Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَحنُ عَاكِفونَ على دراسةٍ مُوجَزة لعقيدة "مُثابرة القِدِّيسين". وقد اخترنا هذه العقيدة بسببِ دراستِنا لرسالة يَهوذا الرَّائعة. وهذه الرِّسالة الصَّغيرة (إنْ كُنتم تَذكرون) الَّتي كُنَّا نَدرُسها مساءَ أيَّامِ الأحد، تَنتهي بهذه الصَّلاة الرَّائعة: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ، وَيُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي الابْتِهَاج". وهذه جُملة تُلَخِّص ضَمانَ خَلاصِنا. فَرَبُّنا قادر أن يَحفظَنا وأنْ يُوقِفَنا. وقد كانَ ذلكَ مُهمًّا جدًّا بالنِّسبة إلينا في أثناءِ دراسَتِنا للرِّسالة حَتَّى إنَّني أردتُ أنْ أُغني دراسَتَنا وَحَسْب لهذا المَقطَع. لِذا، في الأسبوعِ الماضي، وفي هذا الأسبوع، ورُبَّما في عِظَة أخرى في الأسبوعِ القادم أيضًا، سنتأمَّل في هذه العقيدة المهمَّة جدًّا جدًّا.

وإنْ كُنتم مَعَنا في الأسبوعين الماضِيَيْن، كُنَّا قد وَضَعنا أُسُسًا كثيرة لهذه الدِّراسة، ولكنِّي لن أتمكَّنَ مِنْ إعادةِ ذلك. وأنا أُقَدِّمُ هذه السِّلسلة بأسرِها إليكم لأنَّها واحدة مِنَ الحقائق الكتابيَّة الأكثر تَشجيعًا، والأكثر تُوكيدًا، والأكثر تَعزيةً، والأكثر مَنْحًا للرَّجاء مِنْ بينِ كُلِّ الحقائق الكِتابيَّة. فضَمانُ الكتابِ المقدَّسِ (وبالتَّالي وَعدُ اللهِ لنا) هو أنَّ الخلاصَ شيءٌ يَدومُ إلى الأبد. وهذه ليست عقيدة قائمة بذاتِها. وهي ليست عقيدة يمكنكم أنْ تُؤمِنوا بها أوْ أنْ لا تُؤمنوا بها مِن دونِ أنْ يكونَ لذلك تأثير كبير على عقائد أخرى. بل إنَّ العكسَ تمامًا هو الصَّحيح.

وإنْ أَسأنا فَهْمَ هذه العقيدة المُختصَّة بمُثابرة القِدِّيسين أو أبديَّة الخلاص فإنَّ ذلكَ سَيُفْضي إلى إشاعةِ الفَوضى بخصوصِ عقيدة التَّعيين السَّابق، وعقيدة الاختيار، وعقيد التَّبرير، وعقيدة التَّقديس، وعقيدة التَّمجيد. فهذا يُفْضِي [إنْ جَازَ القَولُ] إلى حَلِّ كُلِّ الجَدائِل في حَبْلِ الخلاص. لِذا فقد قُلتُ منذُ البداية إنَّ أَهَمَّ عُنصرٍ في كُلِّ عقائدِ الخلاص هو هذه المسألة المُختصَّة بمُثابرة القِدِّيسين. فهي، في نهايةِ المَطاف، العقيدة الَّتي تَجعلُ الخلاصَ خَلاصًا لأنَّهُ إلى الأبد.

وأنا أَعلمُ (كما أنتُم تَعلمون) أنَّ هذه العقيدة خَضَعَتْ للجَدَلِ كما لو أنَّها عقيدة يَصعُبُ الوصول إلى قرارٍ بشأنِها، وكما لو أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُ عَنها وضِدَّها وأنَّهُ غير واضح، أو كما لو أنَّ الأمرَ يَتوقَّفُ على ما يُفَضِّلُهُ كُلُّ شخصٍ على حِدَة. والحقيقة هي أنَّ هذه العقيدة هي عُنصرٌ مُهمٌّ جِدًّا في فَهمِ الخَلاصِ بأسرِه. وهناكَ الكثير مِنَ المقاطِع الكِتابيَّة الَّتي تَتحدَّث عن ذلك حَتَّى إنَّ دراسَتَنا لها قد تُطيلُ هذه الدِّراسة أكثرَ مِمَّا ينبغي. ولكِنْ يَكفي أن نَقول إنَّني أستطيعُ في غُضونِ أسابيع قليلة أنْ أُرَسِّخَ أقدامَكُم (على ما أظُنّ) بِقُوَّة شديدة حَتَّى إنَّكم حينَ تَدرسونَ الكتابَ المقدَّسَ في المستقبل سَتَرَوْنَ هذه المقاطع المُرتبطة بهذه العقيدة، وستتمكَّنونَ مِنْ فَهْمِ هذه المقاطع الَّتي رُبَّما شَوَّشَتْكُم في وقتٍ ما بخصوصِ هذه المسألة.

وقد كنتُ أُفَكِّرُ (عندما ابتدأتُ في التَّحضيرِ لدرسِ هذهِ اللَّيلة) في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18. وهو واحدٌ مِنْ نُصوص كثيرة مُهِمَّة تَتحدَّث عن هذا الموضوع. ففي إنجيل مَتَّى 18: 12، يَقولُ يَسوع: "مَاذَا تَظُنُّونَ؟ إِنْ كَانَ لإِنْسَانٍ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَضَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا، أَفَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ عَلَى الْجِبَالِ وَيَذْهَبُ يَطْلُبُ الضَّالَّ؟ وَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ يَجِدَهُ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ أَكْثَرَ مِنَ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ الَّتِــي لَمْ تَضِلَّ. هكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ". والعبارة "هؤلاء الصِّغار" في هذا الأصحاح تَعني: المؤمنين. فإنْ رَجَعْنا إلى العدد 6 نَقرأ: "وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي...". "هكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَنَّ واحدًا مِنْ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ ... [الَّذينَ يُؤمِنونَ بِهِ] ... أنَّ مُؤمِنًا واحدًا يَهْلِك".

وَقَد أَكَّدَ رَبُّنا ذلكَ الوعدَ في نَصٍّ آخر مُهِمّ وَهُوَ إنجيل يوحنَّا والأصحاح 10. وسوفَ أُريكم نَصَّيْنِ فقط مِنْ إنجيل يوحنَّا؛ وَهُما نَصَّانِ رَئيسيَّان هُنا. ففي إنجيل يوحنَّا 10: 27، يَقولُ يسوع: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا". ولا بُدَّ أنَّ الكلمة "أَعرِفُها" تَعني أكثر مِن مُجَرَّد أنَّني أعرفُ مَن هي لأنَّ هذا يَصِحُّ على أيِّ شخصٍ وكُلِّ شخص. فمعرفَتُهُ لهم تَعني أنَّهُ يَتمتَّع بعلاقة حميمة وشخصيَّة معهم. "وأنا أَعرِفُها فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَد".

فقد قالَ يَسوع: "هكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هؤُلاَءِ الصِّغَار". وَهُوَ يَقولُ هُنا إنَّهُم لن يهْلِكوا أبدًا. "وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ". فنحنُ مَضمونونَ في يَدَيِّ الآبِ والابن.

وفي الأصحاح السَّابع عشر مِن إنجيل يوحنَّا، في تلك الصَّلاة الرَّائعة الَّتي صَلَّاها يسوعُ بِوَصْفِهِ رَئيسَ كَهَنَتِنا العَظيم (والتي أَشَرنا إليها في دراساتٍ سابقة)، يَقولُ يَسوعُ في العدد 11: "وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ". فقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ سَيَمضي إلى الصَّليب، وأنَّ خِدمَتَهُ هنا قدِ انتهت. "وَأَمَّا هؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ". وَهُوَ يُشيرُ هُنا إلى الأشخاصِ الَّذينَ يَنتمونَ إليه. "وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ".

"يا أبتاه، سوفَ أَمضي إلى الصَّليب. وسوفَ أَحمِلُ الخطيَّة. احفظُهم واجعلهم يَختبرونَ تلكَ الوَحدة الأبديَّة الَّتي أَعدَدتَها لَهُم". وفي العدد 12: "حِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ فِي الْعَالَمِ كُنْتُ أَحْفَظُهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ، وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهَلاَكِ [أيْ: "يَهوذا"] لِيَتِمَّ الْكِتَابُ". ولا شَكَّ في أنَّ يهوذا كانَ شَيطانًا منذُ البداية وليسَ مُؤمِنًا حقيقيًّا.

فليست مشيئة الآبِ أنْ يَهلِكوا. ويُتابِعُ يسوعُ صَلاتَهُ قائلاً: "وَلَن يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ يَومًا". وَهُوَ يقول: "لقد حَفِظتُهُم لكي أَضمَنَ أنَّهم لن يَهلِكوا. والآن، يا أبي، أَعْهَدُ بهم إليكَ. أنتَ احفَظهُم لكي لا يَهلِكَ مِنهم أحد". وَهُوَ يقول في العدد 15: "لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّير"؛ أيْ مِن ذاكَ الَّذي سيحاول أنْ يَسلِبَهُم أرواحَهُم، وأنْ يَسلِبَهُم إيمانَهُم، وأنْ يَسلِبَهُم خَلاصَهُم (إنْ كانَ ذلكَ مُمكِنًا).

ومِن خلالِ هذهِ الجُمَل، والكثيرِ مِنَ الجُمَل الأخرى، يجب علينا أنْ نكونَ واثِقينَ مِن أنَّ أولئكَ الَّذينَ هُم حَقًّا أولادُ اللهِ مِنْ خِلالِ إيمانِهم بالمسيح مَضمونونَ في تلكَ العلاقة إلى الأبد، ولن يَهلِكوا إلى الأبد. فإنْ كُنتَ تُؤمنُ بالرَّبِّ يسوعَ المسيح، فإنَّكَ لن تَهلِكَ إلى الأبد. فالخلاصُ هو عَطِيَّة الحياة الأبديَّة. وأولئكَ الَّذينَ يَحصلونَ عليها لن يَفقِدوها يومًا أو يَتَخَلَّوْا عنها.

وهذا أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا في فَهْمِ الخَلاص حَتَّى إنَّ العَقلَ يَعجزُ عنِ استيعابِ أنْ تكونَ هذه المَسألة مَوضِعَ جَدَل. وبالرَّغمِ مِن ذلك، هناكَ مَسيحيُّونَ كثيرونَ جدًّا، وهناكَ كثيرونَ مِنكم مِمَّنْ حُرِموا مِن حَلاوةِ تلكَ الثِّقة، وَمِمَّنْ حُرِموا مِنَ الفَرَحِ النَّابِعِ مِن تلكَ الثِّقة، وَمِمَّنْ حُرِموا مِنَ السَّلامِ النَّابعِ مِن تلكَ الثِّقة، وَمِنَ الرَّجاءِ النَّابعِ مِن تلكَ الثِّقة، وَمِنَ اليَقينِ النَّابعِ مِن تلك الثِّقة، وَمِنَ الرَّاحةِ والهدوءِ النَّابِعَيْنِ مِن تلكَ الثِّقة.

فهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ قيلَ لَهُم إنَّهم سيَهلِكونَ ما لم يَتمسَّكوا باعترافِهم، وما لم يَتمسَّكوا بإيمانهم، وما لم يَتمسَّكوا بالإيمانِ ويَستمرُّوا فيهِ بِقُوَّتِهم. وقد قُلتُ لكم في عِظَتِنا الأولى قبلَ أُسبوعَين إنَّهُ لو كانَتْ هناكَ احتماليَّة بأنْ أفقدَ خلاصي فإنَّني سأفقِدُهُ. فلو كنتُ أنا المَسؤولُ عنهُ وينبغي أنْ أتمسَّكَ بِهِ، لن أفعلَ ذلكَ لأنِّي لن أتمكَّنَ مِنَ القيامِ بذلك. فلا يُمكنني أنْ أُنشئَ خلاصي مِن خلالِ إيماني، ولا يُمكنني أنْ أُحافِظَ عليهِ بتلكَ الطَّريقة أيضًا.

فَمِنَ المُرَوِّعِ أنْ تَقولَ للنَّاسِ: "يجب عليكم أنْ تَصمُدوا". فَإلى أيِّ حَدٍّ ينبغي أنْ تَصْمُد؟ أو: "يجب أنْ تَعيشَ حَياةً بَارَّة". حسنًا، ما مِقدارُ البِرِّ الَّذي ينبغي أنْ تمْتَلِكَهُ؟ لذا فإنَّ النَّاسَ عَالِقونَ في هذا الشَّكِّ، وهذا الخَوفِ، وهذا القلقِ الَّذي لا مُبَرِّرَ لَهُ إذْ إنَّهُمْ يَتساءلونَ عنْ مَدى تَماديكَ في الخطيَّة دونَ أن تَفقدَ خلاصَك، أو عَنْ مِقدار الشَّكّ الَّذي يُمْكِنُ أنْ يَصِلَ إليهِ المرءُ مِن دونِ أنْ يَصِلَ إلى نُقطةِ الإيمانِ غيرِ المُخَلِّص.

وهذا رَفضٌ للطَّبيعة الواضحة جدًّا للخلاص، ووعد الله الواضح جدًّا. لذا فإنَّها خطيَّة بِمَعنى أنَّها تُقَلِّلُ مِن شأنِ ما فَعَلَهُ اللهُ. وهي تُقَلِّلُ مِن شأنِ الامتنان لأنَّها تَستخِفُّ بالفَهمِ، وتَستخِفُّ بالامتنان، وَتَستخِفُّ بالعِبادة.

وما يُدهشُني هو أنَّهُ في الكنائس الكارزماتيَّة الخمسينيَّة التاريخيَّة، هناكَ إنكارٌ لأبديَّة الخلاص. فهناكَ إنكارٌ لِعقيدة مُثابرة القِدِّيسين. وهناكَ إنكارٌ لعقيدة الضَّمان. وهذا يُؤثِّرُ سَلبيًّا في فَهمِهِم للخلاص، ويُؤثِّرُ سَلبيًّا في فَهمهم للتَّبرير، والتَّقديس، والاختيار. لذا فإنَّهُ استخفافٌ بالله. وَهُوَ يُؤثِّرُ سَلبيًّا في امتنانهم للهِ، وفي الفَرَحِ الَّذي ينبغي أنْ يكونَ لديهم. وبالرَّغمِ مِن ذلك، مَا يُدهشُني هو أنَّ المَشاعِرَ الَّتي يُظهِرونَها تَفوقُ المشاعِرَ الَّتي يُظْهِرُها الأشخاصِ الَّذينَ يَفهمونَ تلكَ العقيدة. وهذا يَجعَلُكَ تَشعُر أنَّهم يحاولونَ أنْ يُقنِعوا أنفُسَهُم بأنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام بالرَّغمِ مِنْ مَشاعِرِهم الحقيقيَّة.

فلأنَّهُ يجب علينا أنْ نَقبلَ بِفَرحٍ كامل وامتنانٍ كامِل كُلَّ ما يُعطينا إيَّاه، ولأنَّهُ يجب علينا أنْ نَتجاوبَ بتسبيحٍ كامل، وبعبادة كاملة مَعَ كُلِّ وُعودِ اللهِ، وأنْ نُعطيهِ المَجد عليها كُلَّها، يجب علينا أنْ نكونَ واضِحينَ بهذا الخُصوص؛ أيْ بخصوصِ أعظمِ وَعْدٍ في عقيدة الخلاص.

وأنا أُدركُ أنَّ عقيدة التَّبرير هي أعظمُ أساسٍ في كُلِّ عقائدِ الخلاص، وأنا أُدركُ رَوعةَ عقيدة المُصالحة، والفِداء، والفِدية، والتَّبَنِّي، والاهتداء، والتَّجديد. وأنا أَفهمُ كُلَّ هذهِ المُصطلحات وكُلَّ هذهِ الأمور، ولكِنْ في النِّهاية، ما يَجعلُ كُلَّ هذهِ الأمور تَمتَلِك قيمة لا تُقَدَّر بِثَمن، وتُنشِئ فَرَحًا دائمًا هو أنَّها تَدومُ إلى الأبد. فحالَما تَسْحَبُ هذا العُنصُر، تكونُ قد هَدَمْتَ كُلَّ شيء. وكما قُلتُ في الأسبوعِ الماضي، فإنَّ أيَّ فِكرة تَختصُّ بالخلاص ولكِنَّها تَتغاضَى عنِ الضَّمان هي تَشويهٌ للحَقّ. وأيُّ فِكرة عنِ الضَّمانِ تَتغاضَى عنِ المُثابَرة هي تَشويهٌ للحَقّ.

لذا، إذا كُنتَ قَد خَلَصْتَ يومًا، لا يُمكن أنْ تَهلِكَ أبدًا. ولكِن إنْ خَلَصْتَ، لا يُمكنكَ أنْ تَعيشَ حَياةً تَستَغِلُّ ذلك (كَما يَفعلُ النَّاسُ غَالبًا)، ولا يُمكنكَ أنْ تَمضي وتُخطئ كما تَشاء مِنْ مُنطَلَقِ أنَّكَ لا يُمكِن أنْ تَخسَر خَلاصَكَ. فإنْ كُنتَ قدِ اهتديتَ حَقًّا فإنَّكَ سَتُحِبُّ شريعَةَ اللهِ، وتَتوقُ إلى طَاعةِ المسيح، وتَعيشُ على هذا الأساس. وبالتَّالي فإنَّ إيمانَكَ هو إيمانٌ مُثَابِر.

فنحنُ مَضمونونَ في خلاصِنا بِفَضْلِ عَطِيَّةِ اللهِ المُتَمَثِّلة في الإيمان المُثابِر. فهو لا يُعطينا وَحَسْب إيمانًا مُخَلِّصًا كَعَطِيَّة خارقة للطَّبيعة، ثُمَّ يَحرِمُنا مِنها. ففي هذهِ الحالة سنَعْلَقُ في ذلك ونُحاوِلُ أنْ نُنشئَ إيمانَنا الخاصَّ الَّذي يُمَكِّنُنا مِنَ التَّشَبُّثِ بإيمانِنا بأنفُسِنا. ولكِنَّهُ يُعطينا إيمانًا يَتَّسِمُ بأنَّهُ عَطِيَّة دائمة ومُثابِر. لِذا، عِوَضًا عنِ التحدُّثِ عنِ الضَّمانِ الأبديِّ الَّذي يُبَيِّن حَقيقةً ولكِنَّهُ لا يُوَضِّح كيف، يجب علينا أنْ نَتحدَّثَ بالحَرِيِّ عن عقيدةِ مُثابرة القِدِّيسين بِمَعنى أنَّنا نَملِكُ إيمانًا لا يَنْحَدِرُ إلى مُستوى الشَّكِّ إلى دَرَجَةٍ يَصيرُ فيها عَدَمَ إيمان.

صحيحٌ أنَّهُ قد تأتي أوقاتٌ نَشُكُّ فيها، وقد تأتي أوقاتٌ نواجهُ فيها صِراعات، ولكِنَّ إيمانَنا لا يَنحَدِر إلى نُقطةِ الشَّكِّ النِّهائيِّ، أوِ الشَّكِّ الكاملِ والإنكار. فنحنُ مَضمونونَ مِن خلالِ نَفسِ الإيمانِ الخارق للطَّبيعة الَّذي أُعطِيَ لنا حَتَّى يَجعَلَنا نُؤمِنُ إيمانًا مُخَلِّصًا. ونحنُ مَحفوظونَ مِنْ خِلالِ العَطِيَّة المُتَمَثِّلة في نَفسِ ذلكَ الإيمانِ الخارق للطَّبيعة. فالخلاصُ لا يَفْنَى لأنَّ الإيمانَ لا يَفنى إنْ كانَ إيمانًا حَصَلنا عليهِ مِنَ الله.

وفي هذا المساء، لكي نَرى ذلك، أريدُ منكم أن تَفتحوا على رسالة بطرس الأولى والأصحاح الأوَّل. وقد أعطينا مُقَدِّمة لهذا المقطع في المَرَّة السابقة. وأودُّ أنْ أتوسَّعَ في دراسَتِه في هذا المساء. رسالة بطرس الأولى 1: 3-9. وأرجو أن نتمكَّنَ مِنَ التَّأمُّلِ في كُلِّ هذِهِ الآيات. والآن، إنَّ هذه الرسالة الرائعة تبتدئ بعقيدة الاختيار. ففي العدد 1، نحنُ "مُختارون". ثُمَّ إنَّها تَنتقل إلى الحديثِ عن عمل التَّقديس الَّذي يقومُ بهِ الرُّوح "فِي تَقْدِيسِ الرُّوحِ لِلطَّاعَةِ، وَرَشِّ دَمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ".

لِذا، مِنَ الواضح أنَّها رسالة مُوجَّهة إلى المُختارين؛ أي إلى أولئكَ الَّذينَ تَقَدَّسوا بالرُّوح مِن خلال التَّبرير بهدفِ التَّمجيد. وَهُوَ يأتي في العدد 3 ويبتدئ في تَفصيلِ بَرَكَةِ هذا الخلاص الَّذي ابتدأَ منذُ الأزَلِ السَّحيقِ بالاختيار، وتَحَقَّقَ عَبْرَ الزَّمَن مِن خلال عمل التَّقديس الَّذي يقوم به الرُّوح في حياتِنا، والذي يُنشئُ خُضوعًا لِرُبوبيَّة المسيح. وأودُّ منكم أن تُلاحظوا أينَ يَبتدئ. فكأنَّ بطرس يقول: "أنا أُقِرُّ بأنَّكم المُختارون. وأنا أُقِرُّ بأنَّكم أولئكَ الَّذينَ اختارَهُمُ اللهُ، والذي أَفرَزَهُم الرُّوحُ مِنَ الخطيَّة إلى الله. وأنا أُقِرُّ بأنَّكم أولئكَ الَّذينَ يُطيعونَ يسوعَ المسيح. وأنا أُقِرُّ بأنَّكم قَبِلتُم النِّعمة والسَّلام بِفَيْض".

وَهُوَ يقولُ حالاً: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". وقد كانَ بمقدورِهِ أن يقول: "على عَقيدة الاختيار، وعلى حَقِّ التَّبرير، وعلى حَقِّ التَّقديس، وعلى حَقِّ التَّمجيد، وعلى فِدائِنا، وعلى تَجديدِنا"، أو أيًّا مِن هذه الألفاظ المَجيدة. ولكِن لاحِظوا ما يقول: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". وهذه حَمْدَلَة. فهي تَسْبِحَة تَجاوُبًا معَ خَلاصِنا.

"الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ" [وَهُنا تأتي الجُملة الرَّئيسيَّة]، "أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ. الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ". وما الَّذي تَبتهِجونَ بِهِ؟ أنتُم تبتهجونَ بحقيقة أنَّكم تَمتلكونَ رجاءً حَيًّا، وأنَّكم تَملكونَ ميراثًا لا يَفنى ولا يَتَدَنَّس ولا يَضْمَحِلّ، مَحفوظٌ الآنَ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، وأنَّكم مَحروسونَ بقوَّةِ اللهِ مِن خلالِ الإيمان.

"الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ إِنْ كَانَ يَجِبُ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ، نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوس".

فبُطرس يقول: "انظروا! إنَّ الشيءَ الَّذي يُنشئُ الفرح، والشَّيءَ الَّذي تَبتهجونَ به كثيرًا، والشَّيءَ الَّذي يَجعلُكم تُسَبِّحونَ اللهَ وتُمَجِّدونَهُ وتُعَظِّمونَهُ، والشَّيءَ الَّذي يَجعلُكم تَبتهجونَ بِفرحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيد هو أنَّ غايةَ إيمانِكُم هي الخلاص الكامل والنِّهائيّ المحفوظ لأجلكم عندَ مجيءِ يسوعَ المسيح، عندَ استعلان يسوعَ المسيح". وهذه هي النُّقطة الرَّئيسيَّة. وهذا هو المقطع الَّذي يُخبرُني أكثرَ مِن أيِّ مَقطعٍ آخر في الكتابِ المقدَّس كيفَ أنَّ أَهَمِّ شيءٍ في كُلِّ المواضيعِ المُختصَّة بالخلاص هو هذه المسألة المُختصَّة بالمُثابرة. والعبارة المِفتاحيَّة الَّتي ينبغي أنْ تَضَعوا خَطًّا تَحتَها موجودة في العدد 5: "أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ".

والآن، نَقرأ في العدد 1 أنَّ بُطرس يَكتُب إلى المُتَغَرِّبين. وهذا يعني: إلى المسيحيِّينَ الَّذين يَعيشونَ في العالم بوصفِهِم مُتَغَرِّبين (كما هي حَالُنا نحنُ الآنَ في هذا العالَم). وَهُمُ المسيحيُّونَ أوِ المؤمنونَ المختارونَ الَّذينَ تَمَّ تقديسُهم بواسطة الرُّوح (وهذا يَشمَلُ خَلاصَهُم وتَقديسَهُم المستمرّ)، والَّذينَ يُطيعونَ المسيح، والَّذين تَمَّ رَشُّهُم بِدَمِهِ، أيِ الَّذينَ قَطَعوا مَعَهُ عهدَ طَاعة.

وَهُوَ يَكتب إلى هؤلاءِ المؤمنين المُشَتَّتينَ في بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَأَسِيَّا وَبِيثِينِيَّةَ. وَهذهِ كُلُّها أجزاء أُمَمِيَّة مِنَ العالَم. وَهُوَ يَكتُب لا فقط إلى المؤمنينَ المُشَتَّتين، بل إنَّهم يَشعرونَ بوجودِ اضطهادٍ خطير. ففي الأصحاح الثاني، والأصحاح الثالث، والأصحاح الرابع، وحتَّى في أجزاءٍ مِنَ الأصحاح الخامس، هناكَ إشارات إلى آلامِهم. لذا فإنَّ بطرس يَكتُب إلى المؤمنين المُشَتَّتين في أسيَّا الصُّغرى (الَّتي هي تُركيَّا حاليًّا). فَهُم يواجهونَ اضطهادًا عنيفًا. وفي بعضِ الحالاتِ، إنَّهم يواجهونَ الموتَ والاستشهاد. وهؤلاءِ المؤمنون لديهم خوف طبيعيّ على حياتِهم، وخوف على أمانَتِهم.

والآن، تَذَكَّروا أنَّهم لا يَملكونَ كِتابًا مُقَدَّسًا. فَهُم لا يَملكونَ أسفارًا مُقَدَّسة، وَلا يَعرفونَ بالضَّرورة عقيدة مُثابَرة القِدِّيسين. لذا، يجب تَعليمُهم. ضَعوا أنفُسَكُم مَكانَهم. فقد جئتم إلى المسيح. وأنتم تعيشونَ في عالَمٍ أُمَمِيّ. وأنتم تعرفونَ فقط الإنجيلَ الَّذي سَمِعتموه، والذي تَعَلَّمتموه. فأنتُم في أفضلِ الأحوالِ مُبتدئون. وأنتم حَديثو الإيمان. وأنتم تَشعرونَ بِغَضَبِ العالمِ مِن حولكم، وبضغطِ العالمِ مِن حولكم، وأنتم تَشعرونَ الآنَ أيضًا بالعداوة المُتزايدة ضِدَّ الإيمان. وأنتم تَرَونَ الآخرينَ يُضطهَدون، ورُبَّما رأيتم أنَّ البعضَ استَشهَدوا. وأنتم تتساءلونَ إنْ كانَ إيمانكم سيَصمدُ في وَجْهِ ذلكَ الامتحان.

وهذا أمرٌ ليسَ بَعيدَ الاحتمالِ جِدًّا. أليسَ كذلك؟ وأعتقد أنَّكم سألتم أنفُسَكُم ذلك السُّؤال. فقد سألتُ نَفسي ذلكَ السُّؤال طَوالَ حياتي: ماذا سأفعل إنْ كنتُ أقِفُ أمامَ مِنَصَّةِ الإعدام، أو إنْ كنتُ أقفُ هناكَ أمامَ المِقصَلة الَّتي سَيَضعونَ رأسي فيها ويَقطعونَه؟ ماذا سأفعل؟ وماذا سأفعل إنْ عَذَّبوني بطريقة مُريعة؟ مِن خلالِ كُلِّ ما أعرِف، أعتقد في هذهِ النُّقطة تحديدًا أنَّ رُوحَ اللهِ سَيُتَمِّم عَمَلَهُ فِيَّ وأنَّني سأصمُدُ في الامتحان وأجتازُ الامتحان. ولكِن لو لم أكُن أعلَمُ ما تَقولُهُ كلمةُ اللهِ عن ذلك، وكنتُ أتَّكِلُ وَحَسْب على مَقدرتي الذَّاتيَّة في اجتيازِ ذلكَ الامتحان القاسي، قد أبتدئ في التَّساؤل إنْ كُنتُ سأجتازُ يومًا ذلكَ الامتحان.

لذا، نحنُ نَقرأُ هنا عن مُؤمِنينَ حَديثي الإيمان. وَمِنَ الطَّبيعيِّ جدًّا بالنِّسبة إليهم أنْ لا يَثِقوا بإيمانهم، وأنْ لا يَثِقوا بِقُوَّتِهم. وَهُم مُتَغَرِّبونَ في العالَم. وَهُم مُواطِنونَ سَماوِيُّون. وبُطرسُ يَدعوهُم كَهنوتًا مُلوكيًّا، وحِجارةً حَيَّةً في هَيكلِ اللهِ، وشَعبَ اقْتِناءٍ للهِ. فَهُم يَنتمونَ إليهِ. وهناكَ شيءٌ مُقَدَّسٌ وهو أنَّهُ لا حاجةَ إلى أنْ يَخافوا. ولا حاجة إلى أنْ يَرتعبوا، ولا حاجة إلى أنْ يَضطربوا بسببِ الاضطهاد. فَلا حاجة تَدعوهم إلى الخوف مِن أنَّ إيمانَهُم سيَفشَل عندَ الامتحان.

والحقيقة هي أنَّهُ يقولُ في العدد 7: "مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ...تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ [في العدد 6] لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح". بعبارة أخرى، فإنَّهُ يَقولُ لَهُم: "عندما تُمتَحَنونَ وتُمَحَّصونَ في النَّار، فإنَّ إيمانَكُم الحقيقيَّ سَيُثْبِتُ نَفسَهُ بِنَفسِه". فهو بِعَكسِ مَا تَظُنُّون. فقد أُعطيتُم نَوعًا مِنَ الإيمانِ يَزدادُ تَألُّقًا في النَّار. ونَقرأ في العدد 5: "أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ بِإِيمَانٍ". وفي العدد 8: "وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ". وفي العدد 9: "نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوسِ".

وهذا هو ما نَتحدَّثُ عَنهُ. فهي عقيدة مُثابَرة القِدِّيسين. أو يُمكننا أنْ نَقولَ إنَّهُ "الإيمانُ المُثَابِر" أو "الإيمان الَّذي يُثَابِر". فقد كانوا مَحروسينَ بقوَّةِ اللهِ مِنْ خِلالِ الإيمانِ الَّذي وَهَبَهُم إيَّاه. فلا حاجةَ إلى أنْ تَقولَ للنَّاسِ: "حسنًا، إنْ تَمَكَّنتَ مِنَ الاستمرارِ في الإيمانِ، يُمكنُكَ أنْ تَستمرَّ في التَّمَتُّعِ بالخلاص". فليسَ بِمَقدوري أنْ أكونَ مُخَلَّصًا بإيماني الذَّاتيّ. ولا يُمكنُني أنْ أكونَ مَحفوظًا بإيماني الذَّاتيّ. لِذا فقد قُلتُ إنَّهُ لو كانَ سُقوطي مُمكِنًا فإنَّني سأسقُط. ولكِن لا يُمكن أنْ أسقُط لأنَّني أمتلِك إيمانًا وَهَبَهُ اللهُ لي.

والمسألة مُشابهة جدًّا في رسالة يَهوذا. وأنا واثِقٌ أنَّ التَّعليم الَّذي تَعَلَّمتُموه مِن رسالة يهوذا ما زالَ حَيًّا في أذهانِكُم: "يَهُوذَا، عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَخُو يَعْقُوبَ، إِلَى الْمَدْعُوِّينَ الْمُقَدَّسِينَ فِي اللهِ الآبِ، وَالْمَحْفُوظِينَ [والمَحفوظينَ] لِيَسُوعَ الْمَسِيح".

والآن، لقد كانَ هؤلاءِ النَّاس الَّذينَ كَتَبَ إليهم يَهوذا يَشعرونَ بخوفٍ شديد لأنَّهم كانوا يَعيشونَ في عَالَمٍ مُمتلئٍ بالتَّعليمِ الخاطئ. وقد قيلَ لهم أنْ يَذهبوا ويَكرِزوا للأشخاصِ الَّذينَ يعيشونَ في أنظمة دينيَّة زائفة. وقد كانَ ذلكَ العملُ خَطِرًا إذْ نَقرأُ في العدد 23: "اخْطَفوا النَّاسَ مِنَ النَّار". ويجب أنْ تَفعلوا ذلكَ "بِخَوف ... مُبْغِضِينَ حَتَّى الثَّوْبَ الْمُدَنَّسَ مِنَ الْجَسَدِ". فإنِ اقتربتُم مِنَ العقيدة الزَّائفة، قد تَتَدَنَّسونَ بها. ورُبَّما كانوا يَتساءلون: "هل يُعقلُ أنْ نَدخُلَ ذلكَ العالَم المُمتلئ بالعقيدة الزَّائفة وأنْ نَخرُجَ مِنْهُ مِنْ دونِ أنْ نَتَدَنَّس؟" لِذا فإنَّهُ يَقولُ في نهاية رسالة يَهوذا: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ". فأنتُم المُختارونَ. وأنتُم المَحفوظونَ. وأنتُم لن تَسقُطوا.

ولو كانَ بُطرسُ يُؤمِن (وكانَ ذلكَ صَحيحًا) أنَّ المؤمنينَ يُمكن أنْ يَخسروا خلاصهم، لَكانَ ينبغي لَهُ أنْ يَقولَ كَلامًا مُختلفًا جدًّا عن هذا. ولو كانَ المؤمنونَ هناكَ قَلِقينَ بخصوصِ ما إذا كانوا سَيَنجونَ مِنَ الاضطهادِ، وقَلِقينَ بخصوصِ ما إذا كانوا سَيَنجونَ مِنَ الاستشهادِ، وقَلِقينَ بخصوصِ ما إذا كانَ إيمانُهم سَيَصمُد، وكانَ الأمرُ مُتوقِّفًا حقًّا عليهم، لكانَ بُطرسُ قد كَتَبَ هذه الرِّسالة بطريقة مُختلفة تمامًا قائلاً: "تَمَسَّكوا يا رِفاق. تَمَسَّكوا. لا تَتركوا الإيمان. كونوا أُمناء. كونوا صَادقين". ولكِنَّهُ يَقولُ: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ". فَالأمرُ كُلُّهُ بينَ يَديه. الَّذي اختارَكُم، والذي عَرَفَكُم، والذي قَدَّسَكُم، والذي أعطاكُم النِّعمة والسَّلام بِالتَّمام. فالأمرُ كُلُّهُ بينَ يَديه. "الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ...لِمِيرَاثٍ لاَ يَضْمَحِلُّ. ... أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ". إلخ، إلخ، إلخ.

فلو كانَ هذا الأمرُ مُتوقِّفًا عليهم، لما كانَ بِمقدورِكَ أنْ تَقولَ هذا كُلَّهُ. ولكِنَّ بُطرسَ لا يُقَدِّمُ لهم جُرْعاتٍ مِنَ التَّعاطُف قائلاً: "أَجَل، إنَّني أَفْهَمُ وَضْعَكُم. تَمَسَّكوا. تَشَبَّثوا". وَهُوَ لا يُشيرُ إلى أنَّ مَخاوِفَهُم مَشروعة، بل إنَّهُ يُشيرُ بالحَرِيِّ إلى أنَّهُم في مَأمَنٍ تَامٍّ. فَهُم قد يَفقدونَ كُلَّ مُمتلكاتِهم الأرضيَّة وحياتَهم، ولكِنَّهم لن يَفقدوا يومًا خَلاصَهُم. فميراثُهم السَّماوِيُّ ثابتٌ ومَضمونٌ مِنَ الله. وإيمانُهُم سيَصمُد في أيِّ ظَرفٍ وكُلِّ ظَرفٍ لأنَّ ذلكَ الإيمانَ ليسَ إيمانًا طبيعيًّا، بل إنَّهُ عَطِيَّة مِنَ الله. وَهُوَ إيمانٌ خارقٌ للطَّبيعة. وَمَحَبَّتُهم للمسيح سَتَصمُد في وَجْهِ كُلِّ الهَجَماتِ ولن تَسقُطَ أبدًا.

انظروا قليلاً إلى الكلمة "مَحروسون" في العدد 5. فهي كلمة قويَّة: "فرورومينوس" (phrouroumenous)، "فرورومينوس". وهو لَفْظٌ عَسكريّ. وهو يُشيرُ إلى الحِراسة مِنْ قِبَل جُنود (بصيغة المُضارع)، وإلى الوجودِ الدَّائم تحتَ حِراسةِ قُوَّة فَعَّالة حَامِية. فالأشخاصُ الَّذينَ يَنتمونَ إلى اللهِ مَحروسونَ دائمًا مِنْ كُلِّ الأعداءِ حَتَّى انتهاءِ الحربِ وَتَحقيقِ النَّصر. "مَحروسونَ" (في العدد 5) بِقُوَّةِ اللهِ ... بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ".

فنحنُ نَقولُ غالبًا: "لقد نِلْتُ الخَلاصَ قبلَ عِشرينَ سنة"، أو: "لقد نِلْتُ الخَلاصَ قبلَ سَنَتَيْن"، أو: "لقد نِلْتُ الخَلاصَ قبلَ ثلاثة أشهُر". وهذا صحيح. وَمِنَ الصَّوابِ أيضًا أنْ تَقول: "أنا أَقرَبُ الآنَ مِنْ خَلاصي أكثرَ مِنْ أيِّ وَقتٍ سَبَق". فهذا صحيح. فقد خَلَصْتُ مِنْ عُقوبةِ الخطيَّة في الماضي عندما آمَنْتُ، وَعندما حُسِبَ بِرُّ المسيحِ لي، وَحُسِبَتْ خَطايايَ عَليهِ. فقد خَلَصْتُ". وَمِنَ الصَّوابِ أيْضًا أنْ تَقول: "أنا مُخَلَّصٌ. فقد خَلَصْتُ مِنْ عُقوبةِ الخطيَّة. وأنا مُخَلَّصٌ حَاليًّا مِن سُلطان الخطيَّة الَّتي لم يَعُد لها سُلطانٌ عَلَيَّ. ولكِن هناكَ عُنصرٌ في خَلاصي لم يَتحقَّق بعد. لذا فإنَّني أَقرَبُ الآنَ مِنْ خلاصي مِنْ أيِّ وَقتٍ مَضى. فسوفَ أَخْلُصُ مِنْ وُجودِ الخَطِيَّة تَمامًا".

فالخلاصُ الَّذي قَرَّرَ اللهُ قبلَ تأسيسِ العالَم أنْ يُعطيني إيَّاه لن يَكتَمِل إلَّا عندما يَتِمّ ذلكَ العُنصُر الأخير. فهو لا يَبتدئ في تَخليصِ النَّاسِ ثُمَّ يَتوقَّف. فبولس يقول: "وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا [ماذا؟] يُكَمِّل". فقد كُنَّا وما نَزالُ مَحروسينَ لخلاصٍ لم يُعلَن بعد. ولا أدري كيفَ يُمكنُ أنْ تَقولوا ذلكَ بعباراتٍ أقوى مِن هذه. مَحروسونَ بماذا؟ بِقُوَّةِ اللهِ. وما هي الوسيلة؟ مِن خلالِ الإيمانِ لأجلِ ذلكَ الخلاص الَّذي هُوَ مَجْدُنا الأبديُّ.

واسمحوا لي أنْ أُجَزِّئَ هذا النَّصَّ لَكُم. وأنا لن أُقَدِّمَ لكم تفاصيلَ كثيرة، ولكنِّي أريدُ منكم أنْ تَفهموا هذا النَّصَّ لأنَّهُ رائعٌ جدًّا. فسوفَ أُريكم سِتَّ طُرُق تَتَمَتَّعونَ فيها بالحماية. سِتَّ طُرُق. وقد لَخَّصُتها لكم للتَّوّ بصورة رئيسيَّة، ولكنِّي سأُفَصِّلُها لكم قليلاً. فهناكَ سِتُّ طُرُق تَتَمَتَّعونَ فيها بالحماية:

أوَّلاً، نحنُ مَحميُّونَ مِن خلالِ رَجاءٍ حَيٍّ. فهناكَ سِتُّ طُرُق نَعلمُ أنَّنا نَتمتَّعُ بالحماية مِن خلالها. الأولى هي الرَّجاء الحَيّ إذْ نقرأ في العدد الثَّالث: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَات".

فقد وُلِدنا ثانيةً. وقد تَجَدَّدنا. وقد وُهِبْنا حياةً جديدة. وهي حياةُ الله. وهي حياة أبديَّة. وهي ليست حياةً لها مُدَّة مُعَيَّنة، بل هي حياة مِن نوعٍ آخر. فهي حياةُ اللهِ فينا. فقد وُلِدنا ثانيةً لنعيشَ هذهِ الحياة الجديدة. وفي هذه الحياة الجديدة فإنَّنا نَختبِر (كَجُزءٍ مِن تلكَ الحياةِ) رَجاءً حَيًّا. فَكُلُّ شيءٍ في حياتِنا الجديدة حَيٌّ بطريقة رُوحيَّة خارقة للطَّبيعة. فَفَرَحُنا هُوَ فَرَحٌ حَيٌّ. وسَلامُنا هُوَ سَلامٌ حَيٌّ. ورَجاؤُنا هُوَ رَجاءٌ حَيٌّ. وما مَعنى ذلك؟ إنَّهُ عَكسُ الرَّجاءِ الَّذي يَموت. فهو لا يُمكن أنْ يَموت. فنحنُ لا نَملِكُ رَجاءً يَموت، بل رَجاءً حَيًّا.

ونَقرأُ في العدد 13 مِن هذا الأَصحاحِ نَفسِه: "مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ، فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح". تَوَقَّفوا عنِ القلقِ بخصوصِ ما إذا كنتم ستَتمكَّنونَ مِنَ اجتيازِ الألم. وتوقَّفوا عنِ القلقِ بخصوصِ ما إذا كنتم ستتمكَّنونَ مِنَ الوقوفِ أمامَ مَحكمة بَشريَّة وَمِنَ الثَّباتِ في إيمانِكُم وشَهادَتِكُم لأجلِ يسوعَ المسيح في تلك السَّاعة. تَوقَّفوا عنِ الخوفِ مِن ذلك وَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيح. عيشوا في الرَّجاء. فهذا رَجاءٌ لا يُمكن أنْ يَموت لأنَّ هذه حياة لا يُمكن أن تَموت.

ونَقرأُ في رسالة تسالونيكي الثَّانية 2: 16 ... 2: 16: "وَرَبُّنَا نَفْسُهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، وَاللهُ أَبُونَا الَّذِي أَحَبَّنَا وَأَعْطَانَا عَزَاءً أَبَدِيًّا وَرَجَاءً صَالِحًا بِالنِّعْمَةِ، يُعَزِّي قُلُوبَكُمْ وَيُثَبِّتُكُمْ". فعندما تَعيشُ في هذا العالَم، لا يَنبغي أن تَعيشَ في خوف، أو قلق، أو ذُعر، أو هَمّ لأنَّ الشَّيطانَ سيَحرِمُكَ مِن خلاصِك، أو لأنَّكَ سَتَفقِدُ خَلاصَكَ بطريقةٍ ما. فاللهُ لا يُريدُ مِنكَ أنْ تَعيشَ بتلك الطريقة. فهو يُحِبُّك. وقد أعطاكَ عَزاءً أبديًّا ورجاءً صَالحًا بالنِّعمة. لذا، عَزُّوا قُلوبَكُم وَقَوُّوها بهذا الحَقِّ.

وفي رسالة رُومية والأصحاح الخامس، نَجِدُ أنَّ الأعدادَ الافتتاحيَّة القليلة في ذلك الأصحاح تَحْتَفي بهذا الرَّجاء: "فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ". فنحنُ نُقيمُ الآنَ في النِّعمة. والنِّعمةُ تَستُرُ كُلَّ خَطايانا. وَهُوَ يقول: "وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ". وَهُوَ يقول في العدد 5: "وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي". فاللهُ لم يُعْطِكَ رَجاءً يمكن أن يَموت، بل أَعطاكَ رَجاءً حَيًّا.

وفي رسالة كولوسي 1: 3، يَقولُ بولس: "نَشْكُرُ اللهَ وَأَبَا رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، مُصَلِّينَ لأَجْلِكُمْ، إِذْ سَمِعْنَا إِيمَانَكُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، وَمَحَبَّتَكُمْ لِجَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مِنْ أَجْلِ الرَّجَاءِ الْمَوْضُوعِ لَكُمْ فِي السَّمَاوَاتِ". فنحنُ نَشكُرُ اللهَ لأجلكم مِنْ أجلِ الرَّجاءِ الأبديِّ الَّذي لَكُم. فهو رَجاءٌ حَيٌّ دائمًا ولا يَموت.

ونَقرأُ في رسالة تِيطُس 1: 1 هذهِ الكلماتِ الرَّائعة جدًّا: "بُولُسُ، عَبْدُ اللهِ، وَرَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، لأَجْلِ إِيمَانِ مُخْتَارِي اللهِ وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ، الَّذِي هُوَ حَسَبُ التَّقْوَى [ثُمَّ استمعوا إلى هذه الكلمات] "عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ [ثُمَّ استمعوا إلى العبارة التَّالية] قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ". فقبلَ حَتَّى أنْ تُوجَد، وقبلَ أنْ تكونَ هناكَ خَليقة، وَعَدَ اللهُ بالحياةِ الأبديَّة. وَهُوَ مُنَزَّهٌ عنِ الكَذِب. ونَقرأُ في رسالة تيطُس 2: 13: "مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيح".

نحنُ، يا أحبَّائي، مَحروسونَ بذلكَ الرَّجاءِ الحَيِّ. وعلى النَّقيضِ مِنَ الآمال البَشريَّة الَّتي تَتَلاشى وتَموت، فإنَّ هذا الرَّجاءَ لا يَضمَحِلُّ، ولا يَموتُ، ولا يُخَيِّب أَمَلَنا. ونَقرأ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 6: 19: "الَّذِي هُوَ لَنَا كَمِرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ مُؤْتَمَنَةٍ وَثَابِتَةٍ". فرَجاؤُنا لا يمكن أنْ يَموت لأنَّ إيمانَنا لا يُمكن أنْ يَفنَى.

والآن، لاحظِوا مَرَّةً أخرى (عندَ العودة إلى ما قالَهُ بُطرس في العدد الثَّالث) أنَّنا نَمْلِكُ رَجاءً حَيًّا مَضمونًا بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَات". فَكُلُّ حياتِنا الأبديَّة مَضمونَة بِموتِهِ الغَالِب. ولكِن لاحظوا ما جاءَ في العدد 4: "لِمِيرَاثٍ [وهذا هُوَ رَجاؤُنا] لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ".

وَكَمْ أُحِبُّ حقيقةَ أنَّ الكاتِبَ لا يَكتفي بِذِكرِ جُملة واحدة فقط، بل يُريدُ أنْ يَذكُرَ أرْبَعَ جُمَلٍ لأجلِ المُتَشَكِّكين. فيكفي أنْ يَقول: "أنتم تَمتلكونَ رجاءً حَيًّا بقيامةِ يسوعَ المسيحِ مِنَ الأمواتِ مِن أجلِ الحُصولِ على مِيراث". حسنًا؟ فإنْ كنتُ سأحصلُ على ميراثٍ، هذا يَكفيني. ولكِنَّهُ يُضيفُ قائلاً: "لا يَفْنَى" في حالِ أنَّكُم تَتساءلون. وإنْ كنتم ما زِلتُم تتساءلون فإنَّهُ يَقولُ: "لا يَتَدَنَّس". وإنْ كنتم ما زِلتُم تتساءلون فإنَّهُ يَقولُ: "ولا يَضْمَحِلُّ". وإنْ كنتم ما زِلتُم تتساءلون فإنَّهُ يَقولُ: "مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ".

وما أعنيهِ هو أنَّهُ لا مُبَرِّرَ البَتَّة لأنْ تقولَ: "ولكِن .. ولكِن .. ولكِن .. ولكِن .. ولكِن". فهناكَ مِيراثٌ مَضمونٌ لنا لا يَفنَى "أفثارتوس" (aphthartos)، ولا يُمكِن أنْ يَتَدَنَّس، ولا يُمكِن أنْ يَضْمَحِلّ. وهذه الكلمة قد تَعني: "غير قابل للسَّلْبِ مِنْ قِبَلِ أيِّ عَدُوٍّ". "وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي" (كما جاءَ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 10)، أو كما جاءَ في رسالة رومية والأصحاح 8: "مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ؟" فاللهُ قد بَرَّرَنا.

فميراثُنا لا يُمكن أنْ يُسلَب، ولا يُمكِن أن يُسْرَقَ مِنْ أيِّ عَدُوٍّ، ولا مِن إبليسَ، ولا مِنَ الشَّياطين. فهو أبديٌّ. وَهُوَ لا يَفنى. وَهُوَ مَحميٌّ مِنَ الله. ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ الكلمة "لا يَتَدَنَّس" ("أميانتوس" – “amiantos”). فهو لا يَتَلَوَّث، وليسَ عُرْضَةً للفساد، ولا يُمكن أنْ يَسقط. ثُمَّ إنَّهُ يُضيفُ الكلمة "أمارانتوس" (amarantos)، أيْ: "لا يَضْمَحِلّ". فهو لا يمكن أنْ يَزول. فَهو يقولُ ذلكَ بِكُلِّ الطُّرُق المُمكِنَة.

وقد رأينا جميعًا اليونانَ في الفترة الأخيرة بسببِ الألعابِ الأولمبيَّة هناك؛ وهي نَظرة مُدهشة للحياة البشريَّة بِكُلِّ تأكيد. وفي إحدى جُزُر اليونان قبلَ سَنواتٍ، كانَ العُمَّالُ يَحفرونَ تحتَ الأرض في منطقة قُبور قديمة فَعَثروا على تَابوتٍ بَديعٍ مَصنوعٍ مِنَ الرُّخام؛ وهو تابوتٌ كانوا يَضعونَ فيهِ الجُثثَ في الأزمنة القديمة. وقد عَثَرَ العُمَّالُ على نَقشٍ باللُّغة اليونانيَّة (بِحَسَبِ قَولِ أحدُ المُؤرِّخين) يقول: "هُنا دُفِنَ جَسَد كيريسكو [Chrysohoe]، الابنة الوحيدة ذات الشَّعر الذَّهبيّ لِسوبايروس [Sopyrus]، مَلِك مايلو [Milo]".

وعندما رُفِعَ غِطاء التَّابوت وَسَطَعَ النُّورُ في الدَّاخل، رأى الحاضرونَ مَنظرًا عَجيبًا تَرَكَهُم في عَجَبٍ وَدَهشة. فقد كانَتْ تَرقُدُ في هذا التابوت المَختوم (الَّذي فُتِحَ الآن) الأميرة المُحَنَّطة الَّتي تَرتدي ثِيابًا بَديعةً ومُزَيَّنة بالحِلِيِّ القديمة. وقد قِيلَ إنَّ شَعرها كانَ طويلاً جِدًّا ورائعًا، وإنَّهُ كانَ مَربوطًا بِحَلْقَة ذَهبيَّة تَجْعَلُهُ يُشَكِّلُ إطارًا يَنْسابُ حولَ وَجْهِها وَجَانِبَيْها.

فبعدَ رُقادٍ دامَ نَحْوَ ثلاثة آلاف سنة، بَدَتْ تلكَ الأميرة نَضِرة وجميلة كما لو أنَّها دُفِنَتْ قبلَ أيَّام قليلة فقط. ولكِنَّ الكاتِبَ يَقول: "في حين كانَ الحاضرونَ الفَرِحونَ يَنظرونَ في دهشة شديدة إلى هذا المشهدِ البَديع، دَخَلَ الهواءُ العَليلُ إلى التَّابوت. وفجأةً، تَحَطَّمَ هذا المشهد البديع وصارَ رَمادًا. ولم يَبْقَ في ذلكَ التَّابوت الرُّخاميّ البارد سِوى حَفنة مِنَ الرَّماد تَختَلِطُ بالمُجَوهرات.

وهكذا هي حالُ الجمالِ الأرضيِّ والفَرَحِ الأرضيّ. فهو كُلُّهُ يَزولُ بسهولة. ولكِنَّ هذا لا يَسري على مِيراثِنا السَّماويّ. فكُلُّ شيءٍ في هذه الحياة مُعَرَّض للفساد. وكُلُّ شيءٍ في هذه الحياة مُعَرَّض للتَّلَف، ومُعَرَّض للزَّوال. ولكِنَّ خلاصَنا لا يَفنى، ولا يَتَدَنَّس، ولا يَضْمَحِلّ. لماذا؟ لأنَّهُ ليسَ جُزءًا مِن هذا العالَم. وهو ليسَ بَشريًّا. وبُطرسُ يَقولُ ذلك. ارجعوا إلى الوراء: "مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ".

ولأنَّهُ مَحفوظٌ، فإنَّهُ لا يَتَدَنَّس. فهو لا يُمكِن أنْ يَفسَد. وَهُوَ خَارِج نِطاق الفساد. فهو مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ. وفي السَّماءِ، لا يوجد فَساد. أليسَ كذلك؟

وذلكَ الفِعْل: "مَحفوظ" يَرِد بِصيغةِ اسم المَفعول التَّامّ المُشتقَّة مِنَ الفعل "تيريئو" (tereo) ومَعناهُ: "يَحفَظ" أوْ "يَحرُس". وصيغةُ المَفعول التَّامّ تَعني أنَّهُ كانَ وما يَزالُ مَحفوظًا هُناكَ في أكثرِ مَكانٍ آمِنٍ في الكَون ... في السَّماء. وهل تَذكرونَ كلماتِ يَسوع الَّتي اقتبسناها في هذا الصَّباح؟ "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ". فأكثرُ مَكانٍ آمِنٍ في الكون هو السَّماء. أليسَ كذلك؟ وَهُناكَ يُوجَدُ ميراثُكُم الأبديُّ مَحفوظًا.

وَهُوَ مَحفوظٌ هناكَ لكي "يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير". انظروا إلى العدد الخامِس: "لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير". لِخَلاصٍ مُسْتَعَدٍّ ("هيتويموس" – “hetoimos”) ومعَناها: "حَاضِرٌ" أو "جاهزٌ" أو "مُتأهِّبٌ". وتُتَرْجَم هذه الكلمة في رسالة كورِنثوس الثانية 10: 16 على النَّحوِ التَّالي: "بِالأُمُورِ الْمُعَدَّة". فهو أمرٌ تَمَّ فِعلاً. وعندما قالَ يسوعُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 14: "وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا"، ما الَّذي قَصَدَهُ؟ "أرجو أنْ تَأتوا؛ وإلَّا فإنَّني سأُؤجِّرُهُ لأشخاصٍ آخرين؟" حيثُ إنَّهُ سَيُعَدُّ لكم مكانًا، فإنَّهُ يقول: "آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ. ولن يكونَ هناكَ أيُّ شخصٍ بَدَلاً عنكم، بل أنتُم فقط لأنَّني أُعِدُّ هذا المَكانَ لكم".

فنحنُ مَحفوظونَ إلى أنْ يُعْلَنَ الخلاصُ الَّذي سَيَتِمُّ في الزَّمان الأخير عندما نَلتقي وجهًا لوجهٍ معَ الرَّبِّ (إمَّا مِن خلالِ الموتِ أوْ مِن خلالِ مَجيئِهِ الثّاني) لكي نَحصل على الميراث الَّذي هو الآن في هذه اللَّحظة جاهزٌ، وحاضِرٌ، ومُعَدٌّ، ويَنتظرُ وُصولَنا. ولن تكونَ هناكَ أماكِن شاغرة كثيرة في بيتِ الآب لأنَّ الأشخاصَ الَّذينَ أُعِدَّتْ لهم لم يأتوا.

والكلمة "مَحروسون" هي لَفظٌ عَسكريّ. وصِيغَةُ الفعلِ تُشيرُ إلى عَمَلٍ مُستمرّ؛ أيْ: "مَحروسونَ دائمًا". مَحروسونَ دائمًا. ومَحروسونَ مِنْ خِلالِ الإيمان. ضَعوا خَطًّا تحتَ هذه الكلمة. فهذا هو المِفتاح. وهذا هو ما يَدفَعُنا إلى الحديثِ عن مُثابرة القِدِّيسين لأنَّكَ إنْ كُنتَ مُخَلَّصًا حَقًّا سَتَمتلك إيمانًا يَدوم. وهذا يُعيدُنا إلى رسالة يوحنَّا الأولى 2: 19: "مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا".

والنُّقطة هي كالتَّالي: فقد تقول: "حسنًا! وماذا عنِ الشَّخصِ الَّذي يُؤمِن فَترةً مَا ثُمَّ يَرتَدّ؟" لقد كانَ إيمانُهُ بَشريًّا. فهو لم يَكُن عَطِيَّةَ إيمانٍ مِنَ الله. فَهُم لم يكونوا مُخَلَّصينَ حَقًّا. فلو كانوا مُخَلَّصينَ حَقًّا، ولو جاءوا حَقًّا إلى المسيح، ولو تابوا حَقًّا وآمَنوا، ولو أُعطُوا حَقًّا عَطِيَّةَ الإيمانِ المُخَلِّص، ولو أنَّهُم فَتَحوا حَقًّا وبأمانة قُلوبَهُم لعطيَّةِ الرَّبِّ تِلك، لَبَقِيَتْ تلكَ العطيَّة إلى النِّهاية. فإيمانُنا المُستمرُّ بيسوعَ المسيح هو الأداةُ الَّتي يَحمينا اللهُ مِن خِلالِها.

لِذا، حينَ تَنظرونَ إلى فِكرةِ الحماية هذه، تَرَوْنَ أنَّنا مَحميُّونَ مِن خلالِ الرَّجاءِ الحَيِّ، أو أنَّنا نَختبرُ تلكَ الحماية (أيْ واقعَ تلكَ الحماية) مِن خلالِ رَجائِنا الحَيّ. ثانيًا، كما أَشَرنا في العدد الخامِس، فإنَّنا مَحميُّونَ بِقُوَّةِ اللهِ. فنحنُ مَحميُّونَ برجاءٍ لا يَفْنَى. ونحنُ مَحميُّونَ بِقُوَّةٍ لا تَفْنَى. بِقُوَّةٍ لا تَفنى.

فَقُوَّةُ اللهِ لا حُدودَ لها. وقُوَّةُ اللهِ مُطْلَقَة السِّيادة. وقُوَّةُ اللهِ فائقة. وقُوَّةُ اللهِ لا يُمكن أنْ تَسقُط أبدًا. وهناك آيات كثيرة جِدًّا تُؤكِّد ذلك، ولكنِّي لن أَصرِفَ وَقتًا في القيامِ بذلك. فأنتُم صَبورونَ دائمًا عَلَيَّ. وفي مساءِ الأحدِ الماضي أَطَلْتُ عليكم كثيرًا. لذا، سوفَ أُوْجِزُ في هذا المساء وأحاولُ أنْ أُعَوِّضَكُم عن ذلك بينَ الحينِ والآخر. ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ واضحٌ جِدًّا مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الله. ولكِنْ إنْ كُنتم تتساءلونَ عن قُوَّةِ اللهِ، يمكنكم وَحَسْب أنْ تَتذكَّروا أنَّهُ خَلَقَ الكَونَ. فهذا يَكفي لِحَسْمِ النِّقاش. وإنْ كُنتم ما زِلتُم تتساءلون، فإنَّهُ خَلَقَ الكَونَ مِنَ العَدَم. وإنْ كُنتم ما زِلتُم تتساءلونَ عَن مَدى قُوَّتِهِ، فإنَّهُ خَلَقَ الكَونَ بأنْ قالَ لَهُ "كُنْ" فَكانَ. وإنْ كُنتم ما زِلتُم تتساءلونَ، فإنَّهُ خَلَقَ الكَونَ بأنْ خَلَقَهُ كَوْنًا كامِلَ النُّضْجِ. وإنْ كُنتم ما زِلتُم تتساءلونَ، فإنَّهُ خَلَقَهُ كَونًا كَامِلَ النُّضْجِ في سِتَّةِ أيَّامٍ. وقد كانَ بِمَقدورِهِ أن يَفعلَ ذلك في جُزءٍ مِنْ ألفِ جُزءٍ مِنَ الثَّانية. ولكِنَّهُ وَضَعَ نَموذَجًا للحياةِ لنا إذْ أَسَّسَ فِكرةَ الأسبوع.

فهذا هوَ إلَهُنا العظيمُ والقَدير. فهو لم يَخلِق الكَونَ وَحَسْب، بل إنَّهُ يُمسِكُ الكَونَ، ويَحفظُ الكونَ، ويَجعلُ الكونَ مُتماسِكًا. فعندما بَلَغَ آينشتاين نِهايةَ حَياتِهِ قال: "بعدَ كُلِّ دراساتي واكتشافاتي"، والحقيقة هي أنَّهُ قالَ كَلماتٍ تُشْبِهُ ما يَلي: "فإنَّني أموتُ وَاهِمًا وغيرَ كاملٍ لأنَّني لم أتمكَّنْ مِنَ العُثورِ على القُوَّة الَّتي تُمسِكُ كُلِّ الأشياءِ مَعًا". فلا بأسَ أنْ تَفهَمَ الذَّرَّة. ولا بأسَ في أنْ تَفهمَ الأشياءَ الَّتي تَقومُ بها عَناصِرُ الذَّرَّة. ولا بأسَ في أنْ تَفهمَ العَناصرَ الدَّقيقَة لوجودِ المادَّة والطَّاقة. ولكِنْ أنْ لا تَتمكَّنَ في النِّهاية مِنَ اكتشافِ ما هي فإنَّ ذلكَ يُؤدِّي إلى الكثيرِ مِنَ الوَهْم.

وهذه القوَّة هي في الحقيقة: قُوَّةُ اللهِ. قُوَّةُ اللهِ. وهي نفسُ القُوَّة الَّتي تَحفَظُنا. والوسيلةُ الَّتي يَستخدِمُها اللهُ لِحِفظِنا هِي أنَّهُ يُعطينا إيمانًا لا يَفنَى. فإنْ كانَ هناكَ وقتٌ كُنْتَ تُؤمِنُ فيهِ، ولكِنَّكَ لا تُؤمِنُ الآنَ، وإنْ كانَ هُناكَ وَقتٌ كُنتَ فيهِ مُهتمًّا بالمسيحِ ولكِنَّكَ لستُ مُهتمًّا بِهِ الآن، وإنْ كُنتَ لا تُبالي بالرَّبِّ البَتَّة، وإنْ لم تَكُن تَشعُرُ بالجوعِ والعَطَشِ إليهِ، وإنْ لم تَكُن لديكَ رَغبة في قراءةِ كَلِمَتِه، وإنْ لم تَكُنْ تُحِبُّهُ ولا تَتوقُ إلى خِدمَتِهِ، وإنْ لم تَكُن تَرغبُ في مَعرِفَتِه، وإنْ لم تَكُن تَتَّكِل عليهِ دائمًا ولا تَثِق بِهِ دائمًا، وإنْ لم تَكُن تَحيا حياتَكَ على رجاءِ المجدِ الأبديِّ، فإنَّكَ (بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا فَعَلْتَهُ أو لم تَفعلهُ في الماضي) لستَ مُؤمِنًا. لستَ مُؤمِنًا.

لأنَّ المُؤمِنينَ يَحْيَوْنَ بالإيمان ... بإيمانٍ ثابتٍ ودائمٍ. وَهُوَ ليسَ مُنفصِلاً عن إرادَتِنا. بل هو يَتَّفِقُ تَمامًا مَعَ مَشيئَتِنا. فنحنُ نَظَلُّ ثابِتين، ولكِنَّنا لَسنا سَلبيِّين. فنحنُ فَاعِلونَ في المُثابرة. ونحنُ نَطلُبُ المسيحَ مِنْ كُلِّ قُدرَتِنا. ونحنُ نَسعى إلى الطَّاعة. ونحنُ نَتوقُ إليها ونَرغبُ فيها. ونحنُ نُبغِضُ الخطيَّة. ونحنُ نُحِبُّ البِرَّ. ونحنُ فاعِلونَ في عمليَّةِ المُثابرة هذه. لِذا فإنَّنا نَستطيعُ أنْ نُسَمِّيها: "مُثَابَرة".

إنَّهُ نَوعٌ مِنَ الإيمانِ الَّذي يَأسُرُ أذهانَنا، ويَأسُرُ نُفوسَنا، ويَجعَلُها تُفْتَنُ بالمسيح، وتُحِبُّ كَلِمَتَهُ، وتُحِبُّ شَريعَتَهُ، وتَرغَبُ في خِدمَتِهِ. فَكُلُّ كِيانِنا، وكُلُّ شيءٍ فينا، يَتوقُ إلى تَمجيدِ المسيح. ونحنُ نَعيشُ في حالة حُزْن لأنَّنا نَفعلُ ما لا يَنبغي أنْ نَفعل، ولأنَّنا لا نَفعلُ ما يَنبغي أنْ نَفعل، ولأنَّنا نَجِدُ أنفُسَنا (كما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح 7) مَرْضَى بِسببِ الخطيَّة الباقية فينا.

لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: "هل أنتُم قَلِقونَ مِن جهة ما إذا كانَ إيمانُكُم سيَصمُدُ في هذهِ الاختبارات الصَّعبة القاسية؟ لا تَقلقوا. لا تَقلقوا". وكما قالَ يَسوع (وقد دَرَسنا هذا في الأسبوعِ الماضي): "وَمَتَى قَدَّمُوكُمْ إِلَى الْمَجَامِعِ وَالرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَحْتَجُّونَ أَوْ بِمَا تَقُولُونَ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يُعَلِّمُكُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا يَجِبُ أَنْ تَقُولُوهُ". وسوفَ تَقولونَ ما يَجِب أن تَقولوه. وسوفَ تَقِفونَ وتُقَدِّمونَ شَهادَتَكُم عن يسوعَ المسيح في أَحْلَكِ الظُّروف لأنَّ هذه هي عَطِيَّة الإيمان الَّتي حَصَلتُم عليها مِنَ اللهِ والتي يَحْفَظُها الرُّوحُ القُدُس.

لِذا فإنَّنا مَحروسونَ. مَحروسونَ بِرَجاءٍ حَيٍّ، ومَحميُّونَ بِقُوَّةِ اللهِ؛ أيْ بإيمانٍ هُوَ عَطِيَّة مِنَ الله. ولكِنَّهُ إيمانٌ عَامِل، وليسَ إيمانًا خَامِلاً. وَهُوَ إيمانٌ قَوِيٌّ وليسَ إيمانًا ضَعيفًا. وَهُوَ إيمانٌ مُثابِر وليسَ إيمانًا مُتَخاذِلاً. ونحنُ نَتوقُ إلى خَلاصٍ مُستَعدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِير. وهناكَ أربعُ وسائل أو أربعة عناصر أخرى نَختبرُ مِن خلالِها الحماية الإلهيَّة. وسوفَ نَتحدَّثُ عنها يومَ الأحدِ القادِم. دَعونا نُصَلِّي:

يا رَبّ، هناكَ الكَثيرُ هُنا إذْ إنَّ النَّصَّ غَنِيٌّ بصورة لا تُصَدَّق، وَهُوَ مُشَجِّعٌ جدًّا لنا حَتَّى إنَّنا نَشعُرُ أنَّنا نَرغبُ في الإبطاءِ وفي التَّأمُّلِ في كُلِّ فِكرة على حِدَة. فنحنُ لا نَستحقُّ أنْ نَكونَ مُخَلَّصين. ونحنُ لا نَستحقُّ أنْ نَكونَ مَحفوظين. بل إنَّنا لا نَستحقُّ شيئًا. ونحنُ نَسألُكَ، يا رَبّ، أنْ تَجعَلَنا شَكورين، وأنْ تَغفِرَ لنا كُلَّ شَكٍّ في هِبَتِكَ الأبديَّة، وأنْ تَغفِرَ لنا أيَّ عِبادة غير لائقة نَجَمَتْ عن إخفاقِنا في فَهمِ ذلك. واغفِر لنا عَدَمَ إكرامِنا لَكَ كما يَنبغي أنْ تُكْرَم على هذهِ العطيَّة العظيمة والدائمة المُتَمَثِّلة في رَحْمَتِكَ ونِعمَتِكَ مِنْ نَحوِنا.

نحنُ نَعبُدُكَ، ونُحِبُّكَ، ونُكْرِمُكَ، ونُسَبِّحُكَ على خَلاصِنا. ونحنُ نَعلمُ أنَّهُ فيما نَعيشُ حياتَنا في هذا العَالَم، فإنَّنا نَرغَبُ دائمًا في إكرامِكَ، ولكِنَّنا نُدركُ دائمًا أنَّ النِّعمة هي الَّتي تَحفَظُنا لأنَّنا غيرُ مُستَحِقِّينَ البَتَّة. نَشكُرُكَ على هذهِ النِّعمة الغَنِيَّة. ونحنُ نَتوقُ إلى الخلاصِ الَّذي سَيُعلنَ في الزَّمانِ الأخير. ونحنُ نَشكُرُكَ على الإيمانِ المُثابِر. ويا لَيتَنا نُثابِر بِكُلِّ قُوَّتِنا والتِزامِنا وتَكريسِنا. وكما قالَ بُولُس، يا لَيتَنا نَسعى إلى التَّمَثُّلِ بالمسيح لأنَّ هذا يَعكِسُ مَحَبَّتَنا لذاكَ الَّذي بَذَلَ حَياتَهُ لأجلِنا، والذي نُصَلِّي باسمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize