Grace to You Resources
Grace to You - Resource

سوفَ نَعودُ الآنَ، بِنِعمةِ اللهِ، إلى كلمةِ اللهِ المُنعِشَة. ونحنُ نَتحدث عن عقيدة الاختيار؛ أي عنِ اختيارِ اللهِ الَّذي يَختارُ مَن يَشاء. وهذهِ العقيدة هي مَثارُ جَدَلٍ (كما تَعلمون). فعقيدةُ الاختيار الإلهيّ، وحقيقةُ التَّعيينِ السَّابقِ، تَخوضُ نِقاشًا كبيرًا. وأغلبيَّةُ النِّقاشاتِ يُمكن أنْ تَحْتَدِمَ جدًّا.

والحقيقة هي أنَّنا إنْ قُلنا إنَّ هناكَ أُناسًا يَكرهونَ فِكرةَ التَّعيين السابق، فإنَّنا لا نُبالِغ. فهناكَ أُناسٌ يَكرهونَ فِكرةَ الاختيار الإلهيّ أوِ الاختيار بِمُقتضى سِيادَةِ الله. والحقيقة هي أنَّ هناكَ أُناسًا يَقولونَ إنَّ هذه العقيدة شيطانيَّة ... أنَّ العقيدة نَفسَها شيطانيَّة. فهي إهانَة كبيرة لِشُعورهم بالعَدالة وشُعورهم بما يَظُنُّونَ أنَّهُ حَقّ حَتَّى إنَّ هُناكَ أشخاصً يَزعمونَ أنَّهم مسيحيُّونَ يَرَوْنَ أنَّ هذه العقيدة جاءت مِنْ عَدُوِّ اللهِ وليسَ مِنَ اللهِ نَفسِه.

وفي نَظَرِ أُناسٍ كثيرين فإنَّ المَنطِقَ يقول إنَّهُ ليسَ مِنَ الإنصافِ في شيء أنْ يَختارَ اللهُ مَنْ سَيَخلُص. وفي نَظَرِ أشخاصٍ آخرين، مِنَ الصَّعبِ عليهم (عاطفيًّا) أنْ يَقبلوا ويَحتملوا فِكرةَ أنَّ اللهَ يُمكن أنْ يُقَرِّر مَنْ سَيُخَلِّص. وفي نَظَرِ أشخاصٍ آخرين (ورُبَّما في نَظَرِ نَفسِ الأشخاصِ الَّذينَ يَنتمونَ إلى الفِئتينِ السَّابِقَتَيْن) يبدو أنَّ هذه العقيدة تُعارِض مَشيئةَ الإنسانِ الحُرَّة وقُدرَتَهُ على الاختيار؛ وهو أمرٌ يَرى أُناسٌ كثيرونَ أنَّهُ حَقٌّ للبَشَر.

وأنا أَفهمُ هذه المشاعر. فهي عقيدة يَصعُبُ قَبولُها. وكُلُّ مَنْ فَهِمُوا مِنَّا ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن عقيدةِ الاختيارِ لا بُدَّ أنْ يُواجِهوا الحُجَجَ العقلانيَّة الَّتي تقولُ إنَّ هذهِ العقيدة لا تَبدو عادِلة، وإنَّها لا تَبدو مُنْصِفَة، وإنَّها لا تَبدو مُقْسِطَة، وإنَّها لا يُمكن أنْ تَكونَ هكذا. ولا بُدَّ لنا جميعًا أنْ نَتعامَلَ معَ المسائلِ العاطفيَّة الَّتي تَقولُ إنَّ هذا مأساويٌّ، وإنَّهُ أمرٌ مُحزِنٌ أنْ لا يَنظُرَ اللهُ إلى بعضِ الخُطاة. ولا بُدَّ لنا جميعًا أنْ نَتعاملَ معَ حقيقةِ أنَّهُ بالرَّغمِ مِنْ أنَّنا نَملِكُ إرادة، ونَملكُ القُدرة على الاختيار، فإنَّ ذلك [في نِهايةِ المَطاف] ليسَ مُستقلًّا عنِ الله.

لِذا، أنا أَفهمُ كيفَ تَشعرون. وأنا أَفهمُ كيفَ تُفَكِّرون. وأنا أَفهمُ كُلَّ هذهِ الأشياء لأنَّهُ لا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَفهمَ ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن عقيدةِ الاختيارِ الإلهيِّ مِن دونِ أنْ يُفَكِّرَ في كُلِّ هذهِ القضايا. ولكِنِّي أقولُ مَرَّة أخرى إنَّ الأشياءَ الَّتي تَروقُ لِعَقلي، وتَروقُ لِعَواطِفي، وتَروقُ لإحساسي بالحُريَّة هي ليسَتِ الأشياء الَّتي تُقَرِّرُ الحَقَّ.

لِذا، يجب علينا أنْ نَرجِعَ إلى تلكَ النُّقطة. أنا لستُ اللهَ. وفي حين أنَّ بعضَ الأشياءِ لا تَبدو مَنطقيَّة في نَظري، فإنَّ مَنْطِقي سَاقِط. وفي حين أنَّ بعضَ الأشياء لا تُوافِق مَشاعري، فإنَّ مَشاعِري ساقطة. وفي حين أنَّ بعضَ الأشياء لا تُوافق شُعوري بالحُريَّة، فإنَّ حُرِّيَّتي ساقطة أيضًا. وهناكَ شيءٌ لا يُمكن أنْ أَفعلَهُ، ولا يَجوزُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَفعلَهُ عَمْدًا وهو أنَّهُ لا يجوزُ لنا أنْ نُصَوِّرَ اللهَ كما نُريدُ نَحْنُ. فلا يَجوزُ أنْ نُصَوِّرَ اللهَ حَسَبَ مَنْطِقِنا ومَشاعِرِنا وحُريَّتِنا. ولا يَجوزُ لنا أنْ نُصَوِّرَ اللهَ حَسَبَ ما نَظُنُّ أنَّهُ ينبغي أنْ يكونَ عليه. ولا يُمكنُنا أنْ نَتَخَيَّلَ أنَّ اللهَ يَعمل بالطَّريقة الَّتي نُريدُ مِنه أن يَعمل بها.

وبالرَّغمِ مِن ذلك، هناكَ أشخاصٌ يبدو أنَّهم يَتجرَّأونَ على مُحاولةِ القيامِ بذلك. ويبدو أنَّهُم لا يُبالونَ بحقيقةِ أنَّهُ مِنْ خِلالِ رَفضِهِم لعقيدةَ الاختيارِ الإلهيّ والتَّعيين السَّابق فإنَّهم ابتَدَعُوا إلهًا لا صِلَةَ لَهُ بإلَهِ الكِتابِ المقدَّس. وقد يكونُ الإلَهُ الَّذي صَوَّروهُ مَنطقيًّا أكثرَ في نَظَرِهِم، وقد يكونُ مُريحًا أكثر لهم، ورُبَّما يُلائِمُ غَرائِزَهُم أكثر؛ ولكِنَّ الحقيقة هي أنَّ ذلكَ الإلَهَ الَّذي صَوَّروه هو ليسَ اللهَ الحقيقيّ.

وأيُّ سُوءِ تَمثيلٍ للهِ، وأيُّ تَحريفٍ للهِ، وأيُّ تَقليلٍ مِن شأنِ اللهِ يَقودُ إلى تَخَيُّلِ إلَهٍ في أذهانِكُم لا صِلَةَ لَهُ باللهِ الحقيقيِّ الحَيِّ. وحالاتُ سُوءِ التَّمثيلِ هَذهِ تُفسِدُ (لا مَحَالة) عِبادَتَنا، وتُفسِدُ خِدمَتَنا لَهُ، ويُمكن أنْ تَكونُ تَجديفًا وَجَهلاً أيضًا.

ومِنَ الأمثلةِ على ذلك (مِنْ جَانِبٍ آخر يَختصُّ بطبيعةِ اللهِ) هو الخَلْق. فإنْ كُنتَ تُؤمِنُ بنظريَّة النُّشوء، وإنْ كُنتَ تَرفُض فِكرةَ أنَّ اللهَ خَلَقَ الكَونَ في سِتَّة أيَّام، وإنْ لم تَكُن تَقبل ذلكَ كحقيقة، بل تُؤمِن أنَّ هناكَ عمليَّة نُشوء تَجري، فإنَّكَ سَلَبْتَ اللهَ جُزءًا مِنْ مَجدِهِ. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ يجب أنْ يُمَجَّدَ بوصفِهِ الخالِق.

وحقيقةُ أنَّ الوقتَ يَتجزَّأ (بصورة غير قابلة للتَّوضيح حَقًّا بِمَعزِلٍ عنِ الخَلْق) إلى سَبعة أيَّام هي تَذكيرٌ دائمٌ لنا بأنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ شيءٍ في سِتَّة أيَّام. فلا يوجد سَبَب يَدعونا إلى تَجزئةِ الأشياء إلى سبعة أيَّام. ولكِنَّ الحياة البشريَّة نَفسَها هي تَذكيرٌ دائمٌ لنا (مِنْ خِلالِ دَوراتٍ الزَّمن) بأنَّ اللهَ هو الخالِق، وبأنَّهُ يجب أنْ يُمَجَّد بوصفِهِ الخالِق. وإنْ كُنَّا نُصَدِّقُ أنَّ هناكَ، بطريقة مَا، قُوَى أخرى، أوَّ أنَّ هناكَ قُوى أخرى تَعمل على الخَلْقِ خَارِجَ نِطاقِ ما يُنْسَبُ في الكتابِ المقدَّسِ إلى اللهِ، فإنَّ هذا يَعني أنَّنا نَسلِبُ اللهَ مَجدَهُ. وأيُّ تَشويهٍ لطبيعةِ اللهِ تَنقِلُكُم إلى مُستوى أَدنى شأنًا مِنْ حَقيقةِ اللهِ. لِذا فإنَّهُ يُفسِدُ العِبادة لأنَّهُ يُفسِدُ فَهمَكُم لِطبيعَةِ الله.

نحنُ لدينا مَنطِق. والمَنطِقُ (بحسب ما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاح 1) يُساعِدُنا على الاستنتاجِ بأنَّهُ يوجد إلَه. ونحنُ لدينا مَشاعر. والمشاعرُ تَمنَحُنا القُدرة على إقامةِ علاقاتٍ بعضِنا ببعض؛ وهو شيءٌ غير مُتاح للحَيَواناتِ والنَّباتات. والعاطفة تُعطينا أيضًا امتيازَ الارتباطِ بالله. ونحنُ لدينا إرادة. فنحنُ نَتصرَّف (في جَوانِب مُعَيَّنة) بِقَدرٍ مِنَ الحُريَّة. ولكِنَّ مَنطِقَنا سَقَطَ عندما سَقَطَ آدم. وعواطِفُنا سَقَطَتْ عندما سَقَطَ آدم. وحُريَّتُنا سَقَطَت عندما سَقَطَ آدم. لِذا، فإنَّ كُلَّ مَلَكاتِنا [الَّتي ما تَزالُ باقية لدينا إذْ إنَّ هُناكَ بعض العَناصِر المُتَبَقِّية مِن تلكَ المَلَكاتِ الَّتي أُعطِيَتْ لآدَمَ قبلَ السُّقوط]، فإنَّ كُلَّ مَلَكاتِنا هي (بدرجة أو بأخرى) فاسِدَة. فَمَنْطِقُنا فاسدٌ بسببِ الجسد. وعواطِفُنا فاسدة بسبب الجسد. وإرادَتُنا وحُرِّيَّتُنا فاسدة بِكُلِّ تأكيد بسبب الجسد.

لِذا، لكي يَعملَ المَنطِق، وتَعملَ المشاعر والإرادة كما يُريدُ منها اللهُ أنْ تَعمل، لا يُمكن أنْ تُترَك لنفسِها لأنَّها سَاقطة؛ بل يجب أنْ تَخضَع لِسُلطانِ مَنْ؟ الكتاب المقدَّس. فالأشياءُ المنطقيَّة حقًّا هي ليست بالضَّرورة تلكَ الَّتي تَبدو مَنطقيَّة بالنِّسبة إلينا. والأشياءُ المُشبعةُ حقًّا هي ليست بالضَّرورة تلكَ الَّتي تَبدو مُشبعةً بالنِّسبة إلينا. والأشياءُ الَّتي تُعَبِّرُ حقًّا عن إرادَتِنا قد لا تَكونُ بالضَّرورة الأشياءَ الَّتي تَتوقُ إليها إرادَتُنا السَّاقطة.

والطريقةُ الوحيدةُ الَّتي يُمكننا مِن خلالها أنْ نَنظُرَ فيها نَظرةً غير فَاسِدَة إلى اللهِ هي أنْ نَلتجِئ إلى مَصْدَرٍ غير فاسِد. وما هو ذلك المَصدَر؟ إنَّهُ كلمةُ الله. لِذا، في كُلِّ مسألة تَختصُّ باللهِ، نحنُ نَلتجئُ إلى الكتابِ المقدَّس. وأنا أُدركُ أنَّ فِكرةَ أنَّ اللهَ يَختارُ أُناسًا للخلاصِ هي فكرة صَعبةُ القَبول. وأنا أُدركُ أنَّها صَعبة عَقلانيًّا لأنَّنا نُفَكِّرُ كثيرًا بما هو عَدْلٌ بحسبِ مَفهومِنا. وأنا أُدركُ أنَّهُ مِنَ الصَّعبِ علينا أنْ نَقبلَ ذلكَ عاطفيًّا. وَبِكُلِّ تأكيد، مِنَ الصَّعبِ أنْ نَقبلَ ذلكَ مِنْ جِهَةِ حُريَّةِ الإرادة البَشريَّة.

ولكِنَّ إنكارَ عقيدة الاختيار، أو إنكارَ عقيدة التَّعيين السَّابق لا يُغَيِّرُ أيَّ شيء لأنَّني إنْ قُلتُ إنَّكَ تَستطيعُ أنْ تَذهبَ إلى السَّماءِ على أساسِ اختيارِكَ، لا على أساسِ اختيارِ اللهِ، وإنَّكَ أنتَ مَنْ يُقَرِّر مَصيرَكَ، أيْ مَصيرَكَ الأبديَّ، وإنَّ الأمرَ يَتوقَّفُ عليكَ، وإنَّ اللهَ يَترُكُ الأمرَ بِرُمَّتِهِ لَكَ، فإنَّ السُّؤالَ الَّذي يَلي ذلكَ هو: "هل يَعلمُ اللهُ ماذا ستَفعل؟"

ولا بُدَّ أنَّ الجوابَ عن هذا السُّؤال هو: "أجل، إنَّهُ يَعلمُ ما ستفعل لأنَّهُ يَعلمُ كُلَّ شيء. ولأنَّهُ يَمْلِكُ أصلاً سِفْرًا مُنذُ الأزَلِ كُتِبَتْ فيهِ أسماءُ جَميعِ الأشخاصِ الَّذينَ سيُؤمِنون، فإنَّ اللهَ يَعلَمُ ذلكَ أصلاً. لِذا فإنَّ السُّؤالَ هو: إنْ كانَ يَعلمُ أنَّكَ لن تُؤمِن، لماذا خَلَقَكَ في الأصل؟ وما أعنيه هو: إنَّ هذا التَّفكيرَ لا يُخْرِجُكَ مِنَ المَأزِق.

وقد يأتي شخصٌ ويَقول (كما هي حالُ مَنْ يَعتنقونَ لاهوتَ الانفتاح): "حسنًا، إنَّهُ لا يَعلَم". ولكِنْ إنْ لم يَكُن يَعلم، لِمَ لا يَرمي هذا الشَّيء في الهواء مِثلَ أوراقِ الوُرود ويَجعَلُها تَسقطُ على أيِّ أشخاصٍ وَحَسْب؟ فَمِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّ ذلكَ سيكونُ كَارِثَةً. وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّهُ سيَطَرُدَ الشَّيطانَ مِنَ السَّماء. وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّ ثُلُثَ الملائكةِ سَيَسقُطونَ مَعَهُ. وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ كانَ يَعلمُ أنَّ آدَمَ وحَوَّاءَ سَيَفعلانِ ما فَعَلاهُ في جَنَّةِ عَدْن. مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ كانَ يَعلمُ كُلَّ ذلك. فلماذا يَفعلُ هذا؟ ولماذا يَخلِقُ البشرَ إنْ كانت هناكَ احتماليَّة جَهَنَّم؟ فأنتَ لا تَنجو حَقًّا مِنَ المأزِق.

وفي النِّهاية، هناكَ شيءٌ واحدٌ واضح: أنَّ اللهَ لم يُخَطِّط قَطّ أنْ يُخَلِّصَ الجميع. وقد تقول: "وكيفَ تَعلم ذلك؟" لأنْ ليسَ الجَميع يَخلُصون. إذًا، اللهُ لم يُخَطِّط أنْ يُخَلِّص الجميع؛ وإلَّا لَخَلَصَ الجَميع. أليسَ كذلك؟ لأنَّ اللهَ يَفعل ما يَشاءُ أنْ يَفعل. أليسَ كذلك؟ لِذا فإنَّ السُّؤالَ هو إذًا: لماذا يَتَخَطَّى اللهُ أُناسًا ويَختارُ أُناسًا؟ والجَوابُ هو: لِمَجدِهِ. ونحنُ نَقرأُ في رومية 9 (مَرَّة أخرى) أنَّ اللهَ يَتَمَجَّد في غَضَبِهِ كما في رَحمَتِهِ.

وهذه مسألة كبيرة. ولكِنَّ إنكارَ عقيدة التَّعيين السَّابق أو عقيدة الاختيار لا يَحِلُّ المُشكلة. وهناكَ شيءٌ واحدٌ واضحٌ وهو أنَّ اللهَ لم يُقَرِّر أنْ يُخَلِّص الجميع. فهذا واضح. وقد قالَ يسوعُ ذلكَ حينَ قال إنَّ كَثيرينَ يَسيرونَ في الطَّرِيقِ الرَّحْبِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَك. لِذا فإنَّ السُّؤالَ هو: إنْ كانَ اللهُ في قَصْدِهِ العادِلِ تمامًا والمُقَدَّسِ النَّابِعِ مِنْ سِيادَتِهِ كانَ قد عَيَّنَ أنْ يُخَلِّصَ البعضَ، ما هي الوسيلة الَّتي قَرَّرَ أنْ يَفعلَ ذلكَ مِن خلالِها؟

هل قَرَّرَ أنْ يَفعلَ ذلكَ (ببساطة) بطريقة عشوائيَّة مِن جِهَةِ الأشخاصِ الَّذينَ يَختارون، أَمْ أنَّهُ قامَ بالاختيارِ بنفسِه؟ أوَّلاً، لقد قَرَّرَ (كما نَعلَم) أنْ لا يُخَلِّصَ الجَميع؛ وإلَّا لن تكونَ هناكَ جَهَنَّم أبديَّة، ولن تكونَ هناكَ فئة قليلة تَنالُ الحياةَ الأبديَّة. لِذا فإنَّ السُّؤالَ الوحيدَ الباقي هو: مَنِ اخْتارَ الآخر؟ فهلِ النَّاسُ يَختارونَ اللهَ، أَمْ أنَّ اللهَ يَختارُ النَّاسَ؟ والجوابُ موجودٌ أين؟ في الكتابِ المقدَّس. في الكتابِ المقدَّس.

وفي المَرَّة السَّابقة، قَدَّمتُ لكم لائحة طويلة مِنَ الآيات الكتابيَّة لأنَّهُ مِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنْ أُساعِدَكُم على فَهْمِ هذهِ العقيدة. فهي ليست عقيدة مُستقلَّة بذاتِها. واسمحوا لي أنْ أَذكُرَ لكم المَزيدَ مِنَ الآيات. حسنًا؟ تَثنية 10: 14-15. تَثنية 10: 14-15. وأوَدُّ أنْ أُريكم أنَّهُ في كُلِّ مَوضِعٍ تَفتحونَ عليهِ الكتابَ المقدَّسَ ستَجدونَ نَفسَ الحَقّ. وإليكُم ما تَقولُهُ هاتانِ الآيَتان:

والحَديثُ هُنا هو عن إسرائيل إذْ إنَّ اللهَ قال: "هُوَذَا لِلرَّبِّ إِلهِكَ السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضُ وَكُلُّ مَا فِيهَا". وهذهِ جُملة تُشيرُ إلى سُلطانِ اللهِ المُطلَق. فهو يُهَيمِنُ على الكَونِ بأسرِه. "وَلكِنَّ الرَّبَّ إِنَّمَا الْتَصَقَ بِآبَائِكَ لِيُحِبَّهُمْ، فَاخْتَارَ مِنْ بَعْدِهِمْ نَسْلَهُمُ الَّذِي هُوَ أَنْتُمْ فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوب".

والآن، ما يَكتُبُهُ مُوسَى هُناكَ في سِفْر التَّثنية والأصحاح 10 هو أنَّ الرَّبَّ يَملِك كُلَّ شيء. فَكُلُّ ما في السَّماواتِ وسَماءِ السَّماواتِ، وكُلُّ ما في الأرضِ، كُلُّ شيءٍ هُوَ مِلْكٌ للهِ. وَمِنْها كُلِها اختارَكُمُ اللهُ (أيْ نَسْلَ إبراهيم) وَنَسْلَكُم، واختارَ أنْ يُحِبَّكُم فوقَ كُلِّ الشُّعوب". فهو الَّذي اختارَ. وقد عَبَرَ عَنْ كُلِّ الأُمَمِ الأخرى. وهذا ليسَ شيئًا مُستَبْعَدًا عنِ اللهِ في فترةِ العهد الجديد. فهو يَعملُ هكذا دائمًا. فَحَتَّى إنَّهُ اختارَ إبراهيم.

وفي العهد الجديد (في إنجيل مَتَّى 11: 27)، يَقولُ يَسوع: "كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِـــي" [ثُمَّ نَقرأُ هذهِ الكلماتِ المُهمَّة]: "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ"، ثُمَّ اسمعوا ما يَقول: "وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ". فالطريقة الوحيدة الَّتي يمكنكَ مِن خلالِها أنْ تَعرفَ اللهَ الآبَ هي إنْ شاءَ الابنُ أنْ يُعلِنَهُ لكَ. فَكُلُّ الحُقوقِ هي للثَّالوث. كُلُّ الحُقوقِ هي لله. وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.

ونَقرأ في إنجيل مَتَّى 22: 14: "لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ [ماذا؟] يُنْتَخَبُون". ولا أَدري كيفَ يُمكن توضيح ذلك بصورة أكبر! "لأنَّ كثيرينَ يُدْعَوْنَ..." [فهناكَ كِرازة واسعة وهائلة بالإنجيل] "...وقَليلينَ يُنْتَخَبون". وفي إنجيل مَرقُس والأصحاح 13 (وَمِنَ المُهِمِّ أنْ نَتحدَّثَ عن هذه الآياتِ لأنَّها مُهِمَّة في نَشْرِ هذا التَّعليم في جَميعِ أجزاءِ الكتابِ المقدَّس). مَرقُس 13: 20. ويسوعُ يَتحدَّث هنا عن زَمَنِ الضِّيقة في المستقبَل فيقول: "وَلَوْ لَمْ يُقَصِّرِ الرَّبُّ تِلْكَ الأَيَّامَ، لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ. وَلكِنْ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ [وَلكِنْ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ] الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ...".

وَنَجِدُ الجَوابَ هُنا. فَمَنِ الَّذي اختارَ الآخَر؟ هُوَ اختارَنا. فقد قَصَّرَ الأيَّامَ. ففي زَمَنِ الضِّيقة، ستَحدُث أمور مُرعبة، وستكونُ هناكَ دَينونة في كُلِّ العالَم. وسوفَ يَقْصُرُ الوَقْتُ. سوفَ يَقصُر. فسوفَ يَقصُر جِدًّا، وإلَّا لن يَنجو حَتَّى المُختارون. ولكِنْ لأجلِ [ليسَ الجميع، ولا العالَمِ كُلِّه]، "ولكِنْ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ".

ونَقرأُ في الأصحاح الحادي عَشَر مِنْ رسالة رُومية (وأنا لا أَذكُرُ لكم كُلَّ الآياتِ الَّتي كَتَبتُها، بل فقط الآيات المُهِمَّة)، نَقرأُ في رسالة رُومية 11: 4: "لكِنْ مَاذَا يَقُولُ لَهُ الْوَحْيُ؟" وَهُوَ يَتحدَّثُ هُنا عن إيليَّا وأنبياءِ البعْل: "أَبْقَيْتُ لِنَفْسِي سَبْعَةَ آلاَفِ رَجُل لَمْ يُحْنُوا رُكْبَةً لِبَعْل".

وما الَّذي قَصَدَهُ اللهُ؟ كما تَعلمونَ، لَقَدْ مَضى إيليَّا في حَياتِهِ ووَاجَهَ أنبياءَ البَعْل. ثُمَّ إنَّهُ ابتدأَ يَشعُرُ أنَّهُ الوحيدُ الباقي وأنَّهُ لم يَبْقَ أيُّ أشخاصٍ أُمَناء للرَّبّ. فنحنُ نَقرأُ في العدد 3: "وَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي!" ولَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ النَّاسَ ابتدَأوا في مُلاحَقَتِه؛ ولا سِيَّما إيزابَل. وقد هَرَبَ مِنَ المدينة وفَرَّ إلى البَرِّيَّة، وطَلَبَ مِنَ اللهِ أنْ يَأخُذَ حَياتَهُ لأنَّ هُناكَ مَنْ يُريدُ أنْ يَقتُلَهُ. وقد كانَ يَظُنُّ أنَّهُ الشَّخصُ الوحيدُ الأمينُ الباقي. ولكِنَّ رَدَّ اللهِ جاءَ في العدد 4: "أَبْقَيْتُ لِنَفْسِي سَبْعَةَ آلاَفِ رَجُل لَمْ يُحْنُوا رُكْبَةً لِبَعْل". لقدِ اختَرتُهُم. وقد حَفِظتُهُم.

والعَدَد 5 يَشرَحُ ذلك: "فَكَذلِكَ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ أَيْضًا قَدْ حَصَلَتْ بَقِيَّةٌ حَسَبَ اخْتِيَارِ النِّعْمَةِ". فقد كانَ هناكَ سبعةُ آلافِ شخصٍ أُمناءَ لله ويُؤمِنونَ في زَمَنِ إيليَّا. وقدِ اختارَهُمُ اللهُ وَحَفِظَهُم. وهُناكَ في الزَّمانِ الحاضِرِ (أيْ في زَمَنِ كِتابةِ بولس لهذهِ الكلماتِ، وفي كُلِّ زَمَنٍ آخر، واليوم) بَقِيَّة حَسَب اختيارِ نِعمةِ اللهِ. فهو اختيار. ونَقرأ في العدد 7: "فَمَاذَا؟ مَا يَطْلُبُهُ إِسْرَائِيلُ ذلِكَ لَمْ يَنَلْهُ. وَلكِنِ الْمُخْتَارُونَ نَالُوهُ. وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَتَقَسَّوْا". فأولئكَ الَّذينَ تَمَّ اختيارُهم حَصَلوا عليها. والذين لم يَتِمّ اختيارُهم تَقَسَّوْا. فاللهُ أعطاهُمْ، في الحقيقة: "رُوْحَ سُبَاتٍ، وَعُيُونًا حَتَّى لاَ يُبْصِرُوا، وَآذَانًا حَتَّى لاَ يَسْمَعُوا إِلَى هذَا الْيَوْم". إنَّها لُغَة قويَّة عنِ الاختيارِ الإلهيّ.

رسالة تيموثاوس الثَّانية 2: 10. تيموثاوس الثَّانية 2: 10. فبولُس يَقولُ (مِنْ مُنطَلَقِ فَهمِهِ لهذهِ العَقيدة وإيمانِهِ بها مِنْ كُلِّ قَلبِه) فبولُس يَقول: "أَنَا أَصْبِرُ". وَهُوَ الَّذي كَتَبَ رِسالةَ رُومية تلك. وهو يَقولُ في رسالة تيموثاوس 2: 10: " لأَجْلِ ذلِكَ أَنَا أَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ، لِكَيْ يَحْصُلُوا هُمْ أَيْضًا عَلَى الْخَلاَصِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ".

لِماذا تَجتازُ في كُلِّ هذهِ الضِّيقات يا بولس؟ لقد كانت الحياةُ قاسيةً جدًّا عليه. وهو يَتحدَّثُ عنِ احتمالِ المَشَقَّاتِ كجُنديٍّ صالحٍ لِيَسوعَ المسيح. وهو يُجاهِدُ (في العدد 5) كَرِياضِيٍّ بِكُلِّ نَشاط. وهو يَتعَبُ (في العدد 6) كَحَرَّاثٍ مُجتَهِدٍ. وما أعنيهِ هو: إنَّها كُلُّها حَياةُ تَضحِيَة. وفي العدد 9، يَتحدَّثُ بولسُ عنِ احتمالِ المَشَقَّات: "حَتَّى الْقُيُودَ كَمُذْنِبٍ". ولماذا تَفعل ذلك؟ لماذا تَفعل ذلك؟ "لأَجْلِ ذلِكَ أَنَا أَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ". فَهُوَ أمرٌ لا لُبْسَ فيه. فاللهُ اختارَ مَنْ يَشاء، وجَعَلَ اختيارَهُم يَتَأكَّد مِنْ خلالِ سَماعِ الإنجيل.

وفي رسالة يَعقوب 1: 18 ... يَعقوب 1: 18 ... أو بالحَرِيِّ لِنَنظُر إلى العدد 17. فهي آية رائعة، وأنتُم تَعرفونَها جَيِّدًا. رسالة يعقوب 1: 17: "كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ" [أين؟] وما هي أفضل عَطيَّة يُمكن أنْ تَنزَلَ مِنَ السَّماء؟ الخَلاص. "كُلُّ عَطِيَّة صَالحة". وأفضلُ شيءٍ هو الخلاص. "وكُلُّ مَوهبة تَامَّة" (أو مَوهبة الكَمال الرُّوحِيّ) "هِيَ مِنْ فَوْقُ". كُلُّ شيء. "نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ".

فَكُلُّ شيءٍ صَالِح (والخَلاصُ يأتي في رأسِ اللَّائحة) هُوَ مِنَ اللهِ. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العدد 18: "شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لِكَيْ نَكُونَ بَاكُورَةً مِنْ خَلاَئِقِهِ." فَهُوَ الَّذي فَعَلَ ذلك. وهي نَازِلَة مِنَ السَّماء. ولتنفيذِ مَشيئَتِه، وَلَدَنا. وقد فَعَلَ ذلكَ بكلمةِ الحَقِّ؛ أيْ مِن خلالِ الإنجيل.

ونَقرأُ في رسالة يَعقوب 2: 5 ... رسالة يعقوب 2: 5: "اسْمَعُوا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ: أَمَا اخْتَارَ اللهُ فُقَرَاءَ هذَا الْعَالَمِ أَغْنِيَاءَ فِي الإِيمَانِ، وَوَرَثَةَ الْمَلَكُوتِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ؟" فلماذا نَجِدُ أنَّ أغلبيَّةَ الأشخاصِ المُؤمِنينَ فُقراء؟ بسببِ ماذا؟ لأنَّ اللهَ اختارَ الفُقراء. فهذا هو ما تَقولُهُ هذهِ الآية. فاللهُ اختارَ الفُقراء: "أَمَا اخْتَارَ اللهُ فُقَرَاءَ هذَا الْعَالَم؟"

ثُمَّ نَقرأ في سِفر الرُّؤيا 13: 8 و 17: 8 أنَّ أسماءَهُم مَكتوبة في سِفرِ حَياةِ الخَروف قَبلَ تأسيسِ العَالَم بِقَرارٍ صَنَعَهُ اللهُ نَفسُهُ. انظروا إلى رسالة تيموثاوس الثانية 2: 19. وهذه مُجَرَّد مُقَدِّمة. رسالة تيموثاوس الثانية 2: 19. فَنحنُ نَجِدُ هنا الأساسَ المَتينَ لخلاصِنا. ولكِنْ إذا رَجَعنا قليلاً إلى الوراء، إلى العدد 18، نَقرأُ أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ زَاغُوا عنِ الحَقِّ قَلَبوا إيمانَ قَوْمٍ. "وَلكِنَّ أَسَاسَ اللهِ الرَّاسِخَ قَدْ ثَبَتَ". فاللهُ قد وَضَعَ أساسًا لا يَتزعزَع.

وما هي طبيعةُ ذلكَ الأساس؟ إليكُم الجواب: إنَّهُ أساسٌ عظيمٌ للكنيسة. وما هي طبيعةُ ذلكَ الأساس؟ هذهِ الكلمات: "يَعْلَمُ الرَّبُّ الَّذِينَ هُمْ لَهُ". يَعْلَمُ الرَّبُّ الَّذِينَ هُمْ لَهُ. فَهُوَ يَعلمُ الَّذينَ يَنتَمونَ إليه.

وَعَودة إلى إنجيل يُوحَنَّا والأصحاح الثَّالث (وَهذا أساسٌ مَعلومٌ جدًّا لأيِّ دارسٍ للإنجيل والكتابِ المقدَّس) إذْ نَقرأُ الآتي. فيسوعُ يقولُ في إنجيل يوحنَّا 3: 3: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ". قَالَ لَهُ نِيقُودِيمُوسُ: "كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟ أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟" فَهُوَ يُتابِعُ الاستعارَة. وهو يَفهمُ أنَّ يَسوعَ يَتكلَّم بالمَعنى الرُّوحِيّ. فهو يَعلمُ ذلك. ولكِنَّهُ يقول: "كيفَ يُمكن لهذا أنْ يَحدُث؟" وإليكُم الجواب، وَهُوَ جَوابٌ مُدهش. فيسوعُ لا يَقول: "حسنًا! يَنبغي أنْ تُصَلِّي هذه الصَّلاة وأنْ تَفعلَ كَذا وكَذا"، بل يَقول: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ". إذًا، هذا لن يَحدُث بِمَعزِلٍ عنِ الرُّوحِ القُدُس. "اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا [ثانيةً]".

فكيفَما حَدَثَ ذلك، وأينَما حَدَثَ ذلك، وحيثُما حَدَثَ ذلك، وأيًّا كانَ الشَّخصُ الَّذي يَحدُثُ لَهُ ذلك، فإنَّهُ يَحدُثُ مِنْ خلالِ عملِ الرُّوحِ القُدُس. فهو وِلادَة مِنْ فَوق. وفي العدد 8، يَقول: "اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوح". أليسَ هذا رائعًا؟ فالرِّيحُ تَهُبُّ حيثُ تَشاء.

فأنتَ لا تَقولُ للرِّيح أيْنَ تَهُبُّ. فقد راقَبنا معًا تلكَ الخَرائط الصَّغيرة في نَشرة الأخبار عندما حَدَثَتْ تلكَ الأعاصير. فلا أحدَ يَقولُ لها أينَ تَهُبّ. فهي تَهُبُّ حيثُ تَشاء. وهكذا هي الحالُ مَعَ الرُّوح. فَهُوَ يَمضي حيثُ يَشاء. وَهُوَ يَهُبُّ حَيثُ يَشاء. وهو يَفعلُ بسيادَةٍ ما يَشاء أنْ يَفعل في حياةِ أيِّ شخصٍ يُريد. وفي النِّهاية، يَحصُلُ اللهُ على كُلِّ المَجد. وما أعنيه هو أنَّهُ يَنالُ كُلَّ المجد.

واسَمحوا لي أنْ أَنتقِل إلى رسالة كورنثوس الأولى والأصحاح الأوَّل. ويمكنني أنْ أُوَضِّحَ هذا لكم. ففي اعتقادي، إذا كُنتُم تَتعاملونَ معَ شخصٍ لا يُحِبُّ عقيدةَ الاختيار، وإذا كُنتُم تَتعاملونَ معَ شخصٍ لا يُحِبُّ عقيدةَ التَّعيين السَّابق، وإذا كُنتُم تَتعاملونَ معَ شخصٍ مِنْ أنصارِ البيلاجيَّة أوِ الأرمينيَّة (الَّتي تُنْسَبُ إلى أرمينيوس الَّذي كانَ يُنكِرُ هذهِ العقيدة)، إذا كُنتُم تَتعاملونَ معَ هؤلاءِ الأشخاص، إليكُم مَقطَعًا كِتابيًّا يَجْعَلُهُم يَقِفونَ عاجِزينَ عَنْ قولِ أيِّ شيء:

رسالة كورنثوس الأولى 1: 26: "فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ". انظروا وَحَسْب إلى الرَّعيَّة. فأنتَ تَجلِسُ هُناكَ في الكنيسة في كورِنثوس وتَنظرُ حَولَكَ ... تَنظُرُ حَولَك. هل تَرى أولئكَ الَّذينَ دُعُوا دَعوة فَعَّالة إلى الخَلاص؟ كم عَدَدُ حُكَماءِ العالَم الحاضِرينَ هُناك؟ كم عَدَدُ أقوياء العالَم الحاضِرينَ هناك؟ كم عَدَدُ شُرَفاءِ العالَم الحاضِرينَ هناك؟ كَمْ عَدَدُ النُّبلاءِ الحاضِرينَ في كَنيسَتِكُم؟

العدد 27: "بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ، لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ".

وسوفَ أقولُ لكم شيئًا، يا أحبَّائي: إنَّ أنْصَارَ المَذهبِ الأرمينيّ في مَأزِقٍ حَرِج في هذا المَقطَع. فهو يَقولُ إنَّ اللهَ أَرادَ أنْ يُمَجَّد. فاللهُ أَرادَ أنْ يَحصُلَ على كُلِّ المَجد. فلا يُمكنُ لأيِّ شَخصٍ نَالَ الخلاصَ أنْ يَفتخِرَ يومًا بخلاصِهِ. ولا شَكَّ أنَّ مَجْدَ اللهِ يَقتضي أنْ يَختارَ الجُهَّال، والضُّعفاء، والأدنياء والمَزْدَرى، وغير الموجود، والنَّكِرَة.

والآن، اسمعوني: إنْ كانَ الضُّعفاءُ والجُهَّالُ هُمُ الَّذينَ اختاروا اللهَ، فإنَّ هذا المَقطعَ سيكونُ عَديمَ المَعنى. فإنْ كانَ الضُّعفاءُ والجُهَّالُ هُمُ الَّذينَ اختاروا اللهَ، مَنْ سَيَحصُلُ على المَدح؟ الضُّعفاءُ والجُهَّالُ. إذًا، كيفَ يَحْسِمُ هذا الأمرُ موضوعَ الافتخارِ البشريِّ؟ فهو يَجعلُ المَقطعَ كُلَّهُ عَديمَ المَعنى. وهو يقولُ في العدد 30: "وَمِنْهُ [أيْ مِنَ اللهِ] أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ". فقد صِرتُم في المسيح يَسوع لأنَّ اللهَ فَعَلَ ذلك حَتَّى [في العدد 31] "مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ [بِمَنْ؟] فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ".

وما أعنيه هو أنَّ هذا التَّعليمَ موجودٌ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. فهذا المَقطَعُ هو ليسَ عنِ اختيارِ الإنسان. وهو لا صِلَةَ لَهُ باختيارِ الإنسان. بل هُوَ عنِ اختيارِ الله. فلو كانَ عنِ اختيارِ الإنسانِ، كيفَ يُنهي مسألةَ الافتخارِ البَشريِّ؟ فهو يَجعلُ المَقطَعَ كُلَّهُ مُجَرَّدَ هُراء.

حسنًا، حيثُ إنَّني أُناقِشُ هذهِ المسألة، ارجِعوا إلى رسالة رُومية والأصحاح 9. رومية 9. وهذه آيات واضحة وَحَسْب. فالحَديثُ في الأعداد 8-13 هو عن يعقوب وعيسو. ونَقرأُ في العدد 13: "أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ". "أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ". وهو يَقولُ في العدد 11: "لأَنَّهُ وَهُمَا لَمْ يُولَدَا بَعْدُ [أيْ: يَعقوب وعيسو]، وَلاَ فَعَلاَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، لِكَيْ يَثْبُتَ قَصْدُ اللهِ حَسَبَ الاخْتِيَار". فاللهُ اختارَ يَعقوب لا بسببِ شيءٍ فَعَلَهُ، ولا لأيِّ استحقاقٍ فيه، ولا بسببِ أيِّ عَمَلٍ صالحٍ قامَ بِهِ، بل فقط بسببِ قَصدِهِ وَحَسْب.

فالمَقطعُ لا يَقولُ أيَّ شيءٍ عن أنَّ يَعقوبَ اختارَ اللهَ. والعدد 14 يَحسِمُ المسألة. انظروا إلى العدد 14: "فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَلَعَلَّ عِنْدَ اللهِ ظُلْمًا؟ حَاشَا!" هل تَفهمونَ أهميَّة تلكَ المسألة؟ فلو كانَ يعقوبُ هو الَّذي اختارَ، ولو كانَ النَّاسُ هُمُ الَّذينَ يَختارونَ، ولو كانَ بمقدورِ أيِّ شخصٍ أنْ يَختار، ولو كانَ الأمرُ مَتروكًا لنا، لماذا إذًا سَتُضْطَرُّ إلى الدِّفاعِ عن عَدالةِ الله؟ أليسَ كذلك؟ ولماذا ستقول: "لا يوجدُ ظُلْمٌ لَدى الله". وما أعنيه هو: لو أنَّنا نَحنُ الَّذينَ اختَرناه، لماذا يَقلَق بولُس مِنْ أنْ نَظُنَّ أنَّ اللهَ ظَالِم إنْ كانَ الاختيارُ مَتروكًا لنا؟

فلو كانَ بولسُ يقولُ إنَّ اللهَ يَختارُ فقط أولئكَ الَّذينَ يَختارونَهُ، فإنَّ ذلكَ ليسَ ظُلمًا. ولا مُبَرِّرَ لأنْ يُدافِعَ أحَدٌ عن عَدالةِ الله. وما أعنيه هو أنَّهُ لن يوجد مَنْ يَتَّهِم اللهَ بأنَّهُ ظَالِم لو كانَ يَختارُ مَنْ يَختارونَهُ. ولكِنَّ بولسَ يَعلمُ أنَّ النَّاسَ سَيَتَّهِمونَ اللهَ بالظُّلم لأنَّ هذا الكلامَ يُناقِضُ مَنْطِقَنا السَّاقِط حينَ نَسمعُ أنَّ اللهَ يَختارُ حَسَبَ قَصْدِهِ.

ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ في العدد 20: "بَلْ مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تُجَاوِبُ اللهَ؟" فلماذا يُجاوِبُ أيُّ شخصٍ اللهَ؟ فَهُمْ لن يُجاوبوا اللهَ لو أنَّ اللهَ اختارَ فَقطَ مَنْ يَختارونَهُ. ولكِنْ سيكونُ هُناكَ أُناسٌ يَغضبونَ بسببِ حقيقةِ أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَختارُ حَتَّى إنَّهُمْ يُجاوِبونَ اللهَ. وهو يَقولُ: "أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا: «لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هكَذَا؟»" وهذا يُوَضِّحُ المَعنى المَقصود. فلو أنَّ اللهَ ليسَ هُوَ الَّذي يَجعَلُكَ مَا أنتَ عَليه، لن تُجاوِبَهُ بخصوصِ ذلك.

فالجَدَلُ كُلُّهُ هُنا سيكونُ مُجَرَّدَ هُراء لو لم يَكُنْ مِنَ الواضح تمامًا أنَّ الاختيارَ هُنا هُوَ اختيارٌ إلَهِيّ. لِذا فإنَّهُ يَطرَحُ سُؤالاً عن عَدالةِ اللهِ، ويَطرحُ سُؤالًا عن حُقوقِ الإناءِ في يَدَيِّ الفَخَّاريّ. فلو كانَ الاختيارُ بَشريًّا، لا حاجةَ إلى الاعتِراض. ولو كانَ الاختيارُ بَشريًّا وكانَ اللهُ يَختارُ وَحَسْب مَنْ يَختارونَهُ، لما كانت هُناكَ حاجة إلى الدِّفاعِ عنِ العدالةِ الإلهيَّة، ولما كانت هُناكَ حاجة إلى الدِّفاعِ عن سِيادةِ اللهِ وسُلطانِهِ في أنْ يَفعلَ ما يَشاء بِمَن يَشاء. وكما تَرَوْنَ، إنْ أنكرتُم الاختيارَ الإلهيَّ، وإنْ أنكرتُم عقيدةَ الاختيار، فإنَّكُم تَجعلونَ كُلَّ هذهِ الآياتِ إمَّا مُجَرَّدَ هُراءٍ وَإمَّا مُجَرَّدَ خِداعٍ مُباشِر.

والآن، في رسالة رُومية والأصحاح 11، نَجِدُ تَسبيحةً تَضَعُ الأمرَ في نِصابِهِ الصَّحيح ... في العدد 33. وهي تَسبيحة رائعة. وهُنا، يجب عليكم أنْ تَستريحوا، يا أحبَّائي: "يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ!" فهل تَعلمونَ أنَّكم لا تَقدِرونَ أنْ تَسبُروا عُمْقَ عِلْمِ اللهِ وحِكمَتِه؟ هل تَعلمونَ ذلك؟ لا تُبالِغُوا في تَقديرِ أنفسكم. فقد لا يَبدو الأمر مَنطقيًّا في نَظَرِكُم، وقد لا يبدو ذلكَ مُشبِعًا عاطفيًّا في نَظَرِكُم، وقد لا يَبدو الأمر عَادِلاً مِنْ وُجهَةِ نَظَرِ الإرادة والحُريَّة البشريَّة. ولكِن يجب عليكم أن تُدركوا أنَّكم لا تَقدرونَ أنْ تَستوعبوا في أذهانِكُم عُمقَ الحِكمة والمَعرفة الَّتي لدى الله. وهل تَعلمونَ مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ؟ لا تَضَعُوا أنفُسَكُم يومًا في مَوقِعِ مُساءَلَةِ اللهِ.

العَدد 34: "لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟" وما أعنيه هو أنَّ هذا التَّصَرُّفَ شَنيعٌ. فهل ستُخبِرُ اللهَ ما يَجوزُ وما لا يَجوزُ أنْ يَفعلَهُ؟ وَما الَّذي يَبدو في نَظَرِكَ مَنطقيًّا، ومُشبِعًا عاطفيًّا، ومُنصِفًا للإرادة البشريَّة؟ فهل نَسَيْتَ ما جاءَ في العدد 36 إذْ نَقرأ: "لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِين"؟

فَحَتَّى بالنِّسبة إلى البعضِ مِنكُم، مِمَّن يَشعُرونَ ببعضِ الحَساسية تُجاهِ هذهِ العقيدة، أنا أَتَفَهَّمُ ذلك. إنَّني أَتَفَهَّمُ ذلكَ حَقًّا. وما أعنيه هو أنَّ الأمرَ يَتطلَّب بعضَ الوقتِ للتَّأمُّلِ فيها. وعندمَا نَنتهي مِن دِراسَتِنا لها، سَتَراها بطريقة مُختلفة. ولكِنْ يجب أنْ تَعلموا أنَّهُ بالرَّغمِ مِن أنَّكم تواجهونَ وقتًا عصيبًا في فَهمِ هذهِ العقيدة، هل هَنَّأتُم أنفُسَكُم يومًا على خَلاصِكُم؟ هل فَعلتُم ذلكَ يومًا؟ وهل نَظرتَ يومًا إلى السَّماءِ وقُلتَ: "يا رَبّ، لا بُدَّ أنَّكَ فَخورٌ حقًّا بي، وباختياراتي، وبالطَّريقةِ الَّتي عَقَدتُ العَزمَ فيها على تَركِ الخطيَّة والإيمانِ بالإنجيل!" بعبارة أخرى، هل خَطَرَت تلكَ الفكرة بذهنِك؟ وهل فَكَّرتَ يومًا قائلاً: "أتَدري! انظر إلى كُلِّ هؤلاءِ النَّاسِ الحَمقى مِن حَولي مِمَّنْ رَفَضوا الإنجيل. أمَّا أنا فَذَكِيٌّ بالقَدرِ الَّذي جَعَلَني أَرى الأمرَ على حَقيقَتِه. إنَّني أَقبَلُ الأمرَ بِرُمَّتِه".

وهل فَكَّرتَ يومًا قائلاً: "انظر إلى كُلِّ حُثَالَةِ القَوم. إنَّني أقولُ لكَ إنَّني وَجدتُ بعضَ الأشواقِ المُقَدَّسة وَقَبِلتُ الإنجيل"؟ إنَّكَ لا تُفَكِّرُ هكذا. وما الَّذي تَقولُهُ لشخصٍ تُحِبُّهُ ولم يَقبل المسيح؟ هل تَقول: "تَعالَ يا رَجُل. كُنْ ذكِيًّا. تَعالَ، وَفَكِّر بِعُمق، واستَخدِم مَلَكاتِكَ"؟ أنتَ لا تَتكَلَّم هكذا. فما الَّذي تَفعَلُهُ حينَ تُريدُ أنْ تَرى أشخاصًا يَخلُصون؟ ماذا تَفعل؟ أنتَ تُصَلِّي. لماذا؟ لأنَّكَ تَأمَلُ أنَّ اللهَ سَيَختارُهُم إنْ هُمُ اختاروه؟ وعندما يَخلُصُ أُناسٌ، مَنْ تَشكُر؟

وكما تَرَونَ، أنتُم جَميعًا "كَالفِنِيُّونَ في الخَفاء" (closet Calvinists). فأنتُم تَفهمونَ أنَّكُم كُنتُم تَغرقونَ وأنَّ اللهَ خَلَّصَكُم، وأنَّكُم كُنتُم أمواتًا وأنَّهُ وَهَبَكُم حَياةً، وأنَّكُم كُنتُم عُميانًا فأعطاكُم بَصَرًا، وأنَّكُم كُنتُم صُمًّا فأعطاكُمْ سَمْعًا. أنتُم تَفهمونَ ذلك. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في رسالة تِيطُس 3: 5 إنَّهُ خَلَّصَنا. فقد تَمَّ ذلكَ بِقُدرَتِه، وبمشيئَتِه، وحَسَبَ قَصدِه. فقد جِئنا لأنَّهُ جَذَبَنا. وهذا لم يَحدُث بِمَعزِلٍ عن إرادَتِنا، بل إنَّهُ حَرَّكَ إرادَتَنا.

ويجب أنْ تَعلموا أنَّكم عندما سَمِعتُم هذهِ الشَّهاداتِ اللَّيلة، فأنَّكُم سَمِعتُم عنِ الشُّعورِ بالذَّنب. أليسَ كذلك؟ فقد سَمِعتموهُم يَتحدَّثونَ عنِ الشُّعورِ بالذَّنبِ، والتَّبكيتِ، والشُّعورِ بخطيئَتِهم، والرَّغبة في أنْ يَطْهُروا، والرَّغبة في أنْ تُغفَر خَطاياهُم، والرَّغبة في أنْ يَخلَصوا. فهذا مُؤكَّد. وقد سَمِعتُم عنِ اتِّضاعِ القَلب. وقد سَمِعتُم عنِ الاستعدادِ لِتَسليمِ حَياتِكَ، والرَّغبة في أنْ تُحِبَّ المسيحَ مِنْ كُلِّ قَلبِك.

صَحيحٌ أنَّ اللهَ اختارَكَ، وَأنَّهُ خَلَّصَكَ، ولكِنْ ليسَ بِمَعزِلٍ عنْ قِيامِ الرُّوحِ القُدُسِ بِتَفعيلِ كُلِّ تلكَ التَّجاوُباتِ الرُّوحيَّة الصَّحيحة (كالتَّوبة، والتَّواضُع، والمَحبَّة، والجُوع للبِرّ). لا! فأنتَ اختَرتَهُ لأنَّهُ اختارَكَ. وقد عَبَّرَ يُوحَنَّا عن ذلكَ فقال: "نَحْنُ نُحِبُّهُ لأنَّهُ أَحَبَّنا أوَّلاً". فهذهِ العَقيدة لا مَفَرَّ مِنها في كلمةِ الله. لا مَفَرَّ مِنها البَتَّة. وهي لا تَنْتَهِكُ حُريَّتَكَ الشَّخصيَّة، بل تُفَعِّلُ حُرِّيَّتَك. وعندما نُريدُ مِنْ شخصٍ أنْ يأتي إلى الرَّبِّ فإنَّنا نُصَلِّي، ونُصَلِّي، ونُصَلِّي، ونُصَلِّي أنْ يُغَيِّرَ الرُّوحُ القُدُسُ قُلوبَهُمْ نَحْوَ المسيح، وأنْ يَعْصِفَ إعصارُ الرُّوحِ القُدُسِ بأنفُسِهِم. ونحنُ نُصَلِّي أنْ يَجعَلَهَمُ الرُّوحُ مُتَأهِّبينَ للتَّوبة ومُتأهِّبينَ للإيمان.

ولكِنَّنا عندما نُصَلِّي لا نُفَكِّرُ البَتَّة في أنَّنا نَنْتَهِكُ إرادَتَهُم. فأنتُم لا تُصَلُّونَ هكذا: "يا رَبّ، يَجِبُ أنْ يَفعَلوا ذلكَ بأنفُسِهم. يَجِبُ أنْ يَفعَلوا ذلكَ بأنفُسِهم. لِذا، لا تَعْبَثْ مَعَهُم. يَجِبُ أنْ يَفعَلوا ذلكَ بأنفُسِهم. ويجب أنْ يَفعلوا ذلكَ مِنْ قُلوبِهم". فهذا غَريبٌ جِدًّا. وأنتُم تَعلمونَ أنَّهُ لا يوجد خَاطِئ سيَفعل ذلكَ ما لم يُحَرِّكُهُ الرُّوح.

لِذا فإنَّ حقيقةَ أنَّ اللهَ اختارَنا موجودة في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. وهذا لا يَعني أنَّهُ اختارَنا لأنَّهُ عَلِمَ أنَّنا سَنَختارُهُ. فلو أنَّهُ لم يَخترنا لما اختَرناهُ. وقد قُلتُ لكم عندما تَحَدَّثنا عن عقيدةِ المُثابَرةِ (أوِ الحِفْظِ، أوِ الضَّمانِ الأبديِّ) إنَّهُ لو كانَ بإمكاني أنْ أَخسرَ خَلاصي فإنَّني سأخسَرُهُ. وسوفَ أقولُ لكمُ الآتي: لو كانَ بإمكاني أنْ أَخسرَ خَلاصي فإنَّني سأخسَرُهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ في اليوم، كُلَّ يَوم. فلا يُمكنني أنْ أُخَلِّصَ نَفسي أوْ أنْ أَحفظَ نَفسي مُخَلَّصًا. فاللهُ اختارَني. وَهُوَ أَنْهَضَ قَلبي وإرادَتي. وَهُوَ الَّذي حَفَزَها كُلَّها لكي أَقبَلهُ.

والآن، أوَدُّ أن أرجِعَ إلى هذهِ الفِكرة تَحديدًا. وبعدَ أُسبوعَينِ مِنَ الآن، سيكونُ لَديَّ المَزيدَ لأقولَهُ (وَهُوَ الجُزءُ الدَّسِم) لأنَّ هناكَ جَوابًا لهذا السُّؤال يَلوحُ في الأُفُق. وقد ذَكَرتُ أنَّني أريدُ أن أتحدَّثَ عنْ لاهوتِ الانفتاح. فهناكَ أشخاصٌ يقولونَ إنَّ اللهَ لا يَستطيعُ أن يَختارَ لأنَّهُ لا يَعلم. حسنًا؟ فهي عقيدة مُهِمَّة حقًّا تَنتشرُ هُنا وهُناك. فاللهُ لا يَستطيعُ أنْ يَختار. واللهُ لا يَعلم. والسَّبَبُ في أنَّ اللهَ لا يَعلم هو أنَّهُ لا يوجد شيء يَعلَمُهُ لأنَّهُ لم يَحدُث شيء. فلا يُمكنكَ أنْ تَعلَمَ شيئًا لم يَحدُث (كما يَقولون). فهذا هو رأيُهُم. لِذا فقد ابتَكَروا إلهًا غيرَ اللهِ الحقيقيِّ الحَيِّ. ولكِنْ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال، ولغاياتِ النِّقاش، فإنَّهُ لا يَستطيعُ أن يَعلمَ ما لم يَحدُث. ولأنَّ مَا لم يَحدُث لم يَحدُث بعد، فإنَّهُ غير موجود. لِذا، كيفَ يُمكِنُك أنْ تَعرِفَهُ؟

فهذه هي حُجَّتُهُم الصَّغيرة. وهي تُدعى "التَّوحيدُ المُنفَتِح". فاللهُ مُنفَتِحٌ كأيِّ شخصٍ آخر. وهو يَحتاجُ إلى قراءةِ الصَّحيفة الصَّباحيَّة كأيِّ شخصٍ آخر لكي يَعرفَ ما يَجري. فهذا هو ما يَقولونَهُ. فطريقَتُهُم للتَّخَلُّصِ مَنْ هذهِ الصَّدمة العاطفيَّة الَّتي تُحْدِثُها عَقيدةُ الاختيارِ فيهم هي أنْ يَقولوا إنَّهُ لا يَستطيعُ أنْ يَختارَ أيَّ شخصٍ لأنَّهُ لا يَعلمُ ما سيَفعلونَهُ إلى أنْ يَفعلونَهُ. حَقًّا؟ إذًا، اللهُ لا يَعرفُ المُستقبَل. فَهَكذا يُريدونَ أنْ يُخرِجوا اللهَ مِنْ هذا المَأزِق.

ولكِنْ كيفَ نَقرأُ في سِفْر إشعياء 46: 10: "مُخْبِرٌ مُنْذُ الْبَدْءِ بِالأَخِيرِ"؟ فما مَعنى ذلك؟ وكيفَ نَقرأُ في سفر إشعياء 41: 21-22 وفي سفر إشعياء 44: 7-8 أنَّ مَعرِفَتَهُ بالمُستقبَل هي الَّتي تُمَيِّزُهُ عنِ الآلِهة الزَّائفة؟ أو كيفَ يَتَنَبَّأُ في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ عن أحداثٍ قبلَ قُرونٍ مِنْ وُقوعِها؟ فمثلاً، كيفَ يَذكُرُ في سفر إشعياء 44: 28 أنَّ كُورَش سيكونُ الحَاكِمَ الَّذي سَيَبني أورُشليم، مَعَ أنَّ الاسمَ كُورَش، وَحَتَّى وُجودَهُ كإنسان، كانَ يَتوقَّفُ على سِلسلة طويلة جِدًّا ومُعَقَّدة مِنَ القراراتِ البشريَّة الَّتي تَفصِلُ النُّبوءةَ عن تَحقيقِها؟ كيفَ عَلِمَ اللهُ ذلك؟

وفي سِفْر المُلوك الأوَّل 13: 2، يَتَنَبَّأُ اللهُ عن ولادةِ يُوشِيَّا قبلَ ثلاثمئةِ سَنة مِنْ حُدوثِ ذلك. فكيفَ عَلِمَ ذلك؟ وفي سفر الملوك الثاني 19: 25، يَقولُ بوضوحٍ إنَّهُ عَيَّنَ وَخَطَّطَ لانتصاراتٍ عَسكريَّة لأشور قبلَ وقتٍ طَويلٍ مِنْ وُقوعِها. واللهُ يَتَنَبَّأُ باضطهادِ المِصريِّينَ الطَّوعِيَّ لإسرائيل في سفر التَّكوين 15: 13. وهو يَتنبَّأُ بأنَّ فِرْعَونَ سَيُقَسِّي قَلبَهُ ضِدَّ مُوسى في سفر الخروج 3: 19. وَهُوَ يَتَنبَّأُ بِرَفضِ رسالة إشعياء مِنْ قِبَلِ بَني إسرائيل في سفر إشعياء 6: 9. وهو يَتنبَّأُ عن تَمَرُّدِ بني إسرائيلَ بعدَ موتِ مُوسى في سفر التَّثنية 31: 16. وهو يَتنبَّأُ عن خِيانَةِ يَهوذا الطَّوعيَّة للمسيح في إنجيل يوحنَّا 6: 70-71. إلخ، إلخ، إلخ.

ويقولُ هؤلاء المُوَحِّدونَ المُنفَتِحون: "إنَّ اللهَ حادُّ الذِّهنِ حَقًّا. فهو جَيِّدٌ في تَحليلِ المُيول. وهو جَيِّدٌ في التَّنَبُّؤِ بِدِقَّة بما قد يَحدُث لأنَّهُ يَفهَمُ نَسَقَ الأحْداث". ولكِنَّ هذا الكَلامَ بَاطِلٌ! وهذا لا أساسَ لَهُ مِنَ الصِّحَّة. فأنتم تتحدَّثونَ عن أحداثٍ نَبويَّة سَتَحدُثُ بسببِ مَلايينِ الخِياراتِ البشريَّة. هذا قولٌ سَخيف. ولكنِّي سأقولُ لكم ما يَجعلُ هذا الأمرَ بِرُمَّتِهِ سخيفًا جِدًّا. إنْ لم يَكُنِ اللهُ يَعلم المستقبل، هل أنتُم جاهزونَ لسماعِ هذا؟ إنْ لم يَكُنِ اللهُ يَعلمُ المُستقبل، فهو لا يَعلم أنَّ يسوعَ سيَموت. وهذه مُشكلة.

وهذهِ هي النُّقطة الَّتي يَنْحَدِرُ فيها لاهوتُ الانفتاحِ وَيَذهَبُ أَدْراجَ الرِّياح. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر أعمال الرُّسُل 2: 23: "هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِق". فهل خَطَّطَ اللهُ لاعتقال يَسوع؟ وهل خَطَّطَ اللهُ لِصَلب يسوع؟ وهل خَطَّطَ اللهُ ذلكَ بالتَّفصيلِ الدَّقيق؟ لقد فَعَلوا بِهِ (بِحَسَب ما جاءَ في سِفْر أعمال الرُّسُل 4: 28) "كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيَّنَتْ يَدُ اللهِ وَمَشُورَتُهُ أَنْ يَكُون". فهذا هو ما جاءَ في سِفْر أعمال الرُّسُل 4: 28.

هَيَّا! أنتُم لا تُؤمِنونَ بأنَّ ما فَعَلَهُ اللهُ كانَ مُجَرَّدَ رَدِّ فِعْلٍ على ما كانَ يَحدُث ليسوعَ وقتَ حُدوثِه. فأنا أُوْمِنُ بأنَّهُ الخَروفُ المَذبوحُ مِنْ قبلَ تأسيسِ العالَم. ألا تُؤمِنونَ بهذا؟ فهذا هو ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. والآن، إنْ لم يَكُنِ اللهُ ... اسمعوني: إنْ لم يَكُنِ اللهُ يُمارِس قُدرَتَهُ وَهَيمَنَتَهُ على البَشَرِ وأفعالِهم، وإنْ لم يَكُنِ اللهُ يُهيمِن على تلكَ الأفعال أوْ يَجعَل تلكَ الأفعال تُتَمِّم خُطَّتَهُ، وإنْ لم تَكُن لدى اللهِ خُطَّة لأنَّهُ لا يَعلم ما سيحدُث، كيفَ عَلِمَ إذًا أنَّ يَسوعَ سَيُصلَب في النِّهاية؟

فإنْ لم يَكُن يَعرفُ المُستقبَل، كيفَ عَلِمَ أنَّ اليَهودَ سَيَتعاوَنون؟ وكيفَ عَلِمَ أنَّ الفَرِّيسيِّين سيَتعاوَنون؟ وكيفَ عَلِمَ أنَّ بيلاطُس سيَتعاوَن؟ وكيفَ عَلِمَ أنَّ يَهوذا سيَتعاوَن؟ وكيفَ عَلِمَ أنَّ يَهوذا لن يَشترِك في المَكيدة سَنَتَيْن ثُمَّ يَتراجَع؟ وكيفَ عَلِمَ أنَّ يَهوذا سيَبقى وقتًا كافيًا مَعَ يَسوعَ قَبلَ أنْ يَخونَهُ؟ وكيفَ عَلِمَ أنَّ يَهوذا سَيَطرحُ المالَ على الأرض؟ كيفَ عَلِمَ ذلك؟ وكيفَ عَلِمَ أيَّ شَيءٍ مِن هذا؟ وكيفَ عَلِمَ أنَّ يَسوعَ سَيُرفَع كَما رُفِعَتِ الحَيَّةُ في البَرِّيَّة؟ كيفَ عَلِمَ أيَّ شيءٍ مِن هذا إنْ لم يَكُن يَعلمُ المُستقبَل؟

إنَّهُ لا يَعلَمُ المُستقبلَ وَحَسْب، بل يُقَرِّرُ المُستقبَل. وإنْ كانَ يُقَرِّرُ المُستقبَل فإنَّهُ يَجعلُ المُستقبلَ يَحدُث. فلو لم يكن يَعلَمُ المستقبل، لما عَلِمَ أنَّ الجُنودَ الرُّومان سيَصلِبونَ يسوع. وكيفَ عَلِمَ أنَّ بيلاطُس لن يقول: "لا أريدُ أن يكونَ لي أيُّ شأنٍ بهذا الرَّجُل البَارّ، أَطلِقوه، وليُرافِقهُ مَجموعة مِنَ الجُنود. أَخرجوهُ خارِج المدينة، وخُذوهُ إلى اليونان لِيَضيع في الزِّحام"؟

فلو لم يكن اللهُ يَعلم المستقبل، فإنَّهُ لا يَعلم أنَّ ابنَهُ سيموتُ عن خطاياكُم. وهذا سَخيف. فهو لا يَعلمُ المستقبلَ فحسب، بل يُقَرِّرُ المستقبل. وفيما يَختصُّ بصلبِ يسوعَ المسيح، قالَ أَحَدُ الكُتَّابِ: "إنَّ صَلبَ يسوعَ المسيح، وهو الحَدَث الرَّئيسيّ في التَّاريخ، والشَّرط الَّذي لا مَفَرَّ مِنْهُ لِخلاصِنا لم يَكُن بِكُلِّ تأكيد أمرًا مَتروكًا لأهواءِ القراراتِ البشريَّة. بل إنَّهُ كانَ مُقَرَّرًا منذُ تأسيسِ الأرض. وقد كانَ مِن رابعِ المُستحيلاتِ أنْ لا يَحدُث ذلك. فالكتابُ المُقدَّس لا يَقولُ في أيِّ مَوضِع، ولا يَسمح بأيِّ تَفسيرٍ يَقول إنَّ يهوذا وقَيافا وبيلاطُس والجُنود كانوا جُنودًا لا حَوْلَ لَهُمْ ولا قُوَّة أَرغَمَهُمُ اللهُ على اقترافِ جَريمة شَنيعة. بل إنَّهُم تَصَرَّفوا طَوعًا بحسب دَوافِعِهم ومقاصِدِهم الشَّخصيَّة؛ ولكنَّهم فَعَلوا تمامًا ما عَيَّنَتْ يَدُ اللهِ وخُطَّتُهُ السَّابقة أنَّهُ سيَحدُث". وهذه كلمات رائعة.

فاللهُ عَيَّنَ كُلَّ شيءٍ. فهو يَعلمُ المستقبل لأنَّهُ هو الَّذي كَتَبَهُ. وكُلُّ الخِياراتِ هي بِيَدِه. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّ هذا يَشمَل اختيارَ الخلاصِ للخُطاةِ الضَّالِّينَ، والأموات، والعُمْي. ومَرَّةً أخرى، فإنَّني أقولُ ما قالَهُ يوحنَّا: "نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ [قولوا مَعي] هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً". حسنًا! هذه هي المُقَدِّمة. وبعدَ أُسبوعَينِ مِنَ الآن ... فنحنُ لم نَدخُل في صُلْبِ الموضوعِ بَعد، ولكِنَّنا نَقترِب. صَلُّوا مَعي. ويجب عليَّ أنْ أَضعَ علامة عندَ المكانِ الَّذي وَصَلْتُ إليه لأنَّني بعدَ أُسبوعين قد لا أتذكَّر.

يا أبانا، يا لَهُ مِنْ فَرَحٍ أنْ نَحتفلَ بأمجادِ هذهِ العقيدة الرَّائعة. فهي ليست فقط عن أنَّكَ تُقَرِّرُ بسيادَتِكَ خَلاصَنا، بل هي عن أنَّكَ تُقَرِّرُ بسيادَتِكَ كُلَّ شيء. وهذا عُنصُرٌ واحدٌ فقط. ولكِنْ يا لَهُ مِنْ غِنَى أنْ نَفهمَ ذلك. فأنتَ تَفعلُ ما تَفعل لِمَجدِكَ. ونحنُ لا نُجاوِبُكَ. ونحنُ لا يَخطُر حَتَّى بِبالِنا أنَّكَ قد تكونُ ظالمًا أو غيرَ مُحِبٍّ، بل أنتَ هُوَ اللهُ. ونحنُ لا نَستطيعُ أنْ نَسْبُرَ مَعرِفَتَكَ، ولا أنْ نُدركَ عُمْقَ حِكمَتِك. فَما أَبْعَدَ أَحْكَامَكَ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَكَ عَنِ الاسْتِقْصَاء. ونحنُ رَاضونَ بأنْ نَترُكَ القَرارَ لَكَ لأجْلِ مَجِدك.

ولكِنَّنا نَعلمُ أنَّهُ بالرَّغمِ مِنْ هذهِ العقيدة العجيبة المُختصَّة بالاختيارِ الإلهيِّ، فإنَّكَ قُلتَ أيضًا: "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا". فنحنُ لا نَفهم هذا السِّرَّ العَظيم. ونحنُ لا نَفهم التَّاريخَ إلَّا بعدَ وُقوعِ الأحداث. فنحنُ لا نَملِكُ تلكَ القُدرة. ولكِنَّنا نَعلمُ أنَّ الإنجيلَ جاءَ إلينا، وأنَّهُ قد قِيلَ لنا أنْ نُؤمِن. وبالنِّسبة إلى البعضِ مِنَّا، فإنَّ رُوحَ اللهِ يَتحرَّك في قُلوبِنا. ويجب علينا أن نكونَ مُطيعين، وأنْ نَتجاوبَ بإيمان عَالِمينَ أنَّكَ سَتَسمَع وتُخَلِّص كُلَّ مَنْ يَأتونَ إليك.

ونحنُ نَشكُرُكَ على ذلكَ الوعد. ونحنُ لسنا بحاجة إلى القَلق على الأشياء الَّتي لا نَستطيعُ أنْ نَفهمَها، بل يجب علينا وَحَسْب أنْ نَتجاوبَ معَ الإنجيل. وإنْ لم نَفعل (وهذا سِرٌّ لا نَفهَمُه) فإنَّ كلمَتَكَ تَقولُ إنَّ الخطأَ خَطَأُنا، وإنَّ المسؤوليَّة تَقَعُ علينا، وإنَّنا مُذنِبون، وإنَّ رَفْضَنا هُوَ السَّبب، وإنَّ عَدَمَ إيمانِنا هو الَّذي سَيَدينُنا. أمَّا عن كيفيَّةِ انسجامِ ذلكَ معَ مَشيئَتِكَ وَمَجْدِكَ فرُبَّما نَفهَمُ ذلكَ في الأبديَّة، ولكِن يجب علينا الآنَ أنْ نَصرُخَ إليكَ طَلَبًا للرَّحمةِ والخلاصِ طَالمَا أنَّ الفُرصَة مُتاحَة أمامَنا.

نَشكُرُكَ، يا رَبّ، على النِّعمة الَّتي أُغدِقَتْ علينا في المسيح، والتي سَتُغدَقُ على آخرينَ إلى أنْ تُفْدى الكنيسة كُلُّها ونَدخُل إلى حَضرَتِكَ إلى الأبد. ونحنُ نَنتظرُ ذلكَ بفرح. باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize