Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كما تَعلمون، فقد ابتدأنا سِلْسِلَةً دراسيَّةً في الأسابيع الأخيرة حول موضوع الأُصول. ومِنَ الواضح أنَّ هذا الموضوعَ نَبَّهَني إلى مجتمعنا بطريقة مُرْهَفَة أكثر مِنَ السَّابق. وأعتقد أنَّني لا أُجانب الصَّواب إنْ قُلت إنَّ الكِذْبة الَّتي تقول إنَّ الكون الَّذي نَعرفه اليوم قد "تَطَوَّر" هي أكثر كذبة دَهاءً، وتعقيدًا، وخُبْثًا في الوجود. وقد شَغَلَت هذه الكِذبة (مِن جميع المقاصِد والأوجُه) فِكْرَ العَالَمِ بأسْرِه. وقد صَدَّقَها أغلبيَّةُ النَّاس – ولا سِيَّما في العالمِ الغَرْبِيِّ. ومعَ أنَّها مُستحيلة وغير عقلانيَّة، فإنَّها لاقَتْ تأييدًا كبيرًا وهائلًا مِنَ الأوساطِ الأكاديميَّة.

وقد طَالَبَت نظريَّةُ النُّشوءِ الحديثة بالقَبول، ولاقَتْ قَبُولاً في أغلبيَّة أنحاء العالم. وتقول هذه النظريَّة إنَّهُ لا يوجد خالِقٌ لهذا الكون كما نَعْرِفُهُ، بل إنَّهُ وُجِدَ بالصُّدفة وتَطَوَّرَ مِنْ خلال تَغييرات مُستمرَّة وطَفْرات وتَحَوُّلات إلى الأعلى تَتَدَرَّجُ مِنَ البَساطة إلى التَّعقيد مِنْ خلال عمليَّة عشوائيَّة تمامًا تُسيطر أساسًا على الفِكْرِ البشريّ.

وأعتقد أنَّنا نَتوقَّع مِن هؤلاءِ الأشخاصِ الَّذين يَرفضونَ اللهَ، الأشخاصِ الَّذين يَرفضونَ الكِتابَ المُقَدَّسَ، ومِنَ الأشخاصِ الَّذينَ لا يُحِبُّونَ الربَّ يَسوعَ المسيحَ، والذينَ لا يَعرفونَهُ، ومِنَ الأشخاصِ الذينَ يُحِبُّونَ الخطيَّة، ومِنَ النَّاسِ الَّذينَ لا يعرفونَ الدَّيَّانَ الأخلاقيَّ أوِ الشَّريعة الأدبيَّة؛ نَتوقَّعُ مِنْ هؤلاء النَّاس أنْ يكونوا سُعَداء بهذا التَّفسير المُريح لكيفيَّة وجود الأشياء. وأعتقد أنَّ هذا هو الشَّيء الَّذي يَصدمنا حقًّا حينَ نَرى أنَّ هذه الكذبة المُختصَّة بالتطوُّر قد اكتسَحَت الأوساط المسيحيَّة الإنجيليَّة أيضًا. فقد شَعَرَ اللَّاهوتيُّونَ والمُفَسِّرونَ وشُرَّاحُ الكتابِ المقدَّس بالحاجة إلى أَخْذِ التَّفسير البسيطِ للخليقة (كما جاءَ في الأصحاح الأوَّل مِن سِفْر التَّكوين) وَرَفْضِهِ بشكلٍ أساسيّ.

وقد كنتُ أقرأُ بعدَ ظُهْر اليوم كتابَ تَفسيرٍ مَعروفٍ ومَشهورٍ جِدًّا عن سِفْر التَّكوين عَبَّرَ فيهِ المُفَسِّرُ عن هذا الرَّأيِ تمامًا إذْ إنَّهُ يقول إنَّ هذا الأصحاح لا يَعني حَرفيًّا ما يَقول. فاللهُ لم يَقْصِد حَقًّا أنْ يقول إنَّهُ قامَ بعمليَّة الخَلْق في سِتَّة أيَّام، بل إنَّهُ مِنَ الواضِحِ أنَّهُ قَصَدَ شيئًا آخر لأنَّ العِلْمَ يُخبرُنا إنَّ الأمرَ لم يَحْدُث هكذا.

وبصراحة، ليس من السَّهل أنْ نَفْرِضَ نظريَّة التطوُّر على تكوين 1. فهي مُهِمَّة صعبة جدًّا على أيِّ شَارِحٍ أو مُفَسِّرٍ لأنَّهُ لا يوجد أيُّ شيء البَتَّة في ذلك المَقطع الكِتابيّ، ولا في أيِّ مَوْضِعٍ آخر في الكتاب المقدَّس، يَسمَح بمِثْل هذا التَّفسير الغَريب الَّذي تُنادي به نظريَّة التطوُّر. ومِنَ المؤكَّد أنَّه لا يوجد شيء في تكوين 1: 1 – 2: 3 يَختصّ بقصَّة الخَلْق يَصِف بأيِّ طريقة أو شكل أو أسلوب أيَّ شيءٍ لَهُ صِلَة بالتَّطوُّر. نتيجة لذلك، مِنْ أجل فَرْض نظريَّة التطوُّر على تكوين 1، يُضْطَرُّ هؤلاءِ الأشخاصُ إلى إنكارِ قصَّةِ الخَلْقِ البسيطة، والمُباشرة، والمؤكَّدة، والواضحة، والتاريخيَّة. وَهُمْ يُضْطَرُّونَ أيضًا إلى إعادة تَصْنيف قصَّة الخلق تلك بأنَّها قصَّة رمزيَّة، أو بأنَّها خُرافَة، أو بأنَّها أُسطورة، أو بأنَّها مكتوبة بأسلوبٍ أدبيٍّ شِعْرِيٍّ ليسَ حَرفيًّا.

وَهُم يَفعلون ذلك مِنْ أجلِ تَطويعِ الكِتابَ المقدَّسَ لنظريَّة التطوُّر البعيدة عنِ الله، والبعيدة عنِ المنطق، والمُستحيلة. وأقولُ، مَرَّةً أخرى، إنَّهُ لا يوجد في النصَّ أيُّ شيءٍ يَدفعُ أيَّ شخصٍ إلى استنتاج أنَّ هذه القصَّة رمزيَّة. ولا يوجد في النصَّ أيُّ شيءٍ شِعْرِيّ (بأيَّة طريقة) في اللُّغة العِبْريَّة. ولا يوجد في النصِّ أيُّ شيءٍ يُشيرُ إلى أنَّها خُرافَة أو أُسطورة. لذا فقد ابتَدَعَ هؤلاءِ الأشخاصُ هذه الأشياء لكي يَفْرِضُوا نَظريَّة الخَلْق الجَاحِدَة للهِ على الكِتابِ المُقدَّس.

ورُبَّما تَتساءَلون: "لماذا يَفعلونَ ذلك؟ ما الذي يَدفَعُ هؤلاءِ الأشخاصُ الَّذينَ يَزْعُمونَ أنَّهُم مُؤمِنونَ إلى القيامِ بذلك؟" هناكَ عِدَّة أسباب:

أوَّلاً، أنْ يَحْظَوْا بالقَبول في الأوساط العِلميَّة. فَمِنَ المُهمِّ جدًّا (إذا كنتَ تَعمل في جامعة، أو إذا كنتَ تَعمل في مؤسَّسة تعليميَّة)، مِنَ المُهِمِّ ألَّا تُؤمِن بِخَلْق الله للكَوْن إنْ أردتَ أنْ تُحافِظَ على وَظيفَتِك وأن تُحافظَ على عَمَلِك.

ثانيًا، إنَّ النَّاسَ يَفعلون ذلك لأنَّهم يَجهلونَ العِلْمَ الحَقيقيَّ. فَهُمْ لا يَفهَمونَ حقًّا العلْم، ولا يُدركونَ قُدرات العِلْم ومَحدوديَّاتِه. وقد خُدِعُوا أصلاً بالعِلْم – أو بالأحرى بِما يُسَمَّى خَطَأً "عِلْمًا".

ثالثًا، أعتقد أنَّهُمْ مُرْغَمونَ على ذلك على غِرارِ ما حَدَثَ معَ "داروين" إذْ إنَّهُمْ خُدِعُوا بالمَظاهَر. فقد اسْتَنَدَ داروين في كُلِّ نِظامِهِ على مُلاحظاتٍ وَهميَّة لا صِلَةَ لها البَتَّة بالحَمْضِ النَّوويِّ، ولا صِلَةَ لها بالجينات الوراثيَّة، ولا صِلَةَ لها البَتَّة بما كانَ يَجري حقًّا.

لهذه الأسباب (أي بسبب خوفهم مِنَ المجتمع العِلميِّ، وبسبب خوفهم مِنَ العِلْم الزَّائف، وبسبب خوفهم إلى حَدٍّ ما مِنَ الأوهام النَّاجمة عن المُلاحظاتِ الَّتي قرأوا عنها)، فقد أَذْعَنوا وقَبِلوا فِكرة التطوُّر المبنيَّة على فِكرة الاتِّساق الَّتي يُطْلَقُ عليها اسم "مبدأ الوتيرة الواحدة"؛ وهي نَظريَّة تقول إنَّ كُلَّ شيء يَستمرُّ على المِنْوالِ نَفسِهِ في هذه العمليَّة الطويلة الَّتي تَتطلَّب مليارات السِّنين، وإنَّ كُلَّ شيء يَتقدَّم بنفس السُّرعة. فَهُمْ يَرَوْنَ اتِّساقًا، وَيَرَوْنَ أنَّ الأشياءَ تَسيرُ بسُرعة مُعيَّنة فيَستنتجونَ مِن ذلك أنَّها كانت (وما تَزالُ) تَجري بنفسِ تلك السُّرعة، وأنَّها ابتدأت بشيءٍ بسيطٍ جدًّا وسارَت بنفس السُّرعة طَوال الطَّريق إلى أنْ وَصَلْنا إلى ما وَصَلْنا إليه اليوم. وَهُمْ يَفترضونَ أنَّ تلك العمليَّة استغرَقت نحو 20 مليار سنة.

ولكِنَّ الكتاب المقدَّس لا يَسمح بمِثْلِ هذا الشَّيء وبِمْثل هذا الوَهْم. فنحن نقرأ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِنْ رسالة بُطرس الثانية أنَّ المُستهزِئينَ سيأتونَ ويقولون: "مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ كُلُّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَة". فهؤلاءِ السَّاخرون، الَّذينَ يُنكرونَ في الأصل المجيءَ الثَّاني، يقولون إنَّهُ لا يوجد شيءٌ يتغيَّر. فكُلُّ شيءٍ باقٍ على حَالِهِ ويَسيرُ على المِنْوالِ نَفسِهِ. فلا شيء يَتغيَّر. ومِنَ الواضحِ أنَّهم يُقِرُّونَ بقصَّة الخَلْق، ولكنَّهم يقولونَ: "مِنْ بَدْءِ الخَليقةِ، لم يَكْسِر أيُّ شيءٍ هذِهِ الوَتيرَة".

ولكِنَّ العدد الخامس يقول إنَّهُم عندما يُصِرُّونَ على موقِفِهِم هذا، أيْ عندما يَقولونَ إنَّ كُلَّ شيءٍ يَستمرُّ بنفس الوتيرة، فإنَّ "هذَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ بِإِرَادَتِهِمْ: أَنَّ السَّمَاوَاتِ كَانَتْ مُنْذُ الْقَدِيمِ، وَالأَرْضَ بِكَلِمَةِ اللهِ قَائِمَةً مِنَ الْمَاءِ وَبِالْمَاء". وهو يُشيرُ إلى الخَلْقِ هُنا ويقولُ إنَّ "العَالَمَ الكَائِنَ حِينَئِذٍ فَاضَ عَلَيْهِ المَاءُ فَهَلَكَ. وَأَمَّا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ الكَائِنَةُ الآنَ، فَهِيَ مَخْزُونَةٌ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ عَيْنِهَا، مَحْفُوظَةً لِلنَّارِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَهَلاَكِ النَّاسِ الْفُجَّارِ".

لذا فإنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ الَّذين يقولون إنَّ كُلَّ شيء مُستمرٌّ دائمًا على الحالة الَّتي كانَ عليها مُنذُ البداية قد نَسَوْا أنَّهُ جاءَ وَقْتٌ كانت فيهِ السَّماواتُ موجودة قبلَ وقتٍ طويلٍ جدًّا، وأنَّ الأرضَ قد تَشَكَّلَتْ مِنَ الماءِ وبالماءِ، وأنَّ هناكَ وقتًا آخر هَلَكَتْ فيهِ الأرضُ بسببِ طُوْفان. بعبارة أخرى، فإنَّ بُطرسَ يُشيرُ إلى حقيقة أنَّ كُلَّ شيءٍ لم يَستمرَّ مِنْ خلال عمليَّة الوتيرة الواحدة منذ البداية، بل إنَّهُ كان هناكَ حَدَثانِ مُفاجِئان: الأوَّل هوَ الخَلْق؛ والثَّاني هو الطُّوفانُ الَّذي غَطَّى الأرضَ كُلَّها. فقد حَدَثت تغييراتٌ هائلة في الأرضِ الَّتي نَعْرِفُها الآن. فالخَلْقُ نَفْسُهُ كانَ حَدَثًا مُفاجِئًا هائلاً. ففي الأصل، كانتِ السَّماواتُ موجودة قبلَ وقتٍ طويلٍ ولم تكن الأرضُ قد خُلِقَتْ مِنَ الماءِ وبالماء. وسوفَ نُعَلِّق أكثر على هذه النُّقطة حين نَعودُ إلى سفر التَّكوين. وقد جاءَ وقتٌ هَلَكَتْ فيهِ الكُرة الأرضيَّة كُلُّها إذْ إنَّ طُوفانا غَمَرَها كُلَّها. وقد كانَ لذلك الحَدَث المُفاجئ تأثيرٌ هائلٌ على سَطْحِ الأرض.

فهذه الأرضُ لم تَسِرْ على وَتيرة واحدة طَوالَ وُجودِها، بل إنَّ حَدَثَيْنِ هائِلَيْنِ مُفاجِئَيْنِ قد أثَّرا في حالَتِها الرَّاهنة: الأوَّلُ هُوَ الخَلْقُ نَفْسُهُ، والثَّاني هو الطُّوفان. ويَدَّعي أنْصارُ مبدأ الوتيرة الواحدة أنَّ الرُّسوبيَّاتِ في الصُّخور، والطَّبقات الرُّسوبيَّة، والأحافير، وما رافَقَها مِنْ تأثيراتٍ كيمياويَّة مُختصَّة بالتَّأريخِ الجيولوجِيٍّ القائم على مبدأ الوتيرة الواحدة تقتضي أنْ يكونَ عُمْرُ الأرض مليارات السِّنين. وفي أوائلِ القرن التَّاسع عشر، كانت الفِكرة الأساسيَّة الَّتي يقوم عليها مبدأ الوتيرة الواحدة تقول إنَّ "الحاضِر هو مِفتاح الماضي" – أيْ أنَّ كُلَّ شيء كانَ يَسيرُ دائمًا بالطَّريقة الَّتي يَسيرُ عليها الآن؛ وهي فِكرة نَشَرَها "جيمس هَتون" (James Hutton) و "تشارلز لايل" (Charles Lyle) اللَّذانَ أَثَّرا بِدَوْرِهِما في فِكْرِ "داروين".

إنَّ مبدأ "الوتيرة الواحدة" هو الاعتقاد بأنَّ أصل وتطوُّر كل الأشياء يمكن أنْ يُفَسَّر حَصريًّا باستخدام نفس القوانين الطبيعيَّة والعمليَّات الَّتي نَراها تَعمل اليوم. وقد كان مبدأ الوتيرة الواحدة (وما يَزال) هو العمود الفقريّ للجيولوجيا التاريخيَّة المُعاصِرة. وهو المسؤول عن الاعتقاد الشَّائع حاليًّا بأنَّ عُمر الأرض هو مليارات السِّنين. ويُصِرُّ أنصار مبدأ الوتيرة الواحدة على أنَّ السِّمات والتغيُّرات الجيولوجيَّة الَّتي تَسَبَّبَتْ ذاتَ يومٍ في الكارثة الجيولوجيَّة المُفاجئة يمكن الآن أن تُفَسَّر تفسيرًا مُقْنِعًا مِن خلال سَيْر العمليَّات بصورة عاديَّة على مَدى فترات زمنيَّة طويلة جدًّا. فهذا هو ما يقولونه بصورة رئيسيَّة. و "سكوت هولس" (Scott Hulse) الَّذي كَتَبَ "انهيار نظريَّة التطوُّر" (The Collapse of Evolution) هو الَّذي أعطانا ذلك التَّعريف.

ولكِنَّ أنصار نظريَّة التطوُّر يُجادلونَ ويَرفضونَ ذلك قائلين إنَّ الأدلَّة الجيولوجيَّة تُدَعِّم لا مبدأ الوتيرة الواحدة، بل حُدوث كارثة مُفاجئة – ولا سِيَّما أنَّ سَطْح الأرض يؤكِّد حدوث كارثة مائيَّة كونيَّة هائلة. بعبارة أخرى، فإنَّ الكارثة المُفاجئة مُرتبطة بالماء. وعند الخَلْق، كانت هناك أرضٌ مَغمورة حرفيًّا بالماء تَكَوَّنت بِفِعْلِ حَدَث مُفاجئ. وفي وقت الطُّوفان، كان هناك طوفانٌ غَمَرَ الأرض وترك تأثيرًا هائلاً في تشكيلِها. وهناك لاهوتيَّان وعالمان بارِزان هُما "هنري موريس" (Henry Morris) و "جون ويتكومب" (John Whitcomb) ذَكَرا أدلَّة مِن عمليَّات طبيعيَّة مَعروفة (بما في ذلك مقاومة القُوَّة المائيَّة لمياه الطُّوفان) لكي يُبَيِّنوا ضرورة حدوث طوفان على مُستوى العالم كُلِّه لتفسير البُنى الجيولوجيَّة الحاليَّة للأرض الَّتي لا يمكن تفسيرها مِن خلال العمليَّات البطيئة الحاليَّة. وبصراحة، يا أصدقائي، فإنَّ العِلْم (أيْ العِلْم الحقيقيّ) لا يَقف البَتَّة في صَفِّ أنصار نظريَّة التطوُّر. فالظَّواهر الجيولوجيَّة الواسعة النِّطاق (مِثل كثرة الصُّخور والبُنى الرُّسوبيَّة في جميع أرجاء سطح الأرض، ووجود الأصداف البحريَّة على قمم أعلى الجِبال، والأحافير الَّتي تكونت سريعًا أو فجأةً تقريبًا، ومدافن الأحافير الكبيرة جدًّا والعميقة جدًّا، والأشكال المضغوطة مِنَ الفحم والغاز) تُشيرُ جميعُها إلى كارثة مائيَّة مُفاجئة، لا إلى عمليَّة طبيعيَّة بطيئة. وهناك المزيد والمزيد مِن الدِّراسات الحديثة الَّتي تُؤكِّد هذا الأمر.

ويُلَخِّص "سكوت هولس" (Scott Hulse) بعض هذه الأدلَّة. وسوف أذكُرُها لكم بإيجاز: "يقول أنصار قصَّة الخَلْق إنَّ مبادئ الوتيرة الواحدة لا يمكن أن تُفَسِّر السِّمات والأشكال الجيولوجيَّة الرئيسيَّة. فمثلاً، هناك هضبة التِّبت الَّتي تَحوي مستودعات رُسوبيَّة سُمْكُها يَصِل إلى آلاف الأقدام، وهي موجودة حاليًّا على ارتفاع ثلاثة أميال فوق مستوى سطح البحر. وهضبة الكارو الإفريقيَّة تحوي نحو 800 مليار حيوانٍ مِنَ الفَقاريَّات. وطَبقة الأحافير السَّمكيَّة في كاليفورنيا تحوي نحو مليار سمكة في منطقة لا تَتعدَّى مساحتها أربعة أميال مُرَبَّعة. كذلك، فإنَّ مبدأ الوتيرة الواحدة غير قادر على تفسير الهضبة الكولومبيَّة في شمال غرب الولايات المُتَّحدة، وهي هضبة حِمَم بُركانيَّة مُدهشة يبلغ سُمْكُها بضعة آلاف مِنَ الأقدام وتُغَطِّي مساحة 200 ألف ميل مُرَبَّع. كذلك، فإنَّ مبدأ الوتيرة الواحدة عاجز عن تقديم تفسير معقول لأهميَّة بعض المفاهيم الجيولوجيَّة المُهمَّة مِثل ظُهور الجبال". وهو يَقولُ المَزيد؛ ولكنِّي لا أُريدُ أنْ أُضْجِرَكُمْ بذلك.

فكُلُّ هذه الأشياء الَّتي تتطلَّب تغييرًا هائلًا مُفاجئًا، ودَفْنًا مُفاجئًا، وَتَحَجُّرًا (كما يُسَمَّى) ضروريَّة لتَشَكُّل الأحافير وحِفْظِها. والطريقة الوحيدة المُحتملة لتفسير وجود أصداف بَحريَّة على قِمَم الجبال على ارتفاعٍ يَزيدُ آلافَ الأميالِ عن سطح البحر هو أنَّها كانت مَغمورةً بالمياه ذات يوم.

ويكتُب "دوغلاس كيلي" (Douglas Kelly) في كتابه "الخَلْقُ والتَّغيير" (Creation and Change): "إنَّ فَرَضِيَّة مبدأ الوتيرة الواحدة القائلة إنَّهُ يَلزَم وجود ملايين السِّنين مِنَ العملِ الجيولوجيِّ القائم على عمليَّات طبيعيَّة بطيئة تجري في الحاضر لتفسير بُنية مِثل غراند كانيون الأمريكيّ هي فرضيَّة تَطرح سؤالًا جَادًّا بخصوص انفجار جبل القدِّيس هيلين في ولاية واشنطن في الثَّامن عشر مِن شهر أيَّار/مايو 1980. فهناك طاقة هائلة تُعادِل 20 مليون طُنّ مِنَ المُتفجِّرات دَمَّرت 400 كيلو متر مُربَّع مِنَ الغابات في سِتِّ دقائق، وغَيَّرت وجه الجبل، وأَخْرَجَتْ أعماقَ الأرضِ والصُّخور، وتركت تشكيلات لا تَختلف عن أيَّة أجزاء أخرى في غراند كانيون. وتُشير الدراسات الحديثة الَّتي أُجريت على ظاهرة جبل القدِّيس هيلين إلى أنَّه لو حاولنا تأريخ هذه البُنَى الَّتي تَشكَّلت في سنة 1980 باستخدام نظريَّة الوتيرة الواحدة لوجدنا أنَّها تَحتاج إلى ملايين السِّنين. ولكِنْ مِنْ سُخرية القَدَر أنَّ واحدًا مِنَ العناصر الرئيسيَّة المُستخدمة لعرض التَّرتيب الزَّمني للأحداث بحسب مبدأ الوتيرة الواحدة، وهو: العَمود الجيولوجيّ، يُؤكِّد عند الفحص الدَّقيق أنَّ ذلك حدث نتيجة كارثة مُفاجئة". وهو يُواصِل حديثَهُ هَكَذا.

وهناك مؤشِّرات أخرى مُدهشة تُؤكِّد أنَّ الكَوْنَ فَتِيٌّ. وهناكَ مُؤشِّرٌ أجد أنَّه مُدهشٌ وهو مسألة التُّراب على القمر. فقبل أنْ يَذهب الإنسان إلى القمر، كان بعض العُلماء المُكَرَّسين للدِّفاع عن قضيَّة أنَّ عُمر القمر هو حوالي (3.5) مليار سنة يقولون إنَّ ذلك يعني أنَّ هناك طبقة كثيفة جدًّا مِن التُّراب على القمر. وهُناكَ كاتبٌ اسمُهُ "ر.أ. ليتلتون" (R.A. Littleton)، وهو عالِمٌ فَلَكِيٌّ ومُستشارٌ لدى برنامج الفضاء الأمريكيّ، كَتَبَ يقول: "إنَّ سَطح القمر مُعَرَّض لأشعَّة الشمس المباشرة. والأشعَّة فوق البنفسجيَّة القويَّة والأشعَّة السِّينيَّة تستطيع أن تُفَتِّت الطَّبقات السَّطحيَّة للصُّخور المكشوفة وأنْ تَجْعَلَها تُرابًا بمُعَدَّل أجزاء مِنْ عشرات الآلاف مِنَ البُوصَة كُلَّ سنة. ولكِنْ حتَّى هذا المقدار الضَّئيل جدًّا يمكن أنْ يُشَكِّل طَوال عُمْر القمر طبقة عُمْقُها أميال عديدة مِنَ التُّراب. لذلك فقد كانت نَظريَّتُه تقول إنَّ القمر مُغَطَّى بطبقة تُرابيَّة يَصِلُ سُمْكُها إلى بِضْعَة أميال.

ويُحْكَى أنَّهُ عندما قَرَأَ "نيل أرمسترونغ" ذلك، شَعَرَ بقلقٍ شَديد مِن أنَّه عندما يَطَأ خارج السَّفينة الفضائيَّة فإنَّه قد يَغرق إلى الأبد في أطنانٍ مِنَ التُّراب العميق. ولكنَّهُ وجد طبقة رقيقة جدًّا مِنَ التُّراب. وإنْ كانت الحسابات الَّتي تُشير إلى مُعَدَّل تراكُم التُّراب صحيحة، فإنَّ سُمْكَ طبقة التُّراب لا تُشير إلى أنَّ عُمْر القمر مليار سنة، ولا حتَّى مليون سنة. والحقيقة هي أنَّ طبقة التُّراب تُشير إلى أنَّ عُمْر القمر هو بِضعة آلاف مِنَ السِّنين فقط إنْ كان التُّراب يَتشكَّل بتلك الطَّريقة نتيجة الأشعَّة فوق البنفسجيَّة للشَّمس.

وهناك شيءٌ مُدهشٌ آخر يَختصُّ بتدفُّقات النِّفْط. فعندما يَتِمُّ حَفْر الآبار النِّفطيَّة، فإنَّ الضَّغط الشَّديد في هذه الآبار يُجْبِر النِّفط على الخروج في شكل دَفْقٍ قويٍّ. ويَرى بعض عُلماء طبقات الأرض أنَّ الضَّغطُ الهائل الَّذي ما يزال يُحيط بالآبار النِّفطيَّة يَشْهَد أنَّ الأرضَ فَتِيَّة. وهناكَ عالِمٌ اسمُهُ "ديكي" (Dickey) وعُلماء آخرون قَدَّموا النَّتائج حول هذا الموضوع في بحثٍ أَجْرَوْهُ ونَشَروهُ في كِتابٍ بعنوان "العِلْم" (Science). وإليكم ما كَتَبوه: "تُبَيِّن الدِّراسات أنَّ أيَّ ضغطٍ يَنشأ ينبغي أنْ يَتَبَدَّد وأنْ يَتَسَرَّب إلى الصُّخور المجاورة في غضون بضعة آلاف مِنَ السِّنين. لِذا فإنَّ الضَّغوطَ الهائلةَ الموجودةَ في طبقاتِ النِّفطِ تُفَنِّدُ القولَ بأنَّ عُمْرَها يَصِل إلى ملايين السِّنين، وتُرَجِّحُ عُمْرًا فَتِيًّا يَقِلُّ عَنْ عشرة آلاف سنة مِنْ تَشَكُّل الصُّخور واحتجاز النِّفْطِ فيها".

ثُمَّ إنَّني أُحِبُّ ما جاءَ هُنا. فقد كَتَبَ "هنري موريس" كتابًا بعنوان "عِلْمُ الكَوْنِ الكِتابِيِّ والعِلْم الحَديث" (Biblical Cosmology and Modern Science). ويَتحدَّث الفصل السَّادس منه عن موضوع سُكَّان العالَم والتَّرتيب الزَّمنيّ للأحداث في الكتاب المقدَّس. وهو يُبَيِّن بتفصيلٍ دقيق وبالاستعانة بمُعادلات رياضيَّة كيف أنَّ عدد سُكَّان العالم يُشير إلى عُمْر الأرض. وفي كِتابٍ آخر بعنوان "قِصَّة الخَلْق مِنْ مَنْظورٍ عِلْمِيٍّ" (Scientific Creationism)، يُبَيِّن أنَّ مُعَدَّل النُّمُوّ السُّكَّاني المُحافظ جدًّا يبلغ نِصْف بالمئة في السَّنة، أيْ رُبْع مُعَدَّل النُّموّ السُّكَّانيّ الحاليّ. ولكي لا نُجانب الصَّواب، لنقل إنَّهُ يَبلُغ رُبْع مُعَدَّل النُّموّ الحاليّ. ولنقل إنَّ السُّكانَ يَنمونَ بمُعَدَّل نِصْف بالمئة في السَّنة. وهذا يعني أنَّنا سنَحصل على عدد السُّكَّان الحالي للأرض في أربعة آلاف سنة فقط. وبحسب التَّرتيب الزَّمنيّ للأحداث في الكتاب المقدَّس، فإنَّ هذا صحيح لأنَّهُ قبل أربعة آلاف سنة، حَدَثَ الطُّوفان.

وهو يَكتُب قائلاً: "يَتَّضِح لنا أكثر فأكثر أنَّ الجنسَ البشريَّ لا يمكن أنْ يكونَ قديمًا جدًّا. فالتَّرتيبُ الزمنيُّ التقليديُّ للكتاب المقدَّس أكثر واقعيَّة بكُلّ تأكيد مِنْ نظريَّة النُّشوء الَّتي تَفترِض أنَّ عُمْرَهُ ملايين السِّنين". وهو يقول: "لو كانوا على صَواب، وكانت هناك ملايين السِّنين، فإنَّ عدد سُكَّان الأرض الآن سيكون [10 أُسّ 5000]. وإذا استطعنا في النِّهاية أنْ نَجْمَع كُلَّ العوالِم الأخرى في الكون وأنْ نَبني مُدُنًا في الفَضاء في كُلِّ مكان آخر في فَضاءات النُّجوم، سنجد أنَّ أكبر عدد مِنَ النَّاس يمكن حَشْرُهُ في الكَوْن المعروف لدينا لا يَتَعَدَّى [10 أُسّ 100]".

ويمكنكم أن تنظروا إلى هذه المسألة مِنْ وُجهة نظر العِلْم الصَّادق وأنْ تَحصلوا على كُلِّ التَّأكيد الَّذي ترغبون في الحصول عليه بخصوص الأرض الفَتِيَّة. فمِن خلال الآلات المُختلفة لقياس الزَّمن، وأدوات القياس الكيمياويَّة الَّتي استُخدمت لقياس عُمْر الأرض والسَّماوات، يمكنكم أن تَرَوْا كيف أنَّ العِلْمَ الحقيقيَّ يُقدِّم لكم جوابًا صحيحًا إنْ فَهِمْتُم الحقيقة التَّالية: أنَّهُ عندما خَلَقَ اللهُ الأرضَ فإنَّهُ خَلَقَها كما هي. فقد خَلَقَها مُكتَمِلَةً. وقد خَلَقَها وَجَعَلَها تَبدو وكأنَّهُ قد مَضى زَمَنٌ على وُجودِها.

وما الَّذي أعنيهِ بذلك؟ في اليوم الأوَّل خَلَقَ اللهُ النُّورَ والظُّلمة. وفي اليوم الثَّاني خَلَقَ السَّماوات، وفي اليوم الثَّالث خَلَقَ الأرض. وفي اليوم الرابع خَلَقَ الأجْرامَ السَّماويَّة الَّتي تُوَفِّر النُّور. وفي اليوم الخامس خَلَقَ الأسماكَ والطُّيور. وفي اليوم السَّادس خَلَقَ الكائنات الأرضيَّة والإنسان. وقد خَلَقَها كُلَّها ناضِجَة وكاملة النُّموّ. فهو لم يَخلِق بُذورًا وخلايا. وهو لم يُرسِل خليَّةً واحدةً مُبَرْمَجَةً للانقسام بنفسها مِرارًا وتَكرارًا على مَدى ملايين السِّنين. فلم تكن هناك بذور، ولا أَجِنَّة. ولم تكن هناكَ بيضة، بل كانت هناك دجاجة مُكتملة النُّمُوّ. وهو لم يبتدئ بنورٍ جُزئيٍّ، ولا بِغازٍ جُزئيٍّ، ولا بِحَقْلٍ كهربائيٍّ مِغناطيسيٍّ جُزئيٍّ، ولا بِطاقَةٍ ذَرِّيَّةٍ جُزئيَّة. بل إنَّهُ خَلَق كَوْنًا ناضجًا ومُكتمِلاً يبدو وكأنَّهُ مَضى زَمَنٌ على وُجودِه. فعندما خُلِقَ آدَم، لم يكن نُطْفَة، ولم يَكُنْ طفلاً، بل كانَ إنسانًا مُكْتَمِلَ النُّضْج. فقد كانَ كُلُّ شيءٍ مُكتَمِلَ النُّضْجِ ومُكتَمل النُّموِّ. والخليقةُ المُفاجئةُ للكَوْنِ تُفَسِّرُ وجود خليقة ناضجة يبدو أنَّهُ مَضى على وُجودها دَهْرُ طَويل.

فإذا عَثَرتَ على شجرة بَلُّوط في بُستان، وكنتَ عالِمَ نَبات، يمكنك أنْ تُحْضِر مِنشارَكَ الصَّغير وأنْ تَقْطَعَ شجرة البَلُّوط تلك، وأنْ تَبتدئ في عَدِّ الحَلقات. وقد تَجِد أنَّهُ وفقًا لعدد الحلقات في شجرة البَلُّوط تلك فإنَّ عُمْرَها 400 سنة، ولكنَّ عُمْرَها الحقيقيَّ هو يومٌ واحدٌ فقط. فقد خُلِقَتْ كاملةَ النُّمُوِّ. وإذا وَجَدْتَ نُسورًا تُحَلِّق عاليًا، قد تبدو في سِنِّ الثَّلاثين، ولكنَّ عُمْرَها الحقيقيّ يومٌ واحدٌ فقط. وإذا وَجَدْتَ بعضَ الفِيَلَة في الجِوار، قد يبدو أنَّ عُمْرَها كبير، رُبَّما 50 أو 60 سنة، ولكنَّ عُمْرَها الحقيقيّ يومٌ واحدٌ فقط. وإذا وَجَدْتَ بعضَ الجِبال ورأيتها، قد تَفتَرِض أنَّ تلك الجبال والأخاديد المُحيطة بها، والوديان، والتِّلال قد تَشَكَّلت بعد سنواتٍ مِنَ الرِّيح، والمطر، والبراكين، والزَّلازِل؛ ولكنَّ الحقيقة هي أنَّها خُلِقَت جميعًا في يومٍ واحد. وإذا نَظرتَ إلى السَّماواتِ مِثلما فَعَلَ آدَم، ورأيتَ الفَضاءَ الفَسيحَ الهائِل فوقَك، وتساءلتَ عَنْ عُمْرِ السَّماوات، فإنَّ الجوابَ هو: 48 ساعة. فالأمرُ يُشْبِه ما قامَ بهِ يسوع حينَ حَوَّلَ الماءَ إلى خَمْر مِنْ دونِ عَمليَّة تَخَمُّر. فقد حَوَّلَ الماءَ إلى خَمْر وَحَسْب – فهي عمليَّة خَلْق في جُزْءٍ مِنَ الثَّانية.

وكما أَشَرْنا في كُلِّ هذه السِّلسِلة، فإنَّ التطوُّرَ مُستحيلٌ لأنَّ المُعادلة الَّتي تقول: ["لا أَحَد" × "لا شيء" = "كُلّ شيء"] هي مُعادلة مُستحيلة. وهي ليست مُستحيلة فقط، بل هي سَخيفة. ولا توجد أشكال انتقاليَّة. فالجينات الوراثيَّة تقود إلى التَّدهوُر، لا إلى التطوُّر. والبَديلُ هو أنَّ الجينات الوراثيَّة تَقود فقط إلى التَّراجُع، ولا يُمْكِن أنْ تَقودَ إلَّا إلى القُصور، وهو القانون الثَّاني في الدِّيناميكا الحَراريَّة. وهي لا تستطيع أنْ تُؤدِّي إلى شيءٍ أفضل. فلا توجد أيُّ شَفْرَة وراثيَّة تستطيع أنْ تَقوم بتلك النَّقْلَة. فأيُّ كائنٍ حَيٍّ يَخضَع للجينات الوراثيَّة الخاصَّة به ولا شيء خارِج ذلك. وكما رأينا، فإنَّ عِلْمَ طبقات الأرض النَّزيه لا يستطيع أنْ يُؤكِّد أنَّ العَالَمَ قَديمٌ أو أنَّهُ خَضَعَ لعمليَّة تَطَوُّر. وسِجِلَّاتُ الأحافير لا تستطيع أنْ تُبَرْهِنَ ذلك، بل إنَّها تُبَرْهِن على حدوث كارثة مُفاجئة. وَهَلُمَّ جَرَّا.

وأنا لا أُقَدِّم لكم ذلك لِمُجَرَّد أنِّي أُطالب العِلْم بأنْ يكون نَزيهًا في هذا الموقف؛ بل في ضَوْء هذه الخلفيَّة كُلِّها، لِنَرجِع إلى الأصحاح الأوَّل مِن سفر التَّكوين ونَقرأ القصَّة الحقيقيَّة هُنا.

فكيف وَصَلَ الكَوْنُ إلى هذه الصُّورة الَّتي هو عليها الآن؟ إليكم كيف إذْ نقرأ في العدد الأوَّل: "فِي البَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ". فاللُّغة العِبريَّة لا تَحوي كلمةً بمعنى "الكَوْن". بل هُناك عِبارة بمعنى "كَوْن". والعِبارة المُستخَدَمة في اللُّغة العِبريَّة بِمَعْنى "كَوْن" هي: "السَّماواتِ والأرض". فهي تَعني ببساطة: "الكَوْن". في البَدْء، خَلَقَ اللهُ "بارا" (bara)، "إكس نيهيلو" (ex nihilo)، أيْ مِنَ العَدَم، الكَوْن. فَمِنْ دون وُجود مادَّة سابقة، ومِنْ دون وجود طاقة سابقة، خَلَقَ اللهُ الكَوْنَ كُلَّهُ.

وكما نَعلم، فإنَّ اللهَ لا بِدايَة لَهُ. لذا فإنَّهُ يقول في سِفْر الخروج 3: 14: " أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ". فَهُوَ اللهُ الأزليُّ. واللهُ الأزليُّ لم يَكُنْ دائمًا الخالِق، بل إنَّهُ صَارَ، في نُقطةٍ ما في الأزَل، الخَالِق.

والآن، لقد طَرَحنا السُّؤال التَّالي في المَرَّة الماضية: "كيفَ خَلَقَ الكَوْن؟" وقد أَجَبْنا عليه قائِلين: "بِكَلِمَتِه". فنحنُ نقرأ في العدد 3: "وَقَالَ اللهُ: لِيَكُنْ نُورٌ". وفي العدد 6: "وَقَالَ اللهُ: لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ المِيَاه". وفي العدد 9: "وَقَالَ اللهُ: لِتَجْتَمِعِ المِيَاهُ ..."، وَهَلُمَّ جَرَّا. فقد خَلَقَ اللهُ الكَوْنَ بِمُجَرَّد كلمة مِنْه. فقد خَلَقَ الكَوْنَ هَكذا.

وَمَتى خَلَقَ الكَوْن؟ لقد خَلَقَهُ في سِتَّة أيَّام قبل نحو سِتَّة آلاف سنة، أو رُبَّما أكثر قليلاً. ولَكِنَّهُ بِكُلِّ تأكيد أقَلّ مِن عشرة آلاف سنة. فقد فَعَلَ ذلك قبل نحو سِتَّة آلاف سنة.

والآنْ، بَقِيَ السُّؤال الَّذي لم أُجِبْ عنهُ في المَرَّة السَّابقة وهو: "لماذا خَلَقَ الكَوْن؟" ولا شَكَّ أنَّ أوَّل جَوابٍ يَخْطُرُ ببالي هو: "لأنَّهُ شَاءَ ذلك". وهذا هو أفضَل وأصْدَق جواب. والسُّؤال الَّذي يَليه هو: "لماذا شاءَ ذلك؟" الجواب عن هذا السُّؤال واضحٌ جدًّا: "لقد شاءَ ذلك لأنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ مَجْدَهُ. وقد كانتِ الخَليقةُ طَريقةً أُخرى يُظْهَرُ مِنْ خلالِها مَجْدَهُ أمامَ الكائنات الملائكيَّة وأمام البشر أيضًا لكي يُقَدِّروا قُدرَتَهُ العَظيمَةَ على الخَلْق".

ونقرأ في سِفْر الرُّؤيا 4: 11: "أَنْتَ مُسْتَحِق أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأخُذَ المَجْدَ وَالكَرَامَةَ وَالقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ". وقد قلتُ لكم إنَّهُ خَلَقَ الكَوْنَ لأنَّهُ شاءَ ذلك. فقد خَلَقَهُ لأنَّهُ شاءَ أنْ يَفعلَ ذلك. وقد شاءَ أن يَفعل ذلك لكي يَتِمَّ تَسبيحُهُ وتَمجيدُهُ إلى أبدِ الآبدين على قُدْرَتِهِ هَذِهِ على الخَلْق – وَهُوَ أَمْرٌ يُظْهِرُ جَلالَهُ وطبيعَتَهُ. ونقرأ في سِفْر إشعياء والعدد 7، وفي سِفْر إشعياء 43 والعدد 20: "لقد فَعَلْتُ ذلكَ لِمَجْدي ... لقد فَعَلْتُ ذلكَ لِمَجْدي".

وفي هذه الخليقة، خَلَقَ الإنسان. ولكي نَتقدَّم خُطوة أخرى فإنَّهُ فَعَلَ ذلك لا فقط لكي يُظْهِر ذَكاءَهُ الخارِق العظيم، وقُدرتَهُ الخارقة، وحِكمتَهُ الفائقة، ومحبَّته العظيمة للجمال والتَّعقيد [مِنْ جِهَة]، وللنِّظامِ والاتِّساقِ [مِنْ جِهَةٍ أُخرى] فإنَّهُ يُظهِر الكثير عن طبيعَتِه في الخليقة. ولكِنَّهُ عَمِلَ أيضًا مِن خلال خَلْقِ الإنسانِ على إظْهارِ شَيءٍ لم يَكُن بمقدورِهِ أنْ يُظهرَهُ خِلافًا لذلك وَهُوَ: نِعْمَتهُ ورَحْمَته. لذلك، فقد فَعَلَ ذلك لكي يُظْهِر مَجْدَهُ، ويُظْهِر مَجْدَ خَليقَتِه، ومَجْدَ فِدائِه.

ويمكنكم أن تقولوا أيضًا إنَّهُ فعل ذلك لكي يُقَدِّم عَروسًا لابْنِهِ. وقد قلتُ لكم في وقتٍ سَابق أنَّني كنتُ أعتقد أنَّني لم أقرأ ذلك في أيِّ مكان، ولكنِّي تَذكَّرتُ فجأةً في أثناء دراستي للكتاب المقدَّس أنَّ اللهَ قالَ يومًا للابن إنَّهُ أَحَبَّهُ مَحبَّة كاملة وأنَّهُ قالَ لَهُ: "أنا أُحِبُّكَ مَحبَّةً فائقةً وأريدُ أنْ أُقَدِّم لك هَدِيَّة. لذلك، سوفَ أَقومُ بعمليَّة خَلْق، وسوفَ أفْدي مِنَ البشرِ عَروسًا لك. وسوفَ أُمَجِّدُ تلك العَروس وأجْعَلُ تلك العَروس تَكْتَسي بالبِرِّ والقداسة إلى الأبد. وسوفَ تَحمل تلك العروس صُورَتَكَ. وسوفَ تَسْجُدُ لَكَ تلك العَروسُ، وتَعْبُدُكَ، وتَخْدِمُكَ إلى أبدِ الآبِدين. وستكون هذه الهَديَّة تَعبيرًا عن محبَّتي لك بِوَصْفِكَ ابْني". فَخُطَّةُ اللهِ المَجيدة هذِهِ تَتَمَثَّلُ في أنْ يُعَبِّرَ لابْنِهِ الحَبيب، الأقنومِ الثَّاني في الثَّالوث، عن محبَّتِه – أيْ عن محبَّتِه الأزليَّة له – بأن يُعطيه بَشَرًا مَفْدِيِّينَ يَعْكِسونَ مَجْدَهُ، ويَخْدِمونَهُ، ويُسَبِّحونَ اسْمَهُ إلى الأبد. ويا لها مِنْ فِكرة عَظيمَة! يا لها مِن فِكرة عظيمة! وهي تَتَلَّخصُ في قَصْدِ اللهِ في الخَليقة.

والحقيقة هي أنَّني لم أقرأ ذلك في أيِّ مكان إلى أنِ اكتشفتُ (وَهُوَ أمرٌ مُحْبِطٌ قليلاً) كاتبًا مِنَ القرن الثَّاني عشر اسْمُهُ "ريتشارد سينت فكتور" (Richard of St. Victor) يُبَيِّن في كِتابٍ كلاسيكيٍّ لَهُ بعُنوان "عن الثَّالوث" (De Trinitate) جوهرَ هذا الحَقِّ العَظيم. فهو يُعَلِّم أنَّ اللهَ الآبَ غير المحدود أَحَبَّ اللهَ الابْنَ غير المحدود أيضًا مَحَبَّةً عظيمةً حتَّى إنَّهُ خَلَقَ مِنَ العَدَم عالمًا ماديًّا محدودًا لكي يَسْكُنَهُ أُناسٌ على صُورَةِ ابْنِهِ يَشتركونَ بصفتهم عَروسَ الابن في رَوعة الحياة الإلهيَّة بطريقة تُلائِم كَوْنَها مَخلوقات على صُورة الله نَفسِه. فلكي يُوفِّر عروسًا جميلةً لابنه، خَلَقَ اللهُ الأزليُّ كونًا كاملاً، وخَلَقَ فيهَ عالَمًا لم يكن له في السَّابق أيّ وجود ليكونَ مكانًا وموطِنًا تُقيمُ فيهِ العَروس. وهذه الهديَّة الرَّائعة مِنَ الآب إلى الابن اقْتَضَتْ خليقةً كاملةً مِنَ العَدَم". فهذا هو ما عَلَّمَهُ. وقد كانَ على صَواب.

"فِي البَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ". وبالمناسبة، فإنَّ العبارة "في البَدْء" تُشيرُ إلى شيءٍ لم يكن موجودًا سابقًا وَهُوَ: الزَّمان. فهو لم يكن لَهُ وُجود إلى أنْ خَلَقَهُ الله. ففي لَحظة مُعيَّنة مِنَ الأزَل، تَكَلَّمَ اللهُ فَخَلَقَ الكونَ – بما في ذلك الزَّمان. وعلى غِرار المكان والمادَّة، فإنَّ الزَّمانَ مَخلوقٌ يَخْدِمُ مَقاصِدَ اللهِ الَّذي خَلَقَها جميعًا.

إذًا، الزَّمانُ هو خليقة الله. والزَّمانُ يُوَفِّرُ إطارَ العملِ المُناسب للخَلْق: مِنَ اليوم الأوَّل إلى اليوم السَّادس. والزَّمانُ ليسَ مُطْلَقًا، والمكانُ ليس مُطلقًا. والمادة ليست مُطلقة. والزَّمان والمكان والمادَّة (كما نَعرفها) سَتُبْطَل. وقبل وجود العالمِ المادِّيِّ، أيْ قبل وجود مادَّة في المكان، لم يكن هناك زمان.

ويُعَبِّر القِدِّيس "أُغسطينوس" عن ذلك بالطَّريقة التَّالية: "مع ابتداء حركة المخلوقات، ابتدأ الزَّمان يَجري. ولا جَدوى مِنَ النَّظر إلى وجود زَمانٍ قبل الخلْق كما لو أنَّهُ بمقدور الزَّمانْ أنْ يوجد قبل أَوانِه. فإنْ لم تكن هناك حركة للخليقة الروحيَّة أو الماديَّة يتحرَّك فيها المستقبل مِنَ الحاضر انطلاقًا مِنَ الماضي، مِنَ المُؤكَّد أنَّهُ لم يكن يوجد زَمانٌ قَطّ. فالمخلوق لا يَملِك القُدرة على الحركة إنْ لم يَكُن له وجود. لذلك، لا مَفَرَّ مِنَ القول إنَّ الزَّمان ابتدأ عندَ خَلْقِ العَالَم عوضًا عنِ القول إنَّ العالمَ ابتدأَ بِخَلْقِ الزَّمان. فَكلاهُما مِنَ الله لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاء".

إذًا، فقد خَلَقَ اللهُ الزَّمان مَعَ كُلِّ شيءٍ آخر. والعَدَد الأوَّل يَذكُر الحقيقة العامَّة. ثُمَّ إنَّ الأعداد مِن 2 إلى 31 تُجَزِّئ ذلك إلى أحداث مُتعاقِبَة. ولننظر إلى اليوم الأوَّل. فهذا مُدهش حقًّا.

نحنُ الآن في اليوم الأوَّل إذْ نقرأ في العدد الثاني: "وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ. وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا" – أو اليوم الأوَّل (إنْ شِئتم). وهذا مُدهشٌ حقًّا.

والآنْ عندما يبتدئ اليوم الأوَّل، نَجِدُ أنَّ الأرضَ كانت في حالة فريدة جدًّا. وهناك ثلاث عبارات مُستخَدمة لوصف ذلك. فقد كانت "خَرِبَةً وَخَالِيَةً"، وَ "عَلَى وَجْهِ الغَمْرِ ظُلْمَةٌ"، وَ "رُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ المِيَاه". وهذه العبارات الثلاث تُقَدِّمُ لنا وصفًا لحال الخليقة في اليوم الأوَّل.

ولننظر إلى العِبارة الأولى، وهي عبارة مألوفة: "وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً". وبالمناسبة، حينَ يأتي الفِعْلُ (في اللُّغة العِبْريَّة) قَبْلَ الفِعْل، فإنَّ الهَدَفَ مِنْ ذلك هو تأكيد شيءٍ جديدٍ بشأنه. لذلك، قد يُتَرْجِمُ شَخْصٌ عِبرانِيٌّ هذه الجُملة هكذا: "فيما يَختصُّ بالأرض، فقد كانت خَرِبَة وخالِيَة". فقد وُجِدَ هذا الكوكَب الجديد. وفيما يَختصُّ بهذا الكوكب الجديد الَّذي هو مِحْوَر التَّركيز، فإنَّ لدينا قِصَّة فداء تَتَمَحْوَر حول الأرض مِنَ الآن إلى أنْ تَتِمَّ إعادة خلق السَّماوات الجديدة والأرض الجديدة. وفيما يَختصُّ بهذه الأرض، أيْ بهذا الشَّيء الجديد، كانت الأرض "توهو وَ بوهو" (tohu wa bohu) في اللُّغة العِبريَّة.

والآن، كيف تَفهمون "توهو وَ بوهو" - أيْ: "خَرِبَة وخَالِيَة"، خَرِبَة وخالية؟ أنا أَعلمُ ما يقولُهُ المُفَسِّرونَ المسيحيُّون. لذلك، فقد رَجَعْتُ ونَظرتُ إلى ما يقوله المُفَسِّرُ اليهوديُّ "أمبيرتو كاسوتو" (Umberto Cassuto). فأنا أريدُ أنْ أعرِف: ما رأيُ اليهودُ في هذه العبارة؟ ما رأيُ العُلماء اليهود في هذه العبارة؟ وكيف يُفَسِّرونَ أَصْل هذه الكلمات؟

إنَّ الكلمة "توهو" تَعني: بَرِّيَّة. فهي تعني مكانًا مُقْفِرًا. وهي تعني مكانًا خَرِبًا. والكلمة "بوهو" تعني مَكانًا خاليًا. فقد كانت خَرِبَة وخالية. وهذا أمرٌ منطقيٌّ. فقد كانت خَرِبَة وخالية. وهل يمكننا أن نَعرف المزيد عن ذلك؟ أجل، يمكننا ذلك لأنَّ توهو وَ بوهو تُستخدمان معًا في مقاطع أخرى مِنَ الكتاب المقدَّس. انظروا إلى إرْميا 4: 23؛ وهو مَقطَعٌ يُنيرُ الأذهانَ جِدًّا. فنحنُ نَرى هُنا إرْميا، وهو يتألَّم جدًّا في الأصحاح الثالث والعِشرين لأنَّهُ يَشعُر حقًّا بعَذابٍ شَديد. فنحن نقرأ في العدد 19: "أَحْشَائِي، أَحْشَائِي! تُوجِعُنِي جُدْرَانُ قَلْبِي". فهذه فترة مؤلمة في حياة إرْميا. "يَئِنُّ فِيَّ قَلْبِي. لاَ أَسْتَطِيعُ السُّكُوتَ". لماذا؟ "لأَنَّكِ سَمِعْتِ يَا نَفْسِي صَوْتَ الْبُوقِ وَهُتَافَ الْحَرْبِ. بِكَسْرٍ عَلَى كَسْرٍ نُودِيَ، لأَنَّهُ قَدْ خَرِبَتْ كُلُّ الأَرْضِ. بَغْتَةً خَرِبَتْ خِيَامِي، وَشُقَقِي فِي لَحْظَةٍ". وما كان يَحدث آنذاك هو دَمار يهوذا – دمار يهوذا. وإرْميا العَجوز يَقتبس مِن تكوين 1 أيضًا إذْ نقرأ في العدد 23: "نَظَرْتُ إِلَى الأَرْضِ وَإِذَا هِيَ ["توهو وَبوهو] خَرِبَةٌ وَخَالِيَةٌ، وَإِلَى السَّمَاوَاتِ فَلاَ نُورَ لَهَا". فهو يَقتبس نفس الكلمات المذكورة في سفر التَّكوين لِوَصْفِ حَالِ يهوذا تحت الهلاك والدَّمار الَّذي جاء عليها بسبب الفاتِح الأُمَمِيّ.

وهو يقول أيضًا: "نَظَرْتُ إِلَى الْجِبَالِ وَإِذَا هِيَ تَرْتَجِفُ، وَكُلُّ الآكَامِ تَقَلْقَلَتْ". فقد كان الدَّمارُ شاملاً. "نَظَرْتُ وَإِذَا لاَ إِنْسَانَ، وَكُلُّ طُيُورِ السَّمَاءِ هَرَبَتْ". "نَظَرْتُ وَإِذَا المَكانُ الَّذي كانَ يومًا أرضًا مُثْمِرةً قد صارَ خَالِيًا. – وهُنا تأتي تلكَ الكلمة. فقد صارَ "البُسْتَانُ بَرِّيَّةٌ، وَكُلُّ مُدُنِهَا نُقِضَتْ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، مِنْ وَجْهِ حُمُوِّ غَضَبِهِ".

وهل تَعلمونَ ما الَّذي يَراهُ هُنا؟ إنَّهُ يَرى أرضًا مُدَمَّرَةً بسببِ جيشٍ أجنبيٍّ، وأرضًا مُدَمَّرة تَحترِق، وأرضًا هَربت منها الطُّيور بسبب الدُّخانِ والخرابِ، وأرضًا لم يَبْقَ فيها إنسان لأنَّ النَّاسَ تَعَرَّضوا للذَّبْحِ أوِ السَّبْي. لذا فإنَّنا نَجِد العبارة "توهو وَ بوهو". ويُساعِدُنا إرْميا في فَهْمِ مَعْناها. فهو يَقتبس لُغَة سفر التَّكوين لوصف المكان الخَرِب المُدَمَّر الخالي مِنَ السُّكَّان. فَقَدْ فَقَدَ جَمالَهُ السَّابق ولم يَعُد له شَكْل. ولم يَعُد جميلاً. فهو خَرِبٌ وَخالٍ مِنَ السُّكَّانِ بسبب الذَّبْحِ والفَرار.

وتُستخدَم العبارة نفسُها في سفر إشعياء أيضًا – في الأصحاح 34 والعدد 11. فهو يتحدَّث عن دينونة الله الَّتي ستَحِلُّ على الأُمَّة هنا. ويقول إشعياء في العدد الأوَّل مِنَ الأصحاح 34: "اِقْتَرِبُوا أَيُّهَا الأُمَمُ لِتَسْمَعُوا، وَأَيُّهَا الشُّعُوبُ اصْغَوْا. لِتَسْمَعِ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. ... لأَنَّ لِلرَّبِّ سَخَطًا عَلَى كُلِّ الأُمَمِ، وَحُمُوًّا عَلَى كُلِّ جَيْشِهِمْ". لِذا فإنَّه يتحدَّث عن الدَّمار الَّذي سيأتي حينَ تَحِلُّ دينونةُ اللهِ على أُمَم العالم. وَهُوَ يتحدَّث في العدد 11 عن بعض الأشياء الَّتي ستحدث للحيوانات وَغيرِها. ثُمَّ نقرأ في العدد 11، في مُنتصف العدد: "... وَيُمَدُّ عَلَيْهَا خَيْطُ الخَرَاب [خَيْط التوهو] وَمِطْمَارُ الخَلاَء [البُوهو]". فسوف يكونُ المكانُ خَرِبًا وخاليًا مِنَ السُّكَّان.

وهكذا فإنَّ هاتَيْنِ الكلمتين تَصِفانِ مكانًا خَرِبًا، ومُدَمَّرًا، وخاليًا مِنَ السُّكَّان. فهو مُدَمَّرٌ، وبلا سُكَّان، وبلا شَكْلٍ أو هَيئة، وخالٍ مِنَ السُّكَّان. لذلك، عندما تَرَوْنَ الكلمتين "توهو" و "بوهو" في سفر التَّكوين، فإنَّهما لا تُستخدمان بالمعنى الاصْطلاحِيِّ غير المفهوم هُنا، بل هُما تُشيران ببساطة إلى الخَرابِ والخَواء. فقد كانت الأرضُ خَرِبَة ولم تَكُن فيها حَياة. فهذا هو المَعنى المَقصود. ورُبَّما كانت أفضل طريقة للتَّعبير عن ذلك هو أنَّ الأرضَ كانت غير مُكتملة مِنْ حيث الشَّكل، ولم تَكُن مأهولة. فهذا هو المَعنى المقصود تمامًا. وهذا أمرٌ مَفهومٌ.

فعندما ابتدأَ اليومُ الأوَّل، كانت المادَّة قد خُلِقَت. فقد كان هُناكَ زَمانٌ، وكان هُناكَ مكانٌ، وكانت هناك مادَّة؛ ولكنَّ المادَّة كانت خَرِبَة وخالية. فالعناصر الأصليَّة المخلوقة مذكورة في العدد الأوَّل وهي: الزَّمان [في البَدْء]، والسَّماوات [المادَّة] – أو بالحَرِيِّ: السَّماواتِ (أي: المكان)، والأرض (أيْ: المادَّة). واللهُ هو الَّذي خَلَقَها جميعًا. فقد تَكَلَّمَ اللهُ فَخُلِقَت. ولكنَّها كانت ما تزال غير مُتَمايِزَة، وغير مُنفصلة، وغير مُنَظَّمة، وغير مأهولة. فالله لم يكن قد شَكَّلَها بعد. والله لم يَكُن قد جَعَلَ العالمَ مأهولاً بعد. لذلك فإنَّنا نقرأُ عنِ الموادِّ الخام في العدد الأوَّل: الزَّمان، والمكان، والمادَّة. وهي موصوفة، أوَّلًا، بأنَّها غير مُكتملة (مِن حيث الشَّكل) وغير مأهولة (مِن حيث السُّكَّان).

ثانيًا، نَجِدُ وَصْفًا آخر في العدد الأوَّل إذ نقرأ: "وَعَلَى وَجْهِ الغَمْرِ ظُلْمَةٌ". والسَّبب في ذلك هو أنَّ الله لم يكن قد خَلَقَ النُّور بعد. فحتَّى هذه النُّقطة، وطَوال الأزَل، لم يكن هناك نُوْرٌ مَخلوق. لم يَكُن هناكَ نُورٌ مَخلوق. فقد كان كُلُّ شيءٍ مُظلمًا.

إذًا، فقد كانت الأرض خَرِبَة، نوعًا ما، وغير مأهولة، وغارقة في ظَلامٍ دامسٍ وكامل. فلم يكن هناك نورٌ قَطّ، بل كان الظَّلامُ يُغَطِّي كل شيء. فهذا هو ما يقولُهُ النَّصُّ. فقد كانت هناك ظُلْمَة؛ ولكنَّ النَّصَّ لا يَقول: "على وَجْهِ الأرض"، بل يقول: "على وَجْهِ الغَمْر". وهذا مُدهشٌ. فهذا يُخبرُنا عن عُنصرٍ آخر هنا. وماذا يكونُ الغَمْرُ في الأصل؟

إنَّ الكلمة "غَمْر" هي مُرادِفٌ للكتاب المقدَّس للكلمة "بَحْر". والحقيقة هي أنَّهُ يمكنكم أنْ تنظروا إلى النِّصْفِ الثَّاني مِنَ العدد الثَّاني: "وَعَلَى وَجْهِ الغَمْرِ ظُلْمَةٌ وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ المِيَاه". ونَرى هُنا أنَّ اللهَ يُعَرِّف الغَمْرَ مِنْ خلال الرُّوح القُدُس ويقول إنَّهُ: "المياه". فالكلمة "غَمْر" تُستخدم كمُرادِف للكلمة "بَحْر". ويمكنكم أنْ تَروا ذلك، مَثَلاً، في إشعياء 51: 9 و 10.

إذًا، ماذا لدينا هنا؟ لدينا أرضٌ غارقة في الظَّلام. وكانَتْ مُلامَسَةُ سَطْحِ الأرضِ تَعني مُلامسة سَطْح المياه. لذا فإنَّ الأرضَ مُغَطَّاة بالمياه. وسَطْحُ الأرضُ كُلُّه هو ماء. فهو "غُمْرٌ". إنَّهُ بَحْرٌ. فهو مُحيطٌ كَبيرٌ في الأصل غارقٌ في الظَّلامِ الكَونيِّ. ونجد إشارةً إلى ذلك أيضًا في المزمور 104: 5 و 6 إذْ نقرأ: "المُؤَسِّسُ الأَرْضَ عَلَى قَوَاعِدِهَا ... كَسَوْتَهَا الْغَمْرَ كَثَوْبٍ". فكما هي حال الثَّوبِ الَّذي يُغَطِّيك، كانَتِ الأرضُ مَكْسُوَّة بالماء. ونقرأ أنَّ المياهَ كانتَ تَقِفُ فوقَ الجِبال. فالأرض الَّتي لم تأخذ شكلها النهائيَّ كانت مُغَطَّاة حرفيًّا بالماء.

ويمكن القول إنَّ هذا يُشبِه عَمَل الخَزَّاف الَّذي يَرغَب في صُنع وعاءٍ جَميل قبل أنْ يَملأَهُ ويَستخدمه. لذا فإنَّهُ يأخُذُ (أوَّلًا) قطعة طين ويَضَعُها على الدُّولاب لتشكيلها وصُنْعِها كما يَشاء. كذلك، فقد خَلَقَ اللهُ أوَّلاً المادَّة الخام، وهي خَليط مِنَ العناصر المُغَطَّاة بالماء والموجودة في ظَلامٍ كَونِيٍّ – وقد حدث ذلك قَبل أنْ يَبتدئ بتشكيلها. وبالمناسبة، أعتقد أنَّ هذا هو ما قَصَدَهُ بُطرس في رسالة بُطرس الثانية 3: 5 إذْ نقرأ: "وَالأَرْض ... قَائِمَة مِنَ المَاء" – فالأرضُ قَائِمَة مِنَ المَاءِ وَبالمَاء. والمقصود بذلك، بِكُلِّ تأكيد، هو: الطُّوفان.

ونقرأ في أمثال 8: 27 أنَّ اللهَ: "رَسَمَ دَائِرَةً عَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ". فأوَّلاً، صارتِ المادَّة كُرَوِيَّة الشَّكل. لِذا فقد خَلَقَ اللهُ هذه الكُرَة مِنَ العناصِر الَّتي ستُشَكِّل الأرض عندَ خَلْقِهِ لها. وقد كانت مَغمورة بالماء.

والوَصْفُ الثَّالثُ لحالة الأرض في اليوم الأوَّل هو وصفٌ بارِزٌ جدًّا: "وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ المِيَاه". وكم أُحِبُّ هذه الكلمة "يَرِفُّ" – "يَرِفُّ". فقد كانَ يَرِفُّ على وَجْهِ هذهِ المادَّة الخَرِبَة والخَالية المَغمورة بالماء والغارقة في الظَّلام. لقد كانَ رُوحُ اللهِ ("رُواخ إلوهيم" “ruach elohim”) يَرِفُّ – أيْ: اللهُ الرُّوحُ القُدُس. وهذا يُشيرُ إلى الرِّعاية والعناية الإلهيَّة الخارقة. فنحن نقرأ في سفر أيُّوب 33: 4: "[رُواخ إلوهيم] رُوحُ اللهِ صَنَعَنِي وَنَسَمَةُ الْقَدِيرِ أَحْيَتْنِي".

والكلمة "يَرِفَ" هي كلمة جميلة. وإنْ أردتُم أن تُقارنوا استخدامَها لتقريب الصُّورة إلى أذهانكم، يمكنكم أنْ تَقرأوا ما جاء في سفر التَّثنية 32: 11. دَوِّنوا هذا الشَّاهد وارجعوا إليه. فسوفَ تَجِدونَ أنَّها تُستخدم هناك لوصف صِغار النُّسور في العُشّ. فصِغار النُّسور لا تستطيع أنْ تُطْعِم نفسها بنفسها، ولا تَستطيع أنْ تُدافِع عن نفسها أو أنْ تُحامي عن نفسها. فهي عاجزة عن البقاء، وعاجزة عن العَيْش، وعاجزة عن النموِّ والنُّضج. فهي تَعتمد في النِّهاية على عناية الأبوَيْن اللَّذَيْن يُرَفْرِفان فوقها، ويوفِّران لها الطَّعام والحماية والدِّفْء لكي تتمكَّن مِنَ البقاء، ولكي تَعيش وتنمو وتنضُج. وهذه هي تمامًا الصُّورة هنا لأنَّ الكلمة العِبْريَّة نفسها تُستخدم لوصف الرُّوح القُدُس وهو يَرِفُّ فوق هذه الكُتلة الماديَّة الخَرِبَة والخالية السَّابحة في الفضاء، والمُغَطَّاة بالماء، والغارقة في الظَّلام. فقد كان رُوحُ اللهِ يَرِفُّ فوقَ سَطْحِ هذه الأرض، أو كانَ رُوحُ اللهِ يَرِفُّ على وَجْهِ المِياه.

اسمعوني: إنَّ هذا تَفصيلٌ مُهِمٌّ في قِصَّة الخَلْق، وليس تفصيلًا ثانويًّا. وهو يُوَضِّح، مِنْ جِهَة، أنَّ النَّظرة الكتابيَّة لله هي أنَّهُ يقومُ بدورٍ فاعلٍ في خَليقته. فَيَدُهُ لم تُرْفَع يومًا عن العناصر وعن القيام بالتَّنظيم الماديِّ. وحُضورُهُ موجودٌ للإشرافِ إذْ إنَّهُ يَرِفُّ فوقها. وهذا مُناقَض لمذهب التَّأليه الفلسفيّ القائل إنَّ الله هو مُنْشِئ الخليقة، ولكنَّهُ خَلَقَها وَتَرَكَها وشأنَها. وهذا مُناقِضٌ أيضًا لمذهب ثُنائيَّة الكَوْن الَّذي يُؤمن بوجود فجوة بين الله الصَّالح (لأنَّهُ رُوْح) والعالمُ الطَّالِح (لأنَّهُ مادَّة). ولكنَّنا نَجِد هنا أنَّ اللهَ الحَيَّ يَعتني بخليقَتِه وَيَرِفُّ على وَجْهِ المِياه، وأنَّهُ مسؤولٌ مُباشرةً عن عمليَّة الخَلْقِ بِرُمَّتِها. وإذا تَتَبَّعْتُم ما يُعَلِّمُه الكتاب المقدَّس ستجدونَ أنَّ روح الله هو المَصْدَر الوحيد للحياة بأسْرِها. "بِنَسْمَتِهِ جَمَّلَ السَّماواتِ" (كما جاءَ في أيُّوب 26). وهناكَ المزمور 33 الَّذي أَشَرْنا إليهِ في الأسبوعِ الماضي: "نَسْمَةُ اللهِ فِيَّ". وقد أشَرنا إلى آياتٍ أُخرى. "بِكَلِمَةِ السَّماواتِ"؛ أو بالحَرِيِّ: "بِكَلِمَةِ الرَّبِّ" (المزمور 33: 6) "صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا" - بِنَسْمَةِ فِيْهِ. وهناكَ آياتٌ أخرى. لذا فإنَّ رُوحَ اللهِ يُعطي الطَّاقة على التَّشَكُّل، وعلى التَّنظيم، وعلى إنشاءِ الحياة. فهذا هو عمل الله.

وأوَّلُ شيءٍ يَحدُث مِنْ جِهة الخَلْق بعد خَلْقِ المادَّة الأصليَّة مذكورٌ في العدد 3، في اليوم الأوَّل، إذْ نقرأ: "وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ". وقد يَثورُ العُلماءُ ويغضبونَ ويَحتجُّونَ ويَضطربونَ طَوالَ عَشَراتِ السِّنين، بَلْ مِئاتِ السِّنين، بسببِ محاولةِ فَهْمِ المَوْضِعِ الَّذي جاء منه النُّور. ولَكِنَّ كُلَّ ما أنتُم بحاجة إليه هو آية واحدة. فلم يكن هناك نور، ولكنَّ اللهَ قال: "لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ". فاللهُ الَّذي هو نُوْرٌ غير مَخلوق أَوْجَدَ نُوْرًا مَخلوقًا. وذاكَ الَّذي (بحسب ما جاء في رسالة تيموثاوس الأولى 6: 16) يَسْكُنْ في نُوْرٍ لا يُدْنَى مِنْهُ أَمَرَ النُّورَ أنْ يُخْلَقَ في الموضِعِ الَّذي لم يكن فيه سوى الظَّلام، فَوُجِدَ النُّور.

ومَرَّةً أخرى فإنَّ "دوغلاس كيلي" (Douglas Kelly) يقول: "إنَّ خَلْقَ النُّورِ المَخلوق هو حادِثَةُ الانفصال الأولى في سِلسلةِ حوادِثِ الانفصال الثَّلاثة الَّتي قامَ بها الخالقُ، والتي كانت ضَروريَّة لِتَحويلِ الفَوضى إلى عَالَم. ففي اليوم الأوَّل، فَصَلَ النُّورُ النَّهارَ عنِ اللَّيل. وفي اليوم الثَّاني، فَصَلَ الجَلَدُ المياهَ العُليا عنِ الأرض وعَمِلَ على تَشكيلِ مُتَنَفَّس. وفي اليوم الثَّالث، اجتمعتِ المياهُ تحت السَّماء فصارت بِحارًا؛ وبذلك انفصلت عن اليابسة. وحوادث الانفصال الثَّلاثة هذه تُبَيِّنُ يَدَ اللهِ القديرة الَّتي تُشَكِّل وتُنَظِّم هذه الكُتلة المائيَّة المُظلمة لتجعلها جَنَّةً بَديعَةً ومكانًا مُلائمًا ورائعًا للنَّباتاتِ والحَيَواناتِ والبشر".

وبِخَلْقِ النُّور، صار هُناكَ تَعاقُبٌ للنَّهار واللَّيل، وصار هناك فتراتٌ مِنَ النُّور وفتراتٌ مِنَ الظُّلمة. وكما سنَرى مِن خلال النَّظر هنا إلى العدد الخامسِ، فإنَّه دَعا النُّورَ نَهارًا، والظُّلمةُ دَعاها ليلاً. ونَرى هنا دورة النَّهار واللَّيل. وهذا يعني أنَّ الأرضَ ابتدأت حالاً في الدَّورانِ حول مِحْوَرِها، وأنَّهُ صار هناك مَصدر للنُّور في جِهَةِ الأرضِ المُواجِهَة للشَّمس الَّتي لم تُخْلَق إلَّا في وقتٍ لاحقٍ، وصارَ هناكَ ظلامٌ في الجهة الأخرى مِنَ الأرضِ أيضًا. فاللهُ خَلَقَ النُّورَ فصارَ نُوْرٌ – فقط لأنَّ اللهَ قالَ لَهُ أنْ يَكون. وبخلاف ذلك، يكونُ اللهُ شَبيهًا بالرَّجُلِ الَّذي جاءَ لترتيبِ الأشياءِ المُبَعثرة في غُرفة مُظلمة. وقَبْلَ أنْ يَفعلَ أيَّ شيءٍ آخر، أَشْعَلَ النُّور.

ونقرأ في العدد الرَّابع: "وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ" - وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وتَتكرَّر هذه الجُملة في العدد 10، والعدد 12، والعدد 18، والعدد 21، والعدد 25، والعدد 31. فكُلُّ ما خَلَقَهُ اللهُ كانَ حَسَنًا. أليس كذلك؟ فكُلُّ ما خَلَقَهُ اللهُ كانَ حَسَنًا. وفي نهاية الخَلْق، في العدد 31، يُلَخِّصُ ذلكَ كُلَّهُ قائلاً: "وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا". فَأعمالُ الخالِقِ لا يُمكنُ إلَّا أن تكونَ حَسَنَة. لِذا فإنَّ ذلكَ لا يُفاجِئنا البَتَّة. فَكُلُّ ما عَمِلَهُ كانَ حَسَنًا.

وعندما يَقولُ اللهُ إنَّهُ كانَ حَسَنًا، فإنَّ مِعْيارَهُ عَالٍ جِدًّا. فاللهُ نَفسُهُ هوَ المِعيارُ الأصليُّ لِما هُوَ حَسَنٌ. وقد قالَ إنَّهُ حَسَنٌ – إنَّهُ حَسَن. فَمِعْيارُ الحُسْنِ لَمْ يَأتِ مِنْ خارِجِ نَفْسِه.

قبلَ وقتٍ طويل، عَبَّرَ رَجُلٌ اسمُهُ "نوفيشيان" (Novatian) عن هذه النُّقطة في القرن الميلاديِّ الثَّالث بخصوصِ الله. استمعوا إلى ما كَتَبَهُ في القرن الثالث؛ وهي كلمات تُرْجِمَت، دون شَكٍّ، إلى اللُّغة الإنجليزيَّة: "ما عَسَى المَرءُ أنْ يَقولَ إذَنْ لكي يَفي اللهَ حَقَّهُ؟ فهو أَسْمى مِنْ كُلِّ سُمُوٍّ، وأعلى مِنْ كُلِّ عُلُوٍّ، وأعمق مِنْ كُلِّ أعماقٍ، وأكثرُ تألُّقًا مِنْ كُلِّ نُوْرٍ، وأبهى مِنْ كُلِّ بَهاءٍ، وأَجَلُّ مِنْ أيِّ جَلالٍ، وأقوى مِنْ كُلِّ قُوَّةٍ، وأعظمُ مِنْ كُلِّ عَظَمَةٍ، وأَجْمَلُ مِنْ كُلِّ جَمالٍ، وأكثرُ حَقًّا مِنْ كُلِّ حَقّ، وأَثْبَتُ مِنْ كُلِّ ثَباتٍ، وأَهْيَبُ مِنْ كُلِّ مَهابَة، وأقْدَرُ مِنْ كُلِّ قُدرةٍ، وأغنى مِنْ كُلِّ غِنى، وأَحْكَمُ مِنْ كُلِّ حِكمة، وألْطَفُ مِنْ كُلِّ لُطفٍ، وأَصْلَحُ مِنْ كُلِّ صَلاحٍ، وَأعْدَلُ مِنْ كُلِّ عَدالَةٍ، وَأرْحَمُ مِنْ كُلِّ رَحْمَة. فكُلُّ فضيلة لا بُدَّ أنْ تَكونَ أَقَلّ مِنْه لأنَّهُ اللهُ وَمَصْدَر كُلِّ شَيء". ويا لها مِن كلماتٍ رائعة!

وصَلاحُ اللهِ الَّذي لا يُضَاهَى يَقتضي أنْ يكونَ كُلُّ نُوْرٍ، ويابسة، وبحار، وأنواع مُختلفة مِنَ الحَيَواناتِ – أنْ يكونَ كُلُّ شيءٍ حَسَنًا – أنْ يكونَ حَسَنًا. والسَّبب في أنَّها سَيِّئة الآن لا يَرجِعُ إلى الله، بل يَرجع إلى السُّقوط، وإلى تَمَرُّد الإنسان، وإلى فَساد خَليقَتِهِ الَّتي كانت صالحةً تمامًا. فقد كانَت كُلُّ الخليقة في البداية حَسَنَة. ونقرأ في العدد 4: "وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَة". لِذلك فإنَّنا نقرأ في سفر إشعياء 45: 7 أنَّ اللهَ هُوَ: "مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ". وهكذا ابتدأتْ دورة الأيَّام. فقد فَصَلَ بين النُّور والظُّلمة. وقد خَلَقَ النُّورَ، ولكنَّهُ لم يُهْلِك الظَّلام. فلم يَكُن قَصْدُهُ، بوصفِهِ الخالِق، أنْ يكونَ هناكَ نُورٌ دائمٌ. لا، بل أنْ يكونَ هناكَ تَعاقُبٌ دائمٌ بينَ الظَّلامِ والنُّور. وقد كانَ ذلكَ حَسَنًا. وقد كانَ قَصْدُهُ هو أنْ يَتَعاقَبَا لفتراتٍ مُعَيَّنة في ترتيبٍ دَوْرِيٍّ لا يَتغيَّر. وقد فَعَلَ هذا الأمر لأنَّهُ يُلائِم خُطَّةَ الخَلْقِ لديه. فقد كانَ مِنَ المُلائم لِخُطَّتِه أنْ تَدورَ الأرضُ وأنْ يكونَ هُناكَ نَهارٌ وليل.

وفي العدد الخامِس، أَطْلَقَ عليهما اسْمَيْنِ: "وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً". وقد كانَ كُلُّ شيء حَسَبَ مَشيئَتِه، وسيبقى كذلك دائمًا. فمنذ اليوم الأوَّل، كان هناك نورٌ، وكانت هناك ظُلمة. وكانَ هناكَ نَهارٌ، وكانَ هناكَ ليلٌ. وهذه الدُّورة المُستمرَّة مِنَ النُّورِ والظَّلام، والنَّهارِ واللَّيل، أَضْفَتْ سِمَةً مُعَيَّنَةً على هذا الكَوْن وعلى هذه الأرض مُنذ اليوم الأوَّل. ونقرأ في العدد الخامس: "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا". فعندما انتهى النَّهار، ابتدأ الوقتُ المُخَصَّصُ للظُّلمة، وَقد دُعِيَ ذلكَ ليلاً. وعندما انقضَى اللَّيلُ وابتدأ الوقتُ المُخَصَّصُ للنُّور، دُعِيَ ذلكَ نَهارًا. وبهذه المُلاحظة، يُشيرُ الكتابُ المقدَّسُ إلى انتهاءِ اليوم الأوَّل في الخليقة. وما الَّذي تَمَّ خَلْقُهُ في ذلك اليوم؟ النُّور. النُّور.

وقد تقول: "ولكِن كيفَ يُمكن أن يكون هناك نُورٌ مِن دون شَمْس؟" لا أدري. فلو ذَكَرَ الكِتابُ المُقدَّسُ ذلك لَعَلِمْتُ. ولكِنْ مِنَ المُؤكَّدِ أنَّكُم لا تُصَدِّقونَ أنَّ اللهَ لم يكن قادرًا أنْ يَخلق نُورًا، بل كانَ قادرًا فقط أنْ يَخْلِقَ الشَّمسِ الَّتي تُعطي نُورًا.

ويا لَهُ مِن يومٍ أوَّلٍ رائعٍ. أليس كذلك؟ وفي حال أنَّ شخصًا ما يَظُنُّ أنَّ ما حَدَثَ كانَ عَمليَّة تَطَوُّر، فإنَّ العدد الخامسَ يقول بكلماتٍ قاطِعَة: "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا". وهذه تَرجمة حَرفيَّة للنَّصِّ العِبريِّ. فهو لا يقولُ "مليار سنة"، بل "يومًا واحدًا". فهي دورة واحدة مِنَ النُّور والظُّلمة، أوِ اللَّيلِ والنَّهار. وبهذا ابتدأتِ عَمليَّةُ الخَلْق. وكم أنا مُتَشَوِّقٌ للانتقالِ إلى اليومِ الثَّاني في الأسبوع القادم!

وقد استخدَمَ الشَّاعرُ الإنجليزيُّ "جون درايدن" (John Dryden)، مُخَيِّلَتَهُ الرَّائعةَ ليَكُتبَ ترنيمةً ليوم القدِّيسة "سيزيليا" (St. cecilia’s Day). وأعتقد أنَّهُ كَتَبَها في نحو سنة 1687. وقد تَمَّ تَلحين هذه التَّرنيمة الرَّائعة عن الخليقة مِنْ قِبَل "جورج فريدريك هانديل" (George Frederick Handel). وسوفَ أتركُ الموسيقا جانبًا وأكتفي بقراءة كلمات التَّرنيمة على مَسامِعِكُم. فإليكم ما كَتَبَهُ "جون درايدن"، بِمُخَيِّلَتِهِ الرَّائعةِ، عنِ الخَليقة:

"عندما كانت الطَّبيعة تَرْزَحُ تحتَ كَوْمَةٍ مِنَ الذَّرَّاتِ الفَوضويَّة، ولم يكن بمقدورها أنْ تَرفع رأسَها، سُمِعَ صَوْتٌ شَجِيٌّ مِنَ الأعالي قائلاً: ’قومي! أيَّتُها الأرضُ المَيِّتة جِدًّا‘. ثُمَّ إنَّ الذَّرَّات البَّاردة والسَّاخنة والرَّطِبة والجَافَّة قَفَزَت إلى مواقِعِها بترتيبٍ، وأطاعَتْ صَوْتَ المُوسيقا. ومِنْ ذلكَ التَّناغُمِ، مِنْ ذلكَ التَّناغُمِ السَّماويِّ، ابتدأ هذا الإطار الكَوْنيّ يَسيرُ مِنْ تَناغُمٍ إلى تَناغُم حَتَّى أَكْمَلَ كُلَّ النَّغمات في تَوافُقٍ تامٍّ اكْتَمَلَ بِخَلْق الإنسان. وبقُدرةٍ إلهيَّةٍ تَستعصي على الفَهْم، ابتدأت الكواكبُ تتحرَّك، ورَنَّمت مُسَبِّحَةً الخالقَ العَظيمَ المُبارَكَ في الأعالي. لذلك، في السَّاعة الأخيرة المُخيفة، ستَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا، ويُسْمَع البوق مِنْ بَعيد، ويقوم الأموات، ويَنتهي كُلُّ شيء، وتَصْدَحُ الموسيقا مُعلنةً انْحلالَ السَّماء".

يا لها مِن ترنيمة رائعة. وهذا هو ما سيحدث. فهذه الخليقة المجيدة الَّتي فَسَدَت بسبب السُّقوط ستجد في يومٍ ما أنَّ فسادَها أدَّى إلى انحلالها. ثُمَّ ستُخلَق سماءٌ جديدة وأرضٌ جديدة لا تَعرف الفساد البَتَّة. وقد عِشْنا هُنا. ونَشكُر الله لأنَّنا سنَحيا هُناك.

نَشكرك، يا أبانا، على قُوَّة كلمتك، وعلى وُضوحِها. ونَشكرك على هذه القصَّة الواضحة عن كيفيَّة ابتداءِ كُلِّ شيء في اليوم الأوَّل قبل نحو بِضعة آلاف مِنَ السِّنين حينَ نَطَقْتَ فَخَلَقْتَ النُّور وابتدأتِ الخُطوةُ الأولى تُجاهَ الكَوْنِ والأرضِ الَّتي نَعْرِفُها الآن. مُبارَكٌ اسمُك. فأنتَ هُوَ الخالِق. وَكُلُّ شَيْءٍ بِكَ كَانَ، وَبِغَيْرِكَ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. لِذلك فإنَّنا نَشكرُك على الخَلْقِ، وعلى ذلكَ القِصْدِ مِنَ الخَلْقِ لكي تُعطي الإنسانَ عَالَمًا يَعيشُ فيه، ولكي تَختارَ مِنْهُ عَروسًا مُمَجَّدَةً لابْنِكَ. ونحنُ نَشكرك على ذلك القصد العظيم مِنَ الخليقة. ونَشكرك لأنَّكَ جَعَلْتَنا جُزءًا مِنْ هذا القَصْد. ونحنُ نَفيضُ بالدَّهشةِ والتَّسبيح، ونَشكُرك على مُخَلِّصِنا يسوعَ المسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize