Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إِذْ نَنْظُرُ إِلَى كَلِمَةِ اللَّهِ فِي هَذَا الصَّبَاحِ، أَرْجُو مِنْكُمْ أَنْ تَفْتَحُوا كِتَابَكُمْ المُقَدَّسَ على الأصْحَاحَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مِنْ إِنْجِيلِ مَتَّى – الأصْحَاحَيْنِ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ فِي العَهْدِ الجَدِيد. وَهُمَا أصْحَاحَانِ يُحَدِّثَانَا عَنْ وِلَادَةِ المَلِك. وَهذه القصَّةُ لَا تَتَوقَّف عن كونِها قِصَّة عَجِيبَة، وَقِصَّة عَنِ البَرَكَة، وَقِصَّة عَنِ التَّدَخُّلِ الخَارِقِ لِلطَّبِيعَة. فَمَهْمَا أَطَلْنا الحَديثَ عَنْ وِلَادَةِ المَسِيح، سَتَبْقَى هذه القصَّةُ تُثِيرُ دَهْشَتَنَا وَتَمْلَأُ قُلُوبَنَا بِالفَرَح. وَأَوَدُّ أَنْ نُرَكِّزَ أَنْظَارَنَا فِي هَذَا الصَّبَاح (في أَثْنَاءِ تَأَمُّلِنا فِي إِنْجِيلِ مَتَّى) عَلَى وِلَادَةِ المَلِك، وَلَا سِيَّمَا عَلَى جَوَانِبَ مُلْكِ يَسُوعَ المَسِيحِ وَعَظَمَتِهِ. فَهَذَا هُوَ القَصْدُ الأعْظَمُ لِمَتَّى.

وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّرَانِيمَ الَّتِي نُرَنِّمُهَا فِي هَذَا الوَقْتِ مِنْ السَّنَةِ تُذَكِّرُنَا بِحَقِيقَةِ أَنَّ يَسُوعَ المَسِيحَ وُلِدَ مَلِكًا. فَنَحْنُ نُرَنِّمُ: "هَذَا هُوَ اليَوْمُ السَّعِيد". وَتِلْكَ التَّرْنِيمَةُ تَقُولُ: "قَدْ جَاءَ الرَّبُّ. لِتَسْتَقْبِل الْأَرْضُ مَلِكَهَا". ثُمَّ هُنَاكَ تَرْنِيمَةٌ بِعُنوان "جَاءَتْ تَمَزُّقَ الظَّلَامِ" نَقُولُ فِيهَا: "مَلِكُ السَّمَاوَاتِ المَجِيد". وَهُنَاكَ تَرْنِيمَةُ "سَمِعْنَا المَلَائِكَةَ مِنَ الأعالي" تَقُول: "المَسِيحُ الرَّبُّ، المَلِكُ المَوْلُودُ". وَهُنَاكَ تلك التَّرْنِيمَة المُفَضَّلَة لَدَيَّ وَهِيَ: "مَع مَلَاكِ اللَّهِ جُنْدٌ" وَالَّتِي تَقُول: "فِي العُلَى لِلَّهِ مَجْدٌ".

وهناك ترنيمة "نحنُ ثلاثة مُلوك الشَّرقِ". ونحنُ نَعرفُ تلك الترنيمة. وهناك مقطعٌ في تلك الترنيمة يقول: "وُلِدَ مَلِكٌ في سَهْلِ بيتِ لحم". وهناك ترنيمة أخرى تقول: "مَلِكٌ إلى الأبد، بلا انقطاع، يَمْلِك علينا جميعًا". وهناك ترنيمة تقول: "مَلِكٌ وإلَهٌ وذبيحةٌ". وهناك ترنيمة تقول: "يا لَهُ مِنْ طِفْل!" وهي تقول: "هذا هو المسيحُ المَلِك". وهناك ترنيمة: "تَعالَوْا يا مَنْ تَتَرَقَّبونَ يسوعَ منذُ زَمَنٍ طويل"، وهي تقول: "قد وُلِدَ طِفْلٌ ولكنَّهُ مَلِك". وهناك ترنيمة: "ملائكةٌ مِنَ الأمجاد"، وهي تقول: "اعبدوا المسيحَ، المَلِكَ المولود".

وَكُلُّ هَذِهِ التَّرَانِيمَ تُرَكِّزُ عَلَى الحَقِيقَةِ العَظِيمَةِ المُخْتَصَّةِ بِوِلَادَةِ المَسِيحِ، وَبِأَنَّهُ وُلِدَ فِي الحَقِيقَةِ مَلِكًا. وَقَدْ جَاءَ الرِّجالُ الحُكَماءُ بَحْثًا عَنْهُ، وَتَوَقَّفُوا فِي أُورْشَلِيمَ وَسَأَلُوا: "أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُود؟" فَقَدَ وُلِدَ المَسِيحُ الطِّفْلُ لِيَكُونَ حَاكِمًا فَائِقًا وَمَلِكًا عَظِيمًا. وَالحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّ كَاتِبَ سِفْرِ الرُّؤيَا (أَيْ: يُوحَنَّا) يَقُولُ إِنَّهُ مَلِكُ المُلُوكِ وَرَبُّ الأرْبَاب. فَهُوَ الأَعْظَمُ. وَهُوَ أَسْمَى مِنْ جَمِيعِ المُلُوك. وَالمَلِكُ، كَمَا تَعْلَمُونَ، يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ فِي أَنْ يَسُود.

وَالمَلِكُ هُوَ صَاحِبُ الكَلِمَةِ الأولى وَالأخِيرَة. وَهُوَ يُمْسِكُ في يَدِهِ سُلْطَانَ الحَيَاةِ، وَسُلْطَانَ المَوْتِ، وَالحَقَّ فِي اتِّخَاذِ كُلِّ قَرَارٍ وَجَمِيعِ القَرَارَات. وَيَسُوعُ المَسِيحُ وُلِدَ مَلِكًا. وَهُوَ يَخْتَلِفُ عَنْ أَيِّ مَلِكٍ آخَر؛ وَبِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَلِكٌ. وَالفَرْقُ يَكْمُنُ فِي مَلَكُوتِهِ الفائِقِ، وَفِي جَلَالِهِ الفَائِقِ، وَفِي مَمْلَكَتِهِ الفَائِقَةِ، وَسُلْطَانهُ وَسُلْطَتِهِ وَقُدْرَتِه. وَلَكِنَّ مَتَّى يُرِيدُ مِنَّا تَحديدًا أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ يَسُوعَ مَلِك، وَأَنَّ وِلادَتَهُ كَانَتْ وِلادة مَلِك. لِذَا، فِي الأصْحَاحَيْنِ الأوَّلِ وَالثَّانِي، يُرَكِّزُ مَتَّى عَلَى الجَوَانِبِ المَلَكِيَّةِ لِوِلَادَةِ المَسِيح. وَهَذَا هُوَ مَا أُرِيدُ مِنْكُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَيْهِ مَعِي فِي هَذَا الصَّبَاح.

أوَّلاً، في الأصحاح الأوَّل والأعداد 1-17، نَقرأُ سِلسلةَ نَسَبِ يسوع. بعبارة أخرى، نجد هنا أسماءَ الأشخاصِ مِن آدم إلى ولادة المسيح. وما يريد مِنَّا مَتَّى أن نفهمه هو ميراث المسيحِ المُلوكِيّ. فأيُّ مَلِكٍ لا بُدَّ أن يكونَ له ميراثٌ مَلَكِيّ. ويجب أن يكون الملكُ مِن نَسَبٍ مَلَكِيٍّ أَصيل. ويجب أنْ تَسْرِي في عُروقِهِ دِماءٌ مَلكيَّة. ولكي يكون مؤهَّلاً للتَّرَبُّعِ على العرش، يجب أن يكون مَولودًا مِن سِلسلةِ نَسَبٍ مَلكيَّة طويلة. والحقيقة هي أنَّ هذا يَصِحُّ تمامًا على يسوع. ففي إسرائيل، كانَ العِرْقُ اليهوديُّ قد جاءَ مِن إبراهيم. فقد كانَ إبراهيمُ أبًا للشعب اليهودي. لِذا، مِن ناحية عِرقيَّة، كان ينبغي للمسيح أن يكون مِنْ نَسْلِ إبراهيم. وفي إطارِ نَسْلِ إبراهيم، كانَ النَّسْلُ الملكيّ قد ابتدأ بداوُد. لِذا، لكي يكون أيُّ شخصٍ مِنَ النَّسْلِ المَلَكِيِّ، ولكي يكونَ مِنَ العائلةِ المَلكيَّة، يجب أن يكون ابنًا لإبراهيم وابْنًا لداوُد.

وقد كانَ النَّسْلُ العِرْقِيُّ قد وُعِدَ به مِن خلال إبراهيم في سفر التَّكوين والأصحاح 12. وقد وُعِدَ بالنَّسْلِ المَلَكِيِّ مِن خلال داود في سفر صموئيل الثاني والأصحاح 7. لِذا، لكي يكونَ يسوعُ مُؤهَّلاً، يجب أن يكونَ ابنًا لإبراهيم، وابنًا لداود. وسِلسلةُ النَّسَبِ تبتدئ بهذه الكلمات في العدد الأوَّل: "كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ". وأهَمُّ اسْمَيْن في سلسلة النَّسب هذه ذُكِرا في البداية: إبراهيم (للنَّسْلِ العِرْقِيّ)، وداوُد (للنَّسْلِ المَلَكِيّ). ثُمَّ ابتداءً مِنَ العددِ الثَّاني، نَجِدُ توضيحًا أكثر تفصيلاً عن سِلسلة النَّسَبِ تلك ابتداءً مِن إبراهيم إلى داود في العدد 6، وُصولاً إلى المسيح في العدد 16. لِذا فإنَّ الربَّ يسوع هو ابنُ إبراهيم، وابْنُ داود. فهو يَستوفي الشَّرْطَ المَلَكِيّ. فلكي يَتَرَبَّعَ على العرش، كان ينبغي أن يكونَ مِنْ ذلكَ النَّسْلِ المَلَكِيّ.

والآن، أَوَدُّ أن أقولَ لكم إنَّ التَّفاصيلَ المذكورة في سلسلة النَّسب هذه مُهمَّة جدًّا. فَمَتَّى يكتب لِقُرَّاءٍ يهود يَهتمُّونَ كثيرًا بموضوع الأنساب. فَشَهادَةُ الميلادِ مُهِمَّة جدًّا بالنِّسبة إليهم. وثقافتُهم بأسْرِها تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ ذلك. فمثلاً، عندما جاءَ بنو إسرائيل إلى أرضِ كنعان وأعطاهُمُ اللهُ تلك الأرض ليُقيموا فيها، قَسَّمَ الأرضَ وأعطى منطقة مُعيَّنة لكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُم. لِذا فإنَّ السِّبْطَ الَّذي تَنتمي إليه يُمْلي عليكَ الأرضَ الَّتي ستسكُن فيها والأرضَ الَّتي ستمتلكها. وفي إطارِ المنطقة الخاصَّة بكُلِّ سِبْط، كانتِ العائلاتُ تَمتلك أجزاءً مُعَيَّنة مِنَ الأرض، وكانت صِلَةُ المَرْءِ بعائلته تُملي عليه أيْنَ يُقيم وأينَ تكونُ أرضُه. لذا فقد كانت سِلسلةُ النَّسَب مهمَّة جدًّا جدًّا لتحديد مكانِ إقامَتهم. وقد كانَ اسمُ السِّبْط والعشيرة والعائلة مُهِمًّا جدًّا لِفَهْم علاقةِ المرءِ بأرضِ فلسطين، وحُقوقِه وامتيازاتِه.

وحين كانتِ الحاجةُ تدعو إلى بيعِ الأرضِ أوْ نَقْلِ مُلكيَّتِها أو مُبادَلَتِها، كانَ ذلكَ يَستدعي معرفة شجرة العائلة للتحقُّق مِنْ هُويَّةِ الشَّخصِ الَّذي يمتلكها حَقًّا. وفي سنة اليوبيل، أي في السَّنة الخمسينَ حيثُ كانتْ مِلكيَّةِ الأرضِ تَرْجِعُ إلى العائلة الأصليَّة، كان ينبغي أيضًا للشخص الَّذي يُطالِبْ بِحَقِّهُ في قِطْعَةِ أرضٍ مُعَيَّنة بِحُكْمِ سِلسلةِ نَسَبِه أن يكونَ قادرًا على إثباتِ أنَّهُ مِنْ نَسْلِ أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ أُعْطِيَتِ الأرضُ لهم في الأصل. وعندما تَمَّ سَبْيُ بني إسرائيل إلى بابل في نَحوِ سنة 600 أو 586 قبل الميلاد، عاشوا في الأسر، وكانت أرضُهُم خَرِبَة، وَجُرِّدُوا مِنْ ملكِيَّتِهم. وفي نهاية فترةِ السَّبيِ الَّذي دامَ سَبْعينَ سَنة عادوا إلى الأرض. ويُخبرُنا عَزْرا أنَّهُ عندما أرادوا أنْ يُرَسِّخُوا وُجودَهُم في الأرضِ بعد غِيابٍ دامَ جِيْلاً أو جِيْلَيْنِ، كانَ لِزامًا على الناس أن يُثْبِتوا سِلسلةَ نَسَبِهِم مِن أجلِ المُطالبة بالأرض الَّتي كانت يومًا حَقًّا مَشروعًا لهم.

وعندما تَصِلُونَ إلى الأصحاحِ الثاني مِن إنجيل لوقا، والذي قرأتُ جُزءًا صغيرًا منه سابقًا، حَتَّى في ذلك الوقت، ذَهَبَ جميعُ اليهودِ في فلسطين إلى المكانِ الَّذي وُلِدَ أجدادُهم فيه لكي يُسَجِّلوا أسماءَهُم لغاياتِ جَمْعِ الضَّرائبِ الَّتي فَرَضَها عليهم الرُّومان. لِذا فقد كانوا يَهتمُّون كثيرًا بالعشيرة والعائلة والأنساب. فقد كان ذلك الأمرُ جُزءًا لا يَتجزَّأُ مِن حياتهم، وأمرًا ضروريًّا جدًّا ومُهمًّا جدًّا. وبالرَّغمِ مِن ذلك، يجب أنْ نُنَوِّهَ إلى أنَّ هذا الأمرَ باتَ مُخْتَلِفًا الآن. ولا يوجد يَهودِيٌّ يَعيشُ اليومَ على الأرض لديه أَدْنى فِكرة عن سِلْسلة نَسَبِه. فلا يوجد يَهودِيٌّ اليوم يَعرِف إلى أيِّ عَشيرة يَنتمي، وإلى أيِّ عائلة يَنتمي، والأرضَ الَّتي كانَ يَمْتَلِكُها لأنَّ كُلَّ السِجِلَّاتِ أُتْلِفَتْ في سنة 70 ميلاديَّة حينَ دُمِّرَتْ أورُشَليم على يَدِ تيطُس فاسباسيان (Titus Vespasian).

والشَّيءُ المُدهشُ بشأن ذلك هو أنَّ أيَّ شخصٍ يأتي اليوم ويَدَّعي أنَّهُ المَسِيَّا ابْنُ إبراهيم وابْنُ داود، وأنَّهُ يَنْتَمي شَرعيًّا إلى ذلكَ النَّسْل لا يستطيع في أيِّ حالٍ مِنَ الأحوال أن يُثْبِتَ صِدْقَ ادِّعائِه. لِذا فإنَّ آخِرَ مُدَّعٍ كانَ قادرًا على إثباتِ مَسيحانِيَّتِه في إسرائيل، وفي أنَّهُ المَلِك الموعود به مِنْ خلالِ داود هو يسوعُ المسيح. فلا يوجد شخصٌ آخر يَستطيع أنْ يَدَّعي أنَّهُ المَسيَّا وأنْ يُبَرْهِنَ على حَقِّهِ في اعْتِلاءِ العَرْش. فالمسيحُ هو المُدَّعي الأخير. وبعدَ موتِهِ بسنواتٍ قليلة، أُتْلِفَتْ جَميعُ السِّجِلَّات.

والنَّسْلُ المَلَكِيُّ المذكور هنا هو النَّسْلُ المَلَكِيُّ الَّذي يَمْتَدُّ إلى المسيح. وَمِنَ المُدهشِ أنَّ مَتَّى يُقَدِّمُ لنا سِلسلةَ نَسبِ يسوع مِنْ خلالِ أبيهِ يوسُف. ولوقا يُقَدِّمُ سلسلةَ نَسَبِهِ مِن خلالِ أُمِّهِ مَرْيَم. وقد يَهُمُّكُم أنْ تَعلموا أنَّ مَريمَ أيضًا كانت مِنْ نَسْلِ داود. فقد جاءت مِنِ ابْنِ داوُد "ناثان" الَّذي لم يَمْلِكْ يومًا، ولكنَّ الدِّماءَ المَلكيَّةَ كانت تَجري في عُروقِه. لِذا، مِنْ داود إلى ناثان وُصولاً إلى مَريم، هناكَ دِماءٌ مَلكيَّة. فَمَريم هي مِنْ نَسْلِ داود مِنْ خلالِ ابْنِهِ ناثان. ويجب ألَّا نَخْلِطَ بينَهُ وبينَ النبيِّ ناثان. لِذا، مِنْ خلالِ مَريم (لاحِظوا ما سأقول) فإنَّ يسوعَ هُوَ الابْنُ الحَقيقيُّ لداود لأنَّ مَريمَ كانت أُمَّهُ.

والحقيقة هي أنَّهُ كما نَعلمُ مِن خلالِ دراستنا السابقة، فإنَّهُ وُلِدَ مِن عذراء. فيوسُف لم يكن له أيُّ دورٍ في ولادَتِه. فيوسُف لم يَزْرَع أيَّ بِذرة في جَسَد مَريم. بل إنَّها زُرِعَتْ مِنْ روحِ الله. فقد كانت مَريمُ وحدُها هي مَصْدَرُ وِلادَتِه البشريَّة. لذا، كان لا بُدَّ أن تكون هي أيضًا مِنْ نَسل داود، وإلَّا لما وُلِدَ مِنْ دَمٍ مَلَكِيّ. مِن جهة أخرى، كانَ نَسْلُ يوسُف هُوَ النَّسْلُ الَّذي لَهُ الحَقُّ الشَّرعِيُّ في التَّرَبُّعِ على العرش. وقد كان ذلك يحدث دائمًا مِن خلال الأب. لِذا، كان ينبغي أن يكونَ له أبٌ مِنْ نَسْلِ داوُد أيضًا. وليس فقط مِنْ نسل داود، بل منْ نسل داود مِن خلال ابنِهِ سُليمان لأنَّهُ مِنْ نَسْلِ سُليمان جاءَ النَّسْلُ الحاكِم. لِذا فقد حَصَلَ يسوعُ على دَمِهِ الملكيِّ مِن خلال مريم، وعلى حَقِّهِ الشَّرعيِّ في اعتلاءِ العَرْشِ مِن خلالِ يوسُف. ومعَ أنَّ يوسُف لم يكن له أيُّ دَوْرٍ في ولادته لأنَّهُ وُلِدَ مِنْ خطيبة يوسُف (أيْ: مَرْيَم)، فقد كانَ ابنًا ليوسُف شرعيًّا. لِذا فقد كانَ يَمْلِكُ الحَقَّ في أنْ يَحْكُمَ بوصفِهِ مَلِكًا.

وقد قيلَ إنَّهُ لو كان هناكَ مَلِكٌ، مَلِكٌ شَرعيٌّ، في إسرائيلَ، أو في فلسطين، في زمنِ يوسُف، كانَ ينبغي أن يكونَ يوسُف. فقد كانَ يوسُف الوريثَ الشَّرعيَّ. لِذا فإنَّ سِلسلةَ نَسَب مَتَّى تَذْكُرُ يوسُف لأنَّهُ كانَ يَمْلِكُ حَقًّا شَرعيًّا في اعْتِلاءِ العَرْش. وهذا الحَقُّ يأتي مِنْ خِلالِ أبيه. ولوقا يَذْكُرُ ذلك مِنْ خلالِ مَريم لكي نَعلمَ أنَّهُ كانَ يَمْلِكُ لا فقط حَقًّا شَرعيًّا، بل حَقًّا حَقيقيًّا لأنَّ دِماءَ داوُد كانَت تَجري في عُروقِه. ولاحظوا التَّركيزَ في العدد 16: "وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ". ويَعقوبُ هذا يَختلف عن يعقوب المَعروف بأنَّهُ واحِدٌ مِنَ الآباءِ في العهدِ القديم. فهو اسمٌ يهوديٌّ شائِع. ونحنُ لا نَعرفُ شيئًا عن هذا الرَّجُل. ولكِنَّنا نَقرأُ: "وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِــي وُلِدَ مِنْهَا..." [والضَّميرُ هُنا يَرِدُ بصيغةِ المُؤنَّث في النَّصِّ اليونانيِّ إشارةً إلى مَريمَ فقط] "...الَّتِــي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ". فالكِتابُ المُقدَّسُ لا يَذْكُرُ البَتَّة أنَّ يُوسُفَ قامَ بأيِّ دَوْرٍ سِوى أنَّهُ كانَ زَوْجَ مَريم. فهو لا يَذْكُرُ البَتَّة أنَّهُ أبو يَسوع. والعبارة "الَّتي وُلِدَ مِنها" تَرِدُ بصيغةِ المُؤنَّث. وهي تُشيرُ فقط إلى مَريم وتُرَكِّزُ على الولادةِ مِنْ عَذراء.

والآن، أريدُ منكم أنْ تَرَوْا شيئًا مُهمًّا جدًّا ينبغي أنْ تَفهموه. فسوفَ تُلاحظون في العددَيْن 10 و 11 أنَّ لدينا مَجموعةً مُتتابعةً مِنَ الأسماء. وحينَ نَصِلُ إلى العدد 11، نَقرأُ: "وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ"، وَهَلُمَّ جَرَّا. وفي مُنْتَصَف سِلسلة النَّسب هذه، سلسلة النسب المَلكيَّة هذه، وسلسلةَ الأشخاصِ الَّذينَ كانَ يَحِقُّ لهم أنْ يَتربَّعوا على العرش، هناكَ مَلِكٌ يُدعى "يَكُنْيا". وقد كانَ يَكُنْيا رَجُلاً شِرِّيرًا. وَهُوَ يُدعى أيضًا: "يَهوياكين". وقد كانَ رَجُلاً شِرِّيرًا. وفي نُبوءة إرْميا 22: 30، تَقولُ كلمةُ الربِّ ما يَلي عن يَكُنْيا: "اكْتُبُوا هذَا الرَّجُلَ عَقِيمًا". بأيِّ مَعْنى؟ "رَجُلاً لاَ يَنْجَحُ فِي أَيَّامِهِ، لأَنَّهُ لاَ يَنْجَحُ مِنْ نَسْلِهِ أَحَدٌ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَحَاكِمًا بَعْدُ فِي يَهُوذَا".

والآن، لقد قالَ اللهُ إنَّهُ لن يكونُ ليَكُنْيا ابْنٌ يَمْلِك يومًا في فِلَسطين أو إسرائيل. فلن يكون هناك وَلَدٌ لَهُ يَمْلِكُ على عرشِ داود. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ يَكُنْيا هو مِنَ النَّسْلِ المَسِيحانِيّ. إذًا، كيفَ يُمْكِن أن يكونَ يسوعُ الملك إنْ لم يأتِ مِنْ نَسْلِ يَكُنْيا المَلَكِيّ؟ وكيفَ يُمكن أن يكونَ الملك إنْ كانَ نَسْلُ يَكُنْيا قد لُعِنْ؟ قد تبدو هذه مُعضلة لا حَلَّ لها، ولكنَّنا نَجِدُ حَلَّها في الولادةِ مِنْ عذراء. فَمِنْ خلالِ ذلك النَّسْل، حَصَلَ يسوعُ على حَقِّهِ الشَّرعيِّ في اعتلاءِ العرش، ولكنَّهُ لم يكن مِنْ نَسْلِ يَكُنْيا لأنَّ ذلكَ النَّسْلَ قد لُعِن، ولأنَّ يَكُنْيا لم يكن سَيُنْجِبُ طفلاً يَعتلي عرشَ داود. لِذا فقد وُلِدَ المسيحُ مِن عذراء. فلم تكن هناكَ أيُّ شائبة مِنْ دَمِ يَكُنْيا فيه لأنَّهُ لم تَكُنْ فيهِ أيُّ نُقطة مِنْ دَمِ يوسُف أيضًا.

لِذا، مِن خلالِ عَمَلِ اللهِ البَديع، فإنَّ اللَّعْنَةَ الَّتي نَزَلَتْ على يَكُنْيا لم تُصِبْ يَسوعَ لأنَّهُ لم يأتِ مِنْ نَسْلِ يوسُف، بل وُلِدَ مِنْ عذراء. ولكِنْ كانَ مِنَ المُهِمِّ أنْ يكونَ مِنَ النَّسْلِ الشَّرعيِّ لِيَكُنْيا لأنَّ نَسْلَ داودَ ذاكَ كانَ الوحيدَ الَّذي يَمْلِكُ الحَقَّ في المُلْك. فقد تَمَّ الاعتناءُ بِكُلِّ التَّفاصيلِ بِدقَّة. لذا فإنَّ مَتَّى يُريدُنا أنْ نَفهمَ أنَّ يسوعَ لديهِ سِلسلة نَسَب تُؤكِّد أنَّهُ مِنْ نَسْلٍ مَلَكِيّ. فهو مَلِكٌ بِحَقّ، وقد وُلِدَ مِنْ نَسلٍ مَلكيّ، وتجاوَزَ لَعنةَ يَكُنْيا مِنْ خلالِ ولادَتِهِ مِنْ عذراء. لذا فإنَّهُ يَمْتِلِكُ أوراقَ اعتمادٍ لا تَشوبُها شَائِبَة. إذًا فقد رأينا ما يَختصُّ به مِنْ جِهَة نَسَبِهِ المَلَكِيّ.

ثانيًا، أَوَدُّ أنْ أتحدَّثَ عن طبيعَتِهِ المُلوكيَّة ... أو عن شخصيَّتِه المُلوكيَّة. فالمَلِكُ يَصيرُ مَلِكًا لا فقط بسببِ نَسَبِهِ المَلَكِيِّ، بل أيضًا بسبب طَبيعَتِه وشخصيَّتِه. فإذا فَكَّرْتَ في القِصَصِ الَّتي قَرأتَها والأفلامِ الَّتي شاهَدتَها، رُبَّما تتذكَّر أنَّ المُلوكَ غالبًا ما يُشار إليهم بالعبارة "صَاحِب العُطوفَة". هل سَمِعْتُم ذلك؟ ونحنُ لا نَعرِفُ الكثيرَ عنِ المُلوكِ في مُجتمَعِنا. فنحنُ أُمَّةٌ تَمَرَّدنا على الحُكْمِ المَلَكِيِّ. والمُلوكُ ليسوا جُزءًا مِنْ فَهْمِنا. ولكِنَّ الشيءَ الَّذي ينبغي أن تتذكَّروه بشأن الملك هو أنَّ الملك كان الحاكِمَ الأعلى. انْسُوا أَمْرَ المحكمة العُليا، وانْسوا أمرَ مَجلسِ النُّوَّاب، وانسوا أمرَ التَّشريعاتِ على مُستوى الحُكومة، وحاولوا أنْ تتخيَّلوا أنفسَكُم في موقفٍ يَحْكُمُ فيهِ رَجُلٌ واحدٌ بصورة مُطْلَقَة ومُنفردة، وحينئذٍ ستُدركونَ مَعنى أنْ تكونوا خاضِعينَ لِمَلِك. فالملكُ هو السُّلطة الوحيدة والمُنفردة والحاكِم الوحيد على الشَّعب. وبالمُناسبة، هذا هو أفضلُ شَكْلٍ للحُكْمِ إنْ كانَ يَمْلِكُ عليكم مَلِكٌ صالِح. ولكِنَّهُ أَسوأُ شَكْلٍ للحُكْمِ إنْ كانَ يَمْلِكُ عليكم مَلِكٌ شِرِّير. وهو شَكْلُ الحُكْمِ الَّذي سنَعيشُ فيه في المُلْكِ الألفيِّ وطَوالَ الأبديَّة حيثُ سيكونُ هناكَ مَلِكٌ واحدٌ، اللهُ نَفسُهُ، كما هُوَ ظَاهِرٌ في المسيحِ والرُّوحِ القُدُس.

ولكِنَّ المَلِكَ كان الحاكِمُ الأعلى. وقد كان يَمْلِكُ الحَقَّ في أنْ يَحْكُمَ بالحياةِ أوِ الموت. فَمِنْ خلالِ حِكْمَتِهِ أو حَماقَتِهِ، ومِن خلالِ عدالَتِه أو مُحاباتِهِ، يمكنهُ أنْ يَحْكُمَ بالحياةِ أوِ الموت على أيِّ شخصٍ في أيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. لِذا فقد كانَ المُلوكُ مَصْدَرَ النِّعْمَة. فإنْ أردتَ رَحْمَةً، فإنَّكَ تَسْجُدُ أمامَ المَلِك وَتَطلُبُ الرَّحمة. وإنْ أردتَ نِعْمَةً، فإنَّكَ تَسْجُدُ أمامَ المَلِك وَتَطلُبُ النِّعمة. لِذا، كانَ الملكُ الصَّالِحُ والنَّبيلُ والعادِلُ والبارُّ مَلِكًا مَعروفًا برحمتِه، ولُطْفِه، ومحبَّتِه، ونِعمتِه لأنَّ الملكَ هو مَحكمةُ الاستئنافِ الَّتي يَنْبَغي لجميعِ مَنْ يَطلبونَ الرَّحمة أنْ يَلتجئوا إليها لأنَّهُ يَمْلِكُ السُّلطانَ في أنْ يَحْكُمَ بالحياةِ أوِ الموت. وكما تَرَوْن، حينَ تَنظرونَ إلى سِلسلةِ النَّسَبِ تلكَ سَتُدركونَ أنَّ يسوعَ سيكونُ مَلِكًا مُنْعِمًا. فلا شَكَّ في ذلك. فهو سيكونُ مَلِكًا يَستطيعُ الخُطاةُ أنْ يَلتجئوا إليه طَلبًا للسَّماحِ، والمَغفرة، والإحْسان. وهو سيكونُ مَلِكًا يَستطيعُ الأشخاصُ الَّذينَ تَعَدَّوْا على شَرائِعِهِ وَاحْتَقَروا اسْمَهُ أنْ يَلتجئوا إليهِ طَلَبًا للمَغفرة.

وكيفَ نَعلمُ ذلك؟ إنَّهُ واضِحٌ حَتَّى مِن خلالِ سِلسلة نَسَبِة. وهل تَسْمَحونَ لي أنْ أُريكم لماذا؟ انظروا إلى العدد 16. فنحنُ نقرأ أنَّ يسوعَ وُلِد مِن مريم ... مِن مريم. ونحنُ نَجِدُ هنا أنَّهُ تَمَّ اختيار امرأة واحدة مِن كُلِّ العالم مِنْ نسل داود لتكونَ أُمَّ مَلِكِ الملوكِ ورَبِّ الأرباب. والشيءُ المُمَيَّز في هذا هو أنَّ مريمَ لم تكن بلا خطيَّة. فمريم لم تكن امرأةً كاملة. وهي لم تكن امرأةً بلا خطيَّة. فقد كانت خاطئةً كجميعِ الرِّجالِ الآخرين والنِّساءِ الأُخْرَيات. وقد كانت بحاجة إلى الخلاصِ مِنَ الموتِ وَجَهنَّم كجميعِ الرِّجالِ والنِّساء. وقد كانت سَتَقْضي مَصيرَها الأبديَّ مِنْ دونِ الله لو لم تَتَّكِل على اللهِ، ولم تُؤمن بالله، ولم تَقبل ابْنَها المُخَلِّصَ، الربَّ يسوعَ المسيح. ومِنَ الواضِحِ مِن خلالِ سِجِلِّ العهد الجديد أنَّ مريم لم تكن تتمتَّع بقداسة خاصَّة، وأنَّ حَياتَها لم تكن مُقَدَّسة بصورة فريدة.

فمثلاً، في إنجيل مَرقُس 3: 31، كانَ يَسوع يُعَلِّم في بيت، فجاءَت أُمُّهُ وجاءَ إخوَتُه. وقد وَقَفُوا خَارِجًا وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَدْعُونَهُ. فقد أرادوا أنْ يُكَلِّموه. "وَكَانَ الْجَمْعُ جَالِسًا حَوْلَهُ، فَقَالُوا لَهُ: «هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ خَارِجًا يَطْلُبُونَكَ». فَأَجَابَهُمْ قِائِلاً [وهذا مُدهِش]: «مَنْ أُمِّي وَإِخْوَتِي؟» ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى الجَالِسِينَ وَقَالَ: «هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي، لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي»".

والآنْ، لو كانت مَريم شخصًا بلا خطيَّة لما قال: "مَنْ أُمِّي وَإِخْوَتِي؟" ولما قال: "مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي". فلو كانت أُمُّهُ شخصًا فريدًا، ومُمَيَّزًا، وقُدُّوسًا، وبلا خطيَّة، لكانَ قَدْ فَرَزَها عنِ الآخرين. والحقيقة هي أنَّها لو كانَتْ كذلكَ وَدَعَتْهُ، لَخَرَجَ إليها حالاً وفَعَلَ ما أَرادَتْهُ مِنْهُ لأنَّهُ كانَ سَيَعلَمُ آنذاك أنَّ أيَّ شيءٍ يَخْرُج مِنْ فَمِها (بوصفِها شخصًا كاملاً) سيكونُ مَشيئةَ اللهِ الكاملة.

ولكِنَّهُ تَجاهَلَ أُمَّهُ. وهذا يعني أنَّ ما تَقولُهُ أُمُّهُ لا يمكن أنْ يَعلو على ما يَقولُهُ هُوَ. وهذا يعني أنَّ أُمَّهُ أَقَلُّ شأنًا منه. ولأنَّهُ كامِلٌ، لا بُدَّ أنَّها غير كاملة. والحقيقة هي أنَّهُ قالَ إنَّ أيَّ شخصٍ وكُلَّ شخصٍ يَصنع مشيئةَ اللهِ يُعادِلُ أُمَّهُ وأُختَهُ وأخاه. وهذا يَضَعُ مَريَم في مَرْتَبَةِ جميعِ البشرِ الآخرين. وهذا يعني أنَّهُ مِن خلالِ إيمانِنا بالمسيح، ومِن خلالِ طاعَتِنا لكلمةِ الله، فإنَّنا نَقْرِنُ أنفُسَنا به بالطَّريقةِ الصَّحيحة.

وَهُوَ يقول في الحقيقة: "لا يوجد امتيازٌ خاصٌّ لها لأنَّها أُمِّي البَشريَّة حينَ يَختصُّ الأمرُ بالأمورِ الروحيَّة. فهي أيضًا مُطالبة بالقيام بمشيئةِ الله". وَمِنْ فَمِ مَريم نفسِها (في إنجيل لوقا 1: 46)، مِنْ فَمِها نَفسِها (في ما يُعْرَف بتَسْبِحَةِ مَرْيَم) خَرَجَ نَشيدُ تَسْبيحٍ إذْ عَظَّمَتِ اللهَ قائلةً: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ". ثُمَّ في العدد 47: "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي". فَمَرْيَمُ لا تُخَلِّص أحدًا. بل إنَّها بحاجة إلى مُخَلِّص. وهي تقولُ: "اللهُ هُوَ مُخَلِّصي. فَهُوَ مَنْ يُخَلِّصُني مِنَ الخطيَّة".

ومعَ أنَّ مَريمَ هي أفضلُ الخُطاةِ [إنْ جازَ القَوْل]، وأَشْرَفُ فَتاةٍ، وأجملُ عَذراء لأنَّهُ لا بُدَّ أنَّها كانت أروعَ فَتاةٍ مِن جميعِ الأوجُه؛ ولكنَّها كانت بحاجة إلى مُخَلِّص. وحَقيقةُ كونِها الأُمَّ الطبيعيَّة الأرضيَّة ليسوعَ لم يَكُن يُعطيها الحَقَّ في المُطالبة بأيِّ امتيازٍ رُوحيٍّ أوْ في المُطالبة بوقتِ المسيحِ أو اهتمامِهِ أو حَياتِهِ. فقد كانت خاطئةً بحاجة إلى مُخَلِّص. وألا تَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ الرَّائعِ أنَّ مَلِكَ المُلوكِ ورَبَّ الأربابِ سَمَحَ لفتاةٍ خاطئةٍ أنْ تكونَ أُمَّه الأرضيَّة؟ أجل، فهو مَلِكٌ مُنْعِمٌ. وحتَّى قبلَ أنْ يُولَد، يمكنكم أنْ تَرَوْا نِعمَتَهُ إذْ إنَّهُ رَتَّبَ أَمْرَ أُمِّهِ واخْتارَ فتاةً خاطئةً.

أمَّا الجانبُ الثَّاني لشخصيَّتِهِ المَلكيَّة الَّتي نَراها فيما يَختصُّ بنِعمَتِهِ، وشخصيَّتِه، وطبيعَتِه فَيَنْبُعُ لا مِنِ اختيارِ امرأةٍ واحدةٍ فحسب، بل أيضًا مِنَ اختيارِ رَجُلَيْن. فنحنُ نقرأ في العدد الأوَّل أنَّهُ ابْنُ داود، ابْنُ إبراهيم. وإنْ كنتم تَعرِفونَ أيَّ شيءٍ عن إبراهيم، لا بُدَّ أنكم تعرفون أنَّ إبراهيم كانَ رَجُلاً خاطئًا. ولكِنَّهُ دُعِيَ خَليل

اللهِ. وهناكَ أمورٌ مُدهشة عن إبراهيم. فقد كانَ رَجُلاً عَظيمَ الإيمان وآمَنَ بالله. ولكِنَّهُ كانَ أيضًا رجُلاً خاطئًا. وقد كَذَبَ بصورة واضحة ومقصودة بخصوصِ زوجَتِه لكي يَحميها حينَ كانا في مِصْر.

وقد شَكَّ في قُدرةِ اللهِ واقترفَ الزِّنا لأنَّهُ لم يُصَدِّق أنَّ اللهَ قادرٌ أنْ يُعطيهِ ابْنًا. لِذا فقد ذهبَ وأقامَ علاقةً معَ أَمَتِه خارِجَ نِطاقِ الزَّوجيَّة وأنجبَ إسماعيلَ، وَهُوَ طِفْلٌ مَلْعونٌ مِنْ أوْجُهٍ عديدة. إذًا فقد كانَ إبراهيمُ رَجُلاً خاطئًا: كاذبًا، وشَكَّاكًا، وزانيًا. وقد كانَ ابْنُهُ إسحاقَ (الَّذي ذُكِرَ أيضًا في سِلْسِلَةِ النَّسَبِ الَّتي جاءَ مِنْها المسيح) خَيبةَ أملٍ كبيرة. فقصَّةُ إسحاق هي قِصَّةُ ضُعْفٍ. وهي قِصَّةُ خيبةِ أمل. وهي قِصَّةُ رَجُلٍ فَشِلَ أساسًا في القيامِ بعملِ الله. وبالرَّغمِ مِن ذلك، كانَ إبراهيمُ المَصْدَرَ البشريَّ الَّذي جاءَ مِنْهُ المسيح. ونحنُ نَرى نِعمةَ اللهِ مَرَّةً أخرى مِنْ خلالِ اختيارِ إبراهيم.

وماذا عن داود؟ معَ أنَّ داود كانَ رَجُلاً بحسب قلبِ الربّ، كانَ أيضًا معروفًا جدًّا بخطيئته. فقد عاشَ حياةً مُمتلئة بالخطيَّة. فقد كانَ رَجُلَ دِماء إذْ خاضَ حُروبًا كثيرة واشتركَ في مَذابِحَ كثيرة، وقَتَلَ كَثيرين. وقد زَرَعَ بُذورَ الخَلاعَةِ بأنْ تَزَوَّجَ مِنْ نِساءٍ عديدات. وقد كانَ أبًا فاشلاً ففقدَ أبناءَهُ، وسَمَحَ لهم أنْ يَقعوا في فَخِّ الخلاعة، والشَّرّ، وحَتَّى التمرُّد. وقد أخطأَ جِدًّا حينَ اقترفَ الزِّنى معَ بَثْشَبَع وقَتَلَ زوجَها. وقد تَظاهَرَ بالجُنون في إحدى المَرَّاتِ لأنَّهُ شَكَّ في اللهِ وتَصَرَّفَ كالمَجنون لكي يَنْجو مِنْ مَوقفٍ ظَنَّ أنَّ اللهَ لن يتمكَّنَ مِنْ إنقاذِهِ مِنْه.

وقد كانَ ابْنُهُ سُليمان أسوأَ مِنه إذْ إنَّهُ فاقَهُ جِدًّا في الحَماقَةِ لأنَّهُ تَزوَّجَ مِنْ نِساءٍ كثيرات، وكانت لديهِ مَحْظِيَّات كثيرات جِدًّا. وبسببِ كثرةِ النِّساءِ الأجنبيَّاتِ اللَّاتي شَغَلْنَ فِكْرَهُ، وكثرةِ انْشِغالِهِ بالغِنى والثَّروة، تَرَكَ المملكةَ كُلَّها تَنغمس في الشَّرِّ إلى أنِ انقسمت أخيرًا إلى قِسْمَيْن. وبالرَّغمِ مِن هذا كُلِّه فإنَّ إبراهيمَ وإسحاق وداود وسُليمان كانوا مِنَ النَّسْلِ المَلكيّ. فَهُمْ مِنَ النَّسْلِ الَّذي جاءَ مِنْهُ المسيَّا. وهذا يُشيرُ إلى نِعْمَةِ الملك. فشخصيَّةُ المَلِك هي شخصيَّةٌ تَفيضُ بالنِّعْمَة.

والأمرُ لا يَقتصِر على وجودِ امرأةٍ واحدةٍ ورَجُلَيْنِ فقط، بل إنَّنا نَقرأُ عن ثلاثِ حِقَبٍ زَمنيَّةٍ هُنا. فسِلسلةُ النَّسَبِ هذه تَحْوي ثلاثَةَ أقسامٍ يَحوي كُلُّ قِسْمٍ مِنْها على أربعةَ عَشَرَ اسْمًا. فالمجموعةُ الأولى تَحوي أربعةَ عَشَرَ اسْمًا. والمجموعةُ الثانيةُ تَحوي أربعةَ عَشَرَ اسْمًا. والمجموعةُ الثالثةُ تَحوي أربعةَ عَشَرَ اسْمًا. والمجموعةُ الثالثةُ تَنتهي باسمِ المسيح. وفيما يَختصُّ بِكُلِّ اسْمٍ مِن هذه الأسماءِ الأربعةَ عَشْر فإنَّنا لا نَعلمُ سببَ اختيارِ اللهِ للرَّقْم 14. ونحنُ لا نَدري ما هي خُطَّتُه هُنا. ولكِنَّ كُلَّ مَجموعة مِن هذه المجموعاتِ الثلاث تَشْمَلُ فترة زمنيَّة مُختلفة. فالأسماءُ الأربعةُ عَشْر الأولى تَضُمُّ الآباءَ الأوائلَ: إبراهيم، وإسحاق، ويَعقوب، وَهَلُّمَّ جَرَّا، والقُضاةَ إذْ إنَّنا نَجِدُ القُضاةَ المَعروفينَ في هذه المجموعة. والمجموعةُ الثانيةُ الَّتي تَضُمُّ أربعةَ عَشَرَ اسْمًا تَضُمُّ الملوكَ، أو سلسلة المُلوكِ مِثْلَ داوُد، وسُليمان، وَرَحَبْعَام، وأَبِيَّا، وَآسَا، وَيَهُوشَافَاط، وَيُورَام، وَعُزِّيَّا، وَيُوثَام. فهؤلاءِ جميعًا مُلوك.

والمجموعةُ الثالثةُ الَّتي تَضُمُّ أربعةَ عَشَرَ اسْمًا تُشيرُ إلى فَترةِ السَّبْي. فالفترةُ الأولى تُشيرُ إلى زَمَنِ الآباءِ الأوائِل والقُضاة. والفترةُ الثانية تُشيرُ إلى زَمَنِ المُلوك. والفترةُ الثالثة تُشيرُ إلى الفترة الواقعة بين السَّبْيِ البابليّ إلى مَجيءِ المسيح. وهذه فترة تَمتدُّ نحو 600 سنة ولا نَعرفُ سِوى القليل جدًّا عنها. والأسماءُ المذكورة في هذه المجموعة مَجهولة بالنسبة إلينا. فنحنُ لا نَعرفُ عنهم شيئًا البَتَّة. فهي أسماءٌ مِثْلَ: أَبِيهُود، وَأَلِيَاقِيم، وَعَازُور، وَصَادُوق، وَأَخِيم، وَأَلِيُود، وَآخرينَ في هذه اللَّائحة. فنحنُ لا نَعْلَم مَنْ يكونون. فَهُمْ مَجهولونَ بالنِّسبة إلينا. ونحنُ لا نَعرفُ شيئًا عنهم. فَهُمْ أُناسٌ مَجهولون.

وقد كانَ زَمَنُ الآباءِ الأوائلِ والقُضاة زَمَنَ خَطيَّة. فقد كانوا جميعًا خُطاة. وقد كانَ زَمَنُ المُلوكِ زَمَنَ انْحدارٍ، وتَقَهْقُرٍ، وارتدادٍ، وَسَبْيٍ، ودَمار. وَمِنَ السَّبْيِ إلى مَجيءِ المسيح، كانَ الزَّمَنُ زَمَنَ شَرٍّ، وزَمَنَ ضَلالٍ، وزَمَنَ عَداوَةٍ، وزَمَنَ حَرْبٍ في أرضِ فِلَسطين. فكُلُّ هذه الأزمنة هي أزمنةٌ تَختلطُ فيها الأشْجانُ والأمجاد، وأزمنةُ بُطولاتٍ وهَوان، وأزمنةُ أُناسٍ مَشْهورينَ وأُناسٍ مَجْهولين.

ولكِنَّنا نَرى قَاسِمًا مُشترَكًا بينَ جميعِ هذهِ الأسماءِ وهو أنَّهُم جميعًا كانوا أُناسًا خُطاةً عاشوا في أزمنةٍ خاطئةٍ. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فقد تَمَّ اخْتيارُهُم ليكونَ لَهُمْ دَوْرٌ في نَسَبِ المَسيح. لِذا، سَواءٌ كُنَّا نَتحدَّثُ عن امرأةٍ واحدةٍ هي أُمُّ المسيح، أوِ الرَّجُلانِ المَشهورانِ في سِلسلةِ نَسَبِه، أوْ عنِ الحِقَبِ الزَّمنيَّة الثَّلاثِ في التَّاريخ، فإنَّ هذه الأمور جميعَها تُشيرُ إلى نِعْمَةِ المَلِك الَّذي أَظْهَرَ (حَتَّى قَبْلَ أنْ يُوْلَد) نِعْمَتَهُ مِنْ خلالِ اختيارِ هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذينَ سيكونونَ أَجْدادَهُ.

ولكِنَّ الأمرَ يَتَّضِح أكثر فأكثر مِن خلالِ النَّظَرِ أخيرًا إلى أربعةِ أشخاصٍ مَنْبوذين ... أربعةِ أشخاصٍ مَنْبوذين، أو تَحديدًا إلى أربعِ نِساءٍ خاطِئاتٍ أَظْهَرَ اللهُ نِعْمَتَهُ لَهُنَّ. فهناكَ أربعُ نِساءٍ في سِلسلةِ نَسَبِ المسيح يَمْتَزْنَ بإدْراجِ أسمائِهِنَّ. الأولى مَذكورة في العدد الثَّالث في عَهْدِ الآباءِ الأوائل، وهي امرأةٌ اسْمُها "ثامار". فنحنُ نَقرأُ في العدد الثَّالث: "وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارِصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَار". ويجب عليكم أنْ تَفهموا ما حَدَثَ في تَكْوين 38. وإنْ خَصَّصْتُمْ وقتًا لقراءةِ ذلكَ الأصحاح، اقرأوا ذلكَ بعناية. فثامار اقْتَرَفَتِ سِفاحَ القُرْبَى فَوَلَدَتْ فارِص وزارَح مِنْ زِنَى المَحارِم، مِنْ خَطيئةِ زِنى المَحارِم المُريعَة. فقد كانت مُذْنِبَةً باقترافِ الزِّنى، زِنَى المَحارِم، وولَدت ابْنَيْنِ مِنْ زِنَى المَحارِم. وهي ليست فقط في النَّسْل، بل إنَّ ابْناها في النَّسْلِ أيضًا. ولا شَكَّ في أنَّ هذا الأمرَ يُطْلِعُكُم على شيءٍ يَختصُّ بنعمةِ الله.

ثُمَّ تُلاحظونَ في العدد الخامس: "وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ". فهناكَ رَجُلٌ اسْمُهُ "سَلْمون" تَزَوَّجَ امرأةً كَنعانيَّةً، أوِ امرأةً وَثنيَّةً اسمُها راحاب. وقد كانت راحابُ زانيةً تُديرُ بَيْتَ دَعارَةٍ في أريحا. وإذا قَرأتُم بعناية قِصَّةَ يَشوع والأصحاح الثَّاني، ستقرأونَ عن راحاب الَّتي آمَنَتْ باللهِ الحقيقيِّ وَأَخْفَتْ الجاسُوسَيْنِ اللَّذَيْنِ جاءا للتَّجَسُّسِ على أريحا. ولكِنَّها كانت تَمْتَهِنُ الدَعارَة. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فقد وَرَدَ ذِكْرُ اسْمِها في نَسْلِ المسيح. وقد أُعْطِيَتْ امتيازَ وِلادةِ "بُوْعَز" الَّذي يَرْمِزُ في الحقيقة إلى الفادي نَفْسِه.

ثُمَّ إنَّ هناك امرأةً ثالثةً في سِلسلة نَسَب يسوع إذْ نَقرأُ في العدد الخامس أيضًا عن راعوث. وقد كانت راعوثُ أيضًا مُوآبيَّة. وكانَ المُوآبيُّونَ قد جاءوا كَشَعْبٍ مِنْ سِفاحِ القُرْبَى. وكانَ الشَّعبُ كُلُّهُ مَلعونًا. وقد خَرَجَتْ هذه المرأةُ مِنْ شَعْبٍ مَلعونٍ. وقد صَارَ اسْمُ هذه المرأةِ الوثنيَّةِ العابدة للأصنام مُدْرَجًا في نَسَبِ المسيح إذْ تَزَوَّجَتْ مِنْ وَلِيِّها بُوْعَز وصارت الجَدَّة الكُبرى لداوُد. لِذا فقد أخذَ اللهُ زانِيَتَينِ وامرأةً مُوآبيَّةً وَثَنِيَّةً عابدةً للأصنامِ وجَعَلَهُنَّ في سِلسلةِ نَسَبِ المَسيح.

ثُمَّ نَقرأُ شيئًا مُدهِشًا في العدد السَّادس: "وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الْمَلِكَ. وَدَاوُدُ الْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِــي لأُورِيَّا". وَمَنْ تكونُ هذه؟ إنَّها بَثْشَبَع. وهي (بِحَسَبِ ما جاءَ في سِفْر صموئيل الثَّاني والأصحاح 11) امرأة زانية. فقد قرأنا عن امرأتينِ زانِيَتَيْنِ، ومُوآبيَّة تَحْتَ اللَّعْنَة، وعنِ امرأة زانية أخرى. وبالرَّغمِ مِن ذلك فقد كانت أُمَّ سُليمان، زوجةَ داوُد. وهذا أمرٌ مُدهش! فنعمةُ اللهِ ظَهَرَتْ مِنْ خلالِ اختيارِ امرأة واحدة، ومِن خلالِ اختيارِ أَشْهَرِ رَجُلَيْن، ومِنْ خلالِ اختيارِ أشخاصٍ في هذه الحِقَب الزَّمنيَّة الثَّلاث، وفي اختيارِ أربعِ نِساءٍ مَنبوذاتٍ. فهو حَقًّا مَلِكٌ مُنْعِمٌ. وهو مِنْ نَسْلٍ مَلَكِيٍّ ويمتلك طبيعةً مَلَكِيَّة.

ثالثاً، وسوفَ أتحدَّثُ عن هذه النُّقطةِ بإيجاز. فنحنُ نَقرأُ في العدد 18 وما يَليه عن ولادَتِهِ المَلَكِيَّة. فقد كانَ يَمْلِكُ الحَقَّ في أنْ يكونَ مَلِكًا مِنْ خلالِ نَسَبِه. وقد كانَ يَمْلِكُ شَخصيَّةً تُؤهِّلُهُ ليكونَ مَلِكًا. فقد كانَ مُنْعِمًا. والآن، نَرى أنَّهُ كانَ يَمْلِكُ القُدرة على أنْ يكونَ مَلِكًا بسببِ ولادَتِهِ الفَريدة. فنحنُ نَقرأُ عن ولادَةِ يسوعَ المسيحِ في العدد 18 ما يلي: "لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ" ... لَمَّا كانت مَخطوبةً لَهُ. وبالمُناسبة، كانَتْ تلكَ خِطْبَة مُلْزِمَة بِعَقْدٍ شَرْعِيّ، وليست خِطبة غير مُلْزِمَة كما هُوَ شائعٌ اليوم. فالنَّاسُ يَخْطِبونَ اليومَ ويُعيدونَ الخَواتِمَ إلى الطَّرَفِ الآخر مِنْ دُوْنِ تَرَدُّد. فهناكَ مَشاعِر فائضة في الخِطبة، ولكِنْ لا توجد شَرعيَّة مُلْزِمَة ... البَتَّة. فالخِطْبَة ليست شَرعيَّة اليوم. أمَّا في تلك الأيَّامِ فكانت شَرعيَّة. فقد كانَ هناكَ وَعْدٌ مُلْزِمٌ شَرْعِيًّا بحسب ما جاءَ في سِفْر التَّثنية 20: 7. وكانت فترةُ الخِطبة هذه تَتراوح بين تِسعةِ أشهُر وثمانية عَشَرَ شهرًا كَحَدٍّ أقصى. وكانتِ الغايةُ مِنْ فترةِ الخِطبة هي أنْ تُبَرْهِنَ الفَتاةُ على عُذْرِيَّتِها.

بعبارة أخرى، كانَ الشَّابُّ يَخْشى أنْ يَرْتَبِطَ بعلاقةٍ معَ فَتاةٍ فيَتزوَّجُها، ثُمَّ يَكتشِف أنَّها حامِلْ، ويُدرك أنَّهُ ليسَ أبَ الطِّفْل. ولكنَّهُ يكونُ الآنَ مُلْزَمًا بعلاقةِ زواج. لِذا، مِنْ أجلِ إثْباتِ عُذْرِيَّتِها لكي يَدْخُلا في تلك العلاقة وَهو مُتَحَقِّقُ مِنْ عِفَّتِها، ولكي يَتحقَّقَ المُجتمعُ كُلُّهُ مِنْ ذلك، كانت هناكَ فترةُ خِطْبَة تتراوحُ بين تسعة أشهر وثمانية عشرَ شهرًا لكي تُبَرهِنَ على عِفَّتِها، ولكي تُثْبِتَ أنَّها لم تَكُنْ حُبْلى. ثُمَّ يأتي الحَفْلُ الَّذي يَجْعَلُ الزَّواجَ قائمًا.

ولكِنْ في حالة يوسُف، كانَ مخطوبًا لمريم. ولكِنْ "قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا"، أيْ قبلَ إتْمامِ مَراسِمِ الزَّواج، أوْ قَبْلَ الحَفْلِ، أوْ قبلَ حُدوثِ علاقة جسديَّة بينهما: "وُجِدَتْ حُبْلَى". فقد تَحَقَّقَتْ أسوأُ مَخاوِفِه وَصُدِمَ صَدمةً كُبرى. ويبدو أنَّ هذه الفتاة الَّتي تُدعى "مَريم" كانت أجملَ فتاةٍ مِنْ حيث الشَّخصيَّة. ويبدو أنَّ هذا الأمرَ كانَ شيئًا لم يَخْطُر بِبَال يوسُف ولا واحد في المَليون. ولكِنْ في فترةِ خُطوبتهما قبلَ أنْ يَجتمعًا، اكتشفَ أنَّها حُبْلى. وقد كانت حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس. ولكِنَّ يوسُف لم يكن يَعْلَمُ ذلكَ بعد. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العدد 19: "فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارًّا [فقد كانَ رَجُلاً نَبيلاً]، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا".

فقد سَمَحَتْ شريعةُ اللهِ في حالةٍ كهذه بالطَّلاق. ففترةُ الخِطبة المُلْزِمَة قانونيًّا يُمْكِن أنْ تُفْسَخ. وقد كانَ يوسفُ بارًّا ونَبيلاً. وقد كانَ مِنْ حَقِّ الرَّجُلِ البارِّ والنَّبيلِ أنْ يَفعلَ ذلك حينَ تَخونُهُ الفتاةُ الَّتي وَضَعَ ثِقَتَهُ فيها والتي وَعَدَها بحياةٍ زوجيَّة عَفيفة. ولكِنَّهُ كانَ يُحِبُّها أيضًا. وفي غَمْرَةِ مَشاعِرِ المحبَّة وعدمِ التَّصديقِ بأنَّ امرأةً مِثلَ مَريم يمكن أنْ تكونَ حُبْلى مِنْ رَجُلٍ آخر، قَرَّرَ أنْ يَلْتَجِئَ إلى شَيءٍ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنَ التَّشْهيرِ بها أمامَ النَّاسِ جميعًا فَأرادَ أنْ يُطَلِّقَها سِرًّا. ورُبَّما كانَ القانونُ السَّاري آنذاك، الَّذي رُبَّما كانَ تَفسيرًا مُتهاوِنًا لما جاءَ في سفر التَّثنية والأصحاح 24، يَسْمَحُ بأنْ يُطَلِّقَها سِرًّا، لا أمامَ النَّاسِ جميعًا.

وقد كانَ يَمْلِكُ كُلَّ الحَقِّ في أنْ يُطَلِّقَها أمامَ النَّاسِ، وأنْ يَتَّهِمَها عَلَنًا بالزِّنى، وأنْ يُقاضيها ويُطَلِّقَها وَيُشَهِّر بها أمامَ النَّاسِ جميعًا حَتَّى يَكون ما فَعَلَتْهُ وَصْمَةَ عَارٍ طَوالَ حياتِها. ولكِنَّهُ لم يتمكَّن مِنْ فِعْلِ ذلك. لِذا فقد كانوا يَسْمَحونَ بمَراسِمْ طَلاق سِرِّيَّة بينَ شخصين بحُضورِ شاهِدَيْن فقط. وقد كانَ ذلكَ كَفيلاً بِفَسْخِ خِطْبَتِهِما دُوْنَ ذِكْرِ الأسباب. لذا فقد قَرَّرَ أنْ يَفعلَ ذلك. ولكِنْ قبلَ أنْ يَتمكَّنَ مِنْ فِعْلِ ذلك، نَقرأُ في العدد 20: "وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ". ونَجِدُ هُنا تَركيزًا مِنْ مَتَّى (مَرَّةً أخرى) على أنَّهُ لو كانَ هُناكَ مَلِكٌ في فِلسطين في ذلكَ الوقت، كانَ ينبغي أنْ يكونَ يُوسُف. "يا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ".

سوفَ أقولُ لكَ شيئًا يَفوقُ التَّخَيُّلَ ويَصْعُبُ عليك أنْ تَستوعِبَهُ. فخَطيبَتُكَ الَّتي تُحِبُّها حُبْلى. وأنتَ تَعْلَمُ مِنْ خلالِ مَلاكٍ في حُلْمٍ خارقٌ للطبيعة أنَّ هذا الحَبَلَ هو نتيجة مُباشِرة لعملِ الرُّوحِ القُدُس حَتَّى تَحْبَلَ بابْنٍ يُدْعى "يسوع" وَمَعْناهُ: "يُخَلِّص" إذْ إنَّهُ سيُخَلِّصُ الناسَ مِن خطاياهم. وأنَّ خطيبتكَ المَحبوبة تَحْمِلُ في أحشائِها مُخَلِّصَ العالم الَّذي حُبِلَ بِهِ مِنَ الله. لِذا فقد عَلِمَ يوسفُ أنَّها سَتَلِدُ مُخَلِّصًا. ولِوَضْعِ الأَمْرِ في سِياقِهِ الصَّحيح، فإنَّ مَتَّى يقول: "وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِــيِّ".

ويجب علينا أنْ نَفهمَ ذلكَ لأنَّهُ يُطابِقُ ما قالَهُ العهدُ القديم: "هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ". وهذا مُستحيلٌ جَسديًّا. ولكِنَّ العَذراءَ ستَحْبَلُ حَبَلاً خارقًا للطبيعة، "وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا". لِذا، لم يكن ينبغي لذلكَ الخَبَر أنْ يَكونَ صَدمةً لأيِّ شخصٍ لأنَّ العهدَ القديمَ تَنَبَّأَ عن ذلكَ بوضوح. "فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ، وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ [ثُمَّ لاحِظوا ما جاءَ هُنا:] وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ. وَدَعَا اسْمَهُ يَسُوعَ". فهو لم يُنْشِئ علاقةً معها البَتَّة إلى أنْ وُلِدَ ذلكَ الطِّفل حَتَّى لا يَظُنَّ أحدٌ أوْ يَفترِض أنَّهُ ابْنُ يوسُف. فقد بَقِيَتْ عَذراء إلى أنْ وُلِدَ الطِّفْل.

وبالمُناسبة، فإنَّ النَّصَّ يقولُ أيضًا إنَّها بعدَ أنْ وَلَدَتْ الطِّفْلَ لم تَعُدْ عَذراء. وهذا هُوَ قَصْدُ النَّصِّ الأصليِّ. لِذا، عندما يُصِرُّ النَّاسُ على بَقاءِ مَريمَ عَذراء فإنَّهم يُنكرونَ ما يَقولَهُ النَّصُّ بوضوحٍ تامّ. فَضْلاً عن ذلك، فإنَّ العهدَ الجديدَ واضحٌ بأنَّ مَريم أَنْجَبَتْ العديدَ مِنَ الأبناءِ مِنْ يوسُف، وأنَّهُ كانَ ليسوع إخوة وأخوات ذُكِرَتْ أسماؤُهم في النَّصِّ الَّذي قرأتُهُ مِنْ إنجيل مَرقُس والأصحاح الثالث. لِذا فقد أقامتْ مَريمُ علاقةً زوجيَّةً عاديَّةً مَعَ يوسُف وأنْجَبا أبناء آخرين، ولكِنَّ ذلكَ لم يحدث إلَّا بعدَ ولادةِ ابْنِ الله. فقد كانَ ميلادُهُ مُلوكِيًّا، يا أحبَّائي.

وقد تقول: "لكي تكونَ مَلِكًا، يجب أنْ تَجري في عُروقِكَ دِماءٌ مَلكيَّة". وماذا عَنْ دَمِ اللهِ [إنْ جازَ القول؟] وماذا عن أنْ تُوْلَدَ مِنَ الله؟ فاللهُ ليسَ لَهُ دَمٌ. ولكِنْ بالمَعنى الرُّوحِيِّ، ماذا عَنْ كَوْنِكَ مِنْ نَسْلِ اللهِ الَّذي هُوَ مَلِكُ جَميعِ المُلوكِ، مَلِكُ الكَوْن؟" إذًا، فالمسيحُ لم يكن فقط مِنْ نَسْلٍ مُلوكِيٍّ، ولم يكن يمتلك شخصيَّةً مُلوكيَّة فحسب، بل إنَّهُ وُلِدَ أيضًا ولادةً مُلوكيَّة لأنَّهُ وُلِدَ مِنَ الله. ونحنُ نَقرأُ في سِفْر إشعياء 7: 14: "وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا". فاللهُ ظَهَرَ في جَسَدٍ بشريٍّ. وقد وُلِدَ ولادةً مُلوكيَّة.

صَحيحٌ أنَّ المِذْوَدَ لم يكن مُلوكيًّا، وأنَّ الحظيرةَ لم تكن مُلوكيَّةً، وأنَّ المَواشي لم تكن مُلوكيَّة، وأنَّ الرُّعاةَ لم يكونوا مُلوكًا، وأنَّهُ لم يكن هناكَ أيُّ شيءٍ مُلوكِيٍّ في أيٍّ مِنَ الأحداثِ الَّتي جَرَتْ عندَ ولادةِ يسوع. ولكِنَّها كانت ولادةً مُلوكيَّةً لأنَّ الله الغَنِيَّ فَوْقَ كُلِّ غِنَى جاءَ كإنسانٍ فقير. فاللهُ المُمَجَّدُ أخذَ طبيعةً بشريَّة. واللهُ القُدُّوسُ مِنَ الأزل جاءَ مِنْ نَسْلٍ بشريٍّ خاطئ. ولكِنَّهُ كانَ بلا خطيَّة، كما هي حالُ شُعاعِ الشَّمسِ الَّذي يُشْرِقُ على مَكانٍ قَذِرٍ. فهو يَخْتَرِقُ ذلكَ المَكانَ القَذِرَ مِنْ دُوْنِ أنْ يتأثَّرَ بِهِ. فقداسةُ اللهِ الكاملة لَمَسَتْ خطيَّةَ الإنسانِ، وحَمَلَتْ أحزانَ الخاطئ، وعلى الصَّليبِ دَفَعَتْ أُجرةَ جميعِ الخُطاةِ. ويا لها مِنْ حَقيقة! فولادَتُهُ كانت مُلوكيَّة. إنَّها ولادة مُلوكيَّة، وولادة عَظيمة. ولا توجد ولادة أخرى في تاريخِ الكَوْنِ تُشْبِهُها.

لِذا فإنَّ مَتَّى يقولُ إنَّهُ مَلِكٌ مِنْ خلالِ سِلسلةِ نَسَبِهِ المَلَكِيِّ، وإنَّهُ مَلِكٌ بطبيعَتِهِ المَلكيَّة، وإنَّهُ مَلِكٌ مِنْ خلالِ وِلادَتِهِ المَلكيَّة. رابعًا، إنَّهُ مَلِكٌ مِنْ خلالِ عِبادَتِهِ كَمَلِك. وَمَتَّى يَتحدَّثُ عن ذلك في الأصحاحِ الثاني. ونحنُ لا نَمْلِكُ الوقتَ الكافي للغَوْصِ في تفاصيلِ ذلك، ولكنِّي أَوَدُّ أن أعطيكُم خَلفيَّةً مُوْجَزَة عن ذلك. فنحنُ نقرأُ في العدد الأوَّل: "وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ" – وبالمُناسبة، نحنُ لا نَعلمُ متى حَدَثَ ذلك، ولكِنَّهُ حَدَثَ بعدَ وِلادَتِه. وفي ذلكَ الوقت، رُبَّما كانَ الزَّوجانِ والطِّفل يعيشونِ في بيتٍ وليسَ في الحَظيرة. فقد عَثَروا على مكانٍ يُؤويهم. فقد مَرَّ بعضُ الوقت. "إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ".

وَمَنْ هُمُ المَجوس؟ وَمَنْ هُمْ أولئكَ المُلوكُ الذينَ يَظهرونَ دائمًا عند ولادةِ المسيح؟ اسمحوا لي أنْ أُعطيكم خَلفيَّة صغيرة هنا. لقد جاءوا مِنْ إمبراطوريَّة فارس القديمة الواقِعَة إلى الشَّرقِ مِنْ فِلَسطين، أيْ مِنَ المنطقة الشرقيَّة العظيمة. وقد كانَ يَحْكُمُ تلكَ المنطقة في وقتٍ مِنَ الأوقاتِ الإمبراطوريَّة البابليَّة، ثُمَّ جاءَتْ بعدها إمبراطوريَّة مادي وفارِس. وقد كانوا مِنْ نَسْلِ الفُرْسِ حَقًّا، مِنْ نَسْلِ المادِيِّينَ والفُرْس. وقد كانَ المَجوسُ مَجموعةً مِنَ الأشخاصِ مِنْ ذلكَ الجُزءِ مِنَ العالم. ولا أدري إنْ كانوا يَمْلِكونَ قُدراتٍ خاصَّة بالوراثة، أوْ إنْ كانَتْ خُطَّةُ اللهِ، أوْ إنْ كانت البيئة، أوْ إن كانتِ الظُّروف، أوْ أيُّ شيءٍ آخر، ولكنَّهم كانوا أُناسًا يمتلكونَ قُدراتٍ خارقة ومواهب غير عاديَّة. وقد كانوا يَتَبَوَّأونَ مَناصِبَ قياديَّة مَرموقة في الشَّرقِ الأوسط.

وفي وقتِ ولادةِ المسيح، كانوا السُّلْطَةَ الحاكِمَة في ذلكَ الجُزء مِنَ العالم. وقد كانوا قدِ ارْتَقَوْا إلى أعلى مُستوياتِ السُّلْطَةِ السياسيَّة. وقد عَرَفوا تلكَ السُّلْطة حَتَّى مِنْ زَمَنِ إمبراطوريَّة مادي وفارِس. فقد كانَ المَجوسُ موجودينَ منذُ زمن دانيال. والحقيقة هي أنَّهُ عندما تَمَّ سَبْيُ اليهودِ إلى بابِل، وبَقَوْا بعضَ الوقتِ في إمبراطوريَّة بابل، وفي إمبراطوريَّة مادي وفارِس، كانَ هؤلاءِ المَجوسُ قد تأثَّروا جِدًّا بهؤلاءِ اليهود، ولا سِيَّما باليهودِ المُكَرَّسينَ للربّ. ولا شَكَّ أنَّهم تأثَّروا بدانيال نَفسَهُ الَّذي قالَ في نُبوءَتِهِ إنَّهُ سيكونُ رَئيسًا على المَجوس. ولا شَكَّ في أنَّهُ أَثَّرَ فيهم تأثيرًا عظيمًا. لذا، فقد فَهِموا أنَّهُ سيأتي مَلِكٌ عظيمٌ إلى ذلكَ الجُزء مِنَ العالم. ولا شَكَّ في أنَّهم كانوا يَعْرِفونَ نُبوءةَ دانيال وتعليمَ آخَرينَ مِنْ بني إسرائيل.

وكانَ المجوسُ قدِ تَبَوَّأوا مَناصِبَ مَرموقَة في زمنِ نبوخذنَصَّر. والحقيقة هي أنَّنا نَقرأُ أنَّ "نَرْجَلَ شَرَاصَرُ" كانَ رَئيسَ المَجوسِ في سِفْر إرْميا 39 في بَلاطِ نَبوخذنَصَّر. لذا فقد كانوا أشخاصًا مُتَنَفِّذينَ جِدًّا جدًّا، ومؤثِّرينَ جدًّا، وَرِجالاً مِنَ النُّخْبَة. وعندما نَقرأُ عن شَريعة مادي وفارِس، كانت تلكَ في الحقيقة هي تعاليمُ المَجوس. وكما قُلْتُ سابقًا، فقد تَعَلَّموا أكثرَ وأكثر مِنْ دانيال. وكانت دِيانَتُهم خليطًا مِنَ الزَّرَدِشْتِيَّة الَّتي تأثَّرَتْ فيما بعد بتعاليمِ اليهود. وقد كانوا مُتَنَفِّذينَ جِدًّا في زمنِ المسيح حَتَّى إنَّهُ لم يكن بمقدورِ أيِّ شخصٍ أنْ يَعتلي العَرْشَ في ذلكَ الجُزءِ مِنَ العالم ما لم يُعَيَّنْ مِنْ قِبَلِ المَجوس.

فقد كانوا مُتَنَفِّذينَ وأصحابَ سُلْطة. وقد كانوا يُعَيِّنونَ المُلوك. والحقيقةُ هي أنَّ المُؤرِّخينَ يُلَقِّبونَهُمْ "صُنَّاع المُلوكِ في الشَّرْق". وقد كانوا يُسيطرونَ أيضًا على النِّظامِ القَضائِيِّ. ونحنُ نَعْلَمُ مِنْ خِلالِ سِفْرِ أَسْتير أنَّ القُضاةَ في الدِّيوانِ المَلَكِيِّ كانوا يُعَيّنونَ مِنْ قِبَلِ المَجوس. فقد كانوا يُعَيِّنونَ المُلوك، ويُعَيِّنونَ القُضاة، ولهم مَكانة بارزة في تلك الثَّقافة مِنْ جهة السُّلطان. وقد كانوا يَمْلِكونَ مَعرفةً واسعةً في عِلْمِ الفَلَك، وعِلْمِ النُّجوم، والتَّاريخِ الطبيعيِّ، والهندسة، والزِّراعة. وكانت ديانَتُهم توحيديَّة. وكانوا يؤمنونَ بوجودِ صِراعٍ بينَ الخيرِ والشَّرّ. وكانوا يؤمنونَ بالكَهنوتِ المتوارَث، والذبائحِ الحَيوانيَّة، والإعلانِ الخارقِ للطبيعة. وحَتَّى إنَّهم كانوا يُؤمنونَ بالنُّبوءات. لذا فقد كانَتْ هُناكَ صِفاتٌ مُشترَكةٌ كثيرة بينَهُم وبينَ تَعليمِ العهدِ القديم. ورُبَّما دَفَعَهُمْ ذلكَ إلى الاستماعِ إلى ما قالَهُ دانيال وآخرون.

وفي زمن ولادة يسوع، كانوا أصحابَ شأنِ عظيم في تلك الإمبراطوريَّة الشَّرق أوسطيَّة. وقد كانَ عَدُوُّهُمُ الأكبرُ هو روما. فقد حارَبوا رُوما في سنة 63 قبلَ الميلاد، وسنة 55 قبل الميلاد، وسنة 40 قبل الميلاد. وقد كانوا يُحِبُّونَ أنْ يكونوا أصحابَ نُفوذٍ على رُوما. ومِنْ بينِ الأشياءِ الَّتي أرادوا أنْ يَسترِدُّوها هي أرضُ فِلَسطين الَّتي كانت تَحتَلُّها رُوما آنذاك. لذا، عندما ظَهَرَتْ مَلامِحُ ظُهورِ مَلِكٍ عظيمٍ في الشَّرقِ الأوسط، كانوا مُتَشَوِّقينَ جِدًّا إلى المجيءِ لرؤية ذلك الملك. وإنْ كانَ هُناكَ مَلِكٌ حَقًّا، كانوا يَرغبونَ في مُساعَدَتِهِ على تَوَلِّي السُّلطة لكي يَستردَّ أرضَ إسرائيل ويَهْزِم رُوما. فقد كانَ بمقدورهم أنْ يَختاروا ويَنْتَقوا المَلِكَ القادِم لتلكَ الإمبراطوريَّة.

وبالمناسبة، كانت هناكَ اضطراباتٌ في الإمبراطوريَّة في زمنِ المسيح. فالملكُ الَّذي كانَ يُدعى "فريتيس الرَّابع" (Phraates IV) كانَ قد خُلِعَ عنِ العَرْش. ولم يكن أحدٌ يَعْتَلى العَرش. وكانَ المَجوسُ يَبحثونَ عن شخصٍ يأتي عَقِبَ ذلكَ الشَّخص. ومِنْ خلالِ نُبوءةِ دانيال عن مجيءِ مَلِكٍ إلهيٍّ، ومِنْ خلالِ النَّجْمِ في السَّماء (وَهُوَ نَجْمٌ جَذَبَ الربُّ نَفسُهُ أنظارَهُم إليهِ إذْ لا بُدَّ أنَّهُم تَلَقَّوا مَعلوماتٍ عن مَعنى ذلكَ النَّجْم) قَرَّروا أنْ يَتْبَعوا ذلكَ النجم ليروا ذلكَ الشَّخصَ الَّذي سيصيرُ مَلِكًا، ولكي يُتَوِّجوهُ مَلِكًا كَما يَسْتَحِقّ، ولكي يُظْهِروا دَعْمَهُم لسُلطَتِهِ وَحُكْمِه.

ويُمكنكم أنْ تَتخيَّلوا كيفَ كانَ الأمرُ حينَ دَخَلوا أورُشليم. فرُبَّما جاءوا على خُيولٍ فارسيَّة أصيلَة. ولا سَبَبَ يَدعونا إلى الاعتقادِ بأنَّ ثلاثةً مِنهم فقط جاءوا. صَحيحٌ أنَّهُم جَلَبوا ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا، ولكِنَّ هذا لا يُشيرُ البَتَّة إلى عَدَدِهم. فهناكَ مَنْ يُقَدِّرُ عَدَدَهُم بالمئات. والبعضُ يقولُ إنَّهُ رُبَّما كانَ يُرافِقُهم أَلْفُ رَجُلٍ على ظُهورِ الخُيول. وهذا عَدَدٌ غَفيرٌ، يا أحبَّائي. ولا عَجَبَ أنَّ هيرودُس كانَ مُتوتِّرًا قليلاً حينَ جاءوا. فقد كانوا أقوياءَ سياسيًّا. وكانوا أيضًا رِجالاً أتقياءَ يُؤمِنونَ بنبوءاتِ العهدِ القديم.

وقد جاءوا. فقد جاءوا إلى أورُشَليم. ثُمَّ لاحظوا ما جاءَ في العدد الثَّاني: "أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟" وكأنَّ لِسانَ حَالِهِم هو: "لقد جِئْنا بَحْثًا عنْ مَلِكٍ. ونحنُ نُريدُ أنْ نَتحقَّقَ مِنْ هذا الطِّفْل. فنحنُ نُؤمِنُ بأنَّهُ المَلِكُ الَّذي نَبْحَثُ عنه. فَإِنَّــنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ". فَهُمْ لم يَرَوْا مَلِكًا في الماضي يُرافِقُهُ نَجْمٌ خاصٌّ به. فقد كانَ هذا المَلِكُ فَريدًا. "فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ". فقد شَعَرَ بالتَّهديدِ والخوفِ الشَّديدَيْن، وارْتَعَبَ مِنْ مَجيءِ مَلِكٍ آخر. فلَمَّا سَمِعَ بذلكَ اضْطَرَب. ونحنُ نَقرأُ أنَّ جَميعَ أورُشَليمَ اضْطَرَبَتْ مَعَهُ. هل تَعلمونَ لماذا؟ إنْ كانَ هيرودسُ قدِ اضطرَب، فإنَّ الجميعَ سيضطربونَ أيضًا لأنَّهُ عندما يَضطربُ هيرودُس فإنَّهُ يَبتدئُ في قتلِ النَّاس. لِذا فقدِ اضطربَ الجميعُ وخافوا أنْ يَقْتُلَهُم. "فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ: «أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟» فَقالوا لَهُ ما جاءَ في سِفْر مِيخا: "في بيتِ لَحْم يهوذا". فهذا هو ما كَتَبَهُ النبيُّ مِيْخا: "وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ".

"حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ الْمَجُوسَ سِرًّا، وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ النَّجْمِ الَّذِي ظَهَرَ. ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ، وَقَالَ: «اذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ. وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِــي، لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضًا وَأَسْجُدَ لَهُ»". وأنتُم تَعرِفونَ بقيَّةَ القِصَّة. فهو لم يَكُنْ يُريدُ أنْ يَسْجُدَ لهُ، بل كانَ يُريدُ أنْ يَقْتُلَهُ. وعندما وَجَد المَجوسُ الطِّفْلَ، أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ يَعودوا إلى مَمْلَكَة فَارِس فانْصَرَفوا في طَريقٍ أُخرى. فَهُمْ لم يَعودوا لإخبارِ هيرودُس عَنْ مَكانِهِ. وقد غَضِبَ هيرودُس جِدًّا حَتَّى إنَّهُ أَرْسَلَ وَقَتَلَ جَمِيعَ الصِّبْيَانِ مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ ظَنًّا مِنْهُ أنَّهُ سَيَقْتُلُ ذلكَ الطِّفْلَ مِنْ خِلالِ قَتْلِ كُلَّ الأطفال.

وما أُريدُ مِنكم أنْ تُلاحظوهُ تَحديدًا هو أنَّهُ عندما وَصَلَ المَجوس (في العدد 11)، فإنَّهُم "أَتَوْا إِلَى البَيْت". ومَرَّةً أُخرى، يجب أنْ نُذَكِّرَ أنفُسَنا بأنَّ بعضَ الوَقْتِ قدِ انْقَضى وأنَّهُمُ كانوا الآنَ في البيت، لا في الحَظيرة. "وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ". ونَجِدُ هُنا ما يُشيرُ إلى أنَّ هؤلاءِ المَجوسَ غيرَ اليهود (الَّذينَ كَانُوا يُنَصِّبونَ مُلوكًا وجاءوا مِنَ المَشْرِقِ) عَلِمُوا أنَّ هذا هُوَ المَسِيَّا الموعود به. فَهُمْ ليسوا يَهودًا. فَهُمْ أُمَمِيُّون. ولكِنَّهُم فَهِموا كلماتِ دانيال والأنبياءِ الآخرينَ وأدركوا أنَّ هذا الطِّفلَ هُوَ المَلِك بِحَقّ. ولكِنَّ بني إسرائيلَ لم يُدركوا ما أدْرَكَهُ هؤلاءِ الأُمَميُّون. وقد سَجَدوا لَهُ.

إنَّهُ مَلِكٌ مِنْ خلالِ العبادَةِ المَلكيَّة. فقد سَجَدَ لَهُ أولئكَ الذينَ كانُوا يُنَصِّبونَ مُلوكًا في العالَم. وقد "فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا". فالذَّهبُ هُوَ الهَدِيَّةُ الَّتي تُقَدَّمُ للمُلوكِ، واللُّبانُ هُوَ بَخورٌ فاخِرٌ يَرْمِزُ إلى اللَّاهوت، وكانَ يُقَدَّمُ للهِ بَخورًا طَيِّبًا. والمُرُّ يَرْمِزُ إلى نَاسُوتِه. وَهُوَ عِطْرٌ يَجْعَلُ الحَياةَ مُستساغَةً أكثر، وَطَيِّبَةً أكثر، ويَطْرُدُ الرَّوائِحَ غيرَ المُسْتَحَبَّة مِنَ الحياة. فهو مَلِكٌ (لِذا نَجِدُ الذَّهب). وَهُوَ اللهُ (لِذا نَجِدُ اللُّبان). وَهُوَ اللهُ الإنسان (لِذا نَجِدُ المُرّ). فَهُوَ "اللهُ-الإنسانُ-المَلِك". وقد سَجَدوا لَهُ. فهي عِبادَة تَليقُ بملك. ومَتَّى يقولُ إنَّهُ مَلِكٌ لأنَّ مَنْ يُنَصِّبونَ المُلوكَ في العالَمِ سَجَدوا لَهُ. وبطريقةٍ ما، حَتَّى هيرودُس أَقَرَّ بأنَّهُ مَلِكٌ مِنْ خلالِ رَغْبَتِهِ في قَتْلِه.

لِذا فإنَّ مُلوكيَّة المسيح مُؤسَّسَة لا فقط على نَسَبِه، ولا فقط على حقيقة نِعْمَتِهِ الفائقةِ الَّتي تُرى مِنْ خلالِ سِلْسِلَةِ نَسَبِه، ولا فقط مِنْ خلالِ ولادَتِهِ المَلكيَّة، بل أيضًا مِنْ خلالِ عبادَتِهِ كَمَلِك. وأخيرًا، فإنَّ مَتَّى يُريدُ مِنَّا أنْ نَعلمَ أنَّهُ مَلِكٌ مِنْ خِلالِ مَرْسومٍ مَلَكِيٍّ. فهو ليسَ مَلِكًا فقط مِنْ خلالِ تلكَ الأشياء، بل إنَّهُ عُيِّنَ مَلِكًا مِنَ اللهِ نَفسِه. فاللهُ (الَّذي هُوَ أبوهُ المَلَكِيُّ) هُوَ الَّذي قَرَّرَ هذا الأمر. وكيفَ حَدَثَ ذلك؟ لِنَرجِع إلى الأصحاحِ الأوَّل والعدد 23. فقد قالَ اللهُ في العهد القديم: "هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا". فقد قالَ اللهُ إنَّ الملكَ سيُولَدُ مِن عذراء. وقد حَدَثَ ذلك. فَهُوَ مَرْسومٌ إلهيٌّ.

وفي الأصحاحِ الثَّاني والعدد السَّادِس، قالَ النبيُّ على لِسانِ الله إنَّهُ سَيُولَدُ في بيتِ لحم. وهذا هوَ المكانُ المُحَدَّدُ الَّذي وُلِدَ فيه. ونَقرأُ في الأصحاح الثاني والعدد 15: "مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني". فهذا هو ما قالَهُ النبيُّ هوشَع في الأصحاح 11 والعدد الأوَّل. وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُم لكي يَنْجُوا مِنْ غَضَبِ هيرودُس، قِيْلَ لهم أنْ يَذهبوا إلى مِصْرَ حيثُ أقاموا هُناك. ثُمَّ إنَّهُم خرجوا مِن مِصْرَ وجاءوا إلى النَّاصرة. وقد تَنَبَّأَ عن ذلكَ النبيُّ هوشَع في الأصحاح 11 والعدد 1. لِذا فإنَّ اللهَ شَاءَ ذلك وقالَ إنَّ العَذراءَ ستَحْبَلُ وَتَلِدُ ابنًا. واللهُ شاءَ وقالَ إنَّ الولدَ سيُولدُ في بيتِ لحم. واللهُ شاءَ وقالَ إنَّ الولدَ سيخرُجُ مِنْ مِصْر.

ثُمَّ في العدد 18، تَحَقَّقت نُبوءةُ إرْميا: "صَوْتٌ سُمِعَ فِي الرَّامَةِ، نَوْحٌ، بُكَاءٌ مُرٌّ. رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَتَأْبَى أَنْ تَتَعَزَّى عَنْ أَوْلاَدِهَا لأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ". وراحيلُ هُنا تَرْمِزُ إلى كُلِّ الأُمَّهاتِ اليهوديَّات. وَهُنَّ يَبْكينَ ويَذْرِفْنَ الدُّموعَ على ذَبْحِ أطفالِهِنَّ الصِّغار. لذا، فقد أَصْدَرَ اللهُ مَرسومُا إلهيًّا في ذلكَ المَقطع في إرْميا 31: 15 بأنَّهُ عندما يأتي المسيح، ستكونُ هناكَ أُمَّهاتٌ يَهوديَّاتٌ باكِياتٌ على فُقدانِ أبنائِهِنَّ الصِّغار عندَ وِلادَتِه. وأخيرًا، نَقرأُ في العدد 23 أنَّهُ "أَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا". والكلمة "أنبياء" تَرِدُ بصيغةِ الجَمْعِ هُنا. ولكِنَّنا لا نَعْلَمُ ما هي النُّبوءةُ المَقصودة. والحقيقة هي أنَّها رُبَّما كانت نُبوءةً لم تُدَوَّن. ولكِنَّ الأنبياءَ قالوا إنَّهُ سيُدعى ناصِرِيًّا. وهذا هُوَ المَكانُ المُحَدَّدُ الَّذي أقامَ فيه.

فقد قالَ اللهُ إنَّهُ عندما يأتي المَلِكُ فإنَّهُ سَيُولدُ مِن عذراء. وعندما يأتي فإنَّهُ سيولدُ في بيتِ لحم. وعندما يأتي فإنَّهُ سيَخرجُ مِنْ مِصْر. وعندما يأتي فإنَّ مَجزرةً ستَحدثُ وتُؤدِّي إلى بُكاءِ النِّساءِ على أطفالِهِنِّ القَتْلى. وعندما يأتي فإنَّهُ سيُقيمُ في مكانٍ يُدعى النَّاصرة وإنَّهُ سيُدْعَى ناصِرِيًّا. وقد حَقَّقَ يَسوعُ كُلَّ عُنْصُرٍ في المَرسومِ المَلَكِيِّ الإلهيّ. فهو مَلِكٌ بِكُلِّ المَعاني المُحْتَمَلَة. فَهُوَ مَلِكٌ مِن خلالِ ولادَتِه. وَهُوَ مَلِكٌ مِنْ خلالِ مَرْسومٍ إلهيٍّ. وَهُوَ مَلِكٌ مِنْ خلالِ نَسَبِه. وَهُوَ مَلِكٌ مِنْ خلالِ شخصيَّته. وَهُوَ مَلِكٌ مِنْ خلالِ تَقْديرِهِ وعِبادَتِه.

والتَّرانيمُ تَقولُ هذا كُلَّهُ. أليسَ كذلك؟ فالعبارةُ "وُلِدَ مَلِكًا ... وُلِدَ مَلِكًا" تَتَكَرَّرُ المَرَّةَ تلو المَرَّة. "المَسيحُ هُوَ المَلِكُ المولود". ولكِنْ أيَّ نَوْعٍ مِنَ المُلوكِ هو، في الخِتام؟ فهل هو مَلِكٌ على أُمَّةٍ أرضيَّة؟ وهل هو مَلِكٌ على أُمَمٍ عَديدة أرضيَّة؟ إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُخبرُنا أنَّهُ مَلكٌ إلهيٌّ. والكتابُ المقدَّسُ يقولُ لنا إنَّهُ قالَ بنفسِهِ: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَم". وقد قال: "لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ" [أو بينَكُم أو في وَسْطِكُم]. ونحنُ نَعلمُ أنَّها مملكة رُوحيَّة. فهو يَمْلِكُ في قُلوبِ أولئكَ الذينَ يُؤمِنونَ به. وَهُوَ صاحِبُ السِّيادة على أولئكَ الَّذينَ يُحِبُّونَهُ. وَهُوَ صاحبُ السِّيادةِ على أولئكَ الَّذينَ يَحْنُونَ رُكَبِهمْ لَهُ، ويَسْجُدونَ لَهُ، ويَطْلُبونَ نِعْمَتَهُ وغُفرانَهُ لِخطاياهُم. وَهُوَ مَلِكٌ على أولئكَ الَّذينَ يَقبلونَ مَوتَهُ وقيامَتَهُ لأجلِ خلاصِهم. وفي يومٍ ما، سيكونُ مَلكًا على الأرضِ، والكونُ كُلُّهُ سَيَخضَعُ له.

فهو مَلِكٌ الآنَ بالمَعنى الرُّوحِيِّ. وَهُوَ سيكونُ مَلِكًا بالمَعنى الأرضِيِّ. وَهُوَ سيكونُ مَلِكًا بالمَعنى الأبديِّ. فهو ليسَ مَلِكًا كأيِّ مَلِكٍ آخر. لِذا فإنَ بيلاطُسَ لم يَتَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِهُ. فهو لم يَفهم أيَّ نَوْعٍ مِنَ المُلوكِ هذا الَّذي يَسْمَحُ لآخرينَ أنْ يَقتُلوه. وَهُوَ لم يَفهم أيَّ نوعٍ مِنَ الملوكِ هذا الَّذي لا يُقاتِلُ رَعاياهُ مِن أجلِه. وَهُوَ لم يَفهم أيَّ نوعٍ مِنَ الملوكِ هذا الَّذي لا يَمْلِكُ سُلطانًا أرضيًّا، ولا قُدرة أرضيَّة، ولا نِطاقَ حُكْمٍ أرضيّ. فَهُوَ لم يَفهم مَلِكًا مِنْ ذلكَ النَّوع.

إنَّهُ مَلِكٌ، وَهُوَ يَمْلِكُ على قُلوبِ جَميعِ مَنْ يُحِبُّونَهُ ويَعبدونَهُ ويُقَدِّمونَ لَهُ حَياتَهُم. وذاتَ يومٍ، سيَمْلِكُ على كُلِّ هذا العالَمِ بأسرِه: "قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ [كما جاءَ في سِفْر الرُّؤيا] لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ". فتلكَ المملكة الرُّوحيَّة ستصيرُ مَملكة أرضيَّة وَتَزدهِر لتصيرَ مَملكةً أبديَّةً يَمْلِكُ فيها إلى أبدِ الآبدين، وَنَمْلِكُ نحنُ مَعَهُ. وقد كَتَبَتْ "جيني هَسِي" (Jennie Hussey) قبلَ سَنواتٍ طويلة، في تَرنيمةٍ مألوفةٍ جِدًّا لدينا، هذه الكلماتِ الَّتي تُعْطينا التَّجاوُبَ اللَّائِق: "أُتَوِّجُكَ مَلِكًا على حَياتي الآن. لِيَكُنِ المَجْدُ لَك". دَعونا نَحْني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي مَعًا:

لا يَكفي، يا أبانا، أنْ نَعلمَ أنَّ المَسيحَ جاء. فلا يَكفي أنَّهُ وُلِدَ مَلِكًا إنْ كُنَّا لا نَحْني رُكْبَتَيْنا لسيادَتِه، وإنْ لم نَدْخُل مَملكَتَه، وإنْ لم نَنتقِل مِن مملكة الظُّلمة إلى مَلكوتِ ابْنِ مَحَبَّتِك. فقد لا يَعْني لنا شيئًا أنَّ يسوعَ جاءَ، وأنَّ اللهَ المُتَجَسِّدَ عَاشَ، وماتَ، وقامَ ثانيةً، وصَعِدَ إلى السَّماءِ، وأنَّهُ حَيٌّ إلى الأبد، وأنَّهُ يَمْلِكُ إلى الأبد. فهذا كُلُّهُ لا يَكفي ولا يَعني شيئًا ما لم أَفْتَحْ قلبي شخصيًّا للمسيح لكي أُتَوِّجَهُ مَلِكًا على حَياتي، ولكي أعترِف بهِ رَبًّا وسَيِّدًا مُهَيْمِنًا على قلبي. وصلاتي، يا رَبُّ، لأجلِ كُلِّ شخصٍ هُنا، هي أنْ يُوْلَدَ المسيحُ مَلِكًا، وأنْ يكونَ مَلِكًا في حَياتِهِم، وأنْ نَحْني جَميعُنا رُكْبَتَيْنا، وَنَطْلُبَ الغُفرانَ والرَّحمةَ مِنَ المَلِكِ المُنْعِم، غُفرانَ الخَطايا، وأنْ نَطْلُبَ مِنْهُ أنْ يَجْعَلَنا رَعايا لَهُ في مَملكتِه المَجيدة لكي نَختبرَ مِلْءَ البَرَكَةِ الَّتي يُغْدِقُها على رَعاياه.

ونحنُ نَشكُرُكَ، يا أبانا، على الشَّرْحِ الواضِحِ في كلمَتِك عن قَصْدِ مَجيءِ المسيح. صَحيحٌ أنَّ العالمَ لَمْ يَرَهُ مَلِكًا، وأنَّ كُلَّ شيءٍ كانَ مُتواضِعًا ومَحجوبًا ومُسْتَتِرًا جِدًّا حَتَّى إنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ لم يُدْرِكُوا ذلك. ولكِنْ أولئكَ الَّذينَ نَظَروا نَظرةً فاحصةً رَأَوْا وِلادَتَهُ المُلوكيَّة، وشخصيَّتَهُ المُلوكيَّة، وكلماتِهِ المُلوكيَّة، وقُدرَتَهُ المُلوكيَّة مِنْ خلالِ المُعجزاتِ الَّتي صَنَعَها. ونحنُ نَنْضَمُّ إلى صَفِّ أولئكَ الَّذينَ يُتَوِّجونَهُ مَلِكًا. فالعالَمُ غَرَزَ إكليلاً مِنْ شَوْكٍ في رأسِهِ، وَسَخِروا مِنْ فِكرةِ أنَّهُ كانَ مَلِكًا. ولكِنَّهُ مَلِكٌ، مَلِكٌ على كُلِّ الَّذينَ يُحِبُّونَهُ. وسُرعانَ ما سيكونُ مَلِكًا على كُلِّ الكَوْنِ عندَ مَجيئِهِ الثَّاني المَجيد. ونحنُ نُصَلِّي أنْ يُفْتَحَ كُلُّ قلبٍ لِمَلَكوتِ ابْنِ اللهِ. نُصَلِّي هذا باسْمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize