Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَحْنُ عَاكِفونَ على دراسةِ إنجيل لوقا، ولكنَّنا توَقَّفْنا عن دراسَتِنا بِضْعَ مَرَّاتٍ خِلالَ مَوْسِمِ عيدِ الميلادِ المَجيد. وقبلَ ذلك، كُنْتُ قد قَاطَعْتُ دراسَتَنا لإنجيل لوقا (وما أرجوهُ هو أنْ يَقودَ ذلكَ إلى تَعميقِ دراسَتِنا لإنجيلِ لوقا)، ولكِنَّني قَاطَعْتُ دراسَتَنا لأُقَدِّمَ سِلسلةً عنِ "الإنقاذ". وقد اسْتَمَعَ إلى تلكَ السِّلسلة أُناسٌ كثيرونَ جِدًّا، وسيَسمعُها آخرونَ دائمًا. وأنا مُمْتَنٌّ لذلك. وهناكَ عُنْصُرٌ واحدٌ في تلك السِّلسلة لم أتحدَّث عنهُ بعد. لِذا، أريدُ أنْ أتحدَّثَ عن ذلك في هذا الصَّباح، وفي صَباحِ يومِ الرَّبِّ القادِم. ثُمَّ إنَّنا سَنَعودُ إلى دِراسَتِنا لإنجيل لوقا. فعندما تُقَدِّمونَ وَعْظًا تَفسيريًّا بالطَّريقةِ الَّتي أفعَلُها أنا، فإنَّكُمْ تَبْتَدِئونَ سِفْرًا مَا، وتُطيلونَ المُكوثَ فيه. لِذا فإنَّ هُناكَ قَضايا تَبْرُزُ وينبغي أنْ تُطْرَحَ. لِذا، قد نُضْطَرُّ أحيانًا إلى الخُروجِ وقتًا طويلاً عنِ الموضوعِ الرَّئيسيِّ حَتَّى نُعالِج تلكَ المسألة. وهذا مَوضوعٌ وَثيقُ الصِّلَةِ جِدًّا بدراسَتِنا.

فيبدو أنَّ كُلَّ شخصٍ في الوَسَطِ المسيحيِّ الإنجيليِّ، وكُلَّ مَسيحيٍّ حقيقيٍّ، يَفهَمُ أنَّ الإنجيلَ هو قَلْبُ المسيحيَّة، وأنَّ الإنجيلَ موجودٌ فقط في الكتابِ المقدَّس، وأنَّ الإنجيلَ ينبغي أنْ يُكْرَزَ بِهِ إلى أَقاصي الأرض. وقد نَشَأتُ وأنا أَفْهَمُ ذلك. وتَعليمي اللَّاهُوتِيُّ رَسَّخَ ذلك. والسَّنواتُ الَّتي صَرَفْتُها في دراسَةِ الكتابِ المقدَّسِ خَتَمَتْ تلكَ القَناعة. فَقَلْبُ الإيمانِ المسيحيِّ هو الإنجيل. والإنجيلُ مَوجودٌ في العهد الجديد. وأُسُسُ الإنجيلِ موجودة في العهد القديم. ويجب أنْ يُكْرَزَ بالإنجيلِ إلى أقاصي الأرضِ حَتَّى يَخْلُصَ النَّاسُ. وهذهِ هي في الأصلِ المأموريَّة المسيحيَّة. وهذا هو ما تُؤمِنُ بِهِ الكنيسةُ دائمًا. وهذا هُوَ عَصَبُ حَياتِها. وهذهِ هي مأموريَّتُها. فقد قالَ يَسوعُ: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ ... وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ. ... وَعَمِّدوهُمْ باسْمي ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ". وقد قالَ ذلكَ بطريقةٍ أُخرى. فقد قال: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا".

فهذهِ هي مأموريَّةُ الكنيسة. والمسيحيُّونَ الحقيقيُّونَ يُؤمِنونَ بذلكَ دائمًا. والكنيسةُ الحقيقيَّةُ تُعَلِّمُ ذلكَ دائمًا. ونحنُ قد آمَنَّا وصَدَّقْنا حقيقةَ أنَّ النَّاسَ إنْ لم يَسمعوا الإنجيلَ فإنَّهُمْ لن يَخلَصوا. وإنْ لم يَخلُصوا، فإنَّهم سيَقضونَ الأبديَّةَ في جَهَنَّمَ تحتَ دَينونةِ اللهِ. لِذا، مِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنْ يَسمعَ العالَمُ إنجيلَ يسوعَ المسيح. وينبغي لا فقط أنْ يَسمعوه، بل أنْ يَفهموهُ فَهْمًا صحيحًا، وأنْ يُؤمِنوا بِهِ، وأنْ يَقبلوهُ لأنفسهم لأنَّهُ الحَقُّ الوحيدُ المُخَلِّص.

وفي ضَوْءِ الالتِزامِ بهذهِ المأموريَّة الكِتابيَّة الواضِحة، فإنَّ المَسيحيِّينَ على مَرِّ العُصورِ قد كَرَزوا برسالةِ الخلاصِ إلى أقاصي الأرض. وقد انْهَمَكوا جِيْلاً بعدَ جِيْلٍ في القيامِ بذلك. فالكِرازةُ بالإنجيلِ إلى كُلِّ شخصٍ على الأرضِ هي هَدَفُ الكنيسة. وقد قُلتُ لكم مَرَّاتٍ عديدة إنَّ هذا هو السَّببُ الوحيدُ لوجودِنا هُنا. فنحنُ قد خَلُصْنا وَخُتِمْنا للحياةِ الأبديَّة. ولا يوجد سَبَبٌ آخَر لِتَرْكِنا هُنا سِوى أنْ نَقومَ بمسؤوليَّةِ الكِرازةِ هذِه.

ونَحنُ نُؤمِنُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ واضحٌ جدًّا في أنَّ الخلاصَ يأتي مِنْ خلالِ الإيمانِ بالمسيح. والإيمانُ بالمسيحِ يأتي مِنْ خلالِ سَماعِ وَفَهْمِ الإنجيل. وسَماعُ وَفَهْمُ الإنجيلِ لا يُمْكِن أنْ يَحْدُثا إلَّا إذا قامَ شخصٌ بتوصيلِ الرِّسالة. ولا يُمْكِنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يُوَصِّلَ الرِّسالة ما لم يُرْسَلْ بِها. وهذا هو ما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح 10. فأنتَ تَخْلُصُ مِنْ خلالِ الإيمانِ بالمسيح. ولكِنْ لا يُمكِنُكَ أنْ تُؤمِنَ بالمسيح ما لم تَسمَع عنِ المسيح. ولا يُمكنكُ أنْ تَسمع عنِ المسيح ما لم يَعِظْ أحَدٌ عنهُ. ولا يُمكنُ لأحدٍ أنْ يَعِظَ عنهُ ما لم يُرْسَل. وهذهِ هي مأموريَّتُنا. وهذهِ هي مأموريَّةُ الكنيسةِ مُنذُ أنْ وُلِدَت الكنيسة في يومِ الخمسين، ومنذُ أنْ قالَ يسوع: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْض". ومنذُ نُشوءِ الكنيسة حَتَّى اليوم، هناكَ أموالٌ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، بالمَلايين، بِكُلِّ عُمْلاتِ الدُّوَلِ الموجودة على خريطةِ العَالَم، وهُناكَ مَلايينُ السَّاعاتِ مِنَ الجُهْدِ والعمل، وهُناكَ ملايينُ الأشخاصِ على مَرِّ العُصورِ عَمِلوا وَضَحَّوْا مِنْ أجْلِ توصيلِ رسالةِ الخلاصِ الوحيدة إلى أقاصي الأرض. وهُناكَ عَمَلُ التَّرجمة؛ وَهُوَ عَمَلٌ دَؤوبٌ، وصَعْبٌ، ويَنطوي على تَحَدِّياتٍ كثيرة مِنْ أجلِ نَقْلِ لُغَةٍ رُبَّما غير مَكتوبة، وَوَضْعِ حُروفٍ أبجديَّةٍ لها، وابتكارِ طريقةٍ لِكتابةِ تلكَ اللُّغة، ثُمَّ تَعليمُ النَّاسِ أنْ يَقرأوا لُغَتَهُم؛ مَعَ أنَّهُمْ لم يَرَوْها مِنْ قَبْل. ثُمَّ إعطاؤُهُمْ كِتابًا مُقَدَّسًا أو إنجيلاً، وَإرشادُهُم إلى المسيح. فَهُوَ عَمَلٌ دَؤوبٌ يَستغِرقُ عُقودًا. وهناكَ أيضًا طِباعةُ الموادِ بِكُلِّ لُغة، والوَعْظ، والتَّعليمُ، والكِرازة. فهذا هو ما تَعْكُفُ الكنيسةُ على القيامِ بِهِ مُنْذُ دَعوَتِها، ومنُذُ حُلولِ الرُّوحِ القُدُس في يومِ الخمسين. وهُناكَ الجُهْدُ الدَّؤوبُ في استخدامِ كُلِّ وسيلة مُتاحة لتعليمِ النَّاسِ الرَّسالةَ الوحيدةَ الَّتي تَقْدِرُ أنْ تُخَلِّصَهُم مِنَ الدَّينونة الأبديَّة؛ وهي رسالةُ إنجيلِ يسوعَ المسيح.

وها نحنُ الآنَ في بدايةِ أَلفيَّة جديدة [فهذهِ هي البدايةُ الرَّسميَّة لسنة 2001] في بدايةِ هذهِ الألفيَّة الجديدة، لدينا وسائل أكبر مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى لتوصيلِ الإنجيلِ إلى أقاصي الأرض. فالتِّكنولوجيا، والوسائلُ المُعَقَّدَةُ في تَطبيقِ تلكَ التِّكنولوجيا على كُلِّ وسيلة اتِّصال يَتَخَيَّلُها العَقْلُ، قد أَعْطُتْنا الآنَ قُدرةً أعظمَ مِنْ أيِّ وقتٍ مَضى على توصيلِ الإنجيلِ إلى أقاصي الأرض. وألا تَجِدونَهُ أمرًا مُدهشًا أنَّهُ في هذا الوقتِ تحديدًا فإنَّ عَدُوَّ نُفوسِ البَشَر، وعَدُوَّ اللهِ، بَلْ أَلَدَّ عَدُوٍّ للهِ، الشَّيطانَ نَفسَهُ، يَبْذُلُ أقصى جُهْدٍ مُمْكِنٍ لِمَنْعِ حُدوثِ ذلك. وقد فَعَلَ ذلكَ بِعِدَّة طُرُق مُدهشة. وإحدى هذهِ الطُّرق هي أنَّهُ جَعَلَ الكنيسةَ مُشَوَّشَةً بخصوصِ مَا هُوَ الإنجيل. وعلى مَدى السَّنواتِ الخمسَ عَشرةَ الأخيرة، هذهِ هي المَعركةُ الَّتي أَخوضُها بالاشتراكِ مَعَ أشخاصٍ آخرين في مُحاولةٍ مِنَّا للتَّيَقُّنِ مِنْ أنَّ المَسيحيِّينَ سيَفهمونَ ما هُوَ الإنجيل. فلا فائدةَ تُرْجى مِنْ وُجودِ التِّكنولوجيا، ولا فائدةَ تُرْجى مِنْ وُجودِ فُرْصَة، ولا فائدةَ تُرجى مِنْ وُجودِ دَعْمٍ مادِّيِّ، ولا فائدةَ تُرجى مِنْ وجودِ طاقة بَشريَّة لتوصيلِ الرِّسالةِ إلى أقاصي الأرضِ إنْ لم نَكُنْ نَعرِفُ ما هي الرِّسالة. لِذا، مِنَ المؤكَّدِ أنَّها استراتيجيَّة ذكيَّة جدًّا مِنْ عَدُوِّ نُفوسِ البَشَر أنْ يُشَوِّشَ الكنيسةَ بخصوصِ الرِّسالة.

لِذا، فقدِ اشتركتُ معَ آخرينَ كثيرينَ في كِتابةِ كُتُبٍ كي نُوَضِّحَ للمَسيحيِّينَ ما هو الإنجيل لأنَّ الكنيسة صارت مُشَوَّشة بخصوصِ الإنجيل. فهي ليست واثقة تمامًا مِمَّا إذا كانَ يَسوعُ رَبًّا أَمْ لا، وَمِمَّا إذا كانَ ينبغي أنْ يكونَ رَبًّا أَمْ لا. ولا يَبدو أنَّ الكنيسة ما زالت تُبالي بأنْ يَفهمَ النَّاسُ العقيدة الكِتابيَّة الصَّحيحة للتَّبرير بالإيمانِ وَحْدَهُ، وبالنِّعمةِ وَحْدَها، وبيسوعَ وَحدَهُ. ويبدو أنَّ بعضَ الأشخاصِ لا يُبالونَ بأنَّ هُناكَ توبة عنِ الخطيَّة، وبأنَّنا نَكْرِزُ بالتَّوبة. والحقيقة هي أنَّ بعضَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أنَّ هذا الأمرَ هُوَ تَعَدِّي على النِّعمة. وَهناكَ تَقصيرٌ في فَهْمِ عقيدةِ الكَّفارة البَدَليَّة والبِرِّ المَحسوب؛ أيْ في الفهمِ الصَّحيحِ للعقيدةِ الَّتي تَقولُ إنَّ خطايانا وُضِعَتْ كُلُّها في حِسابِ ذلكَ البَديلِ الَّذي ماتَ بَدَلاً عَنَّا، وإنَّنا لا نُسْهِمُ البَتَّة في خلاصِنا باستثناءِ أنْ نُؤمِنَ بتلكَ الكَفَّارة البَديلة.

لِذا، فإنَّ الكنيسةَ الإنجيليَّة مُشَوَّشة بخصوصِ الرِّسالة. وقد تَسمعونَ (كما قُلتُ في الأسابيعِ القليلة السَّابقة)، قد تَسمعونَ راعي كنيسةٍ إنجيليَّة كبيرة جدًّا يَقولُ شيئًا كهذا: "هُناكَ مُبالغة كبيرة في الحديثِ عن أهميَّةِ الإصلاح". والحقيقة هي أنَّ ما فَعَلَهُ الإصلاحُ هو أنَّهُ عَرَّفَ الإنجيل. فالأمرُ لا يَقتصِرُ على أنَّنا لا نَعرِفُ ما هو الإنجيل، بل إنَّنا، في المَقامِ الأوَّلِ، لسنا واثِقينَ مِنْ أهميَّةِ فَهْمِ ذلكَ فَهْمًا صحيحًا. وهذا أمرٌ مأساويّ. فها نحنُ على أَعتابِ أعظمِ فُرصة مُتاحة لتوصيلِ الإنجيلِ إلى أقاصي الأرض، ولكِنَّنا لسنا واثِقينَ ما هُوَ! والكنيسةُ تَميلُ إلى السَّطحيَّة أكثر فأكثر. وهناكَ العديدُ مِنَ الأسبابِ لذلك. وواحِدٌ مِنَ الأسبابِ هو أنَّ الكنائسَ صَارتْ مُنتَشِرة في كُلِّ مكان، وأنَّهُ يَرْعاها، بصراحة، رِجالٌ غيرُ أَكْفاء، وغير مُدَرَّبين، وليست لديهم خلفيَّة لاهوتيَّة تُمَكِّنُهُم مِنْ تَعريفِ الأشياءِ تعريفًا كِتابيًّا عميقًا. وهناكَ سَبَبٌ آخر وهو الاهتمامُ بِعَدَمِ الإساءةِ إلى أيِّ شخصٍ، والاهتمامُ بِجَعْلِ الكنيسةِ مَرِحَة وَمُسَلِّية. لِذا فقد أَوْجَدْنا إنجيلاً مُصْطَنَعًا لا يَحْوي حَقًّا كافيًا لِتَخليصِ أيِّ شخص.

والآن، هذا كُلُّهُ سَيِّئٌ بِما يَكفي. وقد حاولنا أنْ نَتحدَّثَ عن ذلك. ولكِنْ هناكَ مَوْجَة جديدة في العالَمِ الإنجيليِّ مُخيفة بالقدرِ نَفسِه، إنْ لم تَكُن مُخيفة أكثر. والمَوْجَةُ الجديدةُ في العالَمِ الإنجيليِّ هي كالآتي: فهناكَ بعضُ الأشخاصِ الَّذينَ يُخبرونَنا أنَّهُ لا حاجَةَ حَتَّى إلى توصيلِ الإنجيلِ إلى أَقاصِي الأرض. فهذا ليسَ ضَروريًّا. فالنَّاسُ يَخلُصونَ مِنْ دُونِهِ ... مِنْ دُونِهِ. وهُناكَ مُسَمَّياتٌ عديدة لِوُجهَةِ النَّظَرِ هذه. واسمحوا لي أنْ أُعَلِّمَكُمْ قليلاً عن ذلك. فهذا دَرْسٌ لاهوتِيٌّ قصير. وأنا أَعلَمُ أنَّهُ بِمَقدورِكُم أنْ تَحتَمِلوه. فإنْ كانَ بِمَقدوري أنْ أَفهَمَهُ، يُمْكِنُكُم أنْ تَفهموه. فما هو اسمُ هذهِ النَّظرةِ أوْ هذهِ الفِكرة الَّتي تَقولُ إنَّهُ بِمَقدورِ المرءِ أنْ يَخْلَصَ، وإنَّهُ بِمَقدورِ المرءِ أنْ يَدْخُلَ مَلكوتَ اللهِ، وإنَّهُ بمقدورِ المرءِ أنْ يَذهبَ إلى السَّماءِ مِنْ دونِ الإنجيل؟ واحِدٌ مِنَ الأسماءِ هو: "اللَّاهوتُ الطَّبيعيّ" (natural theology). وهذا يَعني أنَّ الإنسانَ يَستطيعُ بِطبيعَتِهِ أنْ يَرْتَقي إلى مَعرفةِ اللهِ، ويُمكِنُهُ أنْ يَرْتَقي إلى العلاقةِ مَعَ اللهِ، ويُمْكِنُهُ أنْ يَصِلَ مِنْ خِلالِ عَقْلِهِ وَمِنْ خِلالِ رَغْبَتِهِ الدَّاخليَّة في فِعْلِ الصَّواب إلى التَّوافُقِ مَعَ مَشيئةِ الله. فهذا طَبيعيٌّ. وهذا يَعني أنَّهُ عَكْسُ الشَّيءِ الخارِق للطَّبيعة.

فاللَّاهوتُ الخارِقُ للطَّبيعة يقولُ إنَّ اللهَ قد جاءَ إلى الأرضِ وَأنَّهُ خَلَّصَ الإنسان. أمَّا اللَّاهوتُ الطَّبيعيُّ فيقول إنَّ الإنسانَ يَستطيعُ الوُصولَ إلى الله. وهذا يعني أنَّهُ يستطيعُ أنْ يَقتربَ إلى اللهِ بِقُدراتِهِ الطَّبيعيَّة. وهذا يعني أنَّ الإنسانَ لديهِ عَمليَّة تَفكير طبيعيَّة وقُدرة طبيعيَّة تُمَكِّنُهُ مِنَ الاقترابِ إلى اللهِ لكي يَخْلَص مِنْ دونِ الكتابِ المقدَّس. ويَقولُ أنصارُ هذا الرَّأي إنَّهُ بِمقدورِ الإنسانِ أنْ يَكتَشِفَ وُجودَ اللهِ، وإنَّهُ بِمَقدورِهِ أنْ يَكتشِفَ صِفاتِ اللهِ، وإنَّهُ بِمَقدورِهِ أنْ يَكتشفَ طَبيعةَ اللهِ مِنْ خلالِ عَقْلِهِ البَشريِّ بِمَعزِلٍ عنِ الإعلانِ الكِتابيِّ. فالإنسانُ قادِرٌ على مَعرفةِ اللهِ، ومَعرفةِ الحَقِّ المُختصِّ باللهِ، ومَعرفةِ مَشيئةِ اللهِ مِنْ دونِ الكتابِ المقدَّس. فَتَفكيرُهُ العَقلانِيُّ يَكفي. وَمِنَ الواضِحِ أنَّهُ إنْ كُنْتَ تُؤمِنُ بذلك، لا يُمْكِنُكَ أنْ تُؤمِنَ بالنَّظرةِ المُصْلَحَةِ لِفَسَادِ الإنسانِ، بل إنَّكَ تُؤمِنُ أنَّ الإنسانَ لديهِ ليسَ فقط قدرة داخليَّة، بل أيضًا صَلاحًا داخليًّا يُتيحُ لَهُ أنْ يَسْعى إلى ذلك، وأنْ يَسعى إلى البِرِّ. لِذا فإنَّ النَّاسَ الَّذينَ يُنادونَ بهذا الفِكْرِ لديهم نَظرة خاطئة عن فَسادِ الإنسان. ولكِنَّ ما يُنادونَ بِهِ هو أنَّهُ بمقدورِ الإنسانِ أنْ يَشُقَّ طَريقَهُ إلى السَّماءِ مِنْ دونِ الكتابِ المقدَّس، وأنَّهُ بِمقدورِهِ أنْ يَشُقَّ طَريقَهُ إلى السَّماءِ مِنْ دونِ الإنجيل. وإنْ كانَ هذا صحيحًا، ما الحَاجَةُ إلى كُلِّ هذا المَجهودِ الإرساليّ؟ فأنتُم لستُم بحاجة إلى التَّوبة إلى اللهِ وإلى الإيمانِ بِرَبِّنا يسوعَ المسيح (كَما قالَ بولسُ بخصوصِ أنَّهُ كانَ يَنبغي أنْ يَكْرِزَ - في سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح 20). فهذا يَعني أنَّ الضَّالِّينَ ليسوا بحاجة إلى سَماعِ الإنجيل، وأنَّهم ليسوا بحاجة إلى قراءةِ الكتابِ المقدَّس، وأنَّنا لسنا بحاجة إلى كُلِّ هذهِ الجُهودِ في التَّرجمة، وأنَّنا لسنا بحاجةٍ إلى كُلِّ هؤلاءِ النَّاسِ الَّذينَ يُضَحُّونَ بحياتِهم في المناطقِ النَّائية إذْ يَعيشونَ بينَ قبائِل صغيرة مِنَ النَّاسِ كي يُوَصِّلوا إليهم الكِتابَ المُقَدَّسَ، وكلمةَ اللهِ، والإنجيلَ المُخَلِّص لأنَّهُ بمقدورِهم أنْ يُخَلِّصوا أنفُسَهُم مِنْ دُوْنِهِ.

قبلَ بِضعة أسابيع، اقْتَبَسْتُ مِنْ مَجَلَّةِ "إل.إيه. تايمز" (LA Times)، مِنَ العدد الصَّادر بتاريخ 9 كانون الأوَّل/ديسمبر، قَوْلاً للبابا، حَتَّى أُريكم أنَّ الكنيسة الكاثوليكيَّة تُؤمِنُ بهذا. فقد قالَ البابا "يُوحنَّا بولُس الثَّاني" في هذا الأسبوع إنَّ: "كُلَّ الَّذينَ يَعيشونَ حياةً بَارَّةً سَيَخْلُصون، حَتَّى لو لم يكونوا يُؤمِنونَ بيسوعَ المسيح وبالكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة". وقد تَابَعَ البابا حَديثَهُ قائلاً (وأنا أَقْتَبِسُ كَلامَهُ): "إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُنا أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَعيشونَ وَفْقًا للتَّطويباتِ؛ أيْ أنَّهُمْ مَساكين بالرُّوح، وأنقياء القلب، وأولئكَ الَّذينَ يَتَحَمَّلونَ بِمَحَبَّة مَشَقَّاتِ الحياة، سَيَدْخُلونَ مَلكوتَ اللهِ" [نِهايةُ الاقتباس]. فالبابا يَتَبَنَّى النَّظرة الشُّموليَّة للخلاص. فالتَّعليمُ الكِتابيُّ القائِلُ إنَّ الخلاصَ يأتي فقط مِنْ خلالِ الإيمانِ بيسوعَ المسيحِ هُوَ تَعليمٌ مَرفوض باعتبارِهِ غيرَ مَنطِقِيٍّ وباعتِبارِهِ قاسيًا مِنْ قِبَلِ الأشخاصِ الَّذينَ يُؤمِنونَ بهذا الرَّأي. فالوَثَنيُّونَ يَخْلُصونَ إنْ كانوا يَعيشونَ حياةً صَالِحَةً وَحَسْب، وإنْ كانوا مَساكينَ بالرُّوحِ وَحَسْب، وإنْ كانوا أنقياءَ القلبِ، وإنْ كانوا يَسْعَوْنَ إلى فِعْلِ ما هو صَواب. فإنْ كانوا يَعيشونَ حَياةً صالحةً وكانُوا مُخْلِصينَ، لا أهميَّة لِما يُؤمِنونَ بِهِ.

وهذا هو ما يَجْعَلُ المُدافِعُ الكاثوليكيُّ "بيتر كريفت" (Peter Kreeft) الَّذي كَتَبَ كِتابًا بِعُنوان "الجِهادُ المَسْكونِيّ" (Ecumenical Jihad) يَقول إنَّ هُناكَ بُوذِيِّينَ، وإنَّ هُناكَ هِنْدوسِيِّينَ، وإنَّ هُناكَ كونفوشيوسِيِّينَ، وإنَّ هُناكَ مُسْلِمينَ، وإنَّ هُناكَ مُلْحِدينَ، وإنَّ هُناكَ يَهوديِّينَ أرثوذُكسيِّينَ، سَيَذهبونَ إلى السَّماءِ لأنَّ المسيحَ ليسَ هُوَ النُّقطة الجوهريَّة، ولأنَّ الإنجيلَ ليسَ هو النُّقطة الجوهريَّة، ولأنَّ الكتابَ المقدَّسَ ليسَ هو النُّقطة الجوهريَّة؛ بل إنَّ الإخلاصَ والصَّلاحَ هُما النُّقطة الجوهريَّة. وهذهِ هي فِكرةُ اللَّاهوتِ الطَّبيعيِّ القائلة إنَّ الإنسانَ قادِرٌ مِنْ خلالِ قُواه الطَّبيعيَّة، وَمِنْ خِلال قُدراتِهِ الفِكريَّة، وَمِنْ خِلال صَلاحِهِ الدَّاخليِّ، أنْ يَصِلَ إلى مَعرفةِ اللهِ، ومشيئةِ اللهِ، وإرضاءِ اللهِ، واكتسابِ الخلاصِ؛ سَواءٌ رَأى الكِتابَ المُقَدَّسَ يومًا أوْ سَمِعَ عنْ يسوعَ المسيح. والبابا يُؤكِّدُ، ببساطة، الشَّيءَ الَّذي لَطالَما آمَنَ بِهِ اللَّاهوتُ الكاثوليكيّ.

والدَّافِعُ إلى ذلكَ هُوَ المَفهومُ البَشريُّ للعَدالة. فليسَ مِنَ العَدالَةِ في شيء أنْ يكونَ هُناكَ شخصٌ يَعيشُ في مَكانٍ ما، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَخْلَصَ، مَعَ أنَّهُ لا يَستطيعُ الوُصولَ حالاً إلى الإنجيل. ولكِنَّ هذهِ ليست نَظرةً كاثوليكيَّةً فقط. وسوفَ أُعيدُ قِراءةَ شيءٍ قَرَأتُهُ على مَسامِعِكُم قبلَ بِضعة أسابيع لأنَّني أريدُ أنْ يَكونَ ذلكَ مُسَجَّلاً في هذهِ العِظَة.

فقد كانت هُناكَ مُقابلة بينَ "روبرت شُولر" (Robert Schuller) والدُّكتور "بيلي غراهام" (Billy Graham) في برنامَج "أَوَر أُف بَاور" (Hour of Power). وأنا لديَّ نَصُّ الحديثِ الَّذي دارَ بينَهُما. وقد دارَ الحديثُ هكذا. فقد قالَ د. "شُولر": "قُلْ لي: ما هو مُستقبَل المسيحيَّة؟" د. غراهام: "أعتقد أنَّ هناكَ جَسَدًا للمسيح يتألَّف مِنْ جَميعِ المجموعاتِ المسيحيَّة حولَ العالم، أو مِنْ خارِجِ المجموعاتِ المسيحيَّة. فأنا أعتقد أنَّ كُلَّ مَنْ يُحِبُّ المسيحَ أوْ يَعرِفُ المسيح، سَواءَ كانوا يُدركونَ ذلكَ أوْ لا يُدركونَهُ، هُمْ أعضاءٌ في جسدِ المسيح. ولا أَظُنُّ أنَّنا سنَرى نَهضةً عظيمةً وكاسِحَةً تُحَوِّلُ العالَمَ كُلَّهُ إلى المسيحِ في أيِّ وقتٍ مِنَ الأوقات". بعبارة أخرى، فإنَّ ما يَعنيه هو أنَّ هناكَ أُناسًا في جسدِ المسيح لم يَسمعوا يومًا بالمسيح. لِذا، ليسَ هُناكَ ما يَدفَعُنا إلى تَوَقُّعِ أنَّهم سيأتونَ إلى المسيح. ولكِنَّهم سيأتونَ بطريقة أخرى.

كذلكَ، فقد قال: "إنَّ قَصْدَ اللهِ لهذا الدَّهْر هو أنْ يَدعو شَعْبًا على اسْمِه. وهذا هو ما يَفعلُهُ اللهُ اليوم. فهو يَدعو شعبًا مِنَ العالَمِ على اسْمِهِ. وسواءٌ جاءَ هؤلاءِ مِنَ العالَمِ الإسلامِيِّ، أوْ مِنَ العالَمِ البُوذِيِّ، أوْ مِنَ العالَمِ المَسيحيِّ، أوْ مِنْ عَالَمِ غيرِ المُؤمِنين، فإنَّهُم أعضاء في جسدِ المسيح لأنَّهُمْ مَدعوُّونَ مِنَ الله. صَحيحٌ أنَّ هؤلاء قد لا يَعْرفونَ حَتَّى اسمَ يسوع، ولكنَّهم يَعرفونَ في قُلوبِهم أنَّهُم بحاجة إلى شيءٍ لا يَملِكونَهُ، وَهُمْ يُقْبِلونَ إلى النُّورِ الوحيدِ الموجود لديهم. وأعتقد أنَّهُمْ مُخَلَّصونَ وأنَّهُمْ سيكونونَ مَعَنا في السَّماء".

د. شُولر: "أَفهمُ مِنْ ذلكَ أنَّكَ تقول إنَّهُ مِنَ المُمْكِن أنْ يأتي يسوعُ المسيحُ إلى قُلوبِ البَشَر وإلى نُفوسِهم وحياتِهم حَتَّى لو كانوا قد وُلِدوا في الظَّلامِ ولم يَسمعوا يومًا بالكِتابِ المُقدَّس أوْ يَعرِفوا شيئًا عنه. هل هذا تَفسيرٌ صحيحٌ لما تَقولُه؟" د. غراهام: "أجل، إنَّهُ صحيح لأنَّني أُوْمِنُ بذلك. فقدِ التقيتُ أُناسًا في أجزاء عديدة مِنَ العالَم في بيئات قَبَلِيَّة لم يَرَوْا فيها كِتابًا مُقَدَّسًا مِنْ قَبْل، ولم يَسمعوا فيها عنِ الكِتابِ المُقَدَّس مِنْ قَبْل، ولم يَسمعوا عن يَسوع، ولكنَّهم آمنوا في قُلوبهم بأنَّ هُناكَ إلهًا، وحاولوا أنْ يَعيشوا حياةً مُنفصِلَة عنِ المُجتمَعِ المُحيطِ بهم". د. شولر: "هذا رائع! وإنَّهُ لَيُفْرِحني جِدًّا أنْ أَسمَعَكَ تَقولُ ذلك. فَرَحْمَةُ اللهِ واسِعَة". د. غراهام: "أجل، بِكُلِّ تأكيد".

مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ هذا الكلامَ ابتدأَ مِنْ أَرِسْطو وانتقلَ إلى الكنيسة الكاثوليكيَّة، ثُمَّ إلى البروتستنتيَّة الإنجيليَّة. والآنْ، باتَ لدينا وُجهةُ نَظر بروتستنتيَّة تقولُ إنَّ المُسلمينَ، والهندوسِيِّينَ، وأيًّا كان، سيكونونَ في جسدِ المسيح، وفي الملكوت، وفي السَّماءِ لأنَّهم سيَخلُصون؛ سَواءٌ وَصَلَهُمُ الكِتابُ المُقَدَّسُ أَمْ لم يَصِلْهُم، وَسواءٌ سَمِعوا يومًا رسالةَ الإنجيلِ أَمْ لم يَسمعوها، وسواءٌ عَرَفوا يومًا عن يسوعَ المسيحَ أَمْ لم يَعرِفوا. وقد أَكَّدَتْ مُنَظَّمةُ "بيلي غراهام" هذا الموقِفَ قائلةً إنَّهُ الموقِفُ المذكورُ في مَقالة نُشِرَتْ في مَجلَّة "ديسيجن" (Decision magazine) كَتَبَها "بيلي" في سنة 1960. لِذا فإنَّ هذا الموقِفَ ليسَ جديدًا. وهذا يُعْطينا فِكرةً عنِ الجانِبِ الإنجيليِّ مِنْ هذا الموضوع. وهُناكَ مُصطلحٌ مُستخدَمٌ اليومَ لوصفِ ذلك وهو الرَّأيُ الَّذي يُنادي بالرَّحْمَةِ الأوسَع؛ وهو مُصطلحٌ أَسْهَلُ استعمالاً قليلاً مِنَ "اللَّاهوتِ الطَّبيعيِّ" الَّذي يقولُ إنَّ الإنسانَ بِحالَتِهِ الفاسِدة يَستطيعُ أنْ يَجِدَ اللهَ، وأنْ يَعرِفَ مَشيئةَ اللهِ، وأنْ يَعيشَ حَياةً بَارَّةً، وأنْ يُرضي اللهَ. ولكِنْ مِنَ المُستحيلِ أنْ يُثْبِتَ أحَدٌ هذا الرَّأيَ مِنَ الكتابِ المقدَّس. لِذا، عِوَضًا عَنْ أنْ تُعْلِنَ عن نَفسِكَ بوصفِكَ لاهوتيًّا طَبيعيًّا، فإنَّكُ تُفَضِّلُ أنْ تكونَ لاهوتيًّا خَارقًا للطَّبيعة. لِذا فإنَّكَ تَستخدِمُ مُسَمَّىً آخر وهو: "الرَّحمةُ الأوسَع"؛ أيْ أنَّ هُناكَ نِطاقًا أوسَع، وأنَّ هُناكَ نَظرةً شاملةً تَجْعَلُ اللهَ يَقْبَلُ الجميع. والمقصودُ بهذا هو أنَّ النَّاسَ يُمْكِن أنْ يَخلَصوا في أيَّة دِيانة.

وكانَ "كلارك بينوك" (Clark Pinnock) قد كَتَبَ كِتابًا عندما كنتُ طالبًا في كُليَّةِ اللَّاهوت بعُنوان: "أَثْبِتْ قَضِيَّتَك" (Set Forth Your Case). وَهُوَ كِتابٌ دِفاعيٌّ مَسيحيٌّ جَيِّدٌ حَقًّا، وكِتابٌ مَسيحيٌّ يُرَكِّزُ على الحُجَّة. وقد كانَ "كلارك" بَطَلاً عظيمًا في الدِّفاعِ عنِ الإيمانِ المسيحيِّ. ولكِنَّهُ انْحَرَفَ كثيرًا عَنْ ذلك ولم يَعُدْ كذلك؛ بل رُبَّما صارَ الآنَ أكبرَ نَصيرٍ لهذا الرَّأيِ الَّذي يُنادي بالرَّحمة الأوسَع. وسوفَ أقتبسُ ما قالَهُ: "عندما نُقابِل شخصًا مُؤمِنًا مُختلِفًا عَنَّا" (أيْ شخصًا مِنْ دِيانة أخرى) "يجب أنْ نَفعلَ ذلكَ بِروحِ التَّرَقُّب إذْ نُريدُ أنْ نَعرِفَ كيفَ يَتحدَّثُ اللهُ إليه، وما المفهوم الجديد الَّذي قد نَكتَشِفُهُ نحنُ أنفُسُنا عن نِعمة ومحبَّة الله مِنْ خِلالِ هذهِ المُقابلة. وأوَّلُ شيءٍ ينبغي لنا أنْ نَفعلَهُ عندَ لِقائِنا بأشخاصٍ آخرينَ مِنْ ثقافة أخرى، ومِن ديانة أخرى، هو أنْ نَخْلَعَ نِعالَنا لأنَّ المَوْضِعَ الَّذي نَقترِبُ مِنْهُ مُقَدَّس؛ وإلَّا فإنَّنا سَنَجِدُ أنَّنا نَطَأُ على أحلامِ البَشَر. كذلك، قد نَنْسَى أنَّ اللهَ كانَ هُنا قبلَ وُصولِنا". وهذا الكَلامُ يُعيدُ تَعريفَ العملِ الإرساليِّ بصورة كبيرة. فَعِوَضًا عن أنْ تَذهبَ إلى إحدى القَبائِلِ وتقول: "إنَّ هؤلاءِ النَّاسَ ضَالُّونَ، ومَحكومٌ عليهم بالهلاك، ويعيشونُ في الظُّلمة"، فإنَّكَ تَذهبُ إلى هناك وتَقولُ لنفسِكَ إنَّكَ تَقِفُ على أرضٍ مُقَدَّسة لأنَّ اللهَ كانَ في ذلكَ المكانِ مِنْ خلالِ وَثَنِيَّتِهِم. وَيُضيفُ "بينوك" قائلاً: "إنَّ اللهَ يَفْعَلُ مِنْ خِلالِ الفِداءِ أكثرَ مِمَّا حَدَثَ في فِلَسطين في القرنِ الميلاديِّ الأوَّل" [نِهايةُ الاقتباس].

ولا يُمْكِنُني أنْ أتخيَّلَ أنَّ هُناكَ مُعْتَقَدًا كارِثيًّا أكثرَ مِنْ هذا! أنَّ اللهَ يَفْعَلُ مِنْ خِلالِ الفِداءِ أكثرَ مِمَّا حَدَثَ في فِلَسطين في القرنِ الميلاديِّ الأوَّل؟ ما مَعنى ذلك؟ إنَّ هذا يَعني أنَّ حياةَ يسوعَ المسيحِ، وموتَهُ، وقيامَتَهُ كانت مُجَرَّدَ شيءٍ واحدٍ مِنْ أشياء كثيرة، وأنَّ ذلكَ لم يَكُنْ أعظم حَدَث مُنفَرِد في تاريخِ الفِداءِ بأسْرِه. ولكِنَّ هذا يُقَلِّلُ مِنْ شَأنِ المَسيح. وهذا يُقَلِّلُ مِنْ شَأنِ تَجَسُّدِهِ، وولادَتِهِ العَذراويَّة، وتَجَسُّدِهِ، وحياتِهِ الخالية مِنَ الخطيَّة، وموتِهِ البَدَلِيِّ، وقيامَتِهِ الجسديَّة، وصُعودِهِ، وشَفاعَتِهِ، ومَجيئِهِ الثَّاني، وكُلِّ شيء؛ إنْ كانَ المسيحُ مُجَرَّدَ شيءٍ مِنْ أشياء كثيرة أخرى. وهذا رُجوعٌ مُريعٌ إلى بِدْعَة يونانيَّة قديمة عَالَجَها الرَّسولُ يُوحَنَّا وهي تُدعى "اللُّوغوس [أو الكَلِمَة] الكَوْنِيّ" (universal logos). وهي بِدْعَة تَقولُ إنَّ رُوْحَ المَسيحِ يَطوفُ وَيُقْحِمُ نَفسَهُ في كُلِّ دِيانة. وهي بِدعة تُهاجِمُ أيضًا الثَّالوث لأنَّ المسيحيَّة الكِتابيَّة هي الوحيدة الَّتي تُؤكِّدُ أنَّ اللهَ مُثَلَّث الأقانيم. فَحَتَّى إنَّ المورمون يُنكِرونَ ذلك.

وقد تَقول: "إنَّ هذا مُرْبِك". أجل، إنَّهُ كذلك. وأعتقد أنَّني أَعْرِف بِماذا تُفَكِّرون، لا لأنِّي عَالِمٌ بالغَيْب، بل لأنَّكُمْ تُفَكِّرونَ على الأرجَح مِثْلي. وما تُفَكِّرونَ فيهِ هو: كيفَ يُعْقَلُ أنَّ النَّاسَ يُؤمِنونَ بذلك؟ فكيفَ يُؤمِنونَ بهذا معَ أنَّ الكِتابَ يَقولُ إنَّ الخَلاصَ هو بالمسيحِ وَحْدَهُ؟ أليسَ كذلك؟ ففي إنجيل يوحنَّا 14: 6، قالَ يَسوع: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي". وهذا واضحٌ تمامًا. ونقرأُ في سِفْر أعمال الرُّسُل 4: 12: "وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ". فنحنُ نَعلمُ ذلك. وقد قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ السَّابع: "لأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ"، وَ: "حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأتُوا". فالإيمانُ بيسوع (بالنِّسبة إلى أيِّ شخصٍ يَقرأُ العهدَ الجديد) هو الطريقة الوحيدة للخلاص. فلا يوجد مُخَلِّص آخر. ولا يوجد وسيط آخر (كما يَقول بولُس) في رسالَتِهِ إلى تيموثاوس. "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ". وَسيطٌ واحدٌ فقط.

وكيفَ يَتعامَلونَ مع هذهِ المَسألة؟ بعضُ هؤلاءِ يَتحدَّثونَ عن يسوعَ في كُلِّ مَرَّة يَظهرونَ فيها على شاشةِ التِّلفزيون، وفي كُلِّ مَرَّة يَقِفونَ فيها ويَتحَّدثون. وما الَّذي يَتحدَّثونَ عنه؟ وما الَّذي يَقولونَهُ؟ أنْ يقولوا إنَّ يسوعَ هو المُخَلِّصُ الوحيدُ ... إنَّ يسوعَ هو المُخَلِّصُ الوحيدُ، ثُمَّ أنْ يقولوا إنَّ المُسلِمينَ، والبُوذِيِّينَ، والأرواحِيِّينَ، وَجَميع أتباعِ المَذاهِبِ الأخرى في العالَمِ سيكونونَ جميعًا في جسدِ المسيح، وإنَّهم سيكونونَ جميعًا في المَلكوت، وإنَّهم سيكونونَ جميعًا في السَّماء؟ كيفَ يُعْقَلُ ذلك؟ وإليكُم الجوابَ على ذلك. فيمكنكم أنْ تَجِدوا الجوابَ في كِتاباتِ أشخاصٍ مِثلَ "كلارك بينوك" (Clark Pinnock)، وَ "ساندرز" (Sanders)، وآخرينَ مِمَّنْ كَتَبوا عن هذا الموضوع. وإليكُم ما يَقولونَهُ. فَهُمْ يقولونَ إنَّ عَمَلَ المسيحِ هو الأساسُ الوحيدُ للخلاص، ولكِنْ ليسَ مِنَ الضَّروريِّ أنْ تَعْرِفَ ذلك. بعبارة أخرى، أيًّا كانتِ الدِّيانةُ الَّتي تَنتمي إليها، إنْ كنتَ تُؤمِنُ باللهِ (أيًّا كانتِ الصُّورةُ الَّتي لديكَ عنِ اللهِ) وإنْ كُنتَ تُحاولُ أنْ تَفعلَ ما هُوَ صَواب، وتُحاولُ أنْ تَصْنَعَ خَيرًا وأنْ تكونَ مُتَدَيِّنًا، سَتَخْلُص مِنْ خلالِ المسيح؛ حَتَّى مَعَ أنَّكَ لم تَكُنْ تَعْرِفُ مَنْ هُوَ، وَحَتَّى مَعَ أنَّكَ لم تَكُنْ تَعرِفُ أنَّ اللهَ مُثَلَّثَ الأقانيم، وَحَتَّى مَعَ أنَّكَ لم تَكُن تَعلَمُ أنَّ اللهَ أَعلَنَ ذاتَهُ في المسيح، وَحَتَّى مَعَ أنَّكَ لم تَكُن تَعلَمُ أنَّ المسيحَ عاشَ، وماتَ، وقامَ ثانيةً، وَحَتَّى مَعَ أنَّكَ لم تَكُن تَعلَمُ أيَّ شيءٍ عن ذلك. فالمسيحُ سَيَظَلُّ مُخَلِّصَكَ. وَسَيَظَلُّ هُوَ مَنْ دَفَعَ أُجْرَةَ خطاياكَ. لِذا فإنَّهم يقولونَ إنَّهُ المُخَلِّصُ الوحيد، ولكِنَّهُ كَفَّرَ عَنْ (وَدَفَعَ أُجرةَ) خطايا النَّاسِ الَّذي لن يكونَ بِمَقدورِهم يومًا أنْ يَعرفوا أيَّ شيءٍ عنِ الكتابِ المقدَّسِ ولا أنْ يَعرِفوا شيئًا عَنْ يسوعَ المسيح. فَهُمْ سَيَنتفِعونَ مُباشرةً مِنْ عَمَلِهِ على الصَّليبِ مِنْ دونِ حَتَّى أنْ يَعْلَموا ذلك.

لقد كانتِ الأُمّ "تِريسَّا" (Mother Teresa) مُخْلِصَةً جِدًّا لإيمانِها الكاثوليكيّ. وقد زُرْناها أنا وعائلتي عندما كُنَّا في "كَلْكُتَّا" (Calcutta). وقد أعطيناها نُسخةً مِنْ كِتاب: "الإنجيل بحسب يَسوع" (The Gospel According to Jesus). وقد كانت مُناسبةً مُدهشةً. فهي امرأة لَطيفة جدًّا، وقويَّة جدًّا، ورَقيقة جدًّا لا يَزيدُ طُولُها عن أربعة أقدام. وقد أرادَ أولادُنا أنْ يُعطوها نُسخةً مِنْ هذا الكِتاب. وقد فَعلوا ذلك. وقد قالت إنَّها ستقرأهُ. ولكِنَّ الأُمّ "تِريسَّا" كانت مُخْلِصَة جِدًّا جِدًّا لإيمانِها الكاثوليكيِّ. فقد كانت كاثوليكيَّة بِكُلِّ مَعنى الكلمة، وكانتْ تَفهمُ الكاثوليكيَّة جَيِّدًا جِدًّا. ففي الصَّفحة الأولى مِنَ الكِتابِ المُقَدَّسِ الَّذي وَقَّعَتْ عليهِ، كَتَبَتْ: "لَيْتَكَ تَدْخُلُ قَلْبَ يسوعَ مِنْ خلالِ العَذراء مَرْيَم". وقد وَقَّعَت اسمَها. لِذا فقد كانت تُؤمِنُ أنَّ الخلاصَ يَتِمُّ مِنْ خلالِ مَرْيَم. وهذا يَنْطَبِق جِدًّا على الإيمانِ الكاثوليكيّ. وهناكَ شيءٌ آخر يَنْطَبِق على الإيمانِ الكاثوليكيّ. فقد دَخَلْنا مَنْزِلَها الَّذي كانَ مَأَوْى للمَرضى والمُحْتَضرينَ في "كَلْكُتَّا". وعلى الجُدرانِ، كانت هُناكَ رُسومٌ لآلِهَةِ الهنْدوس ... صُوَرًا لآلهةِ الهِندوس؛ تلكَ الآلهة الغريبة الَّتي تَتَشَعَّبُ مِنْها أَيْدٍ كثيرة. فقد كانت صُوَرُ آلهةِ الهِندوس مَرسومة على جُدرانِ ذلكَ المَأوى الكاثوليكيّ. وبالمُناسبة، لقد كانَ ذلكَ المأوى مُجاورًا، بل مُلاصقًا، لأفْظَعِ وَأَشَرِّ هَيْكَلٍ رأيتُهُ في حياتي في أيِّ مكانٍ في العالَم؛ وَهُوَ هَيْكَلٌ في "كَلْكُتَّا"، هَيْكلٌ هِنْدوسِيٌّ تُقَدَّمُ فيهِ الذَّبائحُ الدَّمويَّة بصورة مُنتظَمة، بِما في ذلكَ الخَنازير والثِّيران. وهُناكَ تَحْدُثُ طُقوسُ عِبادة لا أستطيعُ أنْ أَذْكُرَها في مَكانٍ عَامٍّ لِفَظاعَتِها الشَّديدة. ولكِنَّ هَذَيْنِ المَكانَيْنِ كانا مُلاصِقَيْنِ أَحَدُهُما للآخر.

وفي ذلكَ الوقت، لم أكن أَفْهَمُ الأشياءَ الَّتي أفهَمُها الآن، ولكنِّي تَساءلتُ آنذاك كيفَ يُعْقَلُ أنْ تَضَعَ تلكَ الرُّسومَ للآلهة الهندوسيَّة في مَأواها الَّذي كانَ مُلاصِقًا لذلكَ الهيكلِ الشِّرِّير. وقدِ افْتَرَضْتُ أنَّ ذلكَ كانَ مُجَرَّدَ مُجاملة سِياسِيَّة. فإنْ أردتَ أنْ تعيشَ في مدينة كَالْكُتَّا، يجب عليكَ أنْ تُجامِلَ النَّاسَ الَّذينَ يَحْكُمونَ الأُمَّةَ الهِنْديَّة. وهذا هو ما تَفعَلُه. ولكنَّني فَهِمْتُ لاحقًا أنَّ هذا كانَ جُزءًا مِنْ نِظامِهم؛ جُزءًا مِنْ نِظامِهم. وسوفَ أُخبرُكم كيفَ يَعملُ هذا النِّظام. فهناكَ كاتِبٌ اسمُهُ "ريموند بانيكار" (Raimundo Panikkar) أَلَّفَ كِتابًا بعُنوان: "المَسيحُ المَجهولُ في الهِندوسِيَّة" (The Unknown Christ of Hinduism). ألا تَعتقدونَ أنَّ هذا العُنوانَ لافِتٌ للنَّظر؟ "المَسيحُ المَجهولُ في الهِندوسِيَّة". وإليكُم ما يَقولُهُ (وأنا أَقْتَبِسُ كَلامَهُ هُنا): "إنَّ الهِندوسيَّ الصَّالِحَ وَالطَيِّب القَلْبِ مُخَلَّصٌ مِنْ خلالِ يسوعَ المسيحِ وليسَ مِنْ خلالِ الهِندوسيَّة. ولكِنْ مِنْ خلالِ الطُّقوسِ الهِندوسيَّة، ومِنْ خلالِ الرِّسالةِ الَّتي تُرَكِّزُ على الأخلاقِ والحياةِ الصَّالحة، وَمِنْ خلالِ التَّصَوُّفِ الَّذي يَكْتَسِبُهُ مِنْ خلالِ الهندوسيَّة، فإنَّ المَسيحَ يُخَلِّصُ الهِندوسيَّ" [نِهايةُ الاقتباس].

فَالجَميعُ مَشمول: الهِندوسُ الصَّالِحون، والبوذيُّونَ الصَّالحون، وأيُّ شخصٍ صَالِح، وكما تَعلمونَ، أيُّ أشخاصٍ صَالِحينَ تَرَوْنَهُم على قناة "ديسكفري" (Discovery) يَرْكُضونَ وَيَضَعونَ رِماحًا وعِظامًا في شِفاهِهِم. فَكُلُّ شخصٍ مَشمول إنْ كانَ "صَالِحًا!" وهل يُمْكِنُكُمْ أنْ تُصَدِّقوا غَرابَةَ هذا الشَّيءِ الَّذي تَسَلَّلَ إلى الإنجيليَّة؟ أليسَ كذلك؟ وقد تَتَمَكَّنُ مِنَ استيعابِ ذلك لو كانَ صَادِرًا عن كُليَّةِ "يُونيون" اللَّاهوتيَّة (Union Seminary) في نيويورك، أوْ لو كانَ صَادِرًا عنْ إحدى الطَّوائفِ اللِّيبراليَّة الَّتي تَسْمَحُ لِكَهَنَتِها أنْ يُناصِروا الجِنْسِيِّينَ المِثْلِيِّينَ، أوْ شيئًا مِنْ هذا القَبيل. ولكِنْ أنْ نَسْمَعَ أشخاصًا كهؤلاءِ يَقولونَ هذا الكلام، وَأشخاصًا كالَّذينَ ذَكَرْتُهُمْ مِنْ قَبْل والَّذينَ يُصادِقونَ على كِتاب "بيتر كريفت" مِثْلَ "جيه.إيه. باكر" (J.I. Packer) الَّذي قال: "ماذا لو كانَ ما يَقولُهُ صَحيحًا؟" وهذهِ هي الفِكرةُ الرَّئيسيَّة في هذا الكِتابِ الَّذي أَلَّفَهُ "بيتر كريفت" والذي يَحْمِلُ العُنوان: "الجِهادُ الإنجيليّ"؛ أوْ بالأحرى: "الجِهادُ المَسْكونِيّ" (Ecumenical Jihad). وقد تَسألُ: "وكيفَ يُعْقَلُ أنَّ هذا الأمرَ تَسَلَّلَ إلى الإنجيليَّة؟" وكيفَ يُعْقَلُ أنَّنا انْخَدَعْنا بهذا؟ وكيفَ يُعْقَلُ أنَّنا صَدَّقْنا هذا؟ وكيفَ يُعْقَلُ أنَّ الرُّعاةَ يَقولون: "إنَّ الإصلاحَ لا يَهُمُّ حَقًّا. ورُبَّما ينبغي لنا حَقًّا أنْ نُعيدَ تَعريفَ الإرساليَّاتِ بِمُجْمَلِها في جميعِ أنحاءِ العالَم". ولكِنَّ هذا هو تمامًا ما يَحدُث.

حسنًا، إنَّ القَصْدَ مِنْ هذا كُلِّه هو أنْ نَقولَ إنَّنا أمامَ مُشكلة كبيرة. وكما تَعلمونَ، فإنَّني لا أُكَلِّمُكُمْ أنتُم فقط، بل إنَّ الرَّبَّ مَنَحَني فُرصة للتَّكَلُّمِ إلى أُناسٍ كثيرينَ غَيرَكُم حيثُ إنَّ بَرنامَج "غريس تو يو" (Grace To You) يُذاعُ نَحْوَ أَلْفَيْ مَرَّة في اليوم، ويُسْمَعُ مِنْ قِبَلِ أُناسٍ كثيرينَ باللُّغة الإنجليزيَّة، وأعتقد أنَّهُ يُذاعُ خَمْسَمِئَةِ مَرَّة في اليومِ الآن باللُّغة الإسبانيَّة. فعندما يَكونُ لَدينا شيءٌ نَوَدُّ أنْ نَقولَهُ للعالَمِ الإنجيليِّ، فإنَّنا نَحْصُلُ عادَةً على مِنْبَرٍ لِقولِه. لِذا، فقد شَعَرْتُ بالحاجة إلى قولِ ذلك. وكما تَعلمونَ، فإنَّ الطَّريقة الصَّحيحة للحديثِ عن هذا الموضوع هي بالرُّجوعِ إلى الكتابِ المقدَّس. أليسَ كذلك؟ وما أَعنيه هو أنَّني لن أُقَدِّمَ لكم رأيي الشَّخصيّ. فرأيي الشَّخصيّ لا قيمة لَهُ. ولكِنْ ما الَّذي يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن هذا الموضوع؟ وهل لدينا بُرْهانٌ كِتابِيٌّ على "الحَصْرِيَّة"؟ هل لدينا دَليلٌ على حقيقةِ أنَّهُ إنْ لم تكونوا تَعْرِفونَ الإنجيلَ، وإنْ لم تَكونوا تُؤمِنونَ بيسوعَ المسيحِ، فإنَّكُمْ لن تَذهبوا إلى السَّماء؟ إنَّ الجوابَ هُوَ: أجل. ونحنُ لدينا حُجَّة كِتابيَّة على حقيقةِ أنَّ اللَّاهوتَ الطَّبيعيَّ لن يُساعِدَ أيَّ شخصٍ على الذَّهابِ إلى السَّماء. ونحنُ لدينا أيضًا حُجَّة كِتابيَّة على أنَّ رَحْمَةَ اللهِ ضَيِّقة جِدًّا. والحقيقة هي أنَّهُ إذا نَظَرتُم إلى الكلمة "ضَيِّق" سَتَجِدونَها في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ السَّابع: فَهُوَ ... كيفَ هُوَ البابُ؟ "بابٌ ضَيَّق". لِذا فإنَّها رَحْمَة ضَيِّقة، وَهُوَ لاهوتٌ خَارِقٌ للطَّبيعة. وهذا هو ما أريدُ أنْ أُبَيِّنَهُ لَكُم مِنَ الكتابِ المقدَّس.

والآن، مِنْ أينَ سَنَبتدئ؟ حسنًا، سوفَ نَبتدئ بِإشارة عامَّة. لِذا، يُمكنكم أنْ تَجلسوا وتَستمعوا فقط مِنْ دونِ أنْ تَفتحوا كِتابَكُم المُقَدَّسَ الآن. فقط اسمعوني قليلاً. فهذه إشارة عامَّة إلى سِفْر التَّكوين والأصحاحِ الثَّالث. ولكنِّي لا أريدُ مِنْكُم أنْ تَفتحوا عليه لأنَّكُمْ سَتَبحثونَ عن آياتٍ، ولكنِّي لن أُشيرَ إلى آيات مُعَيَّنة، بل سأكتفي فقط بالحديثِ بِصورة عامَّة. سِفْر التَّكوين والأصحاح الثَّالث. وأنتُم تَعرِفونَ ما حدثَ في سِفْرِ التَّكوين والأصحاح الثَّالث. أليسَ كذلك؟ ففي سِفْر التَّكوين والأصحاحَيْن الأوَّل والثَّاني، نَقرأُ عَنِ الخَلْق. وفي سِفْرِ التَّكوين والأصحاح الثَّالث، نَقرأُ عنْ سُقوطِ الإنسان. فقد خُلِقَ الإنسانُ على صُورةِ اللهِ. ثُمَّ إنَّ اللهَ خَلَقَ شَريكًا لآدَمَ؛ أيْ: حَوَّاء. لِذا، صارَ هُناكَ آدَم وحَوَّاء. وقد كانا كَامِلَيْن. فقد كانا يَمْتَلِكانِ جَسَدَيْنِ كامِلَيْن، وذِهْنَيْنِ كَامِلَيْن. لِذا فقد كانا يُفَكِّرانِ تَفكيرًا كامِلاً. حسنًا؟ وقد كانا يَعيشانِ في بيئة كامِلة ليست فيها عُيوب. وقد كانا يَتمتَّعانِ بعلاقة كاملة معَ الخَالِق. لِذا، كانَ كُلُّ شيءٍ كامِلاً. حسنًا؟ فَنحنُ هُنا في الجَنَّة في بيئة كامِلة.

وقد كانا يَمْلِكانِ عَقْلَيْنِ كامِلَيْنِ قادِرَيْنِ على الفَهْمِ الكامِل، وقادِرَيْنِ على التَّفكيرِ الكامِل، وقادِرَيْنِ على الخُروجِ باستنتاجاتٍ كاملة. وبالرَّغْمِ مِنْ ذلك، أيْ مَعَ أنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ كانا في حَالةِ كَمالٍ، لم يَكُنْ بمقدورِهِما أنْ يَفْهَما، مِنْ تِلْقاءِ نَفْسَيْهِما، سَبَبَ خَلْقِهِما. فقد كانَ بمقدورِهما أنْ يَفهَما أنَّهُما قد خُلِقَا. وكانَ بمقدورهما أنْ يَفْهَما أنَّ هُناكَ كَائِنًا أقوى مِنْهُما خَلَقَهُما، وأنَّهُ يَمْلِكُ ذَكاءً خارِقًا، وَأنَّهُ كائِنٌ يُحِبُّ الجَمالَ، ويِحِبُّ النِّظامَ، ويُحِبُّ التَّصميمَ، ولديهِ قُدرة، وأنَّهُ وَهَبَهُما حَياةً، وكُلَّ تلكَ الأمور. ولكِنْ لم يَكُنْ بمقدورِهِما أنْ يَفْهَما سَبَبَ خَلْقِهِما. ولم يَكُنْ بمقدورِهِما أنْ يَفْهَما ما يَنبغي أنْ يَفْعلاه، وما ينبغي أنْ يَمْتَنِعا عنهُ، وكيفَ ينبغي أنْ يَفعلا ذلك؛ إلَّا إنْ أخبرَهُما شخصٌ ما. ولم يكونا يَعرِفان كيفَ يَتجاوبا معَ بيئتِهِما، ولا كيفَ يَعْملانِ في الجَنَّة. لِذا فقد قالَ اللهُ لَهُما: "يُمكِنُكُما أنْ تأكُلا كُلَّ شيء"؛ وإلَّا لَما عَرَفا ذلك. وقد قالَ لهما: "لا تأكُلا مِنْ هذِه. فإنْ فَعَلْتُما ستموتان". وقد قال: "هذهِ هي امرأتُكَ. أَنْجِبا أطفالاً". وقال: "أَطْلِقْ أسماءً على هذهِ الحَيَوانات". لِذا فقد كانا يَمشيان ويَتحدَّثان إلى اللهِ في الجَنَّة: لأنَّ اللهَ كانَ يُعطيهِما إعلانًا خاصًّا عن كيفيَّةِ الارتباطِ بِهِ، وعن كيفيَّةِ الارتباطِ بِعالَمِهِما.

ويجب على أَنْصارِ اللَّاهوتِ الطَّبيعيِّ أنْ يُصْدَموا حينَ يَعْلَمونَ أنَّ آدَمَ لم يَكُن قادرًا على مَعرفةِ الحَقِّ الإلهيِّ مِنْ خلالِ عَقْلِهِ الكامِل. فهو لم يكن بمقدورِهِ مِنْ خلالِ تَفكيرِهِ الشَّخصيِّ، ولا مِنْ خِلالِ ذكائِهِ الشَّخصيِّ، لم يَكُن بمقدورِهِ أنْ يَعرفَ أنَّهُ لا يَجوزُ لَهُ أنْ يأكُلَ هذا، وأنَّهُ يَجوزُ لَهُ أنْ يأكُلَ ذاك، وأنَّهُ ينبغي أنْ يُطْلِقَ أسماءً على الحَيَواناتِ، إلخ، إلخ. وأنَّهُ كانَ ينبغي أنْ يَهْتَمَّ بالجَنَّة. فقد كانَ ينبغي أنْ يُخبرَهُ اللهُ بهذا كُلِّه. ويقولُ "روبرت موري" (Robert Morey): "لم يُخْلَقْ آدَم ليكونَ مَنْبَعَ الحَقِّ، والعدالةِ، والأخلاقِ، والمَعنى، والجَمال. بَلْ إنَّ الخالِقَ مَشَى مَعَ الإنسانِ في الجَنَّة. وكانت تلكَ الجَلْساتُ اليوميَّة إعلانًا خاصًّا. وقد قالَ اللهُ للإنسان لِمَ خَلَقَهُ وما ينبغي أنْ يَفعلَ في الجَنَّة. وقد أَعلنَ للإنسان ما يُمْكِنُهُ وما لا يُمْكِنُهُ أنْ يأكُل". بعبارة أخرى، كانَ اللهُ هو أَصْلُ وَمَصْدَرُ الحَقِّ، والعدالةِ، والأخلاقِ، والمَعنى، والجَمال. وكانت مَسؤوليَّةُ الإنسانُ هي أنْ يَقْبَلَ ما يُعْلِنُهُ اللهُ لَهُ. فالإنسانُ لم يَكُنْ هو مَصْدَرُ الحَقِّ، بل كان مُتَلَقِّي الحَقّ.

صحيحٌ أنَّ آدمَ وحَوَّاءَ رُبَّما كانا يَعرِفانِ شيئًا عنِ اللهِ، ولكِنْ لم يَكُنْ بمقدورِهما أنْ يَعرِفا ما يُريدُهُ اللهُ مِنهما لو لم يُخبرْهُما بذلك. وَحَتَّى إنَّنا لم نَكُنْ لِنَفْهَم حالةَ الإنسانِ قبلَ السُّقوط، ولا أنْ نَفهَمَ حالَتَهُ عندما سَقَطَ لولا أنَّنا قَرأنا ذلكَ في سِفْر التَّكوين والأصحاحات 1 و 2 و 3. وَلِعِلْمِكُم، يُمكنكم أنْ تَدرُسوا دِياناتِ العالَم، وفَلسفاتِ العالَم، ومُؤلَّفاتِ لاهوتِيِّي العالَم، مِنْ دُوْنِ أنْ تَجِدوا أيًّا مِنْهم يُقَدِّمُ فَهْمًا صحيحًا لِخَلْقِ الإنسان وفَسادِ الإنسان. ولا أيَّ واحِدٍ منهم. فَهُمْ لا يَفهمونَ ذلك لأنَّهُ لا يُمْكِنُكَ أنْ تَحصُلَ على هذهِ المعلوماتِ بِتَفكيرِكَ الفاسِد.

وَتَذَكَّروا ما يَلي: عندما جاءَ الشَّيطانُ إلى الجَنَّةِ، كانَ الإنسانُ كامِلاً، ولديهِ عقلٌ كامل، وفهمٌ كامل، ومَنْطِقٌ كامل. عندما كانَ في تلكَ الحالة، وجاءَ الشَّيطانُ، ما الشَّيءُ الَّذي أرادَ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ أنْ يَشُكَّا فيه؟ صِحَّة تَفكيرِهما؟ فهو يقولُ لهما: "أَحَقًّا قالَ اللهُ؟ لا يُمْكِنُكُما أنْ تَثِقا في كلمةِ اللهِ". وَكَما تَرَوْنَ، فإنَّ ما يُريدُ الشَّيطانَ مِنَّا دائمًا أنْ نَفعلَهُ هو أنْ نَشُكَّ في الإعلانِ الخاصِّ، وأنْ نَشُكَّ في مَنْطِقِنا. والشَّيطانُ يَقودُ حَوَّاءَ في هذا الحِوارِ الصَّغير. وَهُوَ يَقولُ لها في الخِتام: "لا عَلَيْكِ، لَنْ تَموتا. لا يُمْكِنُكُما أنْ تُصَدِّقا الله. فاللهُ يَكذِب. هل قالَ اللهُ ذلك؟ أنَّكُما ستموتان؟ لا، لن تَموتا. بل إنَّكُما سَتَصيرانِ مِثْلَ اللهِ. ولَكِنَّهُ لا يُحِبُّ تلكَ المُنافسة". فقد جَرَّبَ الشَّيطانُ الإنسانَ بأنْ شَكَّكَهُ في عَقْلِهِ وَجَعَلَهُ يَرفُضُ الإعلانَ الخَارِجَ مِنْ فَمِ اللهِ.

فقد أعطاهُما اللهُ إعلانًا خاصًّا: "لا تأكُلا". ولكِنَّ الشَّيطانَ قالَ: "لا تُصَدِّقا ما قالَهُ اللهُ. بَلْ ثِقا بِعَقْلِكُما". وهذا هو، في الأساسِ، ما يَقولُهُ اللَّاهوتُ الطَّبيعيُّ. وَهِيَ نَفسُ الكِذْبَة الَّتي مَارَسَها الشَّيطانُ في الجَنَّةِ ويُمارِسُها المَرَّة، تِلْوَ المَرَّة، تِلْوَ المَرَّة. يُمْكِنُكَ أنْ تَفعلَ ذلكَ مِنْ خلالِ عَقْلِكَ. لا تُبالي بالكِتابِ المُقَدَّس. ولا تُبالي بالإنجيل. فأنتَ لستَ بحاجة إلى ذلك. بل يمكنكَ أنْ تَبْلُغَ مُرادَكَ بِعَقْلِكَ. ولكنِ اسمعوني: كيفَ يُمْكِنُ لإنسانٍ سَاقِطٍ يَعيشُ في عَالَمٍ مَلْعونٍ أنْ يَجِدَ الحَقَّ الإلهيَّ مِنْ خلالِ مَنْطِقِهِ الأَعْوَجِ في حين أنَّ الإنسانَ الكامِلَ الَّذي كانَ يعيشُ في عالَمٍ كامِلٍ لم يَكُن قادرًا على العُثورِ على اللهِ بِعَقْلِهِ الكامِل؟ فلم يكن بمقدورِ آدم أنْ يَعرِفَ ما يُريدُهُ اللهُ لو لم يُخْبِرْهُ اللهُ بذلك. ولا يمكن لأيِّ شخصٍ آخر أنْ يَعرفَ ما يُريدُهُ اللهُ ما لم يُخبِرْهُ اللهُ بذلك. ونحنُ في حالٍ أَسْوأ مِنْ حالِ آدَم وحَوَّاء. والشَّيطانُ يَفعلُ دائمًا الشَّيءَ نَفسَهُ. فهو يُريدُ دائمًا أنْ يُقَلِّلَ مِنْ شأنِ الإعلانِ الخاصِّ. ويا لها مِنَ استراتيجيَّة عظيمة! لِنُقْنِع الكنيسة أنَّها ليست بحاجة إلى الكِرازة بالإنجيل. ولكِنْ أَخْبِروني مَا هُوَ مَصْدَرُ ذلك؟ السَّماء؟ أخبِروني مِنْ أينَ جاءت هذهِ البِدْعَة. وَمَنْ هُوَ المُستفيدُ الأكبر مِنْ جَعْلِنا نَتَوَقَّفُ عنِ الكِرازةِ بالإنجيل؟

حَسَنًا! لِنُلْقِ نَظرة على رسالة رُومية والأصحاحِ الأوَّل. وأنا لديَّ وَقْتٌ للنَّظَرِ بِسُرعة إلى مَقْطَعَيْنِ كِتابِيَّيْن. فهناكَ نَحْوُ ثمانية مَقاطِع كِتابيَّة، ولكِنَّنا سَنُنْهيها في المَرَّة القادمة. والآن، رَكِّزوا معي وَحَسْب لأنَّ هذا الأمرَ مُهِمٌّ جِدًّا، ولأنِّي سأَمُرُّ على هذهِ الآياتِ بِسُرعة. رُومية 1: 18-23. وهذا واحدٌ مِنَ المَقاطِعِ المُهِمَّة جِدًّا في الكتابِ المقدَّسِ، والمَقاطِعِ المُحَدَّدة جِدًّا، ولَهُ تأثيراتٌ بالِغَة. وأريدُ مِنكُم أنْ تَرَوْا الإنسانَ. فهذهِ نَظرة إلى الإنسان. فهي نَظرة كِتابيَّة إلى الإنسان. فنحنُ نَقرأُ في العدد 18: "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ، وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَات".

سوفَ نَتوقَّفُ هُنا. إنَّهُ مَقطَعٌ يَعرِفُهُ كَثيرونَ مِنَّا. والآن، اسمحوا لي أنْ أُوَضِّحَ ما يَلي: إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ هُنا إنَّ هناكَ دَليلاً يَختصُّ بالله (في العدد 19): "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ". وهذا يَحْدُثُ مِنْ خلالِ المَنْطِق. فالمَنْطِقُ يَنْظُرُ (في العدد 20) إلى الخَليقَةِ ويقول: "لا بُدَّ مِنْ وُجودِ خَالِق". والمَنْطِقُ يَنظُرُ إلى التَّنَوُّعِ ويقول: "لا بُدَّ مِنْ وُجودِ عَقْلٍ مُدَبِّر". وَهُوَ يَنظُرُ إلى التَّصميمِ ويقول: "إنَّهُ إلَهٌ التَّنظيم". وَهُوَ يَنظرُ إلى الجمالِ ويقول: "إنَّهُ إلَهُ الجَمالِ والتَّناغُمِ وَكُلِّ ذلك". وَهُوَ يَنظرُ إلى التَّنَوُّعِ الهائلِ ويقول: "إنَّهُ إلَهُ القُدرةِ الهائلةِ والتَّعقيد". أجل، هذا صحيح. لِذا، في الحقيقة، مِنَ المؤكَّدِ جدًّا والواضِحِ جدًّا أنَّ قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ تُدرَكُ بالعَقْلِ مِنْ خِلالِ النَّظَرِ إلى الخَليقة. فهذا واضحٌ جِدًّا (كما جاءَ في العدد 20). فهو يُدْرَكُ بوضوح. ولا بُدَّ أنَّكَ ستكونُ قد أَقْدَمْتَ على الانتحارِ فِكريًّا إنْ كُنْتَ تُنْكِرُ أنَّ هُناكَ سَبَبًا لِما يَحْدُثُ في الكَوْن؛ أيْ أنَّ هُناكَ خَالِقًا. لِذا، فإنَّ ذلكَ يُرى بوضوح. وَهُوَ يُرى بوضوحٍ [في نهايةِ العدد 20] حَتَّى إِنَّ النَّاسَ "بِلاَ عُذْرٍ". فلا عُذْرَ لَكَ البَتَّة إنْ كُنْتَ تُؤمِنُ بالنُّشوء. لا عُذْرَ البَتَّة. فهذهِ غَباوة مُطْلَقة. وَهذِهِ حَماقة. وَيَستخدِمُ بولسُ هُنا كلمةً بِمَعنى "غَباوة" وهي تُتَرْجَمُ: "حَماقة" أوْ "حَمِقُوا". فَأيُّ شخصٍ يَرى كُلَّ شيءٍ موجود يَفترِضُ أنَّ هُناكَ شَخصًا صَنَعَ ذلك. ولا بُدَّ أنَّ الكَوْنَ يَسْتَدعي وُجودَ خَالِق. لِذا فإنَّهُ يقولُ إنَّ اللهَ أعطى الإنسانَ أوْ وَضَعَ فيهِ عَقْلاً. والعَقْلُ يَنظرُ إلى الخليقةِ ويَستنتِجُ أُمورًا مُعَيَّنَةً عنْ قُوَّةِ وطبيعةِ الخالِق. لِذا فإنَّهُ بِلا عُذْرٍ.

والمُشكلةُ هي كالتَّالي: إنَّ هذا لا يَقودُ الإنسانَ إلى الله. وهذا مُدهش! فهذا لا يَقودُهُ إلى الله! فهو لا يَقودُهُ إلى اللهِ الحَقيقيِّ. لماذا؟ لِنَرْجِع إلى العدد 18: "[لأنَّهُم] يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْم". فالإنسانُ شِرِّيرٌ جدًّا. وَهُوَ فاسِدٌ جدًّا. وَهُوَ آثِمٌ جدًّا بطبيعَتِه. وَهُوَ خاطئٌ جِدًّا حَتَّى إنَّ فَسادَهُ يُلْغي احتماليَّةَ أنْ يَأتي إلى اللهِ بِقُدراتِهِ الذاتيَّة؛ بل إنَّهُ يَحْجِزُ الحَقَّ. وَهُوَ يُهينُ الخالِق. انظروا إلى العدد 21. فَمَعَ أنَّ مَعرفةَ اللهِ واضحة تمامًا حولَهُ بوصفِهِ خالِقًا، فإنَّهُ لا يَعرِفُ الأمورَ المُحَدَّدَةَ عنْ مشيئةِ اللهِ أوِ الخلاص. ولكِنَّهُ، على أَقَلِّ تَقدير، يَستطيعُ أنْ يَرى أنَّ هُناكَ خَالِقًا. ولكِنَّهُ لا يُمَجِّدُ اللهَ كَخالِقٍ. وهو لا يَشْكُرُهُ. فهذا هو ما يَفعلُهُ الإنسانُ الفاسِد. وما أعنيه هو أنَّ حَتَّى آدَمَ كانَ يَفعلُ ذلكَ إذْ إنَّهُ كانَ يُهينُ اللهَ مِنْ خلالِ عَدَمِ طَاعَتِهِ لَهُ، وَمِنْ خلالِ تَجاهُلِ الإعلانِ الخاصِّ واتِّباعِ تَفكيرِهِ البشريِّ الشَّخصيِّ بِكُلِّ كِبْرياء. ولكِنَّهُ يَقولُ هنا إنَّهُمْ لا يُمَجِّدونَ اللهَ، وَلا يَشْكرونَ اللهَ؛ بل إنَّهُمْ يَبتعدونَ عنِ اللهِ. وَهُمْ يَحْجِزُونَ الحَقَّ. لِذا فإنَّ كُلَّ ما يَفعلونَهُ هُوَ أنَّهُمْ يَصيرونَ عَقيمينَ أوْ فارِغينَ في أفكارِهم. فَهُمْ يَخرجونَ بأفكارٍ غَبِيَّةٍ غير صحيحة مِثْلَ النُّشوءِ الَّذي هو كِذبة كَبيرة. فهو غير صَحيح. أو يَخرجونَ بأيَّة فَلسفة بشريَّة أو دِيانة زائفة. وَهُمْ يَبْتَدِعونَ أفكارًا بَشريَّةً جَوْفاء ليست صحيحة. وَقُلوبُهُمُ الغَبِيَّةُ تَصيرُ مُظلِمَةً. فليسَ هُناكَ نُوْر. وَيَنْتَهي المَطافُ بهؤلاءِ إلى أنَّ فَهْمَهُمْ يَكونُ مَنْقوصًا.

ثُمَّ نَقرأُ في العدد 22 أنَّهُ بِسَبِ كِبريائِهم، الَّذي هُوَ سَبَبٌ كبيرٌ مِنْ فَسادِهِم، فإنَّهُم "يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ" ويَمْنَحونَ أنفُسَهُمْ شَهاداتِ دُكتوراه، ويَرْتَدونَ أثوابًا مُلوكيَّة ودينيَّة، ويَرتدونَ قُبَّعاتٍ عالية، ويَسيرونَ بِخَيْلاءٍ كما لو كانوا رِجالَ دِيْنٍ عُظَمَاء وحُكَماء. ولكِنَّهُمْ جُهلاء. فَهُمْ حَمْقَى (في اللُّغة اليونانيَّة). وَهُمْ سُخَفاء. والحقيقة هي أنَّ الوَصْفَ لا يَتوقَّفُ هُنا. فنحنُ نَقرأُ في العدد 23: "وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَاتِ". فَهُمْ يَصْنَعونَ آلِهَةً مِنْ أشياء أُخرى. وهَكذا يَنْتَهي المَطافُ بِهم: في أنَّهُمْ يَعبُدونَ الزَّواحِفَ، ويَعبدونَ البَشَرَ، ويَعبدونَ أيَّ شيء. فَهكذا يَنتهي المَطافُ بِهم. وهذا هو ما يَفْعَلُهُ الإنسانُ الطَّبيعيُّ. فَمَنْطِقُهُ يَقولُ لَهُ إنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وُجودِ إلَه، ولا بُدَّ مِنْ وُجودِ خَالِق، ولا بُدَّ مِنْ وُجودِ قُوَّة خارقة وتَعقيدٍ هائل. ولكِنْ بسببِ أنَّهُمْ أشرار جِدًّا، وبسبب أنَّهُم فاسِدون (وسوفَ أتحدَّثُ أكثر عن هذا الموضوع في الأسبوعِ القادِم)، فإنَّهم يَحْجِزونَ ذلكَ الحَقَّ. فبسببِ حُبِّهم للخطيَّة، فإنَّهُم يَحْجِزونَ ذلكَ الحَقَّ. فَهُمْ لا يَستطيعونَ أنْ يَمنعوا أنفُسَهُمْ مِنْ حَجْزِ الحَقِّ. وَهُمْ لا يَعرِفونَ أيَّ طَريقٍ إلى الله. وَهُمْ عاجِزونَ عنِ التَّخَلُّصِ مِنْ مَوْتِهِم. فَهُمْ أمواتٌ بالذُّنوبِ والخطايا. وَهُمْ ليسوا أحياءَ لله. وَهُمْ ليسوا أحياءَ في الحقيقة. وبسببِ مَوْتِهم، فإنَّ الحَقَّ يُحْجَزُ. والبِرُّ يُقْمَعُ. وَعِوَضًا عَنْهُ تأتي الأنظمة الدِّينيَّة الباطِلَة والزَّائفة، والفلسفات الفارغة الغَبيَّة.

وَنِهايةُ هذا كُلِّه! ما نِهايةُ هذا كُلِّه؟ ما نِهايةُ الفلسفة البشريَّة والدِّيانة البشريَّة؟ أنتُم تَقولونَ: "نِعْمَةَ اللهِ". لا، لا. العدد 18. ما الَّذي يَقولُهُ هذا العدد؟ "لأَنَّ" [ماذا؟] "غَضَبَ اللهِ". وهذهِ هي النُّقطةُ الجوهريَّة هُنا. فما تَقولُهُ لنا هذهِ الآياتُ هو أنَّ الإنسانَ الطَّبيعيَّ، بِلاهوتِهِ الطَّبيعيِّ، بِمَعْزِلٍ عنِ الإعلانِ الخاصِّ، سَيصيرُ دُوْنَ شَكٍّ تحتَ الدَّينونة الإلهيَّة. إنَّهُ غَضَبُ اللهِ. فهي ليست نِعمة اللهِ. فلا يُمكِنُكَ أنْ تَذهبَ إلى قَبيلةٍ تَعْبُدُ تِمْساحًا أوْ شيئًا ما وتقول: "آه! إنَّني أَقِفُ على أرضٍ مُقَدَّسة. فقد كانَ اللهُ هُنا قبلَ مَجيئي". فاللهُ لم يَكُنْ هناك. واللهُ ليسَ هناكَ الآن. فهذهِ ليست الحقيقة. وهذا ليسَ الواقِع. بل إنَّ هذا رَفْضًا لِتَمجيدِ اللهِ الحقيقيِّ الحَيِّ، اللهِ القُدُّسِ. وَعِوَضًا عَنْهُ، فإنَّنا نَضَعُ شيئًا آخر لكي نُلَفِّقَ شيئًا آخر: فَلسفةً ما، أو ديانةً غَبيَّةً ما، أو صَنَمًا ما. لِذا، هذا هو الموضِعُ الَّذي يَمْضي إليهِ الإنسانُ الطَّبيعيُّ.

إنَّ رِسالة رُومية والأصحاح الأوَّل تُقَدِّمُ تَشخيصًا للإنسانِ الطَّبيعيّ. فهو يَصيرُ مُتَدَيِّنًا، ولكِنَّ ديانَتَهُ هِيَ في الانْحِدارِ، لا في الارتفاع. فهي لا تُعَلِّي شَأنَ اللهِ، بل هي تَراجُعٌ مِنَ الاعترافِ الأوَّلِ باللهِ بوصفِهِ خَالِقَ الكَوْنِ، إلى عَبادة إلَهٍ زائفٍ ابْتَدَعَتْهُ تَخَيُّلاتُهم لأنَّهُم يَحْجِزونَ الحَقَّ وَيُحِبُّونَ شُرورَهُم. وما يَحدُثُ هو أنَّ المَطافَ لا يَنتهي بِهِم إلى الحُصولِ على نِعمةِ اللهِ، ولا إلى الوُجودِ في جسدِ المسيح، مَهْما كانَتْ مُخَيِّلتُهُم خِصْبَة، بل إنَّ المَطافَ يَنتهي بِهِم تحتَ غَضَبِ الله. وَغَضَبُ اللهِ العَلِيِّ هو الدَّينونة. الدَّينونة.

وهناكَ مَقْطَعٌ آخر أَوَدُّ أنْ أُريكُمْ إيَّاه وهو: رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح الأوَّل؛ لأنَّهُ يَتماشَى تَمامًا مَعَ هذا المَقطع. وسوفَ نَكتفي بإلقاءِ نَظرة سريعة على هذا المقطع. رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح الأوَّل. فما رأيناهُ في رسالة رُومية والأصحاح الأوَّل هو أنَّهُ عندما يَسْقُطُ الإنسانُ في فَخِّ الكِبرياءِ الدِّينيِّ ذاك، فإنَّهُ يَصيرُ أحمَق. فَهُوَ جَاهِلٌ تحتَ غَضَبِ اللهِ. فلا يَهُمُّ إنْ كانت ديانَتُهُ رُوحانيَّة غير مُعَقَّدة، أو ديانة غَرْبِيَّة مُعقَّدة جِدًّا، أو ديانة شَرقيَّة. فهو سَيَنتهي في المكانِ نفسه. فهو جَاهِلٌ يَظُنُّ أنَّهُ حَكيم. ولكِنْ لِنَتَخَطَّى ذلك ونَرى ما جاءَ في رسالة كورنثوس الأولى 1: 18: "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ" ماذا؟ أَتَرَوْنَ؟ فهؤلاءِ الحَمْقى يَظُنُّونَ أنَّ ما نَعِظَ بِهِ هُوَ حَماقة. وَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّ الصَّليبَ جَهالة. "وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ". وَهُنا تأتي دينونة أخرى. وهذهِ آية مُقْتَبَسَة مِنْ سِفْر إشعياء 29: 14: "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ»". والكلمتان "أُبيد" وَ "أرفُض" يُشيران إلى دَينونةٍ أخيرة؛ أيْ إلى حُكْمِ الإعدام. فاللهُ يَقول: "هَيَّا، احْشُدوا أَحْكَمَ الحُكَماءِ، واحْشُدوا أَذْكى الأذكياء. وأنا سأُبيدُهُم".

وَمَرَّةً أخرى، ما الَّذي يَحدُثُ للنَّاسِ الَّذينَ يَكتسبونَ حِكمةً دينيَّة؟ أوِ الَّذينَ يَبْلُغونَ مُستوى مِنَ الفهم ِالعقلانيِّ للهِ والأشياءِ الرُّوحيَّة؟ ما يَحْدُثُ هو أنَّ اللهَ سَيُبيدُهُم. وهذهِ إشارة إلى الغَضَبِ نَفسِهِ المذكور في رسالة رُومية 1: 18. فَهُوَ هُنا "إبادَة" وَ "رَفْض"؛ أيْ إنَّهُ سَيَمْحوهُم. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 20: "أَيْنَ الْحَكِيمُ؟" وهذا تَهَكُّمٌ. ثُمَّ "أَيْنَ الْكَاتِبُ؟" أيْ أينَ هُوَ الشَّخصُ الَّذي يَصْرِفُ حَياتَهُ بأسرِها يَكْتُبُ بِتَدْقيقٍ أمورًا دينيَّة؟ "أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟" أيْ: أيْنَ هُوَ الشَّخصُ الَّذي سَيَتَمَكَّنُ مِنَ الوقوفِ وَمِنَ الدِّفاعِ عن فَلسفَتِهِ أوْ لاهوتِهِ؟ "أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَم؟" خُذوا أحْكَمَ الحُكَماء، وَخُذوا حِكمةَ العالم، وخُذوا نُخبةَ القادة الدِّينيِّين، وخُذوا الأشخاصَ في أعلى المَراتِبِ في دِيانَتِهم؛ سواءَ كُنْتُم تَتَحَدَّثونَ عنِ البابا، أو كُنتُم تتحدَّثونَ عنْ قَائِدِ الهِندوسيَّة أوِ العالَمِ الإسلامِيِّ، أو كُنتُم تتحدَّثونَ عنِ الرُّسُلِ في كنيسةِ المُورمون، أوْ كُنتم تتحدَّثونَ عَنْ أيِّ أشخاصٍ آخرين. خُذوا هؤلاءِ جميعًا، كُلَّ أولئكَ الَّذينَ بَلَغوا قِمَّةِ الهَرَمِ في الأنظمةِ الدِّينيَّةِ الَّتي ابْتَدَعَها البَشر. خُذوا الحُكماءَ، والكَتَبة، وأعظمَ الكُتَّابِ، واللَّاهوتِيِّينَ، والمُجادِلينَ، والنَّاس البارِعينَ في الدِّفاعِ عَنْ وُجْهَةِ نَظَرِهِم وإفْحامِ الآخرينَ بها ... فَكُلُّ هؤلاءِ الأشخاصِ...كُلُّهُمْ... سَيُجَهِّلُهُمُ اللهُ. فَهُمْ لن يَحصُلوا على النِّعمة. هل تَفهمونَ المَعنى المقصود؟ فَهُمْ سَيُقْطَعون.

والسَّببُ مَذكورٌ في العدد 21. فهذا هو المِفتاح: "لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ" [أوْ بِحِكْمَةِ اللهِ] لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَة" – ضَعُوا عَلامَةً على هذهِ الآية. ضَعُوا خَطًّا تَحْتَها. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَصِلَ إلى هُناكَ مِنْ هُنا. فالعالَمُ في أفضلِ حالاتِه، وفي أعلى إنجازاتِهِ الدِّينيَّة وإنجازاتِهِ الفِكريَّة، والعالَمُ في أَحْكَمِ مُستوياتِه، لا يَستطيعُ أنْ يَعْرِفَ اللهَ. فهذا هو ما تَقولُهُ الآية. فَهُوَ لا يَستطيعُ أنْ يَفعلَ ذلك. ثُمَّ نَقرأُ في نهايةِ العدد 21: "اسْتَحْسَنَ اللهُ ... بِجَهَالَةِ الْكِرَازَة". أيَّة كِرازة؟ الكِرازة بالإنجيل: "... أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ". فالكِرازة هُنا تُشيرُ إلى الكِرازة بالصَّليب في العدد 18. والطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي يُمْكِنُكَ أنْ تَخْلُصَ مِنْ خلالِها هي بالإيمانِ برسالةِ الصَّليب. فهذه هي الطريقة الوحيدة. فَخُطَّةُ اللهِ كانَتْ تَقْتَضي أنْ لا يأتي العالَمُ إليهِ مِنْ خلالِ حِكْمَتِهِم. وسوفَ أقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى: لا يُمْكِنُكَ أنْ تَأتي إلى اللهِ مِنْ هُنا، مِنْ خلالِ حِكمَتِكَ، أوْ عَقلانِيَّتِكَ، أوْ تَدَيُّنِكَ، أو فَلسفتِكَ. ولكِنَّ اللهَ اسْتَحْسَنَ أنْ يَسْتَخْدِمَ جَهالَةَ الكِرازة، أيِ الكِرازةِ بالصَّليب، أيْ بِالمسيحِ، بِمَوْتِهِ وَقيامَتِهِ، اسْتَحْسَنَ أنْ يُخَلِّصَ أولئكَ الَّذينَ ماذا؟ يُؤمِنون. وهذا لا يَعني الإيمان بأيِّ شيء، بل الإيمان بذاكَ. وإنجيلُ الصَّليبِ هو ليسَ مِنْ نِتاجِ العقلِ البَشريِّ؛ بل هو إعلانٌ. إنَّهُ إعلان.

وأينَ تَذهَبُ للحصولِ على إعلانِ الصَّليب. إلى هُنا. أليسَ هذا هو ما يُفَسِّرُهُ؟ ولكِنَّ الشَّيطانَ يُحِبُّ أنْ يأتي إلى الجَنَّةِ اليومَ وأنْ يَلْفِتَ أنظارَ النَّاسِ قائلاً لَهُم: لا تَظُنَّ لَحْظَةً أنْ تُؤمِنَ بما يَقولُهُ الإعلانُ الخاصُّ مِنَ الله. ثِقْ بِعَقْلِكَ. ثِقْ بِعَقْلِكَ". وهذا هو ما يَفْعَلُهُ هؤلاءِ اللَّاهوتيُّون. فَهُمْ يَتْبَعونَ الشَّيطانَ وَحَسْب. ولكِنَّ رِسالةَ الصَّليبِ هي الوحيدة الَّتي تَقدِرُ أنْ تُخَلِّص. وأيُّ شيءٍ آخر هُوَ "مُوْرِيَا" (moria)؛ أيْ: "جَهالة".

ونَقرأُ في سِفْر إرْميا 8: 9: "خَزِيَ الْحُكَمَاءُ. ارْتَاعُوا وَأُخِذُوا. هَا قَدْ رَفَضُوا كَلِمَةَ الرَّبِّ، فَأَيَّةُ حِكْمَةٍ لَهُمْ؟" فإنْ رَفَضْتَ كلمةَ اللهِ المُعلَنَة، وَرَفَضْتَ الإعلانَ الخاصَّ، وَرَفَضْتَ كَلِمَةَ الرَّبِّ، فَأيَّةُ حِكْمَةٍ لَكَ؟ ويُجيبُ يَعقوبُ عن هذا السُّؤالِ (في رسالة يَعقوب 3: 15) فيقولُ إنَّ الحِكمةَ الَّتي لَيْسَتْ نَازِلَة مِنْ فَوْقُ هِيَ شَيْطَانِيَّة. وهذا كَلامٌ مُباشِر جِدًّا. أليسَ كذلك؟ فهي ليسَتْ خَطَأً وَحَسْب، وَهي ليسَت جَهالةً وَحَسْب؛ بل هي شَيطانيَّة. اسمعوني: إنْ لم تَكُنِ الحِكمة نازلة مِنْ فوق، فإنَّها آتِيَة مِنْ تَحْت. لِذا فإنَّ بولُس يَقول في الأصحاح الثَّاني والعددِ الثَّاني [أو بالحَرِيِّ في العددِ الأوَّل]: "وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ". فأنا لم آتِ بأفكارٍ بشريَّة أوْ مَنْطِقٍ بَشَرِيِّ. ثُمَّ في العدد 2: "لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ..." [ماذا؟] المَسِيح. فهو يقولُ إنَّ هذا هُوَ كُلُّ ما أردتُ أنْ أَقولَهُ. لِماذا؟ لأنَّ هذهِ هي الرِّسالة الوحيدة الَّتي تَفعلُ ماذا؟ تُخَلِّص. فهذهِ هي الرِّسالةُ الوحيدة الَّتي يَنبغي أنْ يُكْرَزَ بها لأنَّها الطريقة الوحيدة للخلاص. لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ بِشَهَادَةِ اللهِ، ولَمَّا كَشَفْتُ لَكُمْ سِرَّ اللهِ، وما كانَ مُخَبَّئًا وَصارَ الآنَ مُعْلَنًا، ولَمَّا أَتيتُ إليكُم بكلمةِ اللهِ، كانَ كُلُّ ما قُلتُهُ يَختصُّ بيسوعَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا لأنَّهُ فقط مِنْ خلالِ الإيمانِ بذلكَ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أنْ يُخَلِّص.

لِذا، أينَ هُمُ الحُكماءُ الآن؟ وَلا في أيِّ مكان. وأينَ الكَتَبة؟ وَلا في أيِّ مكانٍ البَتَّة. وأنا أَقرأُ الآنَ كِتابًا بعُنوان: "أمريكا المُورمونيَّة" (Mormon America). وقد وَصَلْتُ إلى نِصْفِهِ تَقريبًا. وهو يَتألَّف مِنْ أربعمئة أو خمسمئة صفحة. ويا لَها مِنْ عَمليَّة شَائِكَة! فهناكَ مِلياراتُ الدُّولاراتِ وأشخاصٌ كثيرونَ مُتَوَرِّطونَ في هذهِ الأمورِ المُعَقَّدة. ولكنَّهُمْ حَمْقى؛ مِنَ القِمَّة إلى الأسفل. وَهُمْ يَصِلونَ إلى مُستوياتٍ مِنْ كُلِّ الأنواع. فهناكَ "عزرا تافت بنسون" (Ezra Taft Benson)، وأشخاصٌ عَلى شَاكِلَتِه. وهُناكَ أعضاءٌ آخرونَ في مَجلسِ الشُّيوخ نَعْرِفُهُم اليوم، وأُناسٌ مِنْ أَصحابِ النُّفوذ، وأُناسٌ اشتركوا في الحَمْلاتِ الرِّئاسيَّة. فَهُناكَ أنظمة هَيكليَّة مُعَقَّدة في دِيانَتِهِم بصورة عامَّة. وَهُوَ بَيْتٌ ضَخْمٌ قائِمٌ على الرَّمْلِ سيَعملُ اللهُ ذاتَ يومٍ على هَدْمِه. فهو لا يَعني شيئا. فهو لا يَعني شيئًا. لا شَيءَ البَتَّة. وهو سَيُدَمَّر. وَهؤلاءِ لن يَحصُلوا على شيءٍ سِوى الغَضَب. فلا يُمكنكَ أنْ تَصِلَ إلى اللهِ مِنْ خِلالِ نِظامِكَ الخاصِّ بك. فإنْ كُنتَ تَرفُضُ يَسوعَ المسيحَ، لا يُمكِنُكَ أنْ تَصِلَ إلى الله. ولن تَصِلَ يومًا إلى هُناكَ إلَّا إذا سَمِعْتَ الرِّسالة. لِذا فإنَّنا نَقومُ بهذهِ الخِدمة طَوالَ هذهِ السِّنين. وهذا هو السَّببُ في مِضِيِّ نَحْوِ أَلْفَيْ سَنَة على ذَهابِ النَّاسِ إلى أقاصي الأرضِ وَهُمْ يُنادونَ برسالةِ المسيح – لأنَّ هذا هو ما نَعلَمُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُه. فإنْ تُرِكَ الإنسانُ الطَّبيعيُّ لِنَفسِه فإنَّهُ سيحصلُ على غضبِ اللهِ، وسيَنتهي بِهِ المَطافُ (كما جاءَ في رسالة كورنثوس الأولى) تحتَ الدَّينونة. وَهُوَ مُجَرَّدُ شخصٍ أَحْمَق. وإنْ نَظرتُم إلى أحْكَمِ الحُكماءِ (كما يَقول في العدد 19)، ونَظرتُم إلى أَذْكى الأذكياء، فإنَّني سَأَبيدُهُم جميعًا. فالحِكمةُ البشريَّةُ لا تأتي بِكَ إلى الله.

لِذا، لا يوجد شخص يَستطيع مِنْ خلالِ المَنْطِقِ الطَّبيعيِّ، ولا يوجد شخصٌ يَستطيعُ مِنْ خِلالِ الحَدْسِ الدِّينيِّ أنْ يأتي إلى مَعرفةِ الحَقِّ المُختصِّ بالله. فالطريقةُ الوحيدةُ الَّتي يُمكِنُكَ مِنْ خلالِها أنْ تَعرِفَ الحَقَّ الإلهيَّ المُخَلِّصَ هي مِنْ خلالِ الإعلانِ الخاصّ؛ أيْ مِنْ خلالِ الكتابِ المقدَّسِ وإنجيلِ يسوعَ المسيح. وأيُّ شخصٍ يَقولُ إنَّ النَّاسَ يَخلُصونَ مِنْ خلالِ الهِندوسيَّة، أوْ مِنْ خِلالِ أيِّ ديانة أخرى، وأيُّ شخصٍ يَقولُ إنَّ النَّاسَ هُمْ في جَسَدِ المسيح، وإنَّهُمْ مَسيحيُّون، وإنَّهم في المَلكوت، وإنَّهم سيذهبونَ إلى السَّماءِ مَعَ أنَّهُم لا يُؤمِنونَ بيسوعَ المسيحِ، هُوَ شخصٌ لا يَقولُ لَكُمُ الحقيقة. فهذا ليسَ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. لِذا، سوفَ أَخْتِمُ هذا الموضوعَ في الأسبوعِ القادِم.

يا رَبّ، نحنُ نُدْرِكُ، مَرَّةً أخرى، ويا للأسف، ما يَكْسِرُ قَلبَكَ لأنَّهُ يَكْسِرُ قُلوبَنا نحنُ أيضًا. فَكَمْ بالحَرِيِّ تَشعُرُ بألمِ إهانَـتِك! ولكِنْ، يا رَبّ، نحنُ نُريدُ أنْ نُبَيِّنَ ونُؤكِّدَ أنَّنا كُنَّا وما زِلْنا أُمناءَ في القيامِ بِمسؤوليَّتِنا. فقد أَوْصَيْتَنا أنْ نَذهبَ إلى العالَمِ وأنْ نَكْرِزَ بالإنجيلِ إلى كُلِّ الخليقة. لِذا، نحنُ نُريدُ أنْ نَتَيَقَّنَ مِنْ أنَّنا نَفهمُ الإنجيلَ، وَمِنْ أنَّنا نَستمرُّ في الذَّهابِ مِنْ دُوْنِ أنْ نَسْمَحَ لهذهِ الأكاذيبِ وهذهِ الضَّلالاتِ وهذهِ البِدَعِ أنْ تُهاجِمَ عَمَلَكَ المَجيد. احْمِ كَنيسَتَكَ، واحْمِ شَعْبَكَ، واجْعَلْ هُناكَ دائمًا رِجالاً أُمناء يَكْرِزونَ بالحَقِّ في أماكِنِ النُّفوذ. ويا لَيْتَ شَعْبَكَ يَسمعُ الحَقَّ ويَفهمُه. أَعْطِهِمْ تَمْييزً لكي يُدركوا ذلك. وأعْطِهِمْ مَحَبَّةً لكلمَتِكَ لكي يكونَ لديهم المِعيارُ الَّذي يُساعِدُهُم على التَّمييز. وساعِدْنا، يا رَبُّ، على أنْ نَكونَ أُمناءَ في مُشاركةِ الإنجيلِ مَعَ كُلِّ شخصٍ يأتي في طَريقِنا؛ عَالِمينَ أنَّهُ لا توجد طريقة أخرى للذَّهابِ إلى السَّماءِ إلَّا مِنْ خلالِ الإيمانِ برسالةِ يسوعَ المسيحِ وَصَليبِه. ويا لَيْتَنا نَكْرِزُ بالصَّليبِ كَما فَعَلَ بولُس "لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا". نَطْلُبُ هذهِ الأشياء باسْمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize