Grace to You Resources
Grace to You - Resource

قبلَ سَنَواتٍ عديدة، ألَّفتُ كتابًا بعُنوان: "الإنجيل بِحَسَب يَسوع". والبعضُ مِنْكُم يَعلَمُ ذلك. وقد أَلَّفْتُ كِتابًا بَعْدَهُ بعُنوان "الإنجيل بحسبِ الرُّسُل". وقد بَقِيَ حتَّى هذه اللَّحظة "الإنجيل بحسب بولُس". ولكنَّهُ سَيَصْدُر في وقتٍ ما كجُهْدٍ أخير في هذهِ السِّلسلةِ الثُّلاثِيَّةِ الأجْزاء. والإنجيلُ بحسبِ بولسَ مُهمٌّ لأنَّهُ مُعَرَّضٌ للهجومِ اليوم. فعقيدةُ التبريرِ الَّتي وَضَّحَها الرَّسولُ بولسُ تَعَرَّضَتْ للهُجومِ مِنْ قِبَلِ أولئكَ الَّذينَ ابتَدَعُوا ما يُعْرَفُ بـ "النَّظرة الجديدة إلى بولُس". ويجبُ علينا أنْ نكونَ واضِحينَ فيما يَختصُّ بما يَقولُهُ العهدُ الجديدُ وفيما يَختَصُّ بما أَوْحى بهِ الرُّوحُ القدسُ لبولسَ ليَكْتُبَهُ عنِ الإنجيل. لذلكَ فقد تأمَّلنا في الأيَّام القليلة الأخيرة (مُنذُ مَساءِ الخَميس) في الإنجيلِ حَسَبَ ما أُوْحِيَ إلى بولُسَ أنْ يَكْتُبَهُ في العهدِ الجديد. وقد رأينا أنَّهُ إنجيلٌ مَجيدٌ (وقد كانَ النَّصُّ الَّذي تأمَّلنا فيهِ هو مِنَ الأصحاحِ الرَّابعِ مِنْ رسالةِ كورِنثوسَ الثانية). وَهُوَ إنْجيلٌ مُشْبِعٌ (رومية 3). وَهُوَ إنْجيلُ المُصالَحَة (2كورِنثوس، الأصحاح 5). ثُمَّ تَأمَّلنا يومَ أمْس في حقيقةِ أنَّهُ إنْجيلُ السِّيادَةِ الإلهيَّةِ. والرِّسالةُ الأخيرةُ في هذا الصَّباحِ هي أنَّنا سنَنظُرُ إلى حقيقةِ أنَّهُ إنْجيلُ الاتِّضاع. إنَّهُ إنجيلُ الاتِّضاع. والآن، أَعْلَمُ أنَّني عندما أُعَلِّمُ الكِتابَ المقدَّسَ فإنِّي أتَعَمَّقُ في أغلبِ الأحيانِ في آياتٍ قليلة. ولكنَّنا دَرَسْناهُ في هذهِ الأيَّامِ بطريقةٍ مُختلفة. فبسببِ مَحدوديَّةِ الوقتِ ورغبتنا في تَغطيةِ أكبرِ جُزءٍ ممكنٍ، اضْطُرِرْنا إلى تَغطيةِ أجزاءٍ أكبر مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ ... ومَقاطِعَ أكْبَر. بل إنَّنا مَرَرْنا مُرورًا سَريعًا على بِضْعَةِ أصْحاحاتٍ دُفْعَةً واحِدَةً كَما فَعلنا يومَ السَّبْتِ إذْ تأمَّلنا في الأصحاحات 9 و 10 و 11 مِنْ رِسالةِ رُومية، وأَلقينا نَظرةً عامَّةً على الكِتابِ المقدَّسِ – وَهُوَ أمرٌ مُهمٌّ جدًّا إنْ أرَدْنا أنْ نُلِمَّ بالإنجيلِ بحسبِ بولُس.

والآن، في هذا الصَّباح، أرجو أن تَعودُوا إلى رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصْحاحَيْن 1 و 2. رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصْحاحَيْن 1 و 2. أمَّا النَّصُّ الَّذي سأقرأهُ على مَسامِعِكُمْ فهُوَ النَّصُّ الَّذي أُريدُ مِنْكُم أنْ تَنظروا إليه. ومِنَ الواضِحِ أنَّنا سَنُلقي نَظرةً عامَّةً أوْ نَظرةً سَريعَةً، وليسَ نَظرةً مُتَفَحِّصَةً كَما نَفعلُ عادةً. وسوفَ أَطْرَحُ سؤالًا مُرتبطًا بالفكرةِ الرَّئيسيَّة. فنحنُ سنتحدَّثُ عَنْ إنجيلِ الاتِّضاع. ولكنَّنا لَن نَتطرَّقَ إلى تلكَ النُّقطة إلَّا بعدَ الانتهاءِ مِنْ بَقِيَّةِ النِّقاطِ الأُخرى. لذلكَ فإنَّ هذا الموضوعَ سيأتي في النِّهاية تَقريبًا. ولكِنْ كبداية، أَوَدُّ أنْ أَطْرَحَ سؤالًا وَهُوَ: لماذا نُحِبُّ الكِتابَ المُقَدَّسَ؟ ولماذا جِئْتُمْ لِحُضورِ مُؤتَمَرِ "الحَقّ مُهِمّ" (Truth Matters Conference)؟ ولماذا تَأتونَ إلى كَنيسَةِ "النِّعْمَة" (Grace Community Church)؟ لماذا تَأتونَ أسبوعًا بعدَ أسبوع؟ ولماذا تَأتونَ إلى اجتماعاتِ الشَّرِكَة؟ ولماذا تَبيعونَ كُتُبًا كَثيرَةً هُنا؟ ولماذا يَقومُ النَّاسُ بِتَحْميلِ العِظاتِ مِنْ عَلى مَوْقِعِ "النِّعْمَة لَك" (Grace To You website)؟ وما السَّبَبُ في شَهِيَّتِكُمْ هذهِ لكلمةِ اللهِ؟ ولماذا يبدو أنَّ هذهِ الشَّهِيَّة لا تَتوقَّف؟ ولماذا تَكَبَّدْتُمْ تَكاليفَ السَّفَرِ وَضَحَّيْتُمْ بوقتِكُم الثَّمين للمجيءِ إلى هذا المَكانِ البعيدِ مَعَ أنَّكُمْ تَعلمونَ أنَّهُ لن تَكونَ هُناكَ تَسليةٌ، بل إنَّهُ ستكونُ هُناكَ دِراسةٌ مُكَثَّفَةٌ لكَلِمَةِ اللهِ؟ وَمِنْ أيْنَ تَنْبُعُ هذهِ المحبَّة؟ ولماذا تُحِبُّونَ الكِتابَ المُقَدَّسَ كُلَّ هذا الحُبَّ؟ ولماذا تُحِبُّونَ الإنْجيلَ كُلَّ هذا الحُبَّ؟

إنَّ هذا السُّؤالَ مُهِمٌّ جدًّا. هَلِ السَّبَبُ هُوَ أنَّكُم أَذْكَى مِنْ بَقِيَّةِ النَّاسِ؟ أو هَلِ السَّبَبُ هُوَ أنَّكُمْ تُدركونَ أُمورًا لا يُدركُها العالم؟ أو هَلِ السَّبَبُ هُوَ أنكم سَمعتُم مُجادلاتٍ أكثر إقناعًا مِن بقيَّةِ النَّاسِ؟ أو هلِ السَّببُ هو أنَّ أحدًا قَدَّمَ لَكُمْ دِفاعًا مُقْنِعًا عَنِ الكِتابِ المُقَدَّسِ فَرَأيتُم أنَّهُ مِنَ المَعقولِ أنْ تَقبلوه؟ ما الذي وَضَعَ هذهِ المحبَّة في قُلوبكم؟ فهذا شيءٌ نَختَبِرُهُ جميعًا في كنيسةِ النِّعمة (Grace Church). فيبدو أنَّنا لا نَشبَعُ مِن كلمةِ اللهِ. فهُوَ كالطَّعامِ بالنِّسبةِ إلينا. ولا يُوجدُ أيُّ طَعامٍ يَكفيكُم فترةً طويلةً دائمةً. فيجبُ عليكم أنْ تأكُلوا المَرَّة تلو الأُخرى، تلو الأخرى، تلو الأخرى على الصَّعيدِ الجسديِّ. والأمْرُ نَفْسُهُ يَصُحُّ على الصَّعيدِ الرُّوحِيِّ. ولكِنْ ما الَّذي يَخْلِقُ فينا هذهِ الشَّهِيَّة؟ ولماذا نَشعُرُ بهذهِ المشاعِرِ تُجاهَ الكِتابِ المقدَّسِ وَتُجاهَ الإنْجيلِ؟ ولماذا بَعْدَ أنْ فَهِمْنا الإنْجيلَ وآمَنَّا بالإنْجيلِ، لماذا يُمكنُنا أنْ نَسمعَ عِظاتٍ مِنَ الإنجيلِ ألْفَ مَرَّةٍ ونَشْعُرُ بقلوبِنا تَلتَهِبُ حَرْفِيًّا مِنْ جَديد؟ ولماذا نُشْبِهُ تِلميذَيْ عِمْواس اللَّذانِ شَعَرا أنَّ قَلْبَيهُما مُلْتَهِبٌ فيهما بعدَ أنْ سَمِعا شَرْحًا للأسْفارِ المقدَّسَةِ؟ ما السَّبَبُ في ذلك؟ وكيفَ نُمَيِّزُ أنفُسَنا عَنِ العالمِ غَيْرِ المُبالي بالكِتابِ المقدَّسِ، وبالعالمِ المُعادي للكتابِ المقدَّسِ؟ فالنَّاسُ الَّذينَ نَلتقي بهم لا يُظْهِرونَ أيَّ اهتمامٍ بالكتابِ المقدَّس.

والحقيقةُ هي أنَّ كنائسَ كثيرةً تُدركُ هذا الأمر. لذلكَ فإنَّها تَسْتَثْني الكِتابَ المقدَّسَ وتُحاولُ أنْ تُعطي النَّاسَ ما يُريدونَ سَماعَهُ فقط. فالكتابُ المقدَّسُ يُضْجِرُهُمْ جِدًّا ويَجْرَحُ مَشاعِرَهُم. ولكِنْ ما الَّذي حَدَثَ لنا؟ ولماذا نُحِبُّ الكتابَ المقدَّسَ؟ ولماذا يوجدُ أُناسٌ في جميعِ أنحاءِ العالمِ يُحِبُّونَ الكِتابَ المقدَّسَ؟ الحقيقةُ هي أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُقَدِّمُ لنا الجوابَ في هذا النَّصِّ. ولكِنْ قَبْلَ ذلك، اسمَحُوا لي أنْ أُرَكِّزَ على تلكَ الفِكرة بأنَّكُمْ إنْ كُنتُم مسيحيّين حقًّا فسوفَ تُحِبُّونَ الكِتابَ المقدَّسَ. وسوفَ أقولُ ذلكَ مَرَّة أُخرى. فالأمرُ بَسيطٌ جِدًّا. إذا كُنْتَ مُؤمِنًا حقيقيًّا فإنَّكَ تُحِبُّ الكِتابَ المقدَّسَ. ورُبَّما كانَ المَزمور 19 يُعَبِّرُ عَنْ أشواقِ قَلْبِكَ. فنحنُ نَقرأُ في المزمور 19 والعَدَد 10 أنَّ كلمةَ اللهِ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ: "أَشْهَى مِنَ الذَّهَبِ وَالإِبْرِيزِ الْكَثِيرِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقَطْرِ الشِّهَادِ". ولكِنْ ما الَّذي يَجعَلُ الحَقَّ حُلْوًا جِدًّا بالنِّسبةِ إلينا؟ وما الَّذي يَجْعَلُهُ ثَمينًا جِدًّا؟ وهل يُمكننا أن نَقولَ مَعَ دَاوُد في المَزمور 119: 97: "كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ!" وَهُوَ يَقولُ خَمْسَ مَرَّاتٍ أُخرى في ذلكَ المَزمورِ نَفْسِهِ: "كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ!" ... "كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ!" ... "كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ!" وَهُوَ يَقولُ مَرَّاتٍ عَديدَة أُخرى: "أنا أبْتَهِجُ بشريعَتِكَ. ... أنا أبْتَهِجُ بشريعَتِكَ. ... أنا أَفْرَحُ بشَريعَتِكَ" (أيْ بِكَلِمَتِكَ) و "أنا أُحِبُّ وَصاياكَ".

وحتَّى إنَّ بولسَ يَقولُ إنَّ المسيحيِّينَ يُمْكِنُ أنْ يُلَقَّبُوا بهذا اللَّقَبْ. فَهُمْ أولئكَ الَّذينَ يُحِبُّونَ الحَقَّ. فنحنُ نَقرأُ في 2تسالونيكي 2: 10 إنَّ غيرَ المؤمِنينَ هُمْ أولئكَ الَّذينَ لا يُحِبُّونَ الحَقَّ. ويُعَبِّرُ يُوحَنَّا عَنْ ذلكَ بهذهِ الطَّريقَةِ إذْ يَقول: "إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ وَصايا الرَّبِّ فإنَّكُمْ سَتَحْفَظونَ وَصَاياه". فمحبَّتُكُمْ للرَّبِّ تَظْهَرُ جَلِيَّةً مِنْ خِلالِ شَهِيَّتِكُمْ المَفتوحَةِ لكلمةِ اللهِ، بل وحَتَّى لتلكَ الأشياءِ الَّتي هِيَ أوامِر وَوَصَايا. ويوحَنَّا يَقولُ ذلكَ في مَواضِعَ عَديدَة (في الأصْحاحَيْن 14 و 15 مِنْ إنجيل يوحنَّا، وفي رِسالَتِهِ الأولى 5: 2 و 3). ونحنُ نَقرأُ في المزمور 40: 8: "أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ". وَنقرأُ بعدَ ذلكَ مُباشَرَةً: "وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي".

فالمؤمنُ الحَقيقيُّ يَمتَلِكُ شَهِيَّةً مَفْتوحَةً للكتابِ المقدَّسِ، والحَقِّ، والإنْجيلِ. والحقيقةُ هي أنَّ بُطرسَ يَقولُ في الأصحاحِ الثاني مِن رسالتِهِ الأولى إنَّ شَهِيَّتَنا للكلمةِ تُشْبِهُ شَهِيَّةَ الطِّفْلِ الرَّضيعِ للحَليب. بعبارةٍ أخرى، إنَّها رَغْبَةٌ فَرْدِيَّةٌ قَوِيَّةٌ جِدًّا ولا تَشْبَع. فعندما عَلَّمَ يَسوعُ الجُموعَ في الأصحاحِ السادسِ مِن إنجيلِ يوحنَّا وجَعَلَ الرِّسالةَ عَسِرَةَ الفَهْمِ جِدًّا، تَرَكَتْهُ الجُموع. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 6: 66: "مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ". حينئذٍ نَظَرَ يَسوعُ للأشخاصِ الذينَ بَقَوْا وقال: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ نِيابَةً عَنْ بَقِيَّةِ المُؤمِنينَ الحَقيقيِّينَ وقال: "يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ". فلا يُمكننا أنْ نَحْيا مِنْ دُونِ كَلامِكَ.

إنَّ السِّمَةَ المُمَيِّزَةَ للمؤمنِ المسيحيِّ هِيَ جُوْعُهُ للكِتابِ المقدَّسِ، وجُوْعُهُ لكلمةِ اللهِ. فلا يَكفي أنْ نَأكُلَ الخُبْزَ لأنَّنا لا نَحْيا بالخُبْزِ وَحدَهُ، بل نَحْيا بِكُلِّ كلمةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ. وكنيسةُ اللهِ الحقيقيَّة ... حَسَنًا؟ ... إنَّ كَنيسَةَ اللهِ الحَقيقيَّة تَتُوْقُ دائمًا وفي كُلِّ الأزمِنَةِ والأمْكِنَةِ إلى الحَقِّ المُعْلَنِ في الكِتابِ المقدَّسِ. فَهِيَ تَتوقُ إلى قراءَتِهِ، وإلى فَهْمِهِ، وإلى الفَرَحِ بِهِ، وَإلى الابْتِهاجِ بِهِ، وإلى قَبولِهِ، وَإلى المُناداةِ بِهِ، وَإلى تَطبيقِهِ، وَإلى تَسْبيحِ اللهِ مِنْ أجْلِهِ. ولكِنْ، ويا للأسَف، فإنَّ اهْتِمامَ الكَنيسَةِ الزَّائِفَةِ يُعارِضُ هذهِ الشَّهِيَّةَ الَّتي لَدى الكَنيسَةِ الحَقيقيَّة. فيبدو أنَّ الدِّراسَةَ الجادَّةَ والمُعَمَّقَةَ للكِتابِ المقدَّسِ مِنْ أجْلِ إطْعامِ كَنيسَةِ اللهِ الحَقيقيَّةِ لم تَعُدْ أولويَّةً قُصوى. وقَبل سنواتٍ ليسَت طويلة، كَتَبَ "جيم باكر" (Jim Packer) مُقدِّمةً لِكِتابٍ قَديمٍ جِدًّا عُنوانُهُ: "دَليلُ المُؤمِنِ المَسيحِيِّ" (The Christian Directory). وهوُ ليسَ دَليلَ هاتِفٍ. فَدَليلُ المؤمنِ المسيحيِّ كَتَبَهُ "ريتشارد باكستر" (Richard Baxter). وقد كان "ريتشارد باكستر" طَهُورِيًّا عاشَ ما بينَ سَنَة 1615 و 1691 (أيْ أنَّهُ عاشَ 76 سَنَة). وكانَ "ريتشارد باكستر" واحدًا مِنَ المُفَكِّرينَ المُتَعَمِّقينَ في الكتابِ المقدَّسِ. وقد كَتَبَ "دَليلَ المُؤمِنِ المَسيحيِّ". وأنا لديَّ نُسخَة مِن هذا الدَّليل. وَهُوَ كِتابٌ ضَخْمٌ. وَهُوَ دَليلٌ مَسيحيٌّ بِمَعنى أنَّهُ يُرْشِدُ المسيحيِّينَ إلى كيفيَّةِ عَيْشِ حَياتِهِمْ أمامَ اللهِ مِنْ خِلالِ الاستشهادِ بآياتِ الكِتابِ المقدَّسِ.

ويقولُ "باكر" في مُقَدِّمَتِهِ لدليلِ المُؤمِنِ المَسيحيِّ: "إنَّ الإنجيليَّةَ المُعاصِرَةَ أنانيَّة، وساذجة، ومُفْرِطَة في البَساطَة، ومُنْحَطَّة، وقائمة على هُراءِ التَّعويذاتِ شِبْهِ السِّحْرِيَّة والوصايا البَشَرِيَّة البَلْهاء". وهُوَ يُتابِعُ كلامَهُ قائلًا: "قارِنْ ذلكَ بدليل باكستر للمؤمنِ المسيحيِّ، والذي يَحوي أكْثَرَ مِنْ مِليون كلمة مِنَ التَّفسيرِ والتَّطبيقِ العَميقَيْنِ للكتابِ المقدَّس". ويَقولُ "باكر": "إنَّ دَليلَ المؤمنِ المسيحيِّ هُوَ مُستوى عالٍ مِنَ الفِكْرِ القائمِ على الكِتابِ المقدَّسِ، والحِكمةِ اللاهوتيَّةِ المَشروحةِ بعباراتٍ راسخةٍ وواضحةٍ جدًّا تُحَيِّرُ العُقول". ولَكِنْ ما الَّذي حَدَثَ لنا؟ يقول "ر. سي. سبرول" (R.C. Sproul): "إنَّ ثَقافَتَنا قائمةٌ على الوَسَطِيَّةِ المَغرورة، والفَنِّ الرَّخيصِ، والمُوسيقى المُبْتَذَلَةِ، والتَّفكيرِ السَّطحيِّ. وقد زِدْنا الطِّيْنَ بِلَّةً إذْ سَمَحْنا بوجودِ كَنيسَةٍ مُبْتَذَلَة". وقد صِرْنا وَسَطِيِّينَ لأنَّنا نُريدُ الوَسَطِيَّة. فهذا المُجتمَعُ يَتَلَهَّفُ إلى الوَسَطِيَّة. فَهُوَ لا يَقْبَلُها فحسب، بل يَتوقُ إليها. لذلكَ فإنَّ لدينا ما يُمْكِنُنا أنْ نُسَمِّيهِ "مُجْتَمعًا مَسيحيًّا شَعْبِيًّا" يَستوعِبُ ذلك. وقد قَرَّرَتْ هذهِ المُؤسَّساتُ (الَّتي تَزْعُمُ أنَّها كَنائِس) أنْ تَتَجاهَلَ كُلَّ شَيءٍ سَامٍ، وكُلَّ شَيءٍ أَصيلٍ، وكُلَّ فِكْرٍ لاهُوتِيٍّ عَميقٍ، وَأنْ تَتَجاهَلَ الكِتابَ المقدَّسَ، وَأنْ تَتَجاهَلَ التَّفسيرَ، وَأنْ تُغَذِّي الوَسَطِيَّة، وَأنْ تُعْطي الجُموعَ الجائِعَةَ ما يَطْلُبونَهُ، وَأنْ تُجَوِّعَ الكَنيسَةَ الحَقيقيَّةَ. ولكنَّ هذا لا يُشْبِعُكُم. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ لا يُشبِعُكُم. لذلكَ فإنَّكُمْ هُنا. وَهُوَ لا يُشْبِعُني أنا أيضًا. فأنا لا أكْتَفي مِنْهُ. فنحنُ نُحِبُّ الكِتابَ المقدَّسَ. ونحنُ نُحِبُّ اللَّاهوتَ. ونحنُ نُحِبُّ العِبادَةَ القائِمَةَ على فِكْرٍ لاهُوِتِيٍّ سَليمٍ.

ولِماذا نُحِبُّهُ؟ ولماذا نَثِقُ بِهِ؟ ولماذا نُؤمِنُ بهِ؟ ولماذا نَدْرُسُهُ؟ ولماذا نَحْفَظُهُ؟ ولماذا نَتَحَدَّثُ عَنْهُ؟ ولماذا نُعَلِّمُهُ؟ ولماذا نُطَبِّقُهُ؟ هل نحنُ أَفْضَل مِنَ الآخَرين؟ وهل نحنُ أَذْكى مِنْهُم؟ وَهَلْ عُقولُنا أكْبَرُ مِنْ عُقولِهِمْ؟ وهل حَصَلْنا على أدِلَّة أفْضَل أَقْنَعَتْنا أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَستحقُّ ثِقَتَنا وَإيمانَنا بِهِ؟

لدينا هُنا بعضُ التَّلميحاتِ الَّتي تُساعِدُنا في مَعرفةِ الإجابَة. فقد قالَ "لوثر" (Luther): "لا يُمْكِنُنا أنْ نَفهمَ الكِتابَ المقدَّسَ بمُجَرَّدِ الدِّراسةِ أوِ الموهبةِ. بل يجبُ أنْ يَأتي فَهْمُنا لَهُ مِنَ الرُّوحِ القُدُس". وقد قالَ "زوينغلي" (Zwingli)، وَهُوَ مُصْلِحٌ عَظيمٌ عَاشَ في زيوريخ: "حتَّى لو حَصَلْتَ على إنْجيلِ يَسوعَ مِنْ أَحَدِ الرُّسُلِ مُباشَرَةً، لا يُمكنُكَ أنْ تُطَبِّقَهُ إلَّا إذا عَلَّمَكَ أبوكَ السَّماوِيُّ وَجَذَبَكَ إليهِ بِواسِطَةِ رُوْحِهِ". وقد كانَ لدى "جون كالفِن" (John Calvin) نَفْسُ الرَّأيِ. فقد كانَ كالفِن يَرى أنَّهُ لا يُمْكِنُ للخَاطِئِ الهالِكِ أنْ يُؤمِنَ بالكِتابِ المقدَّسِ، ولا أنْ يَفهَمَهُ، ولا أنْ يُطيعَهُ، ولا أنْ يُحِبَّهُ إلَّا إذا قامَ اللهُ بتَجْديدِهِ مِنْ خِلالِ قُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ وَأَعْطاهُ حَياةً. إذًا، لماذا تُؤمِنونَ بالكتابِ المقدَّسِ؟ ولماذا تُحِبُّونَ الكِتابَ المقدَّسَ؟ ولماذا تَشْتاقونَ إلى الكِتابِ المقدَّسِ؟ ولماذا تَتوقونَ إلى الحَقِّ المُعْلَنِ في الكتابِ المقدَّسِ؟ ولماذا تَجِدونَ مُتْعَةً في سَماعِهِ؟ ولماذا يَعْمَلُ تَفْصيلُ الحَقِّ الكِتابِيِّ في أذْهانِكُمْ على مَلْءِ قُلوبِكُمْ بالفَرَحِ وَيَجْعَلُكُمْ تُسَبِّحونَ اللهَ وَتُمَجِّدونَهُ؟ إنَّ السَّبَبَ في ذلكَ هُوَ عَمَلُ اللهِ العَظيمِ الَّذي عَمِلَهُ في قُلوبِكُمْ بِالرُّوحِ القُدُس إذْ أَقامَكُمْ حَرْفِيًّا مِنَ الأمواتِ. إنَّهُ التَّجْديدُ. وسوفَ نَتَحَدَّثُ عن ذلك.

ولا يُوْجَدُ نَصٌّ يُوَضِّحُ هَذا الموضوعَ بطَريقةٍ أفْضَلَ مِنَ النَّصِّ الَّذي قَرَأتُهُ على مَسامِعِكُمْ سابِقًا - أي الأصْحاحَيْن 1 و 2 مِنْ رِسالَةِ كورِنثوسَ الأولى، ابْتِداءً مِنَ العَدَد 18 إلى نِهايَةِ الأصْحاحِ الثَّاني. ومِنَ الواضِحِ أنَّنا سنَنظُرُ إلى هذا النَّصِّ نَظرةً عامَّةً. ولكنَّكُم، في رَأيي، ستَفهمونَ الرِّسالةَ المُقَدَّمَةَ هُنا. ويَحوي هذا النَّصُّ نُقَطتَيْنِ أوَدُّ أنْ تَفْهَموهُما ... نُقْطَتَيْنِ فقط. النُّقطةُ الأولى هِيَ: لماذا يَرفُضُ غيرُ المُؤمِنينَ الكِتابَ المقدَّس؟ ... لماذا يَرفُضُ غيرُ المُؤمِنينَ الكِتابَ المقدَّس؟ والنُّقطةُ الثَّانِيَةُ هِيَ: لماذا يُحِبُّ المُؤمِنونَ الكِتابَ المُقَدَّسَ؟ وما الفَرْقُ هُنا؟ هُناكَ الكثيرُ مِنَ التَّداخُلِ، والتَّشابُكِ، وَإعادَةُ الصِّياغَةِ هُنا. لذلكَ فإنَّنا لن نَتطرَّقَ إلى هَذا كُلِّه. ولكنِّي سأُقَدِّمُ لكُم الصُّورةَ الكَبيرَةَ فقط هُنا. حَسَنًا؟ السُّؤالُ الأوَّلُ: لماذا يَرفُضُ غيرُ المُؤمِنينَ الكِتابَ المقدَّس؟ سوفَ أُقَدِّمُ لَكُمْ خمسةَ أسبابٍ مَذكورة هُنا. فبولسُ يَذكُرُها لَنا ... خمسةَ أسبابٍ. السَّبَبُ الأوَّلُ (وسوفَ أَذْكُرُ ذلكَ مِنْ وُجهةِ نظرِ ما يُعلنُهُ الإنجيلُ والكِتابُ المُقدَّسُ). إذًا لماذا لا يُؤمِنُ غيرُ المُؤمِنينَ بالإنجيلِ المقدَّسِ؟ لماذا؟ السَّبَبُ الأوَّلُ هُوَ أنَّ رِسالَتَهُ غَيْرُ مَعقولَة ... أنَّ رِسالَتَهُ غيرُ مَعقولة. أوْ، إنْ شِئْتُمْ، إنَّها رِسالَةٌ غيرُ مَنطقيَّة بالنِّسبةِ إلى العُقولِ البشريَّة. والإنْسانُ مَفْتونٌ بِعَقْلِهِ. أليسَ كذلك؟

ورُبَّما لم تَكُنِ الحالُ سَيِّئَةً جدًّا قبلَ عصرِ التَّنوير. ولكِنْ إليكُمْ ما وَصَلْنا إليهِ بعدَ قُرونٍ مِنْ عَصْرِ التَّنوير. فقد تَوارَثْنا عِبادَةَ العقلِ البشريِّ. وقد صِرْنا نَعيشُ في عَصْرِ التَّفكيرِ المَنطقيِّ. والكِتابُ المقدَّسُ لم يَعُد لهُ مَكانٌ. والإنجيلُ المقدَّسُ لم يَعُد لهُ مكانٌ. العَدَد 18: "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ". والهالكونَ هُمْ فِئَةٌ منَ النَّاسِ في طريقهِم إلى جَهَنَّم. ففي نَظرِ الأشخاصِ الذينَ في طريقِهم إلى جَهَنَّم، والأشخاصِ الذينَ يَسيرونَ في طَريقِ الهلاكِ، فإنَّ هذا الإنجيلَ وهذهِ الرسالةَ المختصَّةَ بالخلاصِ منْ خِلال موتِ المسيحِ على الصليبِ ... إنَّها "جَهالَة". والكلمة "جَهالَة" تَرِدُ سِتَّ مَرَّاتٍ في الجُزءِ الافتتاحيِّ مِن هذا المَقطعِ، وهي كلمة مُهِمَّة جدًّا. وبالمناسبة، فإنَّ الكلمة اليونانيَّة المُتَرْجَمَة "جَهالَة" هِيَ كلمة تَعرفونَها جيِّدًا. فَهِيَ الكلمة "موران" (moron). فهذهِ هيَ الكلمةَ المُستخدمة هُنا. فَهِيَ الكلمة "موران"، وهي تَعني: "غَبِيّ" أو "أحمَق" أو "أَبْلَه" أو "مُغَفَّل". فَلا يُوافِقُ الحِكمةَ البشريَّةَ أنْ نَقولَ إنَّ اللهَ واحِدٌ، وَإنَّ هُناكَ طَريقًا واحدًا إلى اللهِ، وَإنَّ ذلكَ الطَّريقَ هُوَ مِنْ خلالِ اللهِ/الإنسانِ (أيْ مِنْ خِلالِ يَسوعَ المسيحِ الَّذي صَلَبَهُ اليَهودُ، وَنَفَّذَ الحُكْمَ فيهِ الرُّومانُ، والذي كانَ مَرفوضًا مِنْ شَعبِهِ، والذي صُلِبَ، إلخ، إلَخ)، وَإنَّ الخلاصَ يَأتي مِن خِلالِ رَفْضِ أيِّ أعمالٍ صَالِحَةٍ تَقومُ بها، ومِن خِلالِ إدراكِ حَالَتِكَ الخاطِئَةِ وَقَبولِ ذَبيحةِ المَسيحِ بَدَلًا عنكَ بالإيمان. فهذا يُعارِضُ الحِكمةَ البشريَّةَ. فالعَقْلُ السَّاقِطُ يَقولُ لَكَ إنَّكَ صَالِحٌ، وإنَّكَ إذا كُنتَ صالحًا فإنَّ كُلَّ شيءٍ سيَكونُ على مَا يُرام. فهذا هُوَ المَنطِقُ البشريُّ والحِكمةُ البشريَّة. وهذا هُوَ مَنْطِقُ الإنسانِ السَّاقِطِ المُسْتَعْبَدِ للكِبرياء.

إنَّ رِسالةَ الصَّليبِ بِكامِلِها جَهالَةٌ وَلا فائِدَةَ تُرْجَى مِنها. ولا حاجةَ لنا للحديثِ عِنْ هذا الموضوعِ لأنَّنا تَحَدَّثنا عنهُ على مَدى الأيَّامِ الثَّلاثةِ السَّابقة. فهِيَ لا تُلائِمُ المَنْطِقَ البشريَّ لأنَّ النَّاسَ لا يُريدونَ أنْ تَقولَ لهم إنَّهُمْ في طَريقِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، وإنَّهُمْ لا يَستطيعونَ ولا يَقدرونَ أنْ يَفعلوا أيِّ شيءٍ بهذا الخُصوصِ مِنْ تِلْقاءِ أنفُسهِم، وإنَّهُمْ لا يَملكونَ القُدرةَ العقليَّةَ، ولا القُدرةَ الأخلاقيَّةَ، ولا القُدرةَ الرُّوحيَّةَ لتَغييرِ حالَتِهم، وإنَّهُم عاجِزونَ أمامَ اللهِ. فهذا لا يُوافِقُ الكِبرياءِ البشريَّ. ولكنَّ هذا هوَ ما يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ. لذلكَ فإنَّهم لا يُحِبُّونَ الكتابَ المقدَّسَ ... لا يُحِبُّونَ الكتابَ المقدَّس. وهناكَ أشخاصٌ لا يُبالونَ بالكتابِ المقدَّسِ. وهُم يَبقونَ غيرَ مُبالينَ بالكتابِ المقدَّسِ إلى أنْ يَصيرُوا مُعادِيْنَ لَهُ بعدَ أنْ يَسْمَعُوا ما يَقولُهُ. فالفكرةُ مِنَ الإنجيلِ، والفِكرةُ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ غيرُ مَعقولة، وغيرُ مَنطقيَّة. بل إنَّها حَماقَة. وَهِيَ "جَهالَة".

أمَّا السَّبَبُ الثَّاني فهُوَ أنَّهُمْ لا يَفهمونَهُ. فيجبُ علينا أنْ نُقِرَّ بأنَّ واحِدًا مِنْ أسبابِ رَفْضْهِمْ للإنجيلِ المقدَّسِ هوَ أنَّهُ (بِصَراحَةٍ) غيرُ مَفْهومٍ – لأنَّهُمْ يُحاوِلونَ أنْ يَفهموهُ بمَنطقِهِمِ البشريِّ. فهذهِ هيَ الطَّريقةُ الَّتي يُحاولُ فيها البَشَرُ السَّاقِطونَ أنْ يَفهموا كُلَّ شَيءٍ. فهُم يَحُلُّونَ جميعَ مَشاكلِهِمْ بمنطقهِم البشريِّ. فَهُم يَقولون: "هذا الأمرُ مَنْطِقيٌّ" أو "هذا الأمرُ مَعقولٌ" أو "لقد أَعْطانا اللهُ المَنْطِقَ البشريَّ لكي نَتمكَّنَ مِنْ فَهْمِ مَا يَجري في نِطاقِ العالمِ المادِّيِّ". لذلكَ فإنَّهُمْ يُطَبِّقونَ المبادئَ نَفسها على الأمورِ الرُّوحيَّةِ في مُحاولةٍ لفهمِها ... في مُحاولةٍ لفَهْمِها. فهناكَ أشخاصٌ تَلتقونَ بهم أحيانًا فيَقولونَ لَكُمْ: "أنا شخصٌ رُوحِيٌّ جِدًّا" – كما لو أنَّهُمْ يَعيشونَ في عالمٍ شَبيهٍ بعَالَمِ "هاري بوتر" (Harry Potter) يُمكنُهُمْ الدُّخولُ إليهِ مَتى شَاءُوا. فَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّهُمْ يَستطيعونَ الدُّخولَ إلى ذلكَ العالمِ الَّذي يَطيرُ فيهِ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، وتَحدُثُ فيهِ أشياءٌ غَريبة، وتَفعَلُ فيهِ الكائِناتُ الرُّوحيَّةُ أُمورًا عَجيبَةً. وهُمْ يَظُنُّونَ أنَّهُمْ يَستطيعونَ أنْ يَتأقلموا معَ ذلكَ العالمِ وَأنْ يَفهموا أُمورًا لا يُمْكِنُنا نحنُ أنْ نَفهَمَها. ولكِنْ ما الَّذي تَعنيهِ بقولِكَ إنَّكَ شَخْصٌ رُوْحِيٌّ؟ إنَّ الفِكرةَ بأنَّكَ تَستطيعُ أنْ تَفْهَمَ الإنجيلَ المُقَدَّسَ فَهْمًا صَحيحًا بعَقْلِكَ، وَبِحَدْسِكَ، وبحَواسِّكَ، وَأنْ تُؤمِنَ بِهِ، وَأنْ تُحِبَّهُ هِيَ فِكرة غيرُ صَحيحَة. انظروا إلى العَدَد 19: "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ». أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟ لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ". فلا يُمكِنُكَ أنْ تَصِلَ إلى اللهِ مِنْ خِلالِ الحِكمةِ البشريَّةِ أوْ مِنْ خِلالِ الأشياءِ الَّتي تَبدو مَعقولَةً أوْ مَحسوسَةً أو مَنطِقيَّةً.

والعَدَد 19 مُقْتَبَسٌ مِنْ إشَعْياء 29: 14، وَهُوَ اقتباسٌ مِنَ التَّرجمةِ السَّبعينيَّةِ الَّتي كانَ يَقرأُها العَديدُ مِنَ كُتَّابِ العهدِ الجديدِ الذينَ يَتَكَلَّمونَ اللُّغَةَ اليونانيَّة. فقد جاءَ إشَعْياءُ وحَذَّرَ المملكةَ الشَّماليَّةَ (أيْ مَمْلكةَ إسرائيل). فقد حَذَّرهُم مِنَ الدينونةِ القادمةِ لأنَّ "سَنْحاريب" (مَلِك أَشور) كانَ يَنْفُثُ نَارًا عِنْدَ حُدودِهِمْ. فقد كانَ يُهَدِّدُ المملكةَ الشَّماليَّةَ. ولم يَكُنِ الخَلاصُ سيَأتي بواسِطَةِ بَشَرٍ. فإنْ كانَ هُناكَ خلاصٌ، وَإنْ كانَ هُناكَ إنْقاذٌ، فإنَّ ذلكَ لن يَأتِي مِنْ خِلالِ حِكْمَةٍ بَشريَّةٍ. "سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ". فالنَّاسُ في ذَواتِهِمْ (بِكُلِّ حِكمَتِهِمْ، وبِكُلِّ دَهائِهِمْ، وبِكُلِّ مُشيريهُم وحُكَمائِهِمْ وقادَتِهِمْ مُجْتَمِعينَ ومُتَّحِدينَ) لم يَتمكَّنوا مِنْ إيجادِ طَريقَةٍ لِصَدِّ هُجومِ الأشورِيِّين. ولكنَّ اللهَ تَعامَلَ، بِكُلِّ تَأكيدٍ، مَعَ الأشورِيِّينَ في وقتٍ لاحِقٍ (كَما جاءَ في إشَعْياء 37: 36) مِنْ خِلالِ إرْسالِ مَلاكٍ قَتَلَ حَرْفِيًّا مِئَةً وخَمْسَةً وثمانينَ ألْفًا مِنهُم. بعبارةٍ أخرى، هُناكَ بُعْدٌ يَعْمَلُ فيهِ اللهُ ولكنَّهُ بُعْدٌ غيرُ مُتاحٍ للبَشَرِ بِحِكْمَتِهِم. فَقد عَجِزوا بِحِكْمَتِهِمِ البَشريَّةِ عَنِ التَّعامُلِ مَعَ الخِيانَةِ الَّتي حَدَثَتْ على حُدودِهِمْ.

ونَقرأُ في سِفْرِ إرْميا 8: 9: "خَزِيَ الْحُكَمَاءُ. ارْتَاعُوا وَأُخِذُوا. هَا قَدْ رَفَضُوا كَلِمَةَ الرَّبِّ، فَأَيَّةُ حِكْمَةٍ لَهُمْ؟" فما الَّذي تَبَقَّى؟ لذلكَ فإنَّ بولسَ يَدْمِجُ هذهِ الآياتِ مَعًا في العدد 20. أيْنَ الحُكَماءُ؟ أحْضِروهُمْ. أيْنَ الكاتِبُ (أيِ الخَبيرُ)؟" "أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟" أَحْضِرُوا جَميعَ الحَمْقى ... جَميعَ الفلاسِفَةِ ... جَميعَ المُتَعَلِّمينَ ... جَميعَ وَاضِعي النَّظَرِيَّاتِ ... جَميعَ اللَّاهوتِيِّينَ. وبالمُناسبة، فإنَّ العدد 20 يُشيرُ إلى إشَعْياء 19: 12 وإشعياء 33: 18. وأعتقدُ أنَّهُ يُشيرُ أيضًا إلى مُشِيري مِصْرَ الَّذينَ بَرْهَنَ اللهُ على حَماقَتِهِمْ، وإلى كَتَبَةِ أَشور الَّذينَ ثَبَتَتْ حَماقَتُهُمْ أيضًا. فالجَميعُ حَمْقى. أَحْضِروهُمْ جميعًا لأنَّنا نَقرأُ في العدد 21: لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ" ... وَهُوَ يَقتَبِسُ مَقاطِعَ صَغيرةً مِنَ العهدِ القديمِ مَعروفةً لَدى النَّاسِ لكي يُؤكِّدَ ما يَقولُهُ بأنَّ كُلَّ حِكْمةِ العالمِ، وكُلَّ ذَكاءِ أَذْكى النَّاسِ، وكُلَّ الحَكَماءِ، وكُلَّ المُحامينَ، وكُلَّ المُجادِلينَ والفلاسِفَةِ مُجتَمِعينَ لا يَقدرونَ أنْ يَعرفوا اللهَ (كما جاءَ في العدد 21). فيُمكنُكُمْ أنْ تَجمَعُوا كُلَّ العُقولِ النَّابِغَةِ في كُلِّ الجامِعاتِ في العالمِ، وفي بَلَدِنا، وأنْ تَأتُوا بِهِمْ مَعًا. ولكنَّهُمْ جميعًا لا يَستطيعونَ أنْ يَعرفوا اللهَ. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَعرفَ اللهَ مِنْ مُنْطَلَقِ الحِكمةِ البشريَّةِ حَتَّى في أَرْقى حالاتِها، وحَتَّى في أحْسَنِ حالاتِها. إذًا، لماذا يَرْفُضُ غيرُ المُؤمِنينَ الكِتابَ المقدَّسَ؟ ولماذا يُبْغِضونَ الكِتابَ المقدَّسَ؟ ولماذا لا يُبالونَ بالكِتابِ المقدَّسِ؟ ولماذا لا يُبْدونَ اهتمامًا بالكتابِ المقدَّسِ، بَلْ يُظْهِرونَ كُلَّ عَداوَةٍ للكِتابِ المقدَّسِ؟ الجَوابُ بِبَساطَةٍ هُوَ: لأنَّ الإنجيلَ المقدَّسَ ليسَ مَعقولًا بالنِّسبةِ إليهِمْ، وَلأنَّهُ ليسَ مَفْهومًا بالنِّسبةِ إليهم.

ثالثًا، إن كانَ مفهومًا لديهم فإنهم لن يُصدقونَهُ … لن يُصدقونَهُ. وهذه، دون شك، أمورٌ متداخلةٌ. ولكنه يقولُ في العدد 22: "لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً!" فالصليبُ هو المشكلة. فاليهود لم يتمكنوا من التعامل معه. فما الآية التي أرادوها، لقد أرادوا آية في القمر والنجوم والسماء تَنَبَّأَ من خلالها الأنبياء عن مجيءِ الرب وتأسيس الملكوت الموعود. وقد كانت لديهم آيات كثيرة. فقد كان ليسوع سُلطانٌ على الأمراضِ، والشياطين، والموت، والطبيعة. فقد قَضَى حَرفيًا على المرض في أرض إسرائيل طوال فترة خدمته. وقد رأوا قدرته العظيمة. فلا أحد قَطّ قال إن معجزاتِ يسوعَ غير صحيحة. ولا أحد قَطّ شَكَّكَ في مُعجزاتِه. ولم يحاول أحد أن يُكذِّبَ مُعجزاتِهِ. وحتى فيما يختص بالقيامة، كانوا يَعلمون أنه قام من الأموات. لقد كانوا يعلمون ذلك. كان القادة يَعلمون ذلك. وقد رَشَوْا الجنودَ لكي يكذبوا ويقولوا إن جسدَهُ قد سُرِقَ مع أنهم كانوا يعلمون أن ذلك غير صحيح. فلا يمكنك أن تقدم لهؤلاء الناس آيات كافية - البَتَّة. فجميع الأشخاص الذين يقومون بالمعجزاتِ الزائفةِ على مَرأى منَ الحُشودِ الغَفيرة (والذين تشاهدونهم على شاشات التلفزيون، والذين يظنون أن ذلك سيجعل الناس يَقبلون الإنجيل) هُمْ على خطأ. فليس هذا هو ما يأتي بالناس إلى الإنجيل. فيمكنك القيام بالمعجزاتِ الزائفة قَدْرَ ما تشاء، ولكنَّ هذا ليسَ ما يُقنع الناس. فالسبب الوحيد في إيمانِ الناسِ بالإنجيل هو أن الروح القُدُسَ يعطيهم حياة. والطريقةُ الوحيدةُ التي يمكنه من خلالها أن يعطيهم حياةً هي بإعلانِ الحق. فَهُمْ يُولَدون ثانيةً بكلمةِ الحَقِّ (كما جاء في 1بطرس 1: 23).

لذلك وبصراحة، فإن الأمر كُلَّهُ لا يُصَدَّق. فبالنسبةِ إلى اليهود، أرادوا آياتٍ - ولا سيما الآيةَ العظيمةَ. فقد أرادوا أن يَرَوْا مَجيءَ المَسِيَّا، وعلاماتٍ في السماءِ. ثم أرادوا أن يَرَوْا المَسِيَّا وَهُوَ يؤكِّدُ ديانَتَهُم. أليس كذلك؟ فإن كان يسوع هو المسيا، فسوف يُرَبِّتُ على ظُهورهم لأنهم المتدينون الطَّاهِرون. ولكنَّ يسوعَ جاء واستخدَمَ أقسَى الكلمات وأعنفَها لتوبيخ قادة إسرائيل الدينيين. اقرأوا إنجيل مَتَّى 23. فقد قال عنهم إنهم يشْبِهُونَ "قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ". وقد قال إنهم أنجبوا أولاد هلاك. ولكنهم لم يتوقعوا من المسيا أن يقول ذلك. وهُم لم يتوقَّعوا منهُ أنْ يُهاجِمَهُم، بل توقعوا من المسيا أن يهاجم الرومان. ولكن عوضًا عن ذلك، فقد قَتَلَهُ الرومان. وقد كانت تلك عَقَبة كبيرة. فكيف يُعقَل أن يكون هُوَ المسيَّا في حين أنَّ الأمَّة قد رَفضتهُ، وفي حين أنَّ القادة قد رفضوه، وفي حين أنَّ الرومان قد قتلوه؟ وبالنسبة لليونانيِّين، كانت الفكرة بِرُمَّتِها سخيفة. فمِن غيرِ المعقولِ أنْ يكون هذا اليهوديُّ المصلوب الذي ينتمي إلى شعب مغمور جدَّا في مكان مغمور جدًّا في بقعة في الإمبراطورية الرومانية في أرض إسرائيل … لا يمكن لذلك الرجل الذي صُلِبَ مِنْ قِبَلِ الرومان ورُفِضَ من شعبه أن يكون هو الله السرمدي، والله الواحد الحقيقي، والله الوحيد، وأنه جاء إلى العالم في هيئة بشرية، ومات موتًا بَدليًّا لكي يوفر الخلاص، وأنَّ هذه هي الطريقة الوحيدة لتخليص الخطاة. فهذا أمر غير معقول.

وإن ذهبتم إلى ساحة مكسيموس في مدينة روما اليوم، يمكنكم العثور هناك على موقع قديم فيه نقش على حجر. وما زال جزء منه موجودًا حتى اليوم. وهو نقش لصليب يتدلى منه رجل له رأس حمار. وفي الأسفل شخص ينحني قائلًا: "أليكسوس مينوس يَعْبُدُ إلَهَهُ". وقد كان ذلك النقشُ يَسخر من المسيحية. فما هذا الأنسان الذي ينحني ليعبد حمارًا مصلوبا؟ فقد كان الأمر يبدو بهذه الحماقة. فهو غير مقبول البتة. وبصراحة فإن الإنجيل جهالة، وحماقة، وغير قابل للتصديق. علاوة على ذلك فإنهم عالقون لأنهم لا يستطيعون الحصول عليه لأن الطريقة الوحيدة التي ينظرون فيها إلى الأشياء هي المنطق البشري. وبصراحة لو كانوا يملكون القدرة على فهمة فإنهم لن يبذلوا أي جهد لأنه غريب جدًا بالنسبة إليهم.

واسمحوا لي أن أَذْكُرَ مُشكلةً رابعة تجعل الناس لا يؤمنون بالإنجيل وهي أن من ينادون به أشخاص عاديون. أجل، فرسالتُهُ غيرُ معقولة، وحقيقتُه لا يمكن فهمها، وحَقُّهُ لا يمكن تصديقه، والأشخاص الذين ينادون به غير مُمَيَّزين. فقد تقول: "اسمع يا رب، إذا كنت تريد توصيل هذه الرسالة، يَنبغي لكَ أن تَضَعَها بأيدي أُناسٍ من أصحاب النفوذ. ويجب عليك أن تضعها بأيدي أشخاصٍ مَشهورين. فهُمْ قادرون على جعلها قابلة للتصديق". حقًا؟ ولكن هذه لم تكن خطة الله. ارجعوا إلى النص، إلى العدد 26: "فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ". فالنصُّ يَذكُرُ عبارة "ليس كثيرون" ثلاث مرات: ليسَ كثيرون … ليس كثيرون … ليس كثيرون. فأغلبية المؤمنين ليسوا مثيرين للإعجاب ... ليسوا مُثيرينَ للإعجاب، ولا سِيَّما لعالمِ أصْحابِ العقولِ الكبيرة. فنحن لسنا نُخبةَ مُفكري العالم. ونحن لسنا الأقوى، بمعنى أننا لسنا الأقوى تأثيرًا أو الأعلى سُلطةً. ونحن لسنا شُرَفاء. وما معنى ذلك؟ الحَسَبُ والنَّسَبُ والمكانةُ الاجتماعيَّة المرموقة، والسُّلالة الملكيَّة؟ لا. إذًا، مَن نحنُ؟ حسنًا، إنَّ العدد 27 يقول إنَّنا جُهَّال وضُعفاء. والعدد 28 يقول إننا أدنياء العالم، والمُزْدَرَى، وَغَيْرَ الْمَوْجُود. فنحن لسنا حُكماء، بل جُهَّال (في ضوء المُفارقة المذكورة في هاتين الآيتين). ونحن لسنا أقوياء، بل ضُعفاء. ونحن لسنا شرفاء، بل أدنياء.

انظروا إلى الكلمة "أدنياء" في العدد 28: "أدنياء العالم". فالكلمة اليونانية المُترجَمة "أدنياء" هي: "أغينيس" (agenes). والكلمة "غينوس" (genos) تعني "مولود". لذلكَ فإنَّنا نَستخدم الكلمة "جينيتيكس" (genetics) لأنها مِن ذات الجذر. فنحنُ "أغينيس" (agenes). وما مَعنى ذلك؟ أننا لم نُوْلَد، بل نحنُ غير مَولودين. بعبارة أخرى، فإننا غيرُ موجودين. وقد صارت هذه الكلمة تعني "الأشخاص عَديمو الشَّأن" … "الأشخاص عَديمو الشَّأن". فنحنُ لسنا أصحاب القرار والنفوذ. ثُمَّ يَدخل (بولس) إلى الأعماق أكثر. وقد كان يكفي أن يقول إننا "أغينيس" (أي غير مولودين، وغير موجودين). ولكنَّه يقول إننا "المُزْدَرى". ثُمَّ يَقول إنَّ اللهُ اختار المُزْدَرى وغير الموجود. وهذه الكلمة هي اسم الفاعل للفعل "يكون" ("إيمي" - eimi)، وهي أحَطُّ تَعبيرٍ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ بأسْرِها. فكأنَّهُ يَقولُ: "أنتُمْ لا وجود لكم". فإن أردتَّ حقًّا أنْ تُحَقِّرَ شخصًا فإنَّك تقول له: "أنْتَ لا وجود لك". لذلك، "لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ". فالله اختار (أرجو أن تلاحظوا ذلك)، فالعبارة تتكرَّر: الله اختار … الله اختار … الله اختار (في حال أنَّكم ما زلتم تَتَصارعُون معَ عَقيدةِ السِّيادةِ الإلهيَّة). فاللهُ اختارَ … اللهُ اختارَ … اللهُ اختارَ (أربعَ مرَّات في العدد 29): "لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ".

والخلاصةُ التي نَصِلُ إليها هنا هي أننا أشخاصٌ عاديون. وهناك فكرة خطرت ببالي في الخدمة الأولى. فقد كنت مع "ديباك شُوبرا" (Deepak Chopra) ذاتَ مَرَّة بين الاستراحات في أحد البرامج التليفزيونية، وهو مُتَصَوِّفٌ هِندوسيٌّ وطبيبٌ أيضًا. وهو شخص ذكيٌّ. فقد تَعَلَّمَ أنْ يَفْصِلَ الناسَ عن أموالهم. لذلك فإنه شخصٌ ذكيٌّ جدًا، ولكنه يؤمن أنه هو الله. وقد كَتَبَ الكثير عن هذا الموضوع. وهو رُوْحانِيٌّ جدًا، ويُمارسُ التَّأمُّلَ الباطنيَّ. وهُوَ مُتَعَمِّقٌ في الهِندوسيَّة، وغير ذلك. وقد كان من الصعب عليه جدًا أن يتعامل معي. فقد وجد صعوبة كبيرة. وذاتَ مَرَّة كُنَّا نَخوضُ نقاشًا فقال: "حسنًا، لن تتمكن من معرفة أي شيء عن هذا الموضوع. لن تتمكن من معرفة أي شيء عن هذا الموضوع". قلتُ: "الحقيقةُ هي أني أفهم ذلك. فأنا أفهم تلك الفلسفة، وأفهم تمامًا الخلفية التي جئتَ منها". وقد حَدَّثْتُهُ قليلًا عنها ثم قلتُ: "الحقيقة هي أَنِّي ألَّفْتُ كتابًا عن ذلك". فقال (وأنا أقتبس هُنا كلامَهُ): "لن أقرأ يومًا أي شيء مِن مؤلفاتك". حسنًا، فأنا غير موجود أصلاً. "أنتَ لستَ موجودًا في عالمي. اتركني وشأني". هذه هي الطريقة التي ينظر بها إلينا أصحاب العقول النابغة. أتَرَوْنَ! فغير المؤمنين يعيشون في الحالة التي هُمْ فيها بسبب هذه العَقبات. فهم ليسوا مُعجَبين بنا، ولا برسالتنا. بل هم معجبونَ بأنفسهم. والمشكلة هي أنهم يريدون أن يتبعوا مَنْطِقَهُم البشريَّ. ولكنك لن تَصِلَ إلى الحقيقة بهذه الطريقة.

وهناك شيء أخر يمكننا أن نقوله. فالأمر لا يقتصر على أن المؤمنين غيرُ جَذَّابين، بل إن الوعّاظَ أيضًا غيرُ مُواكِبينَ للعَصْرِ. أجل، فهذا هو ما يقوله بولس في الأصحاح الثاني والعدد الأول: "وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ". فعندما جاء إلى كورِنثوس مِنْ أجْلِ الوَعْظِ وتأسيسِ الكنيسة، قال: "وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ … أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ". ولكن ما الذي يَتحدَّثُ عنه؟ إنه يتحدث عَمَّا اعتادوا على سماعه من المُعلمين والفلاسفة. وما أَعنيه هو أن اليونانيِّين كانوا بارعين في فَنِّ الخَطابة. وكانوا بارعين في إدخال الناس في المتاهاتِ الفِكريَّةِ، وفي التَّعقيداتِ الفَلسفيةِ، وفي المُجادلات العَقيمةِ. وقد كانوا يَرفضون الرسالةَ لأنها غير جذابة. ويقول بولس: "لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا". فأنتم مُصِرُّون على الاستمرار في الحديث عن هذه السخافة والجهالة والغباوة المختصة بذلك الرَّجُل وذلك الصليب. فأين الذكاءُ الباطنيّ؟ وأين التخمينُ العقلاني؟ وأين التعقيدُ الفلسفيّ؟ لذلك فقد قالوا عنه في 2كورنثوس 10: 10 إنَّ حُضورَهُ الشَّخصيَّ ضعيفٌ، وإنَّ كلامَهُ حَقيرٌ. لذلك، مَنْ سيُصغي إليه. فَهُوَ ليس ذكيًّا. وهو لا يمتلك أيًّا من تلك الحكمة وأيًّا من ذلك التعقيد (أيْ تِلْكَ الحكمةَ المُعَقَّدَة). لذلك فقد كانت الرسالةُ مُزْعِجَةً، وكان الرُّسُلُ غيرَ جَذَّابينَ، وكان الوُعَّاظ الذين يُقَدِّمون الرسالةَ غيرَ مُواكِبينَ للعَصْر.

ولكنه لم يكن فقط ضَيِّقَ الأُفُقِ ويَحْمِلُ هذه الرسالةَ الساذجةَ التي يستمر في تكرارها (كما جاء في العدد 2)، بل إنه يقول في العدد 3: "وَأَنَا كُنْتُ عِنْدَكُمْ فِي ضَعْفٍ، وَخَوْفٍ، وَرِعْدَةٍ كَثِيرَةٍ". هيا، أين الزَّهْوُ يا رَجُل؟ أين الزَّهْو؟ ينبغي أن تُظهِرَ بعض التَّباهِي. ينبغي أن تكون عاصِفًا، وأن تُظهِرَ ثِقَةً بالنفس، وأن تكون مُهيمنًا. فقد كان الفلاسفة والمعلمون المشهورون في العالم في ذلك الوقت يَفعلون ذلك. ولكنه جاء في ضَعْفٍ وخوفٍ ورِعْدَة. أمَّا كَلامُه وكرازتُهُ فلم يكونا (حَسْبَ ما جاءَ في العَدَد 4) "بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ، لِكَيْ لاَ يَكُونَ إِيمَانُكُمْ بِحِكْمَةِ النَّاسِ بَلْ بِقُوَّةِ اللهِ". وهو يُدرك ذلك. فالأمر لا علاقة له بالدفاعيَّاتِ، ولا بالبراهينِ، ولا بإقناعهم، ولا بتغيير فِكرهم، ولا بوَضْعِ مَنْطِقِهِمْ في المَسارِ الصَّحيح. فهم أُناسٌ ساقطون. وهم بطبيعتهم يعيشون في الظلمة. وهم بطبيعتهم أموات. وهم مُصابون بعَمىً مزدوجٍ بسبب الشيطان. وهم مُنفَصِلون عن حياة الله، ولا يمكنهم أن يؤمنوا، ولن يؤمنوا.

والخُلاصة هي أن غير المؤمنين لا يؤمنون بالكتاب المقدس لأنه لا يمكنهم ذلك. فَلا يُمكنهم ذلك. ولا يمكنكم أنْتُم أن تجعلوا ذلك معقولاً. فكُلُّ محاولاتكم للظهور بمظهرٍ جَذَّابٍ واستخدامِ ذكائكم، ومحاولة التأثير فيهم لن تنجح. فلا يمكن للمرءِ، بمنطقه البشري، أن يَجِدَ اللهَ، وأن يجد المسيح، وأن يجد الإنجيل، وأن يجد الخلاص، وأن يُحِبَّ الكتابَ المقدس. فحكمةُ الإنسان قد تفعل أمورًا مدهشة في العالم الماديِّ، وفي العالم الزمنيِّ، وفي العلوم، وفي التكنولوجيا، وفي عِلْمِ الوراثة، وفي الطِّبِّ، وفي الصناعة، وفي الفنون، وفي الثقافة، وفي الأمور الأكاديمية، وفي جميع أنواع الإنجازات. ولكنَّ حِكمةَ الإنسان (كفَرْد أو كجماعة) تبقى عاجزة عن معرفة الله بوصفه مُخَلِّصًا. فقد يتمكنون من معرفة أن الله موجود (كما جاء في رومية 1). أليس كذلك؟ وقد يتمكنون من معرفة أن الله يمتلك شريعةً أخلاقيةً (كما جاء في رومية 2). ولكنهم يَبْقَوْنَ عاجزينَ عن معرفة الله. فالإنجيل ليس متاحًا للحكمة البشرية. وهذه هي المشكلة. فالناسُ يَجِدونَ أن الطريقَ المناسبَ لهم هو طريق المنطق البشريِّ المُشْبِعِ للذَّات. ولكنهم لن يصلوا إلى هُناكَ بهذه الطريقة.

إذًا لماذا نؤمنُ نحن؟ لِنَرى الاختلافَ هُنا. فما يزال لدينا بِضْع دقائق. لماذا نحن نؤمن ؟ قد تقولون: "حسنًا، نحن أذكى من جميع هؤلاء الناس". لا، نحن لسنا كذلك. إذًا لماذا نؤمن؟ العدد 6: "لكِنَّنَا" … "لكِنَّنا" (وَنَجِدُ الاختلافَ هُنا): "لكنَّنا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ". لحظة من فضلكم. إنهم لا يفهمون أننا أَحْكَمُ أُناسٍ على كوكب الأرض. فهل تعلمون الآن، في هذه اللحظة، أن اجتماعَكُم في هذه القاعة هو أكثر شكلٍ من أشكال الحكمة البشرية طُهرًا، وصِدقًا، وعُمقًا، وصِحَّةً، وشُمولاً في مدينة لوس أنجيليس، وفي ولاية كاليفورنيا - في هذا المكان تحديدًا. والمُحزِنُ في الأمر هو أنَّ لا أحدَ في الخارج يسألنا أيَّ شيءٍ بالرغم من أننا نمتلكُ كُلَّ الأجوبة. فنحن نتكلم بحكمة. وأنا أنتظر دائمًا أن يُكلِّمَني أحدٌ ما مِن واشنطن أو مِن أيِّ مكانٍ آخر. فقط اسألوني … فقط اسألوني. وقد حاول أحد الأشخاص أن يَسخر مِنِّي في مقابلةٍ إذاعيَّةٍ ذات مَرَّة إذ قال لي: "أينَ درستَ المُحاماة؟" "أنا لم أدرس المحاماة، بل قرأت الإنجيل فقط". وهذا الأمر يُثير غضبهم.

"لكنَّنا نتكلَّمُ الحِكمةَ بَيْنَ الْكَامِلِينَ". وهذا هو المِفتاحُ الأول. والكلمة "كاملين" تعني "ناضجين" وهي في الأصل "تيليوس" (teleios): "كاملين". وأنا أفهم هذه الكلمة هكذا: كامِلين، مُخَلَّصِين، مُكَمَّلِيْن لأننا نَصيرُ كامِلين فيه. وهذا هو التجديد. لماذا نَعْرِفُ الحكمة؟ ولماذا نتكلمُ بالحكمة؟ لأننا صِرنا كاملين. فقد جئنا إلى المسيح "الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ (كما جاءَ في رسالةِ كولوسي). وهذهِ هِيَ هِبَةُ اللهِ المجانية لنا مِن خلالِ تَجديدِنا. وقد أُعْطِيَتْ لنا هذهِ النِّعمة لا لأننا أذكى مِنَ الآخرين، بل لأنَّ الرُّوح أعطانا حياةً، والرُّوح أعطانا نُورًا، والرُّوحُ أَحْيانا وأعطانا حياةً، ونَزَعَ الغَشاوةَ عن أعْيُنِنا، وساعَدَنا على رُؤيةِ حَقِّ الإنجيل. ولعلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في 2كورِنثوس 4 إذْ نَقرأُ: لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: «أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ»، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ". فاللهُ أَشْرَقَ بنُورِهِ علينا وَأنارَ ظُلْمَةَ حياتِنا مِن خلالِ عملِ الروح القدس. ونحنُ نُحبُّ الكتابَ المقدَّسَ بسببِ عملِ الروحِ القدس. فهوَ الَّذي أعطانا حياةً. وأرجُو أن تُصْغُوا إليَّ: إنَّ هذهِ الحياةَ تَحتاجُ إلى الطَّعامِ لتَستمرَّ – تَمامًا مِثْلَ حياتِكُم الجسديَّة. فالحياةُ الروحيَّة تَحتاجُ إلى طَعامٍ. وما هو هذا الطَّعام؟ إنَّهُ كلمةُ اللهِ. إنَّهُ كلمةُ اللهِ.

وعَودَةً إلى العدد 6: "لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، الَّذِينَ يُبْطَلُونَ". فهي ليستْ حِكمة مِنَ العالَم. وهيَ ليسَتْ حِكمة أرضيَّة (كما يَقولُ يَعقوب). بل هي حِكمة نازِلَة مِنْ فَوق (كما جاءَ في رِسالةِ يَعقوب 3: 15-18). وهي

طَاهِرَةٌ وَمُسَالِمَةٌ. فنحنُ نَمتلكُ الحِكمةَ الحقيقيَّة.

ولكِنِ انظُروا إلى الثَّقافة. فلو كانَ الأمْر بيدِ سَماسِرَةِ السُّلطةِ في هذا المجتمعِ لألغَوْا كُلَّ مَسيحيٍّ مؤمنٍ وكُلَّ مَسيحيٍّ كِتابِيٍّ مِنَ الخِطابِ العامِّ إلى الأبد. فَهُم لا يريدونَ أن يَسمعوا أيَّ شيءٍ مِنَّا. فالحكمةُ الَّتي لدينا تُخالِفُ حِكمتهم. وهذهِ هي الحكمة الَّتي لا تزول. فنحنُ نقرأ في العدد 7: بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ". يا للعَجَب! فهل تُدركونَ أهميَّةَ وُجودكم في العالم؟ فقد لا تكونونَ مواكِبينَ للعَصْرِ. وقد لا أكونُ مواكبًا للعصرِ بمعنى أنَّني لا أفعلُ ما يُحِبُّهُ العالمُ ولا أقولُ ما يُريدُ الناسُ سَماعهُ. وقد لا تكونونَ مُميَّزينَ. وأنا لستُ مُميَّزًا. والحقيقةُ هي أنَّنا جميعًا غير مُمَيَّزين. بل نحنُ مُجَرَّد أشخاصٍ عاديِّين. ولكنَّكم تتكلَّمونَ بحكمةِ اللهِ لأنَّ الروحَ القدسَ أعطاكُم حياةً، ولأنكم تحبون حَقَّهُ. وهذهِ الحكمةُ هي "فِي سِرّ". ويَستخدمُ بولسُ الكلمة "مَستيريون" (musterion) للإشارةِ إلى الإنجيلِ الَّذي كانَ مَحْجوبًا في العهدِ القديمِ، ولكنَّهُ أُعلنَ تمامًا في العهدِ الجديد. فأنتم تتكلمون بالحكمة، بالحكمةِ المَطْوِيَّةِ في سِرٍّ. فهوُ يَقولُ: "الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا". فهي حِكمةُ الإنجيلِ الَّتي سَبَقَ اللهُ فعَيَّنَ أنْ تُعْلَنَ في هذا الدَّهْرِ وفي هذا العَصْرِ مِنْ أجْلِ مَجْدِ شَعْبِهِ. فنحنُ نتكلَّمُ بحكمةِ اللهِ.

ثم نقرأ في العدد 8: "الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ". فقد كانتِ الفئةُ الأكثر تدريبًا على كوكبِ الأرضِ، والأكثر تعمُّقًا في الأدبِ الكِتابِيِّ مِن بينِ القادةِ الدينيِّينَ في زمنِ يسوعَ، والذينَ كانُوا يَعرفونَ العهدَ القديمَ أفضلَ مِن أيِّ شخصٍ آخر (بوَصْفِهِ المَصْدرَ الوحيدَ للحقِّ الإلهيِّ) هُم فئةُ الفريسيِّينَ ورؤساءُ إسرائيل. وعلى الرَّغمِ من ذلك فإنهم لم يفهموا هذه الحِكمةَ لأنَّهُم لو فهموها لما صَلبوه. ولكِنْ لماذا لم يَفهموها؟ نقرأ في العدد 9 أنها تحوي أمورًا لا يمكنُ للعينِ أن تَراها، ولا يمكنُ للأُذُنِ أنْ تَسمَعَها. وهذا يعني أنك لا تستطيعُ ذلك ... وهذا يُعيدُنا إلى موضوعِ المَنطِق ... فهذا هوَ المذهبُ التَّجريبيُّ. فلا يمكنكَ أنْ تَراها، ولا يمكنكَ أن تَسمعها. بعبارة أخرى، لا يمكنُ لهذهِ الحِكمة أن تأتيكَ مِنَ الخارج. ولا يمكنها أن تأتيكَ تجريبيًّا، أو خارجيًّا، أو اختباريًّا. ثُمَّ نقرأُ في العدد 9: "وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ". فلا يمكنُ لذلكَ أنْ يأتي مِنَ الدَّاخلِ أيضًا. فلا يمكنكَ أنْ تَعرفَ هذا السِّرَّ (أيْ هذا الإنجيلَ الَّذي هُوَ إنجيلُ المسيحِ المُخلِّص) ... لا يمكنكَ أن تَعرفهُ اختباريًا، ولا تجريبيًّا مِنَ الخارجِ. ولا يمكنكَ أن تَعرفهُ حَدْسِيًّا أو روحيًّا مِنَ الدَّاخل. فلا يمكنكَ أن تَعرفه – لأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي أعَدَّهُ "لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ". ثُمَّ نقرأ في العدد 10: "فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ". إذًا، الأمرُ كالتالي: أولاً، اللهُ هوَ الَّذي أعطاكَ حياةً، ثُمَّ أعطاكَ إعلانًا. بعبارةٍ أخرى، فقد أعطاكَ تجديدًا، ثم أعطاكَ إعلانًا.

والآن، ما النَّفْعُ إنْ حَصَلنا على التَّجديدِ دونَ الحصولِ على هذا الكِتاب؟ فإن كان بمقدورنا أن نَفهم حكمة الله، يجب علينا أن نمتلك حكمة الله. أليسَ كذلك؟ لذلكَ فإن الروح أعطانا حياةً، ثم أعطانا كلمةً مُحْيِيَةً. إذًا، لماذا نُحبُّ الكتابَ المقدس؟ بسببِ التّجديدِ بواسطةِ الروح القدس، وبسبب الإعلان بواسطة الروح القدس. فَهُوَ الذي أَوْحى بالكتابِ المقدَّس. وهذهِ هي الحِكمةُ المكتومةُ المتمثِّلةُ في الإنجيلِ المقدسِ الَّذي أُعلنَ لنا، والذي كَشَفَهُ اللهُ لنا (كما جاء في العدد 10) مِن خلال الرُّوح القدس. ويُبَرْهِنُ بولسُ على هذهِ النُّقطةِ بالقول: "لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ". وما الَّذي أعطانا إيَّاهُ الروحُ القدسُ في الكتابِ المقدسِ؟ النَّتائجُ النَّاشئةُ عنْ فحصِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاق اللهِ. ويا لها مِن فِكرة! ويا لها مِن حقيقة مُدهشة! فهذا الكتابُ يُعَبِّرُ عن أعماقِ اللهِ الَّتي يَفحصُها الروحُ القدسُ العالمُ بكُلِّ شيءٍ والذي أَوحى بذلكَ لكُتَّابِ الكتابِ المقدس. ويا لهُ مِنْ كَنْزٍ! يا لهُ مِن كَنْزٍ لا يُقَدَّرُ بثمن!

فهذا هو عملُ الروح القدس. ونقرأُ في العدد 11 قياسَ تَمْثيل: "لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟ هكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ". فالأمرُ يُشبِهُ رُوحَكَ الَّذي يَعرِفُكَ. وهذا هو الفرقُ بينَ الإنسانِ والحَيَوان. فالحَيَوانُ لا يَعرفُ أنهُ موجود، ولكنَّكَ تَعرفُ أنَّك موجود. وأنْتَ تَزِنُ أفكارَكَ. وأنتَ تمعن التَّفكيرَ في أفكارِك، ثُمَّ تُقَيِّمُها. وكما أنَّ الروحَ الَّذي فيكَ يَعرفُكَ، فإنَّ روحَ اللهِ يَعرفُ اللهَ تمامًا. فالروحُ القدسُ كُلِّيُّ العِلْمِ. والروحُ القدسُ هو الله، وهُوَ يَعرفُ كُلَّ ما يَعرفهُ اللهُ. واللهُ يَعرفُ كُلَّ ما يُمكِنُ مَعرِفَته. لذلكَ فقد أعطانا الروحُ القدسُ كُلَّ الأشياءِ الَّتي يَلْزَمُنا أن نَعرفَها لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى. ثُمَّ نقرأ في العدد 14: "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا". وبالمناسبة، فإنَّهُ مَيِّتٌ روحيًّا. "وَأَمَّا الرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ لاَ يُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ". فنحنُ نَقِفُ حَرْفِيًّا في هذا العالمِ. فيمكنني أن آخُذَ كِتابي المقدَّسَ وأنْ أُقَيِّمَ كُلَّ شيءٍ بالمُطْلَق، ولكِنْ لا يمكنُ لأيِّ شخصٍ آخرَ أنْ يَدْحَضَ هذا التَّقييم. فيمكنني أن أقولَ لكُم كيفَ يَنبغي أنْ تَكونَ الأمور. ويمكنني أن أقولَ لكم ما الصَّواب، ويمكنني أن أقولَ لكم ما الخطأ وفقًا لما يقولُهُ هذا الكِتابُ. ولا يمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَحْكُمُ عليَّ خارِجَ نِطاقِ هذا الكتاب.

وهُناكَ نُقطة أخرى ينبغي ذِكْرُها هُنا. فالسَّببُ في حُبِّكُم للكتابِ المقدسِ هو أنَّكُم تَجَدَّدْتُم، وأنَّكُمْ تَلَقَّيْتُم إعلانًا. ثالثًا، لقد حَصَلْتُم على الاستِنارَةِ. فنحنُ نَقرأُ في العدد 13: "الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ". وأينَ يَسكنُ الرُّوحُ القُدُس؟ أينَ يَسكنُ الروحُ القدس؟ فينا. فنحنُ نَقرأُ في رسالةِ يوحنَّا الأولى 2: 20 و 27: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ ... وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ" لأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يُعَلِّمُكُم. فهُناكَ مُعَلِّمٌ للحَقِّ يُقيمُ فيكُم هُوَ الرُّوحُ القدس. فَكِّروا في ذلك. فالروحُ القدسُ هو المُعَلِّمُ المُقيمُ فيكم. والروحُ القدسُ الَّذي يُعلِّمكم هو الَّذي أَوحي بهذا الإعلانِ الَّذي يَحوي كُلَّ الحَقِّ الَّذي يُعَلِّمُكم إيَّاه. وليسَ هذا فحسب، بل إنَّ الروحَ القدسَ الَّذي يُعَلِّمُكم، والذي أَعْلَنَ مُحتوى تَعليمِهِ، هوَ نفسُ الروحِ القدسِ الَّذي وَهَبَكُم الحياةَ لتَستوعبوا هذا كُلَّهُ. لذلكَ فإنَّنا نَحيا ونتحرَّكُ بالروحِ القُدُس.

إذًا لماذا نُحِبُّ الكتابَ المقدَّسَ؟ بسببِ عملِ التجديدِ، وعملِ الإعلانِ، وعملِ الاستنارةِ. وإحدى الآياتِ المفضَّلة لديَّ في الكتابِ المقدسِ هي الآية 16. فأنا أُحِبُّ هذهِ الآية. والآيَة 16 مُقتبَسَة مِن إشَعياء 40: 13 إذْ نَقرأُ: "لأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمَهُ؟" فهل تَعلمونَ أنَّ إشَعياء يَقولُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ اللهِ؟ مَنْ يَسْتَطيعُ أنْ يَعرِفَ فِكْرَ اللهِ؟ وأنا أَسْمَعُ شخصًا يَقولُ: "مَنْ يَعْرِفُ ما يُفَكِّرُ اللهُ بِهِ؟" أنا أَعْلَمُ. فهل تُلاحِظونَ الجُزءَ الآخَرَ مِنَ الآيَة؟ "وأمَّا نحنُ فَلَنا فِكْرُ المسيح". وهل سَمِعتُم يومًا شيئًا أرْوَعَ مِن ذلك؟ فنحنُ لنا فِكرُ المسيح.

فيمكنني أن أتَجَوَّلَ في أيِّ صَفٍّ يُعَلِّمُ الفَلسفةَ في أيِّ جامعةٍ وأنْ أقول: "أنا هُنا لأقولَ لكُم ما يُفَكِّرُ فيهِ المسيحُ بشأنِ أيِّ شيءٍ. فهُوَ خالِقُ الكونَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَان. وَهُوَ دَيَّانُ الكَوْنِ. وهُوَ الَّذي يُقَرِّرُ مَصيرَ كُلِّ شخصٍ. وهُوَ مُنْشِئُ كُلّ الأخلاقِ، وكُلّ العلاقاتِ، وكُلّ ما هُوَ حَقّ. وهُوَ الَّذي سَيَدينُ كُلَّ ما هُوَ شَرّ. وأنا هُنا لأقولَ لكُم كُلَّ ما يُفَكِّرُ فيهِ بالمُطْلَق". ماذا؟ لقد جَرَّبتُ ذلكَ في صَفٍّ لتعليمِ الفلسفةِ في جامعة "نورثريدج" بولاية كاليفورنيا. وقد كانتْ تلكَ صَعْقَة لعقولهم. "ماذا؟ مَن يكونُ هذا الرَّجُل؟" الحقيقةُ هي أنِّي قُلتُ لهُم في صَفٍّ للدكتور "كريمر". فقد كانَ يُريدُ أنْ يَستضيفَ شخصًا أُصُولِيًّا في صَفِّ الفلسفةِ ذاك. وقد قُلتُ: "انظروا، سوفَ أُخبرُكُم الحقيقةَ عن كُلِّ شيءٍ لأنِّي أعرِفُ ما يُفَكِّرُ فيهِ اللهُ بشأنِ كُلِّ شيء". وليتَكُم شاهَدْتُم ما حَدَثَ في ذلكَ الصَّفِّ الجامعيِّ. فقد احْوَلَّتْ أَعْيُنُهُم.

وقد قُلتُ: "ولكِن يجب أن أقولَ إنَّهُ ما مِن أحدٍ مِنكم سيُؤمِنُ بأيِّ شيءٍ أقولُه. أنتُم لن تؤمنوا بهِ". فقالَ أحدُ الطَّلبَة: "عَجَبًا، عجبًا، عجبًا، عجبًا! ما الَّذي تَعنيهِ بقولِكَ إنَّ أحدًا لن يُؤمِنَ بذلك. لماذا؟" قلتُ: "لأنَّكُم لا تَستطيعون". أتَرَوْنَ؟ فقد وَقَعُوا في وَرطةٍ الآنَ لأنهم أرادُوا أن يُثْبِتوا لي أنَّهُمْ يَستطيعون الإيمانَ بذلك. ولكنِّي قُلتُ (حَسْبَ ما أَذْكُرُ) ... لقد قُلتُ: "يمكنني أن أُخبركُم كُلَّ ما تريدون، وكُلَّ ما هُوَ مُهِمّ، وكُلَّ حَقٍّ تَحتاجونَ إليه. فأنا أَعرفُ". أنا أَعرفُ لأنَّ لي فِكْر المسيح". وهذا يَختلفُ عَمَّا يقولُهُ بعضُ الأشخاصِ إذْ هُمْ يَقولون: "آمَلُ أنْ يكونَ لديَّ فِكْرُ المسيحِ في هذا الموضوع". لا، لا، لا! فالأمرُ لا يَختصُّ بما يُريدُهُ يسوعُ مِنكَ – أنْ تَشتري سيَّارةً زرقاء أو حَمراء؟ أنْ تَتزوَّجَ هذهِ الفتاة؟ أو ذلك الرَّجُل؟ هذا ليسَ فِكْرُ المسيح. فعندما تَقولُ الآيةُ إنَّ لَكُم فِكْر المسيح فهذا يَعني أنَّكُم تَعرفونَ كيفَ يُفَكِّرُ في كُلِّ شيءٍ مُعلن هُنا، أليسَ كذلك؟ فهذا هو فكْرُ المسيح. أَتَسْمَعون؟ فهذا هو ما قالهُ يَسوعُ في إنجيل يوحنَّا 15: "لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي".

فلا يوجَد مكانٌ لا يمكنكم الدُّخول إليه والقول: "أنا هُنا، يا أصدقائي، لأخبركُم عن فِكْرِ اللهِ بشأنِ كُلِّ شيء ... كُلِّ شيء". ومِنَ المؤسفِ أنَّ لدينا الكثيرَ لنُقَدِّمُه، ولكنَّ الجمهورَ قليلٌ جدًّا. أليسَ كذلك؟ ولكِن أتَعلمونَ أنَّ هذا هو السَّببُ في محَبَّتنا للكتابِ المقدَّسِ. فنحنُ لا نَكتفي مِنْهُ. فنحنُ الشَّرِكَة – أوْ نَحنُ امتِدادُ شَرِكَةِ القَلْبِ المُلتَهِبِ على الطَّريقِ إلى عِمْواس - إذا كُنْتُم تَذكرونَ ما حَدَثَ حينَ مَشى يَسوعَ مَعَ التِّلميذَيْنِ. وعندما فَتَحَ الأسفارَ المقدَّسَةَ وشَرَحَ كُلَّ شيءٍ، نَقرأُ أنَّ قَلْبَهُما التْهَبَ فيهما. إنَّها شَرِكَةُ القلبِ المُلتَهِب. إذًا لماذا نُحِبُّ الكتابَ المقدس؟ نحنُ نُحبُّ الكتابَ المقدسَ لأنَّ الربَّ أعطانا حياةً بمُقتضى سِيادتِهِ الإلهيَّةِ. فقد اختارَنا، وأعطانا حَياةً، وجَدَّدَنا، وأعطانا إيمانًا فَآمَنَّا وَصارَتْ لنا حَياةً. فقد أعطانا إعلانًا وَوَضَعَهُ بينَ أيدينا. وقد وَضَعَ مُؤلِّفَ هذا الإعلانَ في قُلوبِنا ليُفَسِّرَهُ لنا. ثُمَّ فَعَلَ ما هُوَ أكثر مِن ذلكَ إذْ عَيَّنَ مُعَلِّمينَ وقادةً في الكنيسةِ ليكونوا (بقوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ) مُعَلِّمينَ ورُعاةً لَنا، وليأخذونا إلى أعماقِ الحَقِّ الإلهيِّ.

وقد تقولُ: "حسنًا، لقد ظَنَنْتُ أنَّكَ ستقولُ إنَّ هذا هُوَ إنجيل الاتِّضاع". سوفَ أتحدَّثُ عن ذلك. ارجعوا إلى الأصحاح الأوَّل والعدد 30. فالحقيقةُ هي أنَّكُم قادرونَ على أنْ تُحِبُّوا الإنجيلَ، وأنْ تُحِبُّوا الكتابَ المقدسَ، وأن تُحبُّوا الحَقَّ ... استمعوا إلى هذه الكلماتِ في العدد 30 لأنَّهُ بِفَضْلِ اللهِ صارَ لَكُمْ مَقامٌ في المسيحِ يَسوعَ". إذًا، مَنْ فَعَلَ ذلك؟ مَن فعلَ ذلك؟ اللهُ هُوَ الَّذي فَعَلَ ذلك. "وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ". فاللهُ أعطاكُمْ هِبَةً بِفَضْلِ سِيادَتِهِ. وبسببِ ما فَعَلَهُ صِرْتُم في المسيح، ونِلْتُم حِكمةً إلهيَّةً، وبِرًّا، وتَقديسًا، وفداءً حَتَّى كما هُوَ مَكتوبٌ (في إرْميا 9): فمَنْ أرادَ أنْ يَفْتَخِر فليَفتَخِر بماذا؟ إنَّهُ إنْجيلُ الاتِّضاع. أليسَ كذلك؟ إنَّهُ إنجيلُ الاتِّضاع.

نَشكُرُكَ، يا أبانا، على هذهِ الأيَّامِ الَّتي صَرَفْناها معًا. ونَشكُرُكَ على كَلِمَتِك لأنَّها فعَّالة جدًّا، ولأنَّها ثَمينة جِدًّا بالنِّسبةِ إلينا. ونَشكُرُكَ على الفَرَحِ الَّذي مَلأَ قُلوبَنا في الأيَّامِ السَّابقةِ معَ هؤلاءِ الأحبَّاءِ الأعزَّاء الذينَ جاءوا مِن جميعِ أنحاءِ البِلادِ وَالعالمِ. ونَشكرُكَ مِنْ أجلِ كنيستنا الغاليةِ المَحبوبة، ومِنْ أجلِ المؤمنينَ الحاضرينَ هُنا والذينَ يَعبدونَكَ بأمانةٍ ويُحِبُّونَ أحَدُهُمُ الآخَرَ، ويُظْهِرونَ فِكْرَ المسيحِ بطُرُقٍ رائعةٍ في الكنيسةِ وخارِجِها. ونَشكرُكَ على كُلِّ ما تَفْعَلُهُ هُنا. ونَشكُرُكَ على الرِّجالِ الأُمناءِ الذينَ تَوَلَّوا القِيادَةَ هُنا، وعلى الرِّجالِ والنِّساءِ الذينَ خَدَمُوا الرَّعيَّةَ هُنا وكانُوا يَدَ المَسيحِ لَهُم. ولكنَّنا نَعلمُ أنَّكَ تَأتي لنا مِن خلالِ إخوتنا وأخواتِنا وأنَّكَ تُريدُ مِنَّا أنْ نَكْرِزَ بالكلمةِ حولَ العالم. ونحنُ نُصَلِّي، يا رَبُّ، أن تَستمرَّ في جَعْلِ هذهِ الكنيسةِ تَزْدَهِرُ في محبَّتِها لكَ ومحبَّتها للكلمة. عَمِّق محبَّتنا للكِتابِ المقدَّسِ وشَغَفنا بِهِ. ونحنُ نَشكرُكَ لأنَّ لنا فِكْر المسيح. فنحنُ نَعلمُ كيفَ تُفَكِّر. وليتَنا نُحِبَّ هذا الحَقَّ بطريقةٍ تَظْهَرُ مِن خلالِ طَاعَتِنا ... مِنْ خِلالِ طاعَتِنا. نَشكُرُكَ باسمِ المسيح. والكُلُّ يَقول: "آمين!"

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize