Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كَما تَعلمون، قبلَ بِضعة أسابيع، أَنهينا دراسَتنا للرسالة الرائعة الَّتي كَتبَها يَهوذا، والتي تَنتهي بوعدٍ بأنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَنا غَيْرَ عَاثِرِينَ، وَيُوقِفَنا بِلا عَيْبٍ أَمَامَ مَجْدِهِ فِي الابْتِهَاج. ولأنَّ هذا عَرَّفنا إلى العقيدة الرَّائعة الَّتي تُسَمَّى "الضَّمان الأبديّ" أو الَّتي يُسْتَحْسَن أن تُسَمَّى "مُثَابَرة القِدِّيسين"، أو "حِفْظ القِدِّيسين"، فقد صَرَفنا بِضعة أسابيع في التحدُّثِ عن تلك العقيدة. وفي حَديثي معكم عن ذلك الموضوع قُلتُ إنَّ النِّهاية تَتَحَدَّد وَفقًا للبداية. فَخلاصُنا مَضمونٌ إلى النِّهاية لأنَّ خلاصَنا مُعَيَّن سابقًا منذُ البداية بأنْ يَكتمِل.

ونحنُ نَتذكَّر أنَّ ما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح 8 يَقولُ شيئًا مُهمًّا وواضحًا جدًّا بهذا الخُصوص. ففي رُومية 8، يَقولُ الرَّسولُ بولس: "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ". وهذا يَعني أنَّ كُلَّ الَّذينَ عَيَّنَهُم اللهُ سابقًا سيكونونَ مُشابهينَ صُورةَ ابنِهِ في المجدِ الأبديّ. لِذا: "وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا". لِذا، فقد قُلنا إنَّ الحَقَّ الجوهريَّ الرَّاسخَ العظيم الَّذي يَضمنُ مُستقبَلَنا هو مَشيئةُ اللهِ في الأزلِ السَّحيق. فحقيقةُ أنَّ اللهَ اختارَنا لِخلاصٍ نهائيٍّ هي الَّتي تَجعل خلاصَنا مَضمونًا.

إنَّ عقيدةَ الاختيار هي عقيدة مُزعجة لأُناسٍ كثيرين. وهي تُصَوَّر وتُقَدَّم كما لو أنَّها تُشَكِّكُ في صَلاحِ الله وفي نِعمةِ الله. والحقيقة هي أنَّ هناكَ عِبارات صَادِمَة حَقًّا قِيلَت عن هذه العقيدة على لِسانِ إنجيليِّينَ بارِزين. فمثلاً، يَقولُ "تيم لاهاي" (Tim LaHaye) الشَّهير، وَهُوَ أَحَدُ مُؤلِّفَيِّ رِواية “Left Behind” وكُتُب عديدة أخرى: "إنْ قُلنا إنَّ إلهَ الكِتابِ المُقَدَّسِ الرَّحيم والوَدود والمُنعِم والمُحِبّ يُمكِن أنْ يُوجِدَ عقيدةً مُخيفةً كهذه (أيْ: التَّعيين السَّابق)، وإنَّهُ يجب علينا أنْ نُؤمِنَ بها كما لو أنَّ عَمَلَ النِّعمة يَقتضي أنْ يَختارَ اللهُ أشخاصًا للسَّماءِ وأنْ يَستثني أشخاصً آخرينَ ويُرسِلهم إلى جَهَنَّم، فإنَّ هذا التَّفكيرَ يَدنو بِصورة خطيرة مِنَ التَّجديف". وإليكم جُمَلا أُخرى كَتَبَها خُدَّامٌ آخرون:

فقد كَتَبَ "آرنو فريز" (Arno Froese)، وَهُوَ خادِمٌ آخر: "إنَّ عقيدةَ الاختيار السَّابق المَغلوطة (كما يُسَمِّيها) هي مُحاولة لإلغاءِ قُدرة الإنسان على مُمارسة حُريَّتِه في الاختيار. وهذا يُلغي مَحَبَّة الله الفائقة ويَجعلُها عَمَلاً صَادرًا وَحَسْب عن إلهٍ مُتَجَبِّر".

ويقولُ رَاعٍ آخر، وَهُوَ مُؤلِّف وواعظٌ إذاعِيّ: "إنَّ هذه العقيدة تَجعلُ أبانا السَّماويّ يَبدو وكأنَّهُ أسوأ الطُّغاة".

ويقولُ آخر، وَهُوَ رَئيسُ جامعة "تكساس هولينيس" (Texas Holiness University): "إنَّ هذه العقيدة هي أكثر عقيدة غير مَنطقيَّة، ومُتضارِبة، وتُناقضُ نَفسها بنفسِها، وتُقَلِّلُ مِن شأنِ الإنسان، وأكثر عقيدة أَهانَتِ اللهَ في كُلِّ الفِكرِ المسيحيّ. ولا يمكن لأيِّ شخصٍ أنْ يَقبلَ أقوالَها المُتناقضة والحَصريَّة مِن دونِ أنْ يُقَلِّلَ مِنْ قيمةِ عَقلِه. فهي تُصَوِّرُ اللهُ بصورة إلهٍ لا يُفَكِّرُ سِوى في نَفسِهِ، وأنانيٍّ، وبلا مَشاعر، وطَاغيةٍ مُتَجَبِّر، وتُرغِمُنا على عِبادَتِه".

وقد كَتَبَ أَحَدُ الرُّعاةِ في كنيسة "كالفَري" (Calvary Chapel): "إنَّ الكالفِنيَّة بنقاطِها الخمس (وهذا يَشمَلُ، بِكُلِّ تأكيد، عقيدَةَ الاختيار) تَجعلُ اللهَ وَحشًا يُعَذِّبُ مِنَ الأزَل إلى الأبد أبناءً أبرياء. وهي تُزيلُ رَجاءَ التَّعزية مِنَ الإنجيل. وهي تُقَيِّدُ عملَ كَفَّارةِ المسيح. وهي تُقاومُ الكِرازة. وهي تُسَبِّبُ الجَدَلَ والانقسام، وتُرَوِّجُ لفكرةِ أنَّ اللهَ صَغيرُ القلبِ وغاضب ودَيَّان، عِوَضًا عن أنْ تُنادي باللهِ الكبيرِ القلبِ الَّذي يَتحدَّثُ عنهُ الكتابُ المقدَّس".

ويَقولُ آخر: "أنْ نَقولَ إنَّ اللهَ يَختارُ بسيادَتِه مَنْ سيَخلُص هو أكثرُ شيءٍ مُشَوَّهٍ قَرأتُ عنهُ لأنَّهُ يَجعلُ اللهَ وَحشًا ولا يَختلِفُ في شيءٍ عنِ الآلهة الوثنيَّة".

ويَقولُ مَوقِعٌ آخر على الإنترنت تابعٌ لطلبة كُليَّة اللَّاهوت في كَندا: "إنَّ هذه العقيدة تَجعلُ اللهَ وَحشًا شَيطانيًّا، وتَجعلُ الإنسانَ المخلوقَ على صورةِ اللهِ مُجَرَّدَ رَجُلٍ آلِيٍّ".

ويقولُ "ديف هَنت" (Dave Hunt)، الَّذي يَعرِفُهُ كثيرونَ منكم، والذي كَتَبَ كُتُبًا كثيرة مُفيدة: "إنَّ هذه العقيدة تُسيءُ تَمثيلَ اللهِ وتَجعلُ كثيرينَ يَبتعدونَ عن إلهِ الكتابِ المقدَّسِ كما لو أنَّهُ وَحْش".

ويبدو أنَّ الكلمة المُشترَكة في كُلِّ هذهِ الأقوالِ هي "وَحْش". فبصورةٍ ما، فإنَّ عقيدة الاختيار هذه تَجعلُ اللهَ وَحْشًا. وهذه عِبارات قاسية لِوَصفِ هذهِ العقيدة. ولكِنَّها تُمَثِّلُ جُزءًا كبيرًا مِنْ رأيِ العالَمِ الإنجيليّ. ونحنُ لا نَتحدَّثُ عن غيرِ المُثَقَّفين، ولا نَتحدَّثُ عن أشخاصٍ لديهم مَعرفة محدودة، بل نَتحدَّثُ عن قادةِ الخِدمة، وعن رُعاةٍ، وعن مُؤلِّفين. وبالرَّغمِ مِن ذلك فإنَّ هذه العقيدة هي جُزءٌ مِن تَعليمِ الكتابِ المقدَّس.

إنَّ الفِكرة السَّائدة لَدى مَنْ يُشَكِّكونَ في هذهِ العقيدةِ ويَنتقدونَها هي أنَّهُ إلى حَدٍّ مَا، فإنَّ الاختيارَ غيرُ عَادِل. وَهُوَ إلى حَدٍّ مَا غيرُ مُنْصِف. ولكِنْ قبلَ كُلِّ شيء، يجب علينا أن نُوَضِّحَ أنَّ اللهَ لا يُمكن أنْ يُقاسَ بِمقدرَتِنا على فَهْمِ ما هو عَادِل. فيجب علينا أنْ نَكونَ أوَّل مَنْ يُقِرّ بأنَّ فَهمَنا لأيِّ شيءٍ تقريبًا ناقصٌ، ومُعْوَجٌّ، ويُتأثَّرُ بخطيَّتِنا.

ففي المزمور 50: 21، يَقولُ اللهُ: "ظَنَنْتَ أَنِّي مِثْلُكَ". وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ ليسَ كذلك. ونَقرأُ في سِفْر إشعياء 55: 8: "لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ. لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ". وهذا هو المِفتاح. فاللهُ لديهِ طُرُق وأفكار تَبدو بالنِّسبة إلينا غير مَفهومة، وغير مُدرَكَة، ولا تُستقصَى.

وهناكَ صَلاة رائعة في الأصحاح الحادي عشر مِن رسالة بولس إلى أهلِ رُومية يَقولُ فيها مَا يَلي في الأعداد 33-36: "يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ! لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟" فَمَنْ يَستطيعُ أنْ يَعلمَ كيفَ يُفَكِّرُ الله؟ ومَنْ يَجرؤُ أنْ يَقولَ للهِ كيفَ ينبغي أنْ يُفَكِّر؟ "لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِين".

فَالفكرة الجوهريَّة عنِ اللهِ هي أنَّهُ قُدُّوسٌ، وأنَّ طَبيعَتَهُ قُدُّوسَة، وأنَّهُ عَادِلٌ بصورة تامَّة وكاملة، وأنَّهُ يَخلو مِنْ أيِّ عَيْبٍ أَدَبِيٍّ وأنَّهُ كَامِل، وأنَّهُ الكَمالُ بِعَينِهِ. فَكُلُّ شيءٍ فيهِ أوْ يَصدُرُ عنهُ أو لَهُ أو مِنْهُ أو مِنْ قِبَلِهِ كامل. لِذا فإنَّ كُلَّ ما يَقول إنَّهُ عَادِل هو العَدالة بِعَينِها.

وما هي القاعِدَة في عَدالة الله؟ وما هو المبدأ في عَدالة الله؟ وما هو الأساسُ وراءَ أحكامِه؟ الأساسُ هو مَشيئَتُهُ الحُرَّة ولا شَيء آخر. فاللهُ يأخُذُ قَراراتِهِ مِنْ دونِ أنْ يَعتَمِدَ على أيِّ شيءٍ سِوى إرادَتهُ الحُرَّة. وأيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي يَشاء فإنَّهُ عَادِلٌ لأنَّهُ هُوَ عَادِل. فهذا الشَّيءُ يَصيرُ مُنْصِفًا لأنَّ اللهَ شَاءَ أنْ يَفعلَهُ. فهو لا يَرى شيئًا عادلًا فيَشاءُ أنْ يَفعلَهُ، بل إنَّهُ يَشاءُ أنْ يَفعلَهُ فَيَصيرُ هذا الشَّيءُ عَادِلاً.

وقد قالَ "وليام بيركنز" (William Perkins)، وهو واحِدٌ مِنَ الطَّهورِيِّين: "لا يجوزُ أن نُفَكِّرَ بأنَّ اللهَ يَفعلُ شيئًا لأنَّ هذا الشَّيءَ صَالحٌ وصحيح، بل بالحَرِيِّ إنَّ ذلكَ الشَّيءَ يَصيرُ صَالحًا وصحيحًا لأنَّ اللهَ يَفعَلُهُ". فالخالِقُ لا يَدينُ بأيِّ شيءٍ للخليقةِ الَّتي لا تَفهمُ طُرُقَهُ، ولا تَفهَمُ فِكرَهُ، ولا تَستطيعُ أنْ تَكونَ مُشيرًا لَهُ. وبأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال، كيفَ يُعقَلُ أنْ يُوصَفَ اللهُ بأنَّهُ "غير عادِل" لأنَّهُ اختارَ أنْ يُخَلِّصَ أُناسًا مَعَ أنَّهُ لا يوجدُ أحدٌ يَستحقُّ أنْ يَخلُص؟

فالخلاصُ لم يَكُن يومًا مسألةَ إنْصاف. وبالرَّغمِ مِن ذلك، هذا هو ما يَقولُهُ النَّاسُ: "هذا ليسَ عَدلاً. هذا ليسَ عَدلاً". ولكنِّي لا أعتقدُ أنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِكُمْ أنْ يُعامِلَكُمُ اللهُ بعدالة. أليسَ كذلك؟ فالاختيارُ مُتأصِّلٌ في النِّعمةِ الخالِصَة. فهو مُنْعِمٌ جِدًّا. ومِنَ الواضحِ أنَّهُ مُنعِمٌ جِدًّا تُجاهَ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَستحقُّونَ هذهِ النِّعمة: "لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ". افتحوا على رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح الأوَّل. فهذا مَكانٌ جَيِّدٌ للانطلاق. رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح الأوَّل.

وأنا لم أُخَطِّط للبَدءِ مِن هنا، ولكِنْ بينما كنتُ أجلِسُ هناكَ وأُرَنِّم، خَطَرَ هذا النَّصُّ في ذِهني. ونحنُ نَقرأُ في رسالة كورنثوس الأولى 1: 26 ما يَلي: "فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ [أيْ دَعوَتَكُم الإلهيَّة إلى الخلاص ... الدَّعوة المُخَلِّصَة الفَعَّالة مِنَ الله]. "فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ، لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ".

فعندما يَقومُ اللهُ بهذا الاختيار، وعندما يَكونُ مُنْعِمًا تُجاهَ الأشخاصِ الَّذينَ يَشاءُ أنْ يُنعِمَ عليهم، وأنْ يكونَ رَحيمًا تُجاهَ الأشخاصِ الَّذينَ يَشاءُ أنْ يَرحَمَهُم، يبدو كما لو أنَّ نِعمَتَهُ تُغْدَقُ على الأشخاصِ الأقلِّ استحقاقًا حَتَّى لا يَفتَخِر أحد. ونقرأ في العدد 30: "وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ". فإنْ كُنتُم في المسيح يسوع، فإنَّ السَّببَ في ذلكَ هو ما فَعَلَهُ اللهُ، لا ما فَعَلتموهُ أنتُم. "وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً. حَتَّى كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ»".

فعندما نَنظُرُ إلى الأشخاصِ الَّذينَ يُؤمنونَ بالرِّسالة في العهدِ الجديد، نَرى أنَّهم يتألَّفونَ مِنَ الفُقراءِ، والمَنبوذينَ، والوَضيعينَ، والوُدعاءِ، والزُّناة، والزَّانيات، والعَشَّارين. واللهُ يَتَجاوَزُ عنِ الأقوياء، والشُّرَفاء، والمُتديِّنين، والمُتَعَلِّمينَ غالبًا. فهناكَ القليلُ منهم. فالخلاصُ ليسَ مسألة عَدْل، بل مَسألة نِعمة خالِصَة. واللهُ اختارَ أنْ يُعطي تلكَ النِّعمة للأشخاصِ الَّذينَ يبدو أنَّهُ ليسَ مِنَ العَدلِ في شيء أنْ يَحصُلوا عليها.

ولكِنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نُقاوِمَ هذهِ الأشياء فِكريًّا كما لو أنَّنا سَنَعثُرُ على الإجابة بِمَنطِقِنا. فيجب علينا أنْ نأتي إلى كلمةِ اللهِ. ويجب علينا أنْ نَنظرَ إلى ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ للكَشفِ عن حَقيقةِ هذهِ العقيدة. ويجب علينا ألَّا نَسمحَ لهذه العقيدة أنْ تَصيرَ ضَحِيَّةً لأذهانِنا الفاسِدَة الخاطئة، ومَنْطِقِنا الأنانيِّ المُتَعالي.

لِذا، كما هي حَالُ كُلِّ حَقٍّ كِتابيٍّ آخر، فإنَّنا نَفتَحُ [ببساطة] الكتابَ المقدَّسَ ونُخضِعُ أنفُسَنا لما يَقول. ولأنَّهُ مُؤلِم، فإنَّ هذا لا يُغَيِّرُ شيئًا. فَجَهَنَّمُ عقيدة مؤلِمَة جدًّا. ولكِنَّ هذا لا يُغَيِّرُ شيئًا. ومعَ أنَّنا قد نَجِدُ صُعوبةً في فَهمِ هذهِ العقيدة، وَمَعَ أنَّها قد تَبدو لأذهانِنا الغَبِيَّة المُلَطَّخة بالخطيَّة عَقيدة لا تُوافِق مِعيارَنا المُختصَّ بالعَدْل، يجب علينا أنْ نَضَعَ هذا كُلَّهُ جانبًا وأنْ نُخْضِعَ أنفُسَنا لكلمةِ الله.

والآن، هُناكَ أُناسٌ يَظُنُّونَ أنَّ عقيدةَ الاختيارِ هذه غريبة نوعًا مَا عنِ اللهِ، وغريبة نوعًا ما عن مَقاصِدِهِ في العالَم. ولكِنَّ هذا غير صحيح البَتَّة. فلا صِحَّةَ لما يُقالُ بأنَّ عقيدةَ الاختيارِ ظَهَرتْ فجأةً في العهدِ الجديد، وأنَّها لم تَظهر قَطّ في العهدِ القديم. فَمِنَ الواضحِ أنَّهُ مِنْ كُلِّ شُعوبِ العالَم، اختارَ اللهُ إسرائيل. وَمِن كُلِّ شُعوبِ العالمِ، اختارَ اللهُ إبراهيمَ وَأَمَرَهُ أنْ يَذهبَ إلى حُوْر الكَلدانِيِّين، وجَعَلَهُ أبًا لأُمَّةٍ عظيمة. لِذا فإنَّ إسرائيلَ تُدعى في المزمور 105: 43 شَعبَهُ المُختار. والمزمور 135: 4 يَقول: "لأَنَّ الرَّبَّ قَدِ اخْتَارَ يَعْقُوبَ لِذَاتِهِ".

ونَقرأُ في سِفْر التَّثنية 7: 6 و 14: 2: "وَقَدِ اخْتَارَكَ الرَّبُّ لِكَيْ تَكُونَ لَهُ شَعْبًا خَاصًّا فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ". وقد قالَ اللهُ إنَّهُ لم يَخترهُم لأنَّهم كانوا أفضلَ مِنْ أيِّ شعبٍ آخر، ولا لأنَّهم كانوا أَكثرَ وَسامَةً مِنْ أيِّ شعبٍ آخر. بل إنَّ اللهَ قالَ: لقدِ اخترتُكُم بمشيئتي الحُرَّة وتَعييني السَّابق لكي أَضَعَ مَحَبَّتي فيكُم، وليسَ لأيِّ سَبَبٍ آخر. "إسرائيلُ مُختاري". فهكذا دَعاهُمُ اللهُ.

وعندما تأتونَ إلى العهدَ الجديد، تَجِدونَ نَفسَ اللُّغة. فالكنيسة تُدعَى "المُختَارة". المُختَارة. وهذا ليسَ لفظًا يَنْدُرُ ذِكرُهُ بالإشارة إلى الكنيسة، بل إنَّهُ لَفظٌ يَتكرَّر. ففي إنجيل مَتَّى والأصحاح 24، في تلك العِظَة على جَبلِ الزَّيتونِ حيثُ يَتحدَّثُ رَبُّنا عن مجيئهِ الثَّاني فإنَّهُ يَقول: "وَلَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ الأَيَّامُ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ. وَلكِنْ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ". فهي كلمة تَرِدُ بصيغةِ الاسم. فهي اسم. وهي كلمة تَصِفُ المؤمنينَ. فَهُمُ "المُختارون". وَهُمُ "المَدعوُّون". وهي تُشيرُ إلى "المُختارين" ... المُختارين. "لأجلِ المُختارين".

ونَقرأُ بَعدَ آيَتَيْن (في العدد 24): "لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِين". فَهُمْ لا يُدْعَوْنَ "المُؤمِنين"، وَهُمْ لا يُدْعَوْنَ "المَسيحيِّين"، بل يُدْعَوْنَ: "المُختارين". ونقرأُ في العدد 31: "فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ" [عندما يأتي الرَّبُّ، وعندما يَظهَرُ في السَّماءِ ويأتي على السَّحابِ بقوَّةٍ كَثيرةٍ وَمَجْدٍ]: "فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيه". مُختاريه. المُختارينَ مِنْ قِبَلِهِ. وهذه إشارة إلى شَعبِ اللهِ.

ونَقرأُ في إنجيل لوقا 18: 6 "وَقَالَ الرَّبُّ: اسْمَعُوا مَا يَقُولُ قَاضِي الظُّلْمِ. أَفَلاَ يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ، الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلاً؟" ومَرَّة أخرى، فإنَّ المُؤمِنينَ يُشارُ إليهم بالكلمة "مُختاريه". مُختاريه. مُختاريه.

وفي رُومية 8 (عَودة إلى هذهِ الرِّسالة البَديعة؛ رسالة رُومية 8: 33)، نَرى أنَّنا نَحنُ المُخَلَّصونَ، أي نحنُ المؤمِنونَ الَّذينَ نَنتمي إلى عائلةِ اللهِ، والَّذين نِلْنا الفِداءَ والتَّجديدَ والمُصالحةَ، نَنتمي الآنَ إلى الله. فقد أَعلَنَ اللهُ بِرَّنا. فَبِرُّ اللهِ حُسِبَ لنا مِن خلالِ إيمانِنا بالمسيح. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 33: "مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ؟ اَللهُ هُوَ الَّذِي يُبَرِّرُ". وإنْ أَعلنَ اللهُ أنَّنا أبرارٌ قُدَّامَهُ، لا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَنجحَ في اتِّهامِ مُختاريه. ومَرَّة أخرى، فإنَّ الكنيسة تُدعى "المُختارة". وفي كُلِّ حالة في المَقطعَيْنِ الأخيرَين، نَرى أنَّنا مُختارو الله. مُختاروه. وهذا لا يَعني أنَّنا نَحْنُ مَنْ قُمنا بالاختيار، بل إنَّهُ هُوَ الَّذي اختارَنا. ونَقرأُ في رسالة كولوسي 3: 12 على لِسانِ بُولس: "فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ". كَمُختاري اللهِ. وحَرفيًّا: "بِوَصْفِكُم مُختاري الله".

فالمؤمنونَ، إذًا، هُم أُناسٌ اختارَهُمُ اللهُ لكي يَنتموا إليه. وفي العهدِ القديم، لا يُمكنُنا أنْ نُنكِرَ أنَّها كانت أُمَّة على الأرض، أيْ شَعبًا مُؤقَّتًا. وفي العهدِ الجديد، فإنَّ المُختارينَ هُمْ شَعبٌ رُوحِيّ. فالعهدُ الجديدُ يَزْخُرُ وَحَسْب بالتَّعليمِ الَّذي لا مَفَرَّ مِنه. ففي إنجيل يوحنَّا والأصحاح 15 (ويجب علينا أنْ نُغَطِّي الأساسَ لكي نُبَيِّنَ وُضوحَ وَعُمْقَ هذهِ التَّسمية)، ولكِنْ في إنجيل يوحنَّا 15: 16، يَقولُ يَسوعُ لتلاميذِه: "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ".

ولا أَدري كيفَ يُمكَنُ قولُ ذلكَ بوضوحٍ أكبر مِن هذا. "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ". وفي الأصحاح السَّابع عشر مِنْ إنجيل يوحنَّا، والعدد 9، وسوفَ نَعودُ إلى هذهِ الفِكرة لاحقًا، ولكِنْ في الأصحاح 17 والعدد 9، نَقرأُ ما يَلي. ويسوعُ يُصَلِّي هُنا بوصفِهِ رَئيسَ الكَهَنَة العَظيم ويَدخُلُ إلى قُدسِ أقداسِ الثَّالوثِ حَيثُ يُخاطِبُ الابنُ الآبَ قائلاً: "مِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أَسْأَلُ". فَهُوَ يُصَلِّي لأجلِ خَاصَّتِه. "لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ الْعَالَمِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي". ثُمَّ استمعوا إلى هذهِ العِبارة: "لأَنَّهُمْ لَكَ". لأنَّهُم لَكَ. فَهُمْ يَنتمونَ إليكَ، وأنتَ اخترتهم، وأعطيتَني إيَّاهُم.

وفي الأصحاحِ الثَّالث عَشَر مِن سِفْر أعمال الرُّسُل، نَرى مَرَّةً أخرى أنَّ اللُّغَةَ غير مُبهَمَة. ففي سِفْر أعمال الرُّسُل 13: 48 (وإلى الأشخاصِ الَّذينَ يُقاومونَ هذهِ العقيدة، إليكُم آيةً يَصعُبُ جدًّا بَلْعُها). فبولسُ وبَرنابا كانا يَكرِزان. ونَقرأُ في العدد 48: "فَلَمَّا سَمِعَ الأُمَمُ ذلِكَ" [أيْ سَمِعوا الرِّسالة المُختصَّة بالخَلاص] "كَانُوا يَفْرَحُونَ وَيُمَجِّدُونَ كَلِمَةَ الرَّبِّ. [ثُمَّ استمعوا إلى هذهِ الكلمات:] "وجَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" [ماذا فَعَلوا؟] آمَنوا". "وجَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ آمَنوا".

ارجِعوا إلى الأصحاح التَّاسع مِن رسالة رُومية. وهذا المَقطعُ أيضًا قويٌّ ولا يُمكِنُ إنكارُه. رُومية والأصحاح 9. ويمكنكم في الحقيقة أنْ تَبتدئوا بالتَّوأمَيْنِ في العَدد 11؛ أيْ يَعقوب وعيسو: "لأَنَّهُ وَهُمَا لَمْ يُولَدَا بَعْدُ، وَلاَ فَعَلاَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، لِكَيْ يَثْبُتَ قَصْدُ اللهِ حَسَبَ الاخْتِيَارِ، لَيْسَ مِنَ الأَعْمَالِ" – فكيفَ يُمكنهما أنْ يَعملا أيَّ عَمل؟ فَهُما لم يَكونا قد وُلِدا بَعْد. "بَلْ مِنَ الَّذِي يَدْعُو، قِيلَ لَهَا [أيْ لِرِفْقَة، أُمِّ التَّوأمَيْن]: «إِنَّ الْكَبِيرَ يُسْتَعْبَدُ لِلصَّغِيرِ». ... «أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ»".

ويا للعَجَب! فقبلَ أنْ يُولدَا، وقبلَ أنْ يَفعلا أيَّ شيءٍ صَالحٍ أوْ طَالحٍ، ولكي يَثبُتَ قَصْدُ اللهِ حَسَبِ اختيارِهِ (لأنَّهُ هُوَ الَّذي يَدعو)، فإنَّهُ قَرَّرَ أنَّ الكبيرَ سَيِخْدِمُ الصَّغير. فقد أَحَبَّ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضَ عِيسُو. وهذا واضحٌ جدًّا. وواضحٌ تمامًا. فاللهُ قَرَّرَ ذلكَ قبلَ حَتَّى أنْ يُولَدا.

وفي العدد 14، يُمكِنُنا أنْ نَفهمَ المَقصود. أليسَ كذلك؟ "فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَلَعَلَّ عِنْدَ اللهِ ظُلْمًا؟" فهذا لا يَبدو مُنْصِفًا. ولكِنَّهُ يَقول: "حَاشَا!" ("مي غينويتو" – “me genoito”) في اليونانيَّة. لا، لا، لا. فهذا أمرٌ مُستحيل. وهذا ليسَ شيئًا جديدًا على الله؛ أيْ أنْ يَختارَ واحِدًا مِنَ اثنين. فهذا ليسَ شيئًا جديدًا لأنَّهُ يقولُ لِمُوسَى في سِفْر الخروج والأصحاح 33: "أَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ، وَأَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ".

لِذا، فإنَّ الاختيارَ لا يتوقَّف على الإنسانِ الَّذي يَشاء، أوِ الإنسانِ الَّذي يَجتَهِد، بل على اللهِ الَّذي يَرحَم. وهذا يعني أنَّ اختيارَ اللهِ لا يتوقَّف على مَشيئةِ الإنسان، بل على الله. ونقرأُ في العدد 18: "فَإِذًا هُوَ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُقَسِّي مَنْ يَشَاءُ". فهذا تَعليمٌ لا مَفَرَّ مِنْهُ. لا مَفَرَّ مِنهُ إطلاقًا.

وفي رسالة رُومية 11: 5 (إذْ نُتابِعُ مَسْحَنا لهذهِ الرِّسالة)، نَقرأُ في رسالة رُومية 11: 5 ما يَلي. وَهُوَ يَتحدَّثُ وَحَسْب عن إيليَّا النَّبيِّ الَّذي ظَنَّ أنَّهُ كانَ الوَحيدَ الباقي، ولكِنَّ اللهَ يَقولُ: "أَبْقَيْتُ لِنَفْسِي سَبْعَةَ آلاَفِ رَجُل لَمْ يُحْنُوا رُكْبَةً لِبَعْل". أنتَ لَستَ وَحدَكَ. فهناكَ سَبعةُ آلافِ شَخصٍ أُمناء. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 5: "فَكَذلِكَ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ أَيْضًا قَدْ حَصَلَتْ بَقِيَّةٌ...". ثُمَّ استمعوا إلى ما يَلي: "بَقِيَّة..." (مِنَ اليهودِ المُؤمِنين في الزَّمانِ الحاضِرِ الَّذي كَتَبَ فيهِ بولسُ هذهِ الكلمات) "...حَسَبَ [ماذا؟] "اخْتِيَارِ النِّعْمَة". حَسَبَ اختيارِ نِعمةِ اللهِ.

وفي رسالة بُطرس الأولى 1: 1: "بُطْرُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (رسالة بُطرس الأولى 1: 1) "إِلَى الْمُتَغَرِّبِينَ..." (وهذا مُؤكَّدٌ لأنَّهم كانوا مُؤمِنينَ؛ لذا فإنَّهم مُتَغَرِّبونَ في العالَم) "...مِنْ شَتَاتِ بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَأَسِيَّا وَبِيثِينِيَّةَ" [ثُمَّ استمعوا إلى الكلمة الَّتي تَلي ذلك]: "الْمُخْتَارِينَ". المُختارين.

وفيما تقرأونَ رسائلَ العهدِ الجديد؛ أيْ فيما تَقرأونَ ما هو مَكتوب بعدَ سِفْر أعمال الرُّسُل مُبتدئينَ برسالة رُومية ... فيما تَقرأونَ كُلَّ الرُّسُل وُصولاً إلى سِفْر الرُّؤيا، في كُلِّ مَرَّة تَرَونَ فيها الكلمة "يَدعُو" أو "المَدعُوِّين"، فإنَّها تُشيرُ إلى اختيارِ اللهِ الَّذي يُمارِسُهُ بِمُقتضَى سِيادَتِهِ وَحَقِّهِ في الاختيارِ الفَعَّالِ مِنْ أجلِ دَعوةِ شخصٍ ما إلى الخَلاص. والمَدعوُّونَ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ دُعُوا دَعوةً فَعَّالة، وليسَ مُجَرَّد دَعوة عامَّة كما هي الحالُ في الجُملة الَّتي تَرِد في الإنجيل: "لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ". فعندما تَقرأونَ الكلمة "دَعوة" في الرَّسائل، فإنَّها دَعوة فَعَّالة. فنحنُ نقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 1: 9: "أَمِينٌ هُوَ اللهُ الَّذِي بِهِ دُعِيتُمْ إِلَى شَرِكَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا". فنحنُ المُختارونَ، والمُعَيَّنونَ سابقًا، وبالتَّالي: المَدعُوُّون.

وفي رسالة أفسُس والأصحاح الأوَّل، نُتابِعُ القراءة إذْ نَقرأُ في رسالة أفسُس 1: 3: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيح". وكيفَ يَحدُث ذلك؟ فكيفَ تَبارَكْنا بكُلِّ بَرَكة روحيَّة في السَّماويَّاتِ في المسيح؟ نَقرأُ في العدد 4: "كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ [أيْ: في المَسيح] قَبْلَ تَأسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ". فهذا هو الجواب. فقدِ اختارنا قبلَ تأسيسِ العالَم لِنَكونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ في النِّهاية حينَ نُمَجَّد. العدد 5: "إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ [ثُمَّ استمعوا إلى هذهِ الكلماتِ:] حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوب".

فكُلُّ هذه اللُّغة تَقولُ إنَّنا مُختارونَ. فنحنُ مُختارونَ لكي نَكونَ قِدِّيسينَ في النِّهاية وبلا لَوْم. فَبِمَحَبَّة، تَمَّ تُعيينُنا سابقًا للتَّبَنِّي (أيْ لنكونَ أبناءً) مِن خلالِ المسيح. وهذا كُلُّهُ بسببِ مَسَرَّةِ مَشيئةِ اللهِ الَّتي لا تتأثَّرُ بأيِّ مُؤثِّراتٍ حَتَّى يَؤولَ كُل المَجدِ والمَدحِ في النِّهاية إليهِ هُوَ على نِعمَتِهِ الَّتي أَنعَمَ بها عَلينا مَجَّانًا.

وفي رسالة تسالونيكي الأولى 1: 4، يَكتُبُ بولس إلى الكنيسة في تسالونيكي. واستمعوا إلى الطَّريقةِ الَّتي يَصِفُهُم بها: "عَالِمِينَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ" وكيفَ يَعلمُ ذلك؟ انظروا إلى العدد 3: "مُتَذَكِّرِينَ بِلاَ انْقِطَاعٍ عَمَلَ إِيمَانِكُمْ، وَتَعَبَ مَحَبَّتِكُمْ، وَصَبْرَ رَجَائِكُمْ، رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ، أَمَامَ اللهِ وَأَبِينَا. عَالِمِينَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ [مِن خلالِ ذلكَ كُلِّه] الْمَحْبُوبُونَ مِنَ اللهِ اخْتِيَارَكُمْ". فأنتُم المُختارون. أنتُم المُختارون. وهذا واضِحٌ مِن خلال حَياتِكُم.

وهناكَ نَصٌّ آخر وَهُوَ رسالة تسالونيكي الثانية 2: 13. رسالة تسالونيكي الثانية 2: 13. وبولس يَقولُ مَرَّة أخرى إلى أهلِ تسالونيكي: "وَأَمَّا نَحْنُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ". فأنتُم لا تَشكرونَ الشَّخصَ لأنَّهُ كانَ ذَكِيًّا وجاءَ إلى يسوع، بل تَشكرونَ اللهَ. "وَأَمَّا نَحْنُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ الرَّبِّ، أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ".

فَلا توجد أيُّ قُدرة لدى المرءِ حَتَّى يَتقدَّس. فالقداسة تَبتدئ في لَحظةِ الخلاص إذْ يَنفصِلُ عنِ الخطيَّة. ولا يُوجد رَجاءٌ في التَّقديس أو أيُّ رَجاءٍ آخر بالإيمانِ بالحَقّ ما لم يَكُنِ اللهُ قدِ اختارَكَ مِنَ البدء للخلاص. ولأنَّهُ اختارَكُم [كما جاءَ في العدد 14]: "الأَمْرُ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ [أيْ: هذهِ القَداسة وهذا الإيمان بالحَقّ] "الأَمْرُ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ بِإِنْجِيلِنَا، لاقْتِنَاءِ مَجْدِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح". وكُلُّ هذهِ اللُّغة مُنْسَجِمَة بَعضُها مَعَ بَعض. فقدِ اختارَكُم قبلَ تأسيسِ العالَم لِتُشابِهُوا المسيح. وقد اختارَكُم لتكونوا بِلا لَوْمٍ وقِدِّيسين. وقد اختارَكُم لتكونوا في النِّهاية في حَضرَةِ مَجْدِه. وقدِ اختارَكُم لاقْتِنَاءِ مَجْدِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيح. وقدِ اختارَكُم لِتَحمِلوا صُورَتَهُ في السَّماء.

وقدِ اختارَكُم في الماضي، ودَعاكُم دَعوة قويَّة وفَعَّالة أَقامَتْكُم مِنَ الموتِ، وأعطاكُم فَهمًا واضحًا للإنجيلِ، وعَطِيَّةَ الإيمانِ المُخَلِّص.

والآن، لا يُمكنكم أنْ تَستَنتِجوا مِن ذلكَ أنَّ هذه فِكرة غامضة. أليسَ كذلك؟ فهذهِ ليست مَوْضِع شَكٍّ في الكتابِ المقدَّس. وقد قُلتُ ذلكَ مِرارًا لأنَّني أَجبتُ عن هذا السُّؤالِ مَرَّاتٍ كثيرة جدًّا في حياتي. وقد نَاقشتُ ذلك. وقد خُضْتُ جِدالاتٍ في ذلك. وقد فَعَلْتُ ذلكَ في السِّرِّ وحَتَّى في العَلَن. وقد قُلتُ مِرارًا: إذا كنتَ تُؤمِنُ بالكِتابِ المُقَدَّس، يجب عليكَ أنْ تُؤمِنَ بالتَّعيين السَّابِق. وإذا كنتَ تُؤمِنُ بالكِتابِ المُقَدَّس، يجب عليكَ أنْ تُؤمِنَ بأنَّ اللهَ يَختارُ مَنْ سَيَخلُص. وإذا كنتَ تُؤمِنُ بالكِتابِ المُقَدَّس، يجب عليكَ أنْ تُؤمِنَ بأنَّ اللهَ عَيَّنَ مَنْ سَيَخلُص، وَعَيَّنَ أنَّ ذلكَ الخلاصَ سَيَصِلُ إلى وُجْهَتِهِ النِّهائيَّة عندما يُمَجَّدونَ في السَّماء. وإذا كنتَ تُؤمِنُ بالكِتابِ المُقَدَّس، يجب عليكَ أنْ تُؤمِنَ بأنَّ اللهَ دَعَا الَّذينَ اختارَهُم دَعوةً فَعَّالةً وأعطاهُم إيمانًا. وبالرَّغمِ مِنْ كُلِّ هذا الوُضوح فإنَّ النَّاسَ ما زَالوا يُقاومونَ هذه العقيدة.

انظُروا إلى رسالة رُومية والأصحاح 9. وأريدُ منكم أنْ تَعلموا كيفَ يُعالِجُ اللهُ هذا الموضوع. وهذه نُقطة جَيِّدة جدًّا. ارجِعوا إلى حيثُ توقَّفنا (أيْ إلى العدد 18)، وَهُوَ المقطعُ الَّذي يتحدَّثُ عن يعقوب وعيسو، وكيفَ أنَّ اللهَ عَيَّنَ ذلكَ قبلَ أنْ يُولَدا. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 19 عَنِ المُعارِضِ الوَهْمِيِّ الَّذي يُساعِدُ بولُس على خَوْضِ جَدَلٍ مَعَ نَفسِه، وعلى الاستمرارِ في توضيحِ تَعليمِه.

فَالمُعارِضُ الوَهميُّ لَهُ يَقول: "فَسَتَقُولُ لِي: «لِمَاذَا يَلُومُ بَعْدُ؟ لأَنْ مَنْ يُقَاوِمُ مَشِيئَتَهُ؟»" وما أعنيه هو: لو كانَ الأمرُ هكذا؛ أيْ لو أنَّ الأمرَ كُلَّهُ كانَ مُعَيَّنًا بالمشيئة الإلهيَّة قبلَ أنْ يُولَدَ أيُّ شخصٍ، ولو أنَّ اللهَ يَرحَمُ مَنْ يَرحَم ويَتراءَف على مَن يَتراءَف، ولو لم يَكُنِ الأمرُ يَتوقَّفُ على الإنسانِ الَّذي يَشاء، أوِ الإنسانِ الَّذي يَجتَهِد، ولو أنَّهُ كانَ يتوقَّف على اللهِ، كيفَ يَجِدُ عِلَّةً في أيِّ شخصٍ؟ وكيفَ تَلومُني إنْ لم أُومِن؟ وكيفَ يُمكنني أنْ أقاومَ سِيادَتَهُ ومَشيئَتَهُ الأبديَّة؟

وهذا رَدٌّ مَنطقيٌّ إلى حَدٍّ ما. أَلا تَعتقدونَ ذلك؟ وهذهِ هي النُّقطة الَّتي يَتَعَثَّرُ فيها النَّاسُ دائمًا في موضوعِ الاختيار. وقد تَوَقَّعَ بولسُ ذلك. فسوفَ تقولون: "هذا ليسَ عَدلاً لأنَّكَ حينئذٍ لن تَتَمَكَّنَ مِنْ إرسالي إلى جَهَنَّم. ولا يُمكنكَ أنْ تَجِدَ عِلَّةً عَلَيَّ. فكيفَ سأقاومُ مَشيئَتَهُ؟ ونَجِدُ في العدد 20 جَوابًا مُدهشًا: "بَلْ مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تُجَاوِبُ اللهَ؟" أَغْلِقْ فَمَكَ. فهذا لا يُوَضِّحُ أيَّ شَيءٍ. مَنْ تَظُنُّ نَفسَكَ؟ هل تَتَّهِمُ اللهَ بأنَّهُ يُعاقِبُ الخُطاةَ ظُلْمًا؟ وهل تَتَّهِمُ اللهَ بأنَّهُ يَدينُ النَّاسَ ظُلمًا؟ وهل تَتَّهِمُ اللهَ بأنَّهُ شِرِّير؟ مِنَ الأفضل أنْ تُغلِقَ فَمَكَ قبلَ أنْ تَقولَ أيَّ شيءٍ آخر.

والمَثَلُ التَّوضيحيُّ مُذهلٌ: "أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا: «لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هكَذَا؟»" فعندما يَصنعُ الفَخَّارِيُّ إنَاءً، فإنَّ الإناءَ لا يَتكلَّم. والإناءَ لا يَقول: "لا أريدُ أنْ أكونَ على هذا الشَّكل. اجعَلني بصورة أخرى. هذا ليسَ عَدلاً. أَوَدُّ أنْ أكونَ مِثلَ هذا الإناء، أو ذلكَ الإناء، أو ذاكَ الإناء". العدد 21: "أَمْ لَيْسَ لِلْخَزَّافِ سُلْطَانٌ عَلَى الطِّينِ، أَنْ يَصْنَعَ مِنْ كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَان؟" وهذا مُدهش!

لا تَتَجَرَّأ على الاعتراضِ على الله. فاللهُ هوَ الخَزَّاف، وأنتَ الطِّين. والطِّينُ أَقَلُّ شأنًا بكثير مِنَ الفَخَّاري. فهو تُرابٌ لا حَياةَ فيه. وَهُوَ لا يَملكُ أيَّ حَقٍّ حَتَّى في مُجَرَّدِ التَّفكيرِ في مُخاطَبَةِ الفَخَّاري. وكما أنَّ هُناكَ هُوَّة سَحيقة بينَ الإناءِ والفَخَّاري، فإنَّ هُناكَ هُوَّة أكبر بينَكَ وبينَ الله. "أَمْ لَيْسَ لِلْخَزَّافِ (في العدد 21) سُلْطَانٌ عَلَى الطِّينِ، أَنْ يَصْنَعَهُ بالطَّريقة الَّتي يَشاء؟"

ثُمَّ نَقرأ في العدد 22 هذه الكلمات القويَّة جدًّا جدًّا: "فَمَاذَا؟" [أو يُمكِنُنا أنْ نَقول] "إذًا، ماذا إِنْ كَانَ اللهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ وَيُبَيِّنَ قُوَّتَهُ، احْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ آنِيَةَ غَضَبٍ مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَكِ؟" إذًا ماذا لو أرادَ اللهُ أنْ يُعلِنَ غَضَبَهُ؟ ألا يَملِكُ الحَقَّ في إظهارِ غَضَبِه؟ أليسَ هذا الغَضَبُ جُزءًا مِنْ مَجدِهِ؟ أَلا يَستطيعُ أنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ؟ فهو اللهُ. ألا يَستطيعُ اللهُ أنْ يُظهِرَ قُدرَتَهُ مِن خلالِ قَضائِهِ، أو مِن خلالِ غَضَبِه، أو مِن خلالِ دَينونَتِه؟

بَلى، يَستطيع. ولكِنْ أرجو منكم أنْ تُلاحظوا كيفَ يَنتهي العدد 22. فهو يَستخدِمُ أفعالاً مَبنيَّة للمَجهول. فهو لا يَقولُ إنَّ اللهَ خَلَقَ آنِيَةً مُهَيَّأة للهَلاك. فهذا تَعيينٌ سَابقٌ مُزدَوَج. والكِتابُ المُقدَّسُ لا يُعَلِّمُ ذلك. بل هو يَقولُ إنَّهُ "احْتَمَلَ بِأَنَاةٍ كَثِيرَةٍ آنِيَةَ غَضَبٍ [وهُنا يأتي الفِعلُ بِصيغَةِ المَبني للمَجهول] مُهَيَّأَةً لِلْهَلاَك". فليسَ هو الَّذي هَيَّأها للهلاك. فاللهُ لا يُراجِع لائحة أسماءِ النَّاسِ ويَقول: "حسنًا، اذهب إلى السَّماء. وأنتَ، اذهب إلى جَهَنَّم. وأنتَ إلى السَّماء. وأنتُم العشرة، اذهبوا إلى جَهَنَّم. وأنتَ، اذهب إلى السَّماء".

فالكتابُ المقدَّسُ لا يُعَلِّمُ ذلك. بل إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُ أنَّ جَميعَ النَّاسِ في طريقهم إلى جَهَنَّم. واللهُ اختارَ أنْ يُنقِذَ أُناسًا. وَهُوَ يَحتَمِلُ الآخرينَ السَّائرينَ في ذلكَ الاتِّجاه لا بسببِ شيءٍ فَعَلَهُ اللهُ، ولا بسببِ شَيءٍ قامَ بِهِ اللهُ فَرديًّا ضِدَّهُم، بل لأنَّهم استمرُّوا في خطاياهم ولأنَّهم مُذنِبونَ تَمامًا. واللهُ يَملِكُ كُلَّ الحَقِّ في إظهارِ غَضَبِه. وَهُوَ مُمَجَّدٌ في غَضَبِهِ بِقَدْرِ ما هُوَ مُمَجَّدٌ في رَحمَتِه.

والعدد 23 يَقول: "وَلِكَيْ يُبَيِّنَ غِنَى مَجْدِهِ عَلَى آنِيَةِ رَحْمَةٍ". وَهُنا يأتي الفِعْلُ بِصيغَةِ المَبْني للمَعلوم. فَهُوَ "يَصْنَعُ" آنِيَةَ الرَّحمة، وَهُوَ "يَحتَمِلُ" تلكَ الآنية المُهَيَّأة للهلاك. فاللهُ فَاعِلٌ في الفِداء، ولكِنَّهُ غيرُ فَاعِلٍ في الإدانَة.

ونَقرأُ في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 19: "فَإِنَّهُ قَدْ مَلَكَ الرَّبُّ الإِلهُ". وكما تَعلمونَ، فإنَّنا نَسمعُ هذهِ العِبارة فنُفَكِّر في التَّرنيمة "الرَّبُّ يَمْلُك، الرَّبُّ يَملُك". ولكِنْ لا أدري إنْ كُنَّا نَعلمُ ما نَتحدَّثُ عنهُ عندما نَقولُ ذلك. فما مَعنى ذلك؟ إنَّها تَعني أنَّهُ يَأخُذُ كُلَّ قرارٍ تَمَّ اتِّخاذُهُ بخصوصِ كُلِّ شيء. فهو يَملُك. فبِصِفَتِهِ العَلِيَّ، فإنَّهُ يَترأَّسُ جُنْدَ السَّماءِ ولا يَستطيعُ أحدٌ أنْ يُقاوِمَ مَشيئَتَهُ أوْ أنْ يَقولَ لَهُ: "ماذا تَفعل؟" فهو يَعملُ كُلَّ شيءٍ حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشيئَتِه.

وَهُوَ الفَخَّارِيُّ السَّماويُّ الَّذي يُمسِكُ بَشَرِيَّتَنا السَّاقطةَ كَقِطعة مِنَ الطِّين. وَهُوَ يَصنَعُ مِنها آنية لِلكرامة، ويَحتَمِلُ أولئكَ الَّذينَ اختاروا أنْ يَصنَعُوا مِنْ أنفُسِهِم آنيةَ لِلهَوان. وهو الَّذي يُقَرِّرُ ويُحَدِّدُ مَصيرَ كُلِّ شخص، ويَتحكَّم في كُلِّ التَّفاصيلِ المُختصَّة بحياةِ كُلِّ فَرْد. وهذه طريقة أخرى نَقولُ فيها إنَّ اللهَ هُوَ الله. وأوَدُّ أنْ أقولَ لكم إنَّ الشَّيءَ البَغيضَ حَقًّا في نَظري هو أنْ نُفَكِّرَ في اللهِ كما لو كانَ يَتَعَرَّضُ دائمًا للهزيمة على يَدِ الشَّيطان. فَهذا تَجديفٌ.

ولكِنَّ عقيدةَ الاختيارِ هذهِ ليسَت سَهلةَ القَبول. فالبعضُ مِنكُم يَشعرُ بالألمِ الذِّهنيِّ الآن. فهذهِ العقيدة تُؤلِمُ قليلاً. والحقيقة هي أنَّهُ قد يُساعِدُكُم في تخفيفِ الألم أنْ تَعلموا أنَّها عقيدة مُؤلمة جدًّا حَتَّى إنَّ السَّببَ الوحيدَ الَّذي يَجعلُ أيَّ شخصٍ يؤمِنُ بها هو أنَّها موجودة في الكتابِ المقدَّس. فنحنُ لا نَخْتَلِقُها وَحَسْب. فلا يُمكن لأيِّ إنسانٍ، أو أُناسٍ، أو لَجنة أنْ تَختَلِقَ هذهِ العقيدة. ولا يُمكننا أنْ نَختَلِقَ عقيدةَ جَهَنَّمَ الأبديَّة أيضًا لأنَّ هذه العقائد تُنافي ما يُمليه علينا ذِهْنُنا البَشَرِيّ. وهي تُنافي ما تُمليهِ علينا مَشاعِرُنا القلبيَّة البشريَّة.

انظروا! أنا لا أَفهمُ الثَّالوث. ولكِنَّ هذا لا يَعني أنَّ هذه العقيدة غير صحيحة. فأنا لا أستوعِبُ الثَّالوث. وأنا لا أدري ما مَعنى أنْ يكونَ اللهُ ثلاثة أقانيم في واحِد. وأنا لا أَستوعِبُ الحَبَلَ العُذريَّ. فهذا أمرٌ يَستعصي استيعابُهُ. وأنا لا أستوعِبُ شَخصَ المسيحِ وطَبيعَتَهُ. وهناكَ أمور كثيرة لا يمكنني أن أفهمَها. وهناكَ أشياء كثيرة لا يُمكنُ استيعابُها في نَظري، ولكنِّي أُوْمِنُ بها لأنَّها مُعلَنة في الكتابِ المقدَّس. وأنا لا أُمانِعُ حَتَى في وُجودِ بعضِ التَّناقُضاتِ الظَّاهريَّة. وَحَتَّى إنَّني لا أُمانِعُ في أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقول: "كُلُّ مَنْ"، أوْ في أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ أيضًا إنَّ يَسوعَ بَكى على أورُشَليمَ وقالَ: "وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ".

وقد تَقول: "وَما مَعنى هذهِ الآيات؟" إنَّها تعني، ببساطة، أنَّ كُلَّ مِنْ يأتي يُمكِنُهُ أنْ يأتي. وأيُّ شخصٍ يأتي سَيَتِمُّ قُبولُهُ. وقد تَقول: "وكيفَ يَتَّفِقُ هذا الكلامُ مَعَ عَقيدةِ الاختيار؟" لا أدري. ولكِنْ، أَلا تَشعرونَ بالتَّعزية بسبب حقيقة أنَّني لا أَعلَم لأنَّهُ لو كانَ عَقلي مِثلَ عَقلِ اللهِ فإنَّ هذا سيكونُ مُرَوِّعًا.

فهناكَ أشياء كثيرة جدًّا لا أَعرِفُها. وإنْ سألتُكُم سؤالاً بسيطًا جدًّا وقلتُ لكم: "مَنْ كَتَبَ رسالة رُومية؟" ماذا ستقولون؟ لا يُمكِنُكُمْ حَتَّى أنْ تَقولوا ذلك. أليسَ كذلك؟ فأنا أسمعُ أُناسًا يَقولونَ بِتَرَدُّد: "بوو..وو..لُس". وفجأةً، فإنَّكُم تَتوقَّفونَ عن قَولِ ذلكَ لأنَّكُم تَعلمونَ أنَّ هذا ليسَ الجَوابَ الكامِل. أليسَ كذلك؟ وأنتُم تقولون: "حَسَنًا، إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ الَّذي كَتَبَها". هل هو بولُس أَمِ الرُّوح القدس؟ كِلاهُما. وما مَعنى ذلك؟ أنَّ بولسَ كَتَبَ آية، والرُّوحَ القُدُسَ كَتَبَ آية أخرى، ثُمَّ كَتَبَ بولس آية، وَكَتَبَ الرُّوحُ القُدُسُ آية؟ كيفَ نَفهمُ ذلك؟

وقد تَقول: "هل خَرَجَتْ كُلُّ كلمة مِنْ ذِهنِ بولس؟ وهل صِيْغَتْ كُلُّ كلمة بِمُفرداتِ بولُس؟ وهل خَرَجَتْ كُلُّ كلمة مِن قَلبِه؟" بِكُلِّ تأكيد. ولكِنْ أيضًا، كُلَّ كلمة خَرَجَتْ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. وكيفَ يُمكن لهذا أنْ يَحدُث؟ هذا أمرٌ لا يُمكنني أنْ أَستوعِبَهُ أوْ أنْ أَفهَمَه.

ويُمكنني أنْ أسألكُم سؤالًا آخر حيثُ إنَّكُمْ أَبْدَعْتُم في السُّؤالِ الأوَّل: هل كانَ يَسوعُ إلَهًا أَمْ إنسانًا؟ أجل. فالإجابةُ الصَّحيحة هي: أجل. ولكِنْ كيفَ يمكن أنْ تكونَ واثقًا مِئَة بالمئة أنَّهُ الله، ومِئة بالمئة أنَّهُ إنسان؟ فلا يُمكنكَ أنْ تكونَ واثقًا مِئَتين بالمئة مِن شيءٍ ما؟ وكيفَ يُعقلُ أنْ يكونَ إنسانًا كاملاً وإلهًا كاملاً؟ هذا شيءٌ يَفوقُ استيعابَنا. فعندما تَقولُ عَنْ شيء إنَّهُ مئة بالمئة، فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. ولكِنْ إنْ كنتَ إنسانًا كاملاً، لا يُمكنكَ أن تكونَ إلهًا كاملاً. وإنْ كنتَ إلهًا كاملاً لا يمكنكَ أن تكونَ إنسانًا كاملاً. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ، كانَ يسوعُ كذلك. وما أعنيه هو أنَّ هناكَ أمثلة لا تُعَدُّ ولا تُحصَى عن ذلك.

فإنْ سألتُكُم سؤالاً بسيطًا آخر: مَنْ يَحيا حَياتَكَ المسيحيَّة؟ ماذا ستُجيبون؟ هَيَّا! فهذا شيءٌ يَنبغي أنْ تَفعلوهُ كُلَّ يوم. مَنْ يَحيا حَياتَكَ المسيحيَّة؟ قد تقول: "أنا". حَقًّا؟ حَقًّا؟ أنتَ تَحياها؟ وقد تقول: "لا، ليسَ أنا". وقد تقول: "إنَّ المَسيحَ هو الَّذي يَحياها". إذًا، أنتَ تُلقي كُلَّ اللَّومِ عليه؟ وما أعنيه هو أنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تُعْزِي الفَضْلَ إلى نَفسِك، ولا تَستطيعُ أنْ تَلومَهُ هُوَ. لِذا فإنَّنا أمامَ مُشكلة هنا.

فكما تَعلمونَ، هناكَ "التَّقَوِيُّونَ" (pietists) الَّذينَ ويقولون: "سوفَ أَقمَعُ جَسدي، وأَضبُطُ نفسي، وأَحيا الحياة المسيحيَّة". وهُناكَ "المُسْتَكينونَ" (quietists)، مِثْلَ جَماعة "الكويكرز" (quakers) الَّذين يقولون: "سوفَ أُسَلِّمُ الأمرَ للهِ وَهُوَ يُجْري". وقد تَطَرَّفَ هؤلاءِ كثيرًا حَتَّى صَاروا سَلبِيِّينَ، كَما تَعلمون. وقد خَرَجَتْ حَركة "كيزويك" (Keswick) مِن ذلك، والحياة المَصلوبة، وكُلّ تلكَ الأنواع الغريبة مِنَ الآراء المُستَكينَة. إذًا، مَنِ الَّذي يَحيا حَياتَكَ المسيحيَّة؟

وقد تقول: "إنْ كانَ هناكَ شيءٌ خاطئ، أنا السَّبب. وإنْ كانَ هناكَ شيءٌ صائب، هو السَّبب". وَهُمْ يقولونَ إنَّهُ سِرٌّ لا يُمْكِنُ فَهْمُه. وقد قالَ الرَّسولُ بولسُ ما يَلي عن ذلك: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ" (في رسالة غلاطيَّة 2: 20) "فَأَحْيَا ... لاَ أَنَا". أَتَرَوْنَ؟ فَهُوَ حَتَّى لم يَكُن يَعرِفُ الجَواب. وقد قالَ "جون موراي" (John Murray) قبلَ سَنواتٍ إنَّهُ في كُلِّ عقيدة رئيسيَّة في الكتابِ المقدَّس هناكَ تَناقُضٌ ظَاهِرِيّ. فهناكَ تَناقُضٌ لا حَلَّ لَهُ ويَستعصي على الفَهْم. وهذا يعني أنَّ اللهَ هو الله. وحَقيقةُ وجودَ الكثيرِ مِن هذه التَّناقُضات في الكتابِ المقدَّس تَعني أنَّ الكتابَ المقدَّسَ لم يُكْتَبْ بواسطة بَشَر. وأنا أَعرفُ عَمَلَ المُحَرِّرينَ. فَهُمْ يُصْلِحونَ تَناقُضاتٍ كهذه.

لِذا، لأنَّنا نُؤمِنُ بأنَّ يسوعَ هو الله فإنَّ هذا لا يَعني أنَّنا لا نُؤمِنُ بأنَّهُ إنسان. ولأنَّنا نُؤمِنُ بأنَّهُ وُلِدَ مِنْ أُمٍّ بَشريَّة فإنَّ هذا لا يَعني أنَّنا لا نُؤمِنُ بأنَّهُ وُلِدَ مِنَ الله. ولأنَّهُ يجب علينا أنْ نُثابِرَ في إيمانِنا فإنَّ هذا لا يَعني أنَّنا لسنا مَضمونين. ولأنَّ الكتابَ المقدَّسَ كُتِبَ بأيدي كُتَّابٍ بَشَرِيِّين فإنَّ هذا لا يَعني أنَّنا لا نُؤمِنُ بأنَّهُ كُتِبَ بِوَحْيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس.

ولأنَّهُ يجب علينا أنْ نَضبُطَ أنفُسَنا لكي نَحيا الحياةَ المسيحيَّة فإنَّ هذا لا يَعني أنَّنا لا نُؤمِنُ أنَّ المَسيحَ يَحيا فينا. ولأنَّنا نُؤمِنُ بعقيدةِ الاختيارِ فإنَّ هذا لا يَعني أنَّنا لا نُؤمِنُ بمسؤوليَّةِ الإنسان. فهذه تَناقُضات ظاهريَّة لا يُمكِنُنا أنْ نَحُلَّها. ولكِنَّ الخَطَرَ يَكْمُنُ في أنَّكَ قد تَهْدِم الحَقَّ وتَخرُج بعقيدة مَنطقيَّة مُتوسِّطة. فهذا خَطير.

لِذا فإنَّ التَّعليمَ الكِتابِيَّ الَّذي لا تَشوبُهُ شائبة هو عقيدة الاختيار. وَحَتَّى إنَّ عِلْمَ الله الآب السَّابق .... فَبُطرسُ يَتَحَدَّثُ في رسالته الأولى والأصحاح الأوَّل عَنْ عِلمِ الله السَّابق: "الْمُخْتَارِينَ بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِق". انظروا قليلاً إلى تلكَ الآية. وسوفَ أَخْتِمُ بهذه الفِكرة ونُكمِل في مساءِ يومِ الأحد المُقبِل. ولكِنْ في رسالة بُطرس الأولى 1: 1، يَقولُ بُطرس: "إلى الْمُخْتَارِينَ...". "إلى المُختارينَ". ثُمَّ إنَّهُ يقولُ في العدد الثَّاني: "بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِق". وَهُمْ يقولونَ: "آه! هذا هو المقصود. وهذا هو المِفتاحُ هُنا. بِمُقتَضَى عِلْمِ اللهِ السَّابِق". وَهُمْ يَقولونَ مُباشَرَةً: "ما مَعنى ذلك؟ هذا يعني أنَّ اللهَ يَعلمُ ما ستَفعَلُه. أليسَ كذلك؟ قبلَ أنْ تَفعَلَهُ. إنَّهُ عِلْمُ اللهِ السَّابِق".

فاللهُ، مُنذُ الأزَلِ السَّحيق، لأنَّهُ كانَ يَعلمُ كُلَّ شيءٍ سيَحدُث، نَظَرَ إلى السِّجلَّاتِ التَّاريخيَّة وقال: "آه، أنا أَرى ما سيَحدُث. هذا جون ماك آرثر. فهو سَيُولَدُ في تلكَ العائلة المسيحيَّة. وَهُوَ سَيَسمعُ الإنجيل، وسيؤمِن بالإنجيل. لِذا سوفَ أختارُهُ". ألا تَعتقدونَ أنَّ هذا التَّفكيرَ غَريب؟ إنَّهُ ما يُؤمِنُ بِهِ أغلبيَّةُ المسيحيِّين. فهذا هو ما يُؤمِنُ بهِ أغلبيَّةُ المسيحيِّينَ ويُعَلِّمونَهُ.

ولكِنَّ هذا يُشْبِهُ التَّبَصُّر في ما سيَفعَلُهُ النَّاسُ. والمُشكلة في هذا التَّفكير هو: كيفَ سًيَنْجَحُ هؤلاءِ الخُطاة الأموات في إِقامَةِ أنفُسِهِم للقيامِ بهذا الأمر مِنْ دونِ مُساعَدَة مِنَ الله؟ أَجيبوا عَن هذا السُّؤال. فكيفَ سيقوم هؤلاء الخُطاة تمامًا، والعُميان تمامًا، والأموات تمامًا باتِّخاذِ الخُطواتِ الكفيلة بِصُنْعِ القَرارِ الَّذي يُؤدِّي إلى خَلاصِهم؟ كيفَ سيَفعلونَ ذلك؟

لا يُمكنهم أن يَفعلوا ذلك. "هَلْ يُغَيِّرُ الْكُوشِيُّ جِلْدَهُ؟ أَوِ النَّمِرُ رُقَطَهُ؟ فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَقْدِرُونَ أَنْ تَصْنَعُوا خَيْرًا أَيُّهَا الْمُتَعَلِّمُونَ الشَّرَّ!" إذًا، كيفَ سيَحدُث ذلك؟ فإنْ كانَ اللهُ يَنظُرُ وَحَسْب إلى أسفَل ويَرى مَنِ الَّذينَ سيَأخذونَ هذا القَرار، فإنَّ اختيارَهُ ليسَ قائمًا على مَسَرَّةِ مَشيئَتِه، بل هُوَ قائِمٌ على استحقاقِهِم. أليسَ كذلك؟ فهو قَائمٌ على استحقاقِهم. فالأشخاصُ الصَّالِحونَ سَيَختارونَني. لِذا فإنَّني سأختارُهُم.

فلا عَلاقة لهذا الأمر بِكُلِّ هذهِ الآياتِ الَّتي قرأنا. لا عَلاقة البَتَّة بِها. وبالمُناسبة، فإنَّ الآية تَقول: "الْمُخْتَارِينَ بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ". ولكِن أريدُ منكم أن تَنظروا إلى العدد 20، بل في العدد 19. فَما هي الكلمة الأخيرة في العدد 19؟ ما هي؟ "المسيح". حسنًا. "المسيح". والآن، لاحِظوا الآتي: "الْمَسِيح، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأسِيسِ الْعَالَم". ولكِنَّ هذا يُوقِعُنا في مُشكلة. فإنْ كانَتِ المَعرفة السَّابقة تَعني أنَّ اللهَ يَنظُرُ إلى الأمام ويَرى ما سَيَحدُث [في العدد 2]، ينبغي أنْ يَكونَ مَعنى المعرفة السَّابقة مُماثِلا لِمَعناها في العدد 20. أليسَ كذلك؟

لِذا، هل هذا يَعني أنَّ اللهَ نَظَرَ إلى ما سيَحدُثُ لاحقًا وقال: "انظروا إلى ذلك! فالمسيحُ سَيَبذُل حَياتَهُ. حسنًا! إنْ كانَ سيَفعل ذلك، سوفَ أَجعَلُهُ مُخَلِّصًا". وما أعنيه هو أنَّهُ مِنَ الواضحِ أنَّ المَعرفة السَّابقة لا يُمكن أنْ تَعني ذلك لأنَّ المسيحَ قالَ إنَّهُ جاءَ لا لِيَفعَل مَشيئَتَهُ، بل لِيَفعل مَشيئةَ أبيه. لِذا فإنَّهُ يُدعَى "المَسيح مُخْتَاري".

وقد تقول: "حسنًا، إذًا ما مَعنى المعرفة السَّابقة؟" إنَّها تَرجمة للكلمة "بروغنوسيس" (prognosis). وقد اشتَّقَّيْنا الكلمة "بروغنوسيس" (prognosis) مِنها؛ وهي تُستخدَمُ في المَجالِ الطِّبِّيِّ. وهي تُشيرُ إلى اختيارٍ تَمَّ سابقًا. فهي تُشيرُ إلى اختيارٍ تَمَّ سابقًا. فالمسيحُ كانَ مَعروفًا سابقًا. وهذا يعني أنَّهُ كانَ مَعروفًا مِنَ اللهِ بالمَفهومِ الحَميمِ بوصفِهِ المُخَلِّص والفادي قبلَ تأسيسِ العالَم. فهي تُشيرُ إلى المَعرفة الحميمة. أو كما نَقرأُ في العهد القديم عن إسرائيل: "إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ". فهل هذا يعني أنَّ اليهودَ هُمُ الشَّعبُ الوحيدُ الَّذي عَرَفَهُ اللهُ؟ لا، بل إنَّهُ يَتحدَّثُ عنِ المَعرفة المُشار إليها في سِفْر التَّكوين. فقد عَرَفَ قَايِينُ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ ابنًا. وهذا لا يَعني أنَّهُ عَرَفَ اسْمَها. وهذا لا يَعني أنَّهُ عَرَفَ مَنْ تَكون. بل يَعني أنَّهُ كانَ يَتمتَّع بعلاقة حَميمة مَعَها فَأنجَبَ مِنها ابنًا.

وقد قالَ يسوعُ مَا يَلي في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 10: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا". وَهُوَ يَتحدَّثُ هنا عنْ علاقةِ المحبَّة الحَميمة. وقد كانتِ الصَّدمة هي أنَّ مَريم حَبِلَت وأنَّ يوسُف لم يَكُنْ قد عَرَفَها. ونحنُ نَستخدِمُ هذا التَّعبير حَتَّى اليوم. فنحنُ نَستخدِمُ العِبارة "مَعرفة جسديَّة" للإشارة إلى الاتِّحادِ الجِنسيِّ أوِ المَعرفة الحَميمة. والمقصودُ هنا بالمَعرفة السَّابقة هو "العلاقة الحميمة المُقَرَّرة سَابقًا". فكما أنَّ الآبَ كانَ يَتَمَتَّع بعلاقة مُعَيَّنة سَابِقًا مَعَ الابن سَتَجْعَلُهُ يَبذلهُ ذبيحة عنِ الخطيَّة وأنْ يَسفُكَ دَمَهُ الثَّمين كَحَمَلٍ بلا عَيْبٍ أوْ دَنَس، فإنَّ الآبَ كانَ يَتمتَّع بعلاقة حَميمة معَ أولئكَ الَّذينَ اختارَهُم. فالمعرفة السَّابقة هي اختيارٌ مَقصود.

وهناكَ نَصٌّ آخر نَخْتِمُ بِهِ حَديثَنا. أعمال الرُّسُل 2: 23. وسوفَ أَختِمُ بهذا النَّصّ. هذا وَعْد! فهناكَ الكَثيرَ لأتحدَّثَ عنه. أعمال الرُّسُل 2: 23. وهذا يَحْسِمُ كُلَّ النِّقاشِ إنْ بَقِيَ هُناكَ أيُّ نِقاشٍ بخصوصِ موضوعِ المَعرفة السَّابقة. فبُطرُس يَنهضُ في العدد 22 ويَعِظُ قائلاً: "يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ". "هذَا الرَّجُل [في العدد 23] ... يَسوعُ هذا" أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا...". فقد ظَنُّوا أنَّهم قد صَلَبوه. وقد ظَنُّوا أنَّها كانَتْ خُطَّتُهُم. ولكِنْ لا، لا. "هذا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ". وما هي العِبارة التَّالية؟ "وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ".

أنتُم مُذنِبون. وأنتُم مَسؤولون. فأنتُم فَعلتُم ذلك. أنتُم فَعلتُم ذلكَ بِإرادَتِكُم. ولكِنَّ اللهَ كانَ قد عَيَّنَ ذلكَ سابقًا. فقد كانَ ذلكَ مُعَيَّنًا سابقًا في خُطَّتِهِ ومَعرِفَتِهِ السَّابقة. وهذا يعني أنَّ القرار السَّابق والمَعرفة السَّابقة لا تَعني ببساطة أنَّهُ يَملكُ المعلومات عَمَّا سيحدث، بل إنَّهُ عَيَّنَ ذلكَ سابقًا. لِذا فإنَّنا نَفهمُ [إذًا] أنَّ الكتابَ المقدَّسَ واضحٌ جِدًّا بخصوصِ عقيدة الاختيار.

وهذا يَطرحُ سُؤالاً لا مَفَرَّ مِنهُ عن سَبَبِ قيامِ اللهِ بذلك. وسوفَ نُجيبُ عن هذا السُّؤالِ في مساءِ الأحدِ القادم في ما أعتقد أنَّهُ سيكونُ أَهَمّ وأقوى وأعظم فَهْمٍ لموضوعِ الفِداء يُمكِنُنا أنْ نَحصُلَ عليه. وأعتقد أنَّكم إذا كُنتُم معنا في مساءِ الأحد القادم فإنَّ عَقلَكُم لن يُشْبَعَ وَحَسْب، بل إنَّ نُفوسَكُم سَتُشبَعُ أيضًا. وهذا سيَمنَحُكُم فَرَحًا أعظَمَ بخلاصِكُم لم تَختبروهُ مِنْ قبل. ولكِنَّنا سَنُؤجِّل ذلكَ إلى المَرَّة القادمة. دَعونا نُصَلِّي:

يا أبانا، نحنُ مُتَحَمِّسونَ لمعرفةِ هذا الحَقِّ المجيد. مُتَحَمِّسونَ ومَدهوشونَ حَقًّا لأنَّكَ اخترتَنا. ونحنُ نَسألُ: "لماذا نَحن؟" لماذا نحن؟ ونحنُ نَشكُرُكَ، يا رَبّ، على خلاصِكَ المُنْعِم، ونَشكُرُكَ لأنَّ ذلكَ الخلاصَ الَّذي لا يُمكِنُنا أنْ نَستوعِبَهُ، مُتاحٌ لِكُلِّ شخصٍ يَنظُر إلى المسيحِ ويُؤمِن بِهِ. لِكُلِّ مَنْ يأتي إليه. وفيما يَختصُّ بكيفيَّةِ التَّوفيقِ بينَ هذا الأمرِ وَبينَ اختيارِكَ النَّابع مِنْ سِيادَتِك، فإنَّهُ أَمرٌ مَتروكٌ لَكَ أنتَ، لا لَنا نَحْن.

ولكِنَّنا نَعلمُ أنَّ يَسوعَ يَبكي على أولئكَ الَّذينَ لن يأتوا. ونحنُ نَشكُرُكَ مِنْ جِهَة على الأشخاصِ الَّذينَ لم يَقبلوا المسيحَ، ونَسألُكَ أنْ تُنْهِضَ نُفوسَهُم المَيِّتة، وأنْ تُعطيهم بَصَرًا لِعُيونِهِم الَّتي لا تَرى لكي يَرَوْا المسيحَ دُونَ مُقاومة أمامَهُم ويَركُضوا إليهِ طَلَبًا للخلاص. نُصَلِّي باسْمِهِ. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize