Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كما تَعلمون، لقد وَصَلنا في مساءِ يوم الأحد الماضي إلى الجزءِ الأخيرِ مِن رسالة يَهوذا، وهو ذلك الجزء الرَّائع الَّذي يَختِمُ فيه يَهوذا رسالَتَهُ قائلاً: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ، وَيُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي الابْتِهَاجِ، الإِلهُ الْحَكِيمُ الْوَحِيدُ مُخَلِّصُنَا، لَهُ الْمَجْدُ وَالْعَظَمَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالسُّلْطَانُ، الآنَ وَإِلَى كُلِّ الدُّهُورِ. آمِين". ويهوذا يَختم رسالتَهُ بتلك الكلمات العظيمة مُصَلِّيًا أنْ نُحْفَظَ مِنَ السُّقوط. ونحنُ نُحفَظُ مِنَ اللهِ. لذا فإنَّ اللهَ يَستحقُّ كُلَّ المجد.

وهذا يأتي بِنا إلى العقيدة الَّتي تُعرَف باسم "مُثابَرَة القِدِّيسين". مُثابَرَة القِدِّيسين. فالمؤمنونَ الحقيقيُّونَ سَيُثابرونَ في الإيمان إلى النِّهاية. وغالبًا ما تُسَمَّى تلك العقيدة: "عقيدة الضَّمان الأبديّ". وأحيانًا تُسَمَّى: "حَالَما تَخلُص فإنَّكَ تَبقى مُخَلَّصًا دائمًا". ولا شَكَّ في أنَّ جميع هذه العِبارات صحيحة.

وأودُّ أن تَعلموا أنَّ هذه عقيدة تاريخيَّة. وقد قُلتُ في المَرَّة السابقة إنَّها أَهَمُّ عُنصرٍ في الخلاص لأنَّهُ إنْ لم يكن الخلاصُ دائمًا، فإنَّ عقيدةَ الاختيار ستكونُ مَحَلَّ شَكٍّ، وعقيدةَ التَّبريرِ ستكونُ مَحَلَّ شَكٍّ، وعقيدة التَّقديسِ ستكونُ مَحَلَّ شَكٍّ، وعقيدة التَّمجيدِ ستكونُ مَحَلَّ شَكٍّ، ودَعوة اللهِ ستكونُ مَحَلَّ شَكٍّ. لذا فإنَّ عَمَلَ الآبِ والابن والرُّوح القدس سيكونُ كُلُّهُ مَحَلَّ شَكٍّ أيضًا.

لذا فإنَّ ما يَجعل كُلَّ عقائد الخلاص تتماسَك معًا وتَبقى مُتلاصقة هو أبديَّة الخلاص أو مُثابرة القِدِّيسين. وهذه هي العقيدة التاريخيَّة للكنيسة الحقيقيَّة.

السَّنة هي 1644، والمكانُ هو "كنيسة وستمنستر" [Westminster Abbey]، تلك الكنيسة الشَّهيرة في لُندن. والقاعة في داخل الكنيسة هي القاعة الَّتي تُسَمَّى "قاعة أورُشليم". وقد عُقِدَ اجتماعٌ هناكَ في سنة 1644 حَضَرَتْهُ أَنْبَغ العُقول اللَّاهوتيَّة وحَضَرَهُ أفضلُ عُلماءِ الكتاب المقدَّس في إنجلترا. وكانَ الطَّهوريُّونَ [Puritans] القُوَّة السَّائدة هناك ... الطَّهوريُّونَ الشَّهيرونَ الَّذينَ يُحِبُّونَ الكتابَ المقدَّسَ، ويُحِبُّونَ الرَّبَّ، ويُحِبُّونَ المسيح، ويُحِبُّونَ الحَقَّ. فقد اجتمعَ هؤلاءِ الطَّهورِيُّونَ معًا ... نَحْوَ مِئة منهم ... معَ أشخاصٍ مِن مَجلسِ اللُّورداتِ ومَجلسِ العُمومِ في البَرلمان. وقد اتَّفَقوا على ابتداءِ مَشروعٍ مُدَّتُهُ خمس سنوات ... خمسُ سَنواتٍ مِنَ الدِّراسةِ المُكَثَّفة للكتابِ المقدَّس. خمسُ سنواتٍ مِنَ الحِوارِ المُكَثَّف. خمسُ سنواتٍ مِنَ الدِّراسة الأكاديميَّة العميقة. خمسُ سنواتٍ مِنَ النِّقاش. خمسُ سنواتٍ لِصياغةِ بَيانٍ يُلَخِّصُ العقيدة.

وبعدَ خمسِ سنوات، في سنة 1649، أَكملوا مَهَمَّتهم وَصَاغُوا ما يُعرَف بـِ "إقرار إيمان وِستمنستر" (The Westminster Confession of Faith). إقرار إيمان وِستمنستر. وقد عَمِلَ طَهوريُّونَ مَعروفونَ مِثلَ "توماس غودوين" (Thomas Goodwin)، وَ "جيمس أَشَر" (James Usher)، وَ "جاي لايتفوت" (Jay Lightfoot)، وَ "صموئيل رَثرفورد" (Samuel Rutherford)، وَ "جيريمايا بوروس" (Jeremiah Burroughs)، ورئيس هذه المجموعة؛ وَهُوَ رَجُلٌ اسمُهُ "تويس" Twisse))، عَمِلوا طَوالَ هذه السَّنواتِ الخمس على صِياغة ما صَارَ يُعرَفُ بأنَّهُ أَهَمُّ إقرارٍ مَسيحيٍّ وهو الَّذي يُعرَف باسم: "إقرار إيمان وِستمنستر".

وفي ذلكَ الإقرار، تَمَّ إقرارُ أمور كثيرة مِن بَينِها بَيانٌ يَختصُّ بضمانِ الخلاص؛ أيْ يَختصُّ بحقيقة أنَّ الخَلاصَ أبديٌّ. وقد كانَ هذا، في اعتقادِهِم، هو ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس. وَهُمْ لم يَدعونَهُ "ضَمان الخَلاص"، بل أَسْمَوْهُ في الحقيقة: "المُثابرة"؛ وهي تَسْمية صحيحة. ويوجد في "إقرار إيمان وِستمنستر" بَيانٌ مُوجَز لا لُبْسَ فيه.

فالإقرارُ يَقولُ الآتي (وأنا أَقتَبِسُ ما جاءَ فيه): "إنَّ الَّذينَ قَبِلَهُمُ اللهُ في ابْنِهِ الحَبيب، ودَعاهُم دَعوة فَعَّالة، وقَدَّسَهُم بِروحِهِ، لا يُمكن أنْ يَسقُطوا كُليًّا أو نِهائيًّا مِن حَالةِ النِّعمة؛ بل إنَّهم سيُثابِرونَ يَقينًا فيها حتَّى النِّهاية، ويَخلصونَ إلى الأبد" [نِهاية الاقتباس].

وهذه هي الجُملة الكِتابيَّة الدَّقيقة الَّتي تُلَخِّص جَيِّدًا عقيدة مُثابرة القِدِّيسين في إقرار إيمان وِستمنستر. وبصراحة، فإنَّ ذلكَ الإقرار ليسَ بحاجة إلى أيِّ تَعديل، وليسَ بحاجة إلى أيِّ تَغيير. فَهُوَ، بِصيغَتِهِ تِلكَ، صَحيحٌ كِتابيًّا. فأيُّ شخصٍ قُبِلَ في ابْنِ اللهِ الحَبيب، ودُعِيَ دَعوة فَعَّالة إلى الخَلاص، وتَقَدَّسَ بِروحِهِ، لا يُمكن أنْ يَسقُطَ كُليًّا أو نِهائيًّا مِن حَالةِ النِّعمة؛ بل إنَّهُ سيُثابِرُ يَقينًا فيها [في حالةِ النِّعمةِ تلك] حتَّى النِّهاية، ويَخلُص إلى الأبد.

وهذه العَقيدة مُدَعَّمة، بِكُلِّ تأكيد، بآياتٍ كثيرة جِدًّا. فَهُمْ لم يُضْطَرُّوا إلى البحثِ طَويلاً عن آياتٍ كِتابيَّة تُدَعِّمُ ذلك، بل إنَّ هذه العقيدة كانت واحدة مِنَ الأمورِ الَّتي سَعَوْا إلى توضيحِها خِلالَ تلكَ السَّنواتِ الخَمْس. وَلكِن على سَبيلِ المِثالِ، فإنَّ واحدة مِنَ الآياتِ الَّتي تُدَعِّم ذلك هي يوحنَّا 5: 24: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاة". ونَقرأ في إنجيل يوحنَّا 3: 16 و 18: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ ... اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ [أوْ لا يَهْلِك]".

وَهُناكَ آيات أخرى رُبَّما نَعرِفُها جَيِّدًا أيضًا مِثلَ يوحنَّا 6: 37: "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا. لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي. وَهذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِير". فهذه هي مشيئةُ أبي: أنَّ كُلَّ مَنْ يَقبل الابنَ ويُؤمِن بِهِ يَنال الحياة الأبديَّة. وأنا نَفسي سأقيمُهُ في اليومِ الأخير.

فهناكَ ذلكَ النَّصُّ العظيم الَّذي نَرى مِن خلالِه أنَّهُ لا يُمكن أنْ يَهلِكَ أيُّ شَخصٍ في أثناء عمليَّة الخلاص. فالشَّخصُ الَّذي اختارَهُ اللهُ يَجتذِبُهُ. والَّذي يَجتذُبهُ إنَّما يَجتذبُهُ إلى المسيح. والَّذي يَجتذبهُ إلى المسيحِ يأتي. وعندما يأتي، فإنَّ المسيحَ يَقبلُهُ، ويَحفَظُهُ، ويُقيمُهُ في اليومِ الأخير. والشَّيءُ نَفسُهُ ذُكِرَ بطريقة أخرى على فَمِ يسوع في إنجيل يُوحنَّا 10: 27-29 إذْ نَقرأ:

"خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ". وهذا يُشيرُ إلى ضَمانِ المُؤمِن. فهو يَعلَمُ مَنْ نَحنُ. وَهُوَ يُمْسِكُنا بِيَدِهِ. فالآبُ يُمسِكُنا بيدِهِ، ولا أحدَ يَستطيعُ أنْ يَخطَفَنا مِنْ يَدِه.

وهناك آيات كثيرة أخرى تَستحقُّ أنْ نُوْليها انتباهَنا. فأنا أُفَكِّرُ في إنجيل يُوحنَّا 4: 14: "وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ". فحالَما يُفتَحُ البِئْر، فإنَّهُ لا يَجِفُّ. فهو يَنبوعُ حياةٍ أبديَّة. ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الأوَّل عَن أولئكَ الَّذينَ هُمْ في المسيح (في العدد 8 مِن رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الأوَّل): "الَّذِي سَيُثْبِتُكُمْ أَيْضًا إِلَى النِّهَايَةِ بِلاَ لَوْمٍ فِي يَوْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". فنحنُ مُثَبَّتونَ إلى النِّهاية وسنُوجَد بِلا لَوْمٍ في النِّهاية. حسنًا، وماذا إنْ أخطأنا؟ الحقيقة هي أنَّنا نُخطئ. ولكِنَّ بالرَّغمِ مِنْ خَطايانا، فإنَّ كَفَّارةَ المسيحِ لنا تَجْعَلُنا بِلا لَوْم.

والعدد 9 مُهِمٌّ جدًّا: "أَمِينٌ هُوَ اللهُ الَّذِي بِهِ دُعِيتُمْ إِلَى شَرِكَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا". أمينٌ هُوَ اللهُ الَّذي دَعاكُم، والذي سَيُثْبِتُكُمْ أَيْضًا إِلَى النِّهَايَةِ، ويُحْضِرُكُم بِلاَ لَوْمٍ إلى حَضْرَتِهِ الأبديَّة.

وأيضًا، نَقرأُ في رسالة تسالونيكي الأولى 5: 23-24: "وَإِلهُ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُقَدِّسُكُمْ بِالتَّمَامِ. وَلْتُحْفَظْ رُوحُكُمْ وَنَفْسُكُمْ وَجَسَدُكُمْ كَامِلَةً بِلاَ لَوْمٍ عِنْدَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". فنحنُ نَجِدُ هنا نفسَ التَّأكيدِ بأنَّ اللهَ الَّذي قَدَّسَنا سَيَحفَظُنا كامِلينَ تمامًا، وبِلا لوم (مَرَّة أخرى) عندَ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح. والآية الَّتي تَلي ذلك (في العدد 24) تَقول: "أَمِينٌ هُوَ الَّذِي يَدْعُوكُمُ الَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا". فقد كانَ أمينًا في دَعوَتِكُم إلى الخلاص. وَهُوَ سيكونُ أمينًا في حِفْظِكُم إلى أنْ يَكتملَ ذلكَ الخلاص.

وأودُّ أن أُذَكِّرَكُم مَرَّة أخرى بما جاءَ في رسالة يُوحَنَّا الأولى 2: 19: "مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا". فالمُؤمِنونَ الحقيقيُّونَ يَبْقَوْنَ، ويَثبُتونَ، ويَظَلُّونَ؛ لا لأنَّهم يَملِكونَ القُدرة في ذَاتِهم للقيامِ بذلك. فَهُم لا يَملكونَها (كما أَشَرتُ في الأسبوعِ الماضي)، ولكِنْ لأنَّ نَفسَ الإلَهِ الَّذي دَعاهُم، ونفسَ الإلهِ الَّذي بَرَّرَهم، ونفسَ الإلهِ الَّذي قَدَّسَهُم وَعَدَ بأنْ يُمَجِّدَهُم.

وإقرارُ إيمانِ وِستمنستر يُؤكِّدُ تأكيدًا سليمًا أنَّ الإيمانَ الحقيقيَّ لا يُمكِن أنْ يَسقُط. فهو لا يُمكن أن يَسقُط. وفي هذهِ النُّقطة، أعتقد أنَّهُ مِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنْ نَفهمَ ما لا تَعنيهِ مُثابَرة القِدِّيسين. فَمِنْ شأنِ ذلكَ أن يُساعِدَكُم على فهمِ ما تَعنيه.

أوَّلاً، إنَّها لا تعني أنَّ المُؤمِنينَ لا يَسقُطونَ البَتَّة. فهي لا تَعني أنَّ المؤمنينَ لا يَسقطونَ سَقْطاتٍ خطيرة ومُريعة في حَياتهم المسيحيَّة. فنحنُ نَسقُط. ولكِنَّ ما تَعنيه هو ما يَقولُهُ إقرار الإيمان: فَهُمْ لا يُمكن أنْ يَسقُطوا كُليًّا أو نِهائيًّا. صَحيحٌ أنَّهم يَسقُطونَ. وقد يَسقطونَ سَقْطاتٍ مُريعة. وصَحيحٌ أنَّهم قد يَسقطونَ بصورة مُتكرِّرة. ولكن هل يَسقطونَ كُليًّا؟ لا. وهل يَسقطونَ في النِّهاية؟ لا.

ويَمضي إقرار إيمان وِستمنستر فيقولُ الآتي (وأنا أقتبسُ مَرَّة أخرى ما جاءَ فيه): "على الرَّغمِ مِن ذلك، قد يَسقُط المؤمنون، بسبب إغراءات الشَّيطان والعالم، وتَفَشِّي الفساد الباقي فيهم، وإهمالِ وَسائِطِ ثَباتِهم، قد يَسقطوا في خَطايا فَادحة، وأنْ يَمْكُثوا فيها إلى حين؛ وبذلكَ فإنَّهم يَجلِبونَ على أنفسهم غَضَبَ اللهِ ويُحزِنونَ رُوحَهُ القُدُّوس، ويُحرمونَ مِنْ قَدْرٍ مِنْ نِعماتِهم وتَعزياتهم، وتَتَقَسَّى قُلوبُهم، وتَنجَرِح ضَمائِرُهم فَيَجْرَحونَ وَيُعثِرونَ آخرينَ، ويَجلبونَ دينوناتٍ وقتيَّة على أنفُسِهم" [نهاية الاقتباس].

فقد فَهِمَ الأشخاصُ الَّذينَ صَاغُوا قانون إيمان وِستمنستر أنَّ هذه العقيدة لا تَعني أنَّنا كامِلون. فالقولُ بضرورة المُثابرة لا يَعني أنَّنا كامِلون. فهناكَ فَسادٌ بَاقٍ فينا. وهناكَ إهمالٌ لوسائط النِّعمة. وهناكَ سُقوطٌ في خطايا فادحة وَمُكوثٌ فيها إلى حين. وهناكَ جَلْبٌ لغضبِ اللهِ، وإحزانٌ للرُّوح. وَنحنُ نَجلِبُ على أنفسنا حرْمانًا مِنْ قَدْرٍ مِنَ النِّعمة والتَّعزية. وهناكَ حقيقةُ القلبِ المُتقسِّي والضَّمير المَجروح الَّذي لا يَستطيع أنْ يَعمل كما ينبغي. وهناكَ واقعُ جَرْحِ وإعثارِ الآخرينَ في الكنيسة والخارج، فنَجلِبُ على أنفسنا دينوناتٍ وتأديباتٍ وقتيَّة.

بعبارة أخرى، فإنَّ المُثابرة لا تَعني الكمال. فهذا ليسَ ما نَقولُهُ. والحقيقة هي أنَّهُ لا يوجد أيُّ حَديثٍ هنا عنِ الكمال. لذا فإنَّ هذا الوَصْفَ يَسري علينا جميعًا بدرجةٍ أو بأخرى. لِذا، عندما نَقولُ إنَّ المؤمنينَ يُثابرون، فإنَّنا لا نَتحدَّثُ عنِ الكَمال. ونحنُ لا نَتحدَّثُ عن بُلوغِ حالةِ عدمِ اقترافِ أيِّ خطيَّة. بل نحنُ نَتحدَّثُ عن المُثابرة في الإيمان؛ مِنْ دونِ أنْ نَستَثني ما يُرافِقُ ذلكَ مِنْ إخفاق.

ثانيًا، مِنَ المُهِمِّ أنْ نَفهمَ أنَّ المُثابرة لا تَعني الكمالَ فقط، بل إنَّها لا تَعني أيضًا أنَّ أيَّ شخصٍ وكُلّ شخصٍ "يَقبل" المسيح يمكن أنْ يَعيشَ بأيِّ طَريقةٍ يَشاء مِن دونِ أيِّ خَوْفٍ مِن جَهَنَّم. فلا يَكفي أنْ يَكونَ لدى المرءِ إيمانٌ سَطحيٌّ بالمسيح. ولا يَكفي أنْ يكونَ لدى المرءِ تَكريسٌ سَطحيٌّ للمسيح، أوِ اهتمامٌ سَطحيٌّ بالمسيح. ولا يَكفي أنْ يكونَ لدى المرءِ مَشاعر طَيِّبة تُجاهَ يَسوع أوْ أنْ يُكَرِّسَ نَفسَهُ وَقتيًّا لَهُ. فهذا ليسَ ما جاءَ في إقرار إيمان وِستمنستر.

وإليكُم السَّبب. وَهُوَ مُهِمٌّ: فالطريقة الصحيحة لوصفِ هذه العقيدة هي "مُثَابرة القِدِّيسين" وليسَ "الضَّمان الأبديّ". فهي لا تَعني فقط أنَّنا مَضمونونَ أبديًّا، بل تَعني أنَّنا مَضمونونَ أبديًّا لأنَّ إيمانَنا مُثَابِر. ففي إنجيل يوحنَّا 8: 31 و 32، قالَ يَسوع: "إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي". فالتَّلاميذُ الحقيقيون يُثابرونَ في الإيمان ولا يَعيشونَ كَغيرِ المؤمنين.

فَمِنْ ثِمارِهِم تَعرفونَهُم لأنَّنا نَقرأ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الثَّاني: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ". ولكِنْ معَ أنَّ خَلاصَكَ ليسَ بالأعمال، فإنَّ خَلاصَكَ يُنشئُ أعمالاً صالحةً "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا".

فالشَّخصُ الَّذي "قَبِلَ" يسوعَ، وأخذَ قَرارًا بخصوصِ يَسوع، وصَلَّى صَلاةً، ومَضَى ليعيشَ حَياةً مُلَطَّخةً بالخطيَّة بلا خَوفٍ مِنْ جَهَنَّم لأنَّهُ مَضمونٌ أبديًّا هو شخصٌ مَخدوع. لذا، يجب علينا أنْ نَحذرَ عندما نَتحدَّث عن عقيدة الضَّمان الأبديّ كما لو أنَّ تلك الصَّلاة الواحدة تَجْعَلُكَ إلى الأبد مَضمونًا. وبالمُناسبة، هذا هُوَ مَا يُعَلِّمُهُ كثيرون. وهؤلاءِ النَّاسُ الَّذينَ يُنكرونَ عقيدة رُبوبيَّة المسيح، أيْ كُلُّ هؤلاءِ الَّذينَ لا يُؤمنونَ بِربوبيَّتِهِ، يُؤكِّدونَ أنَّ صَلاةً واحدةً تُصَلِّيها ذاتَ مَرَّة تَجعلُكَ مَضمونًا أبديًّا مِنْ دونِ مُثابرة. وهذا سُوءُ تَفسير لما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس. لِذا فقد كَتَبْتُ كِتابًا بعُنوان: "الإنجيل بِحَسَب يسوع" وكِتابًا بَعْدَهُ: "الإنجيل بِحَسَب الرُّسُل". فهذا غير صحيح.

لذا فإنَّ الحديثَ عنْ ضَمانِ المُؤمِن ليسَ في ذاتِهِ خاطئًا. فنحنُ مَضمونون. ولكِنَّ التَّعبيرَ الآخرَ أكثرَ دِقَّةً وأكثر صِحَّةً. فَلا صِحَّةَ لما يُقال بأنَّ المرءَ مَضمونٌ بِغَضِّ النَّظَر عن مِقدارِ عَيشِهِ في الخطيَّة، وبِغَضِّ النَّظر عن عَدَدِ المَرَّاتِ الَّتي يُديرُ فيها ظَهْرَهُ للمسيحِ، وَحَتَّى لو أَنْكَرَهُ تمامًا، كما يَقولُ كثيرون. فالضَّمانُ هو ببساطة وَاقِعٌ بسببِ المُثابرة. فالمُؤمِنُ قد يُخطئ (كما قُلتُ)، وقد يُخطئُ خطايا فادحة، وقد يُخطئ بصورة مُتكرِّرة، ولكِنَّهُ لا يَترُكُ نَفسَهُ للخطيَّة. فهو لا يَقَعُ مَرَّة أخرى تحتَ الهَيمنة الكاملة للخطيَّة. وَهُوَ لا يَتخلَّى عن إيمانِهِ بالمسيح. وَهُوَ لا يُنكِر رَبَّهُ والإنجيل.

فلا يوجد مُؤمِن واحِد حقيقيّ يَزدري بالقداسة ويَقبل الخطيَّة بأسرِها. فنحنُ نقرأ في رسالة يوحنَّا الأولى 3: 10 (بِبساطة مُتناهية): "بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ: كُلُّ مَنْ لاَ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ". فالأمرُ بهذهِ البَساطة. فَكُلُّ مَن لا يَفعل البِرّ ليسَ مِنَ الله. والآية السَّابقة تقول: "كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً". فهذا لا يُمكنُ أنْ يكونَ النَّمَط الَّذي لا يَتغيَّر في حَياتِك. لِذا، لا يَكفي أنْ تَقول إنَّكَ إنْ صَلَّيْتَ صَلاةً ذاتَ مَرَّةً، وأخذتَ قَرارًا ذاتَ مَرَّةً، بِغَضِّ النَّظر عنِ الطريقة الَّتي تَعيشُ بها، وبِغَضِّ النَّظرِ عن نَمَطِ حياتِكَ، وبِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا إذا أَنكرتَ المسيحَ لاحقًا، فإنَّكَ ستبقى مَضمونًا أبديًّا. لا! فعقيدةُ ضَمانِ المُؤمِن مُرتبطة بثباتِ إيمانِه.

لِذا فإنَّ عقيدةَ ثَباتِ المُؤمِن هي كالتَّالي: عندَ الخلاصِ، أنتَ تَحصُل على إيمانٍ خارقٍ للطَّبيعة مِنَ اللهِ لكي تُؤمِنَ بالإنجيل، ولكي تُؤمِنَ بشَهادةِ الرُّوحِ القُدُسِ بخصوصِ المسيح؛ وبالتَّالي كي تُؤمِنَ بالمسيح. وبعدَ أنْ تأتي إلى المسيح، أنْ تأتي إلى مَعرفةِ اللهِ الحقيقيِّ الحَيِّ. وهذا الإيمانُ هو عَطِيَّة خارقة للطَّبيعة مِنَ الله. وَهُوَ عَطِيَّة بالنِّعمة، وَعَطِيَّة بالرَّحمة.

ومَرَّةً أخرى، نَقرأ في رسالة أفسُس 2: 8-9: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ". فالنِّعمة هي مِنَ الله. وكذلكَ هو الإيمان. وما نوعُ الإيمانِ الَّذي يُعطيكَ إيَّاه؟ إيمانًا مُؤقَّتًا؟ فإنْ كانَ الإيمانُ المُخَلِّصُ عَطِيَّة مِنَ الله، ما نوعُ العطيَّة الَّتي يُعطيها اللهُ لَكَ؟ إنَّهُ لن يُعطيكَ عَطِيَّةَ إيمانٍ مُؤقَّت. وإنْ كانَ خَلاصُكَ يَتوقَّف على إيمانٍ بَشريٍّ، أَعِدُكُم بأنَّهُ سيموت. وهذا هو ما قُلتُهُ في الأسبوعِ الماضي. فإنْ كانَ بالإمكان أنْ نَفقِدَ خَلاصَنا، فإنَّنا سَنَفقِدُهُ.

لِذا فقد قالَ يَسوع: "وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ". فيمكنكم أنْ تُمَيِّزوا المُخَلَّصين. ويمكنكم أنْ تُمَيِّزوا الأشخاصَ الَّذينَ سيَحصلونَ على خَلاصٍ أبديٍّ في الحياةِ الآخِرَة. فَهُمْ أولئكَ الَّذينَ يُثابرونَ في إيمانِهم إلى النِّهاية لأنَّهُ إيمانٌ مُثابِر. فهذا هو نوعُ الإيمانِ الَّذي يُعطيهِ اللهُ. وَهُوَ يَختلِف تمامًا عنِ الإيمانِ البَشريّ. يَختلف تَمامًا.

ويُمكنُني أنْ أُعطيكم مَثَلاً توضيحيًّا بسيطًا على كيفيَّةِ عملِ الإيمانِ البشريِّ. فنحنُ نَعيشُ بالإيمانِ البشريِّ. وما أعنيه هو أنَّنا نَعيشُ بالإيمانِ البشريِّ كُلَّ يومٍ مِنْ أيَّامِ حياتِنا. فأنتَ تَذهبُ إلى المَطعم، وتَطلُبُ شيئًا وتأكُلُهُ. وهذا عَمَلُ إيمان. إنَّهُ كذلك. فأنتَ لا تَعلَم ما هو، ولا تَعلَمُ مَنْ عَبَثَ بِهِ، ولا تَدري مِن أينَ جاء، ولا تَدري ما هي حَالَتُهُ، ولا تَدري مَنْ طَبَخَهُ. فلا تُوجد لديكَ أَدنى فِكرة. وَهُمْ يَضَعونَ شيئًا في الكُوبِ فَتَشرَبُهُ. وَهُمْ يَقولونَ لكَ مَا هُوَ، ولكِنَّكَ لا تَعلَم ما هو. وهذا عَمَلُ إيمان.

وفوقَ هذا كُلِّه، أنتَ تَفتحُ صُنبورَ الماءِ في البيتِ وتَملأُ الكأسَ ماءً وتَشرب مِن دونِ أنْ تَكونَ لديكَ أَدنى فِكرة عنِ الأشياءِ الَّتي تَسبَحُ في أنابيبِ الماء. فهو عَمَلُ إيمان. وأنتَ تَركَبُ السَّيَّارة وتُديرُ المِفتاحَ، وتُسَبِّب سِلسلةً مُؤلَّفَةً مِنْ أربعةِ إلى ثَمانيةِ انفجاراتٍ مِنْ دونِ أنْ تَخشى أنْ تَتَفَجَّرَ، مَعَ أنَّهُ لديكَ مُحَرِّكٌ داخليٌّ مُشتَعِل أمامَ رُكْبَتَيْك. وأنتَ تَنْطَلِقُ في الشَّارعِ السَّريع بسرعةِ 100 كيلومتر في السَّاعة، وتَندفعُ بكُلِّ قوَّة مِن دونِ أنْ تتوقَّعَ أنْ تُقابِلَكَ شَاحِنَة مِنَ الجِهة المُقابلة. فهو عَمَلُ إيمان.

وأنتَ تَذهبُ إلى الطَّبيب وتقول: "أيُّها الطَّبيب، خَدِّرْني، وافتَحني، وَاستأصِل مَا تَشاء". ولكِنَّكَ لا تَعرفُ الطَّبيب، ولا أيَّ شخصٍ آخر في الغُرفة، وليست لديكَ أَدنى فكرة عَمَّا يَفعلونَهُ هناك. وأنا أقولُ إنَّ هذا العَملَ هو عَمَلٌ يَدُلُّ على إيمانٍ كبير. فنحنُ نَعيشُ بالإيمانِ كُلَّ الوقت. كُلَّ الوقت.

ولكِن يوجد سَبب لذلك. فهذا إيمانٌ مُثَقَّف. وهو إيمانٌ بَشريٌّ مُدَرَّب. فقد عِشنا وَقتًا طويلاً يَكفي لأنْ نَعلمَ أنَّ المُحَرِّكات لا تَنفجِر. وقد عِشنا وقتًا طويلاً يَكفي لأنْ نَعلمَ أنَّ الأطبَّاءَ يَستأصلونَ عادةً الأجزاءَ الَّتي ينبغي أنْ تُستأصَل، وأنَّهم لا يَتركونَ أدواتِهم في الدَّاخل بعدَ الانتهاءِ مِنَ العمليَّة. وقد عِشنا وقتًا طويلاً يَكفي لأنْ نَعلمَ أنَّ الطَّعامَ الَّذي نأكُلُهُ لا بأسَ فيهِ لأنَّنا نأكُلُهُ منذُ سنوات، وأنَّ شُربَ الماءِ آمِن لأنَّنا نَشربُ الماءَ منذُ سنوات. لذا فإنَّ هذا الإيمانَ هو إيمانٌ بَشريٌّ مُثَقَّف وَمُدَرَّب.

ولكِن عندما يَختصُّ الأمرُ بالإيمانِ بيسوعَ المسيح، يجب عليكَ أنْ تُنكِرَ نَفسكَ حَرفيًّا، وأنْ تُسَلِّمَ نَفسكَ تمامًا لشخصٍ لم تَرَهُ يومًا ولم تَختبرهُ يومًا، ولا يُمكنكَ أنْ تَعرفَهُ أو تَختبرَهُ إلَّا إذا سَلَّمتَ نَفسكَ إليهِ بالتَّمام. وهذا يَتطلَّبُ إيمانًا يَتَخَطَّى الإيمان البشريّ العاديّ. فهو يَتطلَّبُ إيمانًا خَاصًّا يُعطيهِ الله؛ إيمانًا خارقًا للطَّبيعة. والنَّوعُ الوحيدُ مِنَ الإيمانِ الَّذي يَهَبهُ اللهُ هو الإيمانُ المُثابِر.

فلا يُمكنكَ أن تَستَجمِعَ إيمانًا شخصيًّا يَكفي لِتَخليصِك. ولا يمكنكَ أيضًا أنْ تَستجمِعَ إيمانًا شخصيًّا يَكفي لإبقائِكَ مُخَلَّصًا. وإنِ اتَّكلتَ على إيمانِكَ الشخصيِّ فإنَّهُ سَيَخذِلُكَ لأنَّ اللهَ لم يَفعل ما ظَنَنْتَ أنَّهُ ينبغي أنْ يَفعل، أو لأنَّهُ لم يَهتمّ بحياتِكَ بالطَّريقةِ الَّتي ظَنَنْتَ أنَّهُ ينبغي أنْ يَهتمَّ بها، أو بسببِ خَيباتِ الأمَلِ العديدة، والمآسي، والأحزان، إلخ، إلخ. فإيمانُكَ البشريُّ سيضعُف بصورة دائمة أكثر فأكثر، وستبتدئ في الشَّكِّ في كُلِّ شيءٍ مِنْ حَولِكَ لأنَّ خِبراتِكَ لن تَكونَ مُوافِقَة (على الأقلِّ مِنَ النَّاحية المَنظورة بالنِّسبة إليكَ) لتَوَقُّعاتِكَ مِنَ اللهِ؛ ولا سِيَّما إنْ قالَ لكَ شخصٌ ما: "تَعالَ إلى يسوعَ وسوفَ يكونُ كُلُّ شيءٍ رائعًا".

إنَّها عَطِيَّةُ الإيمان. فهو إيمانٌ خارقٌ للطَّبيعة يَهَبهُ اللهُ. وَهُوَ إيمانُ مُثابِر كَيْ تُؤمِنَ حَتَّى عندما لا يَسيرُ كُلَّ شيءٍ كما تُريدُ أنت. وهذا الإيمانُ المُثابِر يَتَعَذَّر تَفسيرُهُ بَشريًّا. فهو يَتَعَذَّر تَفسيرُهُ بَشريًّا. فهو الَّذي قَادَ شُهداءَ إلى الإعدامِ حَرْقًا، وإلى الإعدامِ بالمِقْصَلَة، وإلى خَسارة كُلِّ شيء. فهو إيمانٌ يَتَعَذَّرُ تَفسيرُهُ بَشريًّا. لذا فإنَّ الضَّمانَ في المسيح مُرتبِط بالإيمان المُثابِر الَّذي يَصْبِر إلى النِّهاية.

وأيُّ فِكرة عنِ الخلاصِ تَتجاهَل الضَّمانَ هي تَشويهٌ للحَقّ. وأيُّ فِكرة عنِ الضَّمانِ تَتجاهَل المُثابرةَ هي تَشويهٌ للحَقّ. فلا يمكنكَ أنْ تَحصلَ على الخلاصِ مِن دونِ ضَمان. ولا يُمكنكَ أنْ تَحصل على حياة أبديَّة ليست أبديَّة. ولا يمكنكَ أنْ تَحصل على خلاص مَضمون مِن دون إيمان مُثابِر.

لذا، مِنَ الواضح أنَّ هذه العقيدة لا تَعني أنَّنا كامِلون، بل تعني أنْ نُثابِر. ولا يَكفي أنْ تُصَلِّي صلاةً في وقتٍ ما، وأنْ تَعيشَ كَغير المؤمنين بقيَّة حياتِكَ، وَأنْ تَظُنَّ أنَّكَ نِلتَ الخلاصَ وأنَّكَ مَضمون. فهذا تَشويهٌ مُريعٌ للحَقّ. وسوفَ أقولُ ذلكَ مَرَّةً أخرى: إنَّ أيَّ فكرة عنِ الخلاصِ تُهمِل الضَّمانَ هي تَشويهٌ للحَقّ. وأيُّ فِكرة عنِ الضَّمانِ تُهمِل المُثابرةَ هي تَشويهٌ للحَقّ.

والآن، هناكَ آيات كثيرة يمكننا أنْ نَدرسَها بهذا الخصوص، ولكِن اسمحوا لي أنْ أَصحَبَكُم إلى نَصٍّ واحد أعتقد أنَّهُ سيُساعِدُنا كثيرًا. افتحوا على رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الأوَّل. رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الأوَّل. فهذا نَصٌّ رائعٌ وغَنِيٌّ جِدًّا جِدًّا. وهذا نَصٌّ يَتَّضِح أمامَ أعيُنِكُم. ولكنِّي أريدُ منكم أن تَنظروا إلى الأعداد مِن 3 إلى 9. الأعداد مِن 3 إلى 9. وأريدُ أن أقرأَها على مَسامِعِكُم. وهذه صَلاة تُشبهُ تلكَ المذكورة في نهاية رسالة يهوذا. وهي تُمَجِّدُ اللهَ على خَلاصِنا الأبديّ. استمعوا إلى ما كَتَبَهُ بُطرس:

العدد 3: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ [وإليكُم الآية المِفتاحِيَّة] أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ". ويمكنكم أنْ تَضَعوا خَطًّا تحتَ هذهِ الكلمات. فهي الكلماتُ الرَّئيسيَّة في هذا المَقطع. فبُطرس يُبَارِكِ اللهَ على حِمايَتِهِ الإلهيَّة: "أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير".

والآن، لاحِظوا أنَّ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُرتبطَان معًا. فنحنُ مَحروسون لكي نَحصُلَ على هذا الميراث الأبديّ. ونحنُ نَحصُل على تلكَ الحماية مِن خلالِ الإيمان. ثُمَّ في العدد 6: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ". بِكُلِّ تأكيد. فَمَنْ لا يَبتهِج؟ فأنتُم تَبتهجونَ جدًّا لأنَّكم مَحروسون. "مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ إِنْ كَانَ يَجِبُ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ [وَهِيَ تَجارِب تأتي] لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ، نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوس".

والآن، أَوَدُّ وَحَسْب أنْ أَقودَكُم إلى لُبِّ المَقطع. العدد 5: فأَنْتُمُ مَحْرُوسُونَ. وأنتُم مَحروسونَ مِن خلالِ الإيمان (العدد 5). ثُمَّ في العدد 8: "الَّذِي...وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ". وَنَجِدُ هُنا مَرَّة أخرى تَركيزًا على الإيمان. وفي العدد 9: "نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوس". وَهُوَ يَعني هُنا: الخَلاص النِّهائيّ؛ أيْ: التَّمجيد.

وكما تَرَوْنَ، فإنَّ موضوعَ الضَّمانِ هذا، وموضوعَ الحِماية، مُرتبطٌ بالإيمانِ المُثابِر. والآن، قبلَ أنْ نَنظرَ إلى تَفاصيلِ ذلكَ المَقطع، أريدُ أنْ أُعطيكُم وَحَسْب لَمحةً عامَّة. ولا أعتقد أنَّني سأتمكَّن مِنْ قولِ كُلِّ ما أريدُ أن أقول. لذا، سوفَ نُنهي الحديثَ مَساءَ يومِ الأحد القادِم، أو رُبَّما سَنُنهيهِ مساءَ يومِ الأحدِ القادِم ... لا أدري!

لقد كانَ مَنْ كَتَبَ هذهِ الكلماتِ هو بُطرس. والآن، اسمحوا لي أنْ أتوقَّفَ وأتكلَّمَ عن بُطرس. فنحنُ جميعًا نَعرف بطرس. أليسَ كذلك؟ وإنْ كانَ هناكَ شخصٌ، أيُّ شخصٍ، جَديرٌ بأنْ يَكتُبَ أُطروحةً عن مُثابرة القِدِّيسينَ، فهو بُطرس. هذه هي الحقيقة. فهو الشَّخصُ المُناسب لتقديمِ شَهادة عنِ المُثابرة لأنَّهُ إنْ كانَ هناكَ شخصٌ في العهد الجديد مُعَرَّضٌ دائمًا للسُّقوط، مَن هو؟ إنَّهُ بُطرس. وهو الرَّجُل الَّذي كَتبَ هذه الكلمات لأنَّهُ الرَّجُل الَّذي اختبرَ في أغلبِ الأحيان حِماية الإيمان المُثابِر. وأعتقد أنَّهُ في حالَتِه، فإنَّ إيمانَهُ كانَ ارتداديًّا نوعًا ما.

وبحسبِ رواياتِ الإنجيل، لا يوجد تلميذ مِن تلاميذ الرَّبّ (باستثناء يهوذا بِكُلِّ تأكيد) أَخفقَ إخفاقًا مُريعًا مِثلَ بُطرس. فهو إنسانٌ أهوج، وأرعَن، وطَموح، وأنانيّ، ومُتذبذِب، وضَعيف، وجَبان، ومُتَهَوِّر. وفي مُناسبات عديدة، جَلَبَ على نَفسِهِ تَوبيخًا شديدًا مِنَ الرَّبِّ. وأعتقد أنَّهُ لا يوجد تَعنيفٌ أَقسَى مِن ذلكَ المَذكور في إنجيل مَتَّى 16: 23 إذْ إنَّ يسوعَ نَظَرَ إليهِ مُباشرةً وقال: "اذْهَبْ عَنِّي يَا [مَنْ؟] يا شَيْطَانُ!" وما أعنيهِ هو: هذا هو أقصى تَعنيفٍ مُمكن. فعندما يَقولُ اللهُ عنكَ إنَّكَ أداة في يَدِ الشَّيطان، تكونُ قد أَخفقتَ بِشِدَّة. ولَعَلَّكم تَذكرونَ أنَّهُ انْحَدَرَ هكذا بعدَ أنْ بَلَغَ أَعلى نُقطة في حياتِهِ مُباشرةً تقريبًا بحسب ما هو مُدَوَّن في نفسِ الأصحاح في العدد 16 إذْ قالَ: "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!" فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: "إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ".

ولكِنَّ بُطرس هو أعظمُ نَموذَجٍ على الارتفاعِ والانحدار، بل على أَقصى ارتفاعٍ وأدنى انحدارٍ. وبُطرس هو الدَّليل على أنَّ المؤمنَ الحقيقيَّ يمكن أنْ يَتعثَّر (بل أنْ يَتعثَّرَ تَعَثُّرًا خَطيرًا)، وأنْ يَسقُط (بل أنْ يَسقُطَ سُقوطًا خَطيرًا)، وأنْ يكونَ ضَعيفًا، وجَبانًا، وأنْ يُنكرَ المسيحَ مؤقَّتًا، ولكِن لأنَّهُ حَصَلَ على الحماية بسببِ إيمانِهِ المُثابِر الَّذي تَرَسَّخَ في قلبِهِ بسببِ عَمَلِ اللهِ صاحبِ السِّيادة، فإنَّهُ لم يَسقط سُقوطًا كاملاً ولم يَسقط نهائيًّا.

وبعدَ وقتٍ ليسَ طويلاً مِن ذلكَ الإنكارِ، خَرَجَ وماذا فَعل؟ بَكى بُكاءً مُرًّا، ورَغِبَ مِن كُلِّ قلبِهِ أنْ يَتِمَّ رَدُّه. وَحَتَّى إنَّ يسوعَ قالَ لَهُ في إنجيل لوقا والأصحاح 22 إنَّ هذا سيَحدث. فقد قالَ لَهُ في إنجيل لوقا 22: 31: "سِمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ!" وهل تَعلمونَ أنَّ الشَّيطانَ لا يَستطيعُ أنْ يَعملَ أيَّ شيءٍ لأيِّ شخصٍ إلَّا إذا حَصَلَ على إذْنٍ بذلك؟ فالشَّيطانُ خَادِمٌ لدى الله. وهو لا يَستطيعُ أن يَفعلَ أيَّ شيءٍ إلَّا إنْ سَمَحَ اللهُ بذلك. وقد أرادَ أنْ يُدَمِّرَ بُطرس لأنَّهُ كانَ يَعلمُ مَدى أهميَّة بُطرس لإرساليَّة الإنجيل. ولكِن انظروا إلى العدد 32. وهذهِ كلماتٌ ينبغي أنْ تَضَعوا خَطًّا تَحتَها، يا أحبَّائي. وكلماتٌ لا ينبغي أنْ تَنْسَوْها يومًا.

إنجيل لوقا 22: 32. اسمعوا: "هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ!" فَهُوَ يُريدُ أنْ يَهُزَّكَ لكي يَفحصَ صِحَّةَ إيمانِكَ. وكَمْ أُحِبُّ هذهِ الكلمات في العدد 32: "وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ". ويا للعَجَب! "وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ". وسوفَ أقولُ لكم شيئًا. إنْ كانَ يسوعُ قد صَلَّى هكذا، فإنَّ هذا هو ما سيحدث. فإيمانُهُ لن يَفنى.

وبُطرس (كما تَعلمونَ) كانَ يَظُنُّ أنَّ الرَّبَّ لم يَكُن يُدركُ مِقدارَ قُوَّتِه. وقد ظَنَّ بطرس أنَّهُ سيكونُ على ما يُرام. وَهُوَ يُقَدِّمُ شهادةً على ذلك في العدد 33: "فَقَالَ لَهُ: «يَا رَبُّ، إِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَمْضِيَ مَعَكَ حَتَّى إِلَى السِّجْنِ وَإِلَى الْمَوْتِ!»". فَقَالَ: «أَقُولُ لَكَ يَا بُطْرُسُ: لاَ يَصِيحُ الدِّيكُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ تُنْكِرَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَعْرِفُنِي»".

لقد سَمَحَ يَسوعُ بحدوثِ ذلك. فالشَّيطانُ لم يَكُن يَستطيعُ أنْ يُجَرِّبَ بطرس لولا أنَّ الرَّبَّ سَمَحَ لَهُ بذلك. وقد سَمَحَ بذلك لأنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّ إيمانَ بُطرس لا يمكن أنْ يَفْنَى لأنَّهُ صَلَّى لأجلِهِ لكي لا يَفنى إيمانُهُ. وَصلاتُهُ مَسموعة ومُستجابة دائمًا مِنَ الآبِ لأنَّ يسوعَ يُصَلِّي دائمًا بحسب مَشيئةِ الآبِ. كما أنَّ الرُّوحَ يَشفعُ بحسب مشيئةِ الآبِ.

وقد تَقول: "لماذا سَمَحَ بحدوثِ ذلك؟" لكي يُبَرهِنَ الامتحانُ لبُطرسَ الطَّبيعة المُثابرة لإيمانِه. فالرَّبُّ لم يَكُن بحاجة إلى أنْ يَعلَم أنَّ إيمانَهُ كانَ حَقيقيًّا، ولكِنَّ بطرسَ كانَ بحاجة إلى مَعرفة ذلك. وسوفَ أقولُ لكم لماذا في وقتٍ لاحق مِن دراسَتِنا لهذا النَّصّ. وقد تقول: "أجل، لقد صَلَّى الرَّبُّ لأجلِ بُطرس لكي لا يَفنى إيمانَهُ. وماذا عَنَّا نحنُ؟" افتحوا على إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17. افتحوا على إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17. فَهُنا تَجدونَ الرَّبَّ يُصَلِّي. وهذه صَلاةٌ صَلَّاها بِوَصْفِهِ رَئيس الكَهَنة العَظيم.

ويمكننا أنْ نَقرأَ ابتداءً مِنَ العدد 9: "مِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أَسْأَلُ". فقد كانَ يُصَلِّي لأجلِ المؤمنين. "لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ الْعَالَمِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لأَنَّهُمْ لَكَ. وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي، وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ". فيسوعُ يُصَلِّي لأجل المؤمنين؛ لا فقط لأجلِ أولئكَ الَّذينَ كانوا يَعيشونَ آنذاك، بل حَتَّى لأجلِ مَن سيعيشونَ في المستقبل. ونقرأ في العدد 11: "وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ". فقد كانَ يَشعرُ أنَّهُ سيُغادِر. "وَأَمَّا هؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ". فسوفَ أُضْطَرُّ إلى المُغادرة وإلى تَركِهم هُنا. "وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ".

عَجَبًا! يا لها مِنْ صلاةِ مُدهشة! يا أبتاه، احفظهُم. لا فقط بُطرس، ولا فقط لكي لا يَفنَى إيمانُ بُطرس، بلِ احفظهم جميعًا. احفظهُم جميعًا. جميعَ الَّذينَ أعطيتَني. جَميعَ المُختارين. جَميعَ المُبَرَّرين. جَميعَ المُقَدَّسين. احفظهُم. احفظهم في اسمِكَ لأنَّ هذا يَتَّفِقُ مَعَ طَبيعَتِكَ أيُّها اللهُ العظيمُ، والقويُّ، والقَديرُ، والعالمُ بِكُلِّ شيء، والحَافِظ لكي نَكونَ واحدًا في مَجْدِ ذلكَ اليوم الَّذي سيَجتمِع فيهِ كُلُّ البَشرِ المَفديِّين في حَضرَتِك.

وبصورة أكثر تَحديدًا، انظروا إلى العدد 15. فيسوعُ يُتابِع صَلاتَهُ ويقولُ الآتي: "لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ". فنحنُ بَحاجة إليهم في العالَم لكي يَكرِزوا. "بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّير". فَهُنا، يَتَشَفَّعُ يَسوعُ فينا بِصِفَتِهِ رَئيسَ كَهَنَتِنا العَظيم نِيابةً عَنَّا، ويَطلبُ مِنَ الآبِ أنْ يَحفظَنا، وأنْ يُسَيِّجَ مِنْ حَولِنا، وأنْ يَحمينا لكي لا يَفنى إيمانُنا. ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ قائلاً في العدد 17: "قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَقّ". وَهُوَ يَقول في العدد 18: "كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ، وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ. وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ".

ليسَ فقط لأجلِ المؤمنينَ الآن، بل لأجلِ أولئكَ الَّذينَ سيؤمنونَ مِن خلالِ الكلمة الَّتي سيَكرِزُ بها هؤلاء. "لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي".

فيسوعُ يَقولُ الآتي: "يا أبَتاه، أريدُ أن تُريهم المجد. وأريدُ أن تأتي بهم إلى المجدِ الأبديّ. وأريدُ أنْ تَحميهم. وأريدُ أن تُمْسِكَ بهم. وأريدُ أن تَحفظَهم. وأريدُ أن تَعملَ على أنْ لا يَفْنَى إيمانُهم يومًا لكي نكونَ جميعًا معًا في مجدٍ أبديٍّ بحسبِ الخُطَّة والقَصد منذُ تأسيسِ العالم عندما وَضَعْتَ خُطَّةَ الفِداءِ هذهِ مَوضِعَ التَّنفيذ. احفظهُم مِنَ الشِّرِّير. قَدِّسهُم بكلمَتِك. أحضِرهُم إلى المجدِ الأبديِّ لكي يَشتركوا معنا في ذلكَ المجد. وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هؤُلاَءِ فَقَطْ (في العدد 20)، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ". وأنتُم وأنا مَشمولونَ في هذهِ الآية (أيِ الآية 20) لأنَّنا نُؤمِنُ مِن خلالِ الكلماتِ الَّتي كَتَبَها الرُّسُل.

لِذا، كَما تَرَوْنَ، فإنَّ الرَّبَّ يسوعَ المسيحَ يَشفَعُ في بُطرس كَمَثَلٍ تَوضيحيٍّ في إنجيل لوقا والأصحاح 22. ولكِنَّهُ ليسَ شَيئًا يَدعو إلى الغَرابة، وليسَ شيئًا فريدًا. فهي نفسُ الشَّفاعة الَّتي يَشفَعُ فيها في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17. وهي ليست لأجلِ الرُّسُل فقط آنذاك، بل لأجلِ كُلِّ مَن يُؤمِن لكي يَحفظهُم الآبُ ويأتي بهم إلى المجدِ الأبديِّ كامِلين بِصِفَتِهِم واحدًا فيهِ وفي الابن.

وبالمناسبة، لم تَكُن هذه صَلاة وَقتيَّة صَلَّاها يسوعُ هناكَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17 في البُستانِ في تلكَ اللَّيلة، بل إنَّهُ يُصَلِّي هكذا اليومَ، وفي كُلِّ يوم، وكُلَّ وقت. عِبرانِيِّين 7: 25. استمعوا إلى هذه الآية الرَّائعة. عبرانيِّين 7: 25: "فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى الأبد" [فهكذا ينبغي أن تكونَ هذهِ الجُملة]. "فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى الأبد الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ". "فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى الأبد الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ". وإليكُم السَّبب: "إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ".

فهذهِ الصَّلاة (المذكورة في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17) هي صَلاةٌ يُصَلِّيها يَسوعُ باستمرار في كُلِّ الأوقات بِصِفَتِهِ رَئيسَ كَهَنَتِنا العَظيم إذْ يَجلسُ عن يَمينِ الآبِ ويَشفعُ فينا. وَهُوَ قادرٌ أنْ يُخَلِّصَنا إلى الأبد لأنَّهُ حَيٌّ في كُلِّ حين لِيَشفعَ فينا. فنحنُ مَحروسونَ بإيمانٍ مُثابِرٍ مَحروس ومَحفوظ إلى النِّهاية مِن خلال شَفاعةِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ نَفسِه.

وكما ذَكرتُ سابقًا، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ ما زالَ مُستمرًّا في القيامِ بنفسِ خِدمةِ الحِفظِ هذه. فنحنُ نقرأ في رُومية 8 أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُعينُ ضَعَفاتِنا. لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا". فهي أنَّات لا يُعَبَّر عنها باللِّسانِ أو بشيءٍ مُشابِه. فهي ليست ما تَقول، بل ما يَقولُهُ الرُّوحُ القُدُس. وهي ليست كلمات مَنطوقة، بل هي أنَّات لا يُنطَق بها. فهي حَديث صَامِت، وخاصّ وداخليّ بينَ الأقانيمِ الثَّلاثة حيثُ يَشفعُ الرُّوحُ فينا بأنَّاتٍ لا يُنطَقُ بها. فلا توجد كلمات. بل إنَّ الرُّوحَ هو الَّذي يَشفعُ فينا. "وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ [أيِ: الله] يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ".

لذا فإنَّ المسيحَ يُصَلِّي بحسب مشيئة الله لكي لا يَفني إيمانُنا، ولكي يَحفَظُنا الآبُ. والرُّوحُ يُصَلِّي بحسب مشيئةِ اللهِ. والنَّتيجة هي: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ [في الآية الَّتي تَليها] تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. والَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا".

فَشَفاعةُ المسيح تَضمنُ مَجدَنا المُستقبليّ. وشَفاعةُ الرُّوحِ القُدُسِ تَضمَنُ مَجدَنا المُستقبليّ. وقَصْدُ اللهِ يَضمنُ مَجدَنا المُستقبليَّ لأنَّهُ سَبَقَ فَعَرَفَنا، وعَيَّنَنا، ودَعانا، وبَرَّرَنا، ولأنَّهُ سيُمَجِّدُنا لأنَّ قَصدَهُ مُنذُ البداية هو أنْ يَجْعَلَنا مُشابهينَ صُورةَ ابنِهِ. فهو لم يُخَلِّصكَ لِقَصدٍ مُؤقَّت، بل خَلَّصَكَ لكي يَجْعَلَكَ مُشابهًا صُورةَ ابنِهِ في المجدِ الأبديّ، ولكي يُعطيكَ نَفسَ قداسةِ المسيح.

فعندما تُفَكِّرونَ في السَّماء، لا تَظُنُّوا أنَّكم ستُشبهونَ يسوعَ جَسديًّا. بل إنَّنا سَنُشبِهُ يَسوعَ مِن جهةِ القداسة الكاملة. فقد تَمَّ اختيارُنا، وتَمَّتْ دَعوَتُنا، وتَمَّ تَبْريرُنا، وتَمَّ تَقْديسُنا، وسوفَ نُمَجَّد. ونحنُ مَحفوظونَ حَتَّى تلكَ السَّاعة. ونحنُ مَحفوظونَ مِن خلالِ إيمانٍ مُثابرٍ مَحفوظ مِن خلالِ العملِ الشَّفاعِيِّ ليسوعَ المسيحِ الَّذي يُصَلِّي أنْ نَتمتَّعَ بالحماية مِن أيِّ شيءٍ قد يُعَطِّلُ ذلكَ الإيمان سواءٌ كانَ الجسدُ، أوِ العالمُ، أوِ الشَّيطانُ نَفسُهُ.

وإلى جانبِ الشَّفاعةِ عَن يَمينِ الآبِ في السَّماء، هناكَ الشَّفاعة مِن قلبِ الرُّوحِ القُدُس الَّذي يُصَلِّي بِطُرُق لا نَعرِفُ نحنُ كيفَ نُصَلِّي بها إذْ إنَّ هناكَ تَخاطُبًا داخليًّا صَامِتًا بينَ الأقانيمِ الثَّلاثة بحسب مشيئةِ اللهِ. واللهُ يَسمعُ ويَستجيبُ تلكَ الصَّلاة ويَجعلُ كُلَّ الأشياءِ تَعمل معًا للخير ... كُلَّ الأشياء.

لذا فإنَّنا مَحفوظونَ بإيمانِنا الخارق للطَّبيعة المُعطَى لنا مِنَ الله. وعندما قالَ يسوعُ لبُطرس: "وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ"، كانَ يَقولُ لَهُ شيئًا يَسري علينا جميعًا. فالرَّبُّ يَشفعُ فينا لكي يَبقى إيمانُنا ثابتًا. وَهُوَ يُصَلِّي دائمًا بحسب مشيئةِ الآبِ الَّذي يُجيبُ دائمًا الصَّلواتِ الَّتي بِحَسَب مَشيئَتِه.

وكما قُلتُ في الأسبوعِ الماضي، لو كانَ خَلاصُكَ مُتوقِّفًا عليكَ، لن تَخلُصَ يومًا. ولو كانَ الحِفاظُ على خَلاصِكَ مُتوقِّفًا عليكَ، لن تَخلُصَ يومًا. فإيمانُكَ البشريُّ لا يَقدر أنْ يُخَلِّصَك. وإيمانُكَ البشريُّ لا يَقدر أنْ يَحفظَك. لذا، أنتَ بحاجة إلى إيمانٍ ليسَ بَشريًّا، أيْ إلى إيمانٍ خارقٍ للطَّبيعة آتٍ مِنْ عندِ الله. فالإيمانُ الَّذي أتاحَ لَكَ أنْ تُؤمِنَ بالإنجيلِ في البداية جاءَ مِن عندِ اللهِ. وَهُوَ إيمانٌ مُثابِرٌ يُؤمِنُ دائمًا.

استَمِعوا إلى ما جاءَ في سِفْر إرْميا 32: 40. فهذا يُوَسِّعُ فَهمَكُم لهذا الموضوع لأنَّهُ يَصْحَبُنا إلى العهد القديم. سِفْر إرْميا 32: 40. استمعوا إلى هذه الجُملة الرَّائعة. فهي جُملة عنِ العهدِ الجديد؛ العهد الَّذي يُخَلِّصُنا: "وَأَقْطَعُ لَهُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا أَنِّي لاَ أَرْجِعُ عَنْهُمْ لأُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَأَجْعَلُ مَخَافَتِي فِي قُلُوبِهِمْ [اسمعوا:] فَلاَ يَحِيدُونَ عَنِّي".

يا لها مِن جُملة! فَطَبيعةُ هذا العهدِ الخَلاصِيِّ الدَّائم هو أنْ اللهَ لن يَحيدَ يومًا عَنَّا، بل إنَّهُ سيَجعلُ فينا (في قُلوبِنا) مَخافَتَهُ الخارقة للطَّبيعة لكي لا نَحيدَ عنهُ. وَهُوَ عهدٌ دائم لِخلاصٍ دائم قائمٍ على إيمانٍ مُثابِر. فهذا الإيمانُ لا يَفنى أبدًا. فلا يوجد مسيحيُّونَ حَقيقيُّونَ يَسقُطونَ مِنه.

وقد تقول: "مَهْلاً مِن فَضلِك! أَلا يَزخُرُ الكتابُ المقدَّسُ بالتَّحذيراتِ للنَّاسِ لِئَلَّا يَسقُطوا؛ كما هي الحالُ في عِبرانِيِّين 6: 6 إذْ نَقرأُ التَّحذيرَ مِنَ السُّقوطِ وَجَلْبِ العَارِ على المسيح؟ أو كما نَقرأُ في رسالة تيموثاوس الأولى والأصحاح الأوَّل عن أولئكَ الأشخاص الَّذينَ انكسرَتْ بهم السّفينةُ مِنْ جِهَةِ الإيمان. ألم يُحَذَّروا مِن ذلك؟ أو كما نَقرأُ عنِ الشَّخصَيْنِ اللَّذَيْنِ سُلِّما إلى الشَّيطانِ لِكَيْ يُؤَدَّبَا حَتَّى لاَ يُجَدِّفَا. أليست هناكَ تَحذيرات؟" أجل، بِكُلِّ تأكيد. فهذه تحذيرات للمؤمنينَ الزَّائفين. وهذه تحذيرات للأشخاص الَّذينَ لم يُكَرِّسوا أنفسَهم. وهي تحذيراتٌ للأشخاص الَّذينَ اقتربوا مِن مَعرفةِ الإنجيلِ واعترفوا اعترافًا سَطحيًّا بالإنجيل، ولكِنَّهُ ليسَ حَقيقيًّا.

لِذا، مِنَ المهمّ جدًّا بالنِّسبة إلينا أنْ نَفهمَ أنَّ عقيدةَ مُثابرة القِدِّيسين لا تَعني أنَّ النَّاسَ الَّذينَ صَلُّوا صَلاةً أو "قَبِلوا" يَسوعَ، أو أخذوا قرارًا بخصوص يسوعَ في اختبارٍ عاطفيٍّ ما هُمْ مَضمونونَ بالضَّرورة ويمكنهم أنْ يَعيشوا بالطَّريقة الَّتي يَشاءون. لا! فإنْ جاءوا حقًّا إلى المسيح، سيكونُ لديهم إيمانٌ مُثابِر يَتَّصِف بِحُبِّ البِرِّ، وحُبِّ المسيح، وكُرْهِ الخطيَّة. وَهُوَ لن يكونَ إيمانًا كاملاً، ولكِنَّهُ سيَدُلُّ على السَّيرِ ... في طَريقِ البِرّ.

وقد كانَ بُطرسُ الحَبيب يَفهمُ قُدرةَ اللهِ الحافِظَة. وسوفَ أقولُ لكم شيئًا: لو كانَ بإمكانِ بُطرس أنْ يَفقدَ خَلاصَهُ لَفَقَدَهُ. فَإلى أيِّ مَدىً ينبغي أنْ تَقترِب مِنَ الشَّيطان حَتَّى يَنظرَ إليكَ الرَّبُّ ويقول: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ"؟ فلا يمكنكَ أنْ تَقترِب أكثر مِنْ أنْ تُنَفِّذَ رَغْباتِ الشَّيطان. ولكِنْ هل نَهَضَ بُطرس مِن تلك السَّقطة؟ انظروا إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح 21. فبعدَ كُلِّ تلكَ الإنكارات (في ثلاثِ مُناسبات) ... وإنْ حَسَبتموها كُلَّها سَتَرَوْنَ أنَّهُ فَعلَ ذلكَ سِتَّ مَرَّاتٍ في ثلاثِ مُناسبات. ولكِنْ عندما نأتي إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح 21، فإنَّ يَسوعَ يُواجِه بُطرس أخيرًا.

ولكي أُعطيكُم خَلفيَّة سريعة، فقدِ التقى يَسوعُ بعدَ قيامَتِهِ الرُّسُل. وقد قالَ يَسوعُ للتَّلاميذ: "اذهبوا إلى الجَليل وانتظروني هُناك". وقد ذَهبوا. وعندما جاءَ أخيرًا (في الأصحاح 21 والعدد 1)، كانَ التَّلاميذُ عندَ بحرِ طَبَرِيَّة. وكانَ هناكَ سِمعان بُطرس (الَّذي يُسَمَّى أوَّلاً في كُلِّ مَرَّة لأنَّهُ القائد)، وَتُومَا، وَنَثَنَائِيلُ، ويَعقوب ويوحنَّا ابنا زَبْدي، واثنانِ آخَران (رُبَّما بُطرس وأندَراوُس). وهناكَ مَشهدُ الصَّيْدِ في الخَلفيَّة.

"قَالَ لَهُمْ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «أَنَا أَذْهَبُ لأَتَصَيَّدَ». واللُّغة اليونانيَّة هُنا تُبَيِّنُ المَعنى الدَّقيقَ لهذهِ الجُملة. فهو يقول: "سوفَ أَرْجِعُ إلى مِهْنَةِ صَيْدِ السَّمَك". فقد كانَ مُزْمِعًا أنْ يَرجِعَ إلى مِهنَتِهِ القَديمة. وقد خَرَجُوا وَدَخَلُوا السَّفِينَةَ، وَلكِنَّهم لَمْ يُمْسِكُوا شَيْئًا. لماذا؟ لأنَّ الرَّبَّ غَيَّرَ مَسارَ كُلِّ الأسماك. فقد كانوا يَعرفونَ تلكَ البُحيرة جَيِّدًا جدًّا. فقد نَشَأوا وَهُمْ يَصطادونَ السَّمكَ هُناك. وقد كانوا يَعلمونَ في أيِّ وقتٍ مُحَدَّدٍ مِنَ اليوم، وفي أيِّ مَوسمٍ مِنَ السَّنة يُمكنهم العُثور على السَّمك في أيِّ بُقعة.

وقد ظَهَرَ يَسوعُ وَطَرَحَ السُّؤالَ الَّذي لا يَجوزُ أنْ تَسألَهُ لأيِّ شخصٍ صَرَفَ اللَّيلَ كُلَّهُ دونَ أنْ يَصْطادَ شيئًا: "يَا غِلْمَانُ أَلَعَلَّ عِنْدَكُمْ سَمَكًا؟" أَجَابُوهُ: "لا!" فَقَالَ لَهُمْ هذا الكَلام الَّذي بَدا سَخيفًا: "أَلْقُوا الشَّبَكَةَ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ الأَيْمَنِ فَتَجِدُوا". وهذهِ إهانة كبيرة! "مَا رَأيُك؟ هل أَلقينا الشَّبكة في جانبٍ واحدٍ فقط؟ أو هل تَظُنُّ أنَّ القاربَ يَبقى في المكانِ نَفسِه؟ أو رُبَّما تَظُنُّ أنَّ السَّمَكَ يَعرِفُ اليَمينَ مِنَ الشِّمال؟ فما هي هذه الجُملة؟"

ولكِنَّ يَسوعَ كانَ يَتكلَّم دائمًا بسُلطان. لذا فقد فَعَلوا ما قالَهُ لهم. وقد صَادوا سَمَكًا كثيرًا حَتَّى إنَّهم لم يَعودوا قادِرينَ على جَذْبِ الشَّبَكة. فَقَالَ ذلِكَ التِّلْمِيذُ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ لِبُطْرُسَ (أيْ: يُوحَنَّا): "هُوَ الرَّبُّ!" وَبُطرسُ (بَارَكَ اللهُ قَلبَهُ) هل كانَ يَمْلِكُ إيمانًا مُثابِرًا؟ بِكُلِّ تأكيد. وهل كانَ ضَعيفًا؟ أجل. وهل سَقَط؟ أجل. ولكِنْ هل عَادَ؟

نَقرأُ في العدد 7: "فَلَمَّا سَمِعَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنَّهُ الرَّبُّ، اتَّزَرَ بِثَوْبِهِ، لأَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا (ولا يَرتدي سِوى مَلابِسِهِ الدَّاخليَّة الَّتي كانَ يَعمَلُ بها)، وَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ. وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ فَجَاءُوا بِالسَّفِينَة". فقد كانَ في عَجَلَةٍ مِن أمرِهِ لكي يَستردَّ إيمانَهُ القويَّ. فقد كَرِهَ جِدًّا الخطيَّة الَّتي رآها في نفسِه. وقد كَرِهَ عِصيانَهُ. لذا فقد أَلقى نَفسَهُ دُونَ تَفكيرٍ في البحرِ. وكانوا على بُعدِ نحوِ مئةِ مِتْر. ولا شَكَّ أنَّ التَّلاميذَ الآخرينَ كانوا يَقولون: "ما هذا التَّصَرُّفُ الأَهْوَجُ الَّذي قامَ بِهِ بُطرس! فقد تَرَكَنا بِمُفرَدِنا لِنَجذِبَ هذا الكَمَّ الهائلَ مِنَ السَّمَك إلى الشَّاطئ".

وقد جاءوا فوجدوا أنَّ الرَّبَّ قد أَعَدَّ لهم فُطورًا. وأنتُم تَعلمونَ كيفَ يُحَضِّرُ الرَّبُّ فُطورًا. أليسَ كذلك؟ فُطورًا. وقد أحضروا بعضًا مِنَ السَّمكِ الَّذي اصْطادوه، مِئةً وثلاثًا وخَمسينَ سمكة (كما جاءَ في العدد 11). فقالَ لهم يسوع: "هَلُمُّوا تَغَدَّوْا". وَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ مِنَ التَّلاَمِيذِ أَنْ يَسْأَلَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ إِذْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. "فَبَعْدَ مَا تَغَدَّوْا (في العدد 15) قَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ بُطْرُسَ: يَا سِمْعَانُ، أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هؤُلاَءِ؟" ويا لَهُ مِن سُؤالٍ استفزازِيٍّ يَختَرِقُ النَّفس! أَتُحِبُّني أكثرَ مِن هذهِ الأسماكِ، وتلكَ الشِّباك، وهذا النَّمَطِ مِنَ الحياة؟ أَتُحِبُّني أكثرَ مِن هؤلاءِ التَّلاميذ الآخرين؟ فقد قُلتَ إنَّهُ لو تَرَكَكَ الجَميعُ، لن أَترُكَك. وقد قُلتَ إنَّكَ مُستعدٌّ للموتِ مِن أجلي. ولكِنَّكَ لم تَفعل. فقد أنكَرتني.

وأعتقد أنَّ السُّؤالَ الصَّحيحَ هو: "يا سِمعان بن يُونا، هل تُحِبُّني؟" قالَ لَهُ: "نَعَمْ يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ". قَالَ لَهُ: "ارْعَ غَنَمِي"؛ أي: "إذًا، افعل ما أَقولُ لَكَ. فقد دَعَوتُكَ لكي تَكرِزَ وتَعِظَ، لا لِتَصيدَ السَّمك". وكما تَذكرونَ، فإنَّ بُطرسَ أَنكرَهُ ثلاثَ مَرَّاتٍ. لذا فإنَّ الرَّبَّ يَرُدُّهُ ثلاثَ مَرَّات.

"قَالَ لَهُ أَيْضًا ثَانِيَةً: «يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟» قَالَ لَهُ: «نَعَمْ يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ»" أنتَ تَعلمُ ذلك. قَالَ لَهُ: "ارْعَ غَنَمِي". افعل ما قُلتُ لَكَ أنْ تَفعل. "قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: «يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟» فَحَزِنَ بُطْرُسُ. فهذا مُؤلِم. "فَحَزِنَ لأنَّهُ قالَ لَهُ ثَالِثَةً": أَتُحِبُّنِي؟ فَقَالَ لَهُ ما يَلي: "يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ".

لماذا؟ لأنَّ اللهَ نَفسَهُ أَعطى بُطرسَ إيمانًا مُثابِرًا، ومحبَّة مُثابِرَة للمسيح. ضَعيفٌ؟ أجل. مُتَعَثِّرٌ؟ أجل. ولكِنَّهُ لا يمكن أن يَسقط كُليًّا أو نِهائيًّا. بل هو أوَّل مَن يَتحَمَّس إلى الرُّجوع. وقد قالَ يسوع: "هذا هو كُلُّ ما أَطلُبُهُ مِنْكَ. ارْعَ غَنمي. فأنتَ الرَّاعي الَّذي أبحثُ عنهُ". "لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً [في العدد 18] كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ". وقد كانَ هُنا يَتحدَّثُ عن صَلْبِ بُطرس (وهي الطَّريقة الَّتي ماتَ فيها في النِّهاية). "وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ. قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُمَجِّدَ اللهَ بِهَا". "بُطرس! سوفَ تَموتُ شَهيدًا". وقد بَقِيَ بُطرسُ أمينًا حَتَّى النِّهاية. وعندما حانَ وَقتُ صَلبِه، لم يَشَأ أنْ يَصُلبوهُ بالطَّريقة العاديَّة لأنَّهُ قالَ إنَّهُ لا يَشعُرُ أنَّهُ مُستحقّ أنْ يُصلَبَ كَسَيِّده. لذا فقد قَلَبوهُ وَصَلبوهُ رأسًا على عَقِب. وهي طريقة أكثر إيلامًا للموت. فقدِ احتملَ إلى النِّهاية.

ولا يوجد شخصٌ أفضَل مِنهُ حَقًّا للكتابة عن موضوعِ مُثابرة القِدِّيسين، وعنِ الإيمانِ الثَّابت، وعنِ المحبَّة الثَّابتة، وعنِ الأمانةِ المستمرَّة إلى النِّهاية. فلا يوجد أحد أفضل للكتابة عن ذلك مِن بُطرس؛ الرَّجُل الَّذي تَابَ بِدُموع. الرَّجُل الَّذي تألَّمَ جدًّا بسببِ إخفاقِهِ حَتَّى إنَّهُ أَلقى نَفسَهُ في الماءِ، وسَبَحَ بأقصى سُرعة مُمكنة باتِّجاهِ يسوع. الرَّجُل الَّذي كانَ واثقًا جدًّا مِن محبَّتِه وإيمانِهِ الحقيقيَّين حَتَّى إنَّهُ طَلَبَ مِنَ الرَّبِّ أنْ يَقرأَ قَلبَهُ لأنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّ ما رآهُ هُناكَ هُوَ الشَّيء الحقيقيّ. لذا، مِنَ المُناسب جدًّا أنْ يُخبرَنا بُطرس عن الإيمانِ المُثابِر.

ارجعوا الآنَ إلى رسالة بُطرس الأولى. فهناكَ مُلاحظة أخيرة. فعندما يَقولُ بُطرس في العدد 5: "أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ"، وعندما يَقولُ في العدد 8: "ونحنُ نُؤمِنُ بِهِ"، وعندما يقولُ في العدد 9: "إنَّ نَتيجةَ إيمانِنا هي الخَلاص الأبديّ"، فإنَّ بُطرسَ يَتحدَّثُ مِن واقعِ خِبرتهِ الشخصيَّة. فقد كانَ يَعلمُ (بالرَّغمِ مِن ضَعفِه) مَعنى الإيمان المُثابِر الَّذي لا يَفْنى. وهذا هو الإيمان الَّذي يَمْلِكُهُ كُلُّ شخصٍ مُخَلَّص حَقًّا. وكما قُلتُ، في النِّهاية كانَ بطرسُ أمينًا في إعلانِ يسوعَ المسيح بالرَّغمِ مِنْ خَطَرِ الموت.

والآن، في الأعداد مِن 3 إلى 9، هناكَ سِتَّة عناصر لحمايتِنا. سِتَّة عناصر. وسوفَ أذكُرُها لكم في المَرَّة القادمة. فنحنُ مَحروسونَ بإيمانٍ يَحوي سِتَّة عناصر أو سِتَّة حقائق روحيَّة ديناميكيَّة تَعملُ فيه. وسوفَ يَذكُرُها بُطرسُ لنا في المَرَّة القادمة.

يا رَبّ، شُكرًا لكَ على هذا الحَقِّ الرَّاسخِ بأنَّ خلاصَنا يَدومُ إلى الأبد، وبأنَّ الحياةَ الأبديَّة هي بِكُلِّ وضوح: أبديَّة، وبأنَّ أولئكَ الَّذينَ اختارَهُمُ الآبُ سَيَجعلُهم مُشابهينَ صُورةَ ابنِهِ، وبأنَّ كُلَّ الَّذينَ دعاهُم دَعوةً فَعَّالة سَيَأتونَ إلى المجد، وبأنَّ كُلَّ الَّذينَ تَمَّ تَعيينُهم مُسبقًا لكي يكونوا مُشابهينَ صُورةَ المسيح سيصيرونَ حقًّا مُشابهينَ لَهُ، وبأنَّ كُلَّ الَّذينَ سُتِروا بِبِرِّهِ سيقفونَ يومًا ما أمامَكَ في السَّماءِ بِلا لوم، وبأنَّ كُلَّ الذينَ قُدِّسوا سَيُمَجَّدون.

يا رَبّ، نَشكركَ على هذا الإيمانِ المُثابِر. ومعَ أنَّنا قد نَختبِرُ صعوباتٍ أحيانًا، ونَتعثَّر، ونَسقط، ومعَ أنَّنا نَقترف الخطيَّة، بل قد نُخطئ خطايا خطيرة، وقد نُخطئ خَطايا مُريعة، وقد نُخطئ خَطايا مُتكرِّرة، فإنَّنا نَرى أنفُسَنا مِثلَ بُطرس إذْ نَركُضُ عائدينَ ونحنُ نَبكي، ونَتوقُ إلى أنْ نكونَ مُطيعينَ، ونَتوقُ إلى أنْ نكونَ نَافعِينَ، ونَتوقُ إلى أنْ تَرُدَّنا، ونَتوقُ إلى أنْ تَغفِرَ لنا، ونَتوقُ إلى أنْ تَغسِلَنا. فنحنُ نَتذكَّرُ بُطرسَ حينَ تَعَثَّرَ في العشاءِ الأخير وقالَ أمورًا تَدُلُّ على جَهلِه. ولكِنْ عندما تَمَّتْ مُواجَهَتُهُ قالَ: "يا رَبُّ، اغسِلني مِنْ قِمَّةِ رأسي إلى أَخمَصِ قَدَمَيَّ". وَهُنا يَكْمُنُ جَوهرُ ذلكَ الإيمانِ المُثابِر.

فهو إيمانٌ يُحِبُّكَ بالرَّغمِ مِنَ الطَّريقةِ الَّتي يَتصرَّفُ فيها. وَهُوَ إيمانٌ يُحِبُّكَ بالرَّغمِ مِنَ الضَّعفِ والإخفاقِ. وَهُوَ إيمانٌ يَتوقُ إلى الرَّدِّ، ويَتوقُ إلى التَّطهير. فهذا هو الإيمانُ الحقيقيُّ المُخَلِّص. وهذه هي تلكَ العَطِيَّة الَّتي أَعطيتَها لنا ونَشكُرُكَ عليها. ونحنُ نَشكُرُكَ وَنَتَعَزَّى في الثِّقةِ الَّتي لنا بأنَّنا سَنُثابِر إلى النِّهاية لأنَّ عَطِيَّةَ الإيمانِ هذه هي إيمانٌ مُثابِر. وهي تُثابِر لأنَّكَ حَيٌّ وَتَشفَعُ فينا دائمًا، ولأنَّ الرُّوحَ يُصَلِّي لأجلِنا، ولأنَّ كُلًّا مِنَ الابنِ والرُّوحِ يُصَلِّيان دائمًا بحسب مشيئةِ الآبِ. ولأنَّ مشيئةَ الآبِ هي أنَّ كُلَّ الَّذي يُعطيهم للابن، فإنَّ الابنَ سَيُقيمُهم للمجدِ الأبديّ، وأنَّ أحدًا منهم لن يَهلِك. نَشكُرُكَ، يا رَبّ، لأنَّ كُلَّ الأقانيم الثَّلاثة مُتَّحِدة معًا لِحِفظِنا لِذلكَ المجدِ الأبديّ. ولأجلِ ذلكَ فإنَّنا نَفرحُ باسمِ المُخَلِّص. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize