَ تُطيعُ كلمةَ اللهِ. وَكَنَمَطٍ سُلوكِيٍّ، فإنَّكَ تُمارِسُ البِرَّ. ونحنُ نَقرأُ في العددِ السَّابِعِ مِنْ رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثالث: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ...". فهذا هو ما يَفعَلُهُ النَّاسُ. فَهُمْ يُضِلُّونَكُم. وَهُمْ يَكذِبونَ عليكم. ولكِنَّ الأمرَ واضحٌ جِدًّا: "...مَنْ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ".

والآن، ما مَدى وُضوح ذلك؟ وما هُوَ البِرّ؟ البِرُّ يُعَرَّفُ بأنَّهُ مِعْيارُ قَداسَةِ اللهِ. فإنْ كُنْتَ تُمارِسُ البِرَّ، فإنَّكَ بَارٌّ. وهذا يعني أنَّكَ قد أُنْقِذْتَ مِنَ الخطيَّةِ إلى البِرِّ، وأنَّكَ مَسيحيٌّ. ونقرأُ في العدد 8: "مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ". فالأمرُ بهذهِ البَساطة. وهذا لا يَعني أنَّ المَسيحيَّ لا يُخطئُ البَتَّة، بل يَعني أنَّ هذا ليسَ نَمَطَ حَياتِهِ، وأنَّ هذا ليسَ أُسلوبَهُ الدَّائم. فعندما تَقولُ إنَّ الطَّبيبَ يُمارِسُ عَمَلَهُ، فَإنَّ ما تَعنيه بذلك هو أنَّهُ يُمارِسُ عَمَلَهُ بِصورة دائمة. وهُناكَ شيءٌ تَفْعَلُهُ أنتَ أيضًا، بِصِفَتِكَ مَسيحيًّا، وَهُوَ أنَّكَ تُمارِسُ البِرَّ. وإنْ لم تَكُنِ الحالُ هكذا، فإنَّكَ لستَ مَسيحيًّا. فهناكَ أولادُ اللهِ، وهُناكَ أولادُ الشَّيطان. فنحنُ نَقرأُ في العددِ العاشِر: "بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ". إذًاْ، مَنْ هُوَ المَسيحيُّ؟ إنَّهُ شخصٌ يُمارِسُ البِرَّ.

ولا يُمْكِنُني أنْ أَنْسى أنَّني دَخَلْتُ في هذا الجَدَلِ حينَ كَتَبْتُ كِتابَ "الإنْجيل بِحَسَب يَسوع" (The Gospel According to Jesus) وقُلتُ إنَّ الأشخاصَ المسيحيِّينَ حَقًّا يَعيشونَ حياةً بَارَّة. وأعتقد أنَّهُ يُمْكِنُنا أنْ نَقولَ أنَّ كُلَّ أبوابِ الجَحيمِ فُتِحَتْ حَرفيًّا، وأنَّ النَّاسَ ابتدأوا يَنتقدونَني، ويَكتُبونُ كُتُبًا ضِدِّي، ويقولون: "مَهْلاً! قد يكونُ المَرءُ مَسيحيًّا مِنْ دونِ أنْ يكونَ بَارًّا. بل إنَّهُ قد يكونُ مُؤمِنًا غَيرَ مُؤمِنٍ، أوْ حَتَّى رَافِضًا للهِ، أوْ يَلعَنُ اللهَ، ويَحيا حياةَ الخطيَّة وما يَزالُ مَسيحيًّا". ماذا؟ فهذا هو ما قالوه. وهذا جُزءٌ مِنَ الإنجيليَّة اليوم. فالخَلاصُ هُوَ مُجَرَّدُ "حَدَثٍ" في نَظَرِهِم. فَهُوَ تَقَدُّمٌ إلى الأمام، أوْ رَفْعٌ لليَدِ، أوْ توقيعُ بِطاقةٍ، أو رَفْعُ صَلاةٍ، أوِ اختبارُ شُعورٍ مَا. فهذا هُوَ الخَلاصُ في نَظَرِهم. وهو لا يَمُّتُّ بِصِلَة بِما تَفعَلُهُ في الجُزءِ المُتَبَقِّي مِنْ حياتِك. ولكِنَّ هذا غير صحيح. فأولادُ اللهِ وأولادُ إبليسَ يَظْهَرونَ مِنْ خِلالِ سُلوكِيَّاتِهِم. ويَعقوبُ يَقولُ في رسالة يعقوب 2: 14-26: "يُمْكِنُكَ أنْ تَقولَ إنَّ لَكَ إيمانٌ. ولكِنَّ "الإِيمَانَ بِدُونِ" [ماذا؟] "أَعْمَالٍ" [ماذا؟] "مَيِّتٌ". فَهُوَ لا وُجودَ لَهُ. فهو شيءٌ لا وُجودَ لَهُ ما لم يَكُنْ هُناكَ دَليلٌ عَمَلِيٌّ مَلموسٌ على أنَّكَ قد حَصَلْتَ على حياةٍ جديدة.

فقد كُنْتُمْ؛ أو حَرفيًّا: لقد ماتت حَياتُكُم القديمة، وابتدأتْ حياتُكم الجديدة. فقد مُتُّمْ مَعَ المسيحِ، وقُمْتُمْ إلى جِدَّةِ الحياةِ. وقد صِرتُم خليقة جديدة. وتلكَ الخليقة الجديدة تُظْهِرُ ذاتَها مِنْ خلالِ مُمارَسَةِ البِرِّ. وإنْ لم تَكُنْ هُناكَ مُمارسةٌ للبِرِّ، فإنَّكَ وَلَدٌ لإبليس، لا للهِ. وَمُمارسةُ البِرِّ تَعني، ببساطة، أنَّكَ تُطيعُ مِنَ القلبِ لا فقط صُورَةَ التَّعليم، بل تُطيعُ مِنَ القَلبِ مَعاييرَهُ البارَّة. لِذا فإنَّ المسيحيِّينَ الحَقيقيِّينَ يُؤمِنونَ بالحَقِّ، ويَسْلُكونَ بالحَقِّ. وعندما نَفْعَلُ الخطيَّة، فإنَّ ذلكَ يُحْزِنُنا لأنَّنا نُحِبُّ البِرَّ.

وهُناكَ عُنصُرٌ آخر للإنقاذ. فالمَسيحيُّ أُنْقِذَ مِنَ العَالَمِ الزَّائِلِ إلى المَلكوتِ الأبديّ. المَسيحيُّ أُنْقِذَ مِنَ العَالَمِ الزَّائِلِ إلى المَلكوتِ الأبديّ. وكما تَعلمونَ، فإنَّني أُشاهِدُ كُلَّ هؤلاءِ السِّياسِيِّينَ وأبتَسِمُ وأنا أُشاهِدُ ذلك. فأنا أُشاهِدُ بعضَ السِّياسِيِّينَ وأَسْمَعُهُمْ يَقْطَعونَ وُعودًا للمُواطِنينَ قائِليَنَ إنَّهُمْ سَيُوَفِّرونَ "سَيَّارَتَيْنِ في كُلِّ كَراجٍ، ودَجاجةً في كُلِّ قِدْر"، ويَلْعَبونَ على هَذِهِ الأوتارِ الَّتي يُحِبُّ النَّاسُ سَماعَها اليوم. وَهُمْ يَعِدونَ بهذا الأمر، ويَعِدونَ بذلكَ الأمر، ويَقْطَعونَ وَعْدًا بهذا، ووَعْدًا بِذاك. والنَّاسُ يَلْحَقونَ بهذا الجَمْعِ الحَاشِدِ، ويَصْرُخونَ، ويَصيحونَ، ويَرفَعونَ اللَّافِتات. وهل تَعلمونَ شيئًا: إنَّ هذا كُلَّهُ ليسَ مُهِمًّا. فهو كُلُّهُ زائِل، وهي كُلُّها أُمورٌ فَانِيَة. وكما تَعلمونَ، فقد أَرْسَلْتُ تلكَ الرِّسالة لكي أُخْبِرُكُمْ أنْ تُصَوِّتوا للشَّخصِ الَّذي لَديهِ قَناعاتٌ أَقْرَبَ ما يُمْكِن للمُعتقداتِ الكِتابيَّة لأنَّكُمْ لن تَجِدوا أيَّ شخصٍ يَهتمُّ جِدًّا بالكِتابِ المُقدَّس، ويَسيرُ على النَّهْجِ القويم. فَلا يُمْكِنُهُمْ أنْ يَبْلُغوا ذلكَ الحَدّ. فهذا مُستحيل لأنَّ العالَمَ لن يَسْمَحَ لهم بذلك. ولكِنْ يجب أنْ تَبذُلوا أَقصى جُهْدٍ مُمكِن. وكما تَعلمونَ، فإنَّكُم تَسمعونَ الغَضَبَ والشَّغَفَ الَّذي يَتكلَّمُ بهِ هؤلاءِ الأشخاص عن كُلِّ هذهِ الأشياء. ولكِنَّها أُمورٌ دُنيويَّة وَحَسْب. دُنيويَّة وَحَسْب.

انظروا إلى رسالة غَلاطيَّة والأصحاحِ الأوَّل. فَكُلُّ شيءٍ سَيَحترِق. فالأمرُ يُشْبِهُ إعادَةَ تَرتيبِ المَقاعِدِ على سَطْحِ التايتانك. استمعوا إلى ما جاءَ في رسالة غَلاطيَّة 1: 3: "نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ الآبِ، وَمِنْ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ". وبالمُناسبة، لقدِ اسْتَعَرْتُ اسمَ بَرنامَجِنا الإذاعيِّ مِنْ بولُس: "غريس تو يو" (Grace To You)؛ أيْ: "نِعْمَةٌ لَكُمْ". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 4: "الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا". ثُمَّ نَقرأُ: "لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا، الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ". وهذهِ صَلاة رائعة. إنَّها صلاةٌ رائعة. أليس كذلك؟ فقد أُنْقِذْنا مِنْ هذا الدَّهْرِ الحاضِرِ الشِّرِّير إلى الملكوتِ الأبديِّ. وبالمُناسبة، فإنَّ هذِهِ هي الطَّريقةُ الَّتي نُسَمِّي فيها حالة النَّصْبِ في اللُّغة اليونانيَّة حينَ تُشيرُ إلى القَصْد. فالقَصْدُ الَّذي لأجلِهِ ماتَ يَسوعُ هو أنْ يُنْقِذَنا مِنْ هذا العَالَمِ الحاضِرِ الشِّرِّير ("آيون" – “aion”). فهذا هو الشَّيءُ المُتَأصِّلُ في خَلاصِهِ. فالقصدُ المُحَدَّدُ لِخلاصِنا هو أنْ يُنْقِذَنا مِنْ هذا الدَّهْرِ الحَاضِرِ الشِّرِّير. وما الَّذي يَعنيه؟ إنَّ ما يَعنيه هو أنَّكَ إنْ خَلَصْتَ، فقد تَمَّ إنقاذُكَ مِنْ هذا النِّظامِ العالَمِيِّ الشِّرِّير. فهو لم يَعُدْ آسِرًا في نَظَرِك. وَهُوَ لم يَعُدْ جَذَّابًا بأيَّةِ طَريقَةٍ لَكَ. وأنا أقولُ لَكُمْ إنَّهُ يجبُ عليكم أنْ تذهبوا وتُصَوِّتوا للأشخاصِ الأكثر قُرْبًا مِنْ مِعْيارِ البِرِّ لأنَّ اللهَ سَيُمَجَّدُ حينَ تَفعلونَ ذلك. ولكِنْ بالنِّسبةِ إلينا، قد نَجِدُ صُعوبةً أحيانًا في القيامِ بذلك لأنَّهُ لا يوجد في النِّظامِ [في نِهايةِ المَطاف] أيُّ شيءٍ نَنْجَذِبُ إليهِ حَقًّا. وقد كانَ مَوْتُ يسوعَ عَنْ جَميعِ الذينَ يُؤمِنونَ بِإنقاذِهِ لَهُم. ويمكنكُم أنْ تُمَيِّزوا المَسيحيَّ، المَسيحيَّ الحقيقيَّ، مِنْ خلالِ عَدَمِ مُبالاتِهِ بالنِّظامِ العالَمِيِّ الحاضِر.

والكلمة "لِيُنْقِذَنا" هُنا [وهذهِ مُجَرَّد مُلاحظة] هي "إكْكَايريئو" (exaireo). وهي تَعني: "يُنْقِذ". وهي تُستخدَمُ بِضْعَ مَرَّاتٍ في العهد الجديد. فهي تُستخدَمُ في الأصحاحِ السَّابعِ مِنْ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل حينَ كانَ استفانوس يَعِظُ عِظَتَهُ أمامَ السِّنهدريم؛ والتي رَجَموهُ بِسَبَبِها [إنْ كُنْتُمْ تَذكرونَ] حَتَّى الموت. وقد كانَ يَصِفُ كيفَ أنَّ اللهَ أَنْقَذَ يوسُف وأولادَهُ، أيْ بَني إسرائيل، مِنَ الضِّيقِ في مِصْر (في العددِ العاشِر مِنْ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ السَّابِع. ومَرَّةً أخرى، على ما أعتقد، في العددِ الرَّابعِ والثَّلاثين). وهي الكلمة "يُنْقِذ" أوْ يُحَرِّر. يُنْقِذ بني إسرائيلَ ويوسُف مِنَ الضِّيقِ في مِصْر. وقدِ استخدَمَ بُطرسُ هذهِ الكلمة لِوَصْفِ إنقاذِ اللهِ لَهُ مِنَ السِّجْنِ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 12: 11. وقدِ استخدَمَها القائدُ الرُّومانِيُّ "كُلُودِيُوسُ لِيسِيَاسُ" للحديثِ عن إنقاذِ بولُس مِنَ الشَّعْبِ الغاضِبِ في أورُشليم في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 23: 27. لِذا فإنَّها كلمة تَتحدَّثُ عن إنقاذِ شخصٍ مِنْ موقِفٍ خَطيرٍ جدًّا.

لِذا، في هذهِ المَرَّاتِ الأربع الَّتي استُخدِمَتْ فيها، استُخدِمَتْ بالمَعْنى الجَسَدِيِّ. وقدِ استُخدِمَتْ مَرَّةً فقط بالمَعنى الاستعارِيِّ، وهي هُنا. فقدِ استُخدِمَتْ هُنا للإشارة إلى الصَّليب، أيْ إلى مَوْتِ المسيحِ الَّذي بَذَلَ نَفسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا لِيُنْقِذَنَا مِنَ العَالَمِ الحَاضِرِ الشِّرِّيرِ المُميتِ والخَطير. فَهُوَ شِرِّيرٌ. وَهُوَ يَتَّسِمُ بالشَّرِّ. فَهُوَ عَالَمٌ يُهَيْمِنُ الشَّرُّ عليه. والكلمة "عَالَم" هي "آيون" aion))؛ وهي لا تُشيرُ إلى الزَّمَن، بل تُشيرُ إلى نِظامٍ، أوْ عَصْرٍ. والعالَمُ الحاضِرُ الشِّرِّير ابتدأَ عندَ السُّقوط. وهو سيَستمرُّ إلى أنْ يأتي يسوعُ ثانيةً ويُؤسِّس مَلكوتَ البِرِّ خاصَّتَهُ. وما بينَ السُّقوط وتأسيسِ مَلكوتِ المسيح، هذا هُوَ العالَمُ الحاضِرُ الشِّرِّير. فهو عَالَمٌ يَتَّسِمُ بالكَذِب. وهو يَتَّسِمُ بالخِداع. وهو يَتَّسِمُ بِخُطَطِ إبليس. وهو يَتَّسِمُ بالأمورِ الزَّائلة، وبالأشياءِ المُؤقَّتة فقط، وبالأشياءِ المادِّيَّة فقط، وبالأشياءِ الفانِيَة، وبالأشياءِ الَّتي سَتَزولُ في النِّهاية. والرَّبُّ أَنْقَذَنا مِنْ ذلك.

وهناكَ طَريقة أخرى لِقَوْلِ ذلك وَرَدَتْ في الأصحاحِ السَّادسِ مِنْ رسالة غلاطيَّة. انظروا إلى تلكَ الآية في الأصحاح 6 والعدد 14. وهو يَتحدَّثُ هنا عن كيفَ أنَّ الفَرِّيسيِّينَ كانوا يَفتخرونَ بأعمالِهم، ويَفتخرونَ بِبِرِّهِمِ الذَّاتِيِّ. ولكِنَّ بولُسَ لم يَكُنْ مِثْلَ أَهْلِ الخِتانِ الَّذينَ كانوا يَفتخرونَ بِتَدقيقِهِم الشَّديدِ في النَّاموس. وهو يَقولُ في العدد 14: "وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ...". فأنا لن أفتَخِرَ بأيِّ شيءٍ في ذاتي. فأنا لا أَرى أيَّ شيءٍ قَيِّمٍ فِي ذاتي. "...فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". وما الَّذي حَقَّقَهُ ذلكَ الصَّليب؟ "الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَم". وما مَعنى أنَّهُ صُلِبَ؟ أيْ أنَّهُ ماتَ. فهي طريقة دراميَّة للتَّعبيرِ عن فِكرةِ الموت. فبولُس يقول إنَّ يسوعَ المسيحَ مَضى إلى الصَّليبِ. وَمِنْ خلالِ عَمَلِهِ على الصَّليبِ فإنَّ العالَمَ صَارَ مَيِّتًا في نَظَرِي، وصِرْتُ أنا مَيِّتًا في نَظَرِ العالَم.

وما مَعنى ذلك؟ إنَّهُ يَعني، ببساطة، أنَّ العالَمَ لا تَرْبُطْهُ أيَّةُ صِلَة بالمُؤمِن. والمُؤمِنُ لا تَرْبُطْهُ أيَّةُ صِلَة حقيقيَّة بالعالَم. وما نَعنيهِ بالعالَم هُنا هو ليسَ الطَّعام، وليسَ الشَّمس المُشْرِقَة، وليسَتْ تلكَ الأشياء الحَياتيَّة العاديَّة الَّتي وَهَبَها اللهُ لنا، بل إنَّهُ يَتحدَّثُ هنا عنِ الأفكارِ، والأيديولوجيَّاتِ، وأنماطِ التَّفكير، والقِيَم، والامتيازات، والإنجازات، والمَآثِر، وكُلِّ تلكَ الأشياء الَّتي يَفْعَلُها المَرءُ مِنْ مُتَعٍ، ومُدَّخراتٍ، ودَرَجات شَرَف، وقِيَم، وأفكار. وإنْ رَجَعْتُم إلى رسالة كورنثوس الثانية 10: 5، ستَجِدونَ آيةً مُهِمَّةً جدًّا. فهو يتحدَّثُ عنِ الأيديولوجيَّاتِ ("لوجيسموس" – “logismos”). فبولُس يقول: "هَادِمِينَ أيديولوجيَّات". ثُمَّ إنَّهُ يَصِفُها قائلاً: "وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ [أوْ شَيءٍ يَعلو] ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ". أيْ أيَّة فِكرة مُعادِية للهِ. أيَّة فِكرة مُعادية للهِ. فأنا أريدُ أنْ أقومَ بواجِبي بالاهتمامِ بحَديقةِ بَيتي حَتَّى تَعْكِسَ جَمالَ خَليقةِ اللهِ. ولكِنِّي لا أستطيعُ أنْ أُقْحِمَ نَفسي في الجُهودِ البيئيَّةِ الَّتي تُنادي قائلةً: "أنْقِذوا الكَوكَب. أنْقِذوا الكَوكَب. أنْقِذوا الكَوكَب". فهذا كوكَبٌ سَيَفْنى. فقد خُلِقَ ليكونَ هكذا. فالخطيَّة تُبْلي هذا الكَوكَب وتَقودُهُ إلى الدَّمار.

وكما قُلتُ مِن قَبل، إذا كنتَ تَظُنُّ أنَّكَ تُخْرِبُ الأرضَ، انتظر حَتَّى تَرى ما سَيَفْعَلُهُ يَسوعُ بِهِ. فهذا عالَمٌ زائِل. فَكُلُّ هذهِ الحَماسة، وكُلُّ هذا الغَضَب، وكُلُّ هذا التَّركيز الإعلاميّ على كُلِّ هذهِ الأمور لا صِلَةَ لها بالحالة الأبديَّة لأيِّ شخص. فالنَّاسُ يَذهبونَ إلى الكُليَّاتِ والجامِعاتِ ويَحصُلونَ على درجاتِ الدُّكتوراه في سَبيلِ إعادَةِ تَرتيبِ المَقاعِدِ على سَطْحِ التَّايتانيك. ولكِنَّ كُلَّ هذهِ الأمورِ هي "عُلْوٌ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ". وبولُس يقول: "عِنْدما قَبِلْتُ المَسيحَ، صَارَ العالَمُ مَيْتًا في نَظري، وصِرْتُ مَيْتًا في نَظَرِ العالم. فلا صِلَةَ لَهُ بِي، ولا صِلَةَ لي بِهِ". انظروا إلى رسالة كولوسي والأصحاحِ الثَّاني. وإليكُم هذهِ الفِكرة الواردة في العدد 20: "فَما دُمْتُمْ قَدْ مُتُّمْ مَعَ الْمَسِيحِ...". فَمِنَ الأفضل أنْ نُتَرْجِمَها هكذا. "فما دُمْتُم قد مُتُّمْ معَ المسيحِ عنْ أرْكانِ العالَم...". توقَّفوا هُنا. فَحينَ مُتُّمْ معَ المسيحِ، مُتُّمْ عنْ أرْكانِ العالَم. وأنا أُحِبُّ هذهِ العِبارة لأنَّ ما يَعنيه هو أنَّنا إنْ عَقَدْنا مُقارنةً بينَ أيِّ شيءٍ يُقَدِّمُهُ العالَم والحَقِّ الإلهيِّ، سَنَجِدُ أنَّ ما يُقَدِّمُهُ العالَمُ هوَ ثَانَوِيٌّ جِدًّا. فَهُوَ كَلامٌ فَارِغ. فنحنُ الشَّعبُ العَميقُ حَقًّا. فنحنُ لدينا الحَقّ الثَّمين. أمَّا أكبر حَمَلَةِ الدُّكتوراه، وأَلْمَع الفلاسفة والمُفَكِّرين في زَمانِنا الحاضِر فإنَّهُمْ يُشبهونَ تَلاميذَ المرحلةِ الابتدائيَّة بالمُفارقةِ مَعَ ما نَعْرِفُهُ نحنُ. فنحنُ نَعرِفُ أصْلَ الكَوْن. ونحنُ نَعرِفُ كيفَ خُلِق. ونحنُ نَعرِفُ مَنْ خَلَقَهُ ولِماذا خَلَقَهُ. ونحنُ نَعلَمُ كيفَ سينتهي كُلُّ شيء. ونحنُ نَعْلَمُ ما هُوَ الفهمُ الحقيقيُّ. فقد مُتْنا عن تلكَ الأمورِ الثَّانويَّة وتلكَ الأمورِ الأوليَّة.

وهناكَ آية أُخرى ثُمَّ سأَخْتِم. رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّاني. وسوفَ تكونُ هذهِ الآية هي آخر آية نَتأمَّلُ فيها. رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاحِ الثَّاني. وهي قصيرة. ورُبَّما أُضيفُ آيةً قصيرةً أخرى، ولكِنَّني سَأُعَلِّقُ عليها تَعليقًا أوِ اثنينِ فقط. رسالة يوحنَّا الأولى 2: 15. إنَّ الكلمة "عالَم" هُنا هي الكلمة "كوزموس" (cosmos)، وهي عَكْس الكلمة "كيوس" (chaos). فالكلمة "كيوس" تَعني "فَوْضَى" في اللُّغة اليونانيَّة، وأيضًا في اللُّغة الإنجليزيَّة. أمَّا الكلمة "كوزموس" فتَعني: "نِظام". لِذا فإنَّنا نُسَمِّي مُستحضراتِ التَّجميل "كوزمتكس" (cosmetics). فَهِيَ تُزيلُ الفَوضَى وتُحَوِّلُها إلى نِظام. ولستُ أنا مَنِ اخترَعَ الكلمة، بل إنَّها كلمة موجودة أصلاً. ولكِنَّ الكلمة "كوزموس" تَعني: "نِظام". وهي تُشيرُ إلى النِّظامِ العالَمِيِّ الحاضِرِ الشِّرِّير. فهي نِظامٌ، بَلْ نِظامٌ مَشهورٌ مِنَ الأفكارِ، والنَّظريَّاتِ، ووُجْهاتِ النَّظَرِ، والقِيَمِ، ودَرَجاتِ الشَّرَف، والكُنوز، والمَباهِجِ الَّتي وَضَعَها الشَّيطانُ بِطَريقة تَجْذِبُ الخُطاة. ويقولُ يوحنَّا في العدد 15: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ..."؛ أيْ هذا الـ "كوزموس" (cosmos)، أو هذا الآيون (aion) الحاضِر الشِّرِّير. "...وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ [فَماذا؟] فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ". فإنْ أَحْبَبْتَهُ، فإنَّكَ لستَ مَسيحيًّا حقيقيًّا. فلا يُمكِنُكَ أنْ تُحِبَّ العالَمَ وأنْ تُحِبَّ اللهَ.

إنَّني أستمتِعُ بخليقةِ اللهِ. فأنا أرى أنَّها صَنْعَةُ يَدَيْه. ألا تُوافِقونَني الرَّأي؟ فأنا لا أنظرُ إلى الجِبالِ وأقول: "أليسَ النُّشوءُ مُدهشًا؟" وأنا لا أنظُرُ إلى طِفْلٍ صَغيرٍ وأقول: "نَشكُرُ اللهَ على تلكَ الأميبا الَّتي كانَتْ تَسْبَحُ ذاتَ يومٍ في بِرْكَةٍ مَا أوْ في شيءٍ مَا، ثُمَّ قَرَّرَتْ أنْ تَنْقَسِم. نَشكُرُ اللهَ على الانتخابِ الطَّبيعيِّ". فقد سَمِعْتُ شخصًا يقولُ ذلك: "نَشكُرُ اللهَ على الانتخابِ الطَّبيعيِّ". ولكِنْ عندما أَرى شخصًا، فإنَّني أرى خَليقةَ اللهِ. وأنا أرى شخصًا مَخلوقًا على صُورةِ اللهِ. وعندما أرى جَبلاً، فإنَّني أرى صَنْعَةَ يَدَيِّ الله. فالسَّمواتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِهِ. أليسَ كذلك؟ وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْه. وأنا أستمتِعُ بالعالَم، وأستمتِعُ بِما صَنَع، وأستمتِعُ بالمَباهِجِ الرَّائعة والغَنِيَّة الَّتي وَضَعَها في العالَم. ولكِنَّ كُلَّ شيءٍ هُوَ مِنْهُ في نَظَري. فالكُلُّ لَهُ. فَهُوَ موجودٌ في كُلِّ زَهْرَة. وَهُوَ موجودٌ في كُلِّ جَبَل. وَهُوَ موجودٌ في كُلِّ بَهْجَة. وَهُوَ موجودٌ في كُلِّ شيء. فَيَدُهُ موجودة. وأنا أُحِبُّهُ، وأُحِبُّ كَلِمَتَهُ لأنَّهُ (كما قالَ كاتِبُ التَّرنيمة): "هذا هُوَ عَالَمُ أبي".

ولكِنْ إِنْ أَحْبَبْتَ العَالَمَ، فإنَّ مَحَبَّة الآبِ لَيْسَتْ فِيكَ. فإنْ كانَ حُبُّ حَياتِكَ هُوَ هذا العَالَم الزَّائل، فإنَّكَ لستَ مَسيحيًّا حقيقيًّا. "لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ. وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَد". فهناكَ نوعانِ مِنَ النَّاس. فهناكَ أُناسٌ يُحِبُّونَ اللهَ ويَحْيَوْنَ إلى الأبد. وهُناكَ أُناسٌ يُحِبُّونَ العالَمَ الَّذي سيَحترِق. ونحنُ لا نُحِبُّ العالَم. فقد أُنْقِذْنا مِنْهُ. وحياتي لا تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ ما يَحدُثُ في العالَم. وبصراحة، فإنَّ حياتي تَتمحوَرُ حولَ ما يَجري في العالَمِ الآتي. فنحنُ نَقرأُ في رسالة كولوسي والأصحاحِ الثالثِ: "اهْتَمُّوا [بماذا؟] بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْضِ". فالأشياءُ الَّتي على الأرض هي، ببساطة، أشياءٌ يَنبغي في هذا الزَّمانِ وهذا المكانِ أنْ تُمَجِّدَ اللهَ. ويمكنني أنْ أستمتِعَ بها. وأنا أشكُرُ اللهَ عليها. ولكِنَّها تَخلو مِنْ أيِّ قيمة أبديَّة. فهي مُجَرَّدُ تَعبيرٍ مُؤقَّتٍ عنِ نِعْمَتِهِ ومحبَّتِه.

ونحنُ لا نُحِبُّ العالَمَ [في المقامِ الأوَّلِ] بِسببِ ما هُوَ عليه. فهو العالَمُ. وَهُوَ نِظامُ الشَّيطان. ونحنُ لا نُحِبُّهُ بسببِ ما هُوَ عليه. فَهُوَ يُجَرِّبُنا كَيْ نُخطئ. والشَّيطانُ يَستخدِمُ العالَمَ بِطريقة تُغوي أجسادَنا: شَهْوَة الجَسَد، وَشَهْوَةَ العُيُون، وَتَعَظُّمَ المَعِيشَة. فَهُوَ يَعْرِضُ علينا مُتَعَهُ الماديَّة، ومُتَعَةُ الجِنسيَّة، وإنجازاتِهِ التَّعليميَّة، ودَرَجاتِ الشَّرَفِ الَّتي يُقَدِّمُها، والتَّقديراتِ الَّتي يُقَدِّمُها، والنُّفوذُ الَّذي يُقَدِّمُه، ويَضَعُ فَلسفاتِهِ أمامَ أعيُنِنا. وَهُوَ يُغْوينا ويُخاطِبُ رَغْباتِنا الحِسِّيَّة، وشَهْوَاتِنا، وكِبريائِنا. وهذهِ فِئات مُتَدَرِّجة للتَّجرِبة. فالرَّغْباتُ الحِسيَّة تُشيرُ إلى فَسادِ الجُزْءِ الأدنى مِنْ كِيانِنا إذْ إنَّها تُشيرُ إلى إساءةِ استخدامِ الجسد. والشَّهوةُ تُشيرُ إلى فَسادِ الجُزءِ الأعلى مِنْ كِيانِنا إذْ إنَّها تُشيرُ إلى إساءةِ استخدامِ الجَمالِ فَيَتحوَّل ذلكَ إلى شَهْوَة. والكِبرياءُ تُشيرُ إلى فَسادِ أعْلى جُزءٍ مِنْ كِيانِنا إذْ إنَّها تُشيرُ إلى تَمْجيدِ الذَّاتِ وإلى الرَّغبةِ في أنْ نَصيرَ آلِهَةً. والعالَمُ يُغْوينا للقيامِ بذلك. ونحنُ لا نُحِبُّهُ لأنَّهُ العالَم. ونحنُ لا نُحِبُّهُ بسببِ ما هُوَ عليه. ونحنُ لا نُحِبُّهُ بسببِ ما يَفعلُه. فَهُوَ يَسْتَغِلُّ حالَتنا السَّاقطة. ونحنُ لا نُحِبُّهُ أيضًا بسببِ المَكانِ الَّذي هُوَ ذاهِبٌ إليه. فنحنُ نَقرأُ في العدد 17: "وَالْعَالَمُ يَمْضِي". فَهُوَ في طَريقِهِ إلى "باراغيتاي" (paragetai)؛ أيْ إلى الزَّوال. فالنِّظامُ في طريقِهِ إلى الزَّوال. فهو سيُدَمِّرُ نَفسَهُ بنفسِه. فهو ذاتِيُّ التَّدمير.

ومَبدأُ الموتِ عَامِلٌ فيهِ مُنْذُ الآن. فهو مُصابٌ بِمَرَضٍ مُميتٍ اسْمُهُ "الخطيَّة" يَعْمَلُ على إفْنائِه. والنَّاسُ يَقولونَ دائمًا: "يبدو أنَّ الأشياءَ تَسيرُ مِنْ سَيِّئٍ إلى أسوأ. ويجب علينا أنْ نَسترِدَّ أمريكا". اسمعوني، يا أحبَّائي: إنَّ الأمورَ تَزدادُ سُوْءًا أكثرَ فأكثر. وهي ستستمرُّ في التَّرَدِّي أكثر وأكثر. وهذا هو التَّأثيرُ التَّراكُمِيُّ للخطيَّة. فالعالَمُ مُصابٌ بمرضٌ مُميتٍ يَقْضي عليه. لِذا فإنَّ بولسَ يَكتُبُ في رسالة كورنِثوس الأولى 7: 31: "لأَنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ". "وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ..." (في نهاية رسالة يوحنَّا الأولى 2: 17) "...فَيَثْبُتُ إِلَى [مَتى؟] إلى الأَبَد". فَكُلُّ أشواقِنا مُثَبَّتة على الأشياءِ الَّتي في الأعلى. وبهذهِ الطريقةِ يُمكِنُنا أنْ نُمَيِّزَ المَسيحيَّ الحَقيقيّ.

وَلْنُلْقِ نَظرةً أخيرةً على رسالة يوحنَّا الأولى 5: 4. رسالة يوحنَّا الأولى 5: 4: "لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ [وَكُمْ أُحِبُّ هذهِ الآية] يَغْلِبُ [ماذا؟] الْعَالَمَ". فالعالَمُ لا يَعودُ جَذَّابًا هكذا بالنِّسبة إليه. "وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا". فقد وَضَعْتَ إيمانَكَ بيسوعَ المسيح. وَهُوَ أنْقَذَكَ مِنْ هذا العالَمِ الحاضِرِ الشِّرِّير؛ مِنْ هذا الدَّهر. فقد أَنقذكَ مِنْ هذا العالمِ الزَّائِلِ إلى المَلكوتِ الأبديِّ. وقد غَلَبْتَ العالَم. ونَقرأُ في العدد 5: "مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟"

اسمعوني، يا أحبَّائي: لا يُمْكِنُكُم أنْ تَغلِبوا العالَمَ (وهذِهِ صِفَة مِنْ صِفاتِ المسيحيِّ الحقيقيِّ) إلَّا إذا كُنْتُم تُؤمِنونَ أنَّ يسوعَ المَسيحَ هُوَ ابنُ اللهِ). ولا يُمكِنُكُم أنْ تُؤمِنوا أنَّ يسوعَ المسيحَ هُوَ ابنُ اللهِ إلَّا إذا أَخْبَرَكَ شخصٌ عنِ يسوع. فلا يوجد مسيحيّ حقيقيَّ لا يَعرِف الحَقَّ لأنَّ الطريقةَ الوحيدةَ الَّتي يُمكِنُكَ مِنْ خلالِها أنْ تُعْتَقَ مِنْ هذا العالَم إلى الملكوتِ الأبديِّ هي أنْ تُؤمِنَ بالحَقِّ المُختصِّ بيسوعَ المسيح. فإنْ لم تَكُن تُؤمِنُ بالحَقِّ المُختصِّ بيسوعَ المسيح، لا يُمْكِنْ أنْ تُعْتَق. وها قد عُدْنا إلى حيثُ ابتدأنا. لِهذا يجب علينا أنْ نَذهبَ إلى العالَمِ كُلِّهِ وأنْ نَكرِزَ بالإنجيلِ للخليقة كُلِّها؛ لأنَّها الطريقة الوحيدة للخلاص. ونحنُ "الغَالِبون". والكلمة هي "نيكيه" (Nike)، وهي الكلمة الَّتي جاءت مِنْها الكلمة الإنجليزيَّة "نايكي" (Nike). فهي كلمة يونانيَّة تَعْني "غَالِب"، أوْ "مُنْتَصِر"، أوْ "فَاتِح". ونحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية 8: 37 إنَّهُ "يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا". وواحدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي يَغْلِبُها إيمانُنا هُوَ نِظامُ الشَّرِّ الَّذي تُهَيْمِنُ عليهِ الشَّهوة، والكِبرياءُ، والأمورُ الحِسيَّةُ، والجَشَعُ، والأنا. فنحنُ لا نَعيشُ وَفْقًا لِكُلِّ ما هُوَ حِسِّيٌّ. ونحنُ لا نَعيشُ عَبيدًا لِشَهواتِنا. فكما تَعلمونَ، فإنَّ الجَشَعَ جَيِّدٌ في نَظَرِ العالَم. والأمورُ الحِسِّيَّةُ جَيِّدة في نَظَرِ العالَم. والأنانيَّة جَيِّدة جدًّا. ولكِنْ بالنِّسبةِ إلينا، هذهِ خَطايا. أليسَ كذلك؟ وهذا المُجتمَعُ، الذي يَرْكُضُ لاهِثًا وراءَ كُلِّ رَغْبة جِنسيَّة، ووراءَ كُلِّ شَغَفٍ مادِّيٍّ، والذي يَشتهي ويَتمسَّكُ بِكُلِّ شيءٍ يَراه، ويُحَوِّلُ الجَمالَ إلى انْغِماسٍ ذاتِيٍّ، وفي وَسطِ ذلكَ كُلِّهِ يَفعلُ كُلَّ ما يُمْكِنُهُ فِعْلُه لِرَفْعِ تَقديرِهِ لِذاتِه، فإنَّ هذا هُوَ العالَم، وهذهِ هي الخطيَّة. ولكِنَّنا غَلَبْنا العالَم. لِذا، فإنَّنا نَراهُ على حَقيقَتِه. وَشَوْقُ قُلوبِنا هو أنْ نُمَجِّدَ اللهَ. وتَقديرُنا لِذواتِنا يَنْبُعُ مِنْ تَواضُعِنا. وعندما نَرى شيئًا جميلاً فإنَّنا نُعْطى المَجْدَ لَهُ. ونحنُ الغَالِبون. والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاحينِ الثَّاني والثَّالِثِ، وَهُما الأصحاحانِ اللَّذانِ يَذْكُرانِ الرَّسائِلَ إلى الكَنائِسِ، نَقرأُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أنَّ المُؤمِنينَ يُشارُ إليهم بأنَّهُمْ مُنْتَصِرون.

وكيفَ يُعْقَلُ أنْ يكونَ هُناكَ كُلُّ هذا التَّشويشِ بخصوصِ مَنْ هُوَ المَسيحيُّ الحَقيقيُّ؟ فالمسيحيُّونَ الحَقيقيُّونَ أُناسٌ أُنْقِذوا مِنَ الضَّلالِ إلى الحَقّ. فقد أَقْبَلوا إلى الحَقِّ الكامِلِ بخصوصِ إنجيلِ يسوعَ المسيح، وَأُنْقِذوا مِنَ الخطيَّةِ إلى البِرّ. وَهُمْ يَعيشونَ في طَاعَةٍ لكلمةِ اللهِ مِنْ خِلالِ تَطبيقِها. وَهُمْ قد أُنْقِذوا مِنْ هذا الدَّهْرِ الحاضِرِ الشِّرِّير، وهذا النِّظامِ الشَّيطانِيِّ، إلى الملكوتِ الأبديِّ. وَأشواقُ قُلوبِهم هي سَماويَّة. ورَغْباتُهم تَتَرَكَّزُ على الأمورِ الأبديَّة، لا على الأشياءِ الزَّائلةِ في هذا العالَم. وهذا هوَ الحَقُّ الإلهيِّ. وهكذا يَنبغي أنْ يُنادى بِهِ لكي يَتَمَجَّدَ اللهُ، ولكي يُقْبِلَ النَّاسُ إلى الخَلاصِ الحَقيقيِّ، وإلى تَسبيحِ اللهِ على تلكَ العَطِيَّة. دَعونا نُصَلِّي:

نَخْتِمُ هذهِ الأفكارَ في هذا الصَّباحِ بِتَضَرُّعٍ، يا أبانا: أوَّلاً، أنْ تَنْشُرَ الحَقَّ الَّذي يُلْحِقُ الهَزيمةَ بالأكاذيب. وأنْ تَنْشُرَ الحَقَّ حَتَّى يَهْزِمَ الضَّلال، وَحَتَّى يُزيلَ القِناعَ عنِ الخِداعِ الَّذي يَتْرُكُ نُفوسًا كثيرةً جِدًّا مُشَوَّشَةً، والذي يُعيقُ عَمَلَ الكِرازةِ الحَقيقيّ. ويا أبانا، يا ليتَكَ تُقيمُ أشخاصًا كثيرينَ أُمناءَ على الحَقِّ، وتُنْقِذ مِنَ الضَّلالِ كُلَّ الأشخاصِ الَّذينَ وَقَعوا ضَحِيَّةً لَهُ. ويا ليْتَ أشخاصًا كثيرينَ يَعْرِفونَ الحَقَّ، ويَتَحَلَّوْنَ بالشَّجاعةِ للمُناداةِ بالحَقِّ لأنَّهُ يُمَجِّدُكَ أنتَ لأنَّكَ إلَهُ الحَقِّ، ولأنَّكَ مُخَلِّصُنا، ولأنَّكَ المَسيحُ الذي هُوَ الطَّريقُ، والحَقُّ، والحَياة، ولأنَّكَ هُوَ رُوْحُ الحَقِّ المُبارَك الَّذي أَوْحَيْتَ لنا بكلمةِ الحَقِّ. ويا ليتَ حَقَّكَ يَعْلو، ويا ليتَكَ تُعَظِّمُ كَلِمَتَكَ على كُلِّ اسْمِكَ. ويا ليتَ الخِداعَ يَنْكَشِف حَتَّى يُعْتَقَ النَّاسُ حَقًّا مِنَ الضَّلالِ، وَمِنَ الخطيَّةِ، وَمِنْ هذا العَالَمِ الزَّائل. ونحنُ نَشْكُرُكَ ونُسَبِّحُكَ لأجْلِ مَجْدِكَ. باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize