Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أرجو أنْ تَفتحوا كُتُبَكُم المقدَّسة فيما نَنظُر معًا إلى هذهِ القصَّة الرائعة والعظيمة المُختصَّة بميلادِ المسيح. وَالنَّصُّ الَّذي سنتأمَّلُ فيه هو إنجيل مَتَّى والأصحاح الأوَّل. وأودُّ أنْ أبتدئَ بالقراءة مِنَ العدد 21 إلى العدد 4 مِنَ الأصحاح الثاني. والغايةُ مِن ذلك هي أنْ أُعطيكُم خَلفيَّةً عنِ الرِّسالةِ الَّتي وَضَعَها اللهُ في قلبي لِهذا الصَّباح.

إنجيل مَتَّى 1: 21: "فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ. وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِــيِّ الْقَائِلِ: «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ، وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ. وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ. وَدَعَا اسْمَهُ يَسُوعَ".

 

"وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّــنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ». فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ: «أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟»".

 

وأودُّ أن أتحدَّث إليكم في هذا الصَّباح عن موضوعِ "قُوَّةِ حَقيقةِ عيدِ الميلادِ المجيد". وصَلاتي هي أنَّهُ، بِطريقةٍ ما، لا يُوجَد حَتَّى في مُجتمَعِنا شيءٌ يُمكن أنْ يُلْهينا عن رَوْعَةِ عيدِ الميلادِ المجيد، مَعَ أنِّي أُقِرُّ بأنَّ صَلاةً كهذهِ هي حُلْمٌ صَعْبُ التَّحقيق. فعيدُ الميلادِ المَجيد صارَ مُعَقَّدًا جِدًّا، ومُشَوَّشًا جدًّا، ومُرْبِكًا جِدًّا بسببِ كُلِّ الأمورِ الَّتي تَجْري حَتَّى إنَّ بَساطَةَ ميلادِ المسيحِ اخْتَلَطَتْ بالأوهامِ وَفَقَدَتْ أهميَّتَها.

فيجب أنْ يكونَ عيدُ الميلادِ المجيد بَسيطًا، لا مُعَقَّدًا، بل بَسيطًا جدًّا. ويجب أنْ يَتِمَّ تَخْليصُ عيدِ الميلادِ المَجيدِ مِنْ كُلِّ بَهارِجِهِ حَتَّى لا يَبقى فيه سِوى بَساطَةِ أنَّ اللهَ صَارَ إنسانًا. فهذا هو العُنصرُ الوحيدُ في الاحتفالِ السَّنَوِيِّ بعيدِ الميلادِ المجيد الَّذي يَحْوي أيَّ قُوَّة حقيقيَّة مُؤثِّرة في الحياة. فلا توجد قُوَّة حقيقيَّة، ولا يوجد سلامٌ حقيقيٌّ، أو تَعزية، أو رجاء، أو محبَّة، أو وعد، أو ثِقَة في المُستقبَل في "سانتا كلوز".

ولا تُوجد قيمة حقيقيَّة في أيِّ هديَّة أرضيَّة أو في أيِّ عاطفة أرضيَّة نُعَبِّرُ عنها. فالشَّجرةُ تَموتُ (بالمَعنى المَجازِيِّ)؛ هذا إنْ كانت حَيَّةً أصلاً لأنَّها كانت مُزَيَّفة في الأصل. ولا يُمكن لأيِّ غِلافٍ جَميلٍ ولا حَفْلَةٍ أنْ تَهَبَها حَقًّا حياةً نَابِضَةً. ولا يُمكنُ لأيِّ أضواءٍ أنْ تَرْفَعَ النَّفسَ المُحَطَّمَةَ إلى مُستوىً رُوحِيٍّ أعلى. فلا توجد قُوَّة في "سانتا كلوز". ولا توجد قُوَّة في أيِّ شجرة. ولا توجد قُوَّة في الاجتماعِ معًا. ولا توجد قُوَّة في الأضواءِ ولا في العواطِف.

وعندما تكونُ يائسًا، فإنَّكَ بحاجة إلى القُوَّة. وفي سَاعَةِ الحاجة، فإنَّ كُلَّ ما يُقَدِّمُهُ عيدُ الميلادِ المَجيد هو يسوعُ المسيح. وَهُوَ كَافٍ بِكُلِّ تأكيد. فهو الوحيدُ الَّذي يَقدرُ أنْ يَملأَ القلبَ بالرَّجاءِ في وقتِ الشَّكِّ. وَهُوَ الوحيدُ الَّذي يَقدرُ أنْ يَملأَ القلبَ بالفَرَحِ الدَّائمِ في وقتِ الحُزن. وَهُوَ الوحيدُ الَّذي يَقدرُ أنْ يَملأَ القلبَ بالسَّلامِ في وقتِ الخوف. وعندما تَصِلُ الحياةُ إلى نُقطةِ اليأس، فإنَّ الرَّجاءَ الوحيدَ هو المسيح.

ولكِنْ ما الشَّيءُ المُمَيَّزُ في المسيح الَّذي يُعطي هذا الرَّجاء؟ وَما الشَّيءُ المُمَيَّزُ في المسيح الَّذي يُعطي هذا الفَرَح في وَسَطِ الحُزْنِ العَميق؟ وَما الشَّيءُ المُمَيَّزُ في المسيح الَّذي يُعطي التَّعزية عندَ الشُّعورِ بالوَحدة؟ وَما الشَّيءُ المُمَيَّزُ في المسيح الَّذي يُعطي السَّلامَ في وقتِ الخوف؟ إنَّ نَظرةً واحدةً بسيطة إلى ميلادِ ابْنِ اللهِ تَكْفي لإجابَتِنا عنْ ذلكَ السُّؤال.

وإذا سَمَحْتُم لي، أودُّ أنْ تَرْجِعوا إلى المَقْطَعِ الَّذي قَرأناه مِنْ إنجيل مَتَّى والأصحاحَيْن الأوَّل والثَّاني، وأوَدُّ أنْ أَلْفِتَ انْتباهَكُم إلى أربعةِ ألقابٍ للمسيح. وكُلُّ لَقَبٍ مِنْها يُعطينا فِكرة عن سَبَبِ كِفايَتِهِ الكاملة لنا، وعنِ القُوَّةِ الحقيقيَّةِ في عيدِ الميلادِ المجيد. وما هي الألقابُ الأربعة؟ نَقرأُ في العدد 21 أنَّهُ يُدْعَى "يَسوع". ونَقرأُ في العدد 23 أنَّهُ يُدْعَى "عِمَّانوئيل". ونَقرأُ في العددِ الثَّاني أنَّهُ يُدْعَى "المَلِك". ونَقرأُ في العددِ الرَّابع أنَّهُ يُدعَى "المسيح". وكُلُّ هذه الألقابِ أُطْلِقَتْ على ذلكَ الطِّفْلِ الصَّغير: يَسوع، عِمَّانوئيل، المَلِك، المَسيح ... يَسوع، عِمَّانوئيل، المَلِك، المَسيح.

وهذه الألقاب سَتُخْبِرُنا كيفَ أنَّ طِفْلَ عيدِ الميلاد المَجيد لديه القُدرة على رَدِّ القَلْبِ الخَائِر. أوَّلاً، لنتأمَّل في اللَّقَب "يسوع". فنحنُ نَقرأُ في العدد 21: "فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ". لماذا؟ "لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ". يَسوع. فهو يُعطي خلاصًا لِشَعْبِهِ. وَهُوَ يُخَلِّصُهُم مِن خطاياهُم. ونَقرأُ في العدد 25 أنَّهُ عندما وُلِدَ، فإنَّ يُوسُفَ دَعا اسْمَهُ "يَسوع" إطاعَةً لأمرِ الله.

وبالمُناسبة، فإنَّ الاسْمَ "يَسوع" هو أَحْلى اسْمٍ للمُخَلِّص؛ مِنْ وُجهةِ النَّظرِ الأرضيَّةِ على أَقَلِّ تقدير. وَهُوَ يُستخدَم أكثر مِن 700 مَرَّة في العهد الجديد. وَهو صيغة للكلمة العِبريَّة "يَشوع" ("يَشوع")، أو "هوشَع" أو يَهوشَع". وَهُوَ يَعني "يَهْوَه (أو الله) يُخَلِّص".

ونَقرأُ في إنجيل لوقا 2: 11: "أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ ... مُخَلِّصٌ". ونَقرأُ في إنجيل مَرقُس 10: 45 أنَّ ابْنَ الإنسانَ قد جاءَ لِيُخَلِّص. ونقرأ في إنجيل لوقا 19: 10 أنَّهُ جاءَ لِيُخَلِّص، وأنَّهُ سيُخلِّص شَعبَهُ مِنْ خطاياهُم. وهذه حقيقة مَجيدة. وقد كَتَبَ الرَّسولُ بولسُ في رسالته إلى أهلِ أفسُس 1: 7: "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا". والمَعنى المَقصودُ هُنا هو أنَّ البشرَ خُطاة، وأنَّ الخطيَّة هي واقِعٌ لَعِيْنٌ يَحتاجُ الإنسانُ إلى الخَلاصِ أوِ التَّحَرُّرِ أوِ الإنقاذِ مِنْه. وقد جاءَ يَسوعُ إلى العالَم لكي يُخَلِّصَكَ مِنْ خَطاياك.

بأيِّ مَعنى؟ لكي يُخّلِّصَكَ مِنَ العواقبِ الأبديَّةِ لخطاياك، وتَحديدًا: مِنَ الدَّينونة الأبديَّة. ولكي يُخَلِّصَكَ أيضًا حَتَّى مِنَ الهَيْمَنَةِ الحاضِرَة لخطاياك. ولكِنْ بصورة أساسيَّة وجوهريَّة، لقد جاءَ لكي يُخَلِّصَكَ بمعنى أنَّهُ جاءَ لكي يُنْقِذَكَ ويُنْقِذَني ويُنقذَ جميعَ الذينَ يؤمنونَ به مِنَ الدَّينونة الأبديَّة النَّاجمة عن الخطيَّة.

وقد تقول (وأعتقد أنَّكُ مُحِقٌّ في ذلك) أنَّ مَغْفِرَةَ الخَطايا هي النَّتيجة الأساسيَّة للخلاص كما هُوَ مُبَيَّنٌ في كِلا العَهْدَيْن: القديم والجديد. فالخلاصُ يَعني الإنقاذَ مِنْ عُقوبةِ الخطيَّة. وفي العَشاءِ الأخير، حينَ جَمَعَ يسوعُ تلاميذَهُ في اللَّيلةِ السَّابقة للقَبْضِ عليهِ وَصَلْبِه، نَقرأُ أنَّهُ أَخَذَ الكأسَ وقالَ عن تلكَ الكأسِ إنَّها تُمَثِّلُ دَمَ العَهْد – دَمَهُ "الَّذِي يُسْفَكُ" [كما قالَ في إنجيل مَتَّى 26: 28] "لِمَغْفِرَةِ الخَطَايَا".

وفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 13: 38-39، نَقرأُ: "أَنَّهُ بِهذَا [أيْ: بيسوعَ] يُنَادَى لَكُمْ بِغُفْرَانِ الخَطَايَا، وَبِهذَا يَتَبَرَّرُ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تَتَبَرَّرُوا مِنْهُ". وكما تَرَوْن، فإنَّهُ كانَ وَلَدًا وُلِدَ ليُقَدِّمَ الغُفرانَ عنِ الخطايا. وأعظمُ يومٍ مُقَدَّسٍ في حياةِ بني إسرائيل هو يَوْمٌ يُدْعى "يوم كيبور" (Yom Kippur)، أو يوم الكَفَّارة. ففي كُلِّ سنة، كانَ اليهودُ القُدماء يَحتفلونَ بذلكَ اليوم الَّذي كانت تُقَدَّمُ فيه تَقْدِمَة عظيمة عن جميعِ خطايا كُلِّ الشَّعبِ في السَّنةِ السَّابقة.

وفي ذلك اليوم، بحسب ما جاءَ في سفر اللَّاوِيِّين والأصحاح 16، كانَ رُؤساءُ الكهنة يَختارونَ تَيْسَيْنِ ... تَيْسَيْنِ مِنَ المَعْزِ. وكانوا يَقتُلونَ تَيْسًا مِنْهُما، ويَذبحونَهُ، ويَرُشُّونَ دَمَهُ على المَذبحِ تَكفيرًا عنِ الخطيَّة – كَرَمْزٍ للحاجة إلى الموتِ عنِ الخطيَّة.

أمَّا الحَيَوانُ الآخَرُ فلم يكن يُقْتَل. فقد كانَ رَئيسُ الكَهَنة يَقترِب مِنَ التَّيسِ الآخَر، ويَضَعُ يَدَيْهِ على رأسِ ذلكَ التَّيسِ رَمْزًا لِنَقْلِ خطايا الشَّعبِ إلى ذلك التَّيْس. ثُمَّ كانَ يُطْلِقُ التَّيْسَ في مِنطقةٍ نائيةٍ مِنَ الصَّحراءِ حَتَّى لا يَجِدَ طَريقَ العودة ثانيةً ولا يُرَى مَرَّةً أخرى. وبالمَعنى الرَّمزيِّ، كانَ اللهُ قد أَوْصَى بمُمارسةِ هذا الاحتفالِ البسيطِ والتَّصويريِّ لكي يُبَيِّنَ أنَّهُ حيثُ توجد ذبيحة عنِ الخطايا، يوجد غُفرانٌ للخطيَّة حَتَّى لا تَعود تُذْكَر مَرَّةً أُخرى.

والحقيقةُ هي أنَّ التَّيْسَ الَّذي كانَ يُذْبَح لم يَكُنْ قادرًا على دَفْعِ أُجرةِ الخطيَّة. فقد كانَ يَرْمِزُ فقط إلى ذاكَ الَّذي يَقْدِر. وذلكَ التَّيْس الَّذي كانَ يُطْلَقُ في الصَّحراءِ رَمزيًّا لم يَكُنْ يَقدِرُ أنْ يُبْعِدَ الخطيَّةَ بعيدًا، ولكِنَّهُ كانَ يَرْمِز إلى ذاكَ الَّذي يَقْدِر. ولم يَكُنِ الأمرُ يَتطلَّبُ ذَبيحَتَيْن، بل ذبيحة واحدة فقط هِيَ: يَسوع الَّذي قَدَّمَ الذَّبيحةَ عنِ الخطيَّة، وأَبْعَدَ خَطايانا بَعيدًا.

والحقيقة هي أنَّ الكلمة "مَغفِرَة" ("أَفِييمي" – “aphiemi”) تَعني: "إبعاد" أو "إقْصاء". وهي تُستخدَم بالمَعنى القانونيِّ للإشارة إلى إلغاءِ دَيْنٍ أو إلى مَنْحِ الغُفران. لِذا فإنَّهُ مِنْ خلالِ موتِ يَسوعَ على الصَّليب، أَخَذَ خَطايانا جميعًا بنفسِهِ وماتَ عَنَّا مُقَدِّمًا ذبيحةً دَمويَّةً عن خطايانا. ثُمَّ إنَّهُ حَمَلَها إلى مَسافةٍ بعيدةٍ جدًّا حَتَّى لا تَعودَ ثانيةً.

والكِتابُ المُقدَّسُ يَتحدَّثُ عن ذلك. ونحنُ نَقرأُ في المَزمور 103: 12: "كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا". وَكَمْ يَبْعُدُ الشَّرْقُ عَنِ الغَرْب؟ إنَّها مَسافةٌ لا نِهاية لها. وهذا تَعبيرٌ عِبْرِيٌّ عنِ اللَّاتَناهِي. ونحنُ نَقرأُ في سِفْر إشعياء 44: 22: "قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ". فأنا لا أَرى بعدُ خطاياكَ كَما أنَّكَ لا تَرَى جَبَلاً في الضَّبابِ الكَثيف. فقَدْ مَحَوْتُ خَطاياكَ.

ونَقرأُ في سِفْر مِيْخا، النبيِّ العَظيم، في الأصحاحِ السَّابعِ: "مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ؟ يَدُوسُ آثَامَنَا، وَتُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ". فيا للعَجَب! هَلْ نَسْمَعُ هذا الحَقَّ العظيم؟ فقد وُلِدَ هذا الطفل ليُبْعِدَ الخطيَّة، ولكي يَدفعَ أُجرةَ خطايانا حَتَّى لا نُضْطَرَّ إلى دَفْعِ أُجرَتِها. لِذا فإنَّ بولُسَ يَقول: "إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (في رسالة رُومية 8: 1). فلا تُوجَد دينونة علينا. لماذا؟ لأنَّ الدَّينونةَ وَقَعَتْ على المسيح: "لأنَّهُ يُخَلِّص شَعبَهُ مِن خطاياهُم".

وقد فَعَلَ ذلك. فقد دَفَعَ الأُجرة. وقد ماتَ المِيْتَةَ الَّتي كانَ ينبغي أنْ نَموتَها نحنُ، وَحَمَلَ خطايانا وأبعدَها بعيدًا حَتَّى لا يَعودُ اللهُ نَفْسُهُ يَذْكُرُ وُجودَها. ونحنُ نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 2: 12: "أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لأَنَّهُ قَدْ غُفِرَتْ لَكُمُ الْخَطَايَا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ". فبسببِ شَخْصِهِ، وبسببِ قَصْدِهِ، وبسببِ مَجْدِهِ، فقد غَفَرَ جَميعَ خطاياكُم.

ويا لها مِنْ حقيقةٍ مُباركةٍ أنَّ يسوعَ المسيحَ جاءَ إلى العالمِ لكي يَغفِرَ الخطيَّة. وهذا لا يَعني أنَّنا لا نَقترِف خطيَّة. فنحنُ نُخْطِئ. وهذا لا يَعني أنَّ الخطيَّة لن تَتْرُكَ أثرًا مُؤذِيًا في هذه الحياة. فهي ستَترُك. ولكِنَّ المقصودَ هو أنَّنا لن نَدفعَ يومًا أُجرةَ الخطيَّة النِّهائيَّة. فقد دُفِعَتْ. فنحنُ لن نَموتَ أبديًّا. ونحنُ لن نَصْرِفَ لَحظةً في جَهَنَّم. بل إنَّنا سنَمْضي مِنْ هذهِ الحياة إلى السَّماء.

اسمَعوني: مَهما كانَ البُؤسُ الَّذي يَشعُرُ بهِ الرَّجُلُ أوِ المرأةُ، ومَهما كانَتِ الوَحدةُ الَّتي تَشْعُرُ بها في حياتِك، ومَهما كُنْتَ حَزينًا، ومَهما كانَ وَضْعُكَ مُؤلِمًا، ومَهما كانَ مَوْسِمُ عيدِ الميلادِ كَئيبًا، ومهما كانَتِ الزِّنزانَةُ أوْ كانَ السِّجْنُ الَّذي أنتَ فيه، ومَهما كانتُ مَخاوِفُكَ عظيمَةً ونَظرَتُكَ إلى المُستقبلِ مُرَوِّعَةً، إذا كُنتَ تَتمتَّعُ بعلاقةٍ شخصيَّةٍ بيسوعَ المسيحِ، يمكنكَ أنْ تَخْتَبِرَ ذاكَ الَّذي غَفَرَ كُلَّ خَطاياك.

ومِنْ خلالِ ذلك، سَتَخْتَبِرُ مِلْءَ الفَرَح. فَلا حاجة إلى الخوفِ مِنْ أنَّ الضِّيقاتِ الَّتي تَمُرُّ بها هي طريقةُ اللهِ في جَعْلِكَ تَدْفَع أُجرةَ خطاياك. فالأمرُ ليسَ هكذا. فمهما كانتِ الضِّيقاتُ في حياتِك، ومهما كانت الأحوالُ صَعبةً، ومهما شَعَرْتَ بِعَدَمِ الإنجاز، يجب عليكَ أنْ تَعْلَمَ ما يَلي: لقد نِلْتَ غُفرانًا كاملاً وتامًّا لكُلِّ خطاياك مِنْ خلالِ يسوعَ المسيح إنْ آمَنْتَ بِهِ. وأنتَ لن تَدْفَع يومًا أُجرةَ خطاياك. فالمسيحُ فَعَلَ ذلك. المسيحُ فَعَلَ ذلك.

أمَّا اللَّقَبُ الثَّاني الَّذي أُطْلِقَ على طِفْلِ عيدِ الميلادِ المَجيد فمَذكورٌ في العدد 23. وهذا واحدٌ مِنَ الألقابِ الرائعة والعظيمة الَّتي يَحْمِلُها: "هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا". فهو لا يُدعى فقط "يَسوع"، بل هُوَ أيضًا: "عِمَّانوئيل". وإن تَمَكَّنَّا مِنْ رُؤيةِ ذلكَ في هذا الوقتِ مِنَ السَّنة، نكونُ قد رأينا حقيقةً عظيمة.

وبالمُناسبة، فإنَّ العدد 23 مُقْتَبَسٌ مِنَ العهدِ القديم. فهو مَأخوذٌ مِن سِفْر إشعياء 7: 14. وهُنا، فإنَّ مَلاكَ الربِّ يَتحدَّث إلى يوسُف ويَقتبسُ مِنْ إشعياء 7: 14. واسمحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم خَلفيَّةً بَسيطةً عن ذلك لأنَّكُم قد تَتعجَّبونَ في أثناءِ دراسَتِكُم للكتابِ المُقدَّسِ مِنَ السَّبَبِ الَّذي جَعَلَكُم أثناءَ قراءةِ سِفْرِ إشعياء تَجِدونَ فجأةً هذهِ النُّبوءةِ عنِ المسيَّا!

حسنًا! اسمحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم خلفيَّةً صغيرة. فالمَشهدُ في سِفْر إشعياء والأصحاح السَّابع هو في فترةِ حُكْمِ الملك آحاز في يهوذا. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّهُ بعدَ أنْ ماتَ سُليمان، فإنَّ المملكةَ انقسَمَت إلى مملكةِ إسرائيل في الشَّمال (وَهي تَضُمُّ عَشْرَةَ أسباطٍ)، ومملكة يهوذا في الجنوب (وَتَضُمُّ سِبْطَ يهوذا وسِبْطَ بَنْيامين فقط). وقد كانتِ المَملكةُ الشماليَّةُ مُرْتَدَّةً. أمَّا المملكةُ الجنوبيَّةُ فكانت أحيانًا أمينةً ليَهْوَه الرَّبّ. وقد تَنبَّأَ النبيُّ إشعياء في المملكة الجنوبيَّة. وقد مَلَكَ آحاز في المملكة الجنوبيَّة. وبالمُناسبة، فإنَّ آحازَ هو ابْنُ واحدٍ مِنَ المُلوكِ العُظماءِ وَهُوَ: "عُزِّيَّا".

ولكِنْ مَعَ أنَّ آحاز هُوَ ابْنُ عُزِّيَّا العَظيم، فقد مَلأَ أورُشليم بالأصنام. وقد أعادَ عِبادةَ الإلهِ الوَثَنِيِّ "مُوْلَك" الَّذي كانَتْ عِبادَتُهُ تَتطلَّب تَقْديمَ الأطفالِ مُحْرَقَةً. وقد حَرَقَ ابْنَهُ على مَذْبَحِ الإلَه مُوْلَك. فقد كانَ شِرِّيرًا جدًّا وفاسدًا جدًّا حَتَّى إنَّ المُلوكَ الأشرارَ الآخَرينَ مِنْ حَوْلِهِ كانوا يَنْزَعِجونَ مِنْ أفعالِهِ.

وقد قَرَّرَ رَجُلان هُما: "رَصِينُ" (مَلِكُ أَرَام) وَ "فَقْحُ" (الَّذي كانَ مَلِكًا على مِنطقةِ إِسْرَائِيل) قَرَّرا أنْ يَتَخَلَّصا مِنْ آحاز. لِذا فقد عَقَدَ هذانِ المَلِكان (أيْ: رَصِين وفَقْح) العَزْمَ على التحرُّكِ ضِدَّ آحاز للتخلُّصِ منه. وفي مواجهةِ هذا التَّهديد، قَرَّرَ آحاز أنْ يُعَزِّزَ قُوَّتَهُ لا بالرُّجوعِ إلى اللهِ لكي يَحْفَظَ النَّسلَ الدَّاوُديَّ ويَحفظَ الشَّعبَ، بل قَرَّرَ أنْ يَلتجئَ إلى مَلِكِ أشور "تَغْلَثَ فَلاَسِر" لأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ إنْ تَحالَفَ مَعَ هذا المَلِكِ الأشوريِّ العَظيم فإنَّ رَصِين وَفَقْح سيُفَكِّران طَويلاً قبلَ مُهاجَمَتِه بسببِ الطَّبيعةِ الشِّرِّيرة لهذا الرَّجُل وجيشِهِ القويّ.

والحقيقة هي أنَّهُ عَقَدَ العَزْمَ جدًّا على القيامِ بذلك حَتَّى إنَّهُ مَضَى ونَهَبَ الهيكلَ، وسَرَقَ كُلَّ الذَّهب والفضَّة وأعطاها لِتَغْلَث فَلاَسِر لكي يَشتريه ويَشتري التَّحالُفَ مَعَهُ. وفي ذلكَ الوقت تحديدًا، قالَ اللهُ: "إشعياء! يجب أنْ تَذهبَ وتُكَلِّم آحاز". لِذا فقد أَرسلَ اللهُ إشعياء إلى آحاز لكي يُواجِهَهُ ويُخبرَهُ ألَّا يَتَّكِل على الأشوريِّين، بل أنْ يَتَّكِل على اللهِ، الإلَهِ الحَيِّ.

وبالرَّغمِ مِن كُلِّ شَرِّه، قالَ لَهُ إشعياء: "اللهُ سَيَحْفَظُ شَعْبَكَ، واللهُ سيَحْفَظُ النَّسْلَ الدَّاوُدِيَّ. وَهُوَ سيُخَلِّصُكَ مِنْ هَذَيْنِ المَلِكَيْن. لِذا، لا حاجةَ إلى هذا التَّحالُفِ مَعَ الأشوريِّين". ولكِنَّ آحازَ رَفَضَ أنْ يُصغي. حينئذٍ قالَ النبيُّ: "هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيل".

وما الَّذي قَصَدَهُ؟ وما صِلَةُ هذا الأمرِ بِذاك؟ إنَّهُ يَقولُ لَهُ: "انْظُر! اللهُ يَقولُ لَكَ إنَّهُ لَنْ يَسْمَحَ لأيِّ شخصٍ أنْ يُهْلِكَ شَعْبَ اللهِ، وإنَّهُ لن يَسْمَحَ لأيِّ شخصٍ أنْ يُهْلِكَ نَسْلَ داودَ المَلَكِيّ. هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيل". فهذا الأمرُ سَيتحقَّق بحسبِ الخُطَّة المَرسومَة". فهذا هُوَ ما قَصَدَهُ. "وحَتَّى لو هاجَمَكَ رَصِين وَفَقْح، فإنَّ ابْنَ اللهِ (الَّذي سَيُولَدُ مِنْ عَذراءَ ويَكونُ عِمَّانوئيل) سَيأتي".

والآنْ، ما مَعنى ذلك؟ اسمعوا جَيِّدًا ما سأقول: إنَّ ما قَصَدَ إشعياءُ أنْ يَقولَهُ لَهُ هو أنَّ اللهَ قد وَعَدَ بألَّا يَتَخَلَّى عن شَعبِه. فهذا هو ما قَصَدَهُ. لا حاجةَ إلى أنْ تَخافَ مِنْ هذينِ المَلِكَيْنِ الوَضِيْعَيْن. فاللهُ لن يَتخلَّى عنك. والحقيقة هي أنَّهُ عندما يأتي المسيَّا، فإنَّهُ سيكونُ "الله مَعَنا". فاللهُ لن يَتْرُكَكَ، بل إنَّهُ سيأتي في وَسْطِكُم. فهذا هوَ المَعنى المَقصود. هذا هو المَعنى المَقصود. "اتَّكِلْ عليهِ وَحَسْب. فهو لن يَترُكَكَ. ألا تَعْرِف وَعْدَهُ بأنَّهُ سيأتي وَيَسْكُنُ بَيْنَكُم؟"

وما مَعْنى الكلمة "عِمَّانوئيل"؟ إنَّها تَعْني "اللهُ يَسْكُنُ بينَنا". وهي تَعني أنَّ اللهَ صَارَ إنسانًا، وأنَّ اللهَ سيكونُ حاضِرًا في وَسَطِ شَعبِهِ. وَطِفْلُ عيدِ الميلادِ المَجيد هُوَ عِمَّانوئيل، اللهُ مَعَنا. فَمَعَ أنَّ ذلكَ الطِّفلَ الَّذي وُلِدَ في ذلكَ اليوم كانَ إنسانًا كامِلاً، فإنَّهُ أيضًا إلَهٌ كامِلٌ. وفي العهدِ القديم، كانَ حُضورُ اللهِ يَظْهَرُ في خَيمةِ الاجتماع. وكانَ حُضورُ اللهِ يَظْهَرُ في الهَيكَل. أمَّا الآن، في العهدِ الجديد، فإنَّ حُضورَ اللهِ يَظْهَرُ في جَسَدٍ، في شَخْصِ يَسوعَ المسيح: "اللهُ مَعَنا".

فهذه هي حَقيقةُ عيدِ الميلادِ المَجيد. وعلى غِرارِ اللَّقَبِ "يَسوع"، فإنَّ اللَّقَبَ "عِمَّانوئيل" هُوَ حَقيقة قويَّة أيضًا لعيدِ الميلادِ المجيد. وما مَعنى ذلك؟ استمعوا إلى مَعنى ذلك حينَ تَتأمَّلونَ في أهميَّتِهِ. استمعوا إلى ما جاءَ في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 2: 14: "فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا [أيِ المَسيحُ الرَّبُّ] كَذلِكَ فِيهِمَا". فنحنُ نَمْتَلِكُ دَمًا وَلَحْمًا. لِذا فقد أَخَذَ لَحْمًا وَدَمًا. ونحنُ نَتشارَك ونَشْتَرِكُ في نَفسِ هَذَيْنِ العُنْصُرَيْنِ الجَسديَّيْنِ المُشترَكَيْن. لِذا فقدِ اشتَرَكَ هُوَ أيضًا فيهما.

وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "ميتيكو" (metecho) تُشيرُ إلى شَيءٍ يَمْلِكُهُ شَخْصٌ ولكِنَّهُ ليسَ فيهِ بِطَبيعَته. فنحنُ بِطَبيعَتِنا نَتألَّفُ مِنْ لَحْمٍ وَدَم. ولكِنَّ عِمَّانوئيل لم يَكُن كذلك. ولكِنَّهُ صارَ لَحْمًا وَدَمًا. فقد أَضافَ ذاتَهُ إلى طَبيعَتِنا لكي يَموتَ عَنَّا، ولكي يُخَلِّصَنا مِنْ خَطايانا.

ولكِنْ هُناكَ المَزيد. انظُروا إلى الرِّسالة إلى العِبرانيِّين 2: 17: "مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ". فقد كانَ يَنبغي أنْ يكونَ إنسانًا كامِلاً بِكُلِّ مَعنى الكلمة. "لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا". وقد تقول: "وَما مَعنى ذلك؟" إنَّ الكاهِنَ شخصٌ يَشْفَعُ فيكَ، وشَخصٌ يَتَضَرَّعُ إلى اللهِ منْ أجلِك.

وكيفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَضَرَّعَ إلى اللهِ مِنْ أجلِنا، وأنْ يُدافِعَ عَنَّا، وأنْ يَطلُبَ مِنَ اللهِ أنْ يُساعِدَنا إنْ لم يَكُنْ يَفْهَمُنا؟ لِذا، كانَ يَتِمُّ اخْتيارُ الكاهِنِ دائمًا مِنَ النَّاس لأنَّهُ يَقْدِرُ حينئذٍ أنْ يُصَلِّي لأجلِ حاجاتِ الشَّعب لأنَّهُ يَعْرِفُ ما هِي. وقد جاءَ يسوعُ كواحِدٍ مِنَّا لكي يكونَ قادرًا على تَمثيلِنا تَمثيلاً صحيحًا بوصفِهِ رَئيسَ كَهَنَتِنا الأمين أمامَ اللهِ.

ونَقرأُ في العدد 18: "لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ". فقد عَرَفَ التَّجربة. وقد عَرَفَ الامتحان. وقد عَرَفَ المُعاناة. ونحنُ نَقرأُ في الأصحاح 4 والعدد 15 أنَّهُ: "مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ". فهو لم يُخطئ قَطّ. ولكِنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ التَّجارِب ... كُلَّ التَّجارِب.

وقد تقول: "وما مَعنى هذا بالنِّسبة إلينا؟" اسمعوني: في عيدِ الميلادِ المَجيد، عندما تَرَوْنَ الطِّفْلَ، يجب عليكم أنْ تَنظُروا مَنْ هُوَ في الحَقيقة. فَهُوَ عِمَّانوئيل، اللهُ مَعَنا. فقد جاعَ. وقد عَطِشَ. وقد تَعِبَ. وقد نامَ. وقد تَعَلَّمَ. وقد فَرِحَ. وقد حَزِنَ. وقد غَضِبَ. وقد امْتَعَضَ. وقد بَكى. وقد اضْطَرَبَ. وقد شَعَرَ بخيبةِ الأمل. وقد ذَرَفَ الدُّموعَ. وقد شَعَرَ بِهَوْلِ الأحداثِ المُستقبليَّة. وقد مَارَسَ الإيمانَ. وقد قَرأَ الأسفارَ المُقدَّسَةَ. وقد صَلَّى. وقد تَنَهَّدَ بقلبٍ مُتألِّمٍ. وقد شَعَرَ بكُلِّ شيء. وإنْ كُنْتَ تَقولُ إنَّ حياتَكَ في خطر، فإنَّ حياتَهُ كانت دائمًا في خَطَر. وإنْ كُنْتَ تقولُ إنَّ الآخرينَ أَسَاؤوا مُعامَلَتِكَ وأساؤوا الحُكْمَ عليك، فإنَّهُ اخْتَبَرَ ذلكَ أيضًا.

لا، إنَّ هذا ليسَ إلهًا كَوْنِيًّا غَيْرَ مُبالٍ. فهو يَعرِفُ آلامَنا، ويَعرفُ ضَعَفاتِنا. وَهُوَ ليسَ فقط مَسيحُ الخَلاصِ، بل هو أيضًا مَسيحُ التَّعاطُف. وهذه نَظرة إلى عيدِ الميلادِ المَجيد. فالطِّفلُ الَّذي وُلِدَ في ذلكَ اليوم كانَ "الله مَعَنا" لكي يَشْعُرَ بما نَشعُرُ به، ولكي يَختبِرَ ما نَختبِرهُ، ولكي يُجَرَّبَ ويُمْتَحَنَ كما نُجَرَّبَ وَنُمْتَحَن لكي يَتعاطَفَ مَعَنا مِنْ جِهَة، ولكي يُعينَنا مِنْ جِهَةٍ أخرى.

فهو جاءَ لا فقط لِيَتَعاطَفَ مَعَنا، بل أيضًا لِيُعينَنا. أجل، نحنُ نُلقي كُلَّ هَمِّنا عليه لأنَّهُ يَعْتَني بِنا، ولكِنَّنا نَقرأُ هُنا (في عِبرانيِّين 2: 18) أنَّهُ "يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ". فهُوَ "اللهُ مَعَنا".

وما مَعنى أنْ يأتي لإعانَتِنا؟ وما الَّذي يَفْعَلُه؟ سوفَ أُخبرُكم ما يَفعله؟ إنَّهُ يُعطيكَ الشَجاعَةَ لمواجَهَةِ هُمومِك. وَهُوَ يُعطيكَ الحِكمةَ لِفَهْمِ هُمومِك. وَهُوَ يُعطيكَ القُوَّةَ لاحتمالِ هُمومِك. وَهُوَ يُعطيكَ الإيمانَ للاتِّكالِ عليه في بَقِيَّةِ الأشياء. فلا توجد شَجَرة يُمكن أنْ تُعطيكَ ذلك. ولا توجد بِطاقةُ عيدِ ميلاد، ولا سانتا كلوز، ولا شخص. فقط عِمَّانوئيل.

فهو اللهُ مَعَنا، لا فقط لأنَّهُ يَفْهَمُنا، بل أيضًا لأنَّهُ يُعينُنا. فإنْ كانَ كُلُّ ما نَحتاجُ إليهِ هو التَّفَهُّم، يمكننا أنْ نَطْلُبَ ذلكَ مِن إنسانٍ آخر. ولكِنَّنا بحاجة إلى ما هو أكثر مِن ذلك. فنحنُ بحاجة إلى المُساعدة. وَهُوَ يُساعِدُنا بطريقة خارقة للطبيعة. فهو يُدْعى "يَسوع" لأنَّهُ يُخَلِّصُنا مِن خطايانا. وَهُوَ يُدعى "عِمَّانوئيل" لأنَّهُ اللهُ مَعَنا لكي يُساعِدَنا في صِراعِنا.

اللَّقَبُ الثَّالث: عندما جاءَ المَجوسُ ووقفوا أمامَ هيرودُس، قالوا في العَدَدِ الثَّاني مِنَ الأصحاحِ الثَّاني: "أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟" فَهُوَ يُعَرَّفُ هُنا بأنَّهُ مَلِك. فقد جاءَ لا فقط لكي يُخَلِّصَ شعبَهُ مِن خطاياهم. وقد جاءَ لا فقط لكي يَتعاطَفَ مَعَ شَعْبِهِ، ويُعينَهُم وَيُساعِدَهُم، بل إنَّهُ جاءَ أيضًا لكي يَحْكُمَ العالَم. فقد جاءَ لكي يَحْكُمَ العالَم. ونحنُ نَقرأُ في العدد 6 أنَّهُ "مُدَبِّر" ... مُدَبِّر.

 

وكانتْ قَدِ انْقَضَتِ الآنَ عِدَّة أشهُر على ولادةِ المسيح حينَ وَصَلَ المَجوس. ونحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثاني والعدد 11 أنَّ العائلةَ كانت في بيتٍ آنذاك. وقد سَارَ المَجوسُ مَسافةً طويلة. وقد ذهبوا إلى الملكِ هيرودُس لكي يَعْرِفوا المَزيدَ عنِ المَلِكِ الآخر. ولا شَكَّ أنَّ الملكَ هيرودُسَ كانَ مُخْتَلَّ العَقْل. فالملكُ هيرودُسُ كانَ مَجنونًا جِدًّا. والملكُ هيرودُس لم يكن مَلِكًا بِحَقّ. لذا فقد كانَ غاضبًا جِدًّا. فقد كانَ أَدُومِيًّا وُضِعَ في ذلكَ المَنْصِبِ مِنْ قِبَلِ الرُّومان. فقد كانَ مَلِكًا سِياسيًّا.

وقد كانَ قد مَضى على مُلْكِهِ سَنوات طويلة آنذاك. ولكِنَّهُ كانَ مُرْتَعِبًا مِنْ فِكرةِ فُقدانِ مَنْصِبِهِ. وقد كانَ مَهووسًا جدًّا حتَّى إنَّهُ إنْ لم يُحِبَّ شخصًا، كانَ يَتخلَّصُ منه. وإنْ شَعَرَ أنَّ شخصًا يُهَدِّدُ وُجودَهُ، كانَ يُقْدِمُ على قَتْلِه. فقد قَامَ بإغراقِ رَئيسِ الكَهَنَةِ ذاتَ مَرَّة. وقد قَتَلَ زوجَتَهُ. وقد قَتَلَ حَماتَهُ، وَقَتَلَ ثلاثةً مِن أبنائِهِ لأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُم جَميعًا يُهَدِّدونَ عَرْشَهُ.

ثُمَّ إنَّهُ طَافَ في كُلِّ مدينةِ أورُشليم، وَعَثَرَ على أَبْرَزِ المُواطِنينَ بينَ كُلِّ السُّكَّانِ، وقالَ لِجُنودِهِ: "ضَعوهُم جميعًا في السِّجْن وَأَبْقوهُم في السِّجْن. وحينَ أموت، اعْدِموهُم جميعًا". وعندما سألوهُ عنِ السَّبَبِ قال: "لأنَّ أحدًا لن يَبْكي عَلَيَّ حينَ أموت. ولكنِّي أُريدُ نَوْحًا في أورُشليم. فإنْ لم يَنوحوا عَلَيَّ، سَينوحونَ عليهم".

وحينَ سَمِعَ أنَّ هُناكَ طِفلاً صغيرًا قد وُلِدَ وأنَّهُ سيَصيرُ مَلِكًا، عَقَدَ العَزْمَ على قَتْلِ جميعِ الأطفالِ الصِّبْيان مِنْ عُمْرِ سَنَتَيْن فَما دُوْن فَقامَ بِمَجزرةٍ قَتَلَ فيها جَميعَ الأطفال. فقد كانَ مُخْتَلًّا. وقد كانَ مَجنونًا. وَهُوَ لم يكن مَلِكًا بِحَقّ. وعلى عَكْسِ ذلكَ المَلِكِ الزَّائِف، الَّذي لم يكن مَلِكًا، والذي لم يأتِ مِنْ نَسْلٍ مَلَكِيٍّ ولم يَكُنْ يَهوديًّا أصلاً، هُناكَ مَلِكُ اليهودِ الحَقيقيِّ: يَسوع. "أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُود؟"

وهناكَ شَيءٌ ينبغي أنْ تُرَكِّزوا عليه حينَ تتأمَّلونَ في مَشْهَدِ عيدِ الميلادِ المجيد: يَسوع: المُخَلِّص. عِمَّانوئيل: رَئيس الكَهَنَة المُتعاطِف. المَلِك، المُدَبِّر، الحاكِم، صاحِب السِّيادَة. فقد وُلِدَ ذلك الطفل بوصفِهِ مَلِكًا. وقد جَلَبَ المَجوسُ مَعَهُم هدايا تَليقُ بِمَلِك: "ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا". فقد كانَ مَلِكًا، مَعَ أنَّها لم تَكُنْ بدايةً مُبَشِّرَةً بالنَّجاحِ لِمَلِك. لا للمَلِك - مَلِكِ المُلوكِ وَرَبِّ الأرباب.

وحَتَّى في أثناءِ حَياتِهِ، لم يَكُنْ يَبْدو مَلِكًا مِنَ النَّوعِ الَّذي يَرْغَبونَ فيه. وحَتَّى إنَّ التَّلاميذَ كانوا يَتساءَلون: مَتى سيَسْتَرِدَّ مَملكَتَهُ؟ مَتى سيَكْشِفُ عن هُوِيَّتِه؟ وقد وَاجَهَهُ بيلاطُسُ وَسَألَهُ: "أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟" فأجابَ: "أجل، أنا مَلِك". ولكِنَّهُ قال: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ". وقد قال: "أنا مَلِكٌ، ولكِنَّ مَملكتي مَملكة رُوحيَّة".

ولكِنَّهُ أَظْهَرَ أيضًا في حادِثَةِ التَّجَلِّي أنَّ مَمْلَكَتَهُ الروحيَّةَ ستأتي ذاتَ يومٍ إلى الأرض في المُلكِ الألفيِّ المُستقبليِّ العظيم حينَ يَمْلِكُ المسيحُ على الأرض. أجل، لقد كانَ مَلِكًا. ليسَ مَلِكًا كَالمُلوكِ الآخرينَ وَحَسْب، بل إنَّهُ مَلِكٌ يَختلفُ عن أيِّ مَلِكٍ آخر. فهو مَلِكٌ على كُلِّ المُلوك.

والحقيقة هي أنَّ الآبَ قالَ للابْن في المزمورِ الثَّاني: "أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، ... تُحَطِّمُهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ".

وفي سِفْر الرُّؤيا، نَنظرُ إلى المُستقبَل. وحينَ نَنظُرُ إلى المُستقبل نَرى يسوعَ (الَّذي هُوَ أَصْلاً مَلِكُ المُلوكِ بالمَفهومِ الرُّوحِيِّ) يَبتدئُ بالتَّرَبُّعِ على عَرْشِهِ الأرضِيِّ. ونحنُ نَقرأُ في سِفْر الرُّؤيا 11: 15 حينَ نَنْظُرُ إلى المُستقبَل: "ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً: «قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ»".

 

وفي الأصحاح 12 والعدد 5، نَقرأُ: "فَوَلَدَتِ ابْنًا ذَكَرًا عَتِيدًا أَنْ يَرْعَى جَمِيعَ الأُمَمِ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ". ونحنُ نَراهُ حينَ يأتي إلى مَملَكَتِهِ في سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاح 19: "ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا". وفي العدد 11: "وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ. وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تِيجَانٌ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ اسْمٌ مَكْتُوبٌ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ إِّلاَ هُوَ. وَهُوَ مُتَسَرْبِلٌ بِثَوْبٍ مَغْمُوسٍ بِدَمٍ، وَيُدْعَى اسْمُهُ «كَلِمَةَ اللهِ». وَالأَجْنَادُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ كَانُوا يَتْبَعُونَهُ عَلَى خَيْل بِيضٍ، لاَبِسِينَ بَزًّا أَبْيَضَ وَنَقِيًّا. وَمِنْ فَمِهِ يَخْرُجُ سَيْفٌ مَاضٍ لِكَيْ يَضْرِبَ بِهِ الأُمَمَ. وَهُوَ سَيَرْعَاهُمْ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ، وَهُوَ يَدُوسُ مَعْصَرَةَ خَمْرِ سَخَطِ وَغَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: «مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ»".

فهو سيأتي. إنَّهُ سيأتي. وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ سيأتي قريبًا. وَهُوَ سيأتي بوصفِهِ المُسَوِّي الأعظم بينَ البَشَر. وَهُوَ سيأتي بوصفِهِ المُنْتَقِم. وَهُوَ سيأتي بوصفِهِ المَلِك. وحينئذٍ فإنَّ مُلوكَ هذا العالَمِ الوَضيعينَ، والحَقيرينَ، والخَسيسينَ الَّذينَ يُلَوِّحونَ بِقَبْضاتِهِم مُتظاهِرينَ بالسِّيادة كما لو أنَّهم يَحْكُمونَ أيَّ شيءٍ سيَعلمونَ مَنْ هُوَ المَلِكُ الحَقيقيّ.

وعلى غِرارِ نَبوخَذنَصَّر الَّذي ظَنَّ أنَّهُ هُوَ الَّذي صَنَعَ مَمْلَكَتَهُ فانْتَهى بِهِ الحَالُ بِأكْلِ العُشْبِ إذْ أُصيبَ بالجُنون لأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ يَستطيعُ أنْ يَغْتَصِبَ المَجْدَ مِنَ المَلِكِ الحَقيقيِّ. فَكُلُّ مُلوكِ هذا العالمِ سَيَسْجُدونَ أمامَ يسوعَ المسيحِ حينَ يأتي في مَجْدِهِ المَلَكِيِّ. فهو مَلِكٌ في المملكةِ الروحيَّة. وَهُوَ سيكونُ مَلِكًا على العالمِ والكَوْنِ في المُستقبَل.

وحينَ تَنظرونَ إلى ذلكَ الطِّفلِ الصغير الَّذي يَضْطَجِعُ في المِذْوَد، هذه هي حقيقةُ عيدِ الميلادِ المَجيد. فيا لَهُ مِنْ طِفل! فَهُوَ يُدْعى "يَسوع" لأنَّهُ يُخَلِّصُ شَعبَهُ مِنْ خطاياهُم. وَهُوَ يُدعى "عِمَّانوئيل" لأنَّهُ اللهُ مَعَنا. وَهُوَ رَئيسُ كَهَنَةٍ مُتعاطِف مَعَنا، وقادر أنْ يَفهَمَنا وأنْ يُعينَنا. وَهُوَ مَلكٌ يُهيمِنُ على مَملكةٍ رُوحيَّة. وَهُوَ سيأتي ذاتَ يومٍ إلى شَعْبِهِ. وفي ذلكَ الوقت، سيَمْلِك على العالَم.

وأخيرًا، نَجِدُ في العدد 4 لَقَبًا آخَرَ مألوفًا جدًّا إذْ نَقرأُ: "فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ: «أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟»" والكلمة "المَسيح" هي مُجَرَّدُ لَفْظٍ يَعْني "المَسِيَّا" أوِ المَمْسوح. فالكلمة "مَسِيَّا" والكلمة "المَسيح" يَحْمِلانِ المَعنى نَفسِه. فالكلمةُ الأوَّلى عِبْرِيَّة، والثَّانية يونانيَّة. وهي تَعني: "المَمْسوح"، أوْ "مَسيحُ اللهِ الخاصّ". وهي تُشيرُ إلى حَقِّهِ في المُلْك، وَحَقِّهِ في السُّلطان، وفي السِّيادة بوصفِهِ المَسيحُ الَّذي وَعَدَ بِهِ اللهُ.

ويَحوي هذا اللَّقَبُ مَعانٍ كَثيرَة لا يَسَعُنا أنْ نُرَكِّزَ عليها كُلَّها. ولكِنِ اسْمَحوا لي أنْ أُرَكِّزَ على عُنصُرٍ واحدٍ أعتقد أنَّهُ مُتَأصِّلٌ في هذا اللَّقَب. فحينَ تَقرأونَ تلكَ النُّبوءةَ الرَّائعةَ الواردةَ في سِفْر إشعياء والأصحاحِ التَّاسع عنْ مَجيءِ المَسِيَّا، فإنَّها تَقولُ: "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا"، وإنَّهُ يُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا" أو أَبَ الأبديَّة، أوِ الآبَ الأبديّ. فيُمكنُكم أنْ تُترجموا هذه العِبارة بطُرُق عديدة.

فالمسيَّا هوَ اللهُ الأبديُّ. وهو الآبُ الأبديُّ بِمَعنى أنَّهُ مُنْشِئُ الحياةِ الأزليّ. فهو وَاهِبُ الحَياةِ. وهذا هو، بِكُلِّ تأكيدٍ، القَصْدُ في إنجيل يُوحَنَّا والأصحاحِ الأوَّل: "فيهِ كانتْ" [ماذا؟] "الحَياةُ". "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ".

فعندما تَرَوْنَ الكلمة "المسيح"، فَكِّروا فيهِ بالطريقةِ التَّالية: بِوَصْفِهِ مُنْشِئَ الحياة، وواهِبَ الحياة، ومُبْدِئَ الحياة، وخالِقَ الحياة، ومُعْطي الحَياة. "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ". "وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ" [ماذا؟] حَيَاةٌ".

"أَنَا هُوَ" (في إنجيل يوحنَّا 11: 25-26): "أنا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهذَا؟" وفي يوحنَّا 14: 6: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ". ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 14: 19: "إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ".

وبُطرسُ يَقول: "وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ". وَهُنا يَكْمُنُ جَوهرُ إظْهارِ حَياتِهِ. فقد أَظْهَرَ لنا أنَّهُ هُوَ رَئيسُ الحياة. كيف؟ بأنْ قامَ مِنَ الأموات. لِذا، عندما يَدعوهُ بُطرسُ "رَئيس الحَياة" فإنَّهُ يَصِفُهُ بأنَّهُ مُعْطي الحياة.

وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "رَئيس" هي "أركيغوس" (archegos)، وهي تَعني: "رائِد"، أوْ "مُبْدِئ"، أو "مُؤسِّس". أمَّا المَعْنى المُفَضَّل لديَّ فهو: "مُنْشِئ" ... "مُنْشِئ".لِذا، عندما تُفَكِّرونَ في هذا الطفل، فَكِّروا فيه بوصفهِ مُنْشِئ الحياة. وعندما تُفَكِّرونَ في الصَّليب، فَكِّروا في اللُّغزِ الَّذي لا يُصَدَّق، وفي المُفارقة العجيبة بأنَّهم في الحقيقة أَخذوا حياةَ مُعْطي الحياة! وبالمعنى الرُّوحِيِّ، إنْ أخذتُم حياةَ مُعطي الحياة لن تتمكَّنوا مِنَ الحُصولِ على الحياة.

يَسوع ... عِمَّانوئيل ... المَلِك هو الَّذي يُعطي الحياة ويَحفظُ الحياة. وهو الَّذي قِيْلَ عنه في المزمور 36: 9: "لأَنَّ عِنْدَكَ يَنْبُوعَ الْحَيَاةِ". "وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، ... أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيح".

لِذا فإنِّي أقولُ لكم، يا أصدقائي، إنَّهُ مَهما كانتِ الزِّنْزانَةُ مُوْحِشَةً، ومَهما كُنْتَ تَشعُرُ بالوَحدة هُناك، ومهما كانَ الوضعُ مؤلِمًا، ومهما كانَ المَشهدُ مُحْزِنًا، ومهما أَساءَ الآخرون مُعامَلَتَك، أو رَفضوكَ، أو سَخِروا مِنْكَ، أو عامَلوكَ بإجْحافٍ، ومَهما كانتْ صُعوباتُ الحياةِ بالنِّسبة إليك، ومَهما بَدا أنَّكَ لم تُحَقِّق شيئًا، يمكنكَ أنْ تَحيا في ضَوْءِ رَجاءِ الحياةِ الَّتي ستأتي.

إنَّ اسْمَهُ يَسوع، وعِمَّانوئيل، والمَلِك، والمسيح لا لأنَّهُ مِثالُنا. واسْمُهُ يَسوع، وعِمَّانوئيل، والمَلِك، والمسيح لا لأنَّهُ مُعَلِّمُنا. واسْمُهُ يَسوع، وعِمَّانوئيل، والمَلِك، والمسيح لا لأنَّهُ مُرْشِدُنا. واسْمُهُ يَسوع، وعِمَّانوئيل، والمَلِك، والمسيح لا لأنَّهُ خَليلُنا. فهو كُلُّ ذلك. ولكِنَّ اسْمَهُ "يَسوع" لأنَّهُ يُخَلِّصُنا مِنْ خطايانا. واسْمُهُ "عِمَّانوئيل" لأنَّهُ يَتعاطَفُ مَعَنا ويُقوِّينا. فهو اللهُ مَعَنا. واسْمُهُ "المَلِك" لأنَّهُ سَيِّدٌ على حَياتِنا وسَيِّدٌ على الكَوْن. واسْمُهُ "المَسيح" لأنَّهُ مَصْدَرُ حَياتِنا.

وحينَ تَعرِفونَ هذا كُلَّهُ، وحينَ تُؤمِنونَ بهذا كُلِّه، وحينَ تُقِرُّونَ بهذا كُلِّه، تَكونونَ قد تَخَطَّيْتُم العَقَباتِ ورأيتُم بَساطَةَ ولادةِ المسيح. وهذا سيَجعلُ عيدَ الميلادِ المجيد مُهِمًّا، بل مُهِمًّا جِدًّا بالنِّسبة إليكم. وإنْ فَعَلْتُم ما جاءَ في عِبرانِيِّين 12: 2؛ أيْ إنْ ثَبَّتَّ عَيْنَيْكَ على يَسوع: المَلِك يسوع، يَسوعَ المسيح، يَسوع عِمَّانوئيل، فإنَّ ذلكَ سَيَجْعَلُ عيدَ الميلادِ هذا أَعْظَمَ عيدِ ميلادٍ مَجيدٍ في حَياتِكَ أنتَ أيضًا. دَعُونا نُصَلِّي:

يا أبانا، نُعَبِّرُ لكَ عن عبادَتِنا في هذه اللَّحظة في خِتامِ هذه الخِدمة مِنْ خلالِ تَقديمِ الشُّكْرِ لَكَ على عَطِيَّةِ يَسوعَ المسيح. يا رَبّ، ساعِدْنا نحنُ الأحرار وغير المُقَيَّدين، ونحنُ الذينَ لدينا شُركاء حياة، وأبناء، وبيوت، وأصدقاء، وكُلَّ الأشياء الجَيِّدة في الحياة، على ألاَّ نُثَبِّتَ أعيُنَنا على هذه الأشياء، وعلى ألاَّ نُضَيِّع على أنفُسِنا هذه الفُرصةَ التَّعَبُّديَّةَ والتَّأمُّلِيَّةَ فيكَ أنْتَ؛ بل أنْ نُثَبِّتَ أعيُنَنا على يسوع، وعلى جَميعِ صِفاتِه.

اجْعَلْ عيدَ الميلادِ المَجيد هذا أَهَمَّ عيد ميلاد لنا جميعًا. وفيما يَختصُّ بالأشخاصِ الموجودين هُنا اليوم، الذين لم يَقبلوا بعد يسوعَ مُخَلِّصًا لخطاياهُم، والذين لم يَتحرَّروا بعد مِنْ مَوتِهِم، والذين لم يَنالوا بعد غُفرانَ الخطايا لأنَّهم لم يَتوبوا يومًا، ليتَ هذا اليومَ يكون اليوم الَّذي يَرجِعونَ فيه عن خطاياهم ويُلْقونَ بأنفُسِهم على رَحمةِ المُخَلِّصِ الغَفور.

وفيما يَختصُّ بالأشخاصِ الَّذينَ لا يَعرفونَ شيئًا عن عِمَّانوئيل، والذين لا يَعرفونَ شيئًا عن مَعنى أنْ يكونَ لهم رَئيس كَهَنة مُتعاطِف، ومُتَحَنِّن، وقويّ، ليتَ هذا اليومَ يكونُ اليوم الَّذي يَقبلونَ فيه يسوعَ المسيح ويَجِدونَ فيهِ كُلَّ الكِفاية. وفيما يَختصُّ بالأشخاصِ الَّذينَ ليسوا جُزءًا مِنْ مَلكوتِه، والذين لا يَتمتَّعونَ بالخُضوعِ إلى سِيادَتِهِ الرَّحيمة، ليتَ هذا اليومَ يكونُ اليوم الَّذي يُخْضِعونَ فيهِ أنفُسَهُم لَهُ ويَدخُلونَ فيِ الملكوت.

وفيما يَختصُّ بالأشخاصِ الَّذينَ ليست لهم حياة، ليتَ هذا اليومَ يكون اليوم الَّذي يُعطيهم فيهِ حَياة. وليتَنا نَعْبُدُ يَسوعَ ... عِمَّانوئيل ... المَلِكَ ... المَسيحَ مِنْ كُلِّ قُلوبِنا. وليتَهُ يُسَرُّ بالهدايا الَّتي نُقَدِّمُها لَهُ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize