Grace to You Resources
Grace to You - Resource

بعدَ سَنواتٍ عديدة صَرَفْتُها في الخِدمةِ هُنا في كنيسة "النعمة" (Grace Church)، ما زالَ هُناكَ تَحَدٍّ مُمْتَزِجٍ بالفَرَح بأنْ أَعِظَ عِظَةً عَنْ عيدِ الميلادِ المَجيد. والحقيقةُ هي أنَّني في بعضِ السَّنواتِ وَعَظْتُ عِظَتَيْنِ أوْ ثلاثَ عِظاتٍ عَنْ عيدِ الميلاد. وقد نَظَرْنا بِطُرٌقٍ عَديدةٍ إلى ميلادِ المَسيح. وفي هذه السَّنة، شعَرْتُ (لِمَقاصِدَ مُعَيَّنة في فِكْرِ اللهِ وقَلبِه) شَعَرْتُ بِقُوَّة بالحاجة إلى تَقْديمِ عِظَةٍ اخْتَرْتُ لَها العُنوانَ التَّالي: "بَشاعَةُ عيدِ الميلادِ المَجيد".

وأنا لا أَهْدِفُ مِنْ وَراءِ ذلك أنْ أكونَ سَلبيًّا تمامًا. وأنا لا أَرْمي بذلكَ أنْ أُقَلِّلَ مِنْ قيمَةِ فَرَحِكُم في هذا الوقتِ مِنَ السَّنة، بل أنْ أُعَزِّزَ فَرَحَكُم، وأنْ أَجْعَلَكُمْ تَفرحونَ فَرَحًا حقيقيًّا نَابِعًا مِنْ فَهْمِ جانبٍ آخر مِنَ الأوجُهِ الرَّائعةِ لميلادِ المُخَلِّص.

وفي رأيي، فإنَّ أكثرَ أُغنيةٍ شائعةٍ ومَشهورة عن عيدِ الميلادِ المَجيد هي "الكريسماس الأبيض" (White Christmas): "أنا أَحْلُمُ بكريسماس أبيض". ولكِنَّنا سنتحدَّث [إنْ جازَ القولُ] عنِ الجانِبِ المُظْلِمِ مِنْ عيدِ الميلادِ المَجيد؛ أيْ عنِ الجانِبِ الآخر. وأعتقد أنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ الَّذينَ يُفَكِّرونَ في ذلك في هذا الوقتِ مِنَ السَّنة يُفَكِّرونَ فقط في جَمالِه. ونحنُ مُحاطُونَ بذلكَ الجَمال: فهناكَ الأشجارُ الجَميلة ذاتِ الإضاءةِ المُتلألئة والزِّينة. وهُناكَ الطَّاباتُ المُلَوَّنة، والشُّموعُ الجَميلة، وأكاليلُ الزُّهور، ومناظِرُ الثَّلْج، ومَواقدُ الحَطَبِ الدَّافئة في مَنازِلِ العائلات، والهدايا المَلفوفة بطريقة جميلة.

فَكُلُّ شيءٍ مُنير، وساطِع، ومُبْهِج، ومُفْرِح. وأعتقد أنَّنا نَرى كُلَّ تلك الرُّموزِ تُسْتَخْدَمُ بصورة رئيسيَّة في بِطاقاتِ عيدِ الميلاد الَّتي نَتَسَلَّمُها، والتي تُرينا عَالَمًا مُمتلئًا بالخَيال، والجَمال، والدَّهشة، والرَّوعة. وهذا جانبٌ مِنْ جوانِبِ عيدِ الميلادِ المجيد دُوْنَ أَدنى شَكّ.

ولكِنَّ هناكَ جانبًا آخر ... جانبًا بَشِعًا جِدًّا. وهناكَ طُرُقٌ عديدة للنَّظرِ إلى ذلك. فيمكننا أنْ نتحدَّثَ عن لَيلةٍ مُظلمةٍ وباردةٍ في قريةٍ صغيرةٍ عاديَّة مِنْ قُرى فِلَسطين وَلَدَتْ فيها امرأةٌ شابَّةٌ ورائعةٌ طِفْلاً في أسوأ ظُروفٍ صِحِّيَّةٍ، وأسوأ مكانٍ يُمْكِنُنا أنْ نَتَخَيَّلَهُ لأنَّهُ كانَ مُجَرَّدَ حَظيرةٍ وَسِخَة وقَذِرَة.

ويمكننا أنْ نَتحدَّثَ عَنْ بَشاعَةِ رَجُلٍ يُدْعَى "هيرودس" خَشِيَ أنْ يَفْقِدَ مُلْكَهُ وَسُلطانَهُ فَذَبَحَ كُلَّ الأطفالِ في تلك المنطقة. فهناكَ جَوانِبُ بَشِعَة لعيدِ الميلاد. ويمكننا أنْ نَتحدَّثَ عَنِ النَّاسِ غيرِ المُبالينَ في أورُشَليم. ولكِنْ يوجد أمرٌ أَبْشَعُ مِنْ كُلِّ تلكَ الأشياء.

فَخَلْف كُلِّ مَشهدٍ جَميلٍ، وكُلِّ بِطاقةٍ لعيدِ الميلادِ المَجيد، ووراء كُلِّ عاطِفَةٍ رائعةٍ نَشْعُرُ بها في عيدِ الميلاد، هناكَ شَيءٌ يَقْبَعُ خَلْفَ هَذا كُلِّه، وَهُوَ شَيءٌ شِرِّيرٌ جِدًّا وَقَبيحٌ جِدًّا. وهذا هو أكثرُ واقِعٍ ذَميمٍ وقَبيحٍ وَبَشِعٍ في الكَوْنِ كُلِّه. وأنا أُوْمِنُ حَقًّا أنَّهُ لكي تَفهموا فَهْمًا صحيحًا جَمالَ عيدِ الميلاد، يجب أنْ تَفهموا فَهمًا صحيحًا بَشاعةَ عيدِ الميلاد. واسمَحُوا لي أنْ أُساعِدَكُمْ في تَركيزِ أنظارِكُم على ما أعنيه.

ففي إنجيل مَتَّى 1: 21، نَقرأُ كَلماتٍ مألوفةً جِدًّا: "فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ". ونَقرأُ في إنجيل يُوحَنَّا 3: 5: "وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا". ونَقرأُ في رِسالة يوحنَّا الأولى 4: 14: "وَنَحْنُ قَدْ نَظَرْنَا وَنَشْهَدُ أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الابْنَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَم".

ثُمَّ أُريدُ أنْ نُرَكِّزَ على نَصٍّ واحِدٍ مُحَدَّدٍ جِدًّا وَهُوَ رِسالة تيموثاوس الأولى 1: 15 إذْ يَقولُ بولُس: "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ [فهي أمينَة وجَديرة بالثِّقة] وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ". فالجانِبُ المُظْلِمُ والقَبيحُ لعيدِ الميلادِ هُوَ الخطيَّة. الخَطِيَّة.

فَجَوْهَرُ عيدِ الميلادِ هُوَ الآتي: أَنَّ المَسِيحَ جَاءَ إِلَى العَالَمِ لِيُخَلِّصَ الخُطَاة. فالمسيحُ أُظْهِرَ لكي يَدْفَعَ أُجْرَةَ الخَطِيَّة: "وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ". وَالجَمالُ الحَقيقيُّ لِعيدِ الميلادِ المَجيد يَكْمُنُ في فَهْمِ البَشاعَةِ الَّتي يُعالِجُها. وهذا هُوَ ما سأُرَكِّزُ عليهِ اليوم: أنْ أُبَيِّنَ لكم قُوَّةَ الخطيَّة، وأنْ أُبَيِّنَ لكم قُوَّةَ حَياةِ المسيحِ وَموتِهِ وقِيامَتِهِ ثانيةً لكي يُعالِجَ ذلكَ الدَّاءَ المُتَفَشِّي في حَياةِ كُلِّ إنسان؛ أي: الخَطِيَّة.

والشَّيء القادِر أنْ يُرْسِلَ كُلَّ نَفسٍ إلى جَهَنَّم: الخطيَّة. والشَّيء الَّذي يَجْتاحُ العالَمَ بأسْرِه. وبسببِ الخطيَّة، هناكَ دُموع، وألم، وحَرْب، وخِصام، وقلق، وخِلاف، وتَوَتُّر، وخوف، وهَاجِس، ومَرَض، وموت، ومَجاعة، وزَلازِل، وتَلَوُّث. فَكُلُّ هذه الأشياءِ الَّتي تُشَوِّهُ وُجودَنا تَنْبُعُ مُباشرةً مِنَ الخطيَّة.

فالخطيَّةُ تُلَوِّثُ وتُفْسِدُ كُلَّ العلاقاتِ البشريَّة سَواءٌ علاقةَ الإنسانِ بالإنسان، أو علاقةَ الإنسانِ بالخليقة، أو عَلاقةَ الإنسانِ بالله. وقد قالَ "توماس واطسون" (Thomas Watson)، الكاتِبُ الطَّهورِيُّ العَظيم: "لقد حَوَّلَتِ الخَطِيَّةُ الجَمالَ إلى قَباحَة. والشِّرِّيرُ يُبالي بِتَغْطِيَة خَطيئَتِهِ أكثرَ مِمَّا يَهْتَمُّ بِمُعالَجَتِها". فالنَّاسُ يَميلونَ إلى العُثورِ على أَعذارٍ لخطيئتهم أكثرَ مِمَّا يُبالونَ بِفَحْصِها. لِذا، مِنَ المُناسِبِ في هذا الوقتِ مِنَ السَّنة، حيثُ يُبالي النَّاسُ بتغطية خطاياهم بِكُلِّ جَمالِ عيدِ الميلاد، مِنَ المُناسِبِ أنْ نُمَزِّقَ تلكَ الطَّبَقةَ الرَّقيقَةَ، ولو قليلاً، لِنَكْشِفَ عَنِ البَشاعَةِ الَّتي تَخْتَبِئُ خَلْفَها.

وكما تَرَوْن، فإنَّ السَّبَبَ في وِلادةِ المسيحِ هُوَ أنْ يكونَ المُخَلِّصَ الَّذي سيأتي لِيُخَلِّصَ النَّاسَ مِنْ خَطاياهُم. فلو لم تَكُن هناكَ خَطِيَّة، لما كانَ هُناكَ عيدُ ميلادٍ مَجيد. لِذا، لا يُمْكِنُنا أنْ نَفْصِلَ بينَ الاثْنَيْن. ولا يُمْكِنُنا أنْ نَخْتَبِئَ وَراءَ أوهام. فلا يمكننا أنْ نَختبئَ وراءَ سَحابَةِ دُخانِ بِطاقاتِ عيدِ الميلادِ وَالمَظاهرِ الأخرى. فالخطيَّةُ ينبغي أنْ تُواجَه.

فالخطيَّةُ تُنْشِئُ اضطرابًا كَوْنِيًّا. وهي دَاءٌ لا يُمْكِنُ لأحدٍ أنْ يَنْجو مِنْهُ. فجميعُ الأشخاصِ الَّذينَ يَموتونَ عندَ وِلادَتِهِم، أو بسببِ أمراضِ القلبِ، أوِ السَّرَطانِ، أوِ الحَرْبِ، أوِ القتلِ، أوِ الحوادِثِ، أوِ الشَّيخوخةِ، أوْ أيِّ سَبَبٍ آخر، يَموتونَ جَميعًا بسببِ الخطيَّة. فالكتابُ المقدَّسُ يقولُ إنَّ "أُجْرَةَ الخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ". وكُلُّ شخصٍ يَعيشُ على الأرض سيموت. لِذا فإنَّ الجَميعَ مُصابونَ بِداءِ الخطيَّة.

ولكِنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَقول إنَّ يَسوعَ المَسيحَ جاءَ إلى العالمِ لكي يُخَلِّصَنا مِنَ الخطيَّة. فهذا هو سَبَبُ مَجيئِه. فالخطيَّةُ هي بَشاعَةُ عيدِ الميلادِ المَجيد. وهي قُوَّةُ الانْحِلالِ الَّتي تَسْري في دَمِ الإنسانِ وتَجْعَلُهُ مُعَرَّضًا للمَرَضِ، والكارثةِ، والعِلَلِ، والموتِ، وَجَهَنَّم.

وهي سَبَبُ عيدِ الميلادِ المَجيد. فَكُلُّ زَواجٍ مُتَفَسِّخٍ، وكُلُّ بيتٍ مُنْقَسِمٍ، وكُلُّ صَداقةٍ مُفَكَّكَةٍ، وكُلُّ جِدالٍ، وكُلُّ خِلافٍ، وكُلُّ فِكرةٍ شِرِّيرةٍ وكَلِمَةٍ شِرِّيرة وفِعْلٍ شِرِّير، وكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ لم نَفْعَلْهُ، وفِكرة صَالحة لم نَفْتَكِر بها، وكلمة صَالحة لم نَقُلْها يُمْكِن أنْ تُعْزَى إلى الخطيَّة.

لِذا فإنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ يَشوع 7: 13 أنَّها شَيْءٌ "حَرَام". وهي تُشَبَّهُ في الكتابِ المقدَّسِ بِسُمِّ الحَيَّاتِ وبرائحةِ القَبْر. وأيُّ شَيءٍ بهذا الشَّرِّ، وبهذهِ السَّطْوَةِ، وبهذه القُدرةِ الهائلةِ على الفَتْكِ بالجنسِ البشريِّ كُلِّه ينبغي أنْ يُعالَجَ إنْ كانَ اللهُ القُدُّوسُ تَمامًا يُريدُ أنْ يُحْضِرَ الإنسانَ إليه. لِذا فقد جاءَ المسيحُ إلى العالمِ لكي يُعالِجَ الخطيَّة.

وعليه، لا يمكنكم أنْ تَنظُروا إلى عيدِ الميلادِ المجيد وأنْ تَحتفلوا بَمَظاهِرِهِ الثَّانويَّة، بل يجب عليكم أنْ تَفهموا أنَّهُ في صَميمِ عيدِ الميلادِ، هُناكَ بَشاعَةُ الخَطِيَّة. وقبلَ سَنواتٍ عَديدة، كَتَبَ "توماس غَثري" (Thomas Guthrie) هذه الكلماتِ التَّحريضيَّة عنِ الخطيَّة: "مَنْ هي الفَاتِنَةُ الَّتي تَسْرِقُ فَضائِلَنا؟ وَمَنْ هي القاتلةُ الَّتي تُدَمِّرُ حياتَنا؟ وَمَنْ هي السَّاحِرَةُ الَّتي تَخْدَعُنا أوَّلاً ثُمَّ تَلْعَنُ نُفوسَنا؟ الخطيَّة! وَمَنِ الَّتي تَتَنَفَّسُ أَنفاسًا بَارِدَةً تُجَمِّدُ بَراعِمَ شَبابِنا؟ وَمَنِ الَّتي تُحَطِّمُ قُلوبَ الآباءِ والأُمَّهات؟ وَمَنِ الَّتي تُصيبُ الشُّيوخَ الشُّيَّابَ بالحُزْنِ إلى المَمات؟ الخطيَّة!

"وَمَنِ الَّتي تُحَوِّلُ بطريقةٍ بَشِعَةٍ جِدًّا أَرَقَّ الأطفالِ إلى حَيَّاتٍ، وَأَرَقَّ الأُمَّهاتِ إلى وُحوشٍ، وأَلْطَفَ الآباءِ إلى أشخاصٍ أَسوأ مِنْ هيرودُس – إلى أشخاصٍ يَقتُلونَ أطفالَهُم الأبرياء؟ الخطيَّة! وَمَنِ الَّتي تَزْرَعُ بِذْرَةَ الخِلافاتِ في قُلوبِ أفرادِ العائلة؟ وَمَنِ الَّتي تُشْعِلُ نَارَ الحَرْبِ وَتَجْعَلُها تَسْتَعِرُ وَتتوقَّد؟ وَمَنِ الَّتي تَسْتَخْدِمُ النِّزاعاتِ في الكنيسةِ لتقسيمِ ثَوْبِ المَسيح؟ الخطيَّة!

وَمَنْ هِيَ دَليلة الَّتي تُغَنِّي لِشَمْشُونَ النَّذير إلى أنْ يَنامَ لكي تَضَعَ قُوَّةَ اللهِ بِيَدِ رِجالٍ لم يُخْتَنوا؟ وَمَنِ الَّتي تَرْسِمُ ابتسامةً على وَجْهِها، وَتَنْطِقُ بِمَعْسولِ الكَلامِ، وَتَقِفُ في البابِ مُتَظاهِرَةً بأنَّها مِضْيافَة، ولكِنْ عندما يَنامُ الارْتيابُ فإنَّها تَخْتَرِقُ هَياكِلَنا بِكُلِّ خُبْثٍ بِمِسْمار؟ وَمَنْ هذهِ الحَسْناءُ الَّتي تَجْلِسُ على صَخْرَةٍ بِمُحاذاةِ بِرْكَةٍ مُميتَةٍ، وَتَبْتَسِمُ لِخِداعِنا، وَتُغَنِّي لإغوائِنا، وَتَسْتَخْدِمُ القُبُلاتِ لِخِيانَتِنا، وَتَلُفُّ ذِراعَها حَوْلَ عُنُقِنا لكي تَقْفِزَ مَعَنا إلى الهَلاك؟ الخَطِيَّة!

"وَمَنِ الَّتي تُحَوِّلُ القلبَ اللَّيِّنِ وَالرَّقيقَ إلى حَجَر؟ وَمَنِ الَّتي تُنادي بالمَنْطِقِ مِنْ بُرْجِها العَالي وتَحُضُّ الخُطاةَ الثَّائرينَ كخَنازيرِ كُورةِ الجَدَرِيِّين على القَفْزِ مِنْ فَوْقِ الجُرْفِ إلى بُحيرةِ النَّار؟ الخطيَّة!"

فالخطيَّةُ هي بَشاعَةُ عيدِ الميلاد. وهي تَقِفُ وراءَ الكواليسِ. وهي السَّبَبُ في مَجيءِ المُخَلِّص: "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاة". فهذه هي النُّقطة الجوهريَّة. والآنْ، أَوَدُّ أنْ أَطْرَحَ عليكم خمسةَ أسئلة بخصوصِ الخطيَّة.

السُّؤالُ الأوَّل: ما هي الخطيَّة؟ ما هو هذا الشَّيءُ الَّذي نَتَحَدَّثُ عنهُ والذي اجْتاحَ العالَمَ هَكذا؟ لقد قالَ "جون بَنيان" (John Bunyan) بأسلوبٍ نَثْرِيّ: "الخطيَّةُ هي تَطاوُلٌ على عَدالَةِ اللهِ. والخطيَّةُ هي اغتصابٌ لِرَحْمَةِ اللهِ. وَهِيَ استهزاءٌ بِطُوْلِ أَناتِه، واستخفافٌ بِقُدرَتِه، وازدراءٌ بِمَحَبَّتِه".

ولكِنْ فَضْلاً عَنْ ذلك، ما هي الخطيَّةَ بعباراتٍ بسيطة؟ أعتقد أنَّ التَّعريفَ الوارِدَ في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 4 يُظْهِرُها بأوضحِ صُورةٍ مُمْكِنَة: "الخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي [على النَّاموس]". فالخطيَّةُ هي كَسْرُ شَريعَةِ اللهِ، وأيُّ تَعَدٍّ على ناموسِ اللهِ. وفي النَّصِّ اليُونانِيِّ لتلكَ الآية، فإنَّ الخَطِيَّةَ تُعادِلُ التَّعَدِّي. والتَّعَدِّي يُماثِلُ الخَطِيَّة. وهي تَعنْي أنْ يَعيشَ المَرْءُ كما لو لم يَكُنْ هُناكَ إلَه، ولا شَريعة، ولا سُلْطَة، ولا مَعايير؛ تَمامًا كهؤلاءِ النَّاس الَّذينَ يَعيشونَ في وَقْتِنا الحاضِرِ والذين يُريدونَ دائمًا أنْ يَعيشوا هكذا. فهي تُنْكِرُ وَاقِعَ شريعةِ الله. وهي تقولُ إنَّ اللهَ ليسَ صَاحِبَ السُّلْطانِ، وإنَّهُ لا يَحِقُّ لَهُ أن يُمْلي عَلَيَّ قَانونًا مُلْزِمًا.

وهي تَعْني أنْ نَحْيا خَلْفَ الحُدودِ الَّتي رَسَمَها الله. وهي التَّفكيرُ بأمورٍ غير مَقبولة لدى الله، والتَّفَوُّهُ بكلماتٍ غير مَقبولة لدى الله، والتَّصَرُّفُ بطريقة غير مَقبولة لدى الله، وَانْتِهاكُ شَريعَتِه. فاللهُ أعطانا شَريعَتَه، وَكَتَبَ شَريعَتَهُ في قُلوبِنا. والكِتابُ المقدَّسُ يَقول في رسالة رُومية والأصحاح الثَّاني إنَّ اللهَ كَتَبَ شَريعَتَهُ في صَفْحاتِ الأسفارِ المُقَدَّسة. والشَّريعةُ (بحسبِ ما جاءَ في رسالة رُومية 7: 12): "مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَة". فلا يوجد فيها شيءٌ غَيْر طاهِر، ولا شيء غير عادِل، ولا شيء خاطئ. فهي مُقَدَّسة وعادِلَة وصَالِحَة.

ولا يوجد سَبَبٌ مَعقول لمُخالَفَةِ شريعةِ اللهِ سِوى حَقيقةِ أنَّ البشرَ يَرْغَبونَ في إدارَةِ شُؤونِ حَياتِهم بأنفسهم، وأنْ يَفعلوا ما يَشاءون. وبذلكَ فإنَّهم يُنْكِرونَ على اللهِ مَكانَهُ الصَّحيح. فَكُلُّ شَريعةِ اللهِ هي لِبَرَكَةِ الإنسان. وكُلُّ شَريعَةِ اللهِ هي لِخَيْرِ الإنسان. وكُلُّ شريعةِ اللهِ هي لسعادةِ الإنسانِ، وخَلاصِ الإنسانِ، وَفَرَحِ الإنسانِ الأبديّ.

ولكِنَّ الإنسانَ جَاهِل. وكما هي حالُ الحِصانِ الَّذي لديهِ مَرْعَى جَميل يَرْعى فيه، ولكِنَّهُ يَقْفِزُ فوقَ السِّياجِ وَيَسْقُطَ في الطِّيْن، فإنَّ الإنسانَ قد شَوَّهَ جَمالَ ما فَعَلَهُ اللهُ لأنَّهُ لَمْ يُطِعْ شَريعَتَهُ. فقد قَفَزَ عنِ السِّياج، وَتَخَطَّى الحَواجِزَ، وَغَاصَ عَميقًا في مُسْتَنْقَعِ وَحَمْأةِ خَطيئَتِه الَّتي يَعْجَزُ عَنِ الخُروجِ مِنها. لِذا، مَعَ أنَّهُ بمقدورِنا أنْ نَنْظُرَ إلى الكِتابِ المقدَّسِ وأنْ نَجِدَ أنواعًا كثيرةً مِنَ الخطيَّة، ومُصطلحاتٍ عديدة تُعَبِّر عنها، فإنَّ أَبْسَطَ تَعريفٍ لها هي أنَّها تَعَدٍّ على شَريعَةِ الله.

وهذا يَقودُنا إلى السُّؤالِ الثَّاني وهو: ما هي هَيْئَةُ الخطيَّة؟ أو: ما هي طَبيعةُ الخطيَّة؟ أو: ما هي سِماتُ الخطيَّة؟ أيْ: ما هي سِماتُ هذا الشَّيءِ الَّذي جَعَلَ المسيحَ يُوْلَدُ بِوَصْفِهِ مُخَلِّصًا؟

السِّمَةُ الأولى: الخَطِيَّة تُنَجِّس. فيجب علينا أنْ نَفهمَ أنَّ طبيعَتَها هي أنَّها تُنَجِّس. فهي ليست مُجَرَّدَ بُعْدٍ عنِ الإيمان. بعبارة أخرى، إنَّها ليست تَمَرُّدًا وَحَسْب، وهي ليست فقط تَعَدِّيًا على ناموسِ اللهِ أوْ تَجاوُزًا للحُدود، بل هي تُلَوِّثُ وَتُنَجِّس. وهي بالمُبايَنَةِ مَعَ مَعْدَنٍ ثَمينٍ تُشْبِهُ الصَّدَأ. وهي تُشْبِهُ النُّدوبَ على وَجْهٍ جَميل، وتُشْبِهُ البُقْعَةَ على ثَوْبٍ مِنَ الحَرير، وتُشْبِهُ الدُّخانَ في سَماءٍ صَافية. فهي شيءٌ مُلَوِّث. وهي تَجْعَلُ النَّفسَ مَدْموغَة بالذَّنْبِ وسَوداءَ بالشَّرّ.

وفي سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل 8: 38، تُشَبَّهُ الخَطِيَّةُ في قلبِ الإنسانِ بجُروحٍ مُتَقَيِّحَةٍ ناشئةٍ عَنْ وَبَأٍ قاتِل. وفي سِفْرِ زَكَرِيَّا 3: 3، تُشَبَّهُ الخطيَّةُ بثَوْبٍ بَالٍ. فهي شيءٌ يُنَجِّس، ويُلَوِّث، ويُشَوِّه. فهي تَدْمَغُ النَّفسَ وتُشَوِّهُ صُورَةَ الله. وبحسب ما جاءَ في سِفْرِ زَكريَّا 11: 8، إنَّها تَجْعَلُ نَفْسَ اللهِ تَضِيْقُ بالخُطاة. وبحسب ما جاءَ في سفر حِزْقيال 20: 43، عندما يَرى الخاطئُ خَطيئَتَهُ، فإنَّهُ يَمْقُتُ نَفْسَهُ.

فالخطيَّةُ تُلَوِّثُ وَتُنَجِّسُ وَتُلَطِّخُ وتُشَوِّهُ كُلَّ شيءٍ تَلْمَسُهُ. وهي تَلْمَسُ كُلَّ شيءٍ في نِطاقِ البَشَر. لِذا، في رسالة كورِنثوس الثَّانية 7: 1، لا عَجَبَ أنَّ بولسَ يُسَمِّيها: "دَنَس الجَسَد وَالرُّوح".وقد كَتَبَ "توماس غودوين" (Thomas Goodwin)، الطَّهورِيّ: "الخطيَّة تُدْعَى ’سُمًّا‘، والخُطاةُ ’حَيَّات‘. والخطيَّة تُسَمَّى ’قَيْئًا‘ والخُطاةُ "كِلابًا". والخطيَّة تُدْعى ’رائحةَ قُبورٍ‘ والخُطاةُ ’قُبورًا مُنْتِنَةً‘. والخطيَّةُ تُدْعى ’حَمْأة‘ والخُطاة "خَنازير‘". وهذا كُلُّه، أيْ هذا المَفهومُ الكِتابِيُّ، يُشيرُ إلى تَلويثِها، وتَنْجيسِها، وبَشاعَتِها. لِذا فإنَّ الخطيَّة تُنَجِّس.

أمَّا السِّمَةُ الثَّانية للخطيَّة فهي أنَّها وَقِحَة. فهي وَقِحَةٌ بطبيعَتِها. ففي سِفْرِ اللَّاوِيِّين 26: 27، يَتكَلَّمُ اللهُ عَنْ هؤلاءِ الَّذينَ اختْاروا أنْ يَسْلُكوا "مَعِي بِالْخِلاَف". فَهِيَ تَعْني التَّطاوُلُ على الله. وهي تَعْني أنْ تُلَوِّحَ بِقَبْضَتِكَ وَتُوَجِّهَ لَكْمَةً إلى وَجْهِ يَسوعَ المسيح. فَمَهْما كانَ التَّقديرُ الَّذي تُريدُ أنْ تُظْهِرَهُ لَهُ في عيدِ الميلاد، فإنَّ الخَطِيَّةَ تُوَجِّهُ ضَرْبَةً إليهِ في وَجْهِهِ. والخطيَّةُ تَدُقُّ مِسْمارًا في يَدَيْه. والخطيَّةُ تَغْرِزُ تَاجًا مِنَ الشَّوْكِ في رأسِه. والخطيَّةُ تَطْعَنُهُ بِرُمْحٍ في جَنْبِه. والخطيَّةُ تَبْصُقُ عليه. والخطيَّةُ تَهْزَأُ بِهِ.

فَلِسَانُ حَالِ الخطيَّة هو: "سأفعَلُ مَا أَشاءُ أنْ أفعَل، وأنا لا أُبالي بما تَدَّعيه أوْ بِمَنْ تَكون". ونحنُ نَقرأُ في المزمور 12: 4: "شِفَاهُنَا مَعَنَا. مَنْ هُوَ سَيِّدٌ عَلَيْنَا؟" بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ ما تَعْنيهِ تلكَ الجُملة هو: "سَنَقولُ ما نُريدُ أنْ نَقول. فنحنُ لا نَقْبَلُكَ كَصاحِبِ سُلْطَة. ونحنُ لا نُؤمِنُ بأنَّكَ مُهَيْمِنٌ علينا. لِذا، سَنَقولُ ما نُريدُ أنْ نَقول".

وفي سِفْرِ إرْميا، عندما أَعْلَنَ الدَّينونةَ على بَني إسرائيلَ بسببِ شَرِّهِم ضِدَّ اللهِ فإنَّهُ يَقول في الأصحاح 2 والعدد 31 إنَّ الشَّعْبَ يَقول: "قَدْ شَرَدْنَا، لاَ نَجِيءُ إِلَيْكَ بَعْدُ؟" وهذه هي الكَلِماتُ الَّتي يَنْطِقُ بِها كُلُّ خاطِئ: "قَدْ شَرَدْنَا، لاَ نَجِيءُ إِلَيْكَ بَعْدُ؟" فنحنُ لَسنا نُبالي بسِيادَتِكَ وسُلْطانِك. بَلْ نَحْنُ مَنْ يَسود. وَنَحْنُ أصْحابُ السُّلْطة.

والكلمة "بَاشَّا" (pesha) في اللُّغةِ العِبْرِيَّة، ومَعْناها "خَطِيَّة" تُشيرُ إلى التَّمَرُّد. فهي رُوْحُ التَّمَرُّدِ الموجودِ في قَلْبِ كُلِّ خاطئ. ونحنُ نَقرأ في سِفْر إرْميا 44: 17: "بَلْ سَنَعْمَلُ كُلَّ أَمْرٍ خَرَجَ مِنْ فَمِنَا". بعبارةٍ أخرى، مِنْ صِفاتِ الخاطِئِ هي أنَّهُ يَفْعَلُ تَمامًا ما يَرْغَبُ في أنْ يَفعل.

وكما تَرَوْن، فإنَّ الخطيَّةَ تُحاوِلُ أنْ تقْتُلَ الله. فهي لا تُحاوِلُ فقط أنْ تَخْلَعَهُ عَنْ عَرْشِه، بل تُحاوِلُ أنْ تُجَرِّدَهُ مِنْ أُلوهِيَّتِه. فإنْ كانَ الخاطئُ يَعيشُ كما يَشاء، فإنَّهُ لا يُؤمِنُ بالله، بل هُوَ إلَهُ نَفْسِه. وهذه هي وَقاحَةُ الخطيَّة. لِذا، مَهْما كانَ التَّقديرُ الَّذي تُحاوِلُ الخطيَّةُ أنْ تُظْهِرَهُ لله، فإنَّها تُوَجِّهُ ضَرْبَةً إلى الله. وهي تَبْصُقُ على المُخَلِّص. وهي تَتَواقَحُ على اللهِ، وَتَطْلُبُ أنْ تَفْعَلَ مَشيئَتَها. لِذا فإنَّ الخطيَّةَ تُنَجِّسُ، وَهِيَ وَقِحَة.

أمَّا السِّمَةُ الثَّالثةُ للخطيَّة فهي أنَّها غَيْرُ شَكُورَة. فالخطيَّة غير شَكورة. فكما تَرَوْن، بحسب ما جاءَ في سِفْر أعمال الرُّسُل 17: 28، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقول: "لأَنَّنَا بِهِ" [أيْ باللهِ] "نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. وأنتُم تَعلمونَ، بِكُلِّ تأكيد، أنَّهُ مِنْ دُونِ اللهِ فإنَّكُمْ لن تكونوا موجودينَ هُنا. فاللهُ هُوَ الَّذي خَلَقَكُم. وأنتُم تَحْيَوْنَ وَتَتَنَفَّسونَ لأنَّ اللهَ خَلَقَكُم، كما خَلَقَ العَالَمَ كُلَّه. وأيًّا كانَ الشَّيءُ الموجودُ في هذا العالم والذي تَمْلِكُهُ، وأيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي تَجِدُ مُتْعَةً فيه، وأيًّا كانَ الشيءُ الَّذي بِحَوْزَتِك، فإنَّهُ موجودٌ بسببِ اللهِ ولأنَّهُ إلَهٌ رَحيمٌ وَلَطيفٌ وَمُنْعِمٌ.

فقد خَلَقَ اللهُ العَالَمَ الصَّالِحَ لَنا، وَبارَكَنا بِإحْسانِهِ. وَنَحْنُ نَأخُذُ نَفَسًا آخَرَ لأنَّ هُناكَ إلَهًا ولأنَّهُ هُوَ الَّذي يُعْطينا هذا النَّفَس. وفي إنْجيل مَرْقُس ... المَعْذِرَة ... في إنجيل مَتَّى 5: 45، نَقرأُ أنَّ اللهَ: "يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِين". بعبارةٍ أخرى، فقد بَارَكَ العالَمَ ... عَالَمَ الإنسانِ الخاطئ ... بِلُطْفِهِ وَإحْسانِه.

واللهُ هُوَ الَّذي وَفَّرَ كُلَّ الطَّعامِ للخُطاةِ ليأكُلوا، وكُلَّ الأطايِبِ، وكُلَّ شَيءٍ لَذيذٍ تَتَذَوَّقُونَهُ، وكُلَّ مَشْهَدٍ بَديعٍ رَأيتُموهُ يومًا، وكُلَّ شُعورٍ رائعٍ شَعَرْتُمْ بِهِ يومًا. فاللهُ هُوَ الَّذي وَفَّرَ ذلك. واللهُ هُوَ الَّذي وَهَبَ كُلَّ جَمال. واللهُ هُوَ الَّذي أَعْطى الحِكمةَ لأذهانِنا، والتَّناسُقَ لأجسادِنا، وَسَمَحَ لنا أنْ نُفَكِّرَ، وَنَشْعُرَ، ونَعْمَلَ، وَنَلْهو، ونَستريحَ لكي تكونَ الحَياةُ مُمْتَلِئَةً وَمُفيدَةً.

واللهُ هُوَ الَّذي أَوْجَدَ المحبَّة. واللهُ هوَ الَّذي أَوْجَدَ الضَّحِكَ. واللهُ، مِنْ دُوْنِ شَكٍّ، هو الَّذي يُعْطينا الأفراحَ في الحياةِ، والأطفالَ الصِّغار، والأصدقاء. واللهُ هو الَّذي يُعْطي كُلَّ رَجُلٍ مَهارةً مُعَيَّنَةً، وكُلَّ امرأةٍ قُدرةً مُعَيَّنَةً تَجْعَلُهُما مُتَمَيِّزَيْن، وتَجْعَلُهُما يَتَفَوَّقان بطريقة فريدة جدًّا لكي يَشْعُرا باحترامِ الذَّاتِ وَقيمةِ الذَّات.

واللهُ هو الَّذي خَلَقَ الإنسانَ وَأعْطاهُ القُدرةَ على العِنايةِ بنفسه وبالآخرين لكي تكونَ الحياةُ مُمتلئَة بتلكَ الأشياء الرَّائعة الَّتي نَستمتِعُ بها جَميعًا. واللهُ هو الَّذي يَحْفَظُنا مِنَ الإصابةِ بِكُلِّ مَرَض وَمِنَ الموتِ بِكُلِّ مَوْت. واللهُ يُحيطُ [حَرفيًّا] الخاطِئِ غيرِ المُمْتَنِّ بِعِنايَتِهِ الإلهيَّة. وعندما نَستمرُّ في الخطيَّة، فإنَّنا نُدَنِّسُ ذلكَ الصَّلاحَ وَنُعَبِّرُ عنْ عَدَمِ امتِنانِنا لذلكَ اللُّطْف.

وكما هي حالُ أبشالوم الَّذي حَالَما قَبَّلَهُ أبوهُ داوُد واحْتَضَنَهُ، خَرَجَ حالاً وتآمَرَ لِخيانَةِ أبيهِ الحَبيب، فإنَّ الخاطِئَ يُسَرُّ بأنْ يَحْتَضِنَ بينَ ذِراعَيْه كُلَّ الخَيْرِ الَّذي يَهَبهُ اللهُ لَهُ، ولكِنَّهُ يُسَدِّدُ ضَرْبَةً إلى وَجْهِ اللهِ بالمُقابِل. ونحنُ نَجِدُ أنفُسَنا نَطْرَحُ السُّؤالَ نَفْسَهُ الَّذي طُرِحَ في سِفْرِ صَموئيلَ الثَّاني 16: 17، وَهُوَ: "أَهذَا مَعْرُوفُكَ مَعَ صَاحِبِكَ؟" فالخطيَّةُ هي جُحودٌ كَبير. فهي تَسْعى إلى خَلْعِ اللهِ عَنْ عَرْشِهِ وَقَتْلِهِ، مَعَ أنَّهُ هُوَ الَّذي وَهَبَنا كُلَّ ما لدينا. إنَّهُ أمرٌ لا يُعْقَل!

وهذه هي طبيعةُ الخطيَّة. فأنتَ لا تُفَكِّرُ في إلْحاقِ الشَّرِّ بشخصٍ أَنْقَذَ حَياتَكَ بطريقة عظيمة وبُطوليَّة؛ ولكِنَّكَ تُوَجِّهُ ضَرْباتٍ مُهينَةٍ إلى وَجْهِ اللهِ الَّذي أَعْطاكَ كُلَّ مَا لديك. فالخطيَّة تُنَجِّسُ. والخَطِيَّةُ وَقِحَة. والخطيَّةُ ناكِرَةٌ للجَميل.

والخطيَّةُ أيضًا لا عِلاجَ لَها – على الصَّعيدِ البَشَريّ ... على الصَّعيدِ البَشَرِيّ. فالخطيَّةُ لا عِلاجَ لَها بَشَرِيًّا. ففي سِفْرِ إرْميا 13: 23، قالَ النبيُّ: "هَلْ يُغَيِّرُ الْكُوشِيُّ جِلْدَهُ أَوِ النَّمِرُ رُقَطَهُ؟" والجوابُ عَنْ ذلكَ السُّؤالِ البَلاغِيِّ هو: لا! فالحَبَشِيُّ لا يَستطيعُ أنْ يُغَيِّرَ جِلْدَهُ. والنَّمِرُ لا يَستطيعُ، مِنْ خلالِ التَّفكيرِ وَلا مِنْ خِلالِ القيامِ بِعَمَلٍ ما، لا يَستطيعُ أنْ يُغَيِّرَ رُقَطَهُ. ثُمَّ إنَّ النبيَّ يقول: "فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَقْدِرُونَ أَنْ تَصْنَعُوا خَيْرًا أَيُّهَا الْمُتَعَلِّمُونَ الشَّرَّ!" فَكَما أنَّ الحَبَشِيَّ لا يَستطيعُ أنْ يُغَيِّرَ لَوْنَ جِلْدَهُ، وكما أنَّ النَّمِرَ لا يَستطيعُ أنْ يُغَيِّرَ لَوْنَ رُقَطِهِ، فإنَّكَ لا تَسْتَطيعُ أنْ تَفْعَلَ الخَيْرَ لأنَّكَ تَميلُ بِطَبيعَتِكَ إلى فِعْلِ الشَّرّ. ولا يوجد شيءٌ بَشَرِيٌّ يَقْدِرُ أنْ يُغَيِّرَ ذلك، ولا كُلَّ القَراراتِ الموجودة في العالَم، ولا كُلَّ الجُهودِ الشَّخصيَّة، ولا كُلَّ الدِّيْن. فالخطيَّةُ لا عِلاجَ لَها بَشَرِيًّا.

وفي سِفْرِ إشَعْياء والأصحاح الأوَّل، نَقرأُ في العدد 4: "وَيْلٌ لِلأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، الشَّعْبِ الثَّقِيلِ الإِثْمِ [الشَّعْبُ الثَّقيلُ الإثْمِ]، نَسْلِ فَاعِلِي الشَّرِّ". بعبارةٍ أُخرى، أنْتُمْ تَستمرُّونَ في إنْجابِ فاعِلي الشَّرِّ. "أَوْلاَدِ مُفْسِدِينَ! تَرَكُوا الرَّبَّ، اسْتَهَانُوا بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ، ارْتَدُّوا إِلَى وَرَاءٍ. عَلَى مَ تُضْرَبُونَ بَعْدُ؟ تَزْدَادُونَ زَيَغَانًا! كُلُّ الرَّأْسِ مَرِيضٌ، وَكُلُّ الْقَلْبِ سَقِيمٌ. مِنْ أَسْفَلِ الْقَدَمِ إِلَى الرَّأسِ لَيْسَ فِيهِ صِحَّةٌ، بَلْ جُرْحٌ وَأَحْبَاطٌ وَضَرْبَةٌ طَرِيَّةٌ لَمْ تُعْصَرْ وَلَمْ تُعْصَبْ وَلَمْ تُلَيَّنْ بِالزَّيْت".

فهكذا يَصِفُ اللهُ الخاطئ. فهو مَريضٌ بجُمْلَتِه. فالخطيَّة هي بَرَصُ النَّفسِ الَّذي لا دَواءَ لَهُ. فهي لا يُمْكِن أنْ تُعالَجَ مِنْ خلالِ تَشْريعٍ مَا. وَهي لا يُمْكِنُ أنْ تُعالَجَ مِنْ خِلالِ فَلسفةٍ ما. وهي لا يُمْكِنُ أنْ تُعالَجَ مِنْ خلالِ العِلاجِ النَّفسيّ. وهي لا يُمْكِن أنْ تُعالَج بالأمنيات. وهي لا يُمْكِن أنْ تُعالَج بالجُهْدِ الشَّخصيّ.

وقد قالَ "جون فليفيل" (John Flavell) ذاتَ مَرَّة إنَّ كُلَّ الدُّموعِ الَّتي قد يَذْرِفُها الخاطِئُ النَّادِمُ، حَتَّى لو كانَتْ مِثْلَ قَطْراتِ المَطَرِ الَّتي هَطَلَتْ منذُ خَلْقِ العالم، لا يُمْكِنُ أنْ تَغْسِلَ مِنْ خِلالِ دُموعِهِ خَطيئةً واحدة". ثُمَّ إنَّهُ يُواصِلُ حَديثَهُ قائلاً: "وَنَارَ جَهَنَّمَ الدَّائمة لا تَسْتَطيعُ أنْ تُطَهِّرَ ضَميرًا مُعَذَّبًا بسببِ خَطيئةٍ واحدة لأنَّ الحُزْنَ لا يَستطيعُ أنْ يَشْفي خطيئةً واحدةً، ولأنَّ العِقابَ لا يَستطيعُ أنْ يَشْفي خطيئةً واحدةً. فالمسيحُ هو الوحيدُ الَّذي يَقْدِرُ أنْ يَشْفي الخطيَّة".

لِذا، هذا هُوَ مَعنى عيدِ الميلادِ المَجيد: أنَّ يسوعَ المسيحَ جاءَ إلى العالم لكي يُخَلِّصَ الخُطاة. فلا توجد طريقة أخرى. ولا يوجد علاجٌ آخر. فالخطيَّة دَاءٌ لا يُمْكِنُ عِلاجُهُ إلَّا بشيءٍ واحدٍ فقط وَهُوَ: دَمُ الطَّبيبِ الإلهيِّ شخصيًّا.

فَضْلاً عن ذلك، لكي نَفهمَ طبيعةَ الخطيَّة، مِنَ المُهِمِّ أنْ نَعْلَمَ أيضًا أنَّ الخطيَّة مَكْروهَة لدى الله. فهي مُبْغَضَة مِنَ الله. ولا شَكَّ في أنَّ ذلكَ واضِحٌ بالنِّسبة إلينا. ولكِن اسمحوا لي أنْ أَحْفِزَ فِكْرَكُم أكثر قليلاً. فالخطيَّة هي الشَّيء الوحيد الَّذي يُقاوِمُهُ اللهُ أبديًّا. فهو لا يَدينُ أحدًا سِوى الخاطِئ. فهذا هُوَ كُلُّ شيء. فهذه هي الفئة الوحيدة الَّتي يُقاوِمُها اللهُ أبديًّا. فاللهُ لا يُقاوِمُ إنسانًا لأنَّهُ فَقير. واللهُ لا يُقاوِمُ إنسانًا لأنَّهُ جاهِلٌ أوْ مَشلولٌ أو مَريضٌ أو لأنَّهُ مُحْتَقَرٌ مِنَ العالمِ أوْ لأنَّ قُدُراتَهُ مَحدودة، أو لأنَّهُ لا يَمْلِكُ شيئًا يُقَدِّمُه. لا! بل إنَّ هناكَ شيئًا واحدًا فقط يَفْصِلُ الإنسانَ عنِ اللهِ وَهُوَ: الخطيَّة. فهذا هُوَ كُلُّ ما في الأمر. فاللهُ يُقاوِمُ فقط الخاطِئ.

ففي سفر إرْميا 44: 4، يَقولُ اللهُ: "لاَ تَفْعَلُوا أَمْرَ هذَا الرِّجْسِ الَّذِي أَبْغَضْتُهُ". فهذه هي كلمةُ اللهِ للخُطاةِ الضَّالين، والمُتمرِّدين، والعُصاة، والنَّجِسين. وكما تَرَوْنَ فإنَّ إلَهَنا قُدُّوس. فَهُوَ قُدُّوسٌ تَمامًا، ولا يوجد فيهِ مَا يُنافي القَداسة، بل هُوَ قُدُّوسٌ ودائِمُ القَداسة. أمَّا الخاطئُ فطبيعَتُهُ خاطئة، وَهُوَ مَعْجُونٌ بالخَطِيَّة، ولا يوجد فيه شيء سِوى الخَطيَّة. فهو كُلُّهُ خَاطِئٌ ودائمًا خاطئ. وكيفَ يُمْكِنُ للاثْنَيْنِ أنْ يَلْتَقِيا؟ فقط عندما تُمْحَى الخطيَّة. وهذا يَتِمُّ مِنْ خلالِ عَمَلِ يسوعَ المسيحِ الَّذي جاءَ لكي يُخَلِّصَ الخُطاة.

لِذا فإنَّ الخطيَّة تُنَجِّس. وهي وَقِحَة، وغير شَكورة، ولا يُمْكِنُ أنْ تُعالَجَ بَشريًّا. وهي مُبْغَضَةٌ مِنَ الله. ثُمَّ اسْمَعوني إذْ أَوَدُّ أنْ أُضيفَ الآتي: إنَّها عَمَلٌ شَاقّ. فَمِنْ سِماتِ الخطيَّة هي أنَّها عَمَلٌ شَاقٌّ. هل لاحَظْتُمْ ذلك؟ فَكُلُّ ما تُسَبِّبُهُ هُوَ الألم. وبالرَّغمِ مِنْ ذلكَ فإنَّ النَّاسَ يَتَكَبَّدونَ مَشَقَّةً لكي يَفْعَلوها. ويا لها مِنْ مُيولٍ غَريبةٍ تَفْرِضُها علينا! فنحنُ نَقرأُ في سِفْر إرْميا 9: 5: "تَعِبُوا فِي الافْتِرَاء". وفي المَزمور 7: 14: "هُوَذَا يَمْخَضُ بِالإِثْم". وَهُوَ يَصِفُ هُنا "كُوْش" الَّذي كانَ عَدُوًّا لداوُد وكانَ يُطارِدُ داوُد. فهو يُكابِدُ الألَمَ لكي يَعْمَلَ الإثْمَ. ونَقرأُ عَنْ أورُشَليم في سِفْر حِزْقيال 24: 12: "بِمَشَقَّاتٍ تَعِبَتْ". فالخطيَّةُ هي عَمَلُ شَاقٌّ. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ النَّاسَ يَسْعَوْنَ إلى القيامِ بِها بِكُلِّ اجْتِهاد!

وهذا يُذَكِّرُني بما جاءَ في سِفْرِ التَّكوين والأصحاح 19 حينَ جاءَ هؤلاءِ الرِّجالُ المُنْحَرِفونَ والشَّاذُّونَ في مدينة سَدوم إلى بيتِ لُوْط لأنَّ مَلاكَيْنِ جَميلَيْنِ جاءا إلى بَيْتِهِ مِنْ عِنْدِ الله. وعندما رَأى هؤلاءِ الرِّجالُ هَذَيْنِ المَخلوقَيْن البَديعَيْن، أرادوا أنْ يأتوا وأنْ يَضْطَجِعوا مَعَهُما بطريقَتِهِم الشِّرِّيرة المُنْحَرِفَة. وقد أرادوا مِنْهُما أنْ يَخْرُجا مِنَ المَنزِلِ لكي يَفْعَلوا ذلكَ بِهِما. ولا شَكَّ أنَّ المَلاكَيْنِ لم يَكونا لِيَسْمَحا بحدوثِ ذلك. والكِتابُ المُقدَّسُ يقول إنَّ اللهَ دَانَ هؤلاءِ الرِّجال المِثليِّينَ جِنسيًّا وأَصابَهُمْ بالعَمى.

وهل تَعلمونَ ما الَّذي يَصْعَقُني؟ أنَّهُمْ عندما أُصيبوا بالعَمى، لم يَسْقُطوا على الأرض وَيَزْحَفوا، ولم يُسارِعوا إلى طَلَبِ الرَّحمة؛ بل حاولوا بِكُلِّ ما أُوْتُوا مِنْ قُوَّة أنْ يَكْسِروا البابَ، وأنْ يَدْخُلوا البيتَ بأيِّ طريقة مُمْكِنَة. والحقيقة هي أنَّ إصابَتَهُمْ بالعَمى حالاً لم تَكُنْ دينونة كافية للتغلُّب على شَهْوَتِهِم القويَّة الرَّديَّة. فقد تَجاهَلوا عَماهُمْ وبَذَلوا كُلَّ جُهْدٍ مُمكِن لتحقيقِ هَدَفِهِم الَّذي دَفَعَتْهُمْ إليهِ شَهْوَتُهُم. وهذا هو جوهرُ الخطيَّة. فهي فاسِدة جدًّا حتَّى إنَّها تتجاهلُ الألم والعواقِب. فالنَّاسُ يَسْعَوْنَ إلى فِعْلِ الشَّرِّ وَيُرْهِقونَ أنفُسَهُمْ في أثناءِ القيامِ بذلك. فالنَّاسُ يَذْهَبونَ إلى جَهَنَّمَ وَهُمْ يَتَصَبَّبونَ عَرَقًا.

إذًا، ما هي طبيعةُ الخطيَّة؟ إنَّها تُنَجِّس. وهي وَقِحَة، وغير شَكورة، ولا يُمْكِنُ أنْ تُعالَجَ بَشريًّا. وهي مُبْغَضَةٌ مِنَ الله. وَهِيَ تَتَطَلَّبُ عَملاً شَاقًّا. وهذا كُلُّهُ يَحْدُثُ حَتَّى يَنْتَهِكَ البَشَرُ شَريعَةَ الله. ويا لَهُ مِنْ ضَلال!

وَكَمْ عَدَدُ النَّاسِ الَّذينَ تُؤثِّرُ فيهم الخطيَّة؟ هذا هو سُؤالُنا الثَّالث. وقد تَلَقَّيْتُ رِسائِلَ عَبْرَ السِّنين مِنْ أُناسٍ قالوا لي: "لا أدري ما الذي تتحدَّث عنه! أنا لم أُخْطِئ في حياتي". ولكنِّي أنا أخطأت. إذًا، كَمْ عَدَدُ النَّاسِ الَّذينَ تُؤثِّرُ فيهم الخطيَّة؟ نَجِدُ الجَوابَ في رسالة رُومية والأصحاح الثالث: "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ ... لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ". وهذا الكلامُ مُوَجَّهُ إلى الأشخاصِ الذينَ يَظُنُّونَ أنَّهُم لم يُخطئوا. "ليس بارٌّ، ولا واحِد". فالخطيَّةُ دَخَلَتِ العالمَ بِرَجُلٍ واحدٍ هُوَ آدم. ومِنْ خلالِ هذا الرَّجُلِ الواحِد، جاءت بَشريَّة كاملة مِنَ الخُطاة. فالشَّيءُ يُنْتِجُ مِنْ جِنْسِهِ.

وقد قالَ أيُّوبُ ذلك في سِفْر أيُّوب 14: 4 إذْ نَقرأُ: "مَنْ يُخْرِجُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟ لاَ أَحَدٌ!" لا أَحَد. ونَقرأُ في المَزمور 58: 3: "زَاغَ الأَشْرَارُ مِنَ الرَّحِم". ونقرأُ في المَزمور 51: 5: "وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي". فَمِنْ وقتِ آدَم، لم يأتِ سِوى الخُطاة تِلْوَ الخُطاة تِلْوَ الخُطاة، ولا شَيءَ سِوى الخُطاة. والإنسانُ الوحيدُ الَّذي كانَ بِلا خطيَّة هو يسوعُ المسيح: "وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ" (كما جاءَ في رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى 3: 5).

والأمرُ لا يتوقَّفُ فقط على شُعورِ آدَمَ بالذَّنْب. فهناكَ أيضًا العُبوديَّة، والفَساد، والنَّجاسة النَّاشئة عنِ الخطيَّة والتي انتقلتْ إلينا. فهذا يَعْني أنْ نَشْرَبَ مِنْ نَفسِ البِئْرِ المَسْمومَة. فقد وَرَثْنا نَفْسَ الصِّفاتِ الوراثيَّة السَّاقطة. فخطيئةُ آدَم الْتَصَقَتْ بنا كَما الْتَصَقَ بَرَصُ نُعْمان بِجِيحْزِي في سِفْرِ المُلوكِ الثَّاني والأصحاحِ الخامِس. وبولسُ يَقولُ في رسالة رُومية 7: 25: "إِذًا أَنَا نَفْسِي ... أَخْدِمُ ... بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّة".

فَخَطيَّةُ آدَمَ الأصليَّة لَوَّثَتِ الجِنسَ البشريَّ كُلَّهُ. وإنْ كانَ لديكَ شَكٌّ بخصوصِ ذلك، مِنَ السَّهلِ جِدًّا أنْ تَجِدَ الجَواب: "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ". وإنْ مُتَّ، فإنَّكَ تموتُ بسببِ الخطيَّة. فهذا بَسيطٌ وواضحٌ. وإذا نَظرتَ إلى حَياتِكَ وأردتَ أنْ تَعْرِفَ إذا كُنْتَ خاطئًا، اسأل نَفسَكَ ما إذا كُنْتَ قَدْ مَرضْتَ يومًا، أوْ إذا كُنْتَ قد تَقَدَّمْتَ أكثرَ في السِّنّ، أوْ إنْ كُنْتَ سَتموت. والجوابُ هُوَ: أجل. والخطيَّةُ هي السَّبب. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تُنْكِرَ ذلك.

وَجُذورُ الخطيَّة عَميقة جِدًّا. فهي عميقة جدًّا حتَّى إنَّهُ بعدَ الخَلاصِ، فإنَّ الخطيَّة تَبقى مُشكلة لدى المؤمن. وبولُس يَصْرُخُ قائلاً: "إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. والذي يَفْعَلُ ذلكَ هي الخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. وحَتَّى عندما تُغْفَرُ الخطيَّة وعندما يَضَعُ اللهُ بِرَّ المَسيحِ فَوْقَ تلكَ الخطيَّة لأنَّ المسيحَ دَفَعَ أُجرةَ تلكَ الخطيَّة، فإنَّها تَبْقى هُناك. فَجُذورُ الخطيَّة عميقة جدًّا.

وَكُلُّنا نتأثَّرُ بها ... كُلُّنا. وحَتَّى عندما نكونُ مُؤمِنين، فإنَّ الخطيَّةَ تَبقى حَقيقةً واقِعَةً. وإذا كنتَ تَقولُ إنَّكَ لم تُخْطِئ يومًا، فإنَّكَ تَجْعَلُ اللهَ ماذا؟ كاذِبًا.

ثُمَّ نأتي إلى سُؤالٍ مُهِمٍّ جِدًّا وهو: ما هي نَتائجُ الخطيَّة؟ ما هي النَّتائج؟ فما الَّذي تَفْعَلُهُ الخطيَّة؟ اسمحوا لي أنْ أُشارِكَ هذه النِّقاطَ مَعَكُم: النُّقطةُ الأولى هي أنَّ الخطيَّةَ تَجْعَلُ الشَّرَّ يَسْتَحْوِذ علينا. فالخطيَّةُ تَجْعَلُ المَرْءَ ضَحِيَّةً للشَّرّ. فالشَّرُّ يُسيطر على ذِهْنِنا. ونحنُ نَقرأ في سفر إرْميا 17: 9: "اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ". ونَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاح 4 أنَّ الفِكْرَ مُظْلِمٌ، وَأنَّ الفِكْرَ مُمْتَلِئٌ بالبُطْلِ ومُتَجَنِّبٌ عَنْ حَيَاةِ اللهِ. ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاحِ الثَّاني أنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نَفْهَمَ الأُمورَ المُختصَّةَ باللهِ. ونَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاح الأوَّل إنَّ الذِّهْنَ مَرْفوضٌ.

بعبارةٍ أخرى، فإنَّ الخطيَّة قد هَيْمَنَتْ على العَقْلِ حَتَّى صَارَتْ عَمليَّةُ التَّفكيرِ الَّتي يقومُ بها تحتَ هَيْمَنَةِ الشَّرّ. فهو يُفَكِّرُ في الشَّرّ، ويُخَطِّطُ للشَّر، ويَحْبَلُ بالشَّرّ. كذلك، كما نَعْلَمُ، فإنَّ ذلكَ الشَّرَّ يُهَيْمِنُ أيضًا على الإرادة. وقد ذَكَرْتُ سابقًا الآيةَ الَّتي وَرَدَتْ في سفر إرْميا 44: 17: "بَلْ سَنَعْمَلُ كُلَّ أَمْرٍ خَرَجَ مِنْ فَمِنَا". فالإرادةُ يُهَيْمِنُ عليها أيضًا الشَّرُّ الَّذي يُهيمِنُ على الخاطِئ. فهو ضَحِيَّة بِكُلِّ مَعنى الكلمة. وإنْ كانَ تَفكيرُهُ خاضِعًا للشَّرِّ، فإنَّ إرادَتَهُ أيضًا ستكونُ خاضِعَةً للشَّرِّ لأنَّهُ سَيَرغبُ في القيامِ بِما يُفَكِّرُ فيه. وما يُفَكِّرُ فيهِ واقِعٌ تحتَ هَيْمَنَةِ الشَّرّ.

ثُمَّ إنَّ الشَّرَّ يُهَيْمِنُ على العَواطِف: "وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً". فما يُحِبُّونَهُ، وعواطفهُم، وأُمنياتُهم، ورغباتهم، وشهواتهم، وأشواقُ قُلوبهم تَتَرَكَّز على تلكَ الأشياءِ غيرِ الصَّحيحة. لِذا فإنَّ الإنسانَ خَاضِعٌ للشَّرّ. وبولُس يقول: "بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ". فهي مُلْتَصِقَةٌ بِهِ كَما يَلْتَصِقُ السَّوادُ بالظَّلام.

والخطيَّة موجودة حَتَّى في طبيعةِ المؤمِن. فهي موجودة في طبيعة المؤمن. وهي موجودة في شخصيَّته كَأسَدٍ رَابِضٍ. وأَصْغَرُ شَيءٍ قَدْ يُوْقِظُه. فهي شيءٌ قويٌّ جِدًّا. وهي تَتأجَّجُ أحيانًا كاللَّهيب، وتَنخفضُ أحيانًا. وأَخَفُّ رِيْحِ تَجْرِبَة قد تُؤجِّجُها.

أمَّا النَّتيجةُ الثَّانية بخصوصِ الخطيَّةِ ونتائِجِها فهي أنَّ الخطيَّةَ تَجْعَلُنا تحتَ هَيْمَنَةِ الشَّيطان. فالناسُ يَظُنُّونَ أنَّهم أحرار. فَكما تَعلمونَ، إنَّهُم يَظُنُّونَ أنَّهم أحرار، وأنَّهُ يمكنهم أنْ يَفعلوا ما يَشاءون. ونحنُ نَقولُ إنَّهُم أحرارٌ في أرواحِهم. ولكن اسمعوني: الإنسانَ الوحيدُ الحُرُّ هو الإنسانُ الَّذي غُفِرَتْ خطيئَتُه والذي يَمْلِكُ الحُريَّةَ في أنْ يَفْعَلَ الصَّواب. فالخاطئُ ليسَ حُرًّا. بل هو تحتَ سُلطانِ الخطيَّةِ تمامًا، وتحتَ هَيمنةِ الشَّيطان.

وفي رسالة أفسُس 2: 2، يَقولُ الرَّسولُ بولُس إنَّ الخاطِئَ يَسْلُكُ في حَياتِهِ اليوميَّةِ حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَة. فالشَّيطانُ يَعْمَل. وَهُوَ مُهيمِن. فَهُمْ يَحْمِلونَ خَتْمَ الشَّيطان. وَهُمْ يُشْبِهونَ في أشْكالِهِمْ صُورةَ أبيهم. وقد قالَ يسوعُ ذلكَ في إنجيل يوحنَّا 8: 44: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ".

وقد كانَ ذلكَ واضحًا. فقد كانوا بوضوح أولادَ الشَّيطان لأنَّهُمْ ظَهَروا بتلكَ الطريقة. فقد كانوا يَحْمِلونَ سِمَةَ هَيْمَنَةِ الشَّيطان. فالإنسانُ عَبْدٌ للشَّيطان. فهو ليسَ حُرًّا، بل هو تحتَ هَيْمَنَتِهِ المُطْلَقَة. والشَّيطانُ يَعْمَلُ فيهِ لتحقيقِ مَشيئَتِهِ: وقد قالَ يسوع: "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا". لِذا فإنَّ نَتائجَ الخطيَّة هي أنَّ الخطيَّة تُهَيْمِن على الإنسانِ وَتَجْعَلُهُ خاضِعًا للشَّيطان.

أمَّا النَّتيجةُ الثَّالثة فهي أنَّ الخطيَّةَ تَجْعَلُ الإنسانَ تَحْتَ غَضَبِ الله. فالخطيَّةُ هي الَّتي تَجْعَلُنا تَحْتَ الدَّينونةِ والعِقاب. والخطيَّةُ هي الَّتي تُرْسِلُ النَّاسَ إلى جَهَنَّم. وبحسب ما جاءَ في رسالة أفسُس 2: 3 فإنَّنا تَحْتَ غَضَبِ الله. وقد قالَ المُرَنِّمُ في المزمور 90: 11: "مَنْ يَعْرِفُ قُوَّةَ غَضَبِ اللهِ؟" لِذا، لا يَجوزُ لنا أنْ نَسْتَهْزِئَ بالخطيَّة. فهذا هو ما جاءَ في سِفْر الأمثال 14: 9 (على ما أَظُنّ) إذْ نَقرأُ: "اَلْجُهَّالُ يَسْتَهْزِئُونَ بِالإِثْمِ" لأنَّهُ حينَ تَستهزِئُ بالخطيَّة فإنَّكَ تَستهزِئُ بغضبِ الله.

وغضبُ اللهِ ليسَ شيئًا لَحْظِيًّا مِزاجِيًّا، بل هو غَضَبٌ مُقَدَّسٌ، وَعَمَلٌ ناجِمٌ عن مَشيئَتِهِ الطَّاهرةِ والمُقدَّسَةِ ضِدَّ كُلِ ما هُوَ شَرّ وغير مَقبول. وَهُوَ يُدَمِّرُ ذلك. ويا لَهُ مِنْ شَيءٍ مُخيفٍ أنْ نَقَعَ بينَ يَدَيِ إلَهٍ غاضِبٍ، وإلَهٍ قَديرٍ، ودَيَّانٍ، وذِي سخَطٍ، ومُنْتَقِم!

لِذا، فإنَّ الخطيَّةَ تَجْعَلُ النَّاسَ يَرِثونَ غَضَبَ اللهِ. وفي حين أنَّهُمْ يَحْتَفِلونَ كما فَعَلَ "داموقليس" في وَليمَتِه، فإنَّ هُناكَ سَيْفًا مُعَلَّقًا فوقَ رَأسِهِمْ بِشَعْرَة. وفي يومٍ ما، ستُقْطَعُ الشَّعرةُ وتَنْزِلُ الدَّينونة عليهم.

وهُناكَ فِكرة أخرى بخصوصِ عَواقِبِ الخطيَّة وهي مُهِمَّة جدًّا: فالخطيَّة تُخْضِعُ المَرْءَ لِكُلِّ مَآسي الحياة. فالخطيَّةُ تُنْزِلُ كُلَّ المَصائِبِ على رأسِ الإنسان. ونحنُ نَقرأُ في سِفْر أيُّوب 5: 7: "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا أَنَّ الْجَوَارِحَ لارْتِفَاعِ الْجَنَاح". فالمَتاعِبُ موجودةٌ في كُلِّ مكان.

وبولسُ يَقولُ إنَّ خطيَّةَ آدَمَ أَخْضَعَتِ الخَليقَةَ للبُطْلِ؛ أيْ أنَّها أَخْضَعَتِ الخَليقةَ للفَراغِ وَجَعَلَتْها عَديمَةَ النَّفْع. فهناكَ شيءٌ مَفقود. وهناكَ عَدَمُ قَناعَة. لِذا فإنَّها مُرَوِّعَة وَجَوْفاء. فأنتَ تَعيشُ حَياةَ خَطِيَّة، وَتَقَعُ في المَشاكِل ولا شيءَ غيرَ المَشاكِل. فهي فَراغٌ وَحَسْب. وقد قالَ سُليمان: "بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ ... بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ ... الكُلُّ باطِلٌ". ويا لَها مِنْ أُحْجِيَة! ويا لَها مَنْ مُفارَقَة!

فالإنسانُ يأتي إلى العالَمِ بِصَرْخَة، ويُغادِرُ العالَمَ بأنين دُوْنَ أيِّ شيءٍ في الوَسَط سِوى الفَراغ. فالخطيَّةُ جَعَلَتِ الإنسانَ يَنْحَطُّ مِنْ مَكانِ الشَّرَف. وقد خَسِرَ كَرامَتَهُ. وقد فَقَدَ سَلامَهُ. وَهُوَ لم يَعُدْ يَعْرِفُ طَعْمَ الفَرَحِ الدَّائمِ، ولا الرَّجاء، ولا قيمَتَهُ، ولا قَدْرَ نَفْسِه. "لاَ سَلاَمَ، قَالَ الرَّبُّ لِلأَشْرَار". و "الأَشْرَارُ كَالْبَحْرِ الْمُضْطَرِبِ لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ، وَتَقْذِفُ مِيَاهُهُ حَمْأَةً وَطِينًا". ونَقرأُ في سِفْر الأمثال 28: 1: "اَلشِّرِّيرُ يَهْرُبُ وَلاَ طَارِدَ". فَهُمْ مَحْكومٌ عليهم بالبُطْلِ والفَراغِ والشُّعورِ بالذَّنْبِ دُوْنَ أنْ يكونَ هُناكَ سَلامٌ في حياتِهم. فقد كانَ يَهوذا خَائِفًا ويَشْعُرُ بِذَنْبٍ وَرُعْبٍ شَديدَيْن فَمَضَى وَشَنَقَ نَفْسَهُ لكي يُهَدِّئَ ضَميرَهُ المُعَذَّب. وَحَتَّى إنَّ جَهَنَّمَ لا تَعْرِفُ الرَّاحَة.

اسمَعوني: إنَّ الخطيَّةَ تَجْلِبُ أسوأَ الأشياءِ في الحياة. فهي تُعَرِّضُ البَشَرَ لأسوأِ المَآسي. والنَّتيجةُ النهائيَّةُ للخطيَّة هي أنَّها تَدينُ النَّاسَ في جَهَنَّم. وفي سِفْرِ الرُّؤيا والأصحاح 20، نَقرأُ في نهايةِ الأصحاح أنَّهُ عندَ عَرْشِ الدَّينونةِ الأبيضِ العَظيم فإنَّ الربَّ سيَجْمَعُ كُلَّ غيرِ المؤمنين ويَطْرَحُهُم في بُحيرةِ النَّارِ الَّتي سَتَبْقى مُشْتَعِلَة إلى أبدِ الآبدين. وقد عَلَّمَ يَسوعُ عَقيدةَ جَهَنَّم. فَهُوَ الَّذي صَاغَها وَبَيَّنَها في الأناجيل. والرُّسُلُ فَهِموها وَكَرَّروها في كُلِّ العهدِ الجديد.

ويجب علينا أنْ نَعْرِفَ، يا أصدقائي الأعِزَّاء، أنَّهُ فيما يَخْتَصُّ بالأربعةِ مِلياراتٍ ومِئَتَيْن وخمسةٍ وعِشرينَ مِليونِ نَسَمة الَّذينَ يَعيشونَ على الأرضِ اليوم، فإنَّهُمْ جميعًا سَيَموتون. فَهُمْ جميعًا سيَموتون. وَجَميعُهُم سيواجِهونَ جَهَنَّمَ إنْ ماتوا مِنْ دُوْنِ المسيح. فهناكَ خَمْسونَ مِلْيون شخص سيَموتونَ في هذه السَّنة. وهُناكَ مِئَة وسِتَّة وثلاثونَ ألفًا وتِسعمئة وسِتَّة وثمانونَ (136,986) شخصًا يَموتونَ كُلَّ يوم. ومنذُ أنِ ابتدأتُ عِظَتي هذهِ، ماتَ خمسةُ آلافِ شخص. فهناكَ خَمسةٌ وتِسعونَ شخصًا يَموتونَ كُلَّ دقيقة. وَهُمْ يُسْتَبْدَلونَ على هذه الأرض بِمُعَدَّل وِلادَة يَصِلُ إلى ضِعْفَيْن وَنِصْف. وهذا يَعني أنَّ عَدَدَ الأشخاصِ الَّذينَ سيَموتونَ في المُستقبل سيكونُ أكبر مِنْ عَدَدِ الأشخاصِ الَّذينَ يَموتونَ الآن. فَجَهَنَّمُ تَنْتَظِرُ أغلبيَّةَ النَّاس.

وقد قالَ "سبيرجن" (Spurgeon): "الإنسانُ مُعَلَّق بِفُوَّهَةِ جَهَنَّم بِحَبْلٍ واحدٍ. والحَبْلُ تَالِفٌ". وهذا هُوَ مَصيرُ الخطيَّة في النِّهاية. ويا لَهُ مِنْ أَمْرٍ مُرَوِّع!

والآنْ، لِماذا نَقولُ هذا كُلَّهُ؟ لأنَّ هَذِهِ، يا أصدقائي، هي بَشاعَةُ عيدِ الميلادِ المَجيدِ الَّتي تَقودُنا إلى جَمالِهِ. فكما تَرَوْن، فإنَّ جَمالَ عيدِ الميلادِ المَجيد هُوَ أنَّ المَسيحَ جاءَ إلى العالَمِ لكي يَفْعَلَ ماذا؟ لكي يُخَلِّصَ الخُطاة. والآنْ، أليسَ هَذا هُوَ جَمالُ عيدِ الميلادِ المَجيد؟ وَمَنْ يَسْتَطيعُ أنْ يَفْهَمَ جَمالَ عيدِ المِيلادِ المَجيد مِنْ دُوْنِ أنْ يَفْهَمَ بَشاعَتَهُ؟

فَجمالُهُ لا يَكْمُنُ في البِطاقاتِ، ولا في الأشجار، ولا في الأضواءِ، ولا في الهَدايا، ولا في الأشياءِ الخياليَّةِ، ولا في مَشاهِدِ الثَّلْجِ، ولا في المَواقِدِ الدَّافِئَة. بَل إنَّ جَمالَ عيدِ الميلادِ المَجيد تَكْمُنُ في أنَّ المسيحَ جاءَ لكي يَشْفي بَشاعَةَ العَالَم. وقد قالَ "إزيكيال هوبكينز" (Ezekiel Hopkins) قبلَ سَنواتٍ طويلة: "إنَّ مُشْكِلَةَ الإنسانِ لا تَكْمُنُ في أنَّهُ عاجِزٌ عَنِ القيامِ بأُمورٍ مُعَيَّنةٍ، بل في أنَّهُ لا يَرْغَبُ في القيامِ بها. فما يُدَمِّرُهُ ليسَ عَجْزُهُ، بل مُكابَرَتُهُ".

فالبَشَرُ لن يأتوا (لَنْ يأتوا بِسَبَبِ مُكابَرَتِهِم) إلى المَسيحِ الَّذي جاءَ لِيُخَلِّص. فاللهُ شَاءَ أنْ يُرْسِلَ ابْنَهُ إلى العالَمِ (وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَشَريكُ الكَمالِ الإلهيِّ) لِيَموتَ بَدَلاً عَنَّا. فهذا هوَ عيدُ الميلادِ المَجيد. وهذا هو مَعنى عيدِ الميلادِ المَجيد. وأيًّا كانَ ما تُفَكِّرُ بِهِ، والعَواطِفِ الَّتي لديكَ، والمَشاعِرِ الرَّقيقةِ الَّتي قد تَشْعُرُ بها في عيدِ الميلادِ المجيد، ما لم تَفْهَمْ بَشاعَةَ خَطيئَتِك، وما لم تَقْبَل يَسوعَ المَسيحَ الَّذي لا يَقْدِرُ أَحَدٌ سِواه أنْ يُخَلِّصَكَ بِمَوْتِهِ وَقيامَتِهِ مِنْ تلكَ الخطيَّة، فإنهُ لا يوجد أيُّ شيءٍ يَرْبُطُكَ بعيدِ الميلادِ المَجيد.

وقد كَتَبَ "جوزيف هارت" (Joseph Hart):

تَعالَوْا يا خُطاة، ويا فُقراءَ ويا مُحْتاجين، ويا ضُعَفاءَ ويا مَجْروحين، ويا مَرْضى ويا سَقيمين.

فيسوعَ مُسْتَعِدٌّ لتخليصِكُم، وَهُوَ مَمْلوءٌ بالشَّفقةِ والمحبَّةِ والقُدرة. وهو قادِرٌ. إنَّهُ قادِرٌ. وَهُوَ مُستعِدٌّ.

لا تَشُكُّوا. فهو قادِرٌ. إنَّهُ قادِرٌ. وَهُوَ مُستعِدٌّ. لا تَشُكُّوا.

تَعالَوْا يا مُتْعَبينَ ويا ثَقيلي الأحْمال، ويا مَجْروحينَ وَمُرَضْرَضينَ بسببِ السُّقوط.

فإنْ تَباطَأتُمْ على أَمَلِ أنْ تَتَحَسَّنَ حالَتُكُم، لن تأتوا إليه البَتَّة.

فهو لم يأتِ ليدعو أبرارًا، لم يأتِ ليدعو أبرارًا، بل إنَّ يسوعَ جاءَ لكي يَدْعو خُطاةً.

فهو لم يأتِ ليدعو أبرارًا، لم يأتِ ليدعو أبرارًا، بل إنَّ يَسوعَ جاءَ لكي يَدْعو خُطاةً.

دَعونا نُصَلِّي:

نحنُ نَعْلَمُ حَقًّا، يا رَبُّ، أنَّ هَذهِ هي الحَقيقة: "صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ". أجل! فهذا هُوَ جَمالُ عيدِ الميلادِ المجيد. وهذا هُوَ مَجْدُ عيدِ الميلادِ المجيد. فالرَّوعةُ والجَمالُ لا يَكْمُنانِ في شَجَرة، ولا في زِيْنَة، ولا في أضواءٍ، ولا في مَغارَةٍ؛ بل إنَّ جَمالَهُ يَكْمُنُ في أنَّ البَشاعَةَ يُمْكِنُ أنْ تُعالَجَ بِمَجيءِ المُخَلِّص.

فيما تَحْنُونَ رُؤوسَكُم قليلاً، إنْ لم تَكُنْ تَعْرِفُ المسيحَ، وإنْ لم تُقَدِّم حَياتَكَ لَهُ حَتَّى الآن، ولم تَقْبَلْهُ بَعْد رَبًّا وَمُخَلِّصًا، يُمْكِنُكَ أنْ تَفْعَلَ ذلكَ الآن في قَلْبِك. اطْلُبْ مِنْهُ أنْ يأتي وأنْ يُطَهِّرَكَ مِنْ خَطيئَتِك، وأنْ يَغْسِلَكَ ويُنَقِّيك. وَهُوَ سيَفعل ذلكَ لأنَّهُ وَعَدَ بذلك.

وقد تَكونُ مُؤْمِنًا بالمسيح وتَرى في حياتِكَ الشَّخصيَّةِ خَطِيَّةً مُعَيَّنَةً. ورُبَّما أَدْرَكْتَ اليومَ بَشاعَةَ تلكَ الخطيَّة وتُريدُ أنْ يُطَهِّرَكَ الربُّ مَرَّةً أُخرى وأنْ يَغْسِلَكَ. فقد جاءَ مَرَّةً لكي يُخَلِّص، ولكِنَّهُ يُطَهِّرُنا يَوْمِيًّا.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize