Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أنا مسرورٌ في هذا المساء وأتطلَّع إلى صَرْفِ وقتٍ أطول قليلاً لأنَّ في قلبي الكثير لأقوله بخصوص سِلْسِلَتِنا عن موضوع "أصْلِ الكَوْن". فمساء يوم الأحد الماضي، ابتدأتُ بالتحدُّث عن موضوع أصْل الكون. وفي هذا المساء أَوَدُّ أنْ أُتابع (في هذا الجزء الثاني) موضوع الخَلْق والإنجيل. وكما قُلت في المَرَّة السابقة، فإنَّ موضوع أصْل الكون مهمٌ جدًّا للتفكير البشريِّ، والسُّلوكِ البشريِّ، والحياةِ البشريَّة. فهو أساسُ وجُودِنا. وهو أساس الغاية مِنْ وجودنا. وهو أساس مصيرنا. فمِنْ دون فَهْمٍ صحيح لأصْل الكون، لا يمكننا أنْ نَفهمَ أنفُسَنا، ولا يمكننا أنْ نَفهمَ أرضَنا، أوْ عالمَنا، أوِ الغاية النهائيَّة لأيِّ شيء.

وهناك خِياران لا ثالث لهما حين يَختصُّ الأمرُ بأصْل الكون. وهذانِ الخِياران هُما: إمَّا أنَّ هناك إلهًا خالِقًا، وإمَّا أنَّه غير موجود. فهذان هما الخِياران الوحيدان. فإمَّا أنَّهُ يوجدُ إلهٌ خالِقٌ، وإمَّا أنَّهُ لا يوجد. وإنْ لم يُوْجَدْ إلهٌ خالِقٌ، فإنَّ كُلَّ شيءٍ قد نَشَأَ بِمَحْضِ الصُّدفة المُستحيلة، والبعيدة الاحتمال، وغير العَقلانيَّة. والمُعادلة الَّتي ذَكَرْتُها لكم في الأسبوع الماضي هي: ["لا أحد" × "لا شيء" = "كُلَّ شَيء"]. مِنْ جهة أخرى، إنْ كان هناك خالِقٌ عاقلٌ، أي إنْ كان هناك إلهٌ خالِقٌ، فإنَّ الخَلْقَ شيءٌ قابلٌ للفهم. فهو مُمْكِنٌ، ومُحتَملٌ، وعقلانيٌّ. وحتَّى إنَّ أولئكَ العُلماء الذين تركوا بصمةً على العالم العلميِّ (أيْ أولئك الذين يُفكِّرون بصدقٍ ويُقدِّمون أراء نزيهة بخصوص أصْل الكون) يقولون لكم إنَّه لا بُدَّ مِنْ وجود خَالِقٌ عاقِلٌ. وحتى إنَّ "آينشتاين" قال ذلك.

ومؤخَّرًا، كَتَبَ العالِم المعروف الذي يُدَرِّسُ في جامعة "ليهاي" (Lehigh University) بولاية بِنسلفانيا (Pennsylvania) كتابًا بعنوان "صُندوق داروين الأسود" (Darwin’s Black Box). وهو عَالِمٌ. وهو ليس مَسيحيًّا. ولكنَّه يقول في الحقيقة: "يا أصدقائي لقد انتهتِ اللُّعبةُ وانكشفتِ الخُدَعَة. فلا يوجد تفسيرٌ لهذا الكون بِمَعْزِلٍ عن وجود خالِقٍ عاقل. فهذا هُوَ الشيء الوحيد المعقول. فقد اكتفى داروين بِشَرْحِ الكونِ على أساس الشَّكْلِ الخارجيِّ. ولكنْ كُلَّما تَعَمَّقَ العِلْمُ أكثر، اضْطُرَّ إلى الاستنتاجِ بأنْ هناك إلهًا خالِقًا. فوراء هذا الكون المُعقَّد يوجد خالِقٌ عاقلٌ وقديرٌ وأزليٌّ لا يمكننا أنْ نستوعبه خَلَقَ كُلَّ شيء. وهذا هُوَ الشيء الوحيد المعقول. والحقيقة هي أنَّ نظريَّة التطُّور بجميع صِيَغِها ليست معقولة".

والسؤال الذي يَطرحُ نفسَهُ الآن هُوَ: إنْ كان هذا الكونُ مَخلوقًا مِنْ قِبَلِ اللهِ الخالِقِ الذي يمْلِك ذكاءً مُطلقًا وقدرةً مُطلقةً، كيف يمكننا أنْ نَعرفَ أيَّ شيءٍ عن هذا الإله؟ فكيف يمكننا أنْ نَعرف مَنْ هُوَ، وكيف خَلَق الكون؟ هناك إجابةٌ واحدة وهي أنَّنا نستطيع فقط أنْ نَعرفَ عنه وعن كيفيَّة خَلْقِه للكون إنْ شاءَ هُوَ أنْ يُخْبِرنا بذلك. فهذه هي الطريقة الوحيدة لِمعرفة ذلك. وهل فَعَل ذلك؟ أجل، لقد فَعَل. والحقيقة هي أنَّه أعْلَن ذلك مِنْ خِلال سِتَّةٍ وسِتِّينَ سِفْرًا يُعْلِنُ فيها عن ذاته. ويتضمَّن ذلك الإعلانُ الذي أَعلنَهُ الله عن ذاتِهِ وَصْفًا واضحًا جدًّا لكيفيَّة خَلْقِه الكون.

فعلى سبيل المثال، في المزمور 19، يَكتُب المُرَنِّم هذه الكلمات المألوفة: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَمًا، وَلَيْلٌ إِلَى لَيْل يُبْدِي عِلْمًا". بعبارةٍ أخرى، طَوالَ النَّهارِ واللَّيل، فإنَّ كُلَّ شيءٍ في الكَون يُخْبِرُ عنِ اللهِ الخالِق. "لاَ قَوْلَ وَلاَ كَلاَمَ. لاَ يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ". بعبارةٍ أخرى، إنَّهُ إعلانٌ صامِتٌ، ولكنَّهُ إعلانٌ جَلِيٌّ. انظروا وحَسْب إلى الخليقة، وانظروا إلى الكَوْن، وانظروا إلى السَّماواتِ واتِّساعِها، وإلى كُلِّ شيءٍ خَلَقَهُ اللهُ. فَسواءٌ في النَّهارِ أوِ اللَّيل، فإنَّ ذلكَ واضحٌ. وَهُوَ يقول: "فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ". فباستطاعة أيِّ شخص في العالم أنْ يَنظر إلى الكَوْن وأنْ يَرى البُرهانَ الخَلْقِيَّ على وجودِ إلَهٍ خالِق.

ويُتابِعُ المُرَنِّمُ حَديثَهُ عن حقيقة أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ وَ "جَعَلَ لِلشَّمْسِ مَسْكَنًا فِيهَا. وَهِيَ مِثْلُ الْعَرُوسِ الْخَارِجِ مِنْ حَجَلَتِهِ. يَبْتَهِجُ مِثْلَ الْجَبَّارِ لِلسِّبَاقِ فِي الطَّرِيقِ. مِنْ أَقْصَى السَّمَاوَاتِ خُرُوجُهَا، وَمَدَارُهَا إِلَى أَقَاصِيهَا، وَلاَ شَيْءَ يَخْتَفِي مِنْ حَرِّهَا". فهو يَنتقي ذلكَ الجُرْمَ الواحد، أيْ ذلك الجُرْمَ السماويَّ في هذا الكون الفسيح وهو الجُرْم السماويّ الذي يقوم بأهَمِّ دَوْرٍ في حياتِنا، والجُرْم الأقرب إلينا مِنْ جِهَةِ الكواكِب، والجُرْم الذي له أعظم تأثيرٍ في حياتِنا، والجُرْم الذي يُؤثِّر فينا (أي الشَّمس – أجل، الشَّمس بِكُلِّ تأكيد). وهو يقول عنِ الشَّمس إنَّها تَدورُ في مَدارِها مِنْ أقصى السَّماواتِ إلى أقاصيها، وإنَّه لا يوجد شيء في الكون المَخْلوق يختفي مِنْ حَرِّها. وهذا واحدٌ مِنَ الأشياء الَّتي اكتشفها العِلْمُ في الأزمنة الحديثة؛ وهو أنَّ الشمس تدور في مَدَار. ونحن نتحدَّث عن الشمس بوصفها مَرْكِز نِظَامنا الشمسيّ إذْ إنَّ كُلَّ شيءٍ يَدورُ حولَها. ولكنْ يجب عليكم أنْ تَعلموا أنَّ العِلْمَ اكتشفَ أنَّ للشَّمسِ نفسَها مَدَار، وأنَّ هذا المَدار يدور مِنْ أقْصى الفضاء اللَّامُتناهي إلى أقصاه اللَّامُتناهي. فالشمس تَدور وتجذِب النظامَ الشمسيَّ كُلَّه معها. فهي ليست ثابتة، والأشياء الَّتي تدور حولها ليست ثابتة. لذلك فإنَّ المُرنِّم يقول إنَّه يُمْكِنُكُم أنْ تنظروا إلى أعلى، ويمكنكم أنْ تنظروا إلى الكون وأنْ تنظروا إلى الخليقة، وأنْ تَجِدوا شَهادةً واضحةً على مَجْد اللهِ، وعلى جَلالِ ذَكَائِهِ، وعلى عَظَمَةِ قُدرته إذْ إنَّه خَلَقَ هذا كُلَّه.

وفي عِبرانيِّين 1 (في الجُزْءِ الأخيرِ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ) نقرأُ أنَّ اللهَ "بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِين". فعبرانيِّين 1 يقول إنَّ اللهَ خَلَقَ العَالَمِين. والمزمور 19 يقول إنَّ اللهَ خَلَقَ الكون. وعبرانيِّين 1 يقول إنَّ اللهَ خَلَقَ العالم. والطريقة الوحيدة الَّتي يمكننا مِنْ خِلالها أنْ نعرف ذلك هي أنْ يُخْبرنا اللهُ بذلك. فنحن طَبيعيُّون، ولكنَّ اللهَ خارقٌ للطبيعة. والطبيعيُّ لا يَستطيع أنْ يَستوعب الأمور الخارقة للطبيعة. لذلك لا يمكننا مِنْ تِلْقاء أنْفُسِنا أنْ نجد الله ولا أنْ نكتشِّف الله. فنحن محصورون في عالمٍ يتألَّف مِنْ زمانٍ ومكان، ولا يمكننا أنْ نزحف خارج هذا العالم إلى الكونِ السَّرمديِّ ونَكتشفَ الأمور الَّتي هي خارج نطاق استيعابِنا. فالأشياء الوحيدة الَّتي نعرفها عن الله هي تلك الأشياء الَّتي أخبرنا عنها. وهذا هُوَ السَّبب في أنَّه أعطانا الكتاب المقدَّس.

ونقرأ في رسالة تيموثاوس الأولى والأصحاح الثالث (عُذرًا - في رسالة تيموثاوس الثانية والأصحاح الثالث) نَقرأُ هذه الكلمات المألوفة جدًّا بالنِّسبةِ إلينا: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ الله" (2تيموثاوس 3: 16) ... "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ الله". فاللهُ هو الَّذي أَوْحى بِهِ. لِذا فإنَّهُ كَلِمَتُه. ونقرأ في رسالة بُطرس الثانية والأصحاح الأوَّل: "عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس". فالمَصدر الوحيد للمعرفة الَّتي لدينا عن الله هي الكتاب المقدَّس. والدليل الخارجيّ على وجود الله موجود في الخليقة. فنحن نستطيع أنْ نَعرفَ عنِ اللهِ مِنْ خِلالِ الخليقةِ، ولكننا لا نستطيعُ أنْ نَعرفَ اللهَ نفسَهُ إلاَّ مِنَ الكتابِ المُقَدَّس. فيمكننا أنْ نعرف كُلَّ ما خَلَقَهُ اللهُ حين ننظرُ إلى الخليقةِ مِنْ حولِنا. ومِنَ المنطقيِّ أنْ نَفترضَ أنَّه كان هناك خالق. ولكننا لا نستطيع أنْ نعرف كيف خَلَقَ الكونَ إلَّا إذا أَعْلَنَ ذلك لنا. لذلك فإنَّنا نستطيع أنْ نعرف بعض الأشياء مِنْ خِلال ما يُسمِّيه اللَّاهوتيُّون: "الإعلان الطبيعيّ". ولكنْ لكي نَعرفَ اللهَ نفسَهُ، ونعرفَ كيفَ خَلَقَ الكَوْنَ، وكيفَ يَعملُ، وكيف يُخَلِّصُ، يجب علينا أنْ نَحصُلَ على إعلانٍ خاصٍّ وهو الكتاب المقدس - ولا شيءَ غير الكتاب المقدس.

بعد أنْ فَهِمنا ذلك، لنرجِع إلى سِفْر التَّكوين والأصحاح الأُول. فعندما ابتدأَ اللهُ الكتابَ المقدس بوصفه إعلانًا عن نفسِه، ابتدأ منذ البداية. فقد ابتدأ بقصَّة الخَلْق. فقد ابتدأ بإخْبارِنا عن كيف أنَّه خَلَق الكون. فنحن نقرأ في العدد الأول مِنْ تكوين 1: "في البَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ". ثُمَّ إنَّه يُقدِّمُ لنا في الأصحاح الثَّاني والعدد الرابع وصفًا دقيقًا ومُحَدَّدًا لكيفيّة خَلْقِهِ للكون. وهذه هي بداية سِفْر التَّكوين. ولكنَّه لا ينتهي هنا. فسفر التَّكوين هُوَ سِفْر "الأُصول". ولكي أُبيِّن لكم أهميَّة سِفْر التَّكوين، اسمحوا لي أنْ أُخبركم عن نِطاق "الأُصول" الموجودة في الإعلان المذكور في هذا السِّفْر فقط.

وبالمُناسبة، فإنَّ الكلمة "تَكوين" تعني: "أُصُول" أو "بِدايات". وفي سِفْر التَّكوين تجدون العديد مِنَ البدايات والعديد مِنَ الأصول. أوَّلاً (وهي نقطة ذَكَرْتُها للتوّ) فإنَّكم تجدون أصْل الكون. وما جاء في تكوين 1: 1 ليسَ لهُ مَثيل في كُلِّ الأدَبِ، وفي كُلِّ العِلْمِ، وفي كُلِّ الفلْسَفة. فكلُّ نظامٍ آخر عن نشأة الكون أو يَشرح الكونَ (سواءٌ في الأساطير الدينيَّة القديمة أو النماذج العلميَّة الحديثة) يَبتدئ بمادة أزليَّة أو طاقة أزليَّة بشكلٍ مِنَ الأشكال. ولكنَّ سِفْر التَّكوين هُوَ الوحيد الذي يبتدئ باللهِ الأزليِّ. لذلك فإنَّ سِفْر التَّكوين هُوَ سِفْر أصْل الكون.

ثانيًا، نجد في سِفْر التَّكوين أصْل النظام والتعقيد. فنظرة الإنسان الكونيَّة لِعالَمِه هي أنَّه عالمٌ مُنَظَّم. فهو يَعمل وَفْقًا لقوانين ثابتة. وهو معقَّد جدًّا. والنظام والتعقيد لا يظهران البَتَّة عَفْويًّا. بل إنّهما ينشآن دائمًا لِعِلِّة سابقة مُبَرْمَجَة بهدف إنتاج النِّظام والتعقيد في آنٍ واحد. وفي سِفْر التَّكوين، نَلتقي اللهَ الذي بَرْمَجَ النظام والتعقيد في الكَوْنِ الَّذي خَلَقَهُ. ونجد أيضًا في نظام التَّكوين أصْل النظام الشمسيّ. ففي وسط هذا الكون الفسيح اللَّامُتناهي، خَلَقَ اللهُ نظامًا شمسيًّا. فالأرض والشمس والقمر والكواكِب وكل النجوم في السماء وُجِدَت مِنْ قِبَل الخالِق. فنحنُ نقرأ أنَّه خلقها جميعًا.

رابعًا، يُخْبرنا سِفْر التَّكوين عن أصْل الغِلافِ الجَوِّيِّ والغِلافِ المائيّ. فالأرضُ مُجَهَّزة تمامًا بكميَّة هائلة مِنَ الماء السائل وطبقة هائلة مِنْ مزيجٍ غازيٍّ مِنَ الأكسجين والنيتروجين؛ وكلاهما ضروريٌّ للحياة. وهذه العناصر لا تظهر حول أيٍّ مِنَ الأجْرام السماويَّة الأُخرى أو أيٍّ مِنَ الكواكِب الأُخرى. وهذا يعني أنَّها خُلِقَتْ تحديدًا مِنَ قِبَلِ اللهِ لتوفير بيئةٍ للحياة البشريَّة.

ونجد أيضًا في سِفْر التَّكوين أصْل الحياة وعمليَّة التَّكاثُر المُدْهِشة. والتعقيدُ المُطْلق تقريبًا في النظام الوراثيّ للنباتات والحيوانات لا يمكن تفسيره بمعزلٍ عن وجود خليقة خاصة خَلَقها خالِقٌ عظيم، وخارقٌ للطبيعة، وقديرٌ، وعاقِل.

وهناك نقطة سادسة مهمَّة جدًّا وهي أنَّ سِفْر التَّكوين يُخْبرنا عن أصْل الإنسان. فالإنسان هُوَ المخلوقُ الأكثر تنظيمًا وتعقيدًا في الكون. والإنسان هُوَ النموذج الأكثر تعقيدًا وتنظيمًا. فهو يَمْتلِك ليس فقط تركيبات كيمياويَّة وجسديَّة معقَّدة ولا حصْر لها تتمثَّل في قُدْرته الهائلة على الحياة والتناسُل، بل إنَّ هُناكَ (خارج ذلك الجزء الجسديّ مِنَ الإنسان) طبيعة تستطيع أنْ تستوعِب الجمال والمحبَّة والعِبادة، وتستطيع أنْ تَفهمَ معناها وأنْ تتأمَّلَ فيها. والوعيُ الذاتيُّ يُميِّزُ ويَفْصِلُ الإنسانَ عن بقيَّة النظام المخلوق. والسِّجِلُ الحقيقيُّ لِخَلْق الإنسان لا يوجد إلاَّ في سِفْر التَّكوين.

ونجِد أيضًا في سِفْر التَّكوين أصل الزَّواج. فمؤسسة الزَّواج والبيت المعروفة في كل العالم (بوَصْفِها مؤسسة مستقرَّة قائمة على أُحاديَّة الزواج وسُلْطة الأب والثقافة الاجتماعيَّة) هي مؤسَّسة مذكورة وموصوفة في سِفْر التَّكوين كمؤسَّسة أَوْجَدَها الخالِق. أَمَّا تَعَدُّد الزوجات والأزواج، وقَتْل الأطفال، والمجتمعات القائمة على سُلْطة الأم، والفوضى الجنسيَّة، والطلاق، والإجهاض، والجنسيَّة المِثْليَّة، وكلُّ الفساد الذي ظَهَر لاحقًا بعد السقوط، فإنَّه يُفْسِدُ نظام الله الأصليّ.

ونجد أيضًا في سِفْر التَّكوين أصْل الشَّرّ. فأصْلُ الشَّرِّ الماديِّ والأخلاقيِّ في الكون مُفَسَّرٌ في سِفْر التَّكوين بوصفه تَطَفُّلاً مؤقتًا على عالم الله الكامل؛ وهو أمرٌ سَمَحَ اللهُ به بهدف تطبيق مبدأ حريَّة الإنسان ومَسؤوليَّته، وأيضًا بهدف إعلان نفسِهِ بوصفه فادي الخُطاة والخالِق. تاسعًا، نجِد في سِفْر التَّكوين أصْل إدانة الشَّرّ؟ فكُلُّ أشكال غضب الله مذكورة وموضَّحة في سِفْر التَّكوين.

عاشرًا، نجِد أيضًا في سِفْر التَّكوين أصْل الخلاص بالنِّعْمة مِنْ خلال رحمة الله والكفَّارة البديلة. فهذا كُلُّه مذكور في سِفْر التَّكوين، وهو يبتدئ بالظهور حين يُظْهِر الله رحمته لآدم وحوَّاء مِنْ خلال عدم قتله لهما بالرَّغمِ مِنْ أنهما استحقَّا الموت على خطيئتِهما. ثُمَّ إنَّ الله أَوْجَد نظامًا للذبائح الحيوانيَّة تَرْمِز إلى البديل الذي سيحِل محل الخُطاة، وهو عملُ رَحمةٍ ونِعْمَةٍ مِنْ قِبَلِ الله. وحتَّى إنَّ خُطَّةَ الفِداء التي تقود إلى مجيء المَسيح مُشارٌ إليها حين يتحدَّث سِفْر التَّكوين عن نَسْل المرأة - وهو النَّسْل الذي زَرَعَهُ اللهُ في مريم؛ أيِ المسيَّا المُخَلِّص.

وفي سِفْر التَّكوين، نجِد أيضًا أصْل اللُّغات. ولِعِلمكم، فإنَّ هذا الأمرَ هو واحدٌ مِنَ الأشياء التي تُبْكِمُ أنصارَ نظريَّة التطوُّر طَوَال الوقت. فقد كنتُ أقرأ في مجلَّة "نيوزويك" (Newsweek) هذا الأسبوع عن محاولة تبرير تَطَوُّر القِرَدة إلى بَشَر - لا فقط مِنْ جهة التغييرات الجسديَّة فحسب، بل أيضًا مِنْ جهة تَطَوُّر اللُّغة. فكيف يمكنك أنْ تُبَرِّرَ الانتقالَ مِنَ الصُّراخِ وإصْدارِ أصواتٍ غير مفهومة إلى التَّكَلُّم بلُغة بشريَّة. وقد كانت صحيفة "نيوزويك" تحاول أن تَنشُر مقالةً تُجيب فيها عن ذلك. وقد كانت هذه المقالة غريبة، وعديمة الفائدة، وغير قابلة للتَّصديق. فالهُوَّة بين الحيوانات غير العاقلة (التي تُصْدِرُ أصواتًا غريزيَّة) والتَّواصُل العاقل والمُجرَّد والرمزيّ بين البَشَر هي هوَّة سحيقة جدًّا لا يمكن جَسْرُها مِنْ خلال أي عمليَّة تطوُّر. ويُخبرنا سفر التَّكوين لا عن أصل اللُّغة عامةً فحسب (أي إنَّهُ يُخبِرُنا لا فقط أنَّ الله يَتخاطَبُ مع خليقته وأنَّه خَلَقَ الإنسانَ على صورته وجعله قادرًا على التخاطُب)، بل إنَّ سِفْر التَّكوين يُخْبِرُنا أيضًا كيف أنَّ الله أعطى الإنسان القدرة على التَّواصُل. وَهُوَ يخبرنا أيضًا كيف أنَّ اللُّغات العديدة ظهرت بسبب دينونة الله في حادثة بُرْج بابِل. وهذا مذكورٌ في سِفْر التَّكوين أيضًا. أَمَّا النقطة الثانيَّة عشرَ فإنَّنا نجد في سِفْر التَّكوين أصْل الحكومات، أي نشأة الأنظمة المنظَّمة للحكومة البشريَّة بهدف الحفاظ على البُنَى الاجتماعيَّة المنظَّمة مِنْ خلال نِظام القانون والعِقاب.

ونجد أيضًا في سِفْر التَّكوين أصْل الثقافة. فيمكنكم أنْ تجدوا هنا أمورًا مثل التَّمَدُّن، وصِناعة التَّعدين، والموسيقا، والزراعة، وتربيَّة الحيوانات، والكتابة، والتعليم، والإبحار، وصناعة الأنسجة والخَزَف. فكُل ذلك يبتدئ في سِفْر التَّكوين. وتجدون في سِفْر التَّكوين أصل الأُمم؛ وهو أمرٌ مذكور أيضًا في قصَّة بُرج بابِل إذْ إنَّ اللهَ أخذَ أبناءَ ذلكَ الجِنْس الواحد وشَتَّتَّهم في جميع أنحاء العالم. وهذا هو المصدر الوحيد الذي يمكنكم أنْ تعرفوا مِنْ خلاله كيف صارت هُناكَ شعوب عديدة مُشتتَّة في جميع أرجاء الأرض، ولها لُغات وثقافات مُتعددة.

ونجِد في سِفْر التَّكوين أصْل الدِّين. فالدِّيْنُ الحقيقيُّ والدياناتُ الزائفةُ تظهر أوَّلاً في سِفْر التَّكوين مِنْ خِلال الأنظمة المُنَظَّمة للعِبادة والسُّلوك. فهو يتحدَّث عن أصْل صِفَة الإنسان الفريدة، أيْ عن ضَمير الإنسان وقُدْرته على استيعاب الله وعلى وَضْعِ نِظامٍ يَتجاوب مِن خلاله مَعَ اللهِ الَّذي يُؤمِنُ بوجوده. وهذا كُلُّهُ يَظهرُ في سِفْر التَّكوين.

وهناك نقطة أخرى مُهمَّة أيضًا (وهي النقطة 16 في لائحتي) إذْ نَجِدُ أَصْلَ الشَّعب المُختار، أيْ إسرائيل، وَهُمُ القَنَاةُ الَّتي اختارَها اللهُ لتوصيل إعلانه إلى العالمِ كُلِّه. فقد كانَ إسرائيلُ هُوَ شعبُ اللهِ الذين أعطاهُم إعلانَهُ والذين جاء مِنْ خِلالِهم عَهْدَهُ المُخلِّص (في تكوين 12) إلى إبراهيم.

فعندما نتحدَّث عن "الأصول" ينبغي أنْ تَرْجِعوا إلى سِفْر التَّكوين. فهذا هُوَ سِفْر الأصول. واسمحوا لي أن أُعيدَ تلخيص ذلك (كما فَعَلْتُ يوم الأحد الماضي). فإمَّا أنَّكَ تؤمن بسفر التَّكوين، وإمَّا أنَّكَ لا تُؤمن به. إنَّ الأمر بهذه البساطة. فإمَّا أنَّكَ تؤمن بما يقوله سِفْر التَّكوين عن كُلِّ هذه الأصول، وإمَّا أنَّكَ لا تؤمن بذلك. وهذا يعني أيضًا: إمَّا أنَّكَ تؤمن بقصَّة الخَلْق الواردة في تكوين 1 و 2 وإمَّا أنَّكَ لا تؤمن بها. وإنْ لم تكُن تؤمن بقصَّة سِفْر التَّكوين، لا يَسَعُني إلَّا أنْ أقولَ لكَ إنَّك لا تَمْلِكُ أيَّ أَمَلٍ في مَعرفةِ الحَقّ. فأنتَ لنْ تكتشف ذلك. وحَتَّى إنَّ العلماءَ غير المؤمنين لنْ يكتشفوا ذلك. فإمَّا أنَّكَ تُؤمِنُ بسفر التَّكوين، وإمَّا أنَّكَ لا تؤمن به.

والشيء الَّذي لا يُحْتمل البتَّة هُوَ أنْ تقول إنَّك تُؤمن بالكتاب المقدس ولكنك لا تؤمن بقصَّة الخَلْق الواردة في قصَّة التَّكوين. أو ربما تؤمن بقصَّة التَّكوين، وتؤمن بأصل الخطيَّة، وربما تؤمن بما جاء فيه ابتداءً مِنَ الأصحاحِ الثَّالثِ فَصَاعِدًا، أو ربما لم تتخذ قرارًا بهذا الخصوص لأنَّك لا تؤمن حقًّا بوجود آدم حقيقيّ وحوَّاء حقيقيَّة. ولكنك في هذه الحالة تُواجه مشكلةً صغيرةً لأنَّ يسوعَ قال: "لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الجَمِيعُ، هكَذَا فِي المَسِيحِ سَيُحْيَا الجَمِيعُ". وقد كان المَسيحُ حقيقيًّا. لذلك، يمكنكَ أنْ تَثِق أنَّ آدمَ كانَ حقيقيًّا. وفي حال أنَّك لا تؤمن بوجود آدم حقيقيّ، ربما لا تُعَبِّر عن إيمانِك إلَّا ابتداءً مِنَ الأصحاح السَّادِسِ فَصاعدًا. أيْ رُبَّما تؤمن بالطوفان. وربما لا تؤمن بذلك، بل تؤمن بقصَّة بُرْج بابِل المذكورة لاحقًا في الأصحاح الحادي عشر. أو ربما لا تؤمن بذلك. وربما لا تُعَبِّر عن إيمانك إلاَّ عندما يَبتدئ الحديث عن إبراهيم في الأصحاح الثاني عشر. وهذا أمرٌ سخيفٌ جدًّا. أليس كذلك؟ فمَنْ أنت لِتَحْكُم على الكتاب المقدَّس؟

والحقيقة هي أنَّني لن أَقَعَ يومًا في فَخِّ محاولة إثبات أنَّ سِفْر التَّكوين صحيح مِنْ خلال العِلْم. بل إنَّني سأكتفي بإعلانِ ما يقوله سِفْر التَّكوين وَجَعْلِ العِلْم يَحني رُكْبَتَيْه لذلك التفسير. وكما سترون، فإنَّه سيفعل ذلك. فكُل ما يمكنكم أنْ تعرفوه عن كيفيَّة خَلْق اللهِ للعالم هو ما قاله. فهذا هو كُلُّ ما يمكنكم أنْ تعرفوه. وإنْ لم تؤمنوا بما قاله عنِ الخليقة، ما هي الأرضيَّةُ التي ستَقِفون عليها في إيمانِكم ببقيَّة الكتاب المقدَّس.

وماذا عن النهاية؟ فهل تَعلمون كيف ينتهي تاريخ الفِداء؟ وهل تَعلمون كيف تنتهي قصَّة البشريَّة بأسرها؟ إنَّها تنتهي (بحسب ما جاء في رسالة بطرس الثانيَّة) عندما "يُبْطِلُ" الرَّبُّ خَلْقَ الكون. وأنا أُحِبُّ أنْ أَستخدمَ هذه الكلمة. فسوف تَنْحَلُّ العناصِرُ بِفِعْلِ الحرارة الشديدة. فسوف يحدُث بما يُشْبِه الانفجارَ الداخليَّ بالمعنى الحرفيِّ إذْ إنَّ التَّركيبَ النَّوَوِيَّ (أوِ التركيبَ الذَّرِّيَّ) للكون سينقلب حَرفيًّا وكُلِّيًّا ضِدَّ وُجُودِهِ ويَتسبَّب في زَوالِه حينَ يُبْطِلُ اللهُ خَلْقَ العالمِ إذْ إنَّ العناصرَ سَتَذوبُ بحرارةٍ شديدةٍ في تلك الحادثةِ التي تُشْبِهُ المَذبحةَ النَّوَوِيَّةَ التي تُنهي تاريخ البشريَّة.

ثُمَّ نقرأ بعد ذلك مباشرةً في سِفْر الرُّؤيا أنَّه يَخْلِقُ ماذا؟ سماءً جديدةً وأرضًا جديدة. واسمحوا لي أنْ أطرح عليكم هذا السؤال. هل تؤمنون أنَّه قادرٌ أنْ يفعل ذلك؟ أم أنَّ ذلك سيتطلَّب عمليَّة تَطَوُّر أُخرى تَستغرق مِليارات السِّنين لِظهورِ السماءِ الجديدة والأرض الجديدة؟ فهل سيَستغرقُ الأمرُ مِليارات السِّنين لِظهور السماء الجديدة والأرض الجديدة؟ أم أنَّكم تؤمنون حقًّا أنَّ اللهَ قادرٌ أنْ يقومَ بذلك بكلمة مِنْه - أيْ أنْ يَقولَ: "كُنْ" فَيَكون؟ فإنْ كنتم تؤمنون بذلك، ما هي مُشكلتكم مع سِفْر التَّكوين؟ فإنْ كان اللهُ قادرًا أنْ يُزيلَ الكون كُلَّهُ في جُزْءٍ مِنَ الثانيَّة، وإنْ كان قادرًا أنْ يُزيلَ كُلَّ شيء، وإن كان قادرًا أنْ يَطْوي السَّماءَ كَما تُطْوى لفافَة مِنْ وَرَق في الضِّيقة العَظيمة، وأنْ يُعيدَها في زَمَنِ الملكوت، وأنْ يُبْطِلَ كُلَّ ذلك تمامًا في نهايةِ الألفِ سنة - إنْ كان قادرًا على القيام بهذا كُلِّهِ، لا أَدري سَبَبَ عدم قُدرتكم على تَصديق أنَّه خَلَقَ كُلَّ ذلك في ستَّة أيَّام. وكما تَرَوْن، فإنَّ تأثيرات رَفْضِ قِصَّةِ التَّكوين خطيرة.

وأرجو أنْ تسمعوني لأنَّ ما سأقوله مهمٌّ جدًّا: لا يوجد مُبَرِّر لإنكار قِصَّة الخَلْق في ستَّة أيَّام. فلا مُبَرِّرَ لذلك. فقد أَذْعَنَّا لنظريَّة التطوُّر دون سبب. فالعِلْم لا يَعرف أيَّ شيءٍ عن ذلك. والعِلْمُ لا يُثْبِتُ أيَّ شيءٍ يُناقِض قِصَّةَ الخَلْقِ في ستَّة أيَّام – البتَّة! والحقيقة هي أنَّهُ كُلَّما تَقَدَّمَ العِلْمُ فإنَّهُ يَشْهَدُ بنفسه أنَّ نظريَّةَ التطوُّر سخيفة وأنَّها تَزدادُ سُخْفًا بمرور الوقت. ومِنَ المُهِمِّ أنْ تُدرِكوا ذلك لأنَّنا أَذْعَنَّا للعُلماءِ وقتًا طويلاً. وقد حانَ الوقتُ للتوقُّف. وإنْ أَردتُم أنْ تَقرأوا المزيدَ عن هذا الموضوع، يمكنكم أنْ تَقرأوا كِتاب "فيليب جونسون" (Philip Johnson) بعنوان: "مُحاكَمَة داروين". فهو يَهْدِمُ تمامًا وُجهات النَّظر العِلميَّة.

إنَّ المسيحيِّينَ يَقبلونَ حَرفيًّا التَّفسيرات العِلميَّة للأُصول؛ وهي تفسيرات ناجمة عنِ التَّحَيُّز لنظريَّة التَّطَوُّر كما لو أنَّها تفسيرات مُثْبَتَة، وكما لو أنَّه يجب على الكتاب المقدَّس أنْ يُذْعِنَ لهذه التَّفسيرات لأنَّ خَلْقَ الكَوْنِ في ستَّة أيَّام ليسَ مُمْكنًا عِلميًّا. وهذا غير صحيح البَتَّة. ولكِنَّ النَّتائجَ صَاعِقَة.

فعلى سبيل المِثال، فإنَّ كُليَّة اللَّاهوت "ماستر كوليدج" (Master’s College) هي عُضوٌ في رابطة الكُليَّات المسيحيَّة (Christian College Coalition)، وهي رابطة تَضُمُّ الكُليَّات المسيحيَّة في جميع أنحاء أمريكا، وهي نحو 110 كُلِّيَّات. ومِنْ أصل هذه الكُلِّيَّات المئة والعشرة الَّتي تَضُمُّها هذه الرَّابطة، فإنَّنا نَعْرِف سِتَّ كُلِّيَّاتٍ فقط تُؤمن بقصَّة الخَلْق كما وَرَدَتْ في سِفْر التَّكوين – سِتَّ كُلِّيَّاتٍ فقط مِنْ أصل مِئة وعشرة كُلِّيَّات! وهذا عدد ضئيل جدًّا. فأغلبيَّة القادة المسيحيِّين والتَّربويِّين المسيحيِّين سَمَحوا (بدرجات مُتفاوتة) بِحَشْوِ مَا تقولُهُ نظريَّة التَّطوُّر بين سُطور سفر التَّكوين. فأغلبيَّةُ القادة المسيحيِّين قَبِلوا النَّظريَّة القائلة إنَّ عُمْرَ الكَوْن هو مِليارات السِّنين.

ولكنْ مِنَ الواضح مِنْ خلال كلمات الكتاب المقدَّس أنَّ اللهَ خَلَقَ الكونَ في ستَّة أيَّام حرفيَّة. ولا يستطيع القادة المسيحيُّون أنْ يُنْكِروا أنَّ هذا هو ما يقوله الكتاب المقدَّس لأنَّ هذا هو ما يقوله. ويمكنكم أنْ تُتَرْجِموا النَّصَّ كما شِئْتم لأنَّ ذلك لنْ يُغيِّر شيئًا. فالكلمة "يُوْم" (yom) تعني: "يَوْم"، وهناك ستَّة أيَّام للخَلْق. ولكنهم يؤمنون أنَّ العُلماءَ تمكَّنوا (بطريقةٍ ما) مِنْ إثباتِ أنَّ عُمْرَ الأرضِ لا بدَّ أنْ يكونَ مِليارات ومِليارات ومِليارات السِّنين. لذلك فإنَّهم يؤمنون أنَّه ينبغي لنا أنْ نَرْجِع إلى سِفْر التَّكوين وأنْ نُصَحِّحَ النَّصَّ. وبذلك فقد سَمَحوا بزعزعة سُلطان الكتاب المقدَّس. أليس كذلك؟ وهذا أمرٌ خطير. فإنْ كانت كلمات الكتاب المقدَّس تعني ستَّة أيَّام، واستَنْتَجْتُم أنَّ ما يُسَمَّى "عِلْمًا" يقول إنَّ ذلكَ ليس صحيحًا، فإنَّ هذا يَعني إنَّكم تقولون إنَّ العِلْمَ صَحيحٌ وإنَّ الكتابَ المقدَّسَ خاطئ. وإنْ لم يكُن بمقدورِكَ أنْ تَثِقَ بكلماتِ سِفْر التَّكوين، مَتى ستَبتدئ في الثِّقة بالكتاب المُقدَّس؟ وهذه تُهْمَة مُحْزِنَة مِنْ قِبَل الكنيسة. أليس كذلك؟ وحتَّى إنَّ أنصارَ النَّزعة الإنسانيَّة يَستخدمونَ مُهَادَنَةَ القَادَةِ المَسيحيِّينَ لتدعيمِ حُجَّتِهِم وزَعْزَعَةِ المسيحيَّة. والحالُ الَّتي وَصَلنا إليها اليوم هي أنَّ المسيحيَّة فَقَدَتْ ثِقَتَها بِما جاءَ في تكوين 1. وهذا أمرٌ مُحْزِن.

وقد لا يَتَّفِقُ القادَةُ المَسيحيُّون (بكل تأكيد) مع الجزءِ المُختصِّ بالبشر مِنْ نظريَّة التطوُّر. فرُبَّما يقولون: "بَلَى! هناك إلَهٌ. وقد كانَ لَهُ دَوْرٌ في عمليَّة التطوُّر". وهذا يُعْرَف بالتَّطوُّر الخَلْقيّ، وأحيانًا يُدْعى: "التَّطَوُّر المُتدرِّج" - وهو مُصطلحٌ وَضَعَهُ "رسل مِكستر" (Russell Mixter) في دائرة العلوم بجامعة "ويتون" (Wheaton College) قبل سنوات. ولكنهم يقولون: "لا، مِنَ المؤكَّد أنَّهُ يوجد إلَهٌ، وأنَّهُ تَدَخَّلَ في بعض الأحيان في التَّطوُّر الخَلْقيّ". فَهُمْ يقولون إنَّ اللهَ ابتدأَ عمليَّة الخَلْق وأَطْلَقَها. ونظريَّةُ الخَلْقِ المُتدرِّج تقول إنَّ اللهَ يتدخَّل بين الحين والآخر؛ ولكنَّ ذلك يَستغرق ملايين وملايين ومِليارات السِّنين لكي يحدُث. ويَدَّعي هؤلاء الأشخاص أنَّهم يُؤمنون بالله. وربما يقولون إنَّهم يؤمنون بالكتاب المُقدَّس. ولكنهم لا يريدون أنْ يَسمحوا بتفسير الأيَّام السِّتَّة للخَلْق حَرفيًّا. وهذا يؤدي إلى مشاكل جَمَّة - مشاكل جَمَّة.

وإليكم واحدةً مِنْ هذه المشاكل - وأنا لنْ أذكرها جميعًا. ولكنْ إليكم مشكلة واحدةً أَرى أنَّها خطيرة. فإنْ كان الإنسانُ قد خُلِقَ في نهاية مرحلة التطوُّر (سواءٌ كانَ ذلك يعني في مرحلة التطوُّر الطبيعيّ، أو في مرحلة التطوُّر الخَلْقيّ التي أَطْلَقَها اللهُ - والتي يَعتقد بعض المسيحيِّين أنَّه ينبغي لهم أنْ يَقبلوها مِن أجل تأكيدِ مُناصَرَتِهم للعِلم، أو سَواءٌ كان ذلك وُجهة نَظَر واحدٍ من أنصار الخَلْق المُتَدرِّج القائل إنَّ اللهَ يتدخَّل بين الحين والآخر)، فإنَّ المشكلة الناجمة عن ذلك هي أنَّ التطوُّر عمليَّة - اسمعوني جيدًا: أنَّ التطوُّر عمليَّة تحدُث بصورة طبيعيَّة مِنْ خلال الموْت. فهي عمليَّة تُعْرَف بالبقاء لِمَنْ؟ للأَصْلَح. فهي عمليَّة قائمة على العُنْف. وهي عمليَّة قائمة على سَفْك الدَّم. وهي عمليَّة قائمة على المُعاناة. وهي عمليَّة قائمة على المَرَض. وهي عمليَّة قائمة على الموْت كُلَّما ارْتَقتِ العمليَّة أكثر وأكثر وأكثر وُصولاً إلى الإنسان.

وهذا يُؤدِّي إلى مُشكلة خطيرة. فهذا يعني أنَّ الإنسانَ لم يوجد إلَّا بعد مِليارات السِّنين، وأنَّهُ عندما ظَهَرَ الإنسانُ كان كاملاً، وبلا خطيَّة، ولم يكُن هناك مَوْت. فالموتُ لم يدخُل الصُّورة إلَّا بعد أنْ وَقَعَ الإنسانُ في ماذا؟ الخطيَّة. فكيف يكون هناك موتٌ قبل السُّقوط؟ فلم تكُن هناك حتَّى أرضٌ مَلعونة. وهذا يَقْلِبُ كُلَّ سِفْرِ التَّكوين رأسًا على عَقِب. فإنْ كانت هناك كُلُّ هذه الأنواع مِنَ الموْت خلال هذه المِليارات مِنَ السِّنين في أثناء عمليَّة التطوُّر، ما الذي فَعَلتهُ الخطيَّةُ بالعالم ولم يكُن موجودًا مِنْ قبل؟ وكيف يُعْقَل أنَّ اللهَ نَظَرَ إلى عمليَّة التطوُّر هذه بمُجْمَلِها حين بَلَغَتِ الكمالَ بظهورِ الإنسانِ وقال إنَّه نَظر إليه ورأى إنَّه "حَسَنٌ"؟ فكيف يُعْقَل أنْ يقول اللهُ ذلك؟ وكما تَرَوْن، فإنَّ هذا يعني أنَّ خطيَّةَ آدم ولعنةَ الأرض لا معنى لَهُما لأنَّه كان هناك موْتٌ لآلاف السِّنين، بل مِليارات السِّنين. وهذا يُخالِفُ كُلَّ ما يقوله الكتاب المقدَّس. فما لدينا في سِفْر التَّكوين هو عالَمٌ كاملٌ - إلى أنْ يُواجِه الإنسانُ الحيَّةَ ويَسْقُط في الخطيَّة، وإلى أنْ يَلْعَنَ اللهُ الكَوْنَ – ثُمَّ يأتي الموْتُ، والمرَضُ، والألمُ، والعُنْفُ، وسَفْكُ الدَّمِ؛ وليسَ قبل ذلك. فالتطوُّر ليس لَهُ معنى مِنْ هذا المنظور.

وهناك مسيحيُّون يقولون: "نحن ضِدَّ الإجهاض، وضِدَّ الجِنسيَّة المِثْليَّة، وضِدَّ "جاك كيفوركيان" (Jack Kevorkian) لأنَّه يَقتُلُ النَّاسَ، ونحن ضِدَّ القتل الرَّحيم، وضِدَّ المَذابِح الجماعيَّة، ونحن ضِدَّ الشُّرور الأخلاقيَّة في مُجتمعنا، وهَلُمَّ جَرَّا". ولكنْ لماذا نحن ضِدَّ هذه الأشياء؟ هل يمكنكم أنْ تُخبروني لماذا؟ لماذا نحنُ ضِدَّ هذه الأشياء؟ أعطوني سَبَبًا واحدًا. إليكم السَّبب: لأنَّها مُحَرَّمَة في الكتاب المقدَّس. أليس ذلك صَحيحًا؟ فالسبب الوحيد الذي يجعلُنا نُعارِضُ الإجهاضَ هو أنَّ اللهَ يُحَرِّمُه. وكيف نَعْلَمُ ذلك؟ لأنَّ ذلكَ مَذكورٌ في كلمة الله. فالسبب في أنَّنا ضِدَّ الجِنْسيَّة المِثْليَّة، والزِّنا، إلخ، إلخ، هو ما يقولُهُ الكِتابُ المقدَّس. وكما تَرَوْن، فإنَّنا نؤمن بما يقوله الكتاب المقدَّس. ولكنَّ المشكلة هي أنَّنا لا نريد أنْ نؤمن بما يقوله الكتاب المقدَّس في سِفْر التَّكوين. لذلك فإنَّنا نُراوِغُ فيما إذا كان للكتابِ المقدَّسِ سُلْطانٌ أَمْ لا. وما رأيكُم فيما يَظُنُّهُ العالمُ المُتَفَرِّجُ بخصوصِ تَكريسِنا للكتابِ المُقدَّس؟ أنَّنا انْتِقائيُّون. أليس كذلك؟ ومَرَّةً أُخرى أقول إنَّ هذا الإذعانَ لنظريَّةِ التَّطوُّر لا مُبَرِّرَ لَهُ إطلاقًا. فلا شيء يتطلَّب وجود التطوُّر. والحقيقة هي أنَّ التطوُّر لا يمكُن أنْ يحدُث. فهو لا يمكن أنْ يحدُث.

واسمحوا لي أنْ أُبَيِّن لكم السَّبب. ومَرَّةً أُخرى، أريدُ أنْ أقولَ إنَّني لَسْتُ عَالِمًا. وينبغي أنْ تَعلموا أنَّني أَعْمَلُ جاهدًا لكي أَفْهَمَ هذا الموضوع. وسوف أُحاولُ قَدْرَ استطاعتي أنْ أجعلَ كلامي مفهومًا. فقد قرأتُ كِتابَيْنِ لرجلٍ يُدعى الدُّكتور "أ. ي. وايلدر-سميث"؛ وهو رَجُلٌ يَحْمِلُ شَهاداتٍ كثيرة جدًّا. وهو عالِمٌ. ولكي أُبَيِّنَ لكم مقدار ما قرأت، فقد قرأتُ كِتابَهُ مِنَ الغِلافِ إلى الغِلافِ، وهو بعنوان: "البديلُ العِلْميُّ لنظريَّة التطوُّر الدَّارونيَّة الجديدة" (The Scientific Alternative to Neo-Darwinian Evolutionary Theory). وهذا كتابٌ عِلْميٌّ جدًّا. وأنا لا أَنْصَحُ أحدًا بالبحث عنه لأنَّكم لنْ تَستمعوا حقًّا بقراءته. فالشَّخصُ الَّذي يَقرأه ينبغي أنْ يكون مُضطرًا للقيام بذلك وأنْ يكون مُرْغمًا على القيام بذلك – كما هي حالي أنا. ولكن اسمحوا لي أنْ أُلَخِّصَ لكم ما يقوله هذا الكتاب إذْ إنَّ "أ. ي. وايلدر-سميث" يُبَيِّنُ في هذا الكتاب غَرَابةَ التَّطوُّر بناءً على حقيقة واحدة عظيمة. وهذه الحقيقة الواحدة العظيمة هي: البيانات المُشَفَّرَةُ الموجودة في الحَمْض النَّوَوِيُّ للكائنات الحيَّة. هل فهمتم ذلك؟ فَكُلُّ كائنٍ حَيٍّ يَحْوي حَمْضًا نَوَوِيًّا خَاصًّا به. والحَمْضُ النَّوَوِيُّ هو مادَّة وِراثيَّة. وفي تلك المادة الوراثيَّة في كُلِّ كائنٍ حَيٍّ توجد شَفْرَة - وهي شَفْرَة عامِلَة. وذلك الكائنُ الحَيُّ (سواء كُنَّا نتحدَّث عن خليَّةٍ، أوْ رَجُلٍ ضَخْمٍ، أوْ عن أيَّ شيءٍ بينهما)، فإنَّ ذلك كُلَّه يَعْمَلُ في كُلِّ كائنٍ حَيٍّ وَفْقًا لتلك البيانات المُشَفَّرة. وأرجو أنْ تَسمعوا ما سأقول: إنَّ كُلَّ كائنٍ حَيٍّ مُختلف عنِ الآخر لَهُ شَفْرَة وراثيَّة مُختلفة تمامًا.

ولكنَّ داروين لم يكُن يَعرف شيئًا عن ذلك. فلم تكُن هناك دراسة وراثيَّة حين كَتَبَ كِتاب "أَصْل الأنواع". وهو لم يكُن يعرف شيئًا عن الحَمْضِ النَّوويّ. وهو لم يَكُن يَعرف شيئًا عن الكروموسومات. وهو لم يكُن يعرف شيئًا عن عِلْم الوراثة. فلم يكُن ذلك معروفًا كعِلْم. فقد كان يَصِفُ فقط ما يَظُنُّ أنَّه يَراه. وقد كان كُلُّ ما كَتَبَهُ يعتمد على الظَّاهِر فقط. ولو كان داروين حَيًّا اليوم، وحاولَ أنْ يُرَوِّج أفكارَهُ اليوم، لَما لاقَتْ نجاحًا، ولا آمنَ بها حَتَّى هو. فهو بالكاد كان يؤمن بنظريَّته. ومِنَ المؤكَّد أنَّه لم يكُن ليؤمن بها في وقتٍ كوقتنا هذا إذْ إنَّهُ بمقدورنا أنْ نَنْظُرَ بِدِقَّة مُتَناهية مِنْ خلال مِجْهَرٍ إلكترونيٍّ إلى الحَمْض النَّوَوِيِّ وأنْ نَرى الشَّفْرةَ الوراثيَّة في الكائنات الحيَّة. "إنَّ نِطاقَ عِلْمِ الوراثة بِمُجْمله [كما يقول "وايلدر-سميث"] يَختصُّ بتخزين البيانات واسترجاعِها؛ وَهُوَ عِلْمٌ لم يكُن معروفًا البَتَّة لدى داروين". فكُلُّ كائنٍ حَيٍّ – فإنْ كُنَّا نتحدَّث عن هذهِ الزُّهورِ قبل قَطْفِها، فإنَّها كانت شيئًا حَيًّا. فهذه زرقاء، وهذه وَرديَّة، وهذه بُرتقاليَّة، وَهَلُمَّ جَرَّا، بسبب البيانات. فهناكَ بياناتٌ مُخَزَّنةٌ في الحَمْضِ النَّوَوِيِّ في المُوَرِّثاتِ التي تجعل هذا يحدُث. فهذه شَفْرَةُ مَعلوماتٍ موجودة في كُلِّ كائنٍ حَيٍّ.

وقد اكتُشِفَ في السنوات الأخيرة أنَّ البرامج الوراثيَّة في الكائنات الأحيائيَّة الأعلى تتألَّف مِنْ نحو ألفِ مَليون وحدة مِنَ البيانات - ألف مَليون وحدة مِنَ البيانات في كائنٍ حَيٍّ واحد، وأنَّ تلك البيانات المُشَفَّرة في ذلك الكائن الحيِّ يُحَدِّد طبيعةَ ونُمُوَّ وتَطَوُّرَ ومَوْتَ مليارات الخلايا في ذلك الكائنِ الحَيِّ. وبصراحة، مَنْ هو الشخص العاقِل الذي كان بمقدوره أنْ يُصَدِّقَ أنَّ مِثْلَ هذه الآليَّاتِ المُعقَّدة جدًّا التي تتألَّف منها الكائناتُ الحيَّةُ (والتي تعمل على تخزين واسترجاع البياناتِ الدقيقة لِخدْمة آلافِ المَلايين مِنَ الخلايا، وتَشخيصِ الأعطالِ، وتَصليحِها، والتَّكاثُر)، مَنْ كانَ يُصَدِّق أنَّها تَطوَّرت كُلُّها بطريقة عشوائيَّة بِمَحْض الصُّدفة مَنَ العَدَم ؟ فهذا تفكرٌ غَبِيٌّ بكل تأكيد.

والمسألة الكبيرة التي تَهْدِمُ دَعائم نظريَّة التطوُّر هي دراسة أَصْل البَيانات؛ وهي تُسَمَّى: "نظريَّة البيانات". فمن أين جاءت البيانات؟ ومِنْ أين جاءت الشَّفْرة؟ فالقِردُ لَهُ شَفْرَةُ قِرد. والحَمْضُ النَّوويُّ والكروموسومات والجِينات تَجعل القِردَ يَتصرَّف كقِرد. فلا توجد أيَّة شَفرة في القِرد تجعله يَتَحَوَّل إلى إنسان. ولا يوجد شيء يَجعلُك تَقفِز خارج جِنسك.

ولكنهم يتحمَّسون جدًّا في العِلْم. ويتحدَّث "وايلدر-سميث" عن ذلك على غِرارِ بعض الكُتَّاب الآخرين الذين قَرَأتُ كُتُبًا لهم. فعندما نَظروا إلى "البوليمرات" (polymers)، ونَظروا إلى بعض الأشياء قالوا: "حسنًا، ربما كانت هذه البوليمرات هي المادَّة الانتقاليَّة. فهي تبدو غريبة بعض الشيء وغير مألوفة قليلاً. لذلك ربما كانت هي المادَّة الانتقاليَّة". وكُلَّما تَعَمَّقوا في دراسة هذه الأشياء زادَ إدراكُهم لحقيقة أنَّ هذه مُجرَّد عناصر موجودة أصلاً في البَيانات المُشَفَّرة، وأنَّها تَقومُ وحَسْب بإصلاحِ الأعطال لأنَّه كان هناك سَبَبٌ لإصلاحِ ذلكَ الخَلَل. لذلك فقد بَدَتْ غَريبةَ الشَّكْلِ لأنَّها كانت تُصْلِح الخَلَلَ في ذلك الكائنِ الحَيِّ. وفي نهاية المطاف، فإنَّ "البولميرات" ليست أشكالاً انتقاليَّةً البتَّة، بل هي بَيانات مُشَفَّرة في الحَمْضِ النَّوويِّ - ولكنك لا تراها إلَّا إذا دَعَتِ الحاجةُ إلى إصلاح خَلَلٍ ما. وهذا أمرٌ مُدْهِش.

ومِنْ أين أَتَتْ هذه البيانات الوِراثيَّة؟ مِنْ أين جاءت؟ إنَّها لم تنشأ مِنَ العَدَم. فهي دقيقة جدًّا. ويقول "وايلدر-سميث": "إنَّ ما يُعْرَف لدى داروين بالتَّدَرُّج يَفترض أنَّه في المُحَصِّلة النِّهائيَّة فإنَّ جميع أشكال الحياة نشأت مِنْ خليَّة واحدة بسيطة قامت (مِنْ خلال سِلْسِلةً مُتَّصِلَة مِنَ التَّغييرات البسيطة التَّدريجيَّة) بإيجاد سِلْسِلةً خطوات مُتَّصِلَة مِنَ الخليَّة الأصليَّة إلى أنْ وُجِدَ الإنسانُ نَفْسُهُ، وإنَّ الكائناتِ الحيَّةَ مُتَّصِلَة دونَ انقطاعٍ". وهذا أمرٌ غير قابل للتَّصديق. ولا يمكن سوى لِشخصٍ كان يعيش في زمن داروين ولا يعرف شيئًا عن علم الوراثة أنْ يقول جملةً كهذه للسبب الآتي الذي أرجو أنْ تسمعوه جيِّدًا: إنْ كان يوجد كائن وَحيد الخَلِيَّة تَطَوَّرَ وصَارَ إنسانًا فإنَّ جميع البيانات المُشَفَّرة اللازمة لإدارةِ حَياةِ هذا الكائِن وَحيد الخَلِيَّة ولإدارة كُلِّ شيءٍ منْ تلك اللحظة فصاعدًا وُصُولاً إلى الإنسان ينبغي أنْ تكون موجودة في الخليَّة الأصليَّة. وإنْ لم تكُن تلك البيانات المُشَفَّرة موجودة في الخليَّة الأصليَّة، مِنْ أين جاءت إذَنْ؟ هذا هو السُّؤال. وما يَقولونَهُ سخيف! والعلماء يَعرفون أنَّ كُلَّ الشَّفرات الوراثيَّة اللازمة لإدارة كُلِّ كائنٍ حَيٍّ في الكون ليست موجودة في "أميبا" وحيدة الخليَّة. فالشيء الموجود في "أميبا" وحيدة الخليَّة هو الشَّفرة الوراثيَّة لأميبا وحيدة الخليَّة.

ويُتابعُ "وايلدر-سميث" حديثَة قائلاً: "هناكَ حقيقة عظيمة لم يَكُنْ داروين وجَميعُ أنصارِهِ يَعْرِفونَ عنها أيَّ شيء. وأنا أُشيرُ هُنا إلى العلم الحديث المُختصّ بنظريَّة البيانات، لأنَّه لو أرادت تلك الأميبا البدائيَّة أنْ تتطوَّر إلى أميبا رئيسيَّة، يجب على تلك الخليَّة البدائيَّة أنْ تَجْمَعَ كُلَّ أنواع البيانات الجديدة حول كيفيَّة تكوين الكُلَى والأكباد والقلوب رُباعيَّة الحُجرات والمِخاخ والمُخيخات". فإنْ كانت هذه الأميبا الوحيدة الخليَّة ستتطوَّر، يجب عليها أنْ تَجمع كُلَّ البيانات. ولكنْ مِنْ أين؟ وإنْ كان القانونُ الثاني مِنْ قوانين الدِّيناميكا الحراريَّة صحيحًا (وَهُوَ كذلك)، أيْ أنَّ المادَّة تَتَحَلَّل وأنَّ الأمورَ تَزدادُ سُوءًا، كيف يُعْقَل أنَّ الأشياءَ تَزدادُ تعقيدًا ونظامًا في الوقت نَفْسَه؟ يقول "وايلدر-سميث": "لأنَّ تَجميع مِثل هذه الأنظمة الأنتروبيَّة المُتراجِعَة، كالدِّماغ الرَّئيسيّ مَثلاً، يَتطلَّب وجود كُلّ أنواع البيانات الثَّابتة والفعليَّة؛ وهي معلومات لا تحويها المادَّة الَّتي تتشكَّل منها الأميبا البدائيَّة، ولا خليَّة الأميبا السَّليمة. وعلى نحوٍ مُشابه، يجب على المادَّة غير العُضويَّة أنْ تُؤلِّف أعدادًا هائلةً مِنَ البيانات الكاملة قبل أنْ تتمكَّن مِن تَصنيع أميبا".

لذلك فإنَّه يقول إنَّه أيًّا كان الشيء الذي ابتدأَ الأميبا الأُولى؛ أي: أيًّا كان الجَمادُ الذي ابتدأَ الأميبا الأُولى، كان ينبغي أنْ يَجْمَعَ معلوماتٍ لكي يَجعل ذلك يَحدُث. وسوف أُقَدِّمُ لكم مَثَلاً توضيحيًّا رُبَّما يُساعدكم قليلاً. هل قرأتم يومًا عن حقيقة أنَّهم اسْتَنْسَخوا أرانبَ ثُمَّ إنَّهم اسْتَنسخوا خِرافًا؟ وقد تقول: هل هذا يَدُلُّ على انتصار نظريَّة النُّشوء والارتقاء؟ لا، فهل تعلمون ما الَّذي يُثْبِتُهُ ذلك؟ إنَّ هذا يُثْبِتُ أنَّ الأمرَ يَتطلَّبُ ذَكاءً خارجيًّا للقيام بذلك. فيمكنك أنْ تُحْضِرَ خَروفًا، وأنْ تَضَعَهُ في حَظيرة، وأنْ تقول لَهُ: "تَغيَّر". فيمكنك أنْ تَضَعَ الخروفَ هناك وأنْ تقول لَهُ: "أرْجوكَ أنْ تَسْتَنْسِخَ نَفْسَك". ولكنَّ ذلك الخروفَ لنْ يَسْتَنْسِخَ خَروفًا آخر إلَّا مِنْ خِلال ذَكاءٍ - ذَكاءٍ أعلى مِنْه. وفي هذه الحالة فإنَّ الأمر يَتطلَّبُ عَقلاً بشريًّا وفَهْمًا للجينات الوراثيَّة - أي عُنصرًا خارجيًّا يقوم بذلك. وهذا مَثَلٌ توضيحيٌّ واضِح يُبَيِّنُ سببَ استحالة التَّطوُّر. إنَّه مَثَلٌ توضيحيٌّ واضِح. فإنْ أردنا أنْ نَخْلِقَ شيئًا خارج النظام الطبيعيّ، فإنَّ الأمرَ يَتطلَّب عقلاً بشريًّا ذكيًّا يَفوقُ ذلك المستوى مِنَ الحياة. فيجب أنْ يأتي ذلك مِنَ الخارج لأنَّ البيانات ليست موجودة في الشَّفْرة الوراثيَّة.

وهذه هي تمامًا طريقة عمل الله. فلا يمكن للتطوُّر أنْ يحدُث. ونحن نقرأ في رسالة كورنثوس الأُولى 15: "لِلْبَهَائِمِ جَسَدٌ ... وَلِلطَّيْرِ آخَرُ"، وَأنَّ هُناكَ جَسَدًا للإنسان". فهذه هي حقيقة الأمر. وهذا كُلُّه يَتقرَّر وفقًا للشَّفرة الوراثيَّة. فهي لا تَتَخَطَّى تلك الحواجز ولا تَقفز فوقَها.

ويُضيف "وايلدر-سميث" قائلاً: "إذا افترضنا أنَّ الشكلَ البدائيَّ الأصليَّ للحياة كان أميبا، نوعًا مِنْ أنواع الأميبا، مِنْ أين حَصَلَتْ على كَمِّ البياناتِ غير المحدود اللَّازم تخزينه في نظام التخزين والاسترجاع في حَمْضِها النَّوَويّ؟ فمِنْ أجل تحويل خليَّة مِنْ نوع الأميبا إلى حَيَوانٍ ثَدْيِيٍّ، أيْ إلى حَيَوانٍ رَئيسيٍّ كالأخطبوطِ أوِ النَّحلةِ، يجب أنْ تَتوافَّر بيانات كاملة جديدة. ولا يمكن للخليَّة البدائيَّة مِنْ نوع الأميبا، ولا للمادَّة غير العضويَّة التي تتألَّف منها أنْ تَحوي مثل هذه البيانات الدَّقيقة جدًّا والشاملة اللَّازمة لتحويل الأميبا إلى قِرْدٍ شبيهٍ بالإنسان مثلاً. وهل مِنَ المنطقيِّ أنْ نَفترضَ أنَّ كُلَّ هذا الكَمِّ الهائلِ مِنَ البياناتِ ظَهَرَ فجأةً مِنَ العَدَم بِمَحْضِ الصُّدْفة؟" إنَّ هذا سَخيفٌ بكُلِّ تأكيد.

وقد ذَكرتُ في هذا الصباح أنَّني ذهبتُ إلى صَحراء "سونوران" (Sonoran Desert) في هذا الأسبوع لِصَرفِ وقتٍ قليلٍ مع أبي. وقد قَرَّرَتْ أُختي أنْ تَصْحَبَنا في رحلةٍ إلى الصَّحراءِ وأنْ نَخْرُجَ معَ بعض أنصار الطبيعة للبحثِ تحت الصخور، والنَّظر إلى نَبات الصَّبَّار، والقيامِ بأمورٍ مُشابِهة. وأنا مُعْجَبٌ دائمًا بخليقةِ اللهِ. وقد رأيتُ الصَّحراءَ كثيرًا في حياتي لأنَّني عِشتُ دائمًا في الغَرْب – أوْ في أغلبِ الأحيان. ولكنِّي اطَّلَعتُ على بعض الأمور المدهشة حقًّا مِنْ خلال أنصار الطبيعة هؤلاء. فقد قَلَبوا صَخْرةً فخرجت سَحليَّة صغيرة؛ فذكروا لي كُلَّ شيءٍ عنها. وقد قَلَبوا صخرةً أُخرى فخرج عقربٌ لَهُ كَمَّاشَتَيْنِ صَغيرتين. وقد تَعَلَّمتُ عنِ العقارب أكثر مِمَّا يَهُمُّني أوْ أكثرَ مِنْ حاجتي في نحو خمس دقائق. ولكني تعلَّمت شيئًا واحدًا وهو أنَّ العقارب تعيش على أكل العقارب الأخرى، وأنَّها تَستمرُّ في الوجود بهذه الطريقة. وقد سَمِعْتُ عن كيفيَّة عَمَلِ لَدْغَتِها وعن كُلِّ التفاصيلِ المختصَّة بها. ثُمَّ إنَّنا ذهبنا لرؤية الصَّبَّار الصَّغْواريّ. ويمكنك أنْ تتعلَّم عن الصَّبَّار الصَّغْواريّ معلومات مدهشة. فَهُمْ يَعتقدونَ أنَّ الصَّبَّارَ يَعيشُ 800 سنة. وَهُمْ لا يعرفون ذلك بكل تأكيد لأنَّه لا يوجد عالِم نَبات يعيش وقتًا طويلاً ليَرى نبتة صَبَّار تعيش ثُمَّ تموت. لذلك فإنَّهم يُخَمِّنون ذلك. ولكنهم أطلعوني على هذه المعلومات المُدهشة. وهي مُدهشة حقًّا. فأشواكُ هذا الصَّبَّار تَتقاطَعُ بهذا الشَّكل لأنَّ الريح شديدة في تلك الصَّحراء. لذلك فإنَّ المكان الوحيد الذي تنمو فيه في العالم هو صَحراء سونوران. والأشواك التي تنمو مِنَ الصَّبَّارِ تتقاطعُ بعضُها مع بعض للتَّخفيفِ مِنْ حِدَّةِ الرِّيح لئلَّا تَعْصِف بها وتَخلعها. وهذه معلوماتٌ مُدهشة عنِ البيئة. وهناك أسطورة - أو في الحقيقة: واحدة مِنْ الأساطير. فهل رأيتم يومًا نَبْتَةَ صَبَّارٍ صَغْواريّ؟ فبعض تَشَعُّباته تَمتدُّ بهذا الشكل. وَهُمْ يقولونَ إنَّ الجِذَعَ الرئيسيَّ لنبتة الصَّبَّار الصَّغْواريّ تُمَثِّلُ رَجُلا، وأنَّ الأغصانَ الأخرى تُمَثِّلُ زَوجاتِه. فإنْ نَمَتْ إلى أعلى فَهذا دَليلٌ على أنَّه يَحيا حياةً مُنَظَّمةً وأنَّ زوجاتِهِ يُؤدِّينَ واجباتِهِنَّ. أَمَّا إذا نَمَتِ الأغصانُ في كُلِّ الاتجاهاتِ فإنَّ ذلك الرَّجُلَ المِسكينَ يعيش حياةً صعبة. إنَّها أُسطورة. وبِمَعْزِلٍ عنِ الأسطورة، فقد حَدَّثوني عن أصْلِ هذه النَّبتة، وعنْ تعقيدها، وعن كيفيَّة احتفاظِها بالماء، وعن كيفيَّة إنْباتِ هذه الأضلاع، وعن كيفيَّة إنتاجِ زَهْرَةٍ رائعةٍ وبديعةٍ في قِمَّةِ كُلِّ غُصْنٍ مَرَّةً في السَّنة، وكيف أنَّها تَموتُ بِفِعْلِ أَشِعَّةِ الشَّمس. وقد رافقناهُم ورأينا شجرة "بالوفيردي" (paloverde)، وهي الشَّجرة التي تُنْبِتُ الأوراقَ الأصْغَرَ حَجْمًا مِنْ أيِّ شجرةٍ أُخرى على وجه الأرض. وهي تحتاج جدًّا إلى الماء. وقد دَرَسوا هذه الأشجارَ ووجدوا أنَّ لها جَذْرا واحدا يَمتدُّ مَسافة مِئَةِ متر تحت سطح الأرض بالرَّغْمِ مِنْ حقيقةِ أنَّ ارتفاعَ الشَّجرةِ لا يزيد عن المِتْرَيْن. وهذه معلوماتٌ مُدهشة عنِ البيئة، وهذا تعقيد مُدهش في كُلِّ هذه الأشكالِ الحَياتيَّة.

وقد أَطلعوني على كُلِّ هذه المعلومات وعلى كُلِّ هذه الأشياء. ثُمَّ إنَّني قُلتُ لهم: "هل يُمكنني أن أقولَ شيئًا؟ وقد قُلْتُ لَهُمْ كُلَّ هذا الكلام الذي أقوله لكم بأنَّ كُلَّ كائنٍ مِنْ هذه الكائنات الحيَّة في الكون لهُ شَفْرَتُه الوراثيَّة. وكيف حَصَلَ على هذه الشَّفرة الوراثيَّة؟ ومِنْ أين جاءت؟ لا بُدَّ أنَّها جاءت مِنْ فِكْرِ اللهِ الذي خَلَقَ كُلَّ شيء. وأرجو أنْ تسمعوا هذا: عندما قامَ اللهُ بعمليَّةِ الخَلْقِ، خَلَقَ كُلَّ شيءٍ، وأَوْدَعَ في كُلِّ كائنٍ شَفْرَتَهُ الوراثيَّة. ويمكنكم أنْ تُدركوا عَظَمَة ذكائِهِ! إنَّهُ أمرٌ مُدهش – مُدهش! فكلُّ شيء يُظْهِر بَصْمَةَ الله.

ثُمَّ إنَّ "وايلدر-سميث" يُحِبُّ أنْ يتحدَّثَ في كتابه عن شخصٍ يُدعى "فون نويمان" Von Neuman). وَ "فون نويمان" هو في الحقيقة عالِمٌ ألمانيٌّ. وقد عَرَّفَ "فون نويمان" هذه المَكَنَات الحيَّة (والكلمة "مَكَنَات" تُشيرُ إلى كائنٍ حَيٍّ) فقال إنَّ الشيء المُدهش بخصوص الكائنات الحيَّة – اسمعوا ما قال: هو أنَّها تَتكاثَر ذاتيًّا، وتَنْمو ذاتيًّا، وتُصْلِح ذاتَها بِذاتِها. وهذا هو ما يُعْرَفُ بِمَكَنَة فون نويمان (Von Neuman machine). فهي تَتكاثر ذاتيًّا، وتنمو ذاتيًّا، وتُصْلِح نَفْسَها بنفسِها. وهو يُشيرُ في كتابِهِ إلى أنَّنا لم نتمكَّن يومًا مِنْ صُنْعِ مَكَنَة كهذه.

فهل تعرفون أيَّ مَكَنَة كهذه؟ وهل تعرفونَ أيَّ جهاز حاسوب أَنْجَبَ حَواسيبَ صغيرة؟ وهل تعرفون حاسوبًا يُحافِظُ على حياتِه ويُصْلِحُ نَفْسَه؟ وماذا عن السيَّارة؟ فهل تعرفون سَيَّارةً تفعل ذلك؟ وقد قال "فون نويمان" إنَّنا إنْ تَمَكَّنَّا مِنْ صُنْعِ مَكَنَة مُعَقَّدة قادرة أنْ تَتوالَد وأنْ تَحْفَظَ نفسَها بنفسِها فإنَّها ستكون في حالةِ عَطَبٍ دائِمٍ بسبب شِدَّةِ تعقيدها. لذلك فإنَّها لنْ تتمكَّن مِنْ القيام بمسؤوليَّة إصْلاحِ نفسِها بنفسِها. ولكننا لم نتمكَّن يومًا مِنْ صُنْعِ مَكَنَة كهذه. ومع ذلك فإنَّ كُلَّ كائنٍ حَيٍّ يَفعل ذلك إذْ إنَّه يَتوالَدُ ذاتيًّا، ويَحفظُ نَفسَهُ ذاتيًّا، ويُصْلِحُ نفسَهُ ذاتيًّا. أليس هذا مُدهشًا؟ فهذا هو فِكْرُ الله. لذلك، لا تقولوا لي إنَّ هذه صُدْفة. فالإذْعانُ الأعمى للصُّدْفة هو إهانَةٌ للمَنطق. والأهَمُّ مِنْ ذلك هو أنَّه إهانَةٌ للإعلان. والأهَمُّ مِنْ ذلك هو أنَّه إهانَةٌ للهِ نفسِهِ.

ويقول "دوغلاس كيلي" (Douglas Kelley): "على أقلّ تقدير، بإمكان المرء أن يُلاحظ أنَّ صَرْحَ نَظريَّة التَّطوُّر بمُجمله يُرى بصورة مُتزايدة كما لو كانَ إيمانًا وليس عِلْمًا موضوعيًّا تجريبيًّا، وأنَّ أساساتهُ مَهزوزة". [نهاية الاقتباس]

وبحسب "مايكل دينتون" (Michael Denton) الَّذي كَتَبَ كتابًا بعنوان "نظريَّة تُعاني أزْمَة" (A Theory in Crisis)، فإنَّه يقول: "لا شَكَّ أنَّهُ بعد قَرْنٍ مِنَ الجُهود المُكَثَّفة فإنَّ عُلماء الأحياء أَخفقوا في إثباتِ ذلك بأيَّة طريقة يُعْتَدُّ بها. فالحقيقة هي أنَّ الطَّبيعة لم تُختزَل إلى السِّلسلة المُتَّصِلَة الَّتي يتطلَّبها نموذج داروين، وأنَّ مِصداقيَّة الصُّدفة بوصفها عامِل خَلْق الحَياة لم تُرَسَّخ". [نهاية الاقتباس]. والحقيقة هي أنَّ العكس هو الصَّحيح. فكُلَّما زادت مَعرفة العِلمُ بتَعقيد الكَوْن المُدهش، وكُلَّما زادت مَعرفته بتَناغُمِه، وكُلَّما زادت معرفة العِلْم بتصميم الكَوْن، وكُلَّما زادت مَعرفته بالذَّكاءِ اللَّازم لخَلْقِه، ينبغي أنْ يَزيدَ اعترافُهُ بضرورة وجود خالِق عاقِل.

كذلك فإنَّ "دوغلاس كيلي" يقول: "بطبيعة الحال، نحن نتعامل هنا مع وضعٍ فريد، وتحديدًا عن خَلْق كَوْنٍ لَهُ بُعْدَيْنِ مَكانِيّ وزَمانِيّ مِنْ قِبَل مَصْدَرٍ فائِقٍ يقولُ الكتاب المقدَّس [استمعوا إلى ما يقول:] إنَّهُ خَلَقَهُ مِنَ لا شيء باستثناء كَلِمَة قُدْرَتِه". ويا لها مِنْ قُدرة، ويا لَهُ مِنْ تَعقيد، ويا لَهُ نِظام، ويا لَهُ مِنْ ذكاء! لذلك، يجب على العِلْم العَقلانيِّ – يجب على العِلْمِ العَقلانِيِّ أنْ يَقولَ إنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وُجودِ خَالِقٍ عَاقِلٍ ومُقتَدِرٍ خارِقٍ للطَّبيعةِ، وأنَّهُ ما يزال موجودًا. ومَعَ أنَّهُ يجب على العِلْمِ أنْ يُقِرَّ بذلك لأنَّهُ التَّفسيرُ العقلانيُّ الوحيد، فإنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ ومَعرفةَ كيفيَّة خَلْقِهِ للعالم تتطلَّب مِنَ العِلم أنْ يَحني رُكْبَتَيْهِ للكتابِ المُقدَّس ولإلَهِ الكِتابِ المُقدَّس.

إنَّ المَصدرَ الوحيدَ للمعرفة لدينا هو الكتاب المقدَّس – الكتاب المقدَّس. إنَّ تَصديق نظريَّة التَّطَوُّر يَتطلَّب إيمانًا - إيمانًا غيرَ عَقلانِيٍّ. أمَّا تَصديق قِصَّة الخَلْقِ فيتطلَّب إيمانًا قائمًا على الإعلان. ولا أدري ما رأيُكَ أنت، ولكنِّي أُوْمِنُ بالكتابِ المقدَّسِ وأُوْمِنُ بكلمةِ الله. فنظريَّة التطوُّر هي طائفة دينيَّة ظَهَرَت في القرن العِشرين وتُنْكِر المَنطِق والإعلان. أمَّا قِصَّةُ الخَلْقِ فتُنَبِّر على عبادة الله الحقيقيّ بما يَتَّفق تمامًا معَ المنطق والإعلان. لذلك فإنَّني أرجِع إلى النُّقطة الَّتي ابتدأتُ بها: إمَّا أنَّكَ تؤمن باللهِ الأزَلِيِّ، وإمَّا أنَّكَ تؤمن بالمادة الأزليَّة (أوِ الطَّاقة الأزليَّة، أو الأميبا الأزليَّة). فلا يوجد خِيارٌ ثالث – لا يوجد خِيارٌ ثالث. فإمَّا أنْ تكونَ مِنْ أنصار المادِّيَّة الَّتي تُنادي بأزليَّة المادَّة، وإمَّا أنْ تكون مِن أنصار الأمور الخارقة للطَّبيعة وتؤمن بأزليَّة الله. فهذان هُما الخِياران الوحيدان.

وما الَّذي سيحدث للعالم الَّذي يَرفض الخالِق ويَستعيض عنه بالمادَّة؟ وما الَّذي سيحدث للعالم الَّذي يَستعيضُ عنِ اللهِ الخالقِ بِعامِلِ الوقتِ، أوِ الصُّدفة، أوِ المادَّة، أوِ الطَّاقة؟ ما الَّذي سيحدث له؟ لقد قالَ "ويليام بروفاين" (William Provine)، مِن "جامعة كورنيل" (Cornell University) – لقد قالَ بوضوحٍ (وأنا أقتبسُ كلامَهُ): "مِنَ الواضح أنَّ مُقتضيات العِلم الحديث لا تَتَّفِقُ معَ أغلبيَّة التَّقاليد الدينيَّة. فلا وجود [استمعوا إلى ما يَقول] لأيِّة شرائع أدبيَّة أو أخلاقيَّة مُتأصِّلة، ولا وجودَ لأيَّة مَبادئ إرشاديَّة مُطلَقة للمُجتمع البشريّ. فالكَوْنُ لا يَكترث البَتَّة لنا، ونحنُ ليسَ لدينا أيَّ مَغزىً نِهائيٍّ في الحياة". [نهاية الاقتباس]. وهذا صحيح. فإذا كُنَّا قد جِئْنا إلى العالمِ بِمَحْض الصُّدفة وحَسْب، فإنَّنا لَنْ نُبالي بأيِّ شيء. فلا وجود لأيِّ مِعيارٍ أدبيٍّ، ولا وجودَ لأيِّ مِعيارٍ أخلاقيٍّ. وكُلُّ ما يتبقَّى لديكَ هو الأَسَى واليأس. فإنْ كان هذا الكَوْن قد نَشَأَ نتيجة قُوى مُجَرَّدة، وإنْ كانَ هذا الكَوْنُ مَجهولاً، وإنْ كانَ مُجَرَّد ظلامٍ لأنَّهُ لا يوجد خالِق، فإنَّ هذا يَصنعُ فَرقًا هائلاً في حياتي. ولكِنْ إنْ كان هناك خالِقٌ، وإنْ كانَ ذلكَ الخالِقُ قد أَراني وَجْهَهُ بهيئةٍ بشريَّة في يسوع، وإنْ كانَ إلهًا مُحِبًّا، ومُخَلِّصًا، ومُبارِكًا، وأنَّهُ سَبَب وجود هذه الخليقة، فإنَّ هذا يَصنعُ كُلَّ الفَرْق في حياتي.

وأنا مَسرورٌ لأنَّ الكتابَ المُقدَّسَ لا يَبتدئ بهذه الكلمات: "أنا أعلمُ، أيُّها البَشَر، أنَّكم ستجدونَ هذا الأمرَ صَعْبَ التَّصديق، ولكِنْ في البَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرض". إنَّهُ لا يَقولُ ذلك، بل يَكتفي بالقول: "في البَدْء، خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرض". فلا بُدَّ مِنْ وجودِ شيءٍ في البداية. وأنصارُ نظريَّة التَّطوُّر يقولون: "في البدء كانت الأميبا" أو "في البدء كانت المادَّة" أو "في البدء كانت الطَّاقة". ولكنَّ الكتابَ المقدَّسَ يقول: "في البدءِ، خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرض". ونقرأ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح الأوَّل: "فِي البَدْءِ كَانَ الكَلِمَةُ، وَالكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الكَلِمَةُ اللهَ. ... كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ ..." [وهذا يُوَضِّحُ الأمرَ] "... وبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ". وهذه طريقة أخرى للقَوْلِ بأنَّهُ لا وُجودَ للتَّطَوُّر. ونحنُ نقرأ في عبرانيِّين 11: 3: "بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ العَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ" – لا بالتَّطوُّر. "أنَّ العَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ". وهذا يُكَرِّرُ ما سَبَق. فهذا مكتوبٌ في سِفْر التَّكوين، ومَكتوبٌ في إنجيل يوحنَّا، ومكتوبٌ في الرِّسالة إلى العِبرانيِّين. وكما قُلتُ في البداية: إمَّا أنَّكَ تُؤمِنَ بذلك، وإمَّا أنَّكَ لا تُؤمِن به.

لذلك، يمكننا أنْ نَستنتجَ أنَّ نظريَّة التَّطَوُّر هي ديانة باطلة. وما الَّذي يَجْعَلُنا نَرغب في فَرْضِها على الكِتابِ المُقَدَّس؟ وما الَّذي يَجعلُنا نَرغب في أخْذِ أيِّ شيءٍ مِنْ ديانة التَّطَوُّر الزَّائفة وفي فَرْضِ ذلك على قِصَّة التَّكوين الصَّريحة؟ ولأجْلِ ماذا؟ فهذه إهانة إلى إعلان الله. فالكتابُ المقدَّسُ يُخبرنا كيفَ ظَهَرَت الطَّاقة إذْ إنَّها جاءت مِنَ الله. وَهُوَ يُخبرنا كيف أنَّ المادَّة ظَهَرَت إذْ إنَّها جاءت مِنَ الله. وَهُوَ يُخبرنا كيفَ تَشَكَّلَتِ السَّماواتُ والأرضُ. فاللهُ هوَ الَّذي خَلَقَها. وهذا هو كُلُّ ما نَحتاجُ إلى معرفته. فلا يوجد شيء مَنطقيٌّ أكثر مِن هذا. فاللهُ العاقِلُ هُوَ الَّذي خَلَقَ كُلَّ شيء. وهُنا يأتي أنصار نظريَّة التطوُّر بكل أكاذيبهم دُوْنَ أيِّ توقيرٍ لِسِفْرِ التَّكوين. وما الَّذي يَدفَعُنا إلى قَبولِ ذلك وإلى محاولةِ فَرْضِ ذلك على الكِتاب المقدَّس؟

إنَّ نظريَّة التطوُّر هي ديانة زائفة. وإليكم المبادئ التي تقوم عليها، فقط لكي تَرَوْنَها مِنْ زاويةٍ أُخرى.

أوَّلاً، نظريَّة التطوُّر هي عِلْمٌ بَحْت. وهذا هو ما يرغب أنصار نظريَّة التطوُّر في أنْ تُؤمنوا به: إنَّها عِلْمٌ بَحْت، وهي نِظامٌ مُغلقٌ مُؤسَّسٌ على الواقع وليس على وَهْم الله.

ثانيًا، يقول أنصار نظريَّة التطوُّر إنَّ التطوُّر يَعني العقلانيَّة لأنَّه لا يُبالي بالمعجزات والأمور الخارقة للطبيعة. ولكنْ يا أصدقائي، هناك نقطة يَتَّضح فيها أنَّ الأمورَ الخارقة للطبيعة هي الشيء الوحيد العقلانيّ.

ثالثًا [وهي نُقطة مأخوذة مِنْ كتاب "فِيليب جونسون" (Philip Johnson) الرائع بعنوان "المنطق في الميزان" (Reason in the Balance): "إنَّ نظريَّة التطوُّر تُحَرِّرُ الإنسان لأنَّها تُقْصِي اللهَ بعيدًا وتُقْصِي وَصاياه التي تُقيِّد السُّلوكَ الجنسيَّ الحُرّ.

رابعًا، يقول أنصار نظريَّة التطوُّر إنَّ ديانتهم ديمقراطيَّة لأنَّ كُلَّ إنسان هو مَصدر الحُكم الأدبيّ على نفسِهِ حيثُ لا يوجد إلَه، ولا يوجد قاضٍ أدبيّ، ولا توجد شريعة.

خامسًا، إنَّ نظريَّة التطوُّر فَضْفاضَة لأنَّها تَسمحُ بالإيمان بالله - ولكنْ ليسَ إله الكتاب المقدَّس.

فهذه هي دِيانَتُها. فهل تريدونَ أنْ تَعرفوا مَبادئَ ديانة التَّطَوُّر؟

أوَّلاً، التطوُّر هو عِلْمٌ بَحْت (كَما يَقولون)، وهي نِظامٌ مُغلقٌ مُؤسَّسٌ على الواقع وليس على وَهْم الله.

ثانيًا، التَّطَوُّر يَعني العقلانيَّة لأنَّه يُقْصي المُعجزات غير العقلانيَّة والتَّدَخُّلات الخارقة للطبيعة.

ثالثًا، نَظريَّة التطوُّر تُحَرِّرُ الإنسان لأنَّها تُقْصِي اللهَ بعيدًا وتُقْصِي وَصاياه التي تُقيِّد السُّلوكَ الجنسيَّ الحُرّ. وأريدُ أنْ أقولَ لكم، يا أصدقائي، إنَّ هذا هو ما يَحْفِزُ هذه النَّظريَّة. فَهُمْ يُحِبُّونَ خَطاياهم.

رابعًا، يقول أنصار نظريَّة التطوُّر إنَّ ديانتهم ديمقراطيَّة لأنَّ كُلَّ إنسان يستطيع أنْ يكون مَصدر الحُكم الأدبيّ على نفسِهِ.

خامسًا، إنَّ نظريَّة التطوُّر فَضْفاضَة لأنَّها تَسمحُ بالإيمان بالله – أيِّ إلَهٍ تَشاء باستثناء إله الكتاب المقدَّس.

وهذا مُدْهِشٌ. أليس كذلك؟ فالناس يُحاربونَ المنطق ويَقبلونَ الأمورَ الغريبة لكي يَتجنَّبوا المُسَاءلةَ أمامَ الدَّيَّان السَّرْمَدِيّ.

واسمحوا لي أنْ أَخْتِم حديثي في هذا المساء باصطحابكم إلى الأصحاح الأوَّل مِنْ رسالة رومية. وهذه كلماتٌ وثيقة الصِّلة مِنَ الله يُخاطب بها أُولئك الَّذينَ يَرفضونه. فنحن نقرأ في رسالة رومية 1: 18: "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ [ثُمَّ استمعوا إلى هذهِ الكلمات:]، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ ... إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ [ماذا؟] عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ، وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَات".

والأمر كُلُّه يبتدئ في العدد 18. فغضب الله مُعلنٌ على أُولئك الناس الذين أبدلوا الأمور الخارقة للطبيعة بالأمور الطبيعيَّة، والذين أبْدلوا صورة الله بصورة المخلوقات. فهذه هي دينونة الله عليهم. وبعد أسبوعين مِنْ هذا المساء (إذْ إنَّ الأسبوع القادم سيكون أسبوع معموديَّة يَوْمَ أَحَدِ عيد الفِصْح؛ ولكنْ بعد أسبوعين مِنْ هذه الليلة) أوَدُّ أنْ أَعودَ وأبتدئَ بالأصحاح الأوَّل مِنْ رسالة رومية لكي أُفَسِّرَ هذه الرِّسالة لكم قليلاً. ثُمَّ إنَّنا سنَستعرضُ عددًا مِنَ المقاطع التي وَردت في العهد الجديد والتي تُبيِّن لكم السبب الذي يدعوكم إلى الإيمان بقصَّة الخَلْق - وإلَّا فإنكم ستتركون تأثيرًا سَلبيًّا في الإنجيل. حسنًا؟ إذَنْ، سوف نَفعل ذلك بعد أسبوعين مِنْ هذه الليلة. والآن، لِنَحْنِ رُؤوسَنا حتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا، إنَّ هذا الحَقَّ مُهمٌّ جدًّا لنا لكي نَتشجَّع مُجَدَّدًا في إيمانِنا. فنحنُ لسنا في حاجة إلى الإذْعَانِ إلى حِكمة العالَم المَزعومة الَّتي وَضَعَها أُناسٌ لا يَعرِفونَك. أَعْطِنا ثِقَةً راسخةً وثابتةً وقويَّةً بأنَّ كلمتَكَ صحيحة، وبأنَّ "كُلّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ نَقِيَّةٌ" (كما يقولُ الكِتابُ المُقدَّسُ)، وبأنَّ الكِتابُ المُقدَّسُ كُلَّهُ مُوْحى بِهِ مِنَ الله، وبأنَّ "كُلَّ نُبُوَّةِ الكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ ... بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ القِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس". ذَكِّرنا أنَّكَ أنتَ الَّذي خَلَقْتَ العالمَ بالطَّريقةِ الَّتي ذَكَرْتَها، وأنَّهُ لا يوجد أيُّ شيءٍ في هذا الكَوْنِ المَخلوقِ لم تَخْلِقْهُ أنت. فالعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَتِك. ساعِدنا، يا أبانا، على أنْ نَعرفَكَ بِصِفَتِكَ الخالِق، وأنْ نَعرفَ أنَّ العالَمينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَتِكَ، وأنَّكَ فَعلتَ ذلكَ بطريقة عجيبة ورائعة جدًّا في ستَّة أيَّام – كما هُو مذكورٌ في سِفْر التَّكوين. قَوِّي إيمانَنا في اللهِ الَّذي خَلَقَ العالَمَ، وفي اللهِ الَّذي يَفْدي الخُطاةَ، فنحنُ مَدْهوشونَ جدًّا بعَظَمَتِكَ، وبِعَظَمَةِ ذكائِكَ وقُدرَتِكَ، وبحَلاوة نِعْمَتِكَ مِنْ نَحْوِنا. ونحنُ نَشكُرُكَ على ذلكَ باسْمِ مُخَلِّصِنا. والجَميعُ يَقولون: "آمين!"

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize