Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفْتَح كُتُبَنا المقدَّسةَ على سِفْر التَّكوين والأصحاح الأوَّل. ونحنُ نُتابِع دراسةَ الخَلْق - قِصَّةَ الخَلْق؛ وهي القصَّة الصَّادقة الوحيدة عن الخَلْق. وهي مُقَدَّمة لنا في الأصحاح الأوَّل مِنَ السِّفْر الأوَّل في الكتاب المقدَّس – سِفْر البِدايات: "التَّكوين".

واسمحوا لي أنْ أقرأ مِنَ البداية إلى نهاية العدد 13: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ. وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا. وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ». فَعَمِلَ اللهُ الْجَلَدَ، وَفَصَلَ بَيْنَ الْمِيَاهِ الَّتِي تَحْتَ الْجَلَدِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي فَوْقَ الْجَلَدِ. وَكَانَ كَذلِكَ. وَدَعَا اللهُ الْجَلَدَ سَمَاءً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَانِيًا. وَقَالَ اللهُ: «لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ». وَكَانَ كَذلِكَ. وَدَعَا اللهُ الْيَابِسَةَ أَرْضًا، وَمُجْتَمَعَ الْمِيَاهِ دَعَاهُ بِحَارًا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَقَالَ اللهُ: «لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا، وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ، بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأَرْضِ». وَكَانَ كَذلِكَ. فَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا كَجِنْسِهِ، وَشَجَرًا يَعْمَلُ ثَمَرًا بِزْرُهُ فِيهِ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَالِثًا".

والآنْ، اسمحوا لي أنْ أُلَخِّصَ ما تُعَلِّمُه لنا كلمةُ الله في هذا الجُزء مِنْ سِفْر التَّكوين عن الأصول. فمِنْ خلالِ الفهم المباشر للنَّصّ، فإنَّ القصَّة الواضحة تقول إنَّ اللهَ الأزليَّ خَلَقَ مِنْ لا شَيء، أيْ مِنْ دون مادَّة سابقة، السَّماواتِ والأرض؛ أيْ ببساطة: "الكَوْن". فقد خَلَقَ الكونَ، المَعروف لدينا اليوم، في سِتَّة أيَّام شَمسيَّة مُتعاقِبَة. وقد قرأنا قبل قليل عن الأيَّام الثَّلاثة الأولى مِنْها. وقد تَوَّجَ خَليقَتَهُ، كما سَنَرى لاحقًا، في اليومِ السَّادس، بِخَلْق الإنسان على صُورتِه إذْ جَعَلَهُ كائنًا عاقلاً يَمتلك شَخصيَّة، ووَعْيًا لِذاتِه، وإدراكًا. وقد تَمَّتْ هذه الخليقة في فترة أسبوع واحد مِنَ الأيَّام العاديَّة قبل نحو سِتَّة آلاف سنة. وقد كانت الخليقة كُلُّها ناضجة ويبدو أنَّهُ مَضى على وجودها سنوات طويلة حَالَ خَلْقِها. ولم يكن الموتُ موجودًا، ولا أيُّ تأثيرٍ للفساد. وكانتِ الخليقة جَيِّدة. وقد دَخَلَ الموتُ والفَسادُ إلى الخليقة أوَّلَ مَرَّة عندَ سُقوط آدَم وحوَّاء؛ وَهُوَ شيءٌ مُدَوَّنٌ في الأصحاح الثَّالث مِن سِفْر التَّكوين. فعندما أخْطأا وَعَصَيا اللهَ، دَخَلَ الموتُ المَشهدَ. أمَّا قبلَ ذلك، لم يكن هناك موت. وهذا يعني أنَّهُ لم تكن هناكَ عمليَّة تَطَوُّر لأنَّهُ لم يَمُتْ أيُّ شيء.

وفيما بعد، أُعيدَ تَشكيل سَطْح الأرض، بصورة كبيرة وجذريَّة، بواسطة الطُّوفان العالميِّ الهائل المَوصوف لاحقًا في سِفْر التَّكوين؛ وَهُوَ طوفانٌ أَعَادَ تَشكيل الأرض بصورة جذريَّة مُفاجِئة حينَ ارتفعتِ المياهُ حرفيًّا فوق قِمَمِ الجِبال بعد أنْ هَطَلَتْ مِنْ فوق وانفَجَرت مِنْ باطِنِ الأرض. ونتيجة لذلك الطُّوفان، نَجَا ثمانية أشخاص فقط: نُوْح، وزوجتُه، وأولادُه الثَّلاثة، وزوجاتُ أبنائه. وقد نَجَتِ الحَيَواناتُ الَّتي كانتْ في الفُلْك. ومِنْ تلك الكائنات الحَيَّة، تَمَّتْ إعادةُ إحياءِ الأرضِ ثانيةً. هذه هي قِصَّةُ سِفْر التَّكوين.

وكما أخبرتكم في الأسبوع الماضي، فإنَّ العِلْمَ ليسَ شَرْحًا للكتاب المقدَّس. فالعِلْمُ ليسَ مَبدَأً لشَرْحِ سِفْر التَّكوين، ولا لِشَرْحِ أيِّ مَقطعٍ آخر في الكتاب المقدَّس. وصِحَّةُ قصَّة التَّكوين لا تَختلف عن صِحَّة أيِّ نَصٍّ كِتابيٍّ آخر. فكُلُّ الكِتابِ مُوْحَى بهِ مِنَ اللهِ. وكُلُّ الكِتابِ وُضِعَ في قلوبِ أُناسٍ، وأُنْتِجَ في قُلوبِ أُناسٍ مِنْ خلال عمل الرُّوح القُدُس لكي يَكتبوا تمامًا ما أرادَ الرُّوحُ مِنْهُم أنْ يَقولوا. وقد لَخَّصَ يسوعُ ذلكَ حينَ قال في إنجيل يوحنَّا 17: 17: "كَلاَمُكَ هُوَ حَقّ".

والآنْ، انطلاقًا مِنْ هذه القاعدة، يجب علينا أنْ نَستنتِج أنَّ أيَّة صِيْغَةٍ مِنْ صِيَغ نظريَّة التطوُّر تُناقض وتُنكر الإعلانَ الواضحَ للكتاب المقدَّس. وأنا أعني "أيَّة صِيْغَة" – سَواءٌ صَدَرَتْ عن واحِدٍ مِنْ أنصار التطوُّر الإلحاديِّ (مِثْل "جوليان هَكسلي" [Julian Huxley]) أو صَدَرَتْ عن واحدٍ مِنْ أنصار التطوُّر الخَلْقِيِّ (مِثْل "هيو روس" [Hugh Ross]). فأيُّ صيغةٍ لنظريَّة التطوُّر تُناقضُ وتُنكرُ الإعلانَ الواضحَ للكتاب المقدَّس – الَّذي يُشيرُ إلى إنَّهُ قبل نحو سِتَّة آلاف سنة، خَلَقَ اللهُ الكَوْنَ كُلَّهُ، كما نَعْرِفُهُ اليوم، في سِتَّة أيَّام يتألَّف كُلٌّ مِنها مِنْ 24 ساعة.

وهناك مَصْدَرٌ واحدٌ فقط لقصَّة الأصول، وهو الكِتاب المقدَّس، أيْ كلمة الله – وتَحديدًا وبصورة خاصَّة: سِفْر التَّكوين والأصحاح الأوَّل. وكما قُلْتُ مِرارًا، لا توجد حقائق عِلميَّة تُناقِض بالضَّرورة قِصَّةَ الخَلْقِ الواردة في سِفْر التَّكوين. بل إنَّ كُلَّ عِلْمٍ حَقيقيٍّ يَدْعَمُ ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ عنِ الخَلْق. ويجب أنَّ يكونَ الأمرُ كذلك لأنَّ سِفْرَ التَّكوين صَحيح. لذلك، فإنَّ كُلَّ عِلْمٍ صَادِقٍ يَدْعَمُ قِصَّةَ سِفْر التَّكوين.

ومِنَ الصَّعبِ على النَّاس أنْ يُقِرُّوا بذلك لأنَّ العِلْمَ تَرَبَّعَ منذُ وقتٍ طويلٍ على عَرْشِ التَّفكيرِ المُعاصِر. وقد صارت نَظريَّة التَّطوُّر مِنَ المُسَلَّمات. والحقيقة هي أنَّها صارت شيئًا مُطْلَقًا في مُجتمعنا. ولكنَّها آخِذَة في التَّفَكُّك والانهيار. وكُلَّما زادت مَعرفتُنا عن طبيعة الكون، زاد إدراكُنا للاستحالَة المُطلقة لأيِّ شكلٍ مِن أشكال التطوُّر حَتَّى إنَّهُ مِنَ العَجيبِ حَقًّا أنْ نَقتبسَ ما قالَهُ "روبرت ي. سميث" (Robert E. Smith)، وَهُوَ عُضْوٌ في "رابطة غرب ميزوري لاتِّحاد الحُرِّيَّات المدنيَّة الأمريكيّ" (Western Missouri Affiliate of the American Civil Liberties Union). والغريبُ في الأمر هو أنَّهُ شَخْصٌ لا يُؤمن بالكتاب المقدَّس. ولكنَّهُ يقولُ الآتي – وأنا أقتبسُ كَلامَهُ: "طَوال السَّنوات الخَمْس الماضية، تَفَحَّصْتُ بِدِقَّة الأدبَ الَّذي يَتناوَل خَلْق العالم، وحضرتُ محاضرات ومُناظرات حول مواضيع ذات صِلَة. واستنادًا إلى جوانبِ القُوَّةِ والضُّعف في الحُجَجِ العِلميَّة دون غيرها، لم أَجِدْ بَديلًا عنِ الاستنتاج بأنَّ نظريَّة الخَلْق العِلميَّة ليست فقط نظريَّة معقولة، بل إنَّها حَقَّقَتْ تَعادُلاً مَع، أو رُبَّما تَفَوُّقًا على، النَّظريَّة المُتعارَف عليها الَّتي تُنادي بالتَّطوُّر الأحيائيّ. وحُدوثُ ذلك هو أمرٌ مُفاجئ بعض الشَّيء، ولا سِيَّما في ضَوْءِ ما تَعَلَّمَهُ الأغلبيَّة مِنَّا في المدارس الإعداديَّة والثَّانويَّة". وهو يُتابع حديثَهُ قائلاً: "وبالمَعنى العَمَلِيِّ، فإنَّ العَقْدَ الماضي مِنَ النَّشاطِ المُكَثَّف مِنْ قِبَل عُلماء التَّطوُّر جَعَلَ أغلبيَّة أساتذة نظريَّة التطوُّر غير مُستعدِّين لمناظرة أساتذة نظريَّة الخَلْق. فهناكَ الكثير مِنْ أنصار نظريَّة التطوُّر أُحْرِجُوا أمامَ النَّاسِ في مِثْلِ هذه المُناظرات بسبب نقص معرفتهم وبسبب ضعف نظريَّتهم" [نهاية الاقتباس].

وقد كَتَبَ "بول آكرمان" (Paul Ackerman) كِتابًا بعنوان: "إنَّهُ عَالَمٌ فَتِيٌّ في نهايةِ المَطاف" (It’s a Young World After All). وهو يقولُ فيه (وقد ذَهَبَ بَعْضٌ مِنكم إلى "ديزني لاند – فأنا أَعلمُ ذلك). وقد قالَ في كِتابِهِ: "سوفَ أكونُ صريحًا جدًّا في هذا الخُصوص. إنَّ أنصار التطوُّر حول العالم يُصِرُّونَ على التَّعَلُّم بالطَّريقة الصَّعبة بأنَّ التَّطوُّر لا يمكن أنْ يَصْمُد في وجه نظريَّة الخَلْق في أيِّ مُناظرة عادِلَة وغير مُنحازة تَحْدُثُ فيها الرِّهاناتُ في قُلوبِ وأذهانِ جُمْهورٍ مِنَ الحُضورِ المُثَقَّفينَ الَّذينَ لم يَحْسِمُوا الأمرَ في أذهانهم بعد، ولكنَّهم مَوضوعيُّون ومُنْفَتِحو الأذهان. فالخبرات ستُثْبِت أنَّ الشَّيءَ نفسَهُ يَنطبق على مسألة عُمْر الكَوْن. فما يُؤمن به أنصار نظريَّة التطوُّر بخصوص أصل وتطوُّر الحياة لا يمكن أنْ يَصْمُد أمامَ مُحاوِرٍ مُثَقَّفٍ، ولا يستطيع أحد أنصار نظريَّة النُّشوء أنْ يُبرهِن على أنَّ الكَوْنَ وُجِدَ قبل عشرة أو عشرين مليار سنة، وأنَّ الأرضَ وُجِدَتْ قبل (4.5) مليار سنة. ولتأخير انهيار القَبول السَّائد لهذه الادِّعاءات، يجب على عُلماء التطوُّر أنْ يَحْرِصُوا على تَجَنُّب المُناظرات" [نهاية الاقتباس]. فَهُمْ لن يتمكَّنوا مِنَ الصُّمودِ في أيِّ مُناظرة. لذلك، يجب عليهم ألَّا يَشتركوا في مُناظرات.

وهذه بعض الأمثلة التَّوضيحيَّة المُختصَّة بالعِلْم، أوْ ببعض جوانب العِلْم الَّتي تُؤيِّد أنَّ الأرضَ فَتِيَّة، وتُؤيِّد قِصَّةَ الخَلْق الكِتابِيَّة. وأنا أحاولُ أنْ أُقَدِّمَ لكم بعض الأمثلة في أثناءِ دراستِنا. وإليكم مَثَلاً أَجِدُهُ مُدهشًا. فمِنْ وقتٍ إلى آخر، تَرَوْنَ على النَّشْرَة الجَوِّيَّة أنَّهم يَذكرونَ مُعَدَّل تساقُط الأمطار فيقولونَ إنَّهُ عُشْر بُوصَة، أو نِصْف بوصة، أو ثلاث بوصات، وَهَلُمَّ جَرَّا. وهو ليس فَحْصًا مُعَقَّدًا جدًّا لقياسِ ذلك. فَهُمْ يُحْضِرونَ وِعاءً مَفْتوحًا مِنْ أعلى. وعندما يَهْطُلُ المطر فإنَّهم يَقيسونَ كميَّةَ الماءِ في الوِعاء. ويمكنك أنْ تقوم بهذا العِلْم بنفسِك. فهي تُمْطِر كميَّةً مُعَيَّنَةً مِنَ المطر وتَملأ الوعاء إلى مُستوى مُعَيَّن. وحينئذٍ، فإنّهم يَخْرُجونَ بعد توقُّف المطر ويحسبون كميَّة المطر مِنْ خلال قياس كميَّة المطر الموجودة في الوعاء.

ويمكنك، مِنْ خلال هذه الطَّريقة البسيطة، أنْ تقومَ بتعديلٍ بسيطٍ على هذا الإجراء فَتَجْعَل مِقياس المَطَر يَعْمَل كَسَاعَة. فلنفترِض أنَّنا نَعيشُ في مكانٍ يَهْطُلُ فيهِ المطر باستمرار، وأنَّهُ يَهْطُلُ بمُعَدَّلٍ مَعلوم. فإنْ وَضَعْنا الوعاءَ في الخارج في هذَيْن الظَّرْفَيْن (أيْ أنَّ المَطَرَ مُستمرٌّ، وأنَّهُ يَهْطُلُ بمُعَدَّلٍ ثابتٍ)، يمكننا مِنْ خلال قياس كميَّة الماء الموجودة في الوعاء أنْ نَحْسِب الوقتَ المُنْصَرِم. فهي عمليَّة سَهلة جدًّا. وبهذا يمكن أنْ يصير وعاء الماء جهازًا لقياس الوقت. فهو يَصيرُ شَبيهًا بالسَّاعة. وكُلَّما زادتْ مُدَّة بقاء الوعاء في الخارج، زادت كميَّة الماء فيه. وكُلَّما زادت كميَّة الماء فيه، عَرَفْنا أنَّهُ بقي في الخارج وقتًا أطول. لذلك، يمكننا أنْ نَقيسَ الوقت المُنْصَرِم مِنْ خلال كميَّة الماء الموجودة في الوعاء. والآنْ، أنا أَعلمُ أنَّني لا أَختبر ذكاءَكُم بهذا. فهذا ليسَ قَصْدي. ولكنِّي أريدُ أنْ أُقَدِّمَ لكم مَثَلاً توضيحيًّا بسيطًا.

فعندما تَرَوْنَ أُناسًا في جنوب كاليفورنيا يَشُقُّونَ طَريقًا في الجَبَل، ويَقْطَعونَ جانبًا مِنْ ذلك الجبل لكي يَفْتَحوا طَريقًا، وعندما تَنظرونَ إلى جانب ذلك الجبل المقطوع فإنَّكم تَرَوْنَ طَبَقاتٍ عديدة. أو عندما تَذهبونَ إلى "غراند كانيون" (Grand Canyon)، وتَرَوْنَ تلك الطَّبقات الجيولوجيَّة المُدهشة الموجودة هناك، فإنَّكم تَرَوْنَ ما يَفترِضُ أنصارُ نظريَّة التطوُّر أنَّهُ تَرَسُّباتٌ تَراكَمت بصورة مُستمرَّة على مَرِّ مليارات ومليارات ومليارات السِّنين.

إنَّ أنصار نظريَّة التطوُّر يؤمنون بما يلي: فَهُمْ يؤمنونَ أنَّهُ على مَرِّ ملياراتِ السِّنين، فإنَّ هذه الرُّسوبيَّات استمرَّت في التَّراكُم. ولكِن هناك طُرُق عديدة للاعتراضِ على ما يَقولون. وإليكم طريقة أَجِدُ أنَّها مُدهشة جدًّا: فباستطاعةِ العُلماءِ أنْ يُخبروكُم عنْ مُعَدَّل سُقوط النَّيازِك على الأرض. فقد قَاسُوا ذلك وقتًا طويلًا جدًّا. وَباستطاعتهم أنْ يُخبروكم عدد النَّيازِك الَّتي تَحترق في الفضاء قبل أنْ تَصْطَدِم بالأرض، وعدد النَّيازِك الَّتي ترتطم بالأرض كُلَّ سنة؛ وهو عدد قَليل عامَّةً. وبمرور مليارات ومليارات السِّنين وتَراكُم الرُّسوبيَّات، فإنَّ ذلكَ يَقتضي أنْ تحوي تلك الرُّسوبيَّات موادَّ نيزكيَّة في كُلِّ طَبَقَة مِنْ طَبَقاتها. وإنْ كانت استمراريَّة وديمومة واتِّساق حياة النَّيْزَك مُساوية لاستمراريَّة وديمومة واتِّساق كُلِّ شيءٍ آخر في هذه النَّظريَّة الَّتي تُسَمَّى "نظريَّة الاتِّساق"، فإنَّ النَّيازِكَ سَقَطَت على هذه الأرض طَوالَ (4.5) مليار سنة، أوْ طَوالَ عُمْرِها. لذلك، يجب علينا أنْ نكونَ قادرين على فَحْصِ تلك الطَّبقات. ويجب علينا أنْ نكون قادرين على فَحْصِ العَمودِ الجيولوجيِّ والعُثورِ على نيازِكَ في كُلِّ ذلك العمود. وكَمَا فَعَلْنا في مِقْياسِ المَطَر، يجب علينا أنْ نَتَمَكَّنَ مِنْ حِسابِ عُمْرَ الأرض.

والمُدهشُ في الأمر هو أنَّ هذه البياناتِ تُبَيِّنُ الآتي: أنَّ الدِّراسةَ المَسْحِيَّةَ لِكُلِّ ما كُتِبَ عن وجودِ النَّيازِكِ في الطَّبقاتِ الصَّخريَّةِ أَخْفَقَتْ في إثْباتِ وجود حَجَر نَيْزَكِيّ واحد في أيِّ مكانٍ في أيِّ عَمودٍ جيولوجيّ. فالسَّاعة النَّيْزَكِيَّة تُشيرُ إلى أنَّ عُمْرَ الأرضِ فَتِيٌّ جِدًّا، وأنَّ كُلَّ النَّيازِك موجودة على السَّطْح.

وقد كَتَبَ "فيليب جونسون" (Philip Johnson) كتابًا رائعًا بعُنوان: "داروين في المُحاكَمة" (Darwin on Trial). وإنْ أردتُم مَزيدًا مِنَ المعلومات العِلْميَّة المُدهشة، اقرأوا هذا الكتاب. فهو يَسْرُدُ براهينَ عِلميَّة كثيرة جدًّا ضِدَّ نظريَّة التطوُّر كَما فَعَلَ كُتَّابٌ كثيرونَ جِدًّا ذلكَ أيضًا. وهذه مُجَرَّد مُقدِّمة صغيرة عنِ الجانبِ العِلميِّ مِنَ الأشياء. وأودُّ أنْ أَذكرَ شيئًا آخر يَختصُّ بالكتاب المقدَّس قبل أنْ نَتأمَّلَ في اليوم الثَّالث.

والسُّؤال الَّذي يُطرَح دائمًا هو: "مَتى خُلِقَت الملائكة؟" فهي ليست مذكورة في تكوين 1. لِذلك، كيف نَعرف متى خُلِقَت الملائكة؟ حسنًا! الحقيقة هي أنَّهُ لم يَرِد في سِفْر التَّكوين ولا في أيِّ سِفْر آخر في الكتاب المقدَّس حَديثٌ مُحَدَّدٌ عن خَلْق الملائكة. ولكِنَّ الشيء المؤكَّد هو أنَّها مَخلوقات، وأنَّها خُلِقَت، وأنَّ لها بداية. وهي كائنات لا تموت. فحالَ خَلْقِها، فإنَّها تَبْقى حَيَّةً إلى الأبد. ولكنَّ اللهَ المُثَلَّثَ الأقانيمَ هو الوحيدُ السَّرْمَدِيُّ الَّذي ليسَتْ لَهُ بداية ولا نِهاية. أمَّا الملائكةُ فهي كائناتٌ مَخلوقة.

وقد قالَ أُناسٌ إنَّهُ لا بُدَّ أنَّها خُلِقَت في اليوم السَّادس لأنَّهُ في اليوم السَّادس خَلَقَ اللهُ الإنسانَ. والملائكةُ، بحَسَب ما جاءَ في عِبرانيِّين 1: 14 خُلِقَت لتكونَ "أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلخِدْمَةِ لأَجْلِ العَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الخَلاَص". وحيث أنَّها خُلِقَت مِنْ أجل خدمة البشر العَتيدينَ أنْ يَرِثُوا الخَلاصَ، لا بُدَّ أنَّها خُلِقَت مَعَهُم في اليوم السادس. وأنا أَجِدُ هذهِ حُجَّةً واهيةً جدًّا، بصراحة، لأنَّ هذا لا يَصِفُ كُلّ ما تَفعله الملائكة. فهي ليست فقط خادمةً للقِدِّيسين. والحقيقة هي أنَّكُم إذا نَظَرْتُم إلى السَّماءِ في رُؤيا 4 و 5، سَتَجِدونَ أنَّها تَفعلُ ماذا؟ تَعْبُدُ اللهَ.

وبصورة أساسيَّة، وطَوالَ الأبديَّة، ستَبقى تَعْبُدُ اللهَ. لذلك، يَليقُ بِنا مِنْ جِهَةِ القَصْدِ مِنْ خَلْقِ الملائكةِ (الَّتي خُلِقَتْ أصلاً لكي تَعْبُدَ اللهَ) أنْ نَقْرِنَ تَرْتيبَ خَلْقِها بالوَقْتِ الذي ابتدأتْ فيهِ تُسَبِّحُ اللهَ وتَعْبُدُه. ولا شَكَّ أنَّنا نَراها في سِفْر الرُّؤيا تَعْبُدُ اللهَ عندَ ابتداءِ التَّاريخ. فيبدو لي أنَّها ابتدأتْ تَعْبُدُ اللهَ عندَ ابتداءِ التاريخ.

والحقيقة هي أنَّ هناكَ مَقطعًا في الكتاب المقدَّس يُمكننا الرُّجوعَ إليه. وسوفَ أقولُ لَكُمُ الشَّاهِد لكي تَنظروا إليه في وقتٍ آخر. إنَّهُ أيُّوب 38 والأعداد 4-7. أيُّوب 38 والأعداد 4-7. فهذا النَّصُّ يُخبرنا أنَّ الملائكة كانت حاضرةً عندَما وُضِعَتْ قواعِدُ الأرضِ. وقد ابتَهَجَتْ بذلك. لذلك، مِنَ المُرَجَّح أنَّ ذلكَ كانَ اليومُ الأوَّل – إنْ كانت قواعِدُ الأرضِ تَعني تلك الصُّورة الأصليَّة الخَرِبَة والخالية للأرض، أيِ الأرض الَّتي لم تكن قد أخذتْ شَكْلَها الأخير والنِّهائيّ. فإنْ كانَ مَعنى "قواعِد الأرض" يُشيرُ إلى العناصر والمُكَوِّنات الَّتي خُلِقَتْ منها الأرضُ قَبْلَ تَشكيلِها على شَكْلِها النِّهائيِّ، فإنَّ هذا يَعني أنَّ الملائكة خُلِقَت في ذلك الوقت. ونحن نقرأ في المزمور 104 (أرجو أنْ تُدَوِّنوا ذلك) فنحنُ نقرأ في المزمور 104: 2-5 عن إشْراقِ نُورِ اللهِ خِلالَ عمليَّة الخَلْق الأصليَّة. وهي تَذْكُر الملائكة قبل الإشارة إلى وَضْعِ قواعِدِ الأرض.

والآنْ، إنْ كانَ إشراقُ نُورِ اللهِ يُشيرُ إلى ما جاءَ في العدد الثَّالث: "لِيَكُنْ نُورٌ"، وَهُوَ أمرٌ حَدَثَ في اليوم الأوَّل وأَعْقَبَهُ وَضْعُ قواعِدِ الأرضِ، وإنْ كانَ هذا يُشيرُ، بالتَّالي، إلى تَشكيلِ الأرضِ الَّذي حَدَثَ فِعليًّا في اليوم الثالث، مِنَ المُرَجَّحِ أنَّ الملائكةَ خُلِقت بعد إشراقِ ذلك النُّور وقَبْلَ وَضْعِ قواعدِ الأرض – أيْ قَبْلَ تَشكيلِ الأرضِ وليسَ قَبْلَ خَلْقِها على صُورتها البدائيَّة؛ وَهُوَ تَشْكيلٌ حَدَثَ (كما سَنَرى) في اليوم الثالث.

لذلك، يمكنكم أنْ تَختاروا التَّفسيرَ المُناسب. ولكنَّني أَرى أنَّ الملائكةَ خُلِقَت مِنْ قِبَلِ اللهِ إمَّا قبلَ اكتمالِ خَلْقِ الأرضِ الموصوفة في اليومِ الأوَّلِ مِنَ الخليقة (لكي تَعْبُدَ الملائكةُ اللهَ على قيامِهِ بذلك)، أوْ أنَّها خُلِقَت بِكُلِّ تأكيد قبلَ تَشكيل الأرضِ في اليوم الثالث – وَهُوَ اليوم الَّذي فُصِلَتْ فيهِ اليابسة عنِ المياهِ (كَما قرأنا).

والآنْ، مِنَ الواضِحِ أنَّ السُّؤالَ المُختصَّ بوقتِ خَلْقِ الملائكة ليسَ مُهِمًّا. لِذا فإنَّ اللهَ لم يَذْكُر ذلك. فالمُهِمُّ هو أنْ نَعلمَ أنَّها خُلِقَتْ مِنْ قِبَل الله. وهي، كما جاءَ في "قانونِ الإيمانِ النِّيقويّ" (Nicene Creed)، نِتاجُ خَالِقِ كُلِّ الأشياءِ – الَّتي تُرى (أيْ العالمِ الماديِّ) والتي لا تُرى (أيِ العالمِ الروحيِّ الخاصِّ بالملائكة).

والآن، لِنَرجع إلى نَصِّ سِفْر التَّكوين والأصحاح الأوَّل. وأعتقد أنَّهُ مِنَ المُنْصِفِ أنْ نَفترضَ في هذه النُّقطة أنَّ الملائكة كانت قد خُلِقَت، وأنَّها كانت موجودةً هناكَ وَعاكِفَةً على تُسَبيحِ اللهِ وعِبادَتِه بسببِ العَجائِبِ الَّتي كانتْ تَراها وهو يُشَكِّلُ خَليقَتَهُ تَشكيلًا بَديعًا ورائعًا. ونَجِدُ في العَدَد الأوَّل نَظرةً عامَّةً إذْ نَقرأ: "فِي البَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ". فهذه مُجَرَّد نَظرة عامَّة إلى كُلِّ شيء. ثُمَّ إنَّ العَدَدَ الثَّاني يَرْجِع إلى وَصْفِ كيفيَّة قيامه بذلك. ومِنَ الواضح أنَّ الخَليقَةَ كانت تَضُمُّ كُلَّ العناصر وكُلَّ المُكَوِّنات. فَمِنَ العَدَمِ، أيْ: "مِنْ لا شَيء"، خَلَقَ اللهُ كُلَّ الموادِ اللَّازمة لِتَشكيلِ كَوْنِه. ثُمَّ إنَّ الأرضَ خُلِقَتْ بِحالَتِها البِدائيَّة وكانت خَرِبَة وخالية، أيْ أنَّها كانت في حالة فَوْضى. فهي لم تكن قد صُّوِّرَتْ بعد على الصُّورة الَّتي تَجعلها صَالِحَة للحياة، ولم تَكُن مأهولة بعد. ثُمَّ بعدَ أنْ خَلَقَ اللهُ الأرضَ الَّتي كانت غارقةً في الظَّلام، أضافَ إليها النُّورَ في العدد 3. لِذا، فإنَّ لدينا هذه الأرض الخَرِبَة والخالية الَّتي كانت مُجَرَّدَ خَليطٍ مِنَ العناصر الَّتي لم تأخُذ بعد شَكلها النهائيَّ. وقد كانت غارقةً في الظَّلام إلى أنْ خُلِقَ النُّورُ المُحيطُ بها.

ثُمَّ في اليوم الثَّاني، ابتداءً بالعدد السَّادس، خَلَقَ اللهُ السَّماوات. فالأرضُ كانت مَغمورة بالماء، كما نَذْكُر، وكما يُشيرُ العَدَدُ الثَّاني بوضوح. فقد كانتِ الأرضُ مَغمورة بالماء. ولكنَّ اللهَ قَطَعَ تلكَ المياه وجَعَلَ بَعْضًا مِنَ الماءِ فَوْق. ويبدو لي أنَّ أفضل طريقة لِفَهْمِ ذلك هي أنَّ ذلك الماء موجودٌ في مَنطقةٍ أعلى مِنَ السَّماواتِ الَّتي تُعْرَفُ بِسَماءِ النُّجوم لأنَّ المساحة الفاصلة بين المياهِ الَّتي فوق والمياهِ الَّتي تَحْت تُسَمَّى: "الجَلَد" أو "الفَضاء". وهي تُدعى "السَّماء"، وهي مَوْضِعُ النُّور. وهي، كما سنَرى لاحقًا، مَوْضِعُ الأَجْرامِ السَّماويَّة، أيِ الموضِعُ الَّذي توجد فيه الأَجْرامُ الفَلَكِيَّة؛ أي: الشَّمس، والقَمَر، والنُّجوم. لِذا فإنَّ هذا الجزءَ مِنْ ذلك الماء يَمْضي إلى أقاصي الكَوْنِ الَّذي لا نِهايةَ لَهُ. ولا نَدري تمامًا كيفَ نُفَسِّرُ ذلك. فلا يوجد شيء أكثر مِمَّا وَرَدَ في سِفْر التَّكوين يُبَرِّرُ تَمَسُّكَنا بهذه العقيدة. ولكِنَّ اللهَ يَتركُ الأرضَ مَغمورةً بالماء مَعَ أنَّهُ خَلَقَ السَّماء. ثُمَّ إنَّ تلكَ السَّماء تَمتلئ بالنُّور عندما تَصِلونَ إلى نهاية اليوم الثَّاني.

وما تَزالُ الأرضُ غير مأهولة، وغير صالحة للحياة، وليست في شَكْلِها النهائيِّ حَتَّى اليوم الثالث. وقبل أنْ نَنتقل إلى اليوم الثالث، أَوَدُّ أنْ أَذْكُرَ شيئًا هُنا لكي تُفَكِّروا فيه. ففي اليومِ الَّذي خَلَقَ اللهُ فيهِ الجَلَد، كانت هناكَ هذه الحركة العَنيفة المُفاجئة حينَ انفصلَ الماءُ عنِ الأرضِ وانتقلَ حرفيًّا إلى أقاصي السَّماءِ الَّتي ليسَت لها حُدود. وهذا الجَلَدُ العَظيمُ الَّذي نُسَمِّيه "الفَضاء"، أوْ هذا الجَلَد العَظيم الَّذي نُسَمِّيه "السَّماء" يأخُذُ شَكْلَهُ وَيُخْلَق. ولَكُمْ أنْ تَتخيَّلوا السُّرعة الَّتي خُلِقَتْ بها كُلُّ السَّماواتِ الَّتي لا حُدودَ لها. وفي وقتٍ لاحقٍ، حينَ نتحدَّثُ عنِ النُّجوم، سنتحدَّثُ عن اتِّساعِ الفضاء. وهذا أمْرٌ يَخْلِبُ الألْباب. وهذا كُلُّهُ يُخْلَق حالًا – هذا الكَوْنُ الفَسيحُ كُلُّهُ.

وقد وَصَلَ العِلْمُ إلى النُّقطةِ الَّتي ينبغي للعُلماءِ فيها أنْ يُقِرُّوا بذلك. فهناكَ لُغْزٌ عِلْمِيٌّ يُسَمُّونَهُ "نَظريَّة الانفجار العَظيم" (The Big Bang Theory). ونحنُ نُحِبُّ أنْ نُسَمِّيها نَظريَّة "الله العَظيم". فنحنُ نَعلمُ أنَّ اللهَ العَظيمَ هو الَّذي فَعَلَ ذلك. ولكنَّهُم يَظُنُّونَ أنَّهُ انفجارٌ عظيم. وقد تَحَدَّثَتْ مجلَّة "العَالَم" (World Magazine) عن هذا الموضوع. وقد قرأتُ ذلك في العَدَد الصَّادر في 1 أيَّار/مايو لهذه السَّنة. فالدَّليلُ العِلميُّ على نظريَّة الانفجار العظيم يَقتربُ أكثر فأكثر مِنَ التَّفسيرِ اللَّاهوتِيِّ بحسب ما يُسَمَّى بالتَّضَخُّم الكَوْنِيّ. والفِكرة هي أنَّهُ لِسَبَبٍ ما، فإنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ تَعَرَّضَ للانفجار.

ويقولُ شَخْصٌ يُدْعى السيِّد "غريغ إيستربروك" (Mr. Gregg Easterbrook) – وأنا أقتبسُ كَلامَهُ: "لقدَ تَمَدَّدَ الكَوْنُ كُلُّهُ إلى أَقْصى حَدٍّ وإلى أبعدِ مَدى إذْ إنَّهُ، بصورة أساسيَّة، استمرَّ في التمدُّد إلى أنْ بَلَغَ حَجْمًا كَوْنِيًّا. وهذا يُدَرَّسُ الآنَ في جامعة ستانفورد، ومعهد ماساتشوسيتس للتِّكنولوجيا، وغيرها مِنَ أفضل المَعاهِدِ العِلميَّة. وهذا التَّفسيرُ عَنْ بدايةِ الكون يُشْبِهُ جدًّا الفِكرة اللَّاهوتيَّة التَّقليديَّة عنِ الخَلْقِ مِنَ العَدَم، أيْ مِنْ لا شيء". ويَقتبسُ السيِّد "إيستربروك" ما قالَهُ واحِدٌ مِنْ أَبْرَزِ عُلماءِ الفَلَك وهو "آلان سانديج" (Alan Sandage) الَّذي يَعْمَلُ في مَراصِدِ مَعهد كارنيجي (Carnegie Institution) قائلًا: "لا يُمْكِن فَهْم الانفجار العظيم إلَّا بأنَّهُ مُعْجِزَة" [نهاية الاقتباس].

لقد كانَ اليومُ الثَّاني انفجارًا عظيمًا مِنْ قِبَلِ إلَهٍ عَظيم قامَ في لَحْظَة بِخَلْق الكَوْنَ. وقد صارَتْ هُناكَ أرضٌ خَرِبَة، وصارَ هُناكَ نُورٌ، وصارَ هُناكَ كَوْنٌ فَسيحٌ. ثُمَّ نأتي إلى اليومِ الثَّالث في العدد 9: "وَقَالَ اللهُ: ’لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ ..." – وهذه هي المياهُ الَّتي كانت ما تَزالُ على الأرض. أمَّا المياهُ الأخرى فصارَتْ فوق في السَّماوات على مَسافَةٍ بَعيدةٍ جِدًّا. ومِنَ الواضِحِ أنَّ اللُّغةَ المُستخدمةَ هُنا تُشيرُ إلى ذلك. "’لِتَجْتَمِعِ المِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَلْتَظْهَرِ اليَابِسَةُ‘. وَكَانَ كَذلِكَ". وقد كانَ اللهُ مُزْمِعًا في اليومِ الثَّالثِ أنْ يُعْطي الأرضَ شَكْلَها النِّهائيَّ.

ويَبتدئ العدد 9 كما هي الحالُ دائمًا في سِفْر التَّكوين: "وقالَ اللهُ...". ونَرى ذلكَ مَرَّةً أخرى في العدد 11: "وَقَالَ اللهُ...". وفي العدد 14: "وَقَالَ اللهُ...". وفي العدد 20: "وَقَالَ اللهُ...". وهذا ما نَراهُ أيضًا في الأعداد السَّابقة. فنحنُ نقرأُ في العدد الثَّالث: "وَقَالَ اللهُ". ونقرأ في العدد 6: "وَقَالَ اللهُ". فكُلُّ شيءٍ خُلِقَ مِنْ لا شَيء مِنْ قِبَلِ اللهِ بِمُجَرَّدِ "كُنْ فَيَكون".

وفي اليوم الأوَّل، فَصَلَ اللهُ النُّورَ عنِ الظُّلمة. وفي اليوم الثاني، فَصَلَ اللهُ الماءَ الَّذي تَحْت عنِ الماءِ الَّذي فوق. وفي اليوم الثالث، فَصَلَ اللهُ اليابسةَ عنِ البَحْرِ: "لِتَجْتَمِعِ المِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ...". والآنْ، مِنَ الواضح أنَّ هذا هو الماء الَّذي بقي على الأرض. فالماءُ الَّذي فوق مَضَى إلى أقاصي السَّماوات. أمَّا هذا الماءُ فهو الَّذي بَقِيَ على الأرض. ففي العدد الثَّاني، كانتِ الأرضُ مَغمورةً بالماء. وقد دُعِيَ ذلك "وَجْهُ الغَمْر" وَ "وَجْه المياه". وكانتِ الأرضُ ما تَزالُ مَغمورةً بالماء. فتحتَ الماءِ، كانت تلك المادَّة الصُّلبة مَخفيَّة تَحْتَ المياهِ الَّتي كانت تُغَطِّي الأرض.

ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تلكَ المياه الَّتي تُغَطِّي الأرضَ أنْ تَجتمع أوْ تَتَجَمَّع في مكانٍ واحد. والتَّرجمةُ السَّبعينيَّةُ تَستخدِم الكلمة "تَجْتَمِع" (أيْ تأتي إلى مكانٍ واحد). لذلك، صارت كُلُّ المياه المُحيطة بالأرض مُجتمعة الآنَ في مكانٍ واحد. وفي الوقتِ نفسه، نقرأ في العدد 9: "وَقَالَ اللهُ: «وَلْتَظْهَرِ اليَابِسَةُ». وَكَانَ كَذلِكَ". لِذا، فقد فَصَلَ اللهُ الماءَ عنِ اليابسة. وهذه جُملة بسيطة – جُملة بسيطة. ولكِنْ هل يُمكنكم أنْ تَستوعبوا الحَدَثَ العَظيمَ المُفاجئَ الَّذي حَدَثَ بأمْرٍ مِنَ الله؟ ففجأةً، ابتدأتِ المادَّةُ الَّتي كانتْ في شكلها البدائيِّ مَغمورةً تحتَ أعماقِ سَطْحِ البحر، ابتدأت بالتَّحَرُّكِ. وابتدأت كُلُّ تلك العناصر الضروريَّة تَعمل لإنتاجِ اليابسة إذْ أَخَذَتْ تَضْغَطُ إلى أعلى لِتَكوينِ سَطْحِ اليابسة. وقد تَحَرَّكَتِ المياهُ وتَجَمَّعت في مكانٍ واحد. وقد كانت هُناكَ تَفاعلاتٌ كيماويَّةٌ تَجري حينَ اتَّحَدَتِ العَناصرُ بعضُها ببعض لتشكيلِ المَعادِنِ والصُّخورِ والتُّربةِ، ولتشكيلِ اليابسةِ بِقِشرتِها، وغِلافِها، وَجَوْفِها. وَهُوَ عَمَلُ خَلْقٍ مُدهش جدًّا.

ويَكتُب "هنري موريس" (Henry Morris): "لقد حَدَثت حَرَكاتٌ أرضيَّة عظيمة. فَسطوحُ اليابسةِ ظَهَرت فوقَ المياه، وشَبَكَةُ القَنواتِ والآبارِ المُعَقَّدَةِ ظَهَرَت في القِشرةِ لاستقبالِ المياهِ المُتراجِعَة عنِ القارَّةِ الصَّاعِدَة". وقد ظَهَرتِ القارَّة – ورُبَّما كانت قارَّة واحدة عظيمة فقط، ثُمَّ انقسمت في وقتٍ لاحقٍ وصارت قارَّاتٍ عديدة بسبب حادثةٍ مُفاجئةٍ عظيمةٍ نشأت عن تَكَسُّرِ الصَّفائحِ التِّكتونيَّة في أثناءِ الطُّوفان حينَ انفَجرت ينابيعُ الغَمْرِ وَغَمَرتِ القارَّة وجَعَلَتها على الصُّورة الَّتي هي عليها الآن. ولكِنْ في هذا الوقت، رُبَّما كانتِ القارَّةُ قَارَّةً واحدةً فقط ظَهَرَتْ، والمياهُ اجتمعت في مكانٍ واحد. وهذا أمرٌ مُدهش جدًّا. فالمياه تجمعت لا في بحرٍ عظيمٍ واحدٍ فقط، بل تجمعت، دون شَكٍّ، في أحواض عديدة. وَيَرِدُ الحديثُ عن تَجَمُّعاتِ المياهِ بصيغة الجَمْع. فقد كانت هناك مياهٌ عديدة. وقد اجتمعت كُلُّها حتَّى إنَّها تلامست بعضُها مع بعض بمعنى أنَّها كانت جميعُها مُتَّصِلَة. ولا بُدَّ أنَّه كانت هناك آبار ارتوازيَّة، وأنَّهُ كانت هناك مُجاري مياه تحت الأرض، وجداول، وأنهار، وينابيع، ونوافير؛ ولكنَّها كانت جميعها مُتَّصِلة معًا. فكل المياه الَّتي تَجري في كل مكان في الأرض مُتَّصِلَة بعضُها ببعض. وكما قُلت، لم تكن الحالُ آنذاك كما هي حالُ البحار الَّتي تَشكَّلت بعد الطُّوفان. فكل شيء قد تغيَّر عندما حدث الطُّوفان. ولكنَّ اللهَ خَلَقَ البحارَ وخلقَ اليابسة.

والآن، أَوَدُّ أن أبيِّنَ لكم أنَّ هذه هي الشَّهادة الواضحة للكتاب المقدَّس بأنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ هذا حَالاً. انظروا إلى سِفْر أيُّوب والأصحاح 38. وهذا أمرٌ يَستحقُّ أنْ نَنظر إليه لأنَّني سأصحبكم لرؤية شيءٍ مُدهشٍ في نَظري. أيُّوب 38: 8. والربُّ يتحدَّث إلى أيُّوب هنا. وصَدِّقوني أنَّ الربَّ ليسَ مِنْ أنصار نظريَّة التطوُّر. أيُّوب 38: 8. والربُّ يسأل أيُّوب مُذَكِّرًا إيَّاه بضرورة أنْ يَصْمُت إذْ يقولُ لَهُ في العدد 4 (قَبْلَ وُصولِنا إلى العدد 8): "أَيْنَ كُنْتَ حِينَ أَسَّسْتُ الأَرْضَ؟" وهذا ليسَ تَطَوُّرًا، يا أحبَّائي، بل هو خَلْق. أيْنَ كُنْتَ؟ "أيْنَ كُنْتَ ... عِنْدَمَا تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ الصُّبْحِ [أيِ المَلائِكَة] مَعًا، وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي اللهِ [ابتهاجًا بالخليقة]"؟ وهذا هو النَّصُّ الَّذي يُشيرُ إلى أنَّ الملائكةَ كانت مَخلوقةً عندما خَلَقَ اللهُ الكَوْن. وفي العدد 8: "وَمَنْ حَجَزَ الْبَحْرَ بِمَصَارِيعَ حِينَ انْدَفَقَ فَخَرَجَ مِنَ الرَّحِمِ. إِذْ جَعَلْتُ السَّحَابَ لِبَاسَهُ، وَالضَّبَابَ قِمَاطَهُ، وَجَزَمْتُ عَلَيْهِ حَدِّي، وَأَقَمْتُ لَهُ مَغَالِيقَ وَمَصَارِيعَ، وَقُلْتُ: إِلَى هُنَا تَأتِي وَلاَ تَتَعَدَّى، وَهُنَا تُتْخَمُ كِبْرِيَاءُ لُجَجِكَ؟" أينَ كُنْتَ، يا أيُّوب، حينَ خَلَقْتُ البحرَ وَوَضَعْتُ لَهُ حُدودًا لِشَواطِئِهِ؟ "وقلتُ: إلى هُنا تأتي ولا تَتَعَدَّى". وهذا يُشيرُ إلى عَمَلِ الخَلْقِ الَّذي قامَ بهِ اللهُ – كما هو مَذكورٌ في اليوم الثالث مِن سِفْر التَّكوين.

افتحوا على المزمور 74. المزمور 74 والعدد 13. فالمُرَنِّمُ يُمَجِّدُ اللهَ. وفي العدد 12، يَتحدَّثُ المُرنِّم عن اللهِ بوصفِهِ مَلِكَهُ مُنْذُ القِدَم، وبوصفِهِ مَلِكَهُ الأزليَّ "فَاعِل الخَلاَص فِي وَسَطِ الأَرْضِ" - فَاعِل الخَلاَص فِي وَسَطِ الأَرْض. ثُمَّ نقرأ في العدد 13: "أَنْتَ شَقَقْتَ البَحْرَ بِقُوَّتِكَ" - أَنْتَ شَقَقْتَ البَحْرَ بِقُوَّتِكَ. بعبارة أخرى: أنتَ الَّذي خَلَقْتَ البحرَ. ولكنَّهُ يُضيفُ في العدد 13 هذه الجُملة العَجيبة جدًّا: "كَسَرْتَ رُؤُوسَ التَّنَانِينِ عَلَى الْمِيَاهِ".

افتحوا على المزمور 104. وسوفَ أَرْجِعُ إلى هذا النَّصِّ بعد قليل. ولكِن افتحوا على المزمور 104 والعدد 7. فهو يقول في العدد الخامِس إنَّ اللهَ هو "المُؤَسِّسُ الأَرْضَ عَلَى قَوَاعِدِهَا فَلاَ تَتَزَعْزَعُ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ". وهل يمكنكم أنْ تَتَخيَّلوا عالَمًا مَائِلًا يَدورُ هكذا، وأنْ نَكونَ مَائِلينَ مِثْلَهُ، وأنْ يَزْدادَ مَيْلًا وتَزَعْزُعًا بضعة أقدام في كُلِّ دَوْرَة؟ إنَّ هذا يُسَمَّى في العِلْم "تَوازُن القِشرة الأرضيَّة" (isostasy)؛ أيْ أنَّ الأرضَ مُتوازنة تمامًا. فالموادُّ الأثقَل في الأرض تَتمركزُ في الوسط، والموادُّ الأخَفُّ توجد في الأطراف الخارجيَّة مُحَقِّقَةً بذلك توازُنًا رائعًا.

ونقرأ في العدد 6: "كَسَوْتَهَا الْغَمْرَ كَثَوْبٍ". وهذا هو تمامًا ما يَقولُهُ تكوين 1. فقد كانتِ الأرضُ مَغمورة بالماء: "فَوْقَ الجِبَالِ تَقِفُ المِيَاهُ". ثُمَّ نقرأ في العدد 7: "مِنِ انْتِهَارِكَ تَهْرُبُ، مِنْ صَوْتِ رَعْدِكَ تَفِرُّ. تَصْعَدُ إِلَى الْجِبَالِ. تَنْزِلُ إِلَى الْبِقَاعِ، إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَسَّسْتَهُ لَهَا. وَضَعْتَ لَهَا تَخْمًا لاَ تَتَعَدَّاهُ. لاَ تَرْجعُ لِتُغَطِّيَ الأَرْضَ". ومِنَ المؤكَّد أنَّ هذا الكلامَ يُمكن أنْ يُشيرَ إلى عمليَّةِ الخَلْقِ الَّتي قامَ بها الله. وَهُوَ يُمكن أن يُشير أيضًا إلى ما فَعَلَهُ اللهُ بعد الطُّوفان الَّذي غَمَرَ الأرض. وأعتقد أنَّني أَمِيْلُ إلى حقيقة أنَّ هذا النَصَّ يُشيرُ إلى الخَلْق بسببِ وَصْفَ اللهِ بأنَّهُ يُؤسِّسُ الأرضَ في العدد الخامس، وبأنَّهُ يُغَطِّي الأرضَ بالماء في العدد 6 كما لو أنَّهُ يَكْسوها بِثَوْبٍ. وأعتقد أنَّ السِّياقَ يُشيرُ إلى عمليَّة الخَلْق، وأنَّ اللُّغة الَّتي يَستخدمُها المُرَنِّمُ تَصِفُ ما حدث حينَ أَسَّسَ اللهُ الأرضَ وفَصَلَ البَحْر. ويَستمرُّ العدد 10 في الحديثِ عَنْ نفسِ عمليَّةِ الخَلْقِ: "اَلْمُفَجِّرُ عُيُونًا فِي الأَوْدِيَةِ. بَيْنَ الْجِبَالِ تَجْرِي". ومَرَّةً أُخرى، فإنَّ هذه كلمات عنْ عمليَّة الخَلْق.

وفي سِفْرِ الأمثال والأصحاح الثَّامِن (ولاحِظُوا أنَّ كُلَّ هذهِ الآيات تَرِدُ في أسفارِ الحِكْمَة، أيْ في أيُّوب، والمزامير، وسِفْر الأمثال). فهي تَتْبَع أسلوبًا شِعريًّا مُعَيَّنًا. ولكِنْ في أمثال 8: 27، فإنَّ النَّصَّ يَتحدَّث عنِ الحِكمة. فالحِكمة مُشَخَّصَةٌ هُنا. والحقيقة هي أنَّ العدد 27 يُرينا طَبيعَتَهُ الأزليَّة. فاللهُ كانَ يَمتلك حِكْمَةً مِنَ البَدْء. والعدد 22 يُوضِّح أيضًا أنَّهُ كانَ يَمتلك حِكْمَةً مُنْذُ القِدَم. "مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقَرَّرَتِ الجِبَالُ، قَبْلَ التِّلاَلِ أُبْدِئْتُ" (العدد 25). ومَرَّةً أُخرى، فإنَّ الكَلامَ هُنا يأتي في سِياقِ الحَديثِ عنِ عمليَّة الخَلْق. ونقرأ في العدد 26: "إِذْ لَمْ يَكُنْ قَدْ صَنَعَ الأَرْضَ بَعْدُ وَلاَ الْبَرَارِيَّ وَلاَ أَوَّلَ أَعْفَارِ الْمَسْكُونَةِ. لَمَّا ثَبَّتَ السَّمَاوَاتِ [في اليوم الثَّاني] كُنْتُ هُنَاكَ أَنَا [فالحِكْمَةُ كانت هناك]. لَمَّا رَسَمَ دَائِرَةً عَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ. لَمَّا أَثْبَتَ السُّحُبَ مِنْ فَوْقُ. لَمَّا تَشَدَّدَتْ يَنَابِيعُ الْغَمْرِ. لَمَّا وَضَعَ لِلْبَحْرِ حَدَّهُ". فَكُلُّ ذلكَ يَدْحَض حُدوث أيِّ عمليَّة تَطَوُّر. فكُلُّ شَيءٍ يُنْسَب مُباشَرَةً إلى الله. فاللهُ هو الَّذي فَعَلَ ذلكَ كُلَّهُ - كما هو مَوصوفٌ في الأصحاح الأوَّل مِنْ سِفْر التَّكوين.

والآنْ، لقد قرأتُ قبلَ قليل مِنَ المزمور 74. وهناك مُلاحظة مُدهشة وهي أنَّهُ يُشيرُ إلى وَحْشٍ بَحْرِيٍّ. لِذلك، إذا دَرستم أدبَ الحِكْمَة ستجدونَ أنَّ وحشَ البَحْرِ يُذْكَر عِدَّة مَرَّات. فنحنُ نَقرأ في سِفْر أيُّوب، مَثَلاً، في الأصحاح 7 والعدد 12: "أَبَحْرٌ أَنَا أَمْ تِنِّينٌ، حَتَّى جَعَلْتَ عَلَيَّ حَارِسًا؟" ونقرأُ مَرَّةً أخرى أنَّ اللهَ وَضَعَ حارِسًا على البحر. ولكِنْ في أغلبِ الأحيان، عندما يَتحدَّثُ الكتابُ المقدَّسُ عن أنَّ اللهَ وَضَعَ حارِسًا على البحرِ فإنَّهُ يَذكُرُ هذا الوحشَ البحريّ. ويمكنكم أنْ تَجدوهُ أيضًا في سِفْر أيُّوب 9: 13: "اللهُ لاَ يَرُدُّ غَضَبَهُ. يَنْحَنِي تَحْتَهُ أَعْوَانُ رَهَبَ". والكلمة "رَهَبْ" تُتَرْجَمُ: "وَحْش البَحْر".

والآنْ، ماذا يَكونُ هذا الوحش؟ حسنًا! مِنَ الواضحِ أنَّ الكلمة "رَهَبْ" كانت اسمَ وَحْشٍ بَحريٍّ أُسطوريّ. فالاسمُ "رَهَبْ" هوَ لَفْظٌ دارِجٌ يَصِفُ وَحْشًا بحريًّا تَمَرَّدَ على الله. والحقيقة هي أنَّ هناكَ بعض الأساطير القديمة عند الوثنيِّين تقول إنَّهُ عندما كانَ اللهُ يَخْلِقُ العالم، ويُريدُ أنْ يَخْلِقَ يابسةً وبَحرًا، كانَ هُناكَ وحشٌ بحريٌّ عَظيمٌ مُتمرِّدٌ يُسَمَّى "رَهَب" يُحاول أن يَمنع الله مِنْ فَصْلِ اليابسةِ عنِ البحر لأنَّهُ أرادَ أنْ يَبقى البَحْرُ يَطغى على اليابسة. لذلك، اضْطُرَّ اللهُ إلى حَجْزِ البَحْرِ، وإلى حَبْسِ هذا الوحشِ البحريِّ الَّذي أرادَ أنْ يَتمرَّد. لذا، عندما أرادَ اللهُ أنْ يَرْسِمَ حُدودَ البحرِ والسَّاحل، بحسب الأسطورة، كانَ لا بُدَّ أنْ يَهْزِمَ هذا الوحشَ العظيمَ الَّذي يُسَمَّى "رَهَبْ" والذي أرادَ أنْ يُحاربَ الله. هذا هو ما تقولُهُ الأسطورة. فهو ليسَ مذكورًا في قصَّة سِفْر التَّكوين، بل في الأسطورة – بأنَّهُ كانَ هناكَ وَحْشٌ يحاول أنْ يَمنع الله مِنَ الفَصْلِ بين اليابسة والبحر.

ونقرأُ عن ذلك أيضًا في إشعياء 51، ولكنَّهُ يَرِدُ هُنا في سِياقٍ مُختلف: "اِسْتَيْقِظِي، اسْتَيْقِظِي!" (في العدد 9) "الْبَسِي قُوَّةً يَا ذِرَاعَ الرَّبِّ! اسْتَيْقِظِي كَمَا فِي أَيَّامِ الْقِدَمِ، كَمَا فِي الأَدْوَارِ الْقَدِيمَةِ. أَلَسْتِ أَنْتِ الْقَاطِعَةَ رَهَبَ...؟" ومَرَّةً أخرى، نجد هنا هذا الاسمَ (أيْ: "رَهَبْ") مَرَّةً أخرى؛ أيْ هذا الوحش البحريّ الَّذي كانَ يَرِدُ ذِكْرُهُ في الأساطير الوثنيَّة. وكما تَرَوْن، فإنَّهُ مذكورٌ أيضًا في أحدِ المَزامير. وسوفَ أكتفي بشاهدٍ أخيرٍ ثُمَّ أتْرُكُ هذه النُّقطة، ولكنِّي أعتقد أنَّها نُقطة مُدهشة. فهو مذكور في المزمور 89 والعدد 10: "أَنْتَ سَحَقْتَ رَهَبَ مِثْلَ الْقَتِيلِ".

وإليكُم ما تقولُهُ تلك الأسطورة. فالأُمَم، أو الشُّعوب الموجودة آنذاك، لأنَّهُمْ لم يَكونوا يُعْرَفونَ بالأُمَم بَعْد في تلك الفترة لأنَّ إسرائيل لم تَكُنْ قد ذُكِرَتْ بعد – مَعَ أنَّ الزَّمَنَ كانَ زَمَن أمثال. ولكنَّ الشُّعوبَ الوثنيَّة الموجودة آنذاك كانت قد ابتكرت تلك الأساطير عن الخَلْق وذكرت أنَّ الآلهة كانت تحاول أنْ تَفصل اليابسة عنِ البحر، وأنَّهُ كانت هناك مقاومة مِنْ قِبَل هذا الوحشِ البحريِّ العظيم الَّذي كان يُحاربُ مِنْ أجل الحفاظ على سِيادَتِه لكي يُهيمن على اليابسة ويُغْرِق كُلَّ مَنْ شَاء وَقْتَما شاء. ولكنَّ الآلهة العظيمة تَمَكَّنَتْ مِنْ إلحاقِ الهزيمة بوحش البحر.

وهذه الأسطورة شَقَّتْ طريقها ووجدت لها مكانًا في تَقليد الرَّبَّانِيِّين. وقد صارت الكلمة "رَهَبْ" اسمًا يُشيرُ إلى أيِّ شيءٍ حقيقيٍّ أو خياليٍّ يُسَبِّبُ الدَّمار؛ أيْ يُشيرُ إلى أيِّ شيءٍ يَتمرَّد على الله، ويَثور على القصدِ الإلهيَّ أو على شعب الله. وتَجِدونَ العديدَ مِنَ الشَّواهد على "رَهَب"، أيْ وَحْش البحر، في أدَبِ الرَّبَّانِيِّين. وقد سَمُّوا رَهَب: "سَيِّد البَحْر" وَ "الوحش البحريّ العَظيم". وأعتقد أنَّ اسْمَهُ اليوم هو "نِبتون – إلَه البَحْر" (Neptune). وهو مُعارِض دائمًا لمشيئة الله في تلك الأساطير. ولكنَّ اللهَ القُدُّوسَ هو الوحيد الذي تَمَكَّنَ مِنَ احتجازِه والسَّيطرة عليه.

ويبدو أنَّ اليهودَ بعدَ ذلك استعاروا فِكرة "رَهَب" وحَوَّلوها إلى استعارة تُشير إلى أيِّ شيءٍ يُقاوم سُلْطانَ الله – أيِّ شيءٍ حقيقيٍّ، أو أيِّ شيءٍ خياليٍّ، يُقاوم سُلْطانَ الله. ويمكنكم أنْ تَجدوا الشَّواهِدَ الَّتي ذَكَرْتُها في كُلِّ أَدَبِ الحِكمة في العهد القديم. والشَّيء المُدهش في نظري هو أنَّهُ عندما تنظرونَ إلى قصَّة سِفْر التَّكوين، أيْ إلى القصَّة الحقيقيَّة للخَلْق، فإنَّكم لا تقرأونَ عن "رَهَب". فلا ذِكْرَ لِوَحْشِ البحر. ولا ذِكْرَ لأيِّ قُدرة أخرى. ولا ذِكْرَ لأيِّ قُوَّة أخرى، أو إلَهٍ آخر في شَكْلِ وَحْشٍ بَحريّ.

فما تَجِدونَهُ في سِفْر التَّكوين هو قِصَّة مكتوبة بعناية فائقة، ومُفَصَّلة، وقابلة للتَّصديق، وحقيقيَّة عنِ الخَلْقِ - مِنْ دونِ أسلوبٍ شِعريٍّ أو خُرافِيٍّ أو أُسطوريٍّ مِنْ أيِّ نوع. والحقيقة هي أنَّني أعتقد أنَّ هذا يُعارِض تلك الأساطير القديمة الَّتي أَفْسَدَتْ حَتَّى فِكْرَ اليهودِ بمرورِ الوقت. والتَّوراةُ، وشريعةُ اللهِ، وسِفْرُ التَّكوين تُعَبِّرُ عن ذلك بالطَّريقة التَّالية: حَاشا أنْ تُفَكِّروا، كَما يَفْعَلُ بعضُ الوثنيِّينَ، بأنَّ الوحشَ أُعْطِيَ قُوَّةً إلهيَّةً مُستقلَّةً يُحارِب بها خالِقَ الكون. كذلكَ، حاشا أنْ تَتَخَيَّلوا، كما يَقولُ بعضُ الشُّعراءِ الإسرائيليِّينَ، أنَّ البحرَ رَفَضَ أنْ يَفعلَ مشيئَةَ خالِقِه، وأنَّ اللهَ اضْطُرَّ إلى إخْضاعِهِ وإرغامِهِ على الطَّاعة. صحيحٌ أنَّ التَّوراةَ تُدَوِّن أنَّ اللهَ وَضَعَ حُدودًا ثابتةً لمياهِ البَحْر، ولكنَّ هذا لم يَحْدُث مِنْ خلال إخضاعِ مشيئةِ البحرِ الَّذي حاوَلَ أنْ يَتَمَرَّدَ على اللهِ، أيْ إلَهِ السَّماء. بل إنَّ اللهَ قالَ بِبساطَة: "لِتَجْتَمِعِ المِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ ... وَكَانَ كَذلِك".

وقد ذَكرتُ كُلَّ ذلك فقط لكي أَرُدَّ على نُقَّادِ سِفْرِ التَّكوين الَّذينَ يريدون أنْ يُحَوِّلوا هذا النَّصَّ إلى خُرافة، أو أُسطورة، أو أنْ يَنْسِبوا إليهِ، دُوْنَ حَقٍّ، صِفَةَ الجَوازِ الشِّعريّ. فكاتبُ سِفْر التَّكوين يَتجنَّب بمهارة استخدام أيَّة أُسطورة معروفة حتَّى لو كانت قد ذُكِرَت في أيِّ كُتُبٍ أخرى تَنتمي إلى أَدَبِ الحِكمة، أو حَتَّى لو أشارَ إليها النبيُّ إشعياء. فقد استَخدَمَ ذلكَ بصورة مجازيَّة للتحدُّثِ عن أيِّ شيءٍ يُشيرُ إلى التمرُّد والفوضى. ولكِنْ لم تكن هناك مَعركةٌ كهذه. بل إنَّ اللهَ أَمَرَ، فصَارَ ما أَمَرَ بِهِ.

وعودة إلى تَّكوين 1. فنحنُ نقرأ في العدد 9: "لِتَجْتَمِعِ المِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ". وهذا يَشْمَلُ البُحيرات الجَوفيَّة، والأنهار الجَوفيَّة، والجَداوِل، والينابيع، والآبار. فجميعُها مُتَّصِلة. ومِنَ المُرَجَّحِ أنَّ الأرضَ هي قارَّة واحدة هائلة الحَجْم. وبالمُناسبة، إليكم هذه المُلاحظة: إذا أخذتم كُلَّ قارَّاتِ الأرض وَضَمَمْتُموها بعضُها إلى بعض، فإنَّها ستؤلِّف وِحدة كاملة - كما لو أنَّها انفصلت بعضُها عن بعض.

ثُمَّ نقرأ في العدد 10 أنَّ اللهَ أَطْلَقَ اسْمًا على الشَّيءِ الَّذي فَعَلَهُ: "وَدَعَا اللهُ اليَابِسَةَ ’إيريتس‘ [erets] أَرْضًا، وَمُجْتَمَعَ الْمِيَاهِ دَعَاهُ ’ياميم‘ [yamim] بِحَارًا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ". فقد كانَ حسنًا. وَ "كانَ كذلك" – فهذا هو ما قَالَهُ في البداية عندما أَمَرَ بِأنْ يُخْلَقَ النُّورُ فكانَ نُوْر. وقد أَمَرَ بأنْ تُخْلَقَ السَّماءُ فكانَ كذلك. وقد خَلَقَ (في العدد 9) اليابسةَ والبحارَ، فكانَ كذلك. أمَّا الآن، فهو يقول إنَّهُ رأى ذلكَ أنَّهُ حَسَنٌ – أنَّهُ حَسَنٌ. لماذا؟ لأنَّها كانت قد صارت صالِحَة للحياة. فقد صارت صالحة للحياة. فقد كان النُّور حسنًا في ذاته، بحسب العدد 4. ولكنَّ الأرضَ صارتِ الآنَ حَسَنة. ثُمَّ إنَّ النَّباتاتِ (في العدد 12) كانت حسنة. وفي العدد 18، كانت الأجْرامُ السماويَّةً حَسَنة. وفي العدد 21، كان كُلُّ ما عَمِلَهُ في البحرِ وما في الجَوِّ حَسَنًا. ونقرأُ في العدد 21 أنَّهُ خَلَقَ الإنسانَ وَرَأَى كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. فلم تكن هناك خطيَّة، يا أحبَّائي. ولم يكن هناك موت. بل كان كُلُّ شيءٍ حسنًا.

لِذلك، في الوقت الَّذي نَصِلُ فيه إلى حيثُ وَصَلْنا (أيْ إلى العدد 10)، نَرى كَوْنًا ثُلاثِيَّ الأجزاء: الأرض، والبحر، والسَّماء. وهذا هو الكَوْنُ المَخلوق. وقد كانَ حَسَنًا. وقد قالَ اللهُ إنَّهُ حَسَنٌ لأنَّهُ وَصَلَ إلى نُقطةٍ صارَ فيها صالحًا للحياة. لذا، فقد انتقلَ اللهُ إلى المرحلة الثانية مِنَ الخَلْقِ في اليوم الثاني إذْ نقرأ في العدد 11: "وَقَالَ اللهُ: «لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا، وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ، بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأَرْضِ». وَكَانَ كَذلِك". وأُذَكِّرُكم مَرَّةً أخرى أنَّ ذلكَ حَدَثَ لأنَّهُ أَمَرَ فَصارَ ما أَمَرَ به. فقد خَلَقَ كُلَّ ذلك بكلمة، كما جاءَ في العدد 11. فاللهُ خَلَقَ كُلَّ شيءٍ بأنْ قالَ لَهُ "كُنْ" فَكان. وقد وَصَلْنا إلى الحياةِ النَّباتيَّة إذْ نقرأ في العدد 11: "لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا". وأعتقد أنَّ هذه فِئَة عامَّة بِمَعْنى: "الحياة النَّباتيَّة". وهناكَ جُزْءانِ يَتَفَرَّعانِ مِنْ هذه الفئة. فهناكَ البُقول (في العدد 11) والأشجار. فالحياةُ النَّباتيَّةُ تَنقسم إلى جُزْءَيْن: بُقول وأشجار.

وفي العدد 29، قالَ اللهُ: "إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ [أيْ: البَشَر] كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ ...". إذًا، فقد قَسَّمَ اللهُ الحياةَ النباتيَّةَ إلى قِسْمَيْن: بُقول وأشجار. وما الفَرق؟ الفَرْقُ هو أنَّ البُقولَ تَحْوي بِزْرًا فيها، وأنَّ الأشجارَ تَحوي بِزْرًا في ثِمارِها. وهذا مُوَضَّحٌ في العدد 11. فالبُقولُ تُعطي بِزْرًا، والأشجارُ المُثمرةُ تَحْمِلُ ثَمرًا يَحوي بِزْرًا فيه. فهذا هو الفرق. فكُلُّ النباتاتِ الَّتي تَحوي بِزْرًا فيها هي بُقول، وكُلُّ نباتاتٍ تَحْمِلُ ثمرًا تَحْوي بِزْرًا، وهذا الثَّمَرُ يَتَدَلَّى تحت الأشجار. لذلك، حالما صارت المادَّةُ الجامدة جاهزة لاستقبال الكائنات الحيَّة، خُلِقَتِ الحياةُ النباتيَّةُ بأبسطِ أشكالها، دونَ تأخيرٍ، وكانَ القَصْدُ منها هو أن تكون طعامًا للكائناتِ الأعلى منها الَّتي سَتُخْلَقُ لاحقًا.

والآنْ، أرجو أنْ تُلاحظوا أنَّهُ في وَصْفِ الحياةِ النباتيَّةِ، فإنَّ اللهَ يقولُ عنها في العدد 11: "عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا". وَهُوَ يقولُ ذلك مَرَّةً أخرى في العدد 12: "عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا"، ثُمَّ في العدد 29: "بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا". فهو يَستمرُّ في تِكرار تلك السِّمَة لكي يَجعَلنا نَعلمُ شيئًا مُهِمًّا وَهُوَ أنَّ الحياةَ النباتيَّةَ كانت قادرة أنْ تَفعلَ ماذا؟ ماذا؟ أنْ تَتكاثَر. فهذه هي النُّقطة الجوهريَّة. فقد خَلَقَ حياةً نباتيَّةً كاملةَ النُّموِّ، ومُكتملةَ النُّضْجِ، وتَحوي بِزْرًا قابِلاً للانتشار. فواحدٌ مِنْ أعْظَمِ عجائبِ العالمِ هو عِلْمُ انتشار البُذور. وقد شاهدتُ برنامجًا مُصَوَّرًا عن ذلك. ومِنَ المُدهشِ جدًّا أنْ تَرَوْا كيفَ صَمَّمَ اللهُ انتشارَ البُذور. وإحدى طُرُق القيام بذلك هو مِن خلال فَضَلاتِ الطُّيورِ الَّتي تَجِدُها في حَديقة منزلك، وأحيانًا على سَيَّارَتِك، أو حتَّى قد تَسقُط على رأسِك. فعمليَّة انتشار البذور المُلَقَّحة سابقًا فَعَّالة جدًّا. وسوفَ أكتفي بذلك.

وهناكَ طُرُق أخرى عديدة. وإحدى العجائبِ الَّتي تقوم بها الرِّيح هي نَشْر البُذور. وَعِلْمُ نَشْرِ البُذور بأسْرِه هُوَ شيءٌ خارقٌ بِكُلِّ تأكيد. لِذا، فقد خَلَقَ اللهُ الحياةَ النباتيَّةَ لا كبُذورٍ، بل كبُقولٍ وأشجار مُكتملة النُّموّ، وتحوي بذورًا يمكن أنْ تتكاثر. وهذه هي الطريقة الَّتي خُلِقَتْ بها الخليقة كُلُّها. وأودُّ أنْ أُذَكِّرَكم بذلك مَرَّةً أخرى. فقد خُلِقَتْ مُكتملةَ النُّضْجِ. وعندما خُلِقَ الإنسانُ لم يُخلق طِفْلاً رضيعًا ينبغي أنْ يَنْمو. بل إنَّهُ خُلِقَ إنسانًا كاملَ النُّمُوِّ. وقد خُلِقَ كل شيءٍ كامل النُّموِّ. فقد كانت هناك بُقولٌ صَالِحَةٌ للأكل، وتُعطي بُذورًا (بحسب العدد 11). وكانت هناك أشجارٌ مُثمرةٌ فيها بُذورٌ في ثِمارها وتُنْتِجُ ثَمَرا كَجِنْسِها في الأرض، وَهَلُمَّ جَرَّا. لذلك، فقد خَلَقَ اللهُ هَذَيْنِ النَّوعَيْنِ مِنَ الحياةِ النباتيَّة. وهناك مُلاحظة مُهمَّة جدًّا. انتبهوا إلى هذه الكلمة الَّتي تَكرَّرت مِرارًا وتَكرارًا إذْ نقرأ في العدد 11: "كَجِنْسِهِ". وفي العدد 12: "كَجِنْسِهِ". وقد وَرَدَتْ في مُنتصف الآية، وبالقُربِ مِنْ نهاية الآية: "كَجِنْسِهِ". وهل تَسمحونَ لي أنْ أُشَجِّعَكُمْ قليلاً؟ لقد تَكرَّرت هذه الكلمة عَشْرَ مَرَّاتٍ في الأصحاح الأوَّل مِنْ سِفْر التَّكوين – عَشْرَ مَرَّات. والكلمة العِبْرِيَّة المُتَرْجَمَة "كَجِنْسِهِ" هي "مِنْ" (min). وما تُشيرُ إليهِ هو أنَّها مَحْصورة في جِنْسِها. فالنَّبتة لا يُمكنُ أنْ تُنْتِجَ شيئًا إلَّا مِنْ جِنْسِها. والشَّجرةُ لا يُمكنُ أنْ تُثْمِرَ شيئًا إلَّا مِنْ جِنْسِها. فهي قادرة فقط على العمل بناءً على الشَّفرة الوِراثيَّة الموجودة فيها.

وسواءٌ استَخْدَمنا الكلمة العِبريَّة الَّتي تَعني "جِنْس" أو "صِنْف" أو "نَوْع" أو "عائلة" أو "سُلالة"، أو أيَّة كلمة أخرى تَرغبونَ في استخدامِها – وأنا أَسْتَرْجِعُ الآنَ كلماتٍ دَرَسْتُها في الجامعة، ولكنِّي لا أعرفُ مَعناها! ولكِنْ أيًّا كانَ مَعْنى الكلمة العِبْريَّة "مِنْ" (min)، أوْ ما تُشيرُ إليه في اللُّغةِ الإنجليزيَّة، فإنَّ الشَّيءَ الَّذي تَفعلُه هو أنَّها تُلْغي أيَّ احتماليَّة لعمليَّة التَّطَوُّر. فأيًّا كانَ جِنْسُ النَّبْتَة، وأيًّا كانَ جِنْسُ الشَّجرة، لا يمكنها أنْ تُنْتِجَ إلَّا بِحَسَبِ جِنْسِها. والقولُ بأنَّ كُلَّ الأشياءِ الحيَّة جاءت مِنْ مَصْدَرٍ واحدٍ هو قَوْلٌ تُفَنِّدُهُ هذه الكلمة الَّتي تَكَرَّرَتْ عَشْرَ مَرَّات وهي: "كَجِنْسِهِ" – كَجِنْسِهِ. وقد اعْتَدْتُ على تَوْضيحِ ذلك لطلبة الكُليَّة بالحديثِ عنِ الأحماضِ الأمينيَّة. فهُناكَ خُصوصيَّة هائلة في أنَّكَ مَصْنوعٌ مِنْ أحماضٍ أمينيَّة، وأنَّهُ مَهْما غَذَّيْتَ جَسَدَكَ فإنَّكَ لَنْ تُنْتِجَ إلَّا المَزيدَ مِنْ ذاتِك (أيْ أنَّكَ سَتَسْمَن). والحقيقة هي أنَّكَ إذا وَضَعْتَ طَعامًا كَثيرًا في جَسَدِك فإنَّهُ سيُنْتِجُ أكْثَرَ مِمَّا تُحِبُّ أنْ تَرى. ولكِنَّ الأحماضَ الأمينيَّةَ تُسَمَّى "لَبِنات البناء الأساسيَّة للحياة". فقد تُقَرِّر أنْ تَأكُلَ دجاجًا مَقليًّا بقيَّة حياتِك. ولكن بعد 20 سنة، فإنَّ هذا لن يَجْعَلَكَ تُصْدِرُ صَوْتًا كَنَقيقِ الدَّجاج. فلا يمكن لأيِّ مَزيجٍ مِنَ الأحماض الأمينيَّةِ للدَّجاج والأحماضِ الأمينيَّةِ للبَشَر أنْ يُنْتِجَ دَجاجَةً كبيرة. بل إنَّ كُلَّ ما سيَحدث هو أنَّكَ ستَكتسب وزنًا أكثر مَهْما كانَ نوعُ الطَّعامِ الَّذي تأكُله. فهذا هو مَعنى الكلمة "كَجِنْسِهِ".

وفي الأصحاحِ الرَّائعِ عنِ القيامة (أيْ الأصحاح 15 مِنْ رسالة كورِنثوس الأولى)، نَقرأُ في العدد 38 أنَّ اللهَ يُعْطي الحَبَّةَ جِسْمًا. وأرجو أنْ تَرجِعوا قليلاً إلى الوراء إذْ نَقرأ: "الَّذِي تَزْرَعُهُ لاَ يُحْيَا إِنْ لَمْ يَمُتْ" (في العدد 36). وفي العدد 37: "وَالَّذِي تَزْرَعُهُ، لَسْتَ تَزْرَعُ الْجِسْمَ الَّذِي سَوْفَ يَصِيرُ، بَلْ حَبَّةً مُجَرَّدَةً، رُبَّمَا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ أَحَدِ الْبَوَاقِي. وَلكِنَّ اللهَ يُعْطِيهَا جِسْمًا كَمَا أَرَادَ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبُزُورِ جِسْمَهُ. لَيْسَ كُلُّ جَسَدٍ جَسَدًا وَاحِدًا، بَلْ لِلنَّاسِ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَلِلْبَهَائِمِ جَسَدٌ آخَرُ، وَلِلسَّمَكِ آخَرُ، وَلِلطَّيْرِ آخَرُ". فاللهُ يقولُ إنَّ هُناكَ فُروقًا. فهناكَ تَصاميم لا يُمكنُ لأيِّ كائنٍ حَيٍّ أنْ يَتَخَطَّاها.

ومِنَ السَّهْلِ أنْ نَفهمَ مَعْنى الكلمة "بِزْرَة". فمِنَ الواضحِ أنَّ الكلمة "بِزْرَة" تُشيرُ إلى القدرة على إنتاجِ شَكْلٍ مِنْ أشكالِ الحياةِ كَجِنْسِها. ويقول "هنري موريس" (Henry Morris): "لقد خُلِقَتْ في كُلِّ كائنٍ حَيٍّ بِزْرَة مُبَرْمَجَة لتمكينِها مِنَ إنتاجِ نفسِ ذلكَ الكائنِ الحَيِّ. والفَهْمُ الحَديثُ للتَّعقيداتِ الهائلةِ لما يُسَمَّى بِجُزيئات الحَمْضِ النَّوَوِيِّ والشَّفرة الوراثيَّة الموجودة فيها عَزَّزَتِ التَّعليمَ الكِتابيَّ عن ثَباتِ الأنواع. فكُلُّ نوعٍ مِنَ الكائناتِ الحيَّة لهُ بُنْيَتُهُ الخاصَّة مِنَ الحَمْضِ النَّوويِّ ولا يستطيعُ أنْ يُنْتِجَ إلَّا كَجِنْسِهِ. فهناكَ قُدرة هائلة في إطارِ كُلِّ جِنْس تُسَهِّلُ إنتاجَ أفرادٍ مُمَيَّزين، وفَصائِلَ مُختلفة في إطارِ الجِنْسِ الواحد، ولكِنْ بالرَّغم مِن ذلك فإنَّها لا يُمْكِن أنْ تَسْمَحَ بِنُشوءِ أجناسٍ جديدة. فهناك قُدرة فائقة على إنتاج فَصائلَ جديدة بسهولة في المُستوى الأُفُقيِّ، ولكِنْ دُوْنَ حُدوثِ تَغييراتٍ عَموديَّة".

وما أعنيه هو: انظروا إلى جميعِ الأشخاصِ الَّذينَ يَختلفونَ في أشكالِهم هُنا. فهناكَ أُناسٌ يَختلفونَ كثيرًا في أشكالهم – أُناسٌ مِنْ مُختلفِ الأشكال. وقد لا تكونُ حُدودُ التَّناسُلِ بِحَسَبِ الجِنْسِ مُختلفة قليلاً. فنحنُ لا نَدري ما يَعنيه سِفْر التَّكوين تمامًا، ولكنَّنا نَعْلَمُ أنَّ اللهَ وَضَعَ حُدودًا. ونحن نَفْهَمُ أنَّ الكائناتِ الحيَّة مُصَمَّمة بحيث تبقى في إطارِ جِنْسِها. وأقصى ما يُمكننا أن نقولَه هو أنَّ الطُّيورَ تبقى طُيورًا، وأنَّ الحَيَواناتِ تبقى حَيَوانات، وأنَّ الأسماكَ تبقى أسماكًا، وأنَّ الزَّواحِفَ تبقى زواحِف، وأنَّ الحَشراتِ تبقى حشرات. وهذا في حَدِّ ذاتِهِ يُفَنِّد عمليَّةَ التطوُّرِ بِرُمَّتِها. فاللهُ خَلَقَ الكائناتِ هكذا.

لِذا، فقد تَحدَّثنا عنِ العوامِل الوراثيَّة، وعن كيفَ أنَّ العوامل الوراثيَّة تَضْمَنُ عَدَمَ إمكانيَّة حُدوثِ نُشوء وارتقاء. فهذا مُستحيلٌ تمامًا. وقد أَفْرَدَ "مايكل بيهي" (Michael Behe)، الَّذي ذَكَرْتُهُ سابقًا، والذي أَلَّفَ كِتابًا بعُنوان "صُندوق داروين الأسود" (Darwin’s Black Box)، وهو ليسَ مسيحيًّا، ولكنَّهُ يُشَكِّكُ حَرفيًّا في كُلِّ شيءٍ يَختصُّ بنظريَّة التطوُر، لقد أَفْرَدَ فَصْلَيْنِ مِنْ كِتابِهِ يُوَضِّحُ فيهما أنَّهُ كُلَّما عَرَفْنا المزيدَ عنِ التَّعقيدِ المُدهشِ للبُنْيَة الخَلَوِيَّة، فإنَّ نظريَّة التطوُّر الكيماويِّ تَصيرُ أكثرَ فأكْثَرَ استِحالَةً. وهو يقول: "هذه الاستحالات هي كابوسُ عُلماء الكيمياء الَّذين يؤمنون بأنَّ كُلّ أشكال الحياة نشأت مِن مادَّة غير حيَّة".

إذًا، ماذا لديكم؟ افتحوا على النَّصِّ. ففي سِفْر التَّكوين 1: 11 و 12، لديكم أصْل كُلِّ الحياة النباتيَّة. ولديكم ليس أَصْلَها فقط، بل لديكم أيضًا ما يَضْمَنُ استمرارَها مِنْ خلال وجودِ بُذورٍ مُعَيَّنة وأجناسٍ تَجْعَلُها تَستمرُّ في الوجود. فلا توجد نَبْتَة تَطَوَّرَتْ وصارت نَبتة أخرى مِنْ جِنْسٍ أَعلى. فهذا لا يَحدث إلَّا على مَحَطَّة الخَيالِ العِلْميِّ، ولكِنْ ليسَ في الواقع. والحقيقة هي أنَّكم إذا دَرَستُم الطَّفْراتِ والتَّغيُّراتِ الَّتي تَطرأ في الجينات الوراثيَّة، ستجدونَ أنَّها دائمًا سَلبيَّة. فهي دائمًا سلبيَّة. وهي دائمًا تَتَّجِه إلى الأدنى. فدراسةُ ذُبابِ الفاكِهَة هو شيءٌ كَرَّسَ أنْصارُ نَظريَّةِ التطوُّر حَياتَهُمْ لَهُ لأنَّ ذُباب الفاكهة لديهِ حياة قصيرة جدًّا بحيث يمكنهم دراستها على مَدى أجيال عديدة. والفِكرة هي أنَّهُ يمكنك أنْ تَرى ما يَكفي مِنَ الأجيالِ لمُلاحظةِ التَّغيُّرات، ولمُلاحظة عمليَّة التطوُّر تَحْدُث. والمشكلة الوحيدة هي أنَّهُمْ يأخذونَ ذُباب الفاكهة. ولكي يَجعلوا الطَّفْراتِ أَسْرَع، فإنَّهُمْ يُعَرِّضوها لِكَمٍّ هائلٍ مِنَ الإشعاعات. فَهُمْ يُعَرِّضوها للإشعاعات. والتَّعَرُّضُ للإشعاعِ، والحرارة، والموادِّ الكيماويَّة والإشعاعيَّة يمكن أنْ يُحْدِثَ طَفْرات. ونحنُ نَعلم أنَّ هذا صحيح. ونحنُ نَفهم ذلك حتَّى في كيماويَّة الإشعاع المُستخدَم لمعُالجة السَّرطان. فهو قادرٌ أنْ يَجعل الخلايا تَموت وتتغيَّر. ولكِنَّ الطَّفرات لا تَخْلِق بُنَى جَديدة. فقد تُلاحِظ في دراسة ذُباب الفاكهة أنَّ الأجنحة قدِ انْكَمَشَت، أوْ أنَّ حَجْمَ الأجنحةِ قد زادَ، أوْ أنَّها قد تَقَلَّصَت. وقد تُلاحِظ وجود أجنحة بِحَجْمٍ مُضاعَف، ولكنَّكَ لا تُلاحِظ وجود نوعٍ جديدٍ مِنَ الأجنحة، ولا أنَّ ذُبابة الفاكهة تَصيرُ نَحْلَةً مُنْتِجَةً للعَسَل. والطَّفراتُ، بالمُناسَبة، نادرة جدًّا. وهذا أمرٌ جَيِّد لأنَّها جَميعُها ضَارَّة. فهي كُلُّها تُرْجِعُ الكائِناتِ إلى الوراء. وفي أغلبيَّةِ الحالات فإنَّ الطَّفرات لا تَنْجو. لذلكَ فقد دُعِيَتْ نظريَّة التطوُّر "عِلْمًا مُجَرَّدًا مِنَ الحَقيقة". وقد حَسِبْتُ أنَّكُمْ سَتُحِبُّونَ ذلك.

إذًا، ما الَّذي نَتعلَّمُه؟ إنَّ الآيات تكوين 1: 1-12 تُرينا أنَّ العامِلَ الذَّكِيَّ هُوَ اللهُ الحَيُّ الَّذي قامَ في اليومِ الثالثِ للخَلْقِ بِفَصْلِ اليابسةِ عنِ البحرِ، وَجَعَلَ الحياةَ النباتيَّةَ تَظْهَرُ مِنَ الأرض. وهناكَ جِنْسان مِنَ النَّباتات: بُقولٌ تَحْوي بِزْرًا فيها، وأشجارٌ تَحْوي بِزْرًا في ثَمَرِها الَّذي تُنتجُه. لِذلك فإنَّها قادرة على التَّكاثُر في النِّهاية طَالَما أنَّ تلك الأجناسَ موجودة. وقد نَظَرَ اللهُ إليها كُلَّها في العدد 12 ورأى ذلكَ أنَّهُ حَسَنٌ. ثُمَّ نقرأُ مَرَّةً أُخرى في العدد 13: "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَالِثًا". فقد كانَ هُناكَ "إيريب" (ereb) وكانَ هُناكَ "بوكير" (boqer). فقد كانَ هُناكَ يومٌ مؤلَّفٌ مِن 24 ساعة. وهذا واضحٌ تمامًا. وهذانِ المُصْطَلَحان (أيْ: "مساءٌ" و "صَباحٌ") يُستخدَمان أكثر مِنْ مِئَة مَرَّة في العهد القديم. وهُمَا يُشيران دائمًا إلى يومٍ يتألَّف مِن 24 ساعة. واللهُ فَعَلَ ذلك في اليوم الثالث.

واسمحوا لي أنْ أَخْتِم بِسِفْر أيُّوب 26: 7. فاللهُ هُوَ الغَايَة مِنْ هذا الحَديث. وَهُوَ الخَالِق: "يَمُدُّ الشَّمَالَ عَلَى الْخَلاَءِ". [ويا لها مِنْ كلمات!] "يَمُدُّ الشَّمَالَ عَلَى الْخَلاَءِ، وَيُعَلِّقُ الأَرْضَ عَلَى لاَ شَيْءٍ. يَصُرُّ الْمِيَاهَ فِي سُحُبِهِ فَلاَ يَتَمَزَّقُ الْغَيْمُ تَحْتَهَا. يَحْجِبُ وَجْهَ كُرْسِيِّهِ بَاسِطًا عَلَيْهِ سَحَابَهُ. رَسَمَ حَدًّا عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ" [وَهَذا هُوَ أُفُقُ الأرضِ] "عِنْدَ اتِّصَالِ النُّورِ بِالظُّلْمَةِ. أَعْمِدَةُ السَّمَاوَاتِ تَرْتَعِدُ وَتَرْتَاعُ مِنْ زَجْرِهِ. بِقُوَّتِهِ يُزْعِجُ الْبَحْرَ، وَبِفَهْمِهِ يَسْحَقُ رَهَبَ. بِنَفْخَتِهِ السَّمَاوَاتُ مُسْفِرَةٌ وَيَدَاهُ أَبْدَأَتَا الْحَيَّةَ الْهَارِبَةَ" - [وَكَمْ أُحِبُّ هذه الكلمات] – "هَا هذِهِ أَطْرَافُ طُرُقِهِ، وَمَا أَخْفَضَ الْكَلاَمَ الَّذِي نَسْمَعُهُ مِنْهُ وَأَمَّا رَعْدُ جَبَرُوتِهِ فَمَنْ يَفْهَمُ؟".

إنَّهُ يتحدَّثُ هنا عنِ المَطَر. وعندما يُبَدِّدُ اللهُ الظُّلمةَ بالنُّور، ويُنْزِلُ المَطَرَ، ويُحْدِثُ العَواصِفَ، والبَرْقَ، والرَّعْدَ، وكُلَّ هذه الأشياء، فإنَّنا نَسْمَعُ جُزءًا خافتًا مِنْ ذلكَ الصَّوْتِ فقط، فما نَسمعهُ هو نموذجٌ صَغيرٌ جِدًّا مِنْ رَعْدِ جَبَروتِهِ الَّذي نَعْجَزُ عَنْ فَهْمِهِ. فنحنُ نَنْظُرُ فقط إلى أَطْرافِ طُرُقِه. فيا لِعَظَمِة إلَهِنا!

نَشكُرُكَ، يا أبانا، مَرَّةً أخرى على الكلمة الَّتي تُعطي نُورًا في هذا الجانبِ المُهِمِّ جِدًّا والمُلِحِّ جِدًّا المُخْتَصِّ بالخَلْق. نَشكُرك على هذه الجُزءِ الرَّائع مِنَ الكتاب المقدَّس. وليتَنا نَعْبُدُكَ أكثر بسبب عَظَمَة قُدرَتِك، ولأنَّكَ دَعَوْتَ هذه الأشياء غير الموجودة وكأنَّها موجودة. فأنتَ الخَالِقُ، وأنتَ رَبُّنا ومُخَلِّصُنا، وفادينا العَظيم، وخَليلُنا الَّذي لا تَتَرَفَّعُ عَنْ مُجَالَسَةِ الخُطاة. ويا لهُ مِنْ حَقٍّ مَجيدٍ! شُكرًا لك. شُكْرًا لك. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize