Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كُنَّا قد ابتدأنا دراسةً رائعةً لبعضِ أهَمِّ العقائدِ في أُمسياتِ أيَّامِ الأحد. وَمِن وُجهة نَظري، إنَّها دراسة لا تَنتهي. فأنا أَمْضي قُدُمًا وَأرى أينَ سَنَصِل. ولكنِّي أصرِفُ وقتًا رائعًا. وكما تَعلمونَ طَوالَ كُلِّ هذه السِّنين، فإنَّنا نَعملُ غالبًا، إنْ لم يَكُن دائمًا تقريبًا، على دراسةِ نُصوصِ الكتابِ المقدَّس. وبهذهِ الطريقة، فإنَّنا مُلْزَمونَ بأنْ نُؤكِّدَ ما تَقولُهُ كلمةُ اللهِ لأنَّهُ ما تَقول. وأعتقدُ أنَّ هناكَ دائمًا اتِّهامات مُحتمَلة في أنَّكَ عندما تَترك نَمَطَ الوعظِ التَّفسيريِّ وتَبتدئ في دراسة موضوعيَّة أو دراسة عقائديَّة فإنَّكَ قد تَعْلَق أحيانًا في شيءٍ فَلسفيّ، أو قد تَعلَق في شيءٍ عَقلانيّ، أو في شيءٍ مَنطقيّ، وأنْ تَستخلِصَ أمورًا لا تَصْمُدُ عندما تُوضَعُ على مِحَكِّ الكِتابِ المُقدَّس.

لِذا، أوَدُّ أن أؤكِّدَ لكم أنَّ كُلَّ شيءٍ أقولُهُ سيكونُ أمامَ أعيُنِكُم مُستخلَصًا مِنَ الكتابِ المقدَّس. وأنا أُشَجِّعُكُم على أنْ تَفعلوا ما كانَ يفَعَلُهُ أهلُ بِيريَّة؛ أيْ أنْ تَبذُلوا بعضَ الجُهدِ بأنفسكم وأنْ تَفحَصوا الأسفارَ المُقَدَّسَةَ لِتَرَوْا إنْ كانت هذهِ الأمورُ هكذا. وأنا، بِكُلِّ تأكيد، لا أريدُ أنْ أُقَدِّمَ لكم لاهوتًا عقلانيًّا، مَعَ أنَّ اللَّاهوتَ الكِتابيَّ ليسَ بَعيدًا عنِ العقلانيَّة. وأنا لا أريدُ أن أُقَدِّمَ لكم نَهْجًا فَلسفيًّا لللَّاهوت. وأنا لا أريدُ أن أَتبعَ المَنطِقَ البشريَّ لاستنتاجِ الأشياءِ الَّتي نَستنتِجُها. بل إنَّني أريدُ أن أُقَدِّمَ لكم ما تَقولُهُ كلمةُ اللهِ. وكلمةُ اللهِ تَتحدَّث حقًّا عن هذهِ المواضيع العقائديَّة المهمَّة جِدًّا جِدًّا.

وَكَتمهيدٍ قَصير، كُنَّا قد ابتدأنا (بعدَ أنِ أنهَينا دراسةَ رسالةِ يَهوذا) بالتَّأمُّلِ في عقيدةِ مُثابرة القِدِّيسين (أوْ حِفْظِ القِدِّيسين). وهذه العقيدة تَعني أنَّكَ إنْ خَلَصْتَ يومًا، فإنَّكَ ستَحتفظ دائمًا برجاءِ الحياةِ الأبديَّة. فلا يُمكنكَ أنْ تَبقى غيرَ مُخَلَّصٍ، ولا يُمكنكَ أنْ تَفقدَ خَلاصَك لأنَّ اللهَ قادرٌ أنْ يَحفظَنا مِنَ السُّقوطِ وأنْ يُحْضِرَنا إلى حَضْرَتِهِ بمجدٍ عظيم. فهكذا تَنتهي رسالة يَهوذا.

لِذا، فقد تَحدَّثنا عن عقيدةِ الضَّمانِ أوِ المُثَابرةِ أوِ الحِفْظ. وفي النِّهاية، قُلنا إنَّنا مَحفوظونَ إلى النِّهاية لأنَّنا مُختارونَ مِنَ البَدءِ لتلكَ الغاية. وقدِ انتقلنا مِن هناكَ إلى عقيدةِ الاختيارِ الإلهيِّ، أو عقيدةِ التَّعيينِ السَّابق؛ أيْ أنَّ اللهَ عَيَّنَ سابقًا قبلَ تأسيسِ العالمِ مَنْ سَيُخَلِّص، وَمَنْ سَيُمَجِّد. لِذا فإنَّ الَّذينَ دَعاهُم بَرَّرَهُم، والَّذين بَرَّرَهُم مَجَّدَهُم. لِذا فإنَّ عقيدةَ المُثابَرة مُرتبطة بعقيدة الاختيار أوِ التَّعيين السَّابق.

وقد خَصَّصْنا ثلاثَ عِظاتٍ على الأقَلّ لدراسةِ المقاطعِ الكِتابيَّةِ المهمَّةِ الَّتي تُعَلِّم عقيدةَ الاختيار، وَشَرَحْتُها لكم كما هي في كلمةِ الله. وبعدَ أنْ فَهِمتُم تلكَ العقيدة (أيِ الأشخاص الَّذينَ كانوا مَعَنا مِنكُم)، سوفَ تَجِدونَ هذه العقيدة في كُلِّ مَكان. وأنتُم إمَّا ستَقبلونَها حيثُ وَجَدتُموها، وإمَّا ستَصرِفونَ بَقيَّةَ حَياتِكُم تُقاوِمونَها حينَ تَرَوْنَها أمامَكُم.

والآن، إنَّ أيَّ نِقاشٍ عن عقيدةِ التَّعيين السَّابق أو عن عقيدة الاختيار الإلهيّ، أو (إنْ شِئتُم) الخَلاص بوصفِهِ عَمَل الله كُلِّيّ السِّيادة يَعتمِد على عقيدة أخرى ... على عقيدة أخرى. فاللهُ لا بُدَّ أنْ يُخَلِّصَنا، ولا بُدَّ أنْ يَختارَنا، ويَدعونا، ويُجَدِّدَنا، ويُبَرِّرَنا بقُدرتهِ الإلهيَّة لأنَّنا لا نَرغبُ ولا نَستطيعُ أنْ نُخَلِّصَ أنفُسَنا بأنفُسِنا. وهذا يَقودُنا إلى ما سأُسَمِّيهِ: "عَقيدة العَجْز التَّامّ". وأنا لم أَسمع يومًا أنَّها تُسَمَّى هكذا، ولكِنَّ هذه التَّسمية تَخْدِمُ قَصْدي في تَوضيحِ مَعناها.

والآن، لكي نَبتدئ هذا النِّقاش، أريدُ منكم أن تَفتحوا العهدَ الجديد على إنجيل يوحنَّا والأصحاح 11. إنجيل يوحنَّا والأصحاح 11. وهذا سيُعطينا، في نَظري، تَشبيهًا جَيِّدًا يُساعِدُنا في بَدءِ نِقاشِنا. فإنجيل يوحنَّا والأصحاح 11 هو أصحاحٌ مَعروفٌ لِكُلِّ مَنْ يَفهمونَ الكتابَ المقدَّسَ لأنَّهُ يُدَوِّنُ حادثةَ قيامةِ واحدٍ مِن أصدقاء يَسوعَ الحَميمين، وَهُوَ رَجُلٌ يُدعَى "لِعَازَر" كانت لَهُ أُختان اسمُهُما "مَريَم" وَ "مَرْثا"، وكانَ يَسوعُ يَصرِفُ وَقتًا في بَيتِهِم. فقد كانوا يؤمِنونَ بِهِ وأصدقاءَ لَهُ. ويَبتدئُ الأصحاحُ الحادي عَشَر مِنْ إنجيل يُوحَنَّا بالحديثِ عن أنَّ لِعازَر (الَّذي كانَ يَعيشُ في بَيْت عَنْيا الَّتي تَبْعُدُ نَحْوَ ثلاثة كيلومترات إلى الشَّرقِ مِن أورُشَليم، في الجِهة الخَلفيَّة مِن جَبَلِ الزَّيتون)، أنَّ لِعازَرَ أُصيبَ بِوَعكةٍ صِحِّيَّة. والحقيقة هي أنَّ العددَ الثَّاني يَقولُ إنَّهُ كانَ مَريضًا.

وقد أَرسَلَتْ أُختاهُ (مَريم ومَرثا) إلى الرَّبِّ قَائِلَتَيْن: "يَا سَيِّدُ، هُوَذَا الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ". وهذا يُرينا أنَّ يَسوعَ كانَ يُكِنُّ حُبًّا شديدًا لِصَديقِهِ لِعازَر. "فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ ذلكَ [في العدد 4] قَال: "هذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ، بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللهِ، لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللهِ بِهِ". فقد كانَ لدى اللهِ قَصدٌ مِن هذا المَرَض، وَهُوَ لن يُفْضِي في النِّهاية إلى مَوتِ لِعازَر. وَكَانَ يَسُوعُ يُحِبُّ مَرْثَا [في العدد 5]، وَيُحِبُّ أُخْتَهَا، وَيُحِبُّ لِعَازَرَ. ولكِنْ لَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ مَرِيضٌ مَكَثَ حِينَئِذٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ يَوْمَيْنِ. فهو لم يَتجاوَب. وفي النِّهاية (كما تَذكرونَ) ذَهَبَ إلى هُناك.

"فَلَمَّا أَتَى يَسُوعُ مُتأخِّرًا (في نَظَرِ مَريم ومَرثا)، كما جاءَ في العدد 17، "وَجَدَ أَنَّهُ قَدْ صَارَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ فِي الْقَبْر". "وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ [في العدد 19] قَدْ جَاءُوا إِلَى مَريَم ... أو إلى مَرْثَا وَمَرْيَمَ لِيُعَزُّوهُمَا عَنْ أَخِيهِمَا". وقد كانَت هذهِ هي العاداتُ الاجتماعيَّةُ عندَ مَوْتِ أحَدِ الأشخاص. فقد كانَ الجَميعُ يأتونَ إلى أهلِ المَيِّتِ، وَيَنوحونَ، ويُحاولوا أنْ يُعَزُّوهم. وفي العدد 21، كَانَتْ مَرْثا عَاتِبَةً على يَسوعَ فقالت لَهُ: "يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!" فقد كانت لديها ثِقة عظيمة في قُدرَتِهِ على الشِّفاء، ولكِنْ مِنَ الواضحِ أنَّها لم تَكُن تَثِقُ بقُدرَتِهِ على إقامَةِ الأموات.

قَالَ لَهَا يَسُوعُ: "سَيَقُومُ أَخُوكِ". قَالَتْ لَهُ مَرْثَا: "أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْقِيَامَةِ، فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ". قَالَ لَهَا يَسُوعُ: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهذَا؟" قَالَتْ لَهُ: "نَعَمْ يَا سَيِّدُ. أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، الآتِي إِلَى الْعَالَم".

لِذا، فقد خَاضَا هذا النِّقاشَ اللَّاهوتِيَّ الصَّغير. وقد تَعَلَّقَتْ بالقيامة الأخيرة بِوَصفِها الرَّجاء الوحيد لأخيها. ولكِنْ إذْ تَستمِرُّ القِصَّة ونأتي إلى العدد 32: "فَمَرْيَمُ لَمَّا أَتَتْ إِلَى حَيْثُ كَانَ يَسُوعُ وَرَأَتْهُ، خَرَّتْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَائِلَةً لَهُ: «يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!»". وهذه نفس المُلاحظة الَّتي أَبْدَتْها أُخْتُها.

"فَلَمَّا رَآهَا يَسُوعُ تَبْكِي، وَالْيَهُودُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهَا [أيِ الجَمْع الكبيرُ الَّذي احْتَشَدَ مُنذُ الصَّباح] يَبْكُونَ، انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ، وَقَالَ: «أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ؟» قَالُوا لَهُ: «يَا سَيِّدُ، تَعَالَ وَانْظُرْ». بَكَى يَسُوعُ. فَقَالَ الْيَهُودُ: «انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ يُحِبُّهُ!». وَقَالَ بَعْضٌ مِنْهُمْ: «أَلَمْ يَقْدِرْ هذَا الَّذِي فَتَحَ عَيْنَيِ الأَعْمَى أَنْ يَجْعَلَ هذَا أَيْضًا لاَ يَمُوتُ؟»". لِذا، فقد كانَ الجَميعُ تَقريبًا يَعتقدُ أنَّهُ يَستطيعُ أنْ يَشفي المَرضَى.

"فَانْزَعَجَ يَسُوعُ أَيْضًا [في العدد 38] فِي نَفْسِهِ وَجَاءَ إِلَى الْقَبْرِ، وَكَانَ مَغَارَةً وَقَدْ وُضِعَ عَلَيْهِ حَجَرٌ. قَالَ يَسُوعُ: «ارْفَعُوا الْحَجَرَ!». قَالَتْ لَهُ مَرْثَا، أُخْتُ الْمَيْتِ: «يَا سَيِّدُ، قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللهِ؟». فَرَفَعُوا الْحَجَرَ...، وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَالَ: «أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي، وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ، لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي»".

ثُمَّ نَقرأُ في العدد 43 هذهِ الكلماتِ المُدهشة جدًّا: "وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!»". والمُدهشُ في الأمر في نَظري هو أنَّ يسوعَ أَعطى أمرًا لإنسانٍ مَيِّت. وقد أَجْرَيْتُ العديدَ مِنْ مَراسِمِ الدَّفْن. وقد رأيتُ الكثيرَ مِنَ الأموات. وأنا لم أطلُب مِنْ أيٍّ منهم أنْ يَفعلَ أيَّ شيءٍ. ولم يَطلُب أيُّ شخصٍ آخر مِنهم أن يَفعلوا أيَّ شيءٍ أيضًا. وبصورة خاصَّة، لا يُمكنني أنْ أقولَ لشخصٍ مَيِّت: "بِيل [Bill]، هَلُمَّ خَارِجًا!". وما أعنيه هو أنَّكَ لا تَقولُ كلماتٍ لا مَعنى لها. وإلَّا، ستَبدو سخيفًا. فالأمواتُ لا يَسمعون. والأمواتُ لا يُفَكِّرون. والأمواتُ لا يَتجاوبون لأنَّهم أموات. والموتُ يَعني العَجْزَ التَّامَّ عنِ القيامِ بأيِّ شيءٍ تَجاوبًا معَ أيِّ حَافِز. فلا توجد إرادة. ولا توجد قوَّة للتَّفكيرِ أوِ العمل. ولكنِ انظروا إلى العدد 44: "فَخَرَجَ الْمَيْتُ". فقد فَعَلَ لِعازَرُ تَمامًا ما أَمَرَهُ يَسوعُ أنْ يَفعلَه. وهذا مُدهش! وَرُبَّما خَرَجَ مُتَعَثِّرًا لأنَّنا نَقرأُ: "وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ، وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيل. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ»". فالأمواتُ لا يَتجاوبون. والأمواتُ لا يُطيعونَ الأوامِر. فقد كانَ عَاجِزًا، ولكِنَّهُ فَعَلَ ذلك. فقد فَعَلَ ما كانَ مُستحيلاً.

كيف؟ كيفَ يُمكنُ لشخصٍ مَيِّت أنْ يَفعلَ ما أَمَرَهُ يسوعُ أنْ يَفعل؟ نحنُ جميعًا نَعرفُ الإجابة. لأنَّ المسيحَ أَعطاهُ القُدرة على القيامِ بذلك. فلو لم يُعْطِهِ المسيحُ الحَياةَ، لما تَمَكَّنَ مِنْ أنْ يُطيع. وهذا هوَ ما تَضَمَّنَتْهُ كلماتُ يسوع الأولى في العددَيْن 25 و 26: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ". والمُعجزة المُدهشة المُتَمَثِّلة في إصدارِ أمرٍ لشخصٍ عاجِزٍ عنِ التَّجاوب، ثُمَّ في إعطائِهِ القُدرة على التَّجاوب هي رَمْزٌ للخلاص. فالإنجيلُ يأمُرُ الأمواتَ أنْ يَقوموا، ويأمُرُ الأمواتَ أنْ يُؤمِنوا، ويأمُرُ الأمواتَ أنْ يَفهموا، ويأمُرُ الأمواتَ أنْ يَتوبوا. والإنجيلُ يأمُرُ الأمواتَ أنْ يَفعلوا ما لا يُمكِنُهُم (بصراحة) أنْ يَفعلوه.

والآن، أَوَدُّ مِنكُم أنْ تَنتقلوا مِن هنا إلى رسالة أفسُس والأصحاح الثَّاني. ونحنُ نَرى هُنا عُمْقَ المُشكلة. رسالة أفسُس والأصحاح الثَّاني. فهذا ليسَ وَصفًا لِلِعازَر، بل إنَّهُ وَصفٌ لأيِّ شخصٍ. أفسُس 2: 1: "وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا". "وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، [أيْ: الشَّيطان] الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ".

فأنتُم جميعًا، أو نَحنُ جميعًا (بِمَنْ في ذلكَ بُولُس) "تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا". فنحنُ جميعًا أموات. أموات عن ماذا؟ أمواتٌ عنِ اللهِ، وأمواتٌ عنِ الواقعِ الرُّوحِيِّ، وأمواتٌ عنِ الحَقّ.

فمُشكلةُ الإنسانَ الرَّئيسيَّة هي ليست عَدَم تَقديرِهِ لِذاتِه. وهي ليست أنَّهُ غيرُ مُنسَجِمٍ معَ بيئَتِه. وهي ليست أنَّهُ غيرُ مُتوافِق معَ خَالِقِه. وهي ليست أنَّهُ بحاجة إلى القيام بِبِضعَة تَعديلات لكي يَجعلَ اللهَ مُتناغِمًا مَعَهُ. بل إنَّ مُشكلةَ الإنسانِ هي أنَّهُ مَيِّتٌ تمامًا، وغيرُ قادرٍ على الارتباطِ باللهِ البَتَّة؛ لا بِشَخصِ الله، ولا بِحَقِّ اللهِ، ولا بوصايا الله.

فالخطيَّةُ تَقتُل. "لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ [ماذا؟] مَوْتٌ". وهذه الكلماتِ تَتكرَّر في مَواضِع عَديدة مِنَ الكتابِ المقدَّس إذْ تَقولُ إنَّنا لسنا فقط جُهَّالاً، ولسنا فقط عُميانًا، ولسنا فقط ضُعفاءَ وعاجِزين، بل إنَّنا أمواتٌ وَحَسْب. وكانَ يَسوعُ قدِ اقتربَ [في إنجيل مَتَّى والأصحاح 8] مِنْ شَخصٍ سيَصيرُ تِلميذًا لَهُ في وقتٍ لاحقٍ، وقالَ لَهُ أنْ يَتْبَعَهُ. وقد قالَ ذلكَ الشَّخص في إنجيل مَتَّى 8: 21: "يَا سَيِّدُ، ائْذَنْ لِــي أَنْ أَمْضِـيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِـي". وهل تَعلمونَ ماذا أَجابَهُ يَسوع؟ "اتْبَعْنِــي، وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ". أيْ: دَعِ المَوتى رُوحيًّا يَدفِنونَ المَوتى جَسديًّا. لِذا فإنَّ يَسوعَ يَصِفُ الأشخاصَ الَّذينَ هُمْ خَارِجَ مَلكوتِهِ بأنَّهُمْ "أموات".

ويَقولُ بولس في رسالَتِهِ الأولى إلى تيموثاوس 5: 6: "وَأَمَّا الْمُتَنَعِّمَةُ فَقَدْ مَاتَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ". فالشَّخصُ المَيِّت ليست لديهِ أيُّ قُدرة على التَّجاوُبِ معَ الله. فهو عَبْدٌ لإبليس، ومُنْقادٌ وراءَ شَهْوَةِ جَسَدِه. وَما يَخْرُجُ مِنْ قَلبِهِ هُوَ أَفْكَارٌ شِرِّيرَة: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ (كما جاءَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 15 وفي مَواضِع أُخرى مِنَ الكتابِ المقدَّس).

والآن، أنا لا أقولُ إنَّ الخُطاةَ لا يَستطيعونَ أنْ يَفعلوا أيَّ صَلاحٍ بَشَرِيّ. فبإمكانهم أنْ يَكونوا مُحْسِنين. وبإمكانهم أنْ يَكونوا مُتَصَدِّقين. وبإمكانهم أنْ يُساعدوا النَّاسَ. وبإمكانهم أنْ يكونوا لُطفاء. وبإمكانهم أن يكونوا رُحماء. ولكِنْ لا يُمكنهم أنْ يَفعلوا أيَّ صَلاحٍ رُوحِيّ، ولا يُمكنهم أن يَفعلوا أيَّ شيءٍ يُرضي الله لأنَّهُ لا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَفعلَ أيَّ شيءٍ يُرضي اللهَ ما لم يَكُنْ ذلكَ لِمَجدِه. ولا يُمكِن لأحدٍ أنْ يَفعلَ شيئًا لِمَجدِ اللهِ ما لم يَفعلهُ باسمِ ابنِهِ. لِذا، بالرّغمِ مِنْ وُجودِ صَلاحٍ بَشريّ، فإنَّهُ صَلاحٌ مَيِّت. وهو لا صِلَةَ لَهُ البَتَّة بالله.

ونَقرأُ في إنجيل لوقا 6: 33: "وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا". لِذا، حَتَّى كلمات يَسوع هُنا تُقِرُّ بأنَّ النَّاسَ يُحْسِنون. ولكِنَّهُ صَلاحٌ بَشَريّ. وبِصُورةٍ ما فإنَّهُ صَلاحٌ رَديء. فهو صَلاحٌ بالمفهومِ البشريِّ، ورَديء بِمَعنى أنَّهُ يَخلو مِنَ الدَّافعِ النَّقِيِّ ولا صِلَةَ لَهُ بعلاقةِ المرءِ بالله. فلا شَيءَ فيهِ يُرضيه.

وأعتقد أنَّ تلكَ الفكرة تَرِدُ أيضًا في إنجيل لوقا 11: 13 مِنْ خلالِ الكلماتِ التَّالية: "فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً...". فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً. فهذه غَريزة عندَ الآباءِ والأُمَّهات. ولكِنَّهُ ليسَ صَلاحًا يُرضي بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ اللهَ. وَحَتَّى إنَّ السُّكَّانَ الأصليِّينَ في جَزيرة مَالطة في سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح 28 أَظهَروا لُطفًا رائعًا لِبولُس. فهناكَ نَوعٌ مِنَ اللُّطفِ الوَثنيِّ والصَّلاحِ الوَثنيّ. ونحنُ لا نُنكرُ ذلك، ولكِنَّهُ لا صِلَةَ لَهُ بالله. فهو لا يُحْسَبُ شَيئًا البَتَّة.

والآن، عَودة إلى رسالة أفسُس والأصحاح الثَّاني مَرَّةً أخرى. فالخاطئُ مَيِّتٌ تمامًا حَتَّى إنَّ كُلَّ ما يَفعلُهُ يُمكن أنْ يَتَلَخَّص بأنَّهُ مِنَ العالَم، وَمِنَ الشِّرِّير، وَمِنَ الجَسد. فهو لا يَستطيعُ أنْ يَفعلَ أيَّ شيءٍ خَارِجَ ذلكَ الإطار. لِذا، عندما نأتي إلى العدد 4، إذا أردتُم أنْ تَتكلَّموا عنِ الخلاص، فإنَّ النَّصَّ لا يَبتدئ في العدد 4 بالقَول: "ولكِنَّكُمْ سَتَعودونَ ذاتَ يَومٍ إلى رُشْدِكُمْ"، بل إنَّهُ يَقول: "اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا..." [ماذا فَعَل؟] "...أَحْيَانَا". فقد فَعَلَ ذلكَ إذْ جَعَلَنا أحياء "مَعَ الْمَسِيحِ (بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ) وَأَقَامَنَا مَعَهُ".

وقد تَقول: "أجل، ولكِن يجب علينا أنْ نُؤمِن". بِكُلِّ تأكيد. فنحنُ نَقرأ في العدد 8: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَان. وَذلِكَ [أيْ: وذلكَ الإيمان] لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ". وكما تَرَوْنَ، فحَتَّى الإيمان ينبغي أنْ يُعطَى للأموات.

انظروا إلى رسالة بُطرس الثَّانية 1: 1. وقد أَشَرنا إلى هذه الآية بإيجاز في هذا الصَّباح. رسالة بُطرس الثَّانية 1: 1: "سِمْعَانُ بُطْرُسُ عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَرَسُولُهُ" [ثُمَّ استمعوا إلى الآتي]: "سِمْعَانُ بُطْرُسُ عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَرَسُولُهُ، إِلَى الَّذِينَ نَالُوا مَعَنَا إِيمَانًا ثَمِينًا مُسَاوِيًا لَنَا". فنحنُ جميعًا لدينا إيمانٌ لأنَّنا نِلْناه. فهو عَطِيَّة إلهيَّة.

رسالة فيلبِّي 1: 29. فيلبِّي 1: 29. إنَّها آية واضحة جدًّا. "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ [مِنَ اللهِ بِكُلِّ تأكيد] لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ". لِذا، فقد وُهِبَ لَكُمْ مِنَ اللهِ لأجلِ المسيح أنْ تُؤمِنوا وتتألَّموا. فلو لم يُعْطِكُمُ اللهُ القُدرة على الإيمان، لما استطعتُم أنْ تُؤمِنوا. فأنتُم أموات. فيجب أنْ يُوْهَبَ لَكُم مِنَ الله. فالأشخاصُ الأمواتُ لا يُمكنهم أن يَتجاوبوا. لِذا فإنَّ استعارَةَ الموتِ مُستخدَمَة.

انظروا إلى سِفْر أعمال الرُّسُل 3: 16. فَنحنُ نَرى هُنا أنَّ بُطرسَ ويوحنَّا يَشفيان هذا الرَّجُلَ الأعرَج. ونَقرأ في العدد 16: "وَبِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ..." [أعمال الرُّسُل 3: 16] "بِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ [فاسمُ يَسوعَ] هُوَ الَّذي شَدَّدَ هذَا الرَّجُلَ الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هذِهِ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ". فقد كانَ ينبغي لهذا لإيمان بالمسيح أنْ يأتي مِنْ خلال المسيح. فَكِّروا في هذهِ الكلمات. فيلبِّي 1: 6: "وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا...". وهذا مُهِمٌّ جدًّا. فَمَنِ الذي ابتَدأَ العَمَلَ الصَّالِحَ؟ اللهُ. مَنِ الَّذينَ ابتدأَهُ؟ اللهُ. "...يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيح". فهو الَّذي ابتدأَهُ. وَهُوَ الَّذي سَيُكَمِّلُه.

رسالة كورِنثوس الأولى 1: 30. فنحنُ نقرأ في العدد 29: "لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَ اللهِ". لماذا؟ في العدد 30: "وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ". "وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ". لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العدد 31: "مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبّ". فالأمواتُ لا يُطيعون. والأمواتُ لا يَتجاوبون. والأمواتُ لا يَقومون. والأمواتُ لا يَفعلونَ أيَّ شيء. فَهُمْ لا يَقدرون. ونحنُ، بسببِ الخطيَّة، أمواتٌ رُوحيًّا.

وَعَودَة إلى رسالة بُولس إلى أهلِ أفسُس 4: 18 إذْ نَجِدُ وَصفًا لذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "أنَّ الأُمَمَ [في العدد 17] يَسلُكونَ بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ". وهذه طريقة أخرى لقولِ الشَّيءِ نَفسِه. فَهُمْ أحياء جَسديًّا، ولكنَّهُم أمواتٌ رُوحيًّا. "مُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ". ونَقرأُ في رسالة كولوسي 2: 13 عَنْ هذا الأمر: "وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ". "وإذْ كُنتُم أمواتًا في الخَطايا". وطَلَبَة اللُّغَة اليونانيَّة يُسَمُّونَ ذلكَ "ظَرْف مَكان". فأنتُم تَعيشونَ في نِطاقِ المَوتِ. وأنتُم تَعيشونَ في حَيِّزِ الموت. فأنتُم بَعيدونَ كُلَّ البُعدِ عنِ الحياةِ الرُّوحيَّة، ويُهيمِنُ عليكم الجسدُ غير المَختون أو غير المُطَهَّر. وبالرَّغمِ مِنْ حالَتِكُم تلكَ، أَحْياكُم. وهذا هو تمامًا ما جاءَ في رسالة أفسُس والأصحاح الثَّاني.

والآن، إنَّ حالةَ الموتِ الرُّوحِيِّ هذهِ لم تَكُن الحالة الَّتي خُلِقَ عليها البَشَرُ مِنَ الله. فعندما خَلَقَ اللهُ آدَمَ وحَوَّاءَ، كانا حَيَّيْنِ رُوحيًّا. وكانا في شَرِكَة معَ الله. وكانا يَمشيان ويَتحدَّثان إلى الله عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَار. فقد كانا يُطيعانِ اللهِ طَبيعيًّا. وكانا يُحِبَّانِ اللهَ طبيعيًّا. وكانا يَفعلانِ طَبيعيًّا مَشيئةَ الله. ولكِنَّ اللهَ نَهاهُما عَنْ شيءٍ واحدٍ فقط وَهُوَ أنْ لا يأكُلا مِنْ شَجرةِ مَعرفةِ الخَيرِ والشَّرّ قائلاً: "لأَنَّكَ يَوْمَ تَأكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوت". وفي اليومِ الَّذي أَكلا مِنها، مَاتا رُوحيًّا.

وفجأةً، صَارا مُنفَصِلَيْنِ عنِ الله، وتَاهَا في الجَنَّة، وَحاولا أنْ يُغَطِّيا نَفسَيهِما، واختبآ مِنَ الله. فقد صارا مَيِّتَيْن رُوحيًّا. وبِكُلِّ تأكيد، فإنَّ ذلكَ جَعَلَ الجنسَ البشريَّ كُلَّهُ يُولَد مَيْتًا. وهذه هي النُّقطة الَّتي يُشيرُ إليها بولس في رُومية 5. ففي رُومية 5: 12، يَقولُ بولس: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ". وَهُوَ يَقولُ لاحقًا: "في آدَم يَموتُ الجَميع". فالجنسُ البشريُّ كُلُّهُ وُلِدَ مَيْتًا بسببِ خطيئة آدَم.

وبولسُ يُحاول أنْ يَشرحَ لِقُرَّائِهِ كيفَ أنَّ مَوتَ إنسانٍ واحد (وَهُوَ المسيح) يُمكن أنْ يُؤثِّر في أُناسٍ كثيرينَ بأنْ يُخَلِّصَهُم. والطَّريقةُ الَّتي يَشرحُ فيها كيفَ أنَّ مَوتَ إنسانٍ واحد يُمكن أن يَترُكَ هذا التَّأثيرَ الهائل هو بأنْ يُبَيِّنَ لهم كيفَ أنَّ خَطيئةَ إنسانٍ واحد كانَ لها هذا الأثر الهائل على الجنسِ البشريِّ كُلِّه. لِذا فإنَّ بولسَ يَقول: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ". والتَّاريخُ يُدَوِّنُ سِجِلَّ ذلكَ الموت. ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 15: 22: "لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ...".

فقد خَلَقَ اللهُ الإنسانَ مُستقيمًا. ومعَ أنَّ اللهَ جَعَلَ الإنسانَ حَيًّا، فإنَّ البشريَّةَ كُلَّها مَيِّتة بالذُّنوبِ والخَطايا. وقد جاءَ اللهُ وأمرَ الخُطاةَ أنْ يَتوبوا. وقد أَمرَهُم أنْ يُؤمِنوا بابنِهِ، وأنْ يُحِبُّوا ابنَهُ، وأنْ يَعترفوا بابنِهِ، وأنْ يَخضَعوا لابنِهِ. وقد تَطرَحُ السُّؤالَ: "هل يُمكِنُ لِجَميعِ جِنْسِ لِعَازَر أنْ يَتجاوَبوا؟"

وهذا هو السُّؤالُ المُهِمُّ الكامِنُ وراءَ عَقيدة الاختيار. فإنْ تُرِكَ الخُطاةُ لأنفسهم كي يُؤمنوا، ما هي القُوَّةُ الَّتي سَتُمَكِّنُهُم مِنَ القيامِ بذلك؟ وإنْ كنتَ تَقول: "أنا لا أُوْمِنُ بالاختيارِ الإلهيِّ، بل أُوْمِنُ بأنَّ كُلَّ شَخصٍ مَتروكٌ وشأنَهُ، وأنَّ كُلَّ شَخصٍ يَأخُذُ قَراراتِهِ بنفسِه، وأنَّ اللهَ يَنظُرُ وحَسْب إلى التَّاريخِ ويَرى ما سَتَفعلونَهُ، ولكِنَّ الأمرَ يَعودُ إليكم أنتُم لتَفعلوا ذلك"، فإنَّ السُّؤالَ الَّذي يَطرحُ نَفسَهُ هو: ما هي القوَّة الَّتي سَتُمَكِّنُ إنسانًا مَيِّتًا مِنَ القيامة؟ ما هي هذه القُوَّة؟

فإنْ لم يَجعلِ اللهُ النَّاسَ مُستعدِّينَ، وإنْ لَم يُعطِهِمِ اللهُ القُدرةَ، مِنْ أينَ ستأتي القُوَّة؟ وَمِنْ أينَ ستأتي الإرادة؟ فالأشخاصُ الَّذينَ يُنكرونَ عقيدةَ الاختيارِ الإلهيِّ، والأشخاصُ الَّذينَ يُنكرونَ عَقيدةَ الخلاصِ الإلهيِّ كَعَمَلٍ يَقومُ بِهِ اللهُ ينبغي أنْ يُؤمِنوا بأنَّ هُناكَ شيئًا في الإنسان مَتروكا لَهُ يُمَكِّنُهُ مِنْ أنْ يَصيرَ راغبًا وأنْ يَحْيا. ولكِنْ هل هذا هو ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس؟ إنَّ الكتابَ المُقدَّسَ لا يَصِفُ حَالَتَنا بأنَّها عَجْز، بل هُوَ يَصِفُها بأنَّها مَوت. وكُلُّ شخصٍ يَعلمُ أنَّ الموتَ يَعني عَدَم القُدرة على التَّجاوُب.

ورُبَّما ستُساعِدُكُم هذه المُراجَعة السَّريعة على فَهمِ هذهِ النُّقطة. لِنَعُد إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح الأوَّل قليلاً. إنجيل يوحنَّا والأصحاح الأوَّل. وللتَّوضيحِ فقط، إنَّ هذه العقيدة مَوجودة في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ ... باطِّراد. ولكِنْ لا شَكَّ أنَّ الآية يوحنَّا 1: 12 هي آية رائعة: "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ". ونحنُ نُحِبُّ هذهِ الآية. وهناكَ أُناسٌ كثيرونَ يَحفظونَ هذه الآية: "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ".

وبالمُناسبة، نَقرأُ في العدد 13: "اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ". فلا يُمكِنُكَ أنْ تُولَدَ مِنَ الأمواتِ بقوَّتِكَ الذَّاتيَّة. فَكُلُّ مَنْ قَبِلَهُ، وكُلُّ مَنْ آمَنَ وصارَ وَلدًا للهِ حَصَل على القُدرة على القيامِ بذلك مِنَ الله. فهو لم يَفعل ذلكَ بإرادَتِهِ، ولا بمشيئةِ الجَسَد، ولا بمشيئةِ إنسان. بل مِنَ الله.

انظروا إلى الأصحاح الثَّالث مِن إنجيل يوحنَّا. وسوفَ نَنظرُ وَحَسْب إلى بعضِ المقاطعِ المألوفة الَّتي يَعرِفُها الجميع. إنجيل يوحنَّا والأصحاح الثَّالث. ورُبَّما كانَ هذا الأصحاحُ واحدًا مِنْ أكثرِ الأصحاحاتِ المألوفة في كُلِّ الكتابِ المقدَّس.

العدد الخامِس. وكما تَعلمونَ، فإنَّ يَسوعَ يُخاطِبُ نيقوديموس عن حاجَتِهِ إلى أنْ يُولدَ ثانيةً. وهذا يعني أنَّهُ مَيِّت، وأنَّهُ بحاجة إلى الحياة، وبأنَّهُ بحاجة إلى العودة إلى الحياة. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في العدد 5 أنَّ يسوعَ قالَ لَهُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ..." وَهُوَ يُشيرُ هُنا إلى مَاء التَّطهيرِ وعمَلِ الرُّوحِ القُدُس الموصوف في سِفْر حِزْقيال؛ في تلكَ النُّبوَّة العظيمة الَّتي تتحدَّثُ عنِ العهدِ الجديد. فما لم يُولَد المَرءُ بالتَّطهيرِ والرُّوحِ القُدُس "...لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ. اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ". فيجب أنْ تُولَدَ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس. ويجب أنْ تَتطهَّرَ مِن أعلى. وفي العدد 7: "لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْق".

ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ الآتي: "اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ". يا للرَّوعة! يا لَها مِنْ كلمات!" فالنَّاسُ يُولَدونَ مِنَ الرُّوحِ لأنَّهم يُولدونَ مِنَ الرُّوحِ، والرُّوحُ يَهُبُّ حَيثُ يَشاءُ الرُّوح.

انظروا إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح الخامِس. إنجيل يوحنَّا 5: 21: "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاء". ويا لها مِن آية مُؤلمة ويَصعُبُ احتمالُها إنْ كُنتَ تُنكرُ سِيادَةَ الخَلاص، سِيادةَ اللهِ في الخلاص. فالابنُ يُحيي مَنْ يَشاء. والرُّوحُ يُحيي مَن يَشاء. وعندما يُؤمِنُ المَرءُ فإنَّهُ لا يَفعلُ ذلكَ بمشيئةِ الجسد، أو بمشيئةِ إنسان، بل بمشيئةِ الله. فاللهُ هو الَّذي يَشاءُ ذلك. والرُّوحُ هو الَّذي يَشاءُ ذلك. والابنُ هو الَّذي يَشاءُ ذلك. فَكُلُّ الثَّالوثِ مَعْنِيٌّ بذلك. يوحنَّا 1، ويوحنَّا 3، ويوحنَّا 5، ويوحنَّا 6: 44. وقد تَأمَّلنا في هذهِ المقاطِع. العدد 44: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي". "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ...إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ". وقد تأمَّلنا في الأسبوعِ الماضي في العَدد 64: "وَلكِنْ مِنْكُمْ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ" (العدد 64). ونقرأ في إنجيل يوحنَّا 6: 65: "لِهذَا قُلْتُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ أَبِي".

والغاية مِن هذا كُلِّه هي أنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تأتي مِنْ ذاتِك. فأنتَ تَفتقرُ إلى الرَّغبة والقُدرة. فأنتَ مَيِّت. أنتَ مَيِّت. إنجيل يوحنَّا 8: 36. إنَّها جُملة بسيطة وَحَسْب: "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا". فأنتَ لن تَتحرَّر ما لم يُحَرِّركَ الابنُ.

فأنتَ (إذا نَظرتُم إلى الأمرِ بطريقة أخرى، أو باستخدامِ استعارة مُختلفة) لستَ مَيِّتًا فَحَسْب، بل أنتَ عَبْدٌ. فأنتَ لن تَحيا إلَّا إنْ أحياكَ هُوَ. وأنتَ لن تَتحرَّرَ إلَّا إنْ حَرَّرَكَ. وعَودة إلى إنجيل مَتَّى والأصحاح 11 ... وأعتقد أنَّهُ العدد 27 ... بل إنَّ العدد 25 يَتحدَّث عن نفسِ هذه الفكرة العظيمة: "أَحْمَدُكَ أَيُّـهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَال". والآن، مَا مَعنى ذلك؟

إنَّ مَا تَقولُهُ هذه الآية هو أنَّ اللهَ قَرَّرَ شخصيًّا إلى مَنْ سَيُعلِنُ الحَقَّ. وقد قَرَّرَ أنْ يُخفيهِ عنِ الحُكماء والفُهماء، وأنْ يُعلِنَهُ للأطفال. ولماذا فَعَلَ اللهُ ذلك؟ نَقرأُ في العدد 26: "نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ". فقد فَعَلَ ذلكَ لأنَّهُ يَسُرُّهُ. ثُمَّ نَقرأ في العدد 27: "كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِـــي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ".

إنَّ المَعنى واضح جِدًّا. فأنتَ لن تَحيا، ولن تَفهمَ الحَقَّ، ولن تُؤمِنَ إلَّا إنْ شاءَ الآبُ. وبالرَّغمِ مِن ذلك، أليسَ الأمرُ مُدهشًا؟ انظروا إلى العدد 28. ونحنُ نَجِدُ هنا تَناقُضًا ظاهريًّا، أو تناقُضًا واضحًا: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِــي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ". فيا لَهُ مِن أمرٍ مُدهش!

والنَّاسُ يَسألونني دائمًا: "كيفَ نَحُلُّ ذلك؟" أنا لا أَحُلُّ ذلك. ولا فِكرة لديَّ عن كيفيَّةِ حَلِّ ذلك. فالدَّعوة إلى المَجيء هي دَعوة للجميع. أمَّا القُدرة على المجيء فتَقتَصِرُ على أولئكَ الَّذينَ يُقيمُهُمُ الآبُ.

اسمَعوني: لن تَجِدوا نَصًّا، ولا أيَّ نَصٍّ مِن هذه النُّصوص، يُدافِعُ فيهِ يَسوعُ عَنْ قُدرةِ الخُطاة. فلن تَجِدوا في هذه النُّصوص في أيِّ مَكانٍ أنَّهُ يُدافِعُ عن حُريَّةِ إرادَتِهم. فيسوعُ لا يَعتَنِقُ العقيدة الأرمينيَّة. فَكُلُّ تلكَ الآياتِ الَّتي ذَكَرْتُها، والكثيرُ جدًّا مِنَ الآياتِ الأخرى، تَنْسِبُ كُلَّ عَمَلِ الخَلاصِ إلى الله، وَكُلَّ المَشيئة إليه، وكُلَّ القُدرة إليه.

وللتَّعَمُّقِ أكثر في الإجابة عنِ السُّؤال "هل يَمتلكُ الخُطاةُ الإرادَة والقُدرة؟" أريدُ أنْ نَنظُرَ نَظرةً أعمَق إلى مَعنى أنْ تَكونَ مَيِّتًا حَيًّا. اسمحوا لي أنْ أُفَصِّلَ هذهِ النُّقطة. فما الَّذي يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عنِ القلبِ البشريِّ؟ دَعونا نَرجِع إلى سِفْر التَّكوين والأصحاح السَّادس. وسوفَ نَنظر إلى مَقطَعَيْنِ مِنَ العهدِ القديم لكي أُبَيِّنَ لكم وَحَسْب مَدى انتشارِ ذلك.

ففي سِفْر التَّكوين 6: 5، أنتُم تَنظرونَ إلى جِنسٍ بشريٍّ بأسرِه هُنا مُنذُ السُّقوط: "وَرَأَى الرَّبُّ..." [في العدد 5]. فَلنَتحدَّث عنْ قَلبِ الإنسان: "وَرَأى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ". "كُلَّ ... إنَّما ... كُلَّ يَوم". "فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ". فالتَّشخيصُ الكِتابِيُّ للقلبِ البشريِّ هو أنَّهُ شِرِّير، ويَزدادُ شَرًّا، ولا يَحوي شيئًا سِوى الشَّرّ. فهذا هوَ كُلُّ ما في الأمر.

إرْميا 17: 9. فإرْميا يَقول: "اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ". ونَقرأُ في المَزمور 143: 2: "فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ". وسِفرُ الأمثال 20: 9 يَطرحُ السُّؤالَ التَّالي: "مَنْ يَقُولُ: إِنِّي زَكَّيْتُ قَلْبِي؟" [عَجَبًا] "مَنْ يَقولُ: إنِّي تَطَهَّرْتُ مِنْ خَطِيَّتِي؟" والجوابُ هُوَ: لا أحد. فلا أحدَ يَستطيعُ أن يَقول: "لقد تَمالَكْتُ نَفسي. وقد طَهَّرتُ قلبي. وقد أخذتُ القَرارَ الصَّحيح".

وإرْميا 13: 23 يَطرحُ هذا السُّؤال: "هَلْ يُغَيِّرُ الْكُوشِيُّ جِلْدَهُ أَوِ النَّمِرُ رُقَطَهُ؟" ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ يَقولُ: "فَأَنْتُمْ أَيْضًا تَقْدِرُونَ أَنْ تَصْنَعُوا خَيْرًا أَيُّهَا الْمُتَعَلِّمُونَ الشَّرَّ!"

فعندما تَنظرونَ إلى التَّشخيصِ الكِتابِيِّ للقلبِ البشريِّ، لا يوجدُ فيهِ أيُّ شيءٍ يَقدرُ أنْ يَتجاوَب. فهو شِرِّيرٌ تمامًا. وما يَخرجُ مِن ذلكَ القلب هو كُلُّ الخطايا والآثام الموجودة فيه. وإذا أردتُم أن تَنظروا كِتابيًّا إلى القلب، يمكنكم أنْ تَجِدوا آيات كثيرة أخرى عنِ القلب.

ولكِنْ دَعونا نَتحدَّثُ عنِ الذِّهن. فماذا عنِ الذِّهن؟ فإنْ كانَ القلبُ شيئًا عميقًا، وكانَ الذِّهنُ هو التَّفكيرُ السَّطحيُّ (إنْ أرَدنا أنْ نُمَيِّزَ هكذا بينَ الاثنين)، ماذا عنِ الذِّهن؟ وما أعنيه هو: أَلا يُمكنُنا أنْ نُعالِجَ هذه المسألة وأنْ نُبْطِلَ ذلكَ الشَّرَّ الدَّاخليَّ؟ ألا يُمكِنُنا أنْ نُلَمْلِمَ أنفُسَنا وأنْ نَخرُجَ بتَكريسٍ صحيحٍ مِنْ تِلقاءِ أنفُسِنا؟

حسنًا، نَقرأُ في رسالة رُومية 1: 28: "أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ" ... إلى ذِهنٍ فاسِد. وهذه الكلمة تُشيرُ في الأصل إلى ذِهْنٍ غير قادر على العمل. لِذا فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ لم يُولَدوا ثانيةً يَمتلكونَ أذهانًا غير عَامِلَة في نَظَرِ الله. كذلك، نَقرأ في رسالة كورنثوس الثانية 4: 4: "الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيح".

انظروا إلى رسالة رُومية والأصحاح 8 قليلاً. ومَرَّةً أخرى، فإنَّ هذا يَزيدُ مِنْ تَوَرُّطِنا في المُشكلة. رُومية 8: 5: "فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ". فهكذا هي الحَال. فإنْ كُنتَ تَعيشُ حسبَ الجسد، فإنَّ ذِهنَكَ مُكَرَّسٌ للجسد. ونَقرأ في العدد 6: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ". فهذه هي الحقيقة. هذه هي سِمَةُ المَوتِ الرُّوحِيّ. فَذِهنُكَ يَهتمُّ بالجسد. وفي العدد 7: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ". ثُمَّ استمعوا الآن: "إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيع". العدد 8: "فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ".

وما أعنيه هو: إنَّ هذا الوَصفَ دَقيقٌ جدًّا. وقد قَرأتُ لكم سابقًا مِن رسالة أفسُس 4: 17-18 أنَّ الأُمَمَ يَسلُكونَ "بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ [أوْ بِفَسادِ ذِهنِهم] إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ. اَلَّذِينَ إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَع".

فَكُلُّ وَصفٍ هو نَفسُه. فَهُمْ جَاهِلونَ، ومُظلِمو الفِكر، وعَقيمون، وفارِغونَ، وأموات. ولا يُوجد مَخْرَج. فإنْ نَظرتَ إلى أيِّ مَوضِعٍ في الكتابِ المقدَّس، تَجِدُ شيئًا كهذا: "وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ [تيطُس 1: 15] وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِرًا، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ". فَصُورةُ الأشخاصِ الَّذينَ لم يُولدوا ثانيةً قاتمة جدًّا.

وهناكَ آية أخرى وهي رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الثَّاني. رسالة كورِنثوس الأولى 2: 14. ويمكننا أن نَقولَ الكثيرَ عن هذا المقطعِ بِمُجملِه، ولكِنَّنا سنَكتفي بالعدد 14 إذْ نَقرأُ: "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ [لماذا؟] لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا". فهذه الأمورُ تُمَيَّز رُوحيًّا، وتُفحَص رُوحيًّا. وَخَمِّنوا ماذا؟ إنَّهُ مَيِّتٌ رُوحيًّا.

وقد قالَ "مارتن لوثر": "إنَّ الإنسانَ يُشبِهُ عَمودَ مِلْحٍ. فهو يُشبِهُ امرأةَ لُوط". وقد قالَ لوثر: "إنَّهُ مِثلَ جِذعِ شَجرة. وَهُوَ مِثلَ حَجَر. وَهُوَ مَثلَ تِمثالٍ لا حَياةَ فيه ليسَ لَهُ عينان، ولا أُذُنان، ولا فَم، ولا أحاسيس أو قلب؛ إلَّا إذا استَنارَ، واهتَدى، وتَجَدَّدَ بِالرُّوحِ القُدُس". لِذا، لا يوجد رَجاءٌ للقلب، ولا رَجاءَ للذِّهن.

وقد يَقولُ قَائِلٌ: "حسنًا، رُبَّما كانت توجد في مَكانٍ ما شَرارة في الإرادة". حَقًّا؟ اسمعوا ما جاءَ في إنجيل يُوحَنَّا 8: 44: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ". أفسُس 2: "وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا...حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ". فهو نَفسُ الوَصفِ. "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ. وَأَمَّا أَنَا فَلأَنِّي أَقُولُ الْحَقَّ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي".

أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً...وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ. وَهُوَ كَذَّابٌ. لِذا، عندما أقولُ الحَقَّ، فإنَّكم لا تُريدونَ أن تُؤمِنوا بي لأنَّكُم تَعيشونَ في عَالَمٍ مِنَ الأكاذيبِ الشَّيطانيَّة. وأنتُم لا تَمْلِكونَ إرادَةً لمعرفةِ الحَقِّ. فأنتُم تُريدونَ أنْ تَعمَلوا شَهَواتِ أبيكُم.

وقد عَبَّرَ بولسُ في رُومية 6: 20 عن ذلكَ فقال: "لأَنَّكُمْ لَمَّا كُنْتُمْ عَبِيدَ الْخَطِيَّةِ، كُنْتُمْ أَحْرَارًا مِنَ الْبِرِّ". فيمكنكَ أن تقولَ للشَّخصِ الَّذي لم يُولد ثانيةً: "أنتَ تَمتلِك حُريَّة هائلة في الحياة. فأنتَ مُتَحَرِّرٌ تمامًا مِنْ أيِّ شيءٍ بَارّ". فأنتُم كذلك.

وَمِن هذا النَّوعِ مِنَ القلبِ المَيِّتِ والذِّهنِ المَيِّت، ومِن هذهِ الإرادة المَيِّتة، لا يَخرُجُ (بِكُلِّ تأكيد) سِوى الأشياء الَّتي تُسِرُّ أبَ الأمواتِ الأحياء؛ أيْ: إبليس. لِذا فإنَّنا نَقرأُ مَرَّة أخرى في إنجيل مَرقُس والأصحاح 7 شَيئًا مُشابهًا لما قرأناهُ سابقًا في إنجيل مَتَّى والأصحاح 15: "وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ فَمِنَ الْقَلْب يَصْدُرُ...لأَنْ مِنَ الْقَلْب تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَة: زِنَىً، سَرِقَة، قَتْل، فِسْق، طَمَع، خُبْث، مَكْر، عَهارة، عَينٌ شِرِّيرة، تَجديف، كبرياء، جَهْل. جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِل".

وهذا مَوقِفٌ خَطير. وهناكَ نَصٌّ يُلَخِّصُ كُلَّ هذا وَهُوَ رُومية 3. وهُناكَ أُناسٌ منكم عَرَفوا أنَّني سأذكُرُ هذا النَّصَّ. ولكِنَّ رُومية 3 يُلَخِّصُ هذا كُلَّهُ في حالِ أنَّ هُناكَ مَنْ ما زَالَ يَقول: "ولكِنْ...ولكِن...ولكِن لا بُدَّ أنَّ هناكَ شيئًا ... لا بُدَّ أنَّ هُناكَ شيئًا في الإنسان يَسمَح لَهُ أنْ يَجِدَّ في طَلَبِ البِرّ". رُومية 3: 10: "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ" – وهذه اقتباساتٌ عديدة مأخوذة مِنَ العهدِ القديم. لِذا فإنَّهُ تَشخيصٌ لِجميع البشر: "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ". وقد يَقولُ قائِلٌ: "إلَّا أنا". لِذا فإنَّ الرَّبَّ يُسارِعُ بالقول: "لا، وَلاَ حَتَّى أنت". "لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ". فالإنسانُ الطَّبيعيُّ لا يَفهَمُ أمورَ اللهِ. "لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ". وقد تَقولُ: "مَهلاً..مَهلاً..مَهلاً..مَهلاً. ففي العهدِ القديم، هناكَ آياتٌ تَقول: ’إنْ طَلَبتُموني بِكُلِّ قُلوبِكُم‘".

يا أحبَّائي، لا يُمكنكم أنْ تَطلبوهُ إلَّا إنْ وَجَدَكُمْ. فنحنُ نُحِبُّهُ لأنَّهُ أَحَبَّنا أوَّلاً. "لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ [مِنْ ذَاتِهِ] اللهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ". فَهُمْ أبناءُ أبيهم. "وَفَمُهُمْ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً. أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ. فِي طُرُقِهِمِ اغْتِصَابٌ وَسُحْقٌ. وَطَرِيقُ السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ. لَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ".

فهذا هو الوَصفُ الرَّئيسيُّ للأمواتِ الأحياء. فَهُمْ أشرارٌ وأنانيُّون. إنَّهُم مُجَرَّدُ جِنسٍ كَامِلٍ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يُشْبِهونَ لِعَازَر. ونحنُ نُحِبُّ ظُلمَتَنا ونُحِبُّ خَطيَّتَنا. ونحنُ نَبتَهِجُ بِشَهواتِنا الجسديَّة. ونحنُ نُريدُ أنْ نَفعلَ أمورًا تُرضي أبانا الَّذي هو إبليس.

وبالمُناسبة، إنَّ هذا التَّشخيصَ للإنسانِ هو قَناعَةُ المؤمنينَ على مَرِّ العُصور. فيمكنكم أن تَقرأوا العباراتِ الَّتي وَرَدَت في مَجْمَع "دورت" (Dort)، وإقرار إيمان وِستمنستر، وفي كُلِّ أنواعِ المَجامِعِ اللَّاهوتيَّةِ الأخرى على مَرِّ التَّاريخ. فهذا هُوَ تَشخيصُ الإنسانِ مِنْ وُجهةِ نَظَرِ الكتابِ المقدَّس.

وقد تَمَّتْ تَسميةُ هذه العقيدة "الفَساد التَّامّ"، ولكنِّي أشعرُ أنَّ "الفَسادَ التَّامَّ" هو تَسمية خاطئة. فإذا نَظرتُم إلى الكلمة "فَساد" في المُعجَم، فإنَّها مُرادِفة للشَّرّ، ومُرادِفَة لِكونِكَ شِرِّيرًا. والحقيقة هي أنَّ الكلمة "فَاسِد" (بحسب المُعجَم) تَعني: مُنْحَطّ، أو خَسيس، أو فَاسِد أخلاقيًّا بصورة خطيرة كما هِيَ حَالُ المُغتَصِبينَ والقَتَلَة المُتَسَلسِلين. فالكلمة "فاسِد" تُشيرُ إلى مُستوى مِنَ الشَّرِّ لا يَسري على الكُلّ. فإنْ قُلنا إنَّ شخصًا ما فاسدٌ تمامًا، فإنَّ ذِهنَكُم سيَتذكَّر حالاً أشخاصًا مِثلَ "جيفري دامرز" (Jeffrey Dahmers)، أو "تشارلز مانسون" (Charles Manson)، أو أيَّ شخصٍ لا يَملِكُ أيَّ قَدرٍ مِنَ الصَّلاحِ البَشريِّ، بل يَخلو مِن كُلِّ عاطفة طبيعيَّة وضَوابِط طبيعيَّة. وإنْ قُلنا إنَّ شخصًا ما فاسِدٌ تَمامًا فإنَّنا نَضَعُهُم خَارِجَ نِطاقِ البَشَرِ العاديِّينَ ونُصَنِّفُهُم بأنَّهُم أشرارٌ مُنحَرِفون.

ولكِنَّ هذا ليسَ هو المَعنى الَّذي يَعنيهِ اللَّاهوتيُّونَ عندَ استخدامِ مُصطلح "الفساد التَّامّ" لأنْ ليسَ الجَميعُ سَيِّئينَ إلى أسوأِ حَدٍّ مُمكن، ولأنْ ليسَ الجَميعُ سَيِّئينَ بالقَدرِ نَفسِه. ولكِنَّنا نُشيرُ هُنا إلى ما آثَرْتُ أنْ أُسَمِّيه "العَجْز التَّامّ". فالشَّيءُ الَّذي يَسري على الجميع هو أنَّنا عاجِزونَ تمامًا عنِ التَّجاوبِ معَ الإنجيل. ونحنُ عاجِزونَ تمامًا عن إقامَةِ أنفُسِنا مِنْ حالةِ الموت. ونحنُ عاجِزونَ تمامًا عن إعطاءِ قُلوبِنا العَمياء بَصَرًا. ونحنُ عاجِزونَ تمامًا عن تَحريرِ أنفُسِنا مِنْ عُبوديَّة الخطيَّة. ونحنُ عاجِزونَ تمامًا عن تَرْكِ الجَهلِ وقَبولِ الحَقّ. ونحنُ عاجِزونَ تمامًا عنِ التَّوَقُّفِ عَنِ التَّمَرُّدِ على الله، وعَنِ التَّوَقُّفِ عَنْ مُعاداةِ كَلِمَتِه.

ونحنُ لسنا عاجِزينَ وَحَسْب، بل إنَّنا غيرُ مُستعدِّينَ للقيام بذلك، وغير مُستعِدِّينَ للتَّوبة، وغير مُستعِدِّينَ للإيمان. وإنْ كُنَّا سنَتوبُ ونُؤمِن، لا بُدَّ أنْ يَحدُثُ ذلكَ كما حَدَثَ لِلِعازَر. فيجب أنَّ اللهَ الَّذي يَأمُرُ الأمواتَ أنْ يَقوموا أنْ يُعطيهم أيضًا القُدرة. وفي الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 2: 25، يَقولُ بولُس إنَّهُ يجب علينا أنْ نُعامِلَ النَّاسَ بِلُطف "عَسَى أَنْ يُعْطِيَهُمُ اللهُ تَوْبَةً". ويا للدَّهشة! فلا يُمكن قول ذلك بطريقة أوضح مِن هذه. "لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ، فَيَسْتَفِيقُوا مِنْ فَخِّ إِبْلِيسَ إِذْ قَدِ اقْتَنَصَهُمْ لإِرَادَتِهِ".

فالطَّريقةُ الوحيدةُ الَّتي يُمكنكَ مِن خلالها أنْ تَهرُبَ مِنْ فَخِّ إبليس هو أنْ تَعودَ إلى رُشْدِك. والطَّريقةُ الوحيدة الَّتي يُمكِنُكَ مِن خلالِها أنْ تَعودَ إلى رُشدِكَ هي أنْ تَعرِفَ الحَقَّ. والطريقة الوحيدة الَّتي يُمكنكَ مِن خلالها أنْ تَعرفَ الحَقَّ هي أنْ يُعطيكَ اللهُ تَوبَةً.

وعَودة إلى رسالة أفسُس 2: 8 و 9 مَرَّة أخرى: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ". فيجب أنْ يُعطي اللهُ تَوبةً. ويجب أنْ يُعطي اللهُ إيمانًا. وجَوهرُ هذا الحَقِّ الثَّمين هو أنَّ اللهَ ينبغي أنْ يَعمَلَ بِنَفسِهِ على إحياءِ الأموات. فالتَّجديدُ هو ما يَصِفُهُ اللَّاهوتِيُّونَ بأنَّهُ "عَمَلٌ مُنفَرِد"؛ أيْ أنَّهُ عَمَلُ اللهِ ... وَحدَهُ.

ففي التَّجديد، نَحنُ بصورة أساسيَّة بلا أيِّ تأثير. فعندما يَتِمُّ إنهاضُنا ونُعطَى تَوبةً وإيمانًا فإنَّ كُلَّ ذلكَ يَؤولُ مَعًا إلى خَلاصِنا. فهذا هو ما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس. وإنْ لم تَكونوا تُؤمِنونَ بهذا، كيفَ سَتَترُكُ العقيدة الكِتابيَّة المُختصَّة بالإنسان أيَّ احتمالٍ لِخَلاصِه؟ فَهَلِ اللهُ يأمُرُ الخَطاةَ وَحَسْب أنْ يَفعلوا شيئًا لا يَقدرونَ ولا يُريدونَ البَتَّة أنْ يَفعلوه؟

وما أعنيه هو أنَّهُ (في نَظري) فإنَّ إنكارَ هذه العقيدة ثُمَّ الكِرازة هو أَشبَهُ بالوقوفِ على جِسرٍ فوقَ نَهرٍ قويٍّ ومُراقبةِ شخصٍ يَغرق ويَصرُخ، ثُمَّ أنْ نَقولَ لَهُ: "لديَّ خَبَرٌ سَارٌّ لَكَ. فإنْ تَمَكَّنتَ مِنَ الخُروجِ مِن هناك سوفَ نُجَفِّفُكَ. هَيَّا، اخرُج مِن هُناك". فهو لا يَستطيعُ أنْ يَخرُجَ مِن هُناك. وأنتَ لا تُقَدِّمُ لَهُ أيَّ شيءٍ يَستطيعُ القيامَ بِهِ بنفسه. فَدَعوةُ الإنجيلِ مِنْ دونِ قُوَّة لا مَعنى لها.

هل تَعني أن تَقولَ لي إنَّ اللهَ لا يَفعلُ للمُؤمِنِ أكثرَ مِمَّا فَعَلَهُ للأشخاص الكثيرينَ الموجودينَ الآنَ في جَهَنَّم؟ فهلِ الأمرُ يَقتصِر على أنَّنا وَجدنا شيئًا في أنفُسِنا يُعطينا حَياةً؟ وهل تُريدُ أنْ تَقولَ لي إنَّ اللهَ فَعَلَ نَفسَ الشَّيءَ لِكُلِّ الَّذينَ عاشوا يَومًا سواءَ كانوا في السَّماءِ أو في جَهَنَّم، وإنَّ الأمرَ يَتوقَّفُ علينا نحن؟ إذًا، هل هذا يعني أنَّ كُلَّ شخصٍ موجود في جَهَنَّم لم يَكُن يَملِكُ الإرادة للسِّباحة؟ لا.

وهناكَ آية أخيرة وهي تِيطُس 3. أو رُبَّما سأذكُر آية أخرى بَعدها، ولكِنَّنا اقتربنا مِنَ النِّهاية. تيطُس 3: 3. تيطُس 3: 3: "لأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلاً أَغْبِيَاءَ". لاحِظوا حَالَتَنا: "أغبياء". تيطُس 3: 3. "غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ [أيْ في الشَّرّ] وَالْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا". ويا لَهُ مِنْ وَصْفٍ قَاسٍ. "وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ..." ثُمَّ اسمَعوا ما يَقول: "...خَلَّصَنا [كيف؟] لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي سَكَبَهُ بِغِنًى عَلَيْنَا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا". فَهُوَ الَّذي خَلَّصَنا. هُوَ الَّذي خَلَّصَنا. ولاحِظوا أنَّهُ لم يَفعل ذلك بأعمالٍ عَمِلناها نَحنُ، بل بِمُقتضَى رَحمَتِهِ.

والآن، سوفَ نَختِمُ بمُلاحظة أخيرة عن ذلك. فهناكَ أُناسٌ حاولوا أنْ يَجعلوا التَّجديدَ (أيْ العودة إلى الحياة) عَمَلاً يَحْدُثُ قبلَ الاهتداء. فالفِكرةُ هي أنَّ التَّجديدَ يَحدُث، ثُمَّ بعدَ أنْ تَختبرَ التَّجديدَ فإنَّكَ تَخلُص. ولكنِّي لستُ مُقتنعًا بذلك. فالكلمة "تَجديد" المُستخدَمة هُنا (في العدد 5)، والتي قَرأتُها للتَّوّ في رسالة تيطُس 3: 5، هي "بالينغينيسيس" (palingenesias)؛ وهي تُستخدَمُ فقط هُنا (وفي إنجيل مَتَّى 19: 28 بالمَعنى الأَخرويّ). ولكِنَّ هذا هو المكانُ الوحيدُ في الكتابِ المقدَّسِ الَّذي تُستخَدَمُ فيهِ الكلمة "تَجديد" بالاقترانِ بالخلاص. وأرجو منكم أنْ تُلاحِظوا ما يَلي: "بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُس" (أو بواسطةِ الرُّوحِ القُدُس).

فالتَّجديدُ وَالغَسْلُ هُما الشَّيءُ نَفسُه، والواقِعُ المَجيدُ نَفسُه. فلا يُمكنكَ أنْ تَتجدَّد ما لم تُغسَل. لِذا فإنَّ التَّجديدَ والاهتداءَ يَحدُثان في الوقتِ نَفسِه. وحَتَّى إنَّ هناكَ أشخاصًا يُؤمنونَ بأنَّكَ قد تَتجدَّد دونَ أنْ تَخلَص. لا. فَهُوَ غَسْلُ التَّجديد. فالتَّجديدُ هو ذلكَ الغَسْل. وَهُوَ ذلكَ الخلاص. وَهُوَ ذلكَ الاهتداء. وَهُوَ ذلكَ الفِداء. وَهُوَ ذلكَ التَّبرير. وَهُوَ ذلكَ التَّقديس.

فهذا كُلُّهُ يَحدُث في تلكَ المُعجزة العظيمة في آنٍ واحِد. وَهُوَ يَحدُث عندَ الإيمانِ بالكتابِ المُقَدَّس حَتَّى إنَّنا نُولَد ثانيةً أو نَتجدَّد مِن خلالِ كلمة الله الحَيَّة والباقية. فأنتَ تَسمعُ الإنجيل، وتُؤمِنُ بالإنجيل لأنَّكَ في تلكَ اللَّحظة عَينِها تَتَجَدَّد، وتُغسَل، وتَهتدي، وتُفدى، وتُشترى، وتَتَبَرَّر، وتَتَقَدَّس. فهذا كُلُّهُ يَحدثُ في آنٍ واحِد، تَمامًا كما حَدَثَ لِلِعازَر. ونحنُ نَخرُجُ مِنَ القَبر.

وفي النِّهاية، فإنَّ كُلَّ المَجدِ ... كُلَّ المَجدِ يَؤولُ إلى الله. كُلُّهُ. وسوفَ نَصرِفُ بَقيَّةَ حَياتِنا هُنا وفي الأبديَّة في تَسبيحِه. فبولُس يقول: "يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!"

وعندما تُفَكِّرونَ في ذلك، يا أحبَّائي، وتَعجَزونَ عنِ التَّوفيقِ بينَهُ وبينَ الآيةِ الَّتي تَقول: "مَنْ يُرِد فَليأخُذ"، تَذَكَّروا أنَّهُ "مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!" وَهُوَ يَمضي فيقول: "لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟" فلا تَظُنَّ أنَّكَ تَستطيع أنْ تَفهم تمامًا هذا الأمر. ولا يُمكِنُكَ بِكُلِّ تأكيد أنْ تُعطيهَ رأيَكَ في ذلك. فقط اعلَمُوا الآتي: "لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِين". وهذا يَكفي. آمين. دَعونا نُصَلِّي:

يا أبانا، لقد تَحَدَّثنا عن جوانب كثيرة في وقتٍ قصير. ويا لَيتَنا جميعًا نَبتَهِج بالمجدِ الَّذي لَكَ، وَبِفَرَحِ خَلاصِنا. ونحنُ نُصَلِّي لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ لم يَأتوا إلى المسيح، ونَطلُبُ منهم ونَتَوَسَّلُ إليهم أنْ يُؤمِنوا؛ عَالِمينَ أنَّكَ تَقبَلُ كُلَّ مَن يأتي إليكَ. لِذا، لا يَجوزُ للخاطِئ أنْ يَنتظرَ ويَنتظرَ ويَتعجَّب، بل يجب على الخاطئِ أنْ يأتي ويَطلُب. وأنتَ تَعملُ ذلكَ بطريقة رائعة تَتَّفِقُ تَمامًا مَعَ خُطَّتِكَ المَجيدة الأزليَّة. ونحنُ نُصَلِّي أنْ تَفعَلَ ذلكَ في النُّفوسِ اللَّيلة، ولا سِيَّما في أولئكَ الَّذينَ يَسمعونَ هذهِ الرِّسالة. باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize