Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لقد اضطُرِرْتُ في هذه الرِّحلة تَحديدًا طَوالَ الشَّهرِ الماضي أنْ أكونَ معَ غيرِ مؤمنين أكثرَ مِنَ المُعتاد، وأنْ أكونَ في وَسْطِهم، وأنْ أكونَ مُنفصلاً نوعًا ما عنِ الدَّائرةِ المُعتادة للأحبَّاء المؤمنين الَّذينَ أعيشُ في وَسْطِهم، وأتحرَّكُ، وأُوجَد. وما يَجعَلُني أستمرُّ في تقديمِ الشُّكرِ للهِ على الخلاصِ الَّذي وَهَبَني اللهُ إيَّاه هو أنْ أَرى النَّاس يُصارِعونَ مِنْ دونِ المسيح ويحاولونَ أنْ يَملأوا حياتَهُم بشيءٍ ذي مَغزى. وقد كانَ يَكفي أنْ أُدركُ في الوقتِ نَفسِه الامتيازَ المُعطى لي (ولا سِيَّما أنَّني لا أستحقُّ ذلكَ الامتياز) إذْ إنَّ اللهَ شَاءَ بِنِعمَتِهِ المُطلَقة أنْ يُخَلِّصَني. وقد كانَ ذلكَ كَافيًا لِغَمْري بِفَرَحٍ عَظيم. لِذا فقد فَكَّرْتُ مُطَوَّلاً في بَساطَةِ المسيحيَّة وجوهَرِها؛ أيْ في موتِ المسيحِ على الصَّليبِ، وما يَعنيهِ ذلكَ في حياتي الشَّخصيَّة بصفتي مُعَلِّمًا للكتاب المقدَّس، ودارسًا للكتاب المقدَّس، وبصفتي كاتبًا يَكتُبُ كُتُبًا عنِ اللَّاهوتِ والتَّفاسير إذْ إنَّهُ مِنَ السَّهلِ أنْ أغرَقَ في لُجَجِ الأمورِ الثَّانويَّة الكثيرة الَّتي ينبغي أنْ أقومَ بها. لِذا فقد كانَ مِنَ الجَيِّد جدًّا بالنِّسبةِ إليَّ أنْ أبتعدَ أحيانًا عن تلكَ الأجواءِ الَّتي تَعُجُّ بغيرِ المؤمنينَ وأنْ أعودَ إلى بَساطَةِ عَلاقتي بيسوعَ المسيحِ القائمة على مَوتِهِ على الصَّليبِ وقيامَتِه. وفي الوقتِ نَفسِه، أنا أُدركُ تمامًا حقيقةَ أنَّ الكنائسَ تَعُجُّ بأُناسٍ لا يَفهمونَ حَقًّا تلكَ الرَّسالة المُخَلِّصة. وأنا أتذكَّرُ ذلكَ دائمًا. فذاتَ مَرَّة، ذَهبتُ إلى "ميريلاند" (Maryland) لِحُضورِ مُؤتمرٍ كِتابِيٍّ في "تشيسابيك باي" (Chesapeake Bay). وكانَ النَّاسُ هُناكَ يقولونَ لي كُلَّ يومٍ إنَّهم ذهبوا إلى كنائسَ على مَدى سنواتٍ ولكنَّهم لم يَتمتَّعوا بعلاقةٍ شخصيَّة بيسوعَ المسيح إلى أنِ استمعوا إلى برنامج "غريس تو يو" (Grace To You) وسَمِعوا رسالةً واضحةً عنِ الإنجيل. وأنا أَندهشُ دائمًا لأنَّ النَّاسَ يَتمكَّنونَ مِنَ البقاءِ في كنائسَ وقتًا طويلاً مِن دونِ أنْ يَعرفوا الحَقَّ المُخَلِّص.

وقد شارَكْتُ معكم أنَّهُ في إحدى عُطلاتي في الماضي، قَرأتُ كِتابَ "إيان موراي" (Ian Murray) عن "جوناثان إدواردز" (Johnathan Edwards). وقد قرأتُ ذلكَ الكتاب باهتمامٍ بالِغٍ لأنَّهُ في النِّهاية (معَ أنَّهُ رُبَّما كانَ أعظمَ لاهوتِيٍّ أَنْتَجَتْهُ هذه الأُمَّة، وواحدًا مِنَ اللَّاهوتيِّينَ الأكثَر عُمْقًا)، وَمَعَ أنَّهُ كانَ قد وَعَظَ مُدَّةَ اثنتينِ وعشرينَ سنة في الكنيسة في "نورثهامبتون" (Northampton) عنِ غِنَى المَسيحِ الَّذي لا يُسْتَقْصى، ومَعَ أنَّهُ تَوَسَّعَ في شَرْحِ الكتابِ المقدَّسِ وكانَ الأداةَ الرَّئيسيَّةَ الَّتي استخدَمَها اللهُ في الصَّحْوَة العظيمة، ومعَ أنَّهُ كانَ أمينًا في تَقديمِ كُلِّ مَشورةِ اللهِ، فإنَّهُ بعدَ اثنتينِ وعشرينَ سَنَة مِنْ رعايةِ كَنيسَتِهِ، فإنَّ كَنيسَتَهُ صَوَّتَتْ وَقَرَّرَتْ أنْ تَطْرُدَهُ.

والسَّببُ في أنَّ الكنيسةَ طَرَدَتْهُ هو أنَّهُ أرادَ أنْ يَمنعَ أيَّ شخصٍ مِنَ الاشتراكِ في المائدة إلَّا إذا كانَ يَعتَرِفُ بيسوعَ رَبًّا ومُخَلِّصًا. فقد ظَنُّوا أنَّ ذلكَ الأمرَ مُبالَغٌ فيه. لِذا فقد صَوَّتوا ضِدَّهُ وَطَرَدوه. وهكذا، بالرَّغمِ مِنْ أنَّهُ صَرَفَ اثنتين وعشرينَ سنة في تَعليمِ اللَّاهوتِ والعقيدة، وفي بِناءِ تلكَ الرَّعيَّة بِعُمْق، أَدركَ أنَّ هناكَ أشخاصًا غير مُخَلَّصين عندما جاءَ لرعايةِ الكنيسة، وأنَّهُ كانَ ما زالَ يوجدُ الكثيرُ مِنَ الأشخاصِ غير المُخَلَّصين بعدَ اثنتين وعشرينَ سنة بالقَدرِ الَّذي يَكفي للتَّصويتِ ضِدَّهُ وَطَردِهِ مِنَ الكنيسة. ولو عادَ إلى هُناك، رُبَّما كانَ سيَعِظُ أكثر عنِ الإنجيلِ البسيط لِئَلَّا يُسيءَ أشخاصٌ فَهْمَ الرِّسالة الجوهريَّة لإيمانِنا. في ضَوْءِ ذلك، أريدُ أنْ أطلُبَ منكم أنْ تَفتحوا كُتُبَكُم المُقدَّسة على رسالة رُومية والأصحاح الثَّالث في هذا الصَّباح. وأريدُ أنْ نَعودَ إلى البداية، إنْ سَمَحْتُم.

فقد مَضَى وقتٌ طويلٌ على آخِرِ مَرَّة نَظَرنا فيها صَباحِ يومِ الأحد إلى عَمَلِ يَسوعَ المسيحِ على الصَّليب. وقد جاءَ الوقتُ لكي نُراجِعَ ذلك. ويُمكننا أنْ نَنظُرَ إلى موتِ رَبِّنا يسوعَ المسيحِ بِطُرُق عديدة مُختلفة، وَمِنْ زوايا عديدة مُختلفة (كما تَعلمونَ جَيِّدًا). وغالبًا، عندما نَنظرُ إلى موتِ يسوعَ المسيحِ فإنَّنا نَفعلُ ذلكَ مِنْ مَنْظورِنا نحن. فنحنُ نَنظُرُ إلى الصَّليبِ ونَراهُ مِنْ خِلالِ أعيُنِ البَشر. فنحنُ نَرى أنَّ صَليبَ يسوعَ المسيحِ هُوَ ذلكَ العَمَل الَّذي قامَ المسيحُ مِنْ خِلالِهِ بتوفيرِ الخلاصِ لنا إذْ خَلَّصَنا مِنْ خِلالِهِ مِنَ الخطيَّة والموت وجَهَنَّم وسُلطان الجسد، والذي نَجَّانا مِنْ خِلالِهِ مِن مَملكةِ الظُّلمة ونَقَلَنا إلى مَلكوتِ ابنِ مَحَبَّتِه. والذي جَلَبَنا مِنْ خِلالِهِ إلى ذلكَ المكانِ الَّذي تَبارَكْنا فيهِ بِكُلِّ بَرَكة رُوحِيَّة في السَّماويَّاتِ، والذي نَجَّانا مِنْ خِلالِهِ مِنَ الغضبِ الآتي، والذي أَخَذَنا نحنُ الَّذينَ كُنَّا أعداءَ للهِ مِنْ خِلالِهِ وَجَعَلَنا أحِبَّاءَ لَهُ، والذي مِن خلالِهِ مَنَحَنا الحياةَ الأبديَّةَ وَكُلَّ ما تَنْطَوي عليه. فنحنُ نَراهُ مِنْ مَنظورِنا نحن. ويمكننا أنْ نَنظُرَ إليهِ بهذهِ الطَّريقةِ؛ وهذا أمرٌ مَشروع.

ولكِنْ يُمكننا أيضًا أنْ نَنظرَ إلى الصَّليبِ وأنْ نَراهُ مِنْ زاويةِ الملائكة القِدِّيسين. والملائكة [بالمُناسبة] يَنظرونَ إلى الصَّليبِ، ويُدَقِّقونَ النَّظرَ في الصَّليبِ، ويَتأمَّلونَ في الصَّليبِ، وينظرونَ إلى عَمَلِ المسيحِ الكَفَّاريِّ في مُحاولةٍ لاستيعابِ وَفَهْمِ أسرارِهِ العظيمة العميقة؛ وهي أسرارٌ لا يُمكنهم أن يَفهموها تمامًا لأنَّهم لن يَختبروها يومًا تمامًا لأنَّ الملائكة القدِّيسينَ لا يَحتاجونَ إلى الفِداء. وَهُمْ يَرَوْنَ فيهِ رَوعةَ وجَلالَ ومَجْدَ فِكرِ اللهِ، وصَلاحَ اللهِ، ومحبَّةَ اللهِ الَّتي يُغْدِقُها على خُطاةٍ غير مُستحقِّين. وَهُمْ يَنظرونَ إليهِ نَظرةَ دَهْشَة.

ويُمكننا أنْ نَنظرَ إلى الصَّليبِ مِنْ مَنظورِ الشَّيطانِ وَأعوانِه. فَهُمْ يَرَوْنَ أنَّ الصَّليب هو النُّقطةُ الَّتي قامَ فيها الابنُ بِسَحْقِ رأسِ الحيَّة، والنُّقطة الَّتي دُمِّرَ فيها ذاكَ الَّذي لَهُ سُلطانُ الموتِ بواسطةِ ذاكَ الَّذي يَمْلِكُ الآنَ سُلطانَ الموتِ؛ أيِ الرَّبِ يسوعَ المسيحِ الَّذي هُوَ الألِفُ والياءُ، البداية والنِّهاية. فالشَّياطينُ يَرَوْنَ الصَّليبَ مِنْ مَنظورِهم. فقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّهُ لَحظةُ انتصارِهم؛ ولكِنْ في جُزءٍ مِنَ الثَّانية ظَهَرَ يَسوعُ وأعلَنَ انتصارَهُ عليهم، وَأَشْهَرَهُمْ جِهارًا إذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ، والسِّياداتِ، وَهَلُمَّ جَرَّا. لِذا، يُمكننا أن نَنظرَ إلى الصَّليب مِن مَنظورِ الشَّياطين.

ويُمكننا حَتَّى أنْ نَنظرَ إلى الصَّليبِ مِنْ خِلالِ عَيْنَيِّ يسوعَ المسيح. ويُمكننا حَتَّى أنْ نَراهُ كَما لا بُدَّ أنَّهُ رآهُ. ويُمكننا أنْ نَفعلَ ذلكَ لكي نَتمكَّنَ [مِنْ خِلالِ الألَمِ المُبْرِحِ النَّاجِمِ عن ذلكَ النَّوعِ مِنْ حَمْلِ الخطيَّة وذلكَ الرَّفضِ] مِنْ سَماعِهِ يَصرُخُ قائلاً: "إلهي إلهي لماذا تَرَكتَني؟" ويُمكننا أيضًا أنْ نَرى الصَّليبَ بأنَّهُ لَحْظَةُ تَمجيدِهِ لأنَّهُ قالَ: "وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ". ويُمكننا أيضًا أنْ نَرى أنَّهُ تأكيدٌ لكلمَتِه لأنَّهُ وَعَدَ أنَّهُ سيموتُ. وعلى الصَّليبِ تَحَقَّقَ وَعْدُهُ. ويُمكننا أيضًا أنْ نَرى أنَّهُ لحظةُ انتصارِهِ الأعظم لأنَّهُ سَحَقَ حَقًّا رأسَ الحيَّة. ويُمكننا أنْ نَرى أنَّهُ أعظمُ تَعبيرٍ عن محبَّتِه لأنَّهُ قال: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ".

فيُمكنكم أنْ تَنظروا إلى الصَّليبِ مِنْ مَنظورِكم الشخصيّ. ويُمكنكم أن تَنظروا إلى الصَّليبِ مِنْ خلالِ أعيُنِ الملائكة القدِّيسين، ومِن خلالِ أعينِ الملائكة السَّاقطين، ومِن خلالِ عَينيِّ المسيحِ نَفسِهِ وأنْ تَروَاْ مَجدَهُ. ولكِنْ في هذا الصَّباح، أريدُ أنْ نَنظُرَ إلى الصَّليبِ مِنْ مَنظورِ اللهِ ... مِنْ مَنظورِ اللهِ نَفسِهِ ... اللهِ الآب. فما الَّذي عَناهُ الصَّليبُ لله؟ فنحنُ نَعلمُ مَعنى موتِ المسيحِ لأجلِنا. ونحنُ نَعلَمُ مَعنى ذلكَ للملائكة القِدِّيسين. فقد أعطاهُمُ الصَّليبُ مَقطعًا جَديدًا يُضيفونَهُ إلى تَسبيحاتِهم. ونحنُ نَعلمُ ما عَناهُ الصَّليبُ للشَّياطين لأنَّهُ كانَ نهايةَ سيطرتهم على مَصيرِهم. ونحنُ نَعلمُ ما عَناهُ للمسيح. ولكِنْ ما الَّذي عَناهُ لله؟ فما الَّذي عَناهُ مَوتُ المسيحِ لله؟ وكيفَ يُمَثِّلُ اللهَ؟ وكيفَ يُمَجِّدُ اللهَ؟ وما نَظرَتُهُ إلى ذلكَ الحَدث العظيم؟ ولكي نَفهمَ ذلك، انظروا إلى رسالة رُومية والأصحاح الثَّالث، وتابِعوا النَّصَّ فيما أَقرأُ ابتداءً بالعدد 24:

"مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ. فَأَيْنَ الافْتِخَارُ؟ قَدِ انْتَفَى. بِأَيِّ نَامُوسٍ؟ أَبِنَامُوسِ الأَعْمَالِ؟ كَّلاَّ. بَلْ بِنَامُوسِ الإِيمَانِ. إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ. أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ. أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بِالإِيمَانِ؟ حَاشَا! بَلْ نُثَبِّتُ النَّامُوسَ".

والآن، إنَّ هذا النَّصَّ الرَّائعَ يُخبرُنا مَعنى الصَّليبِ في نَظَرِ الله، ومَعنى موتِ المسيحِ، وعَمَلِ المسيحِ الكَفَّاريِّ، وسَفْكِ دَمِ المسيحِ بوصفِهِ الذَّبيحة في نَظَرِ الله. وهناكَ أربعةُ مَقاصِدَ بَارِزَة: فقد أَظْهَرَ بِرَّ اللهِ. وَقد عَظَّمَ نِعمةِ الله. وقد أَظهَرَ ثَباتَ اللهِ. وقد أَكَّدَ كلمةَ الله. ونحنُ في فَترةِ عِبادةٍ في هذا الصَّباح. ونَحْنُ عَازِمونَ على عبادةِ اللهِ. لِذا، يجبُ علينا في أثناءِ عبادَتِنا لَهُ أنْ نَنظُرَ إلى الصَّليبِ مِنْ جِهَةِ علاقَتِهِ بِهِ لكي نَعبُدَهُ على بِرِّهِ، ونِعمَتِهِ، وثَباتِهِ، وناموسِهِ (أو كَلِمَتِه).

لِنَنظُر إلى القَصْدِ الأوَّل. فالصَّليبُ أَعلَنَ بِرَّ اللهِ إذْ نقرأُ في العدد 24: "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ". وسوفَ نَتوقَّفُ هُنا قليلاً. فالمسيحُ ماتَ على الصَّليب لكي يُظهِرَ أوْ يَعرِضَ أوْ يُعلِنَ بِرَّ اللهِ. وهذه مسألة أساسيَّة جدًّا جدًّا، ومُهمَّة جدًّا جدًّا. والنَّاسُ يُواجهونَ دائمًا مُشكلةً في هذه المسألة. لماذا؟

لأنَّهُ عندما تَفهَمُ أنَّ اللهَ إلَهٌ بارٌّ، وتَفهَمُ أنَّكَ خاطئ، فإنَّ هذا يَضَعُكَ في مَوقِفٍ صَعبٍ جدًّا. فكيفَ يُمكِنُ لإنسانٍ خاطئٍ أنْ يَتصالَحَ مَعَ الله؟ هذا هو شَوْقُ قَلبِ الإنسانِ مُنذُ زَمَنٍ بَعيدٍ جدًّا. كيفَ يُمكنُني أنْ أَعرِفَ الله؟ وكيفَ يُمكنُني أنْ أَنالَ الغُفرانَ مِنَ الله؟ وكيفَ يُمكنني أنْ أتمتَّعَ بعلاقةٍ سليمةٍ بالله؟ إنَّهُ السُّؤالُ نَفسُهُ الَّذي أَدَّى إلى ظُهورِ الدِّيْن. فالدِّينُ هُوَ في الأصل مُحاولة للإجابة عن هذا السُّؤال. فهو يَسعى إلى إيجادٍ حَلٍّ لصرخةَ قلبِ الإنسان الرَّاغِب في إرضاءِ أيِّ إلَهٍ يُؤمِنُ بهِ، والذي يَشعُرُ أنَّهُ تَحتَ سُلطانِهِ، والذي يَخافُ مِنْ دَينونَتِه. فكيفَ أتَمتَّعُ بِعلاقةٍ سليمةٍ بالله؟ وهلِ اللهُ بارٌّ وقُدُّوسٌ وعادِلٌ؟ وإنْ كانَ كذلك حَقًّا، كيفَ أستطيعُ أنْ أُرضيه؟ وكيفَ يُمكنُني أنْ أَفِي بِمُتَطَلَّباتِهِ المُختصَّة بالقداسةِ والكَمالِ والعَدالةِ والبِرّ، وأنْ أتمتَّعَ بعلاقةٍ صَحيحةٍ بِهِ؟

وقد عَبَّرَ أحدُ الخُطاةِ عن أفكارِهِ بأُسلوبٍ نَثريٍّ فقال: "فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟ إِنْ شَاءَ أَنْ يُحَاجَّهُ، لاَ يُجِيبُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَلْفٍ. هُوَ حَكِيمُ الْقَلْبِ وَشَدِيدُ الْقُوَّةِ. مَنْ تَصَلَّبَ عَلَيْهِ فَسَلِمَ؟ الْمُزَحْزِحُ الْجِبَالَ وَلاَ تَعْلَمُ، الَّذِي يَقْلِبُهَا فِي غَضَبِهِ. الْمُزَعْزِعُ الأَرْضَ مِنْ مَقَرِّهَا، فَتَتَزَلْزَلُ أَعْمِدَتُهَا. الآمِرُ الشَّمْسَ فَلاَ تُشْرِقُ، وَيَخْتِمُ عَلَى النُّجُومِ. الْبَاسِطُ السَّمَاوَاتِ وَحْدَهُ، وَالْمَاشِي عَلَى أَعَالِي الْبَحْرِ. صَانِعُ النَّعْشِ وَالْجَبَّارِ وَالثُّرَيَّا وَمَخَادِعِ الْجَنُوبِ. فَاعِلُ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ، وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ. هُوَذَا يَمُرُّ عَلَيَّ وَلاَ أَرَاهُ، وَيَجْتَازُ فَلاَ أَشْعُرُ بِهِ. إِذَا خَطَفَ فَمَنْ يَرُدُّهُ؟ وَمَنْ يَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَفْعَلُ؟ اللهُ لاَ يَرُدُّ غَضَبَهُ. يَنْحَنِي تَحْتَهُ أَعْوَانُ رَهَبَ. كَمْ بِالأَقَلِّ أَنَا أُجَاوِبُهُ وَأَخْتَارُ كَلاَمِي مَعَهُ؟ لأَنِّي وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لاَ أُجَاوِبُ، بَلْ أَسْتَرْحِمُ دَيَّانِي. لَوْ دَعَوْتُ فَاسْتَجَابَ لِي، لَمَا آمَنْتُ بِأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتِي. ذَاكَ الَّذِي يَسْحَقُنِي بِالْعَاصِفَةِ، وَيُكْثِرُ جُرُوحِي بِلاَ سَبَبٍ. لاَ يَدَعُنِي آخُذُ نَفَسِي، وَلكِنْ يُشْبِعُنِي مَرَائِرَ. إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْقَوِيِّ، يَقُولُ: هأَنَذَا. وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ يَقُولُ: مَنْ يُحَاكِمُنِي؟ إِنْ تَبَرَّرْتُ يَحْكُمُ عَلَيَّ فَمِي، وَإِنْ كُنْتُ كَامِلاً يَسْتَذْنِبُنِي".

إنَّها أفكارُ شخصٍ يَخشى أنَّهُ لن يَتمكَّنَ مِنَ التَّصالُحِ مَعَ الله. وهناكَ اقتراحاتٌ عديدة تَختصُّ بكيفيَّة تَمتُّعِ المرءِ بعلاقة سليمة بالله. وهذه الاقتراحاتُ هي ما نُسَمِّيهِ: "أَدْيان". ولكِنْ عَدا عنِ المسيحيَّة، فإنَّ كُلَّ الأديانِ تَعتمِد على الإنجازِ البشريِّ والأعمال. وهي لا تُرضي اللهَ، ولا تَسُدُّ حاجَتَنا، ولا تُصالِحَنا معَهُ. هل تَذكرونَ "بِلْدَد" صَديقَ أيُّوب؟ فهو يَقولُ مُرَدِّدًا صَدى صَرْخَةِ أيُّوب: "كَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟" كيفَ يَصيرُ طاهرًا؟ وهل تَذكرونَ بولُس عندما كانَ في طَريقِهِ إلى دِمشق حينَ قالَ للرَّبِّ: "ماذا تُريدُ أنْ أفعَل؟" وهل تَذكرونَ أولئكَ الَّذينَ سَمِعوا نِداءَ بُطرسَ فقالوا: "ما يَنبغي أنْ نَفعل؟" وهل تَذكرونَ أولئكَ الَّذينَ سَمِعوا يسوعَ فقالوا: "مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ اللهِ؟" وهل تَذكرونَ سَجَّانَ فيلبِّي الَّذي قال: "مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟" أيْ كيفَ أتواصَلُ معَ اللهِ البارِّ والقُدُّوسِ والعادِل؟ وهذه هي دائمًا صَرخةُ قلبِ الإنسان. والآن، إنْ جاءَ اللهُ وَغَفَرَ للإنسانِ وَحَسْب، فإنَّ ذلكَ سيكونُ ضَربةً قاضيةً مُوَجَّهةً إلى عَدالَتِه. وحينئذٍ سيَقولُ أُناسٌ: "إنَّ عَدالةَ اللهِ خاضِعَة لأهوائِهِ، وبِرَّهُ مُتَقَلِّبٌ، وهو مُتَذَبذِبٌ لأنَّهُ يَدينُ بَعضَ الخُطاةِ ويُعاقبهم، في حين أنَّهُ يَغفِرُ لآخرين. لِذا، لا يُمكِنُكَ أنْ تَثِقَ ببِرِّهِ ولا أنْ تَثِقَ بقداسَتِهِ، ولا أنْ تَثِقَ بأنَّ عَدْلَهُ مُطْلَق". ولكِنَّ اللهَ يُريدُ مِنْكُم أنْ تَعلَموا أنَّ طَبيعَتَهُ ثابتة في أيِّ صِفة مِنْ صفاتِه، وأنَّ عدالَتَهُ وقداسَتَهُ وبِرَّهُ هي صِفاتٌ ثابتة ولا تَتغيَّر. فهي ثابتة بصفة مُطلَقة. لِذا فقد وَضَعَ اللهُ خُطَّةً قادرة أنْ تُظْهِرَ وتُعلِنَ بِرَّهُ إذْ نَقرأُ في العدد 24: "مُتَبَرِّرِينَ..." [أيْ إنَّنا نَتَصالَحُ مَعَ اللهِ] "...مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيح". والآن، اسمعوني: لا يوجد شيء يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يَفعلَهُ لكي يَتَبَرَّرَ أمامَ اللهِ. ولا يوجدُ شيء يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَفعلَهُ للوَفاءِ بمَطلبِ اللهِ للقداسةِ والبِرّ. ولا يوجد شيء يُمكنُ لأيِّ إنسانٍ أنْ يَفعلَهُ لكي يَحسِمَ مَسألةَ عَدالةِ اللهِ.

لِذا، إنْ لم يَكُن بمقدورِنا أنْ نَفعلَ أيَّ شيء، لا بُدَّ أنَّ المُبادَرَة هي بِيَدِ مَنْ؟ بِيَدِهِ هُوَ؟ لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ إنَّنا قد تَبَرَّرنا مَجَّانًا بِنِعْمَتِه. فاللهُ هو الَّذي يُعطينا التَّبرير أوِ البِرّ. واللهُ هو الَّذي يُعطينا علاقةً سليمةً بِهِ. فنحنُ لا نَقدرُ أنْ نَفعلَ ذلك. فنحنُ عاجِزونَ عنِ الوَفاءِ بِمَعاييرِ بِرِّه. وفي نِهايةِ المَطاف، لقد قالَ يسوع: "كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ". ونحنُ نَتذكَّرُ كلماتِ إشعياءَ الَّذي قال: "وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا". فَكُلُّ ما يُمكِنُنا أنْ نَفعلَهُ في أفضلِ حالاتِنا هو أنْ نَكونَ كَثوبٍ قَذِرٍ. فلا يمكننا أن نكونَ كامِلين. لِذا، لا يمكننا أنْ نَتمتَّعَ بعلاقة سليمةٍ باللهِ ومَرْضِيَّة أمامهُ.

لِذا، كانَ لا بُدَّ أنْ يُعطينا اللهُ ذلكَ عَطِيَّةً. بعبارة أخرى، كانَ لا بُدَّ أنْ يُعطينا شيئًا لا يُمكِنُنا أنْ نَستحقَّهُ بأنفُسِنا. وهذه هي العَطِيَّة. أليسَ كذلك؟ فأنتَ لا تَكْسَبُ العطيَّةَ بجدارَتِك. فإنْ حَصلتَ عليها بجدارَتِك، فإنَّها ليست عَطِيَّة، بل هي دُفعة. لِذا فقد أعطانا عَطِيَّة. ولكِنْ بإعطائِنا هذه العطيَّة، قد يَقولُ قائِلٌ: "هذا يَعني أنَّ اللهَ ليسَ عادلاً لأنَّهُ ليسَ مِنَ العَدْلِ في شيء أنْ تُعطي شخصًا عَطِيَّةً لا يَستحقُّها. كذلكَ، فإنَّ اللهَ ليسَ إلهًا قُدُّوسًا لأنَّهُ يَتَغاضى عنِ الخطيَّة. واللهُ ليسَ إلهًا بارًّا لأنَّهُ يَتجاهَلُ خَطاياك. فاللهُ يَقبَلُكَ كما أنتَ. وهذا يَعني أنَّهُ قد خَفَّضَ مَعاييرَهُ". فسوفَ يكونُ هذا هو الاتِّهامُ الَّذي سيُوَجَّهُ إليه. وهذا الكلامُ سيَصدُرُ عن شخصٍ فَرِّيسيٍّ. صَدِّقوني. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ إنَّ اللهَ أعطانا عَطِيَّة نابعة مِن نِعمَتِه. وهذا يَعني أنَّها غير مُستحقَّة، وغير مُكتَسَبَة، ولا يَحصُلُ المرءُ عليها بِجَدارَتِه. وقد أعطانا إيَّاها مِنْ خلالِ الفداءِ الَّذي بيسوعَ المسيح. والكلمة "فِداء" تَعني "فِدْيَة". وأنتُم تَعلمونَ مَعنى الفِدية. فعندما يَخطُفُ شخصٌ طِفلاً فإنَّهُ يُخَبِّئُهُ في مكانٍ ما ويقول: "الفِدية هي مِئَتا ألف دولار. فإنْ أردتُم أنْ تَشتروا الطِّفلَ، هذا هو الثَّمن". فالفِدية تَعني أنْ تَدفعَ ثَمَنًا لشراءٍ شخصٍ واستردادِه. وكانت هذه الكلمة مُستخدمَة في الأزمنة القديمة لشراءِ عَبْدٍ مِنَ العُبوديَّة وإعتاقِه. لِذا فإنَّ اللهَ يقول: "انظروا! سوفَ أُعطيكم عطيَّة العلاقة السَّليمة بي، وعطيَّة غُفران الخطايا، وعطيَّة الحياة الأبديَّة. ولكِنَّ الثَّمنَ سيكونُ مدفوعًا. وقد دُفِعَ الثَّمَنُ [كما قالَ] مِنْ خِلالِ المسيحِ يَسوع". وهذا لا يعني أنَّ اللهَ وَضَعَ عَدالَتَهُ جانِبًا على هَواه أوِ اعتباطيًّا، ولا أنَّهُ وَضَعَ بِرَّهُ جانبًا، ولا أنَّهُ وَضَعَ قداسَتَهُ جانبًا وقال: "سوفَ أُحِبُّ بعضَ الوقت. وسوفَ أكونُ مُنعِمًا بعضَ الوقت. وسوف أكونُ رحيمًا بعضَ الوقت. وسوفَ أتَغاضى عن هذه الأمور الأخرى". لا!

فقداسةُ اللهِ وبِرُّه وعدالَتُه لا يُمكِن البَتَّة أنْ تُوْضَعَ جانبًا. فاللهُ سيَتصرَّفُ دائمًا وَفقًا لطبيعَتِه. لِذا فإنَّ كُلَّ ما سيفعل مَن أمورٍ صالِحة ومُنعمة ورحيمة ستكونُ أيضًا مُقَدَّسةً وبارَّةً. وكيفَ فَعَلَ ذلك؟ لقد فَعلَ ذلك مِن خلالِ الثَّمَنِ الَّذي دَفَعَهُ المَسيحُ يَسوع. بعبارة أخرى، لقد كانَ قُدُّوسًا وعادلاً وبارًّا جدًّا حَتَّى إنَّهُ كانَ يوجد ثَمَن لا بُدَّ أنْ يُدفَع عنِ الخطيَّة. وكانَ الثَّمَنُ قد عُيِّن وَهُوَ: المَوت. ولكِنَّهُ كانَ مُحِبًّا ومُنعِمًا ورحيمًا جدًّا حَتَّى إنَّهُ بَذَلَ ابنَهُ الوحيدَ ليدفعَ الثَّمَن. وبهذا فقد تَحَقَّقتِ العدالةُ وأيضًا النِّعمة.

وقد تَمَّ الوَفاءُ بمِعيارِ القداسةِ وأيضًا بِمِعيارِ الرَّحمة. وقد تَحَقَّقَ البِرُّ وأيضًا المحبَّة. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العدد 25: "الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ [عَلَنًا] كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ". توقَّفوا عندَ هذه النُّقطة. فاللهُ عَرَضَ المسيحَ عَلَنًا. وما مَعنى ذلك؟ إنَّها تَعني ما تَقول. فقد رَفَعَهُ ووضَعَهُ في مَكانٍ يستطيعُ الجَميعُ أنْ يَرَوْهُ مِنْهُ، وجَعَلَهُ كَفَّارةً. وهي الكلمة "هيلاستيريون" (hilasterion) في اليونانيَّة وتَعني: "استرضاء". استرضاء. فقد كانَ النَّقدُ، كما تَرَوْنَ، هو أنَّ اللهَ لن يكونَ بارًّا وعادلاً وقدُّوسًا إنْ تَغاضى عنِ الخطيَّة لأنَّنا نقرأُ في نهايةِ العدد 25: "مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ". فكيفَ يُمكنُهُ أن يَفعلَ ذلكَ ويكونَ بارًّا؟ وكيفَ يُمكنهُ أنْ يَتغاضى [كما جاءَ في سِفْر أعمال الرُّسُل] عن خطايا كُلِّ تلكَ الأجيال؟ فكيفَ يُمكنهُ أن يَحتملَ كُلَّ ذلك؟ لأنَّ شخصًا ما كانَ سيدفعُ الثَّمَن. وكيفَ استطاعَ أنْ يَغفِرَ للخُطاة؟ كيفَ استطاعَ أن يَغفرَ لهم وأنْ يَظَلَّ بارًّا؟ لأنَّ الثَّمَنَ سيُدفَع. فعدالَتُه وقداسَتُه وبِرُّه سَتُستَرضَى. ويبدو أنَّ بَعضَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أنَّ العدالة الإلهيَّة كانت نائمة، وأنَّ البِرَّ الإلهيِّ كانَ في إجازة، وأنَّ القداسة الإلهيَّة قد دَخَلَتْ في حالة غيبوبة، وأنَّ البشرَ هُنا في الأسفل أخطأوا، وَنَجَوْا بِأفعالِهم، وعاشوا وازدهروا. فأينَ هي أُجرةُ الخطيَّة؟ وماذا عنْ القولِ إنَّ النَّفسَ الَّتي تُخطئ تَموت؟ وفجأةً، يأتي هؤلاءِ الوُعَّاظُ ويقولونَ إنَّهُ سيَغفِرُ ... إنَّهُ سيَغفِر. فهو مُنعِمٌ ومُحِبٌّ ورَحوم. فهو سيَغفِر. والسُّؤالُ الَّذي يَطرحُ نَفسَهُ حالاً هو: "مَهلاً مِنْ فَضلِك! مَهلاً مِن فَضلِك! إنَّ اللهَ قُدُّوسٌ وبارٌّ ولا يستطيعُ أنْ يَتغاضى وَحَسْب عنِ الخطيَّة. فلا بُدَّ أنْ تُعاقَبَ الخطيَّة. فلا يُمكن أنْ يُعفَى الإنسانُ مِنها. وهي لا يُمكِن أنْ تَزولَ وَحْدَها وَحَسْب. وهي لا يُمكن التَّغاضي عنها. فلا يوجد أيُّ قَدرٍ مِنَ التَّفاؤل، ولا أيُّ قَدرٍ مِنَ المحبَّةِ أوِ النِّعمةِ أوِ الرَّحمةِ يُمكن أنْ يَتغاضى عنِ الخطيَّة أوْ أن يَتوقَّفَ عنِ المُطالبةِ بمُعاقَبَتِها. فاللهُ القُدُّوسُ لا يُمكن أنْ يَتغاضى عنِ الخطيَّة وأنْ يَرضى بالشَّرِّ. وَحَتَّى بالرَّغمِ مِن محبَّتِهِ العميقةِ للخاطئ فإنَّهُ لا يَستطيعُ أنْ يَغفرَ للخاطئِ ما لم تُسْتَرضى عَدالَتُه. لِذا فإنَّ السُّؤالَ المَطروحَ هُوَ: كيفَ يُمكنُ للإنسانِ الخاطئِ أنْ يَصيرَ مَقبولاً أمامَ اللهِ البارّ؟ والجوابُ هُوَ: يجب أنْ يَدفعَ أَحَدٌ الثَّمَن. واللهُ اختارَ، بدافِعِ مَحَبَّتِهِ، أنْ لا يُعاقِبَ الخاطئ، بل أنْ يُعاقِبَ ابنَهُ. لِذا فإنَّهُ يَحتفِظُ بِنَزاهَةِ طبيعَتِهِ وسُمعَتِهِ، ويُفسِحُ مَكانًا لنِعمَتِهِ أيضًا. وإنْ كانَ الخاطئُ سيُعاقَبُ عن خطاياه، فإنَّهُ سيُعاقَب إلى أبدِ الآبدين حَتَّى إنَّ الأبديَّة نَفسَها لن تَكفي لِدَفعِ الثَّمَن؛ وإلَّا فإنَّ الأبديَّة ستنتهي.

ولكِنَّ اللهَ المُنعِمَ قَدَّمَ ذَبيحَةً. فقد ماتَ يسوعُ المسيحُ بَدَلاً عنكَ أنت. فقد صارَ خَطِيَّةً معَ أنَّهُ لم يَعرِف خطيَّة. وقد ماتَ عَنَّا. فهو البَديلُ عنَّا. وقد كانَ ينبغي أن يكونَ إنسانًا لكي يموتَ كإنسان. وقد كانَ ينبغي أن يكونَ إلهًا لكي يَغلِبَ الموتَ والخطيَّةَ. لِذا كانَ ينبغي للهِ الإنسانِ أنْ يتألَّم. وقد قالَ يسوعُ إنَّ ابنَ الإنسانَ يَنبغي أنْ يَتألَّمَ ويُقتَل. فقد كانَ يَعلمُ ذلك. وقد وَعَظَتِ الكنيسةُ الباكِرة عنِ السَّببِ الَّذي حَتَّمَ على يسوعَ أنْ يَتألَّم. فذبائحُ كُلِّ العُجولِ والتُّيوس لم تَكُن تَقدِرُ أنْ تَفعلَ ذلك. فنحنُ نَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح العاشِر: "لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا". فلم تَكُنِ الذَّبائحُ الحَيَوانيَّة هي الَّتي قامت بذلك، بل إنَّها كانت مُجَرَّد صُورة عنِ الذَّبيحة القادمة. وَهُوَ ليسَ أمرًا قائمًا على الإنجازِ البشريّ. فلا يوجد شيء تَفعلُهُ قد يَسترضي الله. فلا بُدَّ مِنْ دَفْعِ الثَّمَن. وَهُوَ ثَمَنٌ يُدفَعُ بِسَفْكِ الدَّمِ والموت. والمسيحُ دَفَعَهُ. فنحنُ نقرأُ في المزمور 49: 7 و 8: "الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ. وَكَرِيمَةٌ هِيَ فِدْيَةُ نُفُوسِهِمْ". فهي أعلى مِنْ أنْ يَستطيعَ أيُّ إنسانٍ أنْ يَدفَعَها. ولكِنَّ المسيحَ دَفَعَها. فلا يوجد خاطئ يستطيعُ أن يُكَفِّرَ عن خطايا أخيهِ الخاطئ. لِذا فإنَّ المسيحَ [الكامِل] دَفَعَ ثَمَنَ العدالة الإلهيَّة وَحَمَلَ خَطايا كُلِّ العَالَم. لِذا فإنَّ موتَ المسيحِ لم يَكُن عَمَلاً نابِعًا مِنَ النِّعمة فحسب، بل كانَ أيضًا عَملاً نابعًا مِنَ العَدالة.

وهل لاحظتُم مِن فَضلِكُم أنَّ العدد 25 يقول: "الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ". وفي نهايةِ العدد 26: "لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ". فهذه الكَفَّارة أو هذه الذَّبيحة الَّتي قَدَّمَها المسيحُ تُحسَبُ مِنْ خلالِ الإيمان. مِن خلال الإيمان، ومِن خلال التَّصديق. فهذه نُقطة جوهريَّة جدًّا. لِذا فإنَّها تَتطلَّبُ مِنَّا إيمانًا. فأنتَ تُفَعِّلُ عَمَلَ المسيحِ بالإيمان. بالإيمانِ الحَقيقيّ. إذًا، فقد عَرَضَ اللهُ مِنْ خلالِ الصَّليبِ عَدالَتَهُ وبِرَّهُ وقداسَتَهُ على المَلأ. وَهُوَ عَادِلٌ جدًّا وبارٌّ جدًّا وقُدُّوسٌ جدًّا حَتَّى إنَّهُ بقدرِ ما يَرغبُ في أنْ يَغفرَ للخاطئ فإنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَفعلَ ذلك ما لم تُدفَعَ الأُجرة؛ حَتَّى لو اقتضى الأمرُ أنْ يَدفَعَ ابنُهُ الأُجرة. فعدالةُ اللهِ فائقة إلى هذا الحَدِّ. لِذا، لا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَتَّهِمَهُ بأنَّهُ غير عادِل أو غير بارّ. فعدالَتُهُ استُرضِيَتْ مِنْ خِلالِ الخَروفِ الَّذي بلا عيبٍ أو دَنَس الَّذي دَفَعَ الأُجرةَ كاملةً. لِذا فإنَّنا افتُدينا لا بأشياءَ تَفْنى، بل بِدَمِ المَسيحِ الكَريم. لِذا فإنَّنا نَرى في الصَّليب عَدالةَ اللهِ وبِرَّهُ.

ثانيًا، إنَّ الصَّليبَ يُعَظِّمُ نِعمةَ الله. فالصَّليبُ يُعَظِّمُ نِعمةَ الله. العدد 27. ومَرَّةً أخرى، قد يَطرحُ شخصٌ آخر سؤالاً آخر: "إنْ كانَ اللهُ يَفعلُ كُلَّ ذلك، ما دَورُنا نحنُ في ذلك؟" والجوابُ هو: "لا شيء بصورة رئيسيَّة". فلا مَجالَ للافتخار. إذًا، أينَ الافتخار؟ قَدِ انْتَفَى. قَدِ انْتَفَى. فالخلاصُ هو عَمَلُهُ وَحَسْب. وَالكتابُ المقدَّسُ يُبَيِّنُ ذلكَ بوضوحٍ شديد: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ". فَكُلُّ عُنصُرٍ في الخلاصِ هو عَمَلُ الله. وَحَتَّى إنَّهُ هو الَّذي يُفَعِّلُ ويَحُثُّ ويُنَشِّطُ إيمانَنا حَتَّى نَستطيعَ أن نُؤمِن. لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "أينَ الافتخارُ؟" قَدِ انْتَفَى. فلا مَجالَ للافتخار. فهو أمرٌ لا مَكانَ لَهُ بِرُمَّتِه. "بِأَيِّ نَامُوسٍ؟" (كما جاءَ في العدد 27). "أَبِنَامُوسِ الأَعْمَالِ؟ "كَّلاَّ. بَلْ بِنَامُوسِ الإِيمَانِ". بعبارة أخرى، إنْ لم يَكُن لديَّ ما أفعلُهُ بهذا الخُصوص، ولم يَكُن بالأعمال، كيفَ يَعمل؟ فعندما يقولُ: "بِأَيِّ نَامُوسٍ؟"، اسمحوا لي أنْ أُساعِدَكُم في فَهمِ ما يَقول. فالكلمة "ناموس" هنا تَعني: "مَبدأ"، وليسَ وَصِيَّةً بالمفهومِ الَّذي نُفَكِّرُ فيهِ في الوصايا العَشْر أو بأيِّ شريعة وَضَعَها اللهُ، بل هو يُشيرُ إلى مَبدأٍ ... مَبدأٍ عامِل. وَهُوَ يَستخدِمُ هذه الكلمة استخدامًا مُماثلاً في رسالة رومية والأصحاح 7 وفي أماكِن أخرى. ولكِنَّهُ يَقول: حسنًا! إنْ لم يَكُن هذا الخلاصُ شيئًا يمكنني أنْ أقومَ بهِ بأعمالي ولا يمكنني أن أفتخرَ به، ما هو المبدأُ الَّذي يَعملُ به؟ أَبِنَامُوسِ الأَعْمَالِ؟ كَّلاَّ. بَلْ بمبدأِ الإِيمَان. فمبدأُ الإيمانِ هو الوحيدُ الَّذي يُعَظِّمُ اللهَ ويُمَجِّدُهُ لأنَّهُ يَسْحَبُ كُلَّ شيءٍ مِنْ بينِ يَدَيِّ الإنسان. فالنَّاموسُ هُنا، أوِ المبدأ أوِ الطَّريقة الَّتي يَعملُ بها الخلاص هي طريقة [أو مَبدأ أو ناموس] الإيمان. لِذا، حيثُ إنَّنا عاجِزونَ عنِ القيامِ بأيِّ شيءٍ عَدا عنْ قَبولِ عَطيَّة الإيمان، فإنَّنا نَعلمُ أنَّ هذهِ هي عَطِيَّةُ نِعْمَة. لِذا فإنَّ نِعمةَ اللهِ مُعَظَّمَة هُنا. فالوحيدُ الَّذي يَستطيعُ أنْ يَفتَخِرَ هو الله لأنَّهُ بِنِعْمَتِهِ [في العدد 24] أعطانا عَطِيَّةً يُمكننا فقط أنْ نَقبَلَها أو أنْ نَرفُضَها. فلا دَورَ لنا فيها سِوى أنْ نَقبَلَها. فهو يَهْدِمُ أيَّ أساسٍ آخر يَستَنِدُ إليهِ أولئكَ الَّذينَ يقولونَ: أنا أَبذُلُ دائمًا قُصَارَى جُهْدي. فأنا أعيشُ دائمًا حياةً مُحتَرَمة، وأنا شخصٌ صَالِحٌ. لِذا، لا بُدَّ أنَّ اللهَ لن يَتَجاهَلَني".

فَهُوَ يَقولُ [ببساطة] إنَّ الخلاصَ كُلَّهُ هو عَمَلُ اللهِ. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 28: "إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ". فالإسهامُ الوَحيدُ الَّذي نَقومُ بِهِ هو أنْ نُؤمِن. وَحتَّى إنَّ الإيمانَ هو عَمَلُ اللهِ فينا. أتَذكرونَ ما قالَهُ بولسُ في رسالة كورِنثوس الأولى 15: 10؟ "وَلكِنْ أَنَا مَا أَنَا [بِماذا؟] بِنِعْمَةِ اللهِ". وقد قالَ كَاتِبُ التَّرنيمة: "رَجائي ليسَ قائمًا على أيِّ شيءٍ، بل على دَمِ يَسوعَ وَبِرِّهِ. فأنا لا أّتَّكِلُ على أَحلى شيءٍ يَصنَعُه الإنسانُ، بل إنَّ اتِّكالي الكامِلَ هو على اسمِ يَسوع".

لِذا فإنَّ المبدأَ [كما يَقولُ بولس] الَّذي نَعْمَلُ بِموجِبِهِ فيما يَختصُّ بالخلاصِ هو مبدأُ الإيمانِ المُتجاوِبِ معَ النِّعمة. فنحنُ نَنظُرُ إلى الصَّليب فماذا نَرى؟ بِرَّ اللهِ مُعْلَنًا إذْ إنَّ أُجرةَ الخطيَّة قد دُفِعَت ... أيْ الفِدية. ونحنُ نَنظُرُ إلى الصَّليبِ فَنَرى نِعمةَ اللهِ مَعروضَةً أمامَنا. فهو يَفعلُ كُلَّ شيء. فالمسيحُ دَفَعَ الأُجرة. واللهُ يَتَحَرَّكُ تُجاهَنا بالنِّعمة ويُعطينا العطيَّة. وكُلُّ ما يُمكننا أن نَفعلَهُ هو أنْ نَرفُضَها أوْ أنْ نَقبَلَها. والآن، هذا هو جَوهرُ الخلاص: الإيمان المُخَلِّص. ولأنَّهُ يُقيمُ وَزْنًا كبيرًا لهذه النُّقطة إذْ يقولُ في العدد 24 إنَّنا تَبَرَّرْنا بالنِّعمة، وفي العدد 25: أنَّنا نَحصُلُ على التَّبريرِ بالإيمان، وفي العدد 26: أنَّنا نَحصُلُ عليهِ بالإيمان، وفي العدد 27: "لا بالنَّاموسِ، بل بالإيمان"، وفي العدد 28: "بالإِيمَانِ، لا بالنَّامُوس" ... وهذا تَركيزٌ كبيرٌ على الإيمان. وبسببِ ذلك، يجب عليَّ أنْ أقولَ لكم إنَّ الإيمانَ هو جَوهرُ المسيحيَّة. وأوَدُّ أنْ أُعطيكُم فَحْصًا صغيرًا لِمُساعدتِكُم على اختبارِ إيمانِكُم. فأنا مُقتَنِعٌ أنَّ الكنائسَ تَعُجُّ بأُناسٍ لديهم إيمانٌ لا يُخَلِّصُهم. ويَعقوبُ يُسَمِّي ذلكَ إيمانًا مَيِّتًا. ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الثانية 13: 5: "جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟" فيجب أنْ تَتيقَّنَ مِنْ أنَّ إيمانَكَ حقيقيّ. والآن، حينَ تَنظُر إلى نفسِك وتسألُ نَفسكَ: "هل أنا مؤمنٌ حقيقيّ؟ وهل قَبِلتُ حقًّا هذه العطيَّة الَّتي وَهَبَني اللهُ إيَّاها؟ وهل آمنتُ حَقًّا؟" ما الَّذي تَنظُرُ إليهِ في حَياتِكَ لتَعرِفَ إنْ كانَ إيمانُكَ حَقيقيًّا؟ ما هي البَراهين؟ أوَّلاً، اسمَحوا لي أنْ أُريكُم بعضَ الأشياءِ الَّتي لا تُبَرهِنُ ولا تَنفي الإيمانَ المُخَلِّص. حسنًا؟ فسوفَ أُقدِّمُ لكم لائحةً صغيرةً بالأشياءِ الَّتي لا تُثْبِتُ أيَّ شيء. فقد تَكونُ مُؤمِنًا أوْ لا تكونُ مُؤمِنًا وتَمتَلِكُ هذه الأشياء. فهي لا تُثبِتُ ولا تَنفي الإيمانَ المُخَلِّصَ، ولكِنْ يجب عليكم أنْ تَعرفوها كي لا تَنخَدِعوا:

أوَّلاً: الأخلاقُ الظَّاهرة. الأخلاقُ الظَّاهرة. وما الَّذي أعنيه بذلك؟ حسنًا! هناكَ أُناسٌ صالِحونَ وَحَسْب. وهناكَ أُناسٌ مُتديِّنونَ جدًّا مِثلَ المُورمون الَّذينَ يَظهرونَ خارجيًّا بصورة التَّقوى، أوِ الرُّومِ الكاثوليك، أو أيِّ بِدعةٍ أو ديانةٍ أخرى. فهناكَ أشخاصٌ صَالِحونَ وَحَسْب. فَهُمْ صادِقون، ومُستقيمونَ في تِجارَتِهم، وشَكورون، ولطيفون، ويُظهرونَ تَقوى خارجيَّة مَنظورة. وبالمُناسبة، لقد كانَ الفَرِّيسيُّونَ [بِكُلِّ تأكيد] يَعتمدونَ على ذلكَ في رَجائهم. فَهُمْ أشخاصٌ مُحِبُّون، وهُناكَ أشخاصٌ مِنهُم رَقيقو القلب. أمَّا فيما يَختصُّ بمحبَّةِ اللهِ وخِدمةِ اللهِ، فإنَّهم لا يَعرفونَ شيئًا ولا يَشعرونَ بشيء. فأيُّ شيءٍ يَفعلَهُ هؤلاء أو لا يَفعلونَهُ لا صِلَةَ لَهُ بالله. فهذا الشَّخصُ صَادِقٌ في تَعامُلِهِ معَ الجَميعِ، إلَّا مَعَ الله. وَهُوَ لا يَسرِقُ أحدًا إلَّا الله. وَهُوَ شَكورٌ وَوَفِيٌّ تُجاهَ الجَميعِ، إلَّا تُجاهَ اللهِ. وَهُوَ لا يَحتَقِرُ أحدًا ولا يَستخفُّ بأحدٍ سِوى الله. وَهُوَ يَتمتَّعُ بعلاقاتٍ طَيِّبة بالجميع، إلَّا الله. وَهُوَ يُشبِهُ كثيرًا الحاكِمَ الشَّابَّ الَّذي قال: "هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا. فَمَاذَا يُعْوِزُني بَعْدُ؟" فهذه أخلاقيَّاتٌ خَارجيَّة، ولكِنَّها لا تُشيرُ بالضَّرورة إلى الخلاص. فقد يُحَسِّنُ النَّاسُ تَصَرُّفاتَهُم مِنْ خلالِ الإصلاحِ، لا مِنْ خِلالِ التَّجديد.

ثانيًا، هُناكَ شيءٌ آخر لا يُبَرهِنُ ولا يَنفي الإيمانَ المُخَلِّص وَهُوَ: المَعرفة العَقليَّة. المَعرفة العَقليَّة. فهذهِ لا تُبَرِّرُ الإيمانَ الحقيقيَّ. صَحيحٌ أنَّ مَعرفةَ الحقيقة أمرٌ لازِمٌ للخلاص، وأنَّ الأخلاقَ المَنظورةَ هي ثَمَرُ الخلاص، ولكِنْ لا هذا ولا ذاكَ يُساوي الخلاص. وكما تَرَوْنَ، قد تَعرِفونَ كُلَّ شيءٍ عنِ اللهِ، وتَعرفونَ كُلَّ شيءٍ عن يسوعَ، وعن أنَّهُ جاءَ إلى العالَمِ، وماتَ على الصَّليب، وقامَ ثانيةً، وأنَّهُ سيأتي مَرَّة أخرى. وقد تَعرفُ حَتَّى تَفاصيلَ أكثر عن حياتِهِ وتَفهمُ كُلَّ ذلك، ولكِنَّكَ قد تُديرُ ظَهْرَكَ إلى المسيح. وقد كَتَبَ كاتِبُ الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين [في الأصحاحِ السَّادسِ] إلى أولئكَ الَّذينَ كانوا يَعرِفونَ كُلَّ ذلكَ وَرَفَضوا المسيح. وَهُوَ يقولُ في الأصحاحِ العاشِر: "أنتُم تَدوسونَ تحتَ أقدامِكُم دَمَ المسيحِ مِنْ خلالِ عَدَمِ إيمانِكُم بما تَعلمونَ أنَّهُ صحيح". وهناكَ أُناسٌ كثيرونَ يَعرفونَ الكتابَ المقدَّسَ ويَملِكونَ مَعرفةً، ولكِنَّهُم ذاهبونَ إلى جَهَنَّم. فأنتَ لن تَخلَص مِنْ دونِ تلكَ المعرفة، ولكِنَّ امتلاكَ تلكَ المعرفة لا يُخَلِّصُكَ بالضَّرورة.

ثالثًا، الاشتراكُ في الأنشطةِ الدِّينيَّة. فالاشتراكُ في الأنشطةِ الدِّينيَّةِ ليسَ دليلاً بالضَّرورة على الإيمانِ الحقيقيّ. فهناكَ أشخاصٌ [بحسب ما قالَهُ بولُس في رسالَتِهِ الثَّانية إلى تيموثاوس 3: 5]: "لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا". فهذا نَوعٌ فَارِغٌ مِنَ التَّدَيُّن. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ العَذارى في إنجيل مَتَّى والأصحاح 25 إذْ إنَّهُمْ انتَظَرْنَ وانتظَرْنَ وانتَظرنَ مَجيءَ العريس الَّذي هو المسيح. فقدِ انتظرنَ طَويلاً، ولكِنْ عندما جاءَ لم يَدْخُلْنَ. فقد فَعَلْنُ كُلَّ شيءٍ، ولكِنَّهُنَّ لم يَضَعْنَ زَيْتًا في مَصابيحِهِنَّ. فالشَّيءُ الأكثرُ أهميَّةً كانَ مَفقودًا: الزَّيتُ (الَّذي يَرْمِزُ على الأرجَح إلى الحياةِ الجَديدةِ وسُكْنَى الرُّوحِ القُدُس). فَهُنَّ لم يَختَبِرْنَ الولادة الجديدة. فقد كُنَّ مُتَدَيِّنات، ولكِنَّهُنَّ لم يَختَبِرْنَ الولادة الجديدة. فقد تَتمتَّعُ بأخلاقٍ حَميدة ظاهريًّا أمامَ النَّاسِ، وتَمتلكُ مَعرفة عَقليَّة، وتَشتركُ في الأنشطة الدِّينيَّة؛ ولكِنَّ ذلكَ قد لا يُشيرُ إلى إيمانٍ حَقيقيّ.

رابعًا، الخِدمة النَّشِطَة. فقد كانَ بَلْعامُ نَبِيًّا. وقد كانَ شاولُ الطَّرسوسيُّ يَظُنُّ أنَّهُ يَخدِمُ اللهَ بِقَتْلِهِ المسيحيِّين. وقد كانَ يَهوذا كَارِزًا عَامًّا. فقد كانَ يهوذا رَسولاً. وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح السَّابع: "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِــي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَارَبُّ، يَارَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأنَا، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِــي الإِثْمِ!" الخِدمَة النَّشِطَة! إنَّها لا تُبَرهِنُ بالضَّرورة على الإيمانِ المُخَلِّص.

خامسًا، التَّبكيتُ على الخطيَّة. التَّبكيتُ على الخطيَّة. فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يَشعرونَ بالتَّبكيتِ على خطاياهم. اسمعوني: إنَّ هذا العالَمَ بأسرِه يَعُجُّ بالنَّاسِ الَّذين يَشعرونَ بالذَّنبِ في أعماقِهم. ولِعِلْمِكُم، لقد كُنَّا قبلَ خمسَ عَشرةَ سنة نَتحدَّثُ عن أنَّ النَّاسَ يَلتجئونَ إلى عِلْمِ النَّفسِ ويَذهبونَ إلى أطبَّاءِ عِلْمِ النَّفس. وقد كُنَّا نَقولُ شيئًا صحيحًا تمامًا مِنْ واقعِ الاختبارِ وهو أنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ الَّذينَ يذهبونَ إلى أطبَّاءِ عِلْمِ النَّفسِ يُعانونَ بسببِ شُعورِهم بالذَّنْب. وقد كانَ النَّاسُ يُؤلِّفونَ كُتُبًا عن ذلك. وما زِلتُ أَذكُرُ أنَّ عيادة "مينينغر" (Menninger Clinic) نَشَرَتْ كَمًّا هائلاً مِنَ المطبوعاتِ عن أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ يُعانونَ بسببِ شُعورِهم بالذَّنْب. ولكِنَّ أطبَّاءَ عِلْمِ النَّفسِ في العالَم لا يَملِكونَ أيَّ حَلٍّ للشُّعورِ بالذَّنْبِ لأنَّ الحَلَّ الوحيدَ هو الإنجيل. وبالرَّغمِ مِمَّا كانَ يَحدُثُ خِلالَ السَّنواتِ الخَمسَ عَشرة الماضية، فإنَّ النَّاسَ لم يَعودوا يَشعرونَ بالذَّنبِ اليوم لأنَّنا ابتَكَرنا عِلْمَ نَفسٍ يُزيلُ الشُّعورَ بالذَّنب. فَكُلُّ ما نَفعَلُهُ الآنَ هو أنَّنا نُلقي اللَّومَ على شخصٍ آخر. والعلاجُ الجديدُ هو أنْ نَجعلَ الشَّخصَ غيرَ مَسؤولٍ البَتَّة عن أيِّ شُعورٍ بالذَّنبِ قد يَشعُرُ به في الدَّاخل، وأنْ نُحَرِّرَهُ مِن ذلكَ الشُّعورِ بالذَّنب. وَهُمْ يَفعلونَ ذلكَ مِنْ خِلالِ جَعْلِ الفَضيلة الأسمى هي الكِبرياء، وَمِن خلالِ جَعلِ الفضيلة الأسمَى هي تَحقيق الذَّات، وتَعظيمِ الذَّات، وتَمجيد الذَّات، وتَقدير الذَّات. وهذا يُلغي الحاجةَ إلى الشُّعورِ بالذَّنب. لِذا، فقد ابتَكرنا عِلْمَ نَفسٍ لا يَمِتُّ بِصِلة إلى الله، ولا إلى المسيحيَّة، ولا إلى الكتابِ المقدَّسِ، وجَعلناهُ يَهتمُّ بمسألةِ الشُّعورِ بالذَّنب ويُلغيها. وما يَحدُثُ الآنَ في الكنيسةِ هو أنَّهُ عِوَضًا عن أنْ يَقِفَ الواعِظُ ليعِظَ عَنْ تَحَرُّرِ الخُطاةِ مِنَ الشُّعورِ بالذَّنب، فإنَّهم يتوقَّعونَ مِنهُ أنْ يَعِظَ عن تقديرِ الذَّاتِ لأُناسٍ مُتَمَرْكِزينَ حولَ أنفُسِهم. فالمُناخُ كُلُّهُ قد تَغَيَّر. وقد حِدْنَا عن رسالَتِنا لأنَّنا سَمَحنا لفلسفةِ اليوم أنْ تُوْجِدَ نوعًا جديدًا مِنَ الخُطاةِ يَقترِفونَ الخطيَّةَ مِن دونِ أن يَشعروا بالذَّنب. وأهَمُّ شيءٍ يُمكِنُكَ أنْ تَعِظَ عنهُ مَجموعَةً مِنَ الخُطاةِ هو عَنِ الخطيَّة في حياتِهِم، وعن ناموسِ اللهِ الَّذي يُخالِفونَهُ، وعنِ الدَّينونةِ المَحتومة الَّتي تَنتَظِرُهم. ولكِنَّ هذهِ الرِّسالة لا تَحظى بالقَبول لأنَّ الفلسفة الجديدة وعِلْم النَّفس الجديد أَزالا كُلَّ شُعورٍ بالذَّنب مُنذُ وقتٍ طويل. فنحنُ لم نَرى الآنَ أُناسًا يَشعرونَ بالذَّنب لأنَّهم تَعَلَّموا أنَّ العِلاجَ يُمكن أن يَقولَ لهم إنَّهُم يستطيعونَ إلقاءَ اللَّومِ على شخصٍ آخر أساءَ إليهم. والآن، بِغَضِّ النَّظَرِ عن نَوعيَّةِ الشَّخصِ الَّذي تَتَكَلَّمونَ إليه، عندما يَجِدُ هؤلاءِ أنفُسَهُم في موقفِ المشورة ذاك، فإنَّهم سيقولونَ لا مَحَالة: "لقد أُسيئَت مُعامَلَتي. أنا ضَحِيَّة. أنا لستُ مسؤولاً عن شخصيَّتي الحَالِيَّة". لِذا فإنَّ الخاطئَ مَعْفَى مِنَ الشُّعورِ بالذَّنب، ومُعفَى مِنَ الأسلوبِ المُباشِر للإنجيل. لقد كُنتُ أُحِبُّ ... لقد كُنتُ أُحِبُّ الخُطاةَ أكثر عندما كانوا يَشعرونَ بالذَّنب. فقد كانَ التَّعامُلُ مَعَهُم أسهل بكثير. ولكِنْ ما زالَ يوجدُ أشخاصٌ يَشعرونَ بالذَّنبِ حَقًّا. فهُناكَ أشخاصٌ يَشعرونَ بالذَّنبِ بسببِ الخطيَّة. فقدِ ارتَعَبَ الوالي "فِيلِكْس" تَحتَ وَطأةِ وَعْظِ بولُس، ولكنَّهُ لم يَترُك يومًا أَصنامَهُ. والرُّوحُ القُدسُ يُبَكِّت كثيرينَ على خَطِيَّة وبِرّ ودينونة. ولكِنَّ أُناسًا كثيرينَ مِمَّن يُبَكِّتُهم لا يَتجاوبونَ معَ التَّوبة الحقيقيَّة. وهناكَ أُناسٌ قد يَعترفونَ حَتَّى بخطاياهُم. وهناكَ أُناسٌ قد يَتركونَ حَتَّى خطاياهم ويقولون: "أنا لا أُحِبُّ أن أعيشَ بهذه الطَّريقة. أنا أريدُ أنْ أُصْلِحَ حَياتي وَطُرُقي"، ولكِنَّهُم قد لا يأتونَ بالضَّرورة إلى الإيمانِ المُخَلِّص. فهذا إصلاحٌ وليسَ تَجديدًا. ولا توجد دَرَجَة مِنَ التَّبكيت على الخطيَّة تُعَدُّ دليلاً قاطعًا على الإيمانِ المُخَلِّص. صَدِّقوني. فَحَتَّى الشَّياطينُ يُبَكَّتونَ على خطاياهُم. لِذا فإنَّهُم يَقشَعِرُّون. ولكِنَّهُم ليسوا مُخَلَّصين.

سادسًا، اليَقين. اليَقين. فهناكَ أُناسٌ يَقولون: "حسنًا، لا بُدَّ أنَّني مُؤمِن. فأنا أشعُرُ بأنِّي مؤمن. وأنا أعتقد أنَّني مؤمن". اسمعوني: فَكِّروا في ما سأقول مَلِيًّا: إنْ كانَ تَفكيرُكَ في أنَّكَ مُؤمِنٌ يَجعَلُكَ مسيحيًّا، لا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يُخْدَع. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ حالَما تُفَكِّر في أنَّكَ مُؤمِن ستكونُ مؤمِنًا. لِذا، لا يُمكِن أنْ تُخدَعَ البَتَّة. ولكِنَّ النُّقطة الأساسيَّة في خِداعِ الشَّيطان هي أنْ يَجعلَ النَّاسَ يَعتقدونَ أنَّهم مُخَلَّصون في حين أنَّهم ليسوا كذلك. وهذا هُوَ جَوهَرُ المسألة. فهناكَ أُناسٌ كثيرونَ يَشعرونَ أنَّهم مُخَلَّصينَ بِكُلِّ تأكيد، ولكنَّهم ليسوا كذلك. وأنا أقولُ لكم إنَّ هناكَ مَلايينَ الأشخاصِ مِنَ المورمون وشهودِ يَهوه وجماعةِ العِلمِ المسيحيِّ يَعتقدونَ أنَّهم في طريقهم إلى السَّماء في حين أنَّهم ليسوا كذلك. فالنَّاسُ يقولونَ: "إنَّ اللهَ لن يَدينَني. أنا أشعُرُ بأنِّي على ما يُرام. وأنا مُتَيَقِّنٌ. وأنا بخير". ولكِنَّ هذا لا يَعني أيَّ شيء بالضَّرورة.

سابعًا وأخيرًا، وَقْتُ اتِّخاذِ القرار. فأنا أسمعُ أُناسًا يقولون: "أنا أَعلمُ أنِّي مُؤمِنٌ لأنِّي أَذكُرُ الوقتَ الَّذي مَلأتُ فيهِ بطاقة الكنيسة"، أو: "أنا أتذكَّرُ الوقتَ الَّذي صَلَّيتُ فيهِ وطَلبتُ الرَّبَّ"، أو: "أنا أَذكُرُ عندما تَقَدَّمتُ إلى الأمام في اجتماعِ الكنيسة. وأنا أَذكُرُ أينَ كُنتُ أقِف". وقد سَمِعتُ أشخاصًا يقولون: "أنا أَذكُرُ أينَ كُنتُ أقِفُ حينَ فَعلتُ ذلك". حَقًّا؟ اسمعوني: إذا كُنتَ تَتذكَّرُ تلكَ اللَّحظة فإنَّ هذا لا يَعني أنَّ تلكَ اللحظة تَعني أيَّ شيء، وهي لا تَعني أنَّ ذلكَ القرارَ كانَ حقيقيًّا. فخلاصُ أيِّ شخصٍ لا يَتأكَّدُ بلحظة سابقة. فالنَّاسُ يُصَلُّونَ صَلواتٍ، ويَتقدَّمونَ إلى الأمام في خِدماتِ الكنيسة، ويَملأونَ بطاقةَ الكنيسة، ويَذهبونَ إلى غُرَفِ الصَّلاةِ، ويَعتَمِدونَ، ويَنضمُّونَ إلى الكنائسِ مِنْ دونِ أنْ يَمتلكوا إيمانًا مُخَلِّصًا. لِذا فقد ذَكَرْتُ لَكُمْ بَعضَ الأشياءِ الَّتي لا تُعَدُّ دليلاً. فهي لا تُثْبِتُ أيَّ شيءٍ في الحقيقة. وقد تقول: إذًا، ما هي الأمورُ الَّتي تُثبِتُ وُجودَ إيمانٍ مُخَلِّص؟

حسنًا! اسمحوا لي أنْ أَذكُرَ لكم بسرعة بعضًا منها. أوَّلاً، حُبُّ اللهِ. ونحنُ نَتحدَّثُ هُنا ... نَتَحَدَّثُ هنا عنِ القلبِ لأنَّنا نَقرأُ في رسالة رومية 8: 7: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ". فالشَّخصُ غير المؤمن يَمْقُتُ اللهَ، ويَتمرَّدُ على اللهِ في داخِلِه. أمَّا الذِّهنُ المُتَجَدِّد فقد قيلَ عنهُ إنَّهُ يُحِبُّ الرَّبَّ بِكُلِّ قلبِه، ونَفسِه، وفِكره، وقُوَّتِه. وَهُوَ يُسَرُّ بتمجيدِ اللهِ الَّذي هو الأوَّلُ والأكثر أهميَّة في نَفسِهِ الَّتي اختبرتِ التَّجديد. واللهُ يَصيرُ المَصدَرَ الأكبر لِفَرَحِه.

وبالمُناسبة، هناكَ فَرقٌ كبيرٌ بينَ هذه المحبَّة لله، وموقفِ الأنانيَّة الَّذي يُرَكِّز فقط على سَعادَتي، والذي يَرى اللهَ كوسيلة لتحقيقِ غَايَة عِوَضًا عن أنْ أَرى أنَّني وسيلة لتمجيدِهِ. والحقيقة هي أنَّ يسوعَ قال: "إنْ أَحْبَبْتَ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فإنَّكَ لستَ تِلميذًا لي" (إنجيل مَتَّى 10: 37). هل تُحِبُّ اللهَ؟ وهل تُحِبُّ طبيعَتَهُ؟ وهل تُحِبُّ مَجدَهُ؟ وهل تُحِبُّ اسمَهُ؟ وهل تُحِبُّ مَلكوتَهُ؟ وهل تُحِبُّ قَداسَتَهُ؟ وهل تُحِبُّ مشيئَتَهُ؟ فالمحبَّة الفائقة للهِ هي دَليلٌ قاطِعٌ على الإيمانِ الحقيقيّ. فهل قَلبُكَ يَرتَفِعٌ عندما تُسَبِّحُهُ لأنَّكَ تُحِبُّهُ؟

ثانيًا، التَّوبة عنِ الخطيَّة. فالمحبَّة الحقيقيَّة للهِ تُحَتِّمُ كُرْهَ الخطيَّة. وهذا واضحٌ. فَمَنْ لا يَفهمُ ذلك! فإنْ كُنتُ أُحِبُّ شخصًا ما، ستَفترِضونَ أنَّ مَحَبَّتي لَهُ تَعني أنْ أَسعى إلى خَيْرِهِ. أليسَ كذلك؟ فإنْ قُلتُ لَكُم إنِّي أُحِبُّ زَوجتي ولكنِّي لا أُبالي بما يَحدُثُ لها، سَتَشُكُّونَ في مَحَبَّتي لها لأنَّ المحبَّة الحقيقيَّة تَسعى إلى كُلِّ الخَيرِ لذلكَ الشَّخص. لِذا، إذا قُلتُ لكم إنِّي أُحِبُّ اللهَ، لا بُدَّ أنْ أَكَرَهَ الخطيَّة لأنَّ الخطيَّة تُسيءُ إلى الله. والخطيَّة تُجَدِّفُ على الله. والخطيَّةُ تَلعَنُ اللهَ. والخطيَّةُ تَسعى إلى تَدميرِ اللهِ وعَمَلِه ومَملكتِه. والخطيَّة قَتَلَت ابنَهُ. فإنْ قُلتُ إنِّي أُحِبُّ اللهَ ولكنِّي أُطيقُ الخطيَّة، سيكونُ لديكَ ما يُبَرِّرُ التَّشكيكَ في مَحَبَّتي. فَلا يُمكنُني أنْ أُحِبَّ اللهَ مِن دونِ أنْ أَكرَهَ كُلَّ ما يَسعى إلى تَدميرِه.

لِذا فإنَّ التَّوبة الحقيقيَّة تَتطلَّبُ اعترافًا، وهي تَتطلَّبُ تَرْكَ الخطيَّة. فيجب عليَّ أنْ أَحزَنَ على خطيَّتي. ويجب عليَّ أنْ أسألَ نفسي: هل لديَّ قناعة راسخة بِشَرِّ الخطيَّة؟ وهلِ الخطيَّة تبدو لي بصورَتِها الشرِّيرة والقبيحة الحقيقيَّة؟ وهلِ التَّبكيتُ على الخطيَّة يَزدادُ أكثرَ في داخلي كُلَّما سِرتُ أكثر معَ المسيح؟ وهل أكرَهُ الخطيَّة لا فقط لأنَّها تُفسِدُ نَفسي، بل أيضًا لأنَّها تُسيءُ إلى إلهي الَّذي أُحِبُّهُ؟ وهل .. هل أَحزنُ عندما أُخطئ أكثر مِمَّا أحزَن عندما أَقَعُ في مُشكلة؟ بعبارة أخرى، ما الَّذي يُحزِنُ قلبي أكثر: سُوْءُ حَظِّي، أَمْ خَطيئَتي؟ وهل خطايايَ تَزدادُ في الكَثرة والوَتيرة والحِدَّة؟ وهل أَجِدُ نفسي أحزَنُ على خطايايَ أكثر مِنْ خطايا الآخرين؟ فهذه هي البراهينُ على الخلاصِ والإيمانِ الحقيقيّ. فالإيمانُ الحقيقيُّ يُحِبُّ اللهَ، ويَكرَهُ الأشياءَ الَّتي يَكرَهُها اللهُ؛ أيِ الخطيَّة.

ثالثاً، إنَّهُ يُظْهِرُ تَواضُعًا حقيقيًّا. فهو يُظْهِرُ تَواضُعًا حقيقيًّا. ومِنَ الواضحِ أنَّ هذا مَذكورٌ في التَّطويبات ... المَساكين بالرُّوح، وأولئكَ الَّذينَ يَجوعونَ ويَعطشونَ إلى البِرّ، وأولئكَ الَّذينَ ذُكِرَ عنهم في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18 أنَّهُم كالأطفالِ إذْ إنَّهم مُتواضعونَ ومُتَّكِلونَ على الله. وَهُمْ يُنكرونَ ذواتِهم، ويُبدونَ الاستعدادَ لِحَمْلِ صَليبِهم واتِّباعِهِ. والرَّبُّ يَقبَلُ أولئكَ الَّذينَ يأتونَ إليهِ بانكسارٍ ورُوحٍ مُنسَحِقَة. ويعقوبُ يَقولُ: "وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً". فيجب علينا أنْ نأتي إليهِ كما جاءَ الابنُ الضَّالُّ. وهل تَذكرونَ ما قالَهُ في إنجيل لوقا والأصحاح 15 (رُبَّما في العدد 21)؟ فقد قال: "يا أبَتاه، أنا لَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا". فلا وُجودَ للكِبرياء، ولا وُجودَ للأنا بِخُصوصِ الإنجازاتِ الدِّينيَّة أوِ الإنجازاتِ الرُّوحيَّة، بل يوجدُ اتِّضاعٌ حَقيقيٌّ وَحَسْب.

رابعًا، تَكريسٌ لِمَجدِ الله. فالإيمانُ المُخَلِّصُ الَّذي يُظْهِرُ خلاصًا حقيقيًّا يُظهِرُ تَكريسًا لمجدِ الله. فأيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي نَفعَلُه، إنْ كانَ أَكْلٌ أو شُربٌ، يجب علينا أنْ نكونَ مَشغولينَ حَرفيًّا بتمجيدِ الله. فيجب علينا أنْ نَفعلَ كُلَّ شيءٍ لأنَّنا نَرغبُ في تَمجيدِ الله. صحيحٌ أنَّنا سَنُقَصِّرُ في كُلِّ هذهِ الأشياء، ولكِنَّ الشَّيءَ الغَالِبَ في حياتِنا هو أنْ نُحِبَّهُ، ونُبغِضَ الخطيَّة، ونَكونَ مُتواضِعينَ حَقًّا، وأنْ نُنكِرَ أنفُسَنا، وأنْ نَعرِفَ عدمَ استحقاقِنا، وأنْ نكونَ مُكَرَّسينَ بالكامل لِمَجدِ الله.

خامسًا، الصَّلاةُ المُستمرَّة. فالصَّلاةُ المُتواضِعَةُ الَّتي نُصَلِّيها بخضوعٍ وإيمانٍ هي دَليلٌ على الإيمانِ الحقيقيّ. فنحنُ نَصرُخُ "يا آبا الآب" لأنَّ الرُّوحَ فينا يَحْفِزُنا على أنْ نَصرُخَ هكذا. وقد وَعَظَ "جوناثان إدواردز" (Johnathan Edwards) ذاتَ مَرَّة عِظَةً بعُنوان: "المُراؤونَ مُقَصِّرونَ في واجِبِ صَلاةِ المِخْدَع". وهذا صحيح. فالمُراؤونَ قد يُصَلُّونَ أمامَ الآخرينَ لأنَّ هذا هو ما يَفعلُهُ المُراؤونَ بسببِ رَغبتهم في لَفْتِ أنظارِ النَّاس، ولكنَّهم مُقَصِّرونَ في واجِبِ صَلاةِ المِخْدَع. أمَّا المؤمنُ الحقيقيُّ الَّذي يَمتلكُ إيمانًا حقيقيًّا مُخَلِّصًا فإنَّهُ يَمتَلِكُ حَياةَ صَلاةٍ شخصيَّة أو حياةَ صَلاةٍ خَاصَّة. فهو يَسعى إلى الشَّركة معَ الله.

سادسًا، هناكَ بُرهانٌ آخر على الإيمانِ المُخَلِّص وهو: المحبَّة غير الأنانيَّة. فيوحنَّا يقول: "إنْ لم تَكُن تُحِبُّ جارَكَ، أو أخاكَ، أو الشَّخصَ المُحتاجَ، كيفَ سنُصَدِّقُ أنَّ مَحَبَّةَ اللهِ تَسكُنُ فيك؟" كذلك، نَقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاح الثَّالث: "إنْ كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ سَتُحِبُّونَ مَنْ يُحِبُّهُمُ اللهُ". ونحنُ نُحِبُّهُ ونُحِبُّ الآخرينَ صَدَىً لِمَحَبَّتِهِ لنا. ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 13: "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ".

سابعًا، الانفصالُ عنِ العالَم. فبولسُ يقولُ لأهلِ كورِنثوس: وَنَحْنُ لَمْ نَأخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ". وقد عَبَّرَ يوحنَّا عن ذلكَ بالقول: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ". فالمؤمنُ الحقيقيُّ مُنفَصِلٌ عنِ العالَم. وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّنا نُقَصِّرُ في هذه الأمور، ولكِنَّ هذهِ هي الصِّفَة الغَالِبَة في حياتِنا. فنحنُ لسنا كامِلين، ونحنُ لم نَبلُغ الهَدَفَ بعد، ولكِنَّنا نُحِبُّ اللهَ ونُريدُ أنْ نُحِبَّهُ أكثر. ونحنُ نُبغِضُ الخطيَّة ونُريدُ أنْ نُبغِضَها أكثر. ونحنُ نَمتلِكُ تواضُعًا حقيقيًّا ونُريدُ المزيدَ مِنه. ونحنُ مُكَرَّسونَ لِمَجدِ الله. ونحنُ لدينا حياةَ صَلاةٍ خَاصَّة وعامَّة. ونحنُ نُحِبُّ الآخرينَ مَحَبَّةً نابعةً مِنَ اللهِ. ونحنُ نَجِدُ أنَّنا نَميلُ إلى الانفصالِ عنِ العالَمِ كقاعدة عامَّة.

ثُمَّ إنَّ هُناكَ نُقطَتَيْنِ إضافِيَّتَيْن. فالنُّمُوُّ الرُّوحِيُّ هو علامة أخرى. فإنْ كُنتَ مُؤمِنًا حقيقيًّا، ينبغي أنْ تَنمو. وهذا يعني أنَّكَ ستَزدادُ شَبَهًا بالمسيح. فالحياةُ تُعطي حَياةً. وإنْ كُنتَ حَيًّا، لا بُدَّ أنَّكَ ستنمو. فلا توجد طريقة أخرى. فسوفَ تَتحسَّن، وسوفَ تَزداد، وسوفَ تَنمو لأنَّ "الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا [كما جاءَ في رسالة فيلبِّي 1: 6] يُكَمِّلُ". فسوفَ يستمرُّ العملُ، ويَستمرُّ. والرُّوحُ سيَجعلُكَ تَنتَقِلُ مِنْ مُستوىً مِنَ المَجدِ إلى الَّذي يَليه. لِذا، إنْ نَظرتَ إلى حياتِكَ، هل تَرى نُمُوًّا رُوحيًّا؟ وهل تَرى تَراجُعًا في وَتيرةِ الخطيَّة؟ وزيادةً في وَتيرةِ البِرِّ والتَّكريسِ لله؟

وأخيرًا، الطَّاعة. حَياةُ الطَّاعة. "كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ يأتي بِثَمر". "يأتي بِثَمَر" [كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 15]. وفي رسالة أفسُس 2: 10، يَقولُ بولُس: "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا". فهذه هي الطَّاعة. فنحنُ نِلْنا الخلاصَ في طَاعَةِ الإيمان.

انظُر إلى حَياتِك. فهل تَرى كُلَّ هذهِ الأشياءِ بما في ذلكَ المحبَّة غير الأنانيَّة، والانفصالِ عنِ العالَم، والنُّمُوِّ الرُّوحِيّ، والطَّاعة؟ إنْ كُنتَ تَراها، فهذا دليلٌ على الإيمانِ المُخَلِّص.

والآنْ، لِنَعُد إلى نَصِّنا. فالصَّليبُ يُعلِنُ عَدلَ اللهِ وبِرَّهُ. والصَّليبُ يُمَجِّدُ نِعمةَ اللهِ الَّتي تَصيرُ فَاعِلَةً مِنْ خلالِ الإيمان. ثالثًا، وباختصارٍ شديد: الصَّليبُ يُظْهِرُ ثَباتَ اللهِ. فالصَّليبُ يُظْهِرُ ثَباتَ اللهِ. انظروا إلى العدد 29. فما المقصودُ هنا؟ حسنًا، سوفَ يقولُ اليهودُ: "انظُر! نحنُ نَتَبَرَّرُ بأعمالِ النَّاموس. وها أنتَ تأتي وتُنادي لجميعِ هؤلاءِ الأُمَم أنَّهم يَتبرَّرونَ بالإيمان. فهل اللهُ يَكيلُ بِمِكيالَيْن؟ فهل يَطلُبُ اللهُ أعمالًا مِنَّا ونِعمةً وإيمانًا مِنهم؟ وهلِ اللهُ إلَهٌ رَحومٌ ومُخَلِّصٌ للأُمَم، ولكِنَّهُ إلَهٌ ناموسِيٌّ ودَيَّانٌ لليهود؟ وهل توجدُ طريقَتانِ للخلاص؟" وبالطَّبع، أنتُم تُدركونَ أنَّ اليهودَ كانوا يُؤمِنونَ بأنَّهم مُخَلَّصونَ بأعمالهم. لِذا فقد استنتجوا أنَّ بولسَ يَكرِزُ عن طريقةٍ جديدةٍ للخلاصِ لا تَتَّفِقُ معَ طريقةِ الله. لِذا فإنَّ بولُسَ يقول: "أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟" كَلَّا! "أَلَيْسَ [اللهُ] لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى. وقد كانوا مُرْغَمينَ على مُوافَقَتِه. بَلى. فاللهُ هُوَ إلَهُ كُلِّ البَشَر. ونقرأُ في سِفْر إشعياء 54: 5: "إِلهَ كُلِّ الأَرْضِ يُدْعَى". ونَقرأُ في سِفْر إرْميا 16: 19: "إِلَيْكَ تَأتِي الأُمَمُ مِنْ أَطْرَافِ الأَرْضِ". فقد كانوا يَعلمونَ ذلك. ونَقرأُ في سِفْر زَكَرِيَّا 2: 11: "فَيَتَّصِلُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ بِالرَّبِّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيَكُونُونَ لِي شَعْبًا". فقد كانوا يَعلمونَ أنَّهُ إلَهُ اليهودِ والأُمم. حسنًا إذًا: "لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ" ... فهذا هو ترتيبُ الكلماتِ في العدد 30. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الكلمة "واحِد" في نهايةِ الآية (في التَّرجمة الأمريكيَّة الجديدة) ينبغي أنْ تكونَ مُلاصقةً للكلمة "الله" هكذا: "لأنَّ اللهَ واحِدٌ هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ [أيِ اليهود] بِالإِيمَان وَالْغُرْلَةَ [أيِ الأُمَم] بِالإِيمَان". وَهُنا تَرَوْنَ ثَباتَ اللهِ. فإذا نَظرتُم إلى الصَّليب سَتَرَوْنَ أنَّهُ حيثُ إنَّ اللهَ واحدٌ (فإنْ كانَ اللهُ واحدًا، وَهُوَ إلَهُ جَميعِ البشر، وَهُوَ إلَهُ اليهودِ والأُمم)، فإنَّهُ إلَهٌ واحدٌ لِكُلِّ البشرِ، وسيكونُ لديهِ طَريقٌ واحدٌ للخلاص. فَهُوَ سيُبَرِّرُ الجميعَ بالإيمان. فاللهُ يُخَلِّصُ الجميعَ بالطَّريقةِ نَفسِها. وَهُوَ يَفعلُ ذلكَ دائمًا. فالخلاصُ هو دائمًا بالإيمان. وَهُوَ دائمًا بِمَعزِلٍ عنِ الأعمال. فهو إلَهٌ واحدٌ ولديهِ طريقة واحدة لجميعِ البشر.

فاللهُ لا يَتغيَّرُ البَتَّة، بل إنَّهُ ثابتٌ ثَباتًا مُطلَقًا. والصَّليبُ لم يَكُن طريقةً جديدةً للخلاص، بل إنَّهُ [ببساطة] سَتَرَ خَطايا كُلِّ المؤمنينَ في الماضي، وكُلَّ المؤمنينَ الَّذينَ سيأتونَ إليهِ في المستقبل بالإيمان. فكيفَ خَلُصَ نُوح؟ ارجِعوا ... ارجِعوا إلى نُوح. فَسِفْرُ التَّكوين يقول إنَّ نُوحًا وَجَدَ نِعمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. وكيفَ خَلُصَ مُوسَى؟ ارجِعوا إلى سِفْر الخروج فقد وَجَدَ مُوسى نِعمةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. وكيفَ خَلُصَ إبراهيم؟ إنَّ رُومية 4 يَتحدَّثُ عن ذلك إذْ نَقرأُ في العدد الثَّالث: "فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا". وهذا واضحٌ في سِفْر التَّكوين والأصحاح 15. وَهُوَ هكذا دائمًا: بالنِّعمةِ مِنْ خلالِ الإيمان. بالنِّعمةِ مِنْ خلالِ الإيمان. ففي العهدِ القديم آمَنوا بِكُلِّ ما أعلَنَهُ اللهُ. فَالمسيحُ لم يَكُنْ قد جاءَ بَعْد، ولكنَّهم آمنوا بِكُلِّ ما أعلَنَهُ اللهُ. والشَّيءُ نَفسُهُ يَحدُثُ في العهدِ الجديد؛ أيْ بعدَ مَجيءِ المسيح. فلا يوجد شخصٌ خَلُصَ أوْ يَخلُص أو سيَخلُص يومًا بأيَّة طريقة أخرى غير الإيمان إذْ إنَّ اللهَ يُسْبِغُ بِنِعمَتِهِ الغُفرانَ مِنْ خلالِ ذبيحةِ ابنِهِ الَّتي تَستُرُ خطايا الخُطاةِ قبلَ مَجيئِهِ وبعدَ مَجيئه. لِذا فإنَّ الصَّليبَ [مِن مَنظورِ اللهِ] يُعلِنُ عَدْلَهُ، ويُعَظِّمُ نِعمَتَهُ، ويُظهِرُ ثَباتَهُ.

وأخيرًا [وهذه نُقطة غَنيَّة]: إنَّهُ يُثَبِّتُ نَاموسَ اللهِ. ... يُثَبِّتُ نَاموسَ اللهِ (في العدد 31). فسوفَ يقولُ قَوْمٌ مِنَ اليهود: "حسنًا! ما دامَ الخلاصُ بالنِّعمة بالإيمان، لِنَنْسَ موضوعَ النَّاموس. فلا يوجد ناموس. فلو لم يَكُنِ الخلاصُ بالأعمال، فإنَّ النَّاموسَ بَاطِلٌ، وعديمَ المَعنى. إذًا لماذا فَعَلَ اللهُ كُلَّ هذا؟ لماذا أعطانا كُلَّ هذهِ التَّفاصيلِ المُختصَّة بالنَّاموسِ إنْ لم نَكُن نَخلُصُ بِحِفْظِ النَّاموس؟ إذًا، أَنُبْطِلُ النَّاموسَ؟" وَهُوَ يَقولُ: "مي غينويتو" (me genoito) أيْ: "لا، لا، لا، لا ... حَاشا!". على العَكسِ تَمامًا: "بَلْ نُثَبِّتُ النَّامُوسَ". ما الَّذي تَعنيه؟ لا بُدَّ أنَّ صَلْبَ المَسيحِ على الصَّليب ليدفعَ أُجرةَ الخطيَّة يُظهِرُ لكم مَدى جِدِّيَّةِ اللهِ بخصوصِ ناموسِه لأنَّهُ إنْ كانَ قد بَذَلَ ابنَهُ الوحيد لكي يَستوفي مَطالِبَ ذلك النَّاموس مِنْ خلالِ موتِهِ عنِ الخطيَّةِ، لا بُدَّ أنَّهُ سيَدفَعُ أُجرتَها. فناموسُهُ مُقَدَّسٌ. وناموسُهُ عادِلٌ. وناموسُهُ بارٌّ. وموتُ المسيحِ يُثبِتُ ذلك. فلا يوجد شيءٌ يَعكِسُ قَداسةَ ناموسِ اللهِ أكثرَ مِنْ موتِ المسيح. فناموسُ اللهِ هو الَّذي وَضَعَهُ هُناكَ لأنَّ كُلَّ انتهاكاتِ ذلكَ النَّاموسِ كانَ ينبغي أنْ تُسْتَرْضَى بِعِقاب. ولم يَكُن بمقدورِ اللهِ أنْ يَنتَهِكَ نَاموسَهُ أوْ نِظامَ العِقابِ الَّذي وَضَعَهُ هُوَ. لِذا فقد وَضَعَ المسيحَ على الصَّليب. وهكذا، مِنَ المؤكَّدِ أنَّ ناموسَ اللهِ مُقَدَّسٌ، وبارٌّ، وصالحٌ. وَهُوَ مُثَبَّتٌ بوصفِهِ المِعيارَ الَّذي ينبغي أنْ نَعيشَ بِمُوجَبِه.

وقد كانَ القَصدُ مِنهُ هو أنْ يُرينا الخطيَّة. وقد فَعَلَ ذلك. وقد كانَ القصدُ مِنهُ هو أنْ يُرينا نَموذَجَ اللهِ للحياةِ المُقَدَّسة. وَهُوَ يَفعَلُ ذلك. وتَحقيقُهُ [مِنْ جِهَةِ مَطلَبِ الموتِ] قد دُفِعَ مِنْ قِبَلِ المسيح. ومَطلَبُهُ [مِنْ جِهَةِ مَطلبِ الحياةِ] صارَ مُتاحًا مِنْ خلالِ الخلاص. فيا لَهُ مِنْ تأكيدٍ رائعٍ للنَّاموس! انظروا إلى الصَّليب. ففيهِ تَرَوْنَ عَدْلَ اللهِ، ونِعمةَ اللهِ، وثَباتَ اللهِ. وفيهِ تَرَوْنَ ناموسَ اللهِ. وكُلُّ هذا لِمَجدِهِ هُوَ. لِذا، لا عَجَبَ أنَّ المُصْلِحينَ قالوا: "سُولا غراتيا" (Sola Gratia)، "سُولا فيدي" (Sola fide)، "سُولي ديو غلوريا" (Soli Deo Gloria) ومَعناها: بالنِّعمة وَحدَها، بالإيمانِ وَحدَهُ، لِمَجدِ اللهِ وَحدِه. وقد كَتَبَ نَاظِمُ التَّرنيمة هذه الكلمات: "ما أروَعَ مُخَلِّصي! فَفيهِ تَجتَمِعُ كُلُّ مَراحِمِ اللهِ. ومَحَبَّتُهُ لن تَسقُطَ أبدًا. وَهُوَ يُحِبُّني".

فهذا، يا أحبَّائي، كَنْزٌ ثمين. فالخلاصُ [لا كما نَراهُ نحنُ، ولا كما تَراهُ الملائكة أوِ الشَّياطين، ولا حَتَّى كما يَراهُ المسيحُ؛ بل كما يَراهُ اللهُ] يَفتَحُ أمامَنا آفاقَ العبادةِ الَّتي تَقودُنا إلى تَقديرِ اللهِ وإجلالِهِ، وإلى التَّعبيرِ عن محبَّتِنا وأشواقِنا لإلهِنا العظيمِ على ما صَنَعَهُ لأجلِنا. دَعونا نَحني رُؤوسَنا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، لقد قالَ أحدُ الكُتَّابِ: "عندما أقفُ أمامَ عَرشِكَ، مُتَسَرْبِلاً بِجمالٍ ليسَ خَاصَّتي. وعندما أراكَ كما أنتَ، وأُحِبُّكَ بقلبٍ يَخْلو مِنَ الخطيَّة، حينئذٍ، يا رَبُّ، سأعلَمُ تَمامًا، وحينئذٍ فقط، كَمْ أنا مَدينٌ لَكَ". نحنُ نَعبُدُكَ، ونُسَبِّحُكَ، ونُعَبِّرُ عن مَحبَّتِنا ومَشاعِرِنا نَحوَكَ. ونحنُ نُعَظِّمُكَ على هذا الخلاصِ العظيمِ الَّذي دَبَّرتَهُ لنا.

فيما تَحنونَ رُؤوسَكُم قليلاً، إنْ لم تَكُن تَعرِفُ المسيحَ ولكِنَّكَ تَرغَبُ في أنْ تَقبَلَ الخلاصَ الَّذي يُقَدِّمُهُ، وغُفرانَ الخطايا، والحياة الأبديَّة، أرجو مِنْكَ أنْ تقولَ في سَكينَةِ قَلبِكَ: "يا رَبُّ، أنا أُوْمِنُ بيسوعَ المسيح. وأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ اللهُ المُتَجَسِّدُ الَّذي ماتَ على الصَّليبِ ليَدفعَ أُجرةَ خطايايَ، وقامَ ثانيةً مُقَدِّمًا تَرضيةً كاملةً. وأنا أَقبلُ هِبَةَ الخلاصِ باسمِهِ، وأترُكُ خطايايَ، وأُكَرِّسُ نَفسي لاتِّباعِهِ". صَلِّ هذه الصَّلاةَ. ويا ليتَ الخلاصَ الحقيقيَّ يَكونُ مِنْ نَصيبِكَ في هذا اليوم. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize