Grace to You Resources
Grace to You - Resource

بالنِّسبة إلى الأشخاصِ الَّذينَ كانوا مَعَنا، فإنَّهم يَعلَمونَ أنَّنا نَدرُسُ بعضَ العقائدِ الكِتابيَّةِ الصَّعبة والعَميقة والَّتي تُشَكِّلُ تَحَدِّيًا كبيرًا. وما أرجوهُ هو أنْ نَصرِفَ وقتًا رائعًا في التَّعَمُّقِ في حَقِّ اللهِ الثَّمين.

في مساءِ يومِ الأحدِ الماضي، كُنَّا قدِ ابتدأنا بدراسةِ موضوع: "لأجلِ مَنْ ماتَ المسيح؟" أو "طَبيعة الكَفَّارة"، أو كما آثَرْتُ أنْ أُسَمِّيها: "عقيدة الكَفَّارة الفِعليَّة". وأريدُ أنْ نَرجِعَ إليها. وإنْ لم تكونوا حاضِرينَ معنا في الأسبوعِ الماضي، سيكونُ مِنَ المُفيدِ حقًّا أنْ تَحصُلوا على الشَّريطِ أوِ القُرص المَضغوط (بحسب ما تُفَضِّلون) وأنْ تَستمعوا إلى ما قُلتُهُ، وأنْ تُوَفِّقوا بينَهُ وبينَ ما سأقولُهُ في هذا المساء لأنَّكم لن تَسمعوا الآنَ سِوى مُراجعةً مُختصرةً جِدًّا لذلك الأساس المُهِمّ.

إنَّ هذهِ العقائدَ تَتَحَدَّانا. وهي تَتحَدَّانا لأنَّهُ حَتَّى عندما نَفهمُها بأفضل صُورة مُمكنة مِنْ وُجهةِ نَظرِ الكتابِ المقدَّس، فإنَّهُ تَبقى هناكَ جوانب كثيرة لا نَفهمُها. فهناكَ الحقيقة الَّتي لا مَفَرَّ مِنها وهي أنَّ عَقلَ اللهِ لا يُسْتَقْصَى. وسوفَ تبقى هناكَ دائمًا أمورٌ لا نَستوعِبُها تمامًا. فَكُلُّ سيمفونيَّة عقائديَّة هي، بطريقة أو بأخرى، سيمفونيَّة غير مُكتَمِلة. وكُلُّ عقيدة رئيسيَّة في الكتابِ المقدَّسِ تَنتهي بائتلافٍ مُعَلَّق لأنَّنا لا نستطيعُ بأذهانِنا المحدودة، في نهايةِ المَطاف، أنْ نَستوعبَ تمامًا عَقلَ اللهِ غير المحدود. ولكِنَّنا نَفعلُ أقصى ما يُمكِنُنا فِعلُه، ونَترُكُ الباقي لَهُ. لِذا، في نهايةِ المَطاف، نحنُ نَستودِعُ بينَ يديه الأمورَ التي لا نَفهمُها، ونَقبلُ بكُلِّ قُلوبِنا الأمورَ الَّتي نَفهَمُها.

وَلا شَكَّ في أنَّ عقيدةَ نِطاقِ الكَفَّارة هي واحدة مِن تلك العقائد الَّتي تأخُذُنا إلى مكانٍ لا نَشعُرُ بالرَّاحة في الذَّهابِ إليه. وهو يُوَسِّعُ أذهانَنا إلى نُقطةِ الانكسار. وهو يُخرِجُ لاهُوتَنا خَارِجَ حُدودِ قُدرَتِنا على التَّحَمُّل. وهُوَ، في النَّهاية، يَترُكُنا لنواجِهَ بعضَ الحقائق الَّتي لا قُدرةَ لنا على استيعابها. وهكذا ينبغي أن يكونَ الأمر. فحيثُ إنَّنا مَحدودونَ وأنَّ اللهَ غير محدود، يجب أن يكونَ هناكَ فَرقٌ شاسِعٌ بينَ ما يُمكننا أنْ نَعرِفَهُ وما يَعرِفُهُ اللهُ. ولكِنْ توجد طُرُق يُمكِنُنا مِن خلالها أنْ نَصِلَ إلى أَقصى نِطاقٍ لاستيعابِنا وإلى أقصى نِطاقٍ للإعلانِ الكِتابِيِّ لِفَهمِ عَظَمَة ومَجد عَمَل الفِداء.

ولنَبتدئ في هذا المساء بِشَقِّ طَريقِنا بالحديثِ عن نِطاقِ الكَفَّارة. فقد جاءَ يسوعُ إلى العالم (كما قال) "لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَك" (إنجيل لوقا 19: 10). فقد جاءَ ليَطلُب ويُخَلِّص ما قد هَلَك. فقد جاءَ في مأموريَّة إنقاذ. فقد جاءَ إلى هذا العالَم لكي يُنقِذَ خُطاةً ... خُطاةً عاشُوا قَبلَ مَجيِئِهِ، وكانوا يَعيشونَ عندَ مَجيئِهِ، وسيَعيشونَ في المُستقبل. فقد امتَدَّ عَمَلُهُ الفِدائِيُّ على الصَّليب إلى الوراء، وامتَدَّ إلى الأمام فَوَصَلَ إلى الأشخاصِ الَّذينَ عاشوا في جِيلِه.

وقد كانَ مَجيءُ الرَّبِّ يسوعَ المسيح هو أكمَلُ إعلانٍ قَدَّمَهُ اللهُ يَومًا. فاللهُ لم يَظْهَر يومًا بوضوحٍ أكبر مِن ذاكَ الَّذي ظَهَرَ بِهِ مِن خلالِ يَسوع. فطبيعةُ اللهِ، وشخصُ اللهِ، وقَصدُ اللهِ، ومشيئةُ اللهِ هي أُمورٌ ظَهَرَتْ جَميعُها في يَسوع. لِذا، يمكننا أنْ نَستنتِجَ أنَّ اللهَ بطبيعَتِهِ مُخَلِّص. والرَّسولُ بولسُ يُحِبُّ أنْ يُسَمِّيه "اللهُ مُخَلِّصُنا". فهو بطبيعَتِهِ مُخَلِّص. لِذا فقد جاءَ يسوعُ إلى العالم لِيَطلُب ويُخَلِّص ما قد هَلَك، ولكي يُتَمِّمَ ذلكَ الجُزء مِن طبيعة الله الَّذي يَمتَدُّ كي يَفدي خُطاةً.

ولكي يُخَلِّصَ اللهُ خُطاةً، كانَ لا بُدَّ مِن وجود ذبيحة تَدفَع أُجرةً عَنْ خَطاياهُم. ويسوعُ (الَّذي هو الله) جاءَ إلى العالَم، وأخذَ هيئةً بَشريَّةً لكي يُقَدِّمَ نَفسَهُ بِوَصفِهِ تلكَ الذَّبيحة. وهذا تَنازُلٌ لا يُمكِنُنا أنْ نَتَخَيَّلَهُ، وعَمَلٌ لا نَستَحِقُّه. وعلى الصَّليب، ماتَ يسوعُ ليسَ تحتَ غضَبِ البشرِ حقًّا، بل تحتَ غَضبِ الله. وهو لم يَمُت بسببُ خُطَطِ الرُّومانِ أوِ اليهود، بل وَفْقًا لخُطَّةِ اللهِ المُعَيَّنة سَابقًا قبلَ تأسيس العالم. وقد حَمَلَ غَضَبَ اللهِ واحتملَ الانفصالَ عنِ اللهِ لأجلِ أشخاصٍ خُطاة؛ وتَحديدًا: لأجلِ جميعِ الخُطاةِ الَّذينَ سيؤمنون. ومعَ أنَّ الأمرَ كان يَتطَلَّبُ تَضحيةً مِن يسوع، فإنَّها كانت ذبيحةً مُشْبِعَة. لِذا فقد جاءَ يسوعُ: لكي يُقَدِّمَ تلكَ الذَّبيحة، ولكي يَشتري الشَّعبَ الذي اختارَهُ اللهُ، ولكي يَشتري عَروسَهُ.

افتَحوا كِتابَكُم المقدَّس على سفر إشعياء والأصحاح 53. وهذا مكانٌ جَيِّدٌ نَنطلِقُ مِنهُ في النَّظرِ إلى ذبيحةِ المسيحِ هذه. إشعياء 53: 4. فهذا هو المَقطعُ الكلاسيكيُّ في العهدِ القديمِ الذي يَتحدَّثُ عنِ المَوتِ البَدَلِيِّ ليسوعَ إذْ ماتَ بَدلاً عَنِ الخُطاة. وقد أُوْحِيَ لإشعياء أن يَكتُبَ عن موتِهِ الكلماتِ التَّالية ابتداءً مِنَ العدد 4: "لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً". وهذا يعني أنَّهُ كانَ حَرفيًّا مُعاقَبًا مِنَ اللهِ عن خطايانا. العدد 5: "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْح".

وأريدُ منكم أن تَرجِعوا قليلاً إلى العدد 4: "أحزانَنا...أوجاعَنا". وفي العدد 5: "مَعاصينا...آثامِنا...سَلامِنا". "كُلُّنا" (في العدد 6) "كُلُّ واحدٍ مِنَّا، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا". أحزانَنا، أوجاعَنا، مَعاصينا، أثامِنا، كُلُّنا، كُلُّ واحدٍ، جَميعِنا. والسُّؤالُ الَّذي يَطرَحُ نَفسَهُ هو: مَنِ المَقصودُ بِضَميرِ المُتَكَلِّمِ هُنا؟ فَخَطايا مَنْ حَمَل؟ ولأجلِ مَعَاصِي مَنْ جُرِح؟ وَلأجلِ آثامَ مَنْ سُحِق؟ ولأجلِ شِفاءِ مَنْ جُلِد؟ وإثمُ مَنْ وُضِعَ عليه؟

ثُمَّ انظروا إلى العدد 10: "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ". وهذ جُملة مُذهلة لأنَّ اللهَ بطبيعَتِهِ مُخَلِّصٌ، ولكِنَّهُ يُسَرُّ بتخليصِ الخُطاة. وهذا يعني أنَّهُ يُسَرُّ بأنْ يَكونَ ابنُهُ الذَّبيحة الَّتي تُخَلِّصُهم. "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً".

بِعبارة أخرى، لقد سُحِق، وقد أُحْزِنَ، وقد قُدِّمَ ذَبيحةَ إثْمٍ مِنْ مُنطَلَقِ الثِّقة بأنَّهُ سَيَرى نَسلَهُ أو ذُرِّيَّتَهُ. ونقرأ في العدد 11: "مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ". فاللهُ سُرَّ، والمَسيحُ شَبِعَ، لأنَّهُ سَيَرى مِنْ خِلالِ ذلكَ ذُرِّيَّتَهُ أو نَسلَهُ.

ثُمَّ نَقرأ في العدد 11 (في نهاية العدد): "وَعَبْدِي [أيِ المَسيَّا] ... يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا". وفي نهاية العدد 12: "وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ". والسُّؤالُ هو: مَنْ هُم الأشخاصُ المُشار إليهم هُنا بضميرِ المُتَكَلِّمِ بصيغةِ الجَمْع؟ لا بُدَّ أنَّهُم النَّسْل. فلا بُدَّ أنَّهم النَّسْلُ المولودُ مِنْ تلكَ الذَّبيحة لأنَّ هذا هو ما يَسُرُّ اللهَ وما يُشبِعُ المسيح.

وفي العهدِ الجديد، نَقرأُ في رسالة تيموثاوس الأولى 1: 15 أنَّ الرَّبَّ يسوعَ جاءَ إلى العالم لكي يُخَلِّصَ الخُطاة. وبولس هو مَن قالَ ذلك. وهذه هي شَهادَتُه الشَّخصيَّة: "أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ". فهذا هو المشروعُ العظيم. فاللهُ كَارِزٌ. واللهُ مُخَلِّصٌ. لِذا فإنَّ المسيحَ (بِوَصْفِهِ إعلانَ اللهِ) يَقومُ بعملٍ خَلاصيّ. فقد جاءَ إلى العالم ليُخَلِّصَ الخُطاة. وكُلُّ الَّذينَ يُخَلِّصُهم يُوصيهم بأنْ يُتابِعوا عَمَلَهُ. وبحسب المأموريَّة العُظمى، يجب علينا أن نذهبَ إلى العالَمِ كُلِّه وأنْ نَكرِزَ بالإنجيلِ للخليقةِ كُلِّها. فيجب علينا أنْ نَذهبَ وأنْ نُتَلْمِذَ أُناسًا مِنْ كُلِّ الأُمَم، وأنْ نُعَمِّدَهُم ونُعَلِّمَهُم "أنْ يَحفظوا جَميعَ ما أوصيتُكُم بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّام". فنحنُ سُفراء عنِ المسيح. ونحنُ نَتَوَسَّلُ إلى النَّاسِ قائلين: "تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ". فقد افتُدينا لكي نَنضَمَّ إلى هذا المشروعِ الكِرازيِّ العظيم.

وفي سِفْر أعمال الرُّسُل 1: 8، قبلَ أنْ يُغادِرَ يسوعُ هذا العالَم، كانت كَلِماتُهُ الأخيرة هي: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْض". فقد كانَ هذا هو آخرُ شيءٍ قالَهُ يسوعُ على الأرض. "أبي مُخَلِّص. وأنا مُخَلِّص. ويجب عليكم أنْ تأخذوا إنجيلَ الخلاصِ المَجيد وأنْ تَكرِزوا بِهِ إلى أقاصي الأرض".

وهذا هُوَ سَبَبُ وُجودِنا هُنا. فكُلُّ شيءٍ آخر ثانويّ. وكُلُّ شيءٍ آخر يأتي في مَرتبة لاحقة في الكنيسة. وكُلُّ شيءٍ آخر هُوَ (بِمَعنى مِنَ المَعاني) أقَلُّ أهميَّةً. وأنا لا أُريدُ أنْ يُؤثِّرَ أيُّ شيءٍ في ذلك. لِذا، عندما تُعَلِّمُ عن عقيدةِ الاختيارِ الإلهيِّ، وتُعَلِّمُ عن عقيدةِ العَجزِ التَّامِّ وعدمِ الاستعدادِ، وتُعَلِّمُ عن عقيدةِ نِطاقِ الكَفَّارة، مِنَ المُهِمِّ أنْ تَتْبَعَ ذلكَ كُلَّهُ بأربعِ أُمسياتٍ كِرازيَّة على مَدى أربعةِ أيَّامِ أَحَد لأنَّ هذه هي مأموريَّتُنا، وهذا هو سببُ وجودِ الكنيسة هنا.

وسوفَ نَتَعَبَّدُ عِبادَةً أفضل في السَّماء. وسوفَ نَخدِمُ اللهُ خِدمةً أفضل في السَّماء. وسوفَ نُحِبُّ بعضُنا بعضًا مَحَبَّةً أكبر في السَّماء. والحقيقة هي أنَّنا سنَفعلُ كُلَّ ذلكَ بصورة كاملة. ولكِنْ يوجد شيء لن نَفعلَهُ في السَّماءِ وَهُوَ تَبشيرُ الخُطاة. فَهُمْ لن يكونوا هُناك. واللهُ، الَّذي يَبكي مِنْ خلالِ عَيْنَيِّ إرْميا، ويَسوعُ الذي يَبكي مِن خلالِ عَينيهِ هُوَ شخصيًّا على الضَّالِّينَ في أُورُشليم، يَدعونا إلى البُكاءِ على الأشخاصِ غيرِ التَّائبين، ويَدعونا إلى أنْ نَخرُجَ وَنَزْرَعُ بالدُّموع.

فاللهُ يَبكي على غيرِ التَّائبين. واللهُ يَبكي على غيرِ المُؤمِنين. وَهُوَ لا يُسَرُّ بِموتِ الشِّرِّير. وَهُوَ يُقَدِّمُ دَعوةً مَشروعةً وحقيقيَّةً إلى الخُطاةِ في جَميعِ أرجاءِ العالَمِ عَبْرَ صَفْحاتِ الكتابِ المقدَّسِ وَعَبْرَ أفواهِ المؤمنينَ الَّذينَ يَذهبونَ ويَكرِزونَ بالرِّسالة. وهي دَعوة مَشروعة للمجيءِ والإيمانِ والتَّمَتُّعِ بالخلاص.

وهذه المأموريَّة الكِرازيَّة تُحَدِّدُ سَبَبَ وُجودِ الكنيسة في العالَم. فهذا هو سببُ وُجودِنا هُنا: أنْ نَكرِزَ بإنجيلِ الخلاص والمُصالحة والغُفران والسَّماء إلى كُلِّ العالَم. فيجب علينا أنْ نَتَوَسَّلَ إلى النَّاسِ كي يَأتوا لِنَيْلِ الخلاص. وكما ذَكَرتُ في المزمور 126: 5، يجب علينا أنْ نَذهبَ بالدُّموع حامِلينَ الزَّرعُ الثَّمينَ للإيمانِ المُخَلِّصِ، وأنْ نَحصُدَ حَصادَ الإيمانِ بابتهاج. وقد قالَ يسوع: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِــي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ".

والكتابُ المقدَّسُ يُوصينا بأنْ نُصَلِّي لأجلِ خَلاصِ كُلِّ البَشَر (في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس والأصحاحِ الثَّاني). والكتابُ المقدَّسُ يُوصينا بأنْ نَكونَ قُدوة صَالحة وبأنْ نَعيشَ حياتَنا كأنوارٍ ساطعة لكي يَرى النَّاسُ قُوَّةَ المسيحِ فينا ويَنجذبونَ إليه. والكتابُ المقدَّسُ يُوصينا بأنَّنا إنْ كُنَّا سَنُسَمِّي باسمِ المسيح، يجب علينا أنْ نَكونَ مِثلَهُ. والكتابُ المقدَّسُ يُوصينا بأنْ نُنادي بالإنجيل وبأنْ لا نَخجَلَ البَتَّة بإنجيلِ المسيح لأنَّهُ قُوَّةُ اللهِ للخلاص. والكتابُ المقدَّسُ يُوصينا بأنْ نُنادي بالإنجيلِ إلى اليهودِ وإلى اليونانِيِّينَ أيضًا. وهي دَعوة مَشروعة، ودَعوة حقيقيَّة. وكُلُّ خاطئٍ على الأرضِ مَسؤولٌ عن تَجاوُبِهِ معَ تلكَ الدَّعوة. وكما رأينا في دراسَتِنا في هذا الصَّباح، فإنَّ كُلَّ إنسانٍ قد أُعْطِيَ وَكالةً مِنَ الله. وقد تكونُ وَكالَةً مُتَمَثِّلَةً في نَاموسٍ مَكتوبٍ في قَلبِهِ، ووكالة مُتَمَثِّلة في تَفكيرِهِ المَنطقيِّ وفي النَّظرِ إلى الخَليقَةِ مِن حولِهِ بطريقةٍ تَقودُهُ إلى مَعرفةِ الله. وإنْ تَبِعَ الدَّربَ، كما يَنبغي لَهُ، وأطاعَ تلكَ الوَكالة الَّتي أعطاها اللهُ لَهُ، سوفَ يَجِدُ أنَّ الحَقَّ سَيَصيرُ مُتاحًا لَهُ. وكُلُّ إنسانٍ مَسؤولٌ ولا يوجد عُذرٌ لأيِّ إنسان. لِذا، فإنَّ كلمةَ اللهِ تُوصينا بأنْ نَكرِزَ بالإنجيلِ إلى أقاصي الأرض. ولكِنَّنا نَعلمُ ما يَلي: أنْ هُناكَ أُناسًا لن يَتوبوا، وأنَّ هناكَ أُناسًا لن يُؤمِنوا. فنحنُ نَعلمُ ذلك. وهذه هي الحالُ دائمًا ... دائمًا.

وهناكَ نُفوسٌ لا حَصْرَ لَها حَتَّى في هذه اللَّحظة تَرَكَتْ هذهِ الأرضَ وصارَتْ مُنفَصِلَةً عَنْ حَضرةِ اللهِ إلى الأبد في عَذابٍ أبديّ. وتلكَ الحقيقة لا مَفَرَّ منها. وَهُم يَذهبونَ إلى هناك في كُلِّ يومٍ نَعيشُ فيه. وَهُمْ يَموتونَ بالآلاف. فهناكَ جَهَنَّم أبديَّة، وسوفَ تَستمرُّ في الامتلاءِ بالخُطاةِ إلى أنْ يَنتهي تاريخُ الفِداء. وَهُمُ خُطاةٌ تَجاهلوا الضَّمير. وخُطاةٌ تَجاهلوا الشريعة المكتوبة في قلوبهم. وخُطاةٌ تَجاهلوا الحَقَّ عندما سَمِعوه، والكتابَ المقدَّسَ عندما قرأوه، والإنجيلَ عندما كُرِزَ بِهِ على مسامِعِهم. وَهُمْ خُطاةٌ رَفَضوا نِعمةَ اللهِ وصَلاحه. وَهُمْ خُطاةٌ رَفَضوا أنْ يَتوبوا. فَالمَطافَ يَنتهي بِهِم جميعًا في جَهَنَّمَ. ولو أنَّهُمْ أُعْطُوا الخِيارَ وَهُمْ في جَهَنَّم لكي يختاروا شيئًا آخر، فإنَّهم لن يفعلوا ذلك. فَهُم لم يُبدوا أيَّ اهتمامٍ باللهِ آنذاك، ولا يُبْدونَ أيَّ اهتمامٍ بِهِ الآن.

لِذا فإنَّنا مَدعوُّونَ إلى مَهَمَّة على مُستوى العالَم. والخُطاةُ مسؤولونَ عن كيفيَّة تجاوبهم معَ الرِّسالة أيًّا كانَ المُستوى الَّذي تَسَلَّموها فيه. وكما سأذكُرُ في العِظَةِ صَباحَ يومِ الأحدِ القادِم، هناكَ دَرَجاتٌ مِنَ العِقابِ في جَهَنَّم. فلن يكونَ عقابُ كُلِّ إنسانٍ شديدًا بالقَدرِ نفسه في جَهنَّم. فهذا سيتوقَّفُ على الحَقِّ الَّذي أُعلِنَ لَكَ. لِذا فإنَّ الحَقَّ خَطير. فكُلَّما زادت مَعرفتُك، زادت مسؤوليَّتُك، وزادَ تَحَمُّلُكَ للذَّنب، وزادَ عِقابُك.

ولا يجب أنْ نُدهَشَ مِن ذلك. ارجِعوا إلى سِفْر إشعياء والأصحاح 6 (بما أنَّكم تَفتحونَ الآنَ على سِفْر إشعياء). إشعياء والأصحاح 6. فنحنُ نَجِدُ هنا دَعوةً مِنَ اللهِ إلى النَّبِيِّ إشعياء. وفي العدد 8، يَطرَحُ الرَّبُّ سؤالاً. والسُّؤالُ هو الآتي: "مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟" فقد كانَ شَعبُ اللهِ في وَرطة خطيرة. وقد كانوا في خَطَرٍ دَاهِم. والأصحاحُ السَّابقُ (أيِ الأصحاحُ الخامِس) يَذكرُ الخطايا الَّتي كانَ يَفعلُها شعبُ اللهِ. وقد كانتِ الدَّينونةُ قادمة، وهي دينونة شديدة ومُميتة ستأتي قريبًا. وَهُوَ يَصِفُ ذلك في نهايةِ الأصحاح الخامس. وقد كانَ اللهُ يُريدُ رَسولاً لتحذيرهم، ورسولاً لدعوةِ الشَّعبِ إلى التَّوبةِ قبلَ أن تأتي الدَّينونة. والسُّؤالُ الَّذي يُطرَحُ هو: "مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟" وضَميرُ المُتَكَلِّم هُنا يُشيرُ إلى الثَّالوث.

وقد أَجابَ إشعياءُ: "هأَنَذَا أَرْسِلْنِي". أنا سأذهب. ويجب، بِكُلِّ تأكيد، أنْ يكونَ هذا هو رَدُّ كُلِّ مُؤمِن. "مَنْ سأُرسِلُ إلى هذا العالَمِ المُتَّجِه نحوَ الدَّينونة؟" أنا سأذهب. ثُمَّ نَقرأُ الآيةَ الأكثر غَرابةً: فَقَالَ الرَّبُّ: "اذْهَبْ وَقُلْ لِهذَا الشَّعْبِ. اذهب وقُل لهم. اذهب وأخبرهم عنِ الدَّينونة، وأخبرهم عنِ النِّعمة، والغُفران، والرَّحمة أيضًا. أخبرهم أنْ يَرجِعوا عن خطاياهُم. اذهب وقُل لهم". ثُمَّ إنَّهُ يَقول: "اسْمَعُوا سَمْعًا وَلاَ تَفْهَمُوا، وَأَبْصِرُوا إِبْصَارًا وَلاَ تَعْرِفُوا. غَلِّظْ قَلْبَ هذَا الشَّعْبِ وَثَقِّلْ أُذُنَيْهِ وَاطْمُسْ عَيْنَيْهِ، لِئَلاَّ يُبْصِرَ بِعَيْنَيْهِ وَيَسْمَعَ بِأُذُنَيْهِ وَيَفْهَمَ بِقَلْبِهِ، وَيَرْجعَ فَيُشْفَى".

والمَعنى المقصودُ هُنا ... وبالمُناسبة، فإنَّ هذا المَقطعَ يَتكرَّرُ اقتباسُهُ في العهدِ الجديد لأنَّهُ المَقطعُ الَّذي يَصِفُ عِنادَ مُجتمعٍ غير مُؤمِن، ولا سِيَّما إسرائيل. "اعلم الآتي" (كما يَقولُ لإشعياء): "سوفَ يَسمعونَ، ولكنَّهم لا يَفهمون. وسوفَ يُبصِرونَ، ولكنَّهم لا يَعرفون. فسوفَ يَفْتَقِرونَ إلى رَهافَةِ الحِسِّ، وسوفَ يَكونونَ ثَقيلي الأُذُنَيْنِ، ولا يُبصرون. فَهُمْ لن يَفهموا ذلك. وَهُمْ لن يَرجِعوا. وَهُمْ لن يَتوبوا. وَهُمْ لن يَشفُوا. لِذا، اعْلَم ذلكَ حينَ تَذهب".

وقد قرأتُ في مكانٍ ما يومَ أمس مُلاحظةً صغيرةً تقول: "هناكَ رُجوعٌ كبيرٌ إلى المسيحِ في العالَمِ اليوم". حَقًّا؟ أينَ ذلك؟ لا بُدَّ أنَّني أُفَوِّتُ شيئًا مَا! والنَّبِيُّ يَطرحُ السُّؤالَ المُناسبَ في العدد 11: فَقُلْتُ: "إِلَى مَتَى أَيُّهَا السَّيِّدُ؟" أيْ: "لماذا ينبغي لي أنْ أفعلَ ذلكَ وقتًا طويلاً جدًّا؟ إلى مَتى سأفعل ذلك؟ على مَدى أُسبوعَيْنِ مَثلاً؟" "لا! بل استمرَّ في فِعلِ ذلكَ وَحَسْب إِلَى أَنْ تَصِيرَ الْمُدُنُ خَرِبَةً بِلاَ سَاكِنٍ، وَالْبُيُوتُ بِلاَ إِنْسَانٍ، وَتَخْرَبَ الأَرْضُ وَتُقْفِرَ، وَيُبْعِدَ الرَّبُّ الإِنْسَانَ، وَيَكْثُرَ الْخَرَابُ فِي وَسَطِ الأَرْض". استمِرّ وحَسْب في القيامِ بذلك إلى أنْ يَصيرَ هذا المكانُ خَرابًا. وافعل ذلك إلى أنْ لا يَبقى أحد تَقولُ لَهُ هذا الكلام. استمرّ وَحَسْب بالكرازة.

وقد تقول: "ولكِنْ مَهلاً! هذا يبدو بلا فائدة!" لا. فالعدد 13 هو المِفتاح: "وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا عُشْرٌ بَعْدُ" ... وهذهِ واحدةٌ مِن أكثرِ الصِّيَغ العِبريَّة المُعقَدَّة في أيِّ مَقطعٍ في العهد القديم. ولن أحاولَ أنْ أُحَلِّلَ هذا المَقطعَ لكم. ولكِنَّ الرَّبَّ يقولُ ببساطة إنَّ هناكَ عُشْرًا. وهذا هو ما نُسَمِّيهِ "عَقيدة البَقِيَّة". فهناكَ عُشْرٌ. وهُناكَ سَاقٌ. وفي نِهايةِ العدد 13: "يَكُونُ سَاقُهُ زَرْعًا مُقَدَّسًا". فهناكَ مجموعة، أو هناكَ بَقِيَّة، أو هُناكَ نَسْلٌ مُقَدَّسٌ. وهذا هو نفسُ النَّسلِ الَّذي رآهُ المسيحُ في إشعياء 53 إذْ إنَّهُ رأى نَسلَهُ فَشَبِعَتْ نَفسُهُ. فهل تَعتقدونَ أنَّ اللهَ لا يَعلَمُ مَنْ سيَخلُص؟ بالتَّأكيدِ لا. فهو يَعلم. وَهُوَ يَعلمُ أنَّهم سيكونونَ أقليَّة. وَهُوَ يَعلمُ أنَّهُم سيكونونَ بَقيَّة. وَهُوَ يَعلمُ أنَّهم سيكونونَ جُزءًا صغيرًا وَحَسْب، زَرْعًا مُقَدَّسًا. والكلمة "مُقَدَّس" تَعني: "مُفْرَز".

لِذا فإنَّنا نَذهبُ كما ذَهَبَ إشعياء. فنحنُ نَذهبُ إلى العالم، ونَكرِزُ بالإنجيل. ونحنُ نَعلمُ أنَّ الأغلبيَّةَ لن يُؤمِنوا. ونحنُ قد نَشعرُ بالإحباطِ الشَّديدِ ونقول: "إلى مَتى سأفعل ذلك؟" والرَّبُّ يَقول: "استمرُّوا وَحَسْب في القيامِ بذلك لأنَّ هناكَ نَسلاً مُعَيَّنًا سابقًا ليكونَ مُقَدَّسًا". فَهُمْ في الأصلِ (في قَصْدِ اللهِ) مُفرَزونَ للهِ. إنَّهُمُ المُختارونَ الَّذينَ عندما يَسمَعونَ الإنجيلَ سيتوبونَ ويُؤمِنون.

هل تَذكرونَ أعمال الرُّسُل 13: 48؟ "فَلَمَّا سَمِعَ الأُمَمُ ذلِكَ كَانُوا يَفْرَحُونَ وَيُمَجِّدُونَ كَلِمَةَ الرَّبِّ. وَآمَنَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّة". وَآمَنَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّة. فهناكَ بَقِيَّة. وهناكَ شَعبٌ مُعَيَّنٌ للحياةِ الأبديَّة.

وفي أعمال الرُّسُل والأصحاح 18، جاءَ الرَّبُّ إلى بُولُس بِرُؤيا وقال: "لاَ تَخَفْ، بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ [ثُمَّ اسمَعوا ما يَقولُ لَهُ]، لأَنَّ لِي شَعْبًا كَثِيرًا فِي هذِهِ الْمَدِينَة". وَهؤلاءِ لم يكونوا قدِ اهتَدوا بَعد. لم يكونوا قدِ اهتَدوا بَعد. اذهب إلى هناك، واكِرز لأنَّ لي شعبًا كثيرًا مِنَ الزَّرْعِ المُقَدَّس. فَهُمْ يَنتظرونَ وَحَسْب أنْ يَسمَعوا.

إذًا، مَنْ سيؤمِن؟ مَن سيؤمِن؟ مَنْ سَيُصَدِّق خَبَرَنا؟ (كما يَقولُ إشعياءُ). وَمَنْ سَيَخلُص عندَ الكِرازة بالإنجيل؟ إنَّ الجميعَ عُرْضَة للمُساءَلة. والدَّعوة مَشروعة. ولكِنْ مَنْ سيَخلُص؟ وهذا يأتي بنا إلى عَقيدةِ الكَفَّارة الفِعليَّة، أو الكَفَّارة المَحْتومَة، أوِ الكَفَّارة المُحَدَّدة، أوِ الكَفَّارة الخاصَّة، أوِ الكَفَّارة المَحصورة (وهي كُلُّها تَسْمياتٌ تُطْلَقُ على هذه العقيدة).

ونحنُ نَعلَمُ أصلاً جَوابَ السُّؤالِ التَّالي: مَنْ سيُؤمِن ومَن سيَخلُص؟ فقد خَتَمْنا الحَديثَ عن عقيدةِ العَجْزِ التَّامِّ وعدمِ الاستعدادِ، وهي تُسَمَّى أحيانًا "عَقيدة الفساد التَّامّ". وتلكَ العقيدة تَقولُ إنَّهُ لا يوجد خاطئ واحد (وهذا أمرٌ يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس) أنَّهُ لا يوجد خاطئ واحد يَمتلكُ القُدرة أوِ الرَّغبة [في ذاتِهِ] على أنْ يَطلُبَ اللهَ. أليسَ كذلك؟ فلا يوجد خاطئٌ واحِد يَسعى مِن ذاتِهِ إلى مَعرفةِ الحَقِّ، أو إلى البِرِّ، أو إلى المُصالحةِ والخلاص. فهو لن يَفعلَ ذلكَ لأنَّهُ لا يَستطيع. فَحَالَتُهُ كشخصٍ مَيِّتٍ بالخطيَّة تَجعَلُ ذلكَ مُستحيلاً. لِذا فإنَّ الأشخاصَ الوحيدينَ الَّذينَ يُمْكِن أنْ يأتوا هُم أولئكَ الَّذينَ أَعطاهُمُ اللهُ حَياةً ونُورًا وفَهمًا وتوبةً وإيمانًا. وقد عَرَفنا أيضًا مِن خلالِ دراسَتِنا الَّتي سَبَقَتْ ذلكَ أنَّ أولئكَ الَّذينَ يُعطيهُمُ اللهُ ذلك هُم أولئكَ الَّذينَ اختارَ أنْ يُعطيهم ذلك. فاللهُ يَختارُ الَّذينَ سَيُخَلِّصُهم، واللهُ يُخَلِّص الَّذينَ اختارَهُم.

مِنَ الواضِحِ إذًا أنَّ الخلاصَ كُلَّهُ هُوَ مِنَ الله. فَهُوَ زَرْعُهُ المُقَدَّس. وَهُوَ نَسلُهُ المُقَدَّس (كما جاءَ في سِفْر إشعياء والأصحاح 53). فَهؤلاءِ هُمْ شَعبُهُ الَّذينَ عَرَفَهُم. فَخَلاصُهُم ليسَ مُنفَصِلاً عَن مَشيئَتِهم، بل هو مُنْسَجِمٌ معَ مَشيئَتِهِم عندما تَتغَيَّرُ مشيئَتُهُم بقوَّةِ الله. لِذا فإنَّ هذا يَطرَحُ السُّؤالَ: "لأجلِ مَنْ ماتَ المسيح؟" لأجلِ مَنْ مات؟

وقد قُلنا في المَرَّة السَّابقة ... وسوفَ أُراجِعُ ذلكَ بسُرعة وَحَسْب ... قُلنا إنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ في الكنيسة يَعتقدونَ أنَّهُ ماتَ عن كُلِّ شخصٍ مَوتًا مُحْتَمَلاً، ولكِنَّهُ لم يَمُتْ عن أيِّ شخصٍ مَوتًا حقيقيًّا. أليسَ كذلك؟ فقد ماتَ عن كُلِّ شخصٍ مَوتًا مُحْتَمَلاً. فَمَوْتُهُ قد حَدَث. ويُمكِنُكَ أنْ تَقْبَلَهُ إنْ شِئْتَ. وإنْ لم تَشَأ فإنَّهُ لَنْ يَسري عليك. إذًا فقد ماتَ عن كُلِّ شخصٍ مَوتًا مُحْتَمَلاً، ولكِنَّهُ لم يَمُتْ عن أيِّ شخصٍ مَوتًا حقيقيًّا. لِذا فإنَّ تَفعيلَ الكَفَّارة يَتوقَّفُ على أنْ يَتَّخِذَ الخاطئُ قرارًا بتفعيلِ عملِ يسوعَ المسيحِ الكَفَّاريِّ نِيابةً عنه. وإنْ لم يَخْتَرِ الخاطِئُ يومًا أنْ يَقبَلَ المسيح، فإنَّ موتَ المسيحِ عنهُ يَبقى احتمالاً لم يَتحقَّق.

لِذا فإنَّ الَّذينَ يؤمنونَ بذلكَ يَعتقِدون (والآن، اسمعوني جيِّدًا) أنَّ كَفَّارَة المسيح مَحدودة في مَفعولِها. هل هذا مفهوم؟ أنَّها مَحدودة في مَفعولِها. فَهُم يُحِبُّونَ أنْ يَقولوا إنَّهم لا يؤمنونَ بالكفَّارَة المحدودة، بل يؤمنونَ بالكفَّارة غير المحدودة. ولكِنَّ هذا غير صحيح. فَهُمْ يُؤمنونَ بكفَّارة محدودة في قوَّتِها، ومحدودة في مَفعولِها، ومَحدودة في تأثيرِها وَفقًا لِمَشيئةِ الخاطئ. وهذه كَفَّارة محدودة جِدًّا. وَهُمْ يؤمنونَ بأنَّها غير محدودة في نِطاقِها؛ أيْ أنَّها تَمتدُّ لتشمل كُلَّ الجنسِ البشريِّ، ولكِنَّها محدودة جِدًّا في مَفعولِها.

ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُ العكسَ تمامًا. فهي محدودة في نِطاقِها لأنَّها تَشملُ فقط أولئكَ الَّذينَ يَختارُهُمُ اللهُ ويُخَلِّصُهم. وبالنِّسبةِ إلى هؤلاء، إنَّها غير محدودة في تأثيرِها وَقُوَّتِها. لِذا فإنَّهُ ليسَ خَلاصًا مُحتَملاً للجميع، بل هو خَلاصٌ فِعليٌّ لِلكَثيرين. إذًا مَنْ هُمْ أولئكَ الَّذينَ تُشيرُ إليهم تلكَ الضَّمائرُ في هذهِ الآياتِ؟ وَمَنْ هُم أولئكَ الَّذينَ أُشيرَ إليهم بالكلمة "كَثيرين"؟ ومَن هم الأشخاصُ الَّذين مَاتَ عنهم، والَّذينَ حَمَلَ حَقًّا عِقابَ خَطاياهُم؟ إنَّهُم الزَّرعُ المُقَدَّس. وهُمُ النَّسلُ المُقَدَّس. وهُمْ مُختارو الآبِ. وَهُمْ عَروسُ ابنِهِ. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ هذا يُغَيِّرُ كُلَّ شيء. فإنْ كنتَ تؤمنُ بأنَّ هناكَ كَفَّارة مُحتَمَلة تَطوفُ في العالَم، وبأنَّهُ يجب عليكَ أنْ تُقنِعَ الخُطاةَ بأنْ يَلتَقِطوها وَحَسْب، وأنْ يَستفيدوا مِنها، فإنَّ الكِرازةَ ستأخُذُ مَنْحَىً مُختلفًا تمامًا. فهي تَصيرُ بمُجملِها عَمَلاً قائمًا على إرادةِ الخاطئِ وَإقناعِهِ بضرورةِ تَفعيلِ هذه الكفَّارة المُحتَمَلة وَحَسْب.

ويجب عليكم أنْ تَسألوا أنفسَكُم: مَنِ الَّذي يَنالُ المَدْحَ على تلكَ الكَفَّارة؟ أليسَ كذلك؟ فلا يبدو أنَّها طريقة مُناسبة لتمجيدِ الله. وكما تَرَوْنَ، هذه هي الفِكرة في أنَّ كفَّارة يسوع غير محدودة في نِطاقِها، ولكِنَّها مَحدودة جِدًّا في مَفعولِها. والحقيقة هي أنَّها ليست كافية حَتَّى لتَخليصِك. ألا تَجدونَ هذا الأمرَ مُدهشًا؟ فَمَعَ أنَّ يَسوعَ ماتَ على الصَّليب ودَفَعَ أُجرةَ الخطيَّة (بحسبِ هذا اللَّاهوتِ)، فإنَّ ذلكَ لا يَكفي لتَخليصِك. فيجب عليكَ أنْ تَفعلَ شيئًا ما لتَكميلِ ذلك. وهذا يبدو في نَظري خَلاصًا بالأعمال. ولكِن كيفَ سيَفعلُ الخاطئُ ذلك إنْ كانَ عاجزًا تمامًا عنِ القيامِ بذلك، وغيرَ مُستعدٍّ للقيامِ بذلك؟ فهو مَيِّتٌ بالذُّنوبِ والخطايا، وأعمى بسبب الشَّيطان. لِذا فإنَّنا نَعلمُ أنْ ليسَ الجميعُ سيَخلُصون. فالكفَّارة محدودة في نِطاقِها. والسُّؤالُ هو: مَنِ الَّذي جَعَلَها مَحدودة؟ مَنِ الَّذي جَعَلَها مَحدودة؟ الله.

وأنا أَعلمُ أنَّ هذا أمر يَصْعُبُ أحيانًا قَبولُه. ولكِنَّهُ هُوَ مَنْ فَعَلَ ذلك. فهناكَ جَهَنَّم. وأغلبيَّةُ النَّاسِ الَّذينَ يَعيشونَ في هذا العالَم يَنتَهي بِهِمِ المَطافُ هُناك. فهذه هي الحقيقة. والعقيدةُ الصَّعبة حقًّا هي عقيدةُ العِقابِ الأبديّ. فلو لم يَكُن هناكَ مَكانٌ اسمُهُ "جَهَنَّم" لَما كُنَّا بحاجة إلى مُناقشةِ هذه القضايا الأخرى. فسوفَ يَكونُ نِقاشًا أكاديميًّا. ولكِنَّ اللهَ هو الَّذي يُقَرِّرُ مَنْ سيُخَلِّص، وَهُوَ الَّذي اختارَهم قبلَ تأسيسِ العالَم.

ولا يُمكنني أن أنظرَ إلى الصَّليب وأنْ أرى يسوعَ في نهايةِ الصَّلْبِ يَنظُر إلى أعلى ويقول: "قَدِ ابتدأ". ماذا؟ "إنَّها كَفَّارة مُحتَمَلة". فهو لم يَقُل هذا. أليسَ كذلك؟ فهل كانَ موتُ المسيحِ دُفعة تامَّة وكاملة إلى اللهِ لإشباعِ غَضَبِهِ العادِل عن أُناسٍ مُعَيَّنينَ مُختارين؟ أَمْ أنَّهُ كانَ مَوتًا مُحتملاً عن لا أَحَد؟ مَوتًا حقيقيًّا عن لا أَحَد، ومَوتًا مُحتملاً عنِ الجميع.

لننظر إلى الكتابِ المقدَّس ونَرى كيفَ نَفهَمُ ذلك. والوقتُ المُتَبَقِّي لدينا قليل. لِذا، سوفَ تَكونُ هذهِ نَظرة سريعة. ويجب علينا أنْ نَنظُرَ إلى بعضِ المُصطلحات. حسنًا. الكلمة "عَالَم". لنأخذ الكلمة "عَالَم". فالكُلُّ يأتي ويقول: "مَهلاً! مَهلاً! ماذا عنِ العالَم؟ ماذا عنِ العالَم؟" اسمَحوا لي أن أُساعِدَكُم في فَهْمِ هذه الكلمة. حسنًا؟ وسوفَ يكونُ هذا شبيهًا بتمرينِ فَتْحِ الكتابِ المقدَّسِ بسُرعة الَّذي كُنتُم تُمارِسونَهُ في سنواتِ الطُّفولة. فيجب أنْ تَفتحوا الكتابَ المقدَّسَ بسُرعة معي.

فقد سَمِعنا الكلمة "عالَم" تُذكَر. وعندما نَسمعُ الكلمة "عالَم"، فإنَّنا نُفَكِّرُ في أنَّ الكلمة "عالَمَ" تَعني كُلَّ شخصٍ عَاشَ يَومًا. ولكِنَّ هذا ليسَ تَعريفًا كِتابيًّا. فنحنُ نقرأُ في إنجيل يوحنَّا 1: 9: "كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ". وما مَعنى ذلك؟ "آتِيًا إلى العالَم". ما مَعنى ذلك؟ هل هذا يعني أنَّهُ كانَ آتيًا إلى كُلِّ إنسانٍ على وَجهِ الأرض؟ لا، بل إنَّها تَعني فقط أنَّهُ جاءَ إلى النِّطاقِ البَشريّ. "كانَ في العالَم... [أيْ إنَّهُ كانَ في نِطاقِ البَشر] "...وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ". فالكلمة "عَالَم" تُشيرُ وَحَسْب إلى البشريَّة، أوِ العالَمِ المَخلوق. فقد كانَ في العالَم، اللهُ في جَسَدٍ بَشريٍّ. فلا يوجد ما يُشيرُ إلى أنَّ كُلَّ فَردٍ على حِدَة على الأرضِ مَشمولٌ بالضَّرورة في تلكَ الكلمة، بل إنَّها تُشيرُ وَحَسْب إلى العالَمِ المَخلوق، أو إلى البشريَّةِ وحَسْب.

لِذا فإنَّكُم تَرَوْنَ هُنا أنَّ الكلمة "عالَم" ينبغي أنْ تُعَرَّفَ حالاً. فنحنُ نقرأُ في إنجيل يوحنَّا 1: 29: "وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ: هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ [مَنْ؟] الْعَالَم!"

والآن، مَهلاً! فيجب أنْ نُعَرِّفَ مَعنى هذه الكلمة حالاً. أليسَ كذلك؟ فإنْ كانَ قد حَمَلَ خطيَّةَ العالَم لَحَدَثَ ماذا؟ لَكانَ الجَميعُ ماذا؟ مُخَلَّصين. ولكانَتْ خَطاياهُم كُلُّها قد رُفِعَت. لِذا، يجب علينا أنْ نُعَرِّفَ حالاً مَعنى الكلمة "عَالَم". وكيفَ تُحَدِّدونَ مَعناها؟ لقد جاءَ إلى هذا النِّطاقِ البشريِّ، وقد جاءَ إلى هذا النِّظامِ المَخلوقِ، وقد جاءَ إلى البشريَّة لكي يَرفعَ الخطيَّة. وفي المستقبل، سَتُرفَعُ الخطيَّة [بِكُلِّ تأكيد] نِهائيًّا في السَّماءِ الجديدة والأرض الجديدة.

ولكنكم ستلاحظونَ أنَّ هذا [بِكُلِّ وُضوحٍ] مَحدود. فهو لم يأتِ ليَرفع خطيَّةَ كُلِّ شخص. ارجِعوا إلى العدد 11: "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ". العدد 12: "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ". لِذا، فإنَّ العِبارة "يَرْفَع خَطِيَّة العالَم" تَتَحَدَّد بعبارة: "المؤمِنونَ باسمِهِ". فَهُمُ الوحيدونَ الَّذينَ يَملِكونَ الحَقَّ في الحُصولِ على الغُفرانِ وفي أنْ يَصيروا أولادَ الله. لِذا فإنَّ الكلمة "عَالَم" هي كلمة عامَّة تُشيرُ إلى البشريَّة أو إلى العالَمِ المَخلوق. ويجب أنْ يُحَدَّدَ مَعناها.

وفي إنجيل يُوحنَّا والأصحاحِ الثَّالث، نَقرأُ مَرَّةً أخرى في العدد 16: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ". وهذا موضوعٌ سنتحدَّثُ عنهُ في شهر كانون الثَّاني/يَناير: مَحَبَّةُ اللهِ وكم هو طُولُها، وعَرضُها، وارتفاعُها، وعُمقُها. "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ". فما مَعنى ذلك؟ البشريَّة. "حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ". وَحالاً، تُدركونَ أنَّهُ ينبغي أنْ نُحَدِّدَ مَعنى الكلمة. فإنْ لم تُحَدِّدوا مَعناها سنَصيرُ جَميعًا مِنْ أنصارِ الخَلاصِ الشُّموليِّ هُنا إذْ إنَّنا سنؤمِنُ أنَّ الجميعَ نَالوا الخلاص. ونحنُ نَعلمُ أنَّ هذا لا يُمكن أنْ يكونَ صحيحًا لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ واضحٌ جِدًّا بخصوصِ الدَّينونة.

وفي إنجيل يوحنَّا والأصحاح 4 ... إنَّ كُلَّ المَعنى المقصود في يوحنَّا 3 هو أنَّ اللهَ أَحَبَّ البشريَّة، وأنَّهُ أحَبَّ النَّاسَ. فقد أحَبَّ البَشَرَ مِن كُلِّ قبيلة ولِسان وأُمَّة. فقد أَحَبَّهُم. فبالمعنى العامِّ جِدًّا، وبِمعنى النِّعمة العامَّة، ودَعوة الإنجيل، والعَطْف، فإنَّهُ أَظهرَ المحبَّة للعالَم. ولكِنَّ مَحَبَّتَهُ المُخَلِّصة للعالم مَحدودة في أولئكَ الَّذينَ آمَنوا في العالم وفي نِطاقِ البشريَّة: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ".

وفي إنجيل يوحنَّا 4: 42، نَقرأُ الشَّيءَ نَفسَهُ: "إِنَّنَا لَسْنَا بَعْدُ بِسَبَبِ كَلاَمِكِ نُؤْمِنُ، لأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا وَنَعْلَمُ أَنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ". فالآية لا تَقولُ إنَّهُ المُخَلِّصُ المُحتَمَل للعالَم، بل إنَّهُ مُخَلِّصُ العالَم. فهو مُخَلِّصُ العالَم. وهذه كلمة غير مُحَدَّدة. لذا يجب تَحديدُها. فلا يُمكنكَ أنْ تُحَدِّدَ الكلمة "مُخَلِّص". فإنْ قُلتَ إنَّهُ مُخَلِّصٌ مُحتَمَلٌ فإنَّكَ تُحاولُ أنْ تَحمي المفهومَ الشُموليَّ للعالَم، ولكِنَّكَ سَتَحِدُّ مِنَ المُخَلِّص. وهذا المَثَل يُوَضِّحُ حَقًّا الصُّورة. أليسَ كذلك؟ فإمَّا أنَّكَ سَتَحِدُّ مِنْ مَفعولِ عَمَلِ المسيحِ المُخَلِّص، وإمَّا أنَّكَ ستَحِدُّ مِنْ نِطاقِها. فسوفَ تَحِدُّ مِنْ واحِدٍ مِنَ الاثنين.

إنَّهُ مُخَلِّصُ العالَمِ بالمفهومِ التَّالي: أنَّهُ المُخَلِّصُ الوحيدُ الَّذي سيَحصُلُ عليهِ هذا العالَم. فهو المُخَلِّصُ الوحيدُ الَّذي سيَعرِفُهُ الجنسُ البشريُّ. فالعالَمُ لا يَعرِفُ مُخَلِّصًا آخر. والنُّقطة المُهِمَّة جدًّا الَّتي ينبغي أنْ تَلتفتوا إليها في كُلِّ إنجيل يوحنَّا هي أنَّهُ عندما تَقرأونَ الكلمات: "مُخَلِّص العالَم" أو "لأنَّهُ هكذا أحَبَّ اللهُ العالَم" أو أنَّهُ "كانَ في العالَم"، إلخ، تَذَكَّروا أنَّ يوحنَّا يُخاطِب بيئةً مِنَ اليَهودِ الُمَتَعِّصبينَ المُعادينَ للأُمَم. والفِكرةُ بأنَّ المسيَّا هو للعالَم كانت فِكرةً غريبة. وهو لم يَقْصِد أيَّ تَوْرِيَة هُنا. ولكنَّها كانت فِكرة ثَوريَّة.

وفي إنجيل يوحنَّا 6: 33، نَجِدُ الفكرة نَفسها تَتكرَّر: "لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ". للعالَم. أيُّ جُزءٍ مِنَ العالَم؟ العدد 35: "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا". فسوفَ تَحصُلونَ على حياةٍ إنْ جئتُم وآمَنتُم مِنْ أيِّ أُمَّة على هذا الكوكب. فَهُوَ مُخَلِّصُ العالَم. ونقرأُ في رسالة يوحنَّا الأولى 4: 14 الشَّيءَ نَفسَهُ بِمَعنى أنَّ الكَفَّارة ليست مَحدودة في اليهود.

ولكِنَّها مَحدودة. فهي تَقتصِرُ دائمًا على أولئكَ الَّذينَ يُؤمِنون. وقد قرأنا ذلكَ للتَّوّ في إنجيل يوحنَّا 6: 33، ثُمَّ نقرأُ في إنجيل يوحنَّا 6: 51: "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي". فهو يَبذُلُ حَياتَهُ لأجلِ العالَم، ولكِنْ لأجلِ مَنْ في العالَم؟ نَقرأُ الإجابة في العددِ نَفسِهِ: "إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَد".

فالعبارة تُحَدَّد دائمًا بالإيمان ... بالإيمان. ويمكنكم أنْ تَرَوْا ذلكَ المَرَّة تِلوَ الأخرى في كُلِّ إنجيل يوحنَّا. إنجيل يوحنَّا 12: 47-48 (ومَرَّةً أخرى، فإنَّها بحاجة دائمًا إلى أنْ تُحَدَّد): "إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلاَمِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لاَ أَدِينُهُ، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَم". وَمِنَ الواضحِ أنَّ هذا لا يَعني أنَّهُ سيُخَلِّصُ كُلَّ إنسانٍ عَاشَ يومًا. بل إنَّها تَعني أنَّهُ سَيُقَدِّمُ خَلاصَهُ مِنْ دُونِ أيِّ اعتِباراتٍ تَختصُّ بالعِرقِ، أوِ اللَّونِ، أوِ الجنس؛ أيْ إلى النَّاسِ في كُلِّ هذهِ الأرض. أيْ إلى البشريَّةِ عَامَّةً.

انظروا إلى إنجيل يوحنَّا 14: 22. وهذا مَثَلٌ توضيحيٌّ آخر على كيفَ ينبغي لكم دائمًا أنْ تُحَدِّدوا مَعْنى الكلمة "عَالَم". والحديثُ هُنا هو عن يَهوذا في إنجيل يوحنَّا 14: 22: "قَالَ لَهُ يَهُوذَا لَيْسَ الإِسْخَرْيُوطِيَّ: «يَا سَيِّدُ، مَاذَا حَدَثَ حَتَّى إِنَّكَ مُزْمِعٌ أَنْ تُظْهِرَ ذَاتَكَ لَنَا وَلَيْسَ لِلْعَالَمِ؟»" وفي رأيِكُم، ما الَّذي قَصَدَهُ يَهوذا بذلك؟ ما الَّذي قَصَدَهُ بقولِه: "إنَّكَ مُزْمِعٌ أَنْ تُظْهِرَ ذَاتَكَ لَنَا وَلَيْسَ لِلْعَالَمِ؟" مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ لم يَقصد "لِكُلِّ إنسانٍ على الأرض". بل إنَّ المعنى المقصودَ هنا هو: "لِلعالَم الواسِع، أوِ للنِّطاقِ البشريِّ الأوسَع خارِجَ نِطاقِ هذه المجموعة الضَّيِّقة" أو "لِعَامَّةِ النَّاسِ".

وحَتَّى إنَّ يَسوعَ فَهِمَ مَحدوديَّاتِهِ الشَّخصيَّة فيما يَختصُّ بالكلمة "عالَم". انظروا إلى إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17. وهذا مُهِمٌّ جدًّا. إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17. فيسوعُ يُصَلِّي في العدد 6: "لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَالَم". لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَالَم. أنا أُصَلِّي لأجلِهم. "كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي، وَقَدْ حَفِظُوا كَلاَمَكَ". ثُمَّ انظروا إلى العدد 9: "مِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أَسْأَلُ. لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ الْعَالَمِ". فَأنتُم تَرَونَ هُنا أنَّ يسوعَ لا يُصَلِّي لأجلِ العالَم، بل لأجلِ الأشخاصِ الَّذينَ أعطاهُمُ اللهُ مِنَ العالَم. ومَرَّة أخرى، يجب عليكم أنْ تُحَدِّدوا مَعنى الكلمة. ويسوعُ نَفسُهُ يُحَدِّدُ مَعناها.

وفي إنجيل يوحنَّا 17: 15، يُصَلِّي يسوعُ لأجلِ خَاصَّتِهِ فيقول: "لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّير". وَهُوَ هُنا يَفهمُ الكلمة "عالَم" بِوَصفِها هذه المؤسَّسة البشريَّة بِكُلِّ ما فيها مِن خطيَّة. وَهُوَ يَقولُ في العدد 16: "لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ". وفي العدد 18: "كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ. لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ الْعَالَمِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ العالَم". فقد كانَ يسوعُ يَعلمُ حَتَّى أنَّ هناكَ مَعاني مُحَدَّدة للكلمة "عالَم" تَختصُّ بالنَّاسِ عَامَّةٍ، وليسَ إسرائيل، في كُلِّ الأجناسِ واللُّغات. فالكلمة "عالم" تَحتاجُ دائمًا إلى تَحديد. ولا توجد مُناسبة يُمكننا أن نقولَ فيها عقائديًّا إنَّها تَعني "كُلَّ إنسانٍ عَاشَ يَومًا".

والحقيقة هي أنَّهُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 12 (فلا يمكنني أن أقاوِمَ هذهِ الآية الَّتي خَطَرَت ببالي الآن. يوحنَّا 12: 19). فقد كانَ الفَرِّيسيُّون يَزدادونَ قلقًا أكثر فأكثر مِن يسوع حَتَّى إنَّنا نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 12: 19: "فَقَالَ الْفَرِّيسِيُّونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «انْظُرُوا! إِنَّكُمْ لاَ تَنْفَعُونَ شَيْئًا! هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!»". وفي رأيِكُم، ما الذي قَصَدوهُ بذلك؟ كُلَّ إنسانٍ عَاشَ يَومًا؟ لا، بل إنَّها كلمة مُحَدَّدة المَعنى دائمًا. وفي إنجيل لوقا 9: 25، يَقولُ يَسوع: "مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ". وهذه كلمة مُحَدَّدة المَعنى. فلا يوجد إنسانٌ سَيَربَحُ العالَمَ كُلَّهُ.

لِذا، يجب علينا [ببساطة] أنْ نَنظُرَ إلى سِياقِ الآية وأنْ نَفهمَ أنَّ الكلمة "عَالَم" تَتَخَطَّى النَّزعة الثَّقافيَّة والضَّيِّقة والعُنصريَّة اليهوديَّة، وأنْ نَنظرَ إلى نِطاقِ الكَفَّارة الَّذي يَشمَلُ كُلَّ هذه الأرضِ في كُلِّ الأزمِنَة وكُلِّ الأُمم. وبولس يقولُ في رسالة رُومية 11: 15 إنَّ رَفْضَ إسرائيل أَدَّى إلى مُصالحةِ العالَم. ومَرَّةً أخرى، فإنَّ بولسَ لا يُؤمِنُ لَحظةً واحدة بأنَّ هذه الكلمة تَعني أنَّ كُلَّ فَرْدٍ عَاشَ يومًا سيتصالَحُ معَ الله. بل إنَّهُ يَعني أنَّ رَفْضَ إسرائيل وَوَضْعِها جانبًا أدَّى إلى تَطعيمِ الكنيسةِ. والكنيسةُ تتألَّفُ مِنْ يَهود وأُمَم.

وقد واجَه اليهودُ صُعوبةً بالغةً في فَهْمِ ذلك. لِذا فقدِ اضْطُرَّ الرُّسُلُ إلى مُواجَهَتِهم بحقيقةِ أنَّ الرَّبَّ كانَ يَعملُ بينَ الأُمَم. وهل تَذكرونَ سِفْر أعمال الرُّسُل؟ "فَبَيْنَمَا بُطْرُسُ يَتَكَلَّمُ بِهذِهِ الأُمُورِ [في أعمال الرُّسُل والأصحاح 10] حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَى كرنيليوس؛ أيْ على الأُمم". "فَانْدَهَشَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِتَانِ، كُلُّ مَنْ جَاءَ مَعَ بُطْرُسَ، لأَنَّ مَوْهِبَةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ قَدِ انْسَكَبَتْ عَلَى الأُمَمِ أَيْضًا". حسنًا، لقد كانَ ذلكَ جُزءًا مِن تلكَ النَّزعة اليهوديَّة نَفسِها. ولم يُقْصَد يومَا أنْ يَكونَ الإنجيلُ مَقصورًا على إسرائيل فقط. ونَجِدُ الشَّيءَ نَفسَهُ في سِفْر أعمال الرُّسُل 15: 6 وما يَليه. ولنقرأ ابتداءً مِنَ العدد 7: "قَامَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنْذُ أَيَّامٍ قَدِيمَةٍ اخْتَارَ اللهُ بَيْنَنَا أَنَّهُ بِفَمِي يَسْمَعُ الأُمَمُ كَلِمَةَ الإِنْجِيلِ وَيُؤْمِنُونَ. وَاللهُ الْعَارِفُ الْقُلُوبَ، شَهِدَ لَهُمْ مُعْطِيًا لَهُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا لَنَا أَيْضًا. وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِشَيْءٍ، إِذْ طَهَّرَ بِالإِيمَانِ قُلُوبَهُمْ". فَمِنَ الصَّعبِ أنْ يَسمعَ اليهودُ ذلك؛ أيْ أنَّ الإنجيلَ امتَدَّ خارِجَ نِطاقِ اليهوديَّة إلى البشريَّة، وإلى كُلِّ لِسان، وقبيلة، وشَعب، وأُمَّة.

لِذا، فإنَّنا نَنظرُ إلى الكلمة "عالَم" ونُحَدِّدُ مَعناها دائمًا. وهناكَ مَقطعٌ آخر (أو مَقطعينِ آخَرَيْن) يَحتاجانِ إلى التَّدقيقِ قليلاً. وسوفَ أُشيرُ إليهما في عُجالة فقط. رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاح الثَّاني. رسالة يوحنَّا الأولى والأصحاح الثَّاني: "...يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ" [في العدد 1]. وفي العدد 2: "وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا". ما الَّذي يَعنيهِ هُنا؟ أنَّهُ كَفَّارة ليسَ لخطايانا فقط..." (ومَرَّة أخرى، فإنَّ هذا النَّصَّ يَهوديٌّ جِدًّا في سِياقِهِ) "...بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ". وهذا المقطَع يُعَبِّرُ عن نفسِ الفكرة الَّتي ذَكَرها يوحنَّا المَرَّة تِلوَ المَرّةَ تِلوَ المَرَّة. وهي نفسُ النُّقطة الَّتي قالوها في سِفْر أعمال الرُّسُل، ونفسُ النُّقطة الَّتي قالَها بولسُ في رسالة رُومية والأصحاح 11؛ أيْ أنَّ الإنجيلَ ليسَ مَقصورًا على اليَهود.

والكلمة "كَفَّارة" [بالمُناسبة] هي كلمة قويَّة جدًّا. وهي "هيلازموس" في اللُّغة اليونانيَّة. والكلمة "كَفَّارة" تَعني التَّسكينُ الفِعليُّ لغضبِ اللهِ العادِل. فهي ليست كَفَّارة مُحتَملة، بل هي حقيقيَّة. وهي يُمكن أنْ تُتَرجم "مُسْتَرْضَى" أو "رَاضٍ". فهو نَفسُهُ "الشِّبَع". وهو نَفسُهُ التَّرضية. فهو يَسترضي اللهَ، ويُرضي اللهَ، ويُخَفِّفُ غَضَبَ اللهِ عن خطايانا. ولكِنْ ليسَ خطايانا فقط، بوصفِنا الشَّعبَ الدَّاخليَّ، بل خطايا العالم كُلِّه. وهذا يعني أنَّهُ لا توجد كَفَّارة أخرى عنِ النَّاسِ في أيِّ أُمَّة أخرى سِوى تلك الكَفَّارة الَّتي تُكَفِّرُ عَنَّا.

فإنْ كانَ المَعنى المقصودَ هُنا هو أنَّهُ كانَ كَفَّارة حقًّا عن كُلِّ شخصٍ عاشَ يَومًا، فإنَّ الكلمة أقوى بكثير مِنْ أنْ تَعني أيَّ شيءٍ مُحتَمل. ولا بُدَّ أنَّها تَعني "كَفَّارة حقيقيَّة" لأنَّها مُشبِعَة. فقد كانَ اللهُ راضِيًا بالذَّبيحة عنهم. فلم يُتْرَك شيءٌ خارجًا. وقد كانَ مَوتُ يَسوعَ، يا أحبَّائي، كَفَّارةً مَرضيَّةً. فقد كانَ هُوَ الخَروفَ الَّذي يُذْبَحُ في يومِ الكَفَّارةِ العظيم والَّذي يُرَشُّ دَمُهُ أمامَ اللهِ كَفَّارةً حقيقيَّة. والكَفَّارة هي كلمة قويَّة جِدًّا بحيث إنَّها لا يُمكِن أنْ تَعني شيئًا مُحتمَلاً لأنَّ الكفَّارة تَعني أنَّها تُسَكِّنُ غَضَبَ اللهِ إلى الأبد؛ لا عَنَّا فقط، بل عنْ أيِّ أُمَمِيٍّ أو أيِّ شخصٍ آخر يُؤمِن.

وفي رسالة كورنثوس الثَّانية والأصحاح الخامس (وسوفَ أَكتفي بالحديثَ عن هذا المَقطعِ فقط لأنِّي أَعلمُ أنَّني إنْ لم أفعل فإنَّكم ستَسألوني عنهُ). رسالة كورنثوس الثانية 5: 19: "أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ". ومَرَّةً أخرى، قد تَقول: "حسنًا، حسنًا! مُصالحًا العالمَ. فالنَّاسُ يَقولونَ دائمًا (كما تَعلمون): "ألَمْ يُصالِحِ اللهُ العالَمَ كُلَّهُ؟" ما الَّذي تَعنيهِ بالعالَم؟ فيجب علينا دائمًا أنْ نُحَدِّدَ مَعناها. وإلَّا، سوفَ نَنتهي دائمًا (كما قُلتُ) بأنْ نَصيرَ مِنْ أنصارِ الخلاصِ الشُّموليّ. وحينئذٍ، ماذا ستفعلونَ بجميعِ الأشخاصِ الَّذينَ أُرسِلوا إلى جَهَنَّم؟ فاللهُ يُصَالِحُ العالَمَ لنفسِه. وما مَعنى ذلك؟ استمعوا إلى هذهِ الكلمات: "غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ". فلا وُجودَ للاحتمالِ هُنا، بل إنَّ هذا الأمرَ فِعليّ.

فاللهُ يُصالِحُ العالَم. فاللهُ لا يَجعلُ المُصالحةَ مُمْكِنَةً، وَهُوَ لا يُزيلُ عائقًا أمامَ المُصالَحة، وَهُوَ لا يَقومُ بالجُزءِ الأكبرِ مِنَ المُصالحة ويَقولُ للخاطئ أنْ يَقومَ بالخُطوتينِ الباقِيتَيْن؛ بل "إنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ [أيْ بِمَوْتِ المَسيح] مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ". واسمح لي أنْ أقولَ لكَ، يا صَديقي، أنَّ عَدَمَ حُسْبانِ خَطاياكَ ضِدَّكَ يعني أنَّهُ حَمَلَ خَطاياكَ كُلَّها، وأنَّكَ لستَ تحتَ أيَّة دَينونة.

وهذا ليسَ خَلاصًا مُحتَملاً، بل إنَّهُ خَلاصٌ فِعليّ. وأيًّا كانَ المقصودُ بالكلمة "العالَم" هُنا، فإنَّهم الأشخاصُ الَّذينَ لم تَعُدْ خطاياهُم مَحسوبة ضِدَّهُم. فَهُمْ أولئكَ الَّذينَ يُوْصَفونَ في العدد 17 بأنَّهُم "خَليقة جَديدة" في المسيح. وَهُمْ أولئكَ الَّذينَ قِيلَ عنهُم في العدد 21: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا". لأجلِ مَنْ؟ لأجلِ أولئكَ الَّذينَ تَصالَحوا معَ اللهِ "لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ".

فلا يوجد شيءٌ في الكتابِ المقدَّسِ اسمُهُ "كَفَّارة مُحتَمَلة". فالمعنى ببساطة هو أنَّهُ لا توجد حُدود عِرقيَّة، ولا تُوجد حُدود قَوميَّة. فهذه المقاطِع الَّتي تَذكُرُ الكلمة "عَالَم" تُحَدِّدُ كُلُّها مَعناها. فهي تَعني وَحَسْب: "البَشريَّة" أوْ "عَالَم البَشَر" أو "هذا النِّطاق"، وليسَ كُلَّ فَردٍ عَاشَ يَومًا. ويجب أنْ تَعلموا أنَّ هذه الفِكرة تَسَرَّبَتْ إلينا عَبْرَ السِّنين. فالمسيحُ لم يَدفَع أُجرةَ الخطيَّة بالكامل، ولم يُصالِحنا، ولم يُشبِع اللهَ تمامًا كي لا يَحْسِب اللهُ خطايا كُلِّ إنسانٍ في العالم. فلو كانَ هذا صحيحًا، لكانَ هذا الخلاصُ حقيقيًّا، ولما كانَ هُناكَ جَهَنَّم لأنَّهُ لا يُمكن أنْ يكونَ هناكَ أيُّ عِقاب. وفي هذهِ الحالة، كانَ اللهُ سيكونُ ماذا؟ ليسَ عادلاً، بل ماذا؟ غير عَادِل.

وقد تَقول: "ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقول: ’جَميع‘. إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ ’جَميع‘". أنا أَعلمُ أنَّهُ يَقولُ "جَميع". أجل، إنَّهُ يَقولُ "جَميع". هل تُريدونَ أنْ تَنظروا إلى بعضِ كلماتِ "جَميع"؟ رومية 5. لننظُر إلى بعضِ كلماتِ "جَميع". أعطوني بِضعَ دقائق فقط وَسَنَخْتِم حَديثَنا. فَكُلُّ ما لَدَيَّ هُنا هو خَمسٌ وأربعونَ آية فقط. ولكِنْ يُمكننا أنْ نَتوقَّفَ في أيِّ مَكانٍ نُريد. وسوفَ نُكْمِلُ الحَديثَ عنها في وقتٍ آخر.

ولكِنَّنا نَقرأُ في رسالة رُومية 5: 18: فَإِذًا..." [وهذا مَقطعٌ مُهِمٌّ آخر] "فإذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ..." وتلكَ الخطيَّة هي خطيَّة آدَم. أليسَ كذلك؟ فقد أثَّرتْ تلكَ الخطيَّة في كُلِّ شخص. "هكَذَا بِبِرّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ". وإنْ لم تَحذروا هُنا، أوْ إن فَهِمْتُم الأمرَ فَهمًا مَغلوطًا، ستَفهمونَ الآتي: ما دامَ جَميعُ الأشخاصِ قد تأثَّروا بخطيَّةِ آدَم وصَاروا خُطاةً، فإنَّ جميعَ الأشخاصٍ قد تأثَّروا بِعَمَلِ المسيحِ البارّ وصَاروا أبرارًا. والمُشكلة في هذا التَّفسير هي أنَّهُ غير صحيح.

فهناكَ مَثَلٌ توضيحيٌّ واحدٌ فقط هنا. وَهُوَ [ببساطة] كما يَلي: فَما يَحْدُثُ هُنا هو أنَّ بولسَ يَتحدَّثُ عن تأثيرِ عَمَلِ المسيح، وكيفَ أنَّ عَمَلَ المسيح هو العملُ الفِدائيُّ عن كُلِّ الَّذينَ يُؤمِنون. والسُّؤالُ الَّذي يُطرَحُ في ذِهنِ القارئِ سيكونُ كالآتي: "كيفَ يُعْقَلُ أنَّ عَمَلاً واحدًا يَترُكُ تأثيرًا هائلاً هكذا؟ وكيفَ يُعقَلُ أنَّ عَملاً واحدًا قامَ بهِ إنسانٌ واحدٌ يَترُكُ هذهِ التَّأثيرات الهائلة؟" لِذا فإنَّهُ يَذكُرُ هذا التَّشبيهَ قائلاً: "انظروا! بخطيَّةِ إنسانٍ واحدٍ ماتَ الجميع. فَكُلُّ مَنْ ماتوا صَاروا أمواتًا. وبِبِرِّ إنسانٍ واحدٍ كُلُّ مَنْ تَبَرَّروا صَاروا أبرارًا". وَحَتَّى إنَّهُ يُغَيِّرُ الكلماتِ الَّتي يَستخدِمُها في العدد 19 فيقولُ ما يَلي حَتَّى يَتَحَقَّقَ مِنْ أنَّنا لن نَفهَمَ الكلمة "جَميع" بأنَّها شاملة: "لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا". وأعتقد أنَّهُ يَذكُرُ ذلك لكي يُجَنِّبَنا الفهمَ الخاطئ للعدد 18 لأنَّ ذلكَ سيَجعَلُ الجَميعَ مُخَلَّصِين. وَهُوَ يَقولُ: "لا، هذا ليسَ ما قَصَدْتُ أن أقول. لِنَستخدِم الكلمة "كثيرين" لكي لا نَتَشَوَّشَ هُنا. فنحنُ نُحاولُ وَحَسْب أنْ نُوَضِّحَ النُّقطة بأنَّ عَمَلَ إنسانٍ واحد وما فَعَلَهُ إنسانٌ واحدٌ يُؤثِّرُ في كُلِّ الأشخاصِ الَّذينَ انحَدروا مِن ذلكَ الإنسان". لِذا فإنَّ المَعنى المقصودَ هُنا بالكلمة "جَميع" هو بالمَعنى الصَّحيح المُوَضَّح مَرَّة أخرى في السِّياق.

افتحوا على رسالة رُومية 8: 32. فنحنُ نَجِدُ هُنا الكلمة "أَجْمَعين" مَرَّة أخرى: "اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِين". وَمَنِ المقصودُ بالكلمة "أَجْمَعين" هُنا؟ فالمسيحُ بُذِلَ لأجلِنا أَجمَعين". إنَّ بعضَ النَّاسِ يقولون: "لقد بُذِلَ لأجلِ كُلِّ النَّاسِ في العالَمِ بأسرِه". ولكِنَّ هذا غير صحيح. فهل هذا هو ما يَقصِدُهُ هُنا؟ هل هذا هو ما قَصَدَهُ بولسُ بالكلمة "أجَمعين"؟

حسنًا، لِنَرجِع إلى العدد 31. ارجِعوا عَدَدًا واحدًا فقط إلى الوراء: "إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟" والآن، مَنِ المَقصودُ بالكلمة "علينا" هُنا؟ كُلُّ شخصٍ في العالَمِ بأسرِه؟ فهلِ اللهُ مَعَ كُلِّ شخصٍ في العالَمِ بأسرِه؟ فَالكلمة "عَلينا" مُحَدَّدة هُنا. فَمَنْ هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَجوزُ أنْ نَقولَ إنَّ اللهَ مَعَهُم؟ سوفَ أقولُ لَكُم مَنْ يَكونون. العدد 29: "الَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ". "والَّذينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُم [في العدد 30] فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا". وَ "إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟" فالكلمة "مَعَنا" هُنا تُشيرُ إلى أولئكَ الَّذينَ سَبَقَ فَعَيَّنُهم، ودَعاهُم، وبَرَّرَهُم، ومَجَّدَهُم. بعبارة أخرى، نَقرأُ في العدد 33: "مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ؟" إنَّهُمُ المُختارون. فَنَحْنُ المَقصودونَ بالكلمة "أَجْمَعين".

رسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاح الخامِس. رسالة كورِنثوس الثَّانية 5: 14. ونَجِدُ هنا لُغَةً شَبيهةً جدًّا برومية 5 لكي تَتَمَكَّنوا مِنْ مُقارَنَتِهما معًا. رسالة كورِنثوس الثَّانية والأصحاح الخامس. وقد قَرأنا قبلَ قليل الآياتِ الَّتي تَلي ذلكَ بقليل. وأريدُ منكم أنْ تَرجِعوا إلى العددَيْن 14 و 15: "لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ". والكلمة "جَميع" هُنا مُحَدَّدة المَعنى. والآن، تَابعوا ما سأقرأهُ بِعِناية:

"لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ". والنَّاسُ يقولون: "آه، لقد ماتَ لأجلِ الجميع. لقد ماتَ لأجلِ العالمِ كُلِّه، ولأجلِ كُلِّ شخصٍ في العالَمِ بأسرِه". هل ماتَ لأجلهم جميعًا؟ لا. "إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا". فَـ "الجميعُ" الَّذينَ ماتَ لأجلهم ماتوا. وما مَعنى ذلك؟ عندما تأتي إلى المسيح، لَعَلَّكَ تَذكُرُ أنَّكَ مُتَّ. أليسَ هذا صحيحًا؟ "مَعَ المَسيحِ [ماذا؟] صُلِبْتُ". وَفيهِ تَموتون. لِذا "إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا". فقد ماتَ لأجلِ جَميعِ الَّذينَ ماتوا فيه. ونقرأ في العدد 15: "وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ". وَمَنْ هُمُ الجَميع؟ أولئكَ الأحياء. فقد ماتَ لأجلِ أولئكَ الَّذينَ ماتوا وعاشوا فيه. فقد "مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ". وفي نهايةِ العدد 15: "لأجلهم". "لأجلهم".

ويُمكنكم أنْ تَنظروا إلى الكلمة "كثيرين" إنْ كانَ لدينا وَقت. فهناكَ استخداماتٌ مُدهشة لها. وستَجدونَ شواهِد عديدة على الكلمة "كثيرين". وقد رأينا للتَّوّ شَاهِدًا مِنْ رسالة رُومية والأصحاح 5 حَتَّى تتمكَّنوا مِن مُقارنةِ الشَّواهِد معًا. وَهُوَ يقولُ إنَّ الرَّبَّ ماتَ لا عنِ الجميع، بل عن كثيرين. وهذه طريقة أخرى للتَّعبيرِ عنِ النُّقطة نفسِها. فالكلمة "جَميع" تَعني "الكُلّ" بالمعنى الواسعِ في العالم. والكلمة "كثيرين" تَعني "أقَلّ مِنَ الجميع".

ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح 9: "هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ". عَجَبًا! فقد ماتَ لكي يَحمِلُ خطايا كثيرين. وأنتُم لستم بحاجة إلى بَذلِ الكثيرِ مِنَ الجُهدِ في تَحليلِ هذهِ الكلماتِ، بل يَكفي أنْ تَفهموها في السِّياقِ الَّذي يُحَدَّدُ فيه مَعناها دائمًا.

استمعوا إلى ما جاءَ في إنجيل مَتَّى 20: 28: "كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ". عن كثيرين. وَمَنْ هُمُ الكثيرون؟ كُلُّ مَنْ يُؤمن. فقد كانَ في الحقيقة فِدية. وقد كانَ في الحقيقة كَفَّارة. وقد وَفَّرَ في الحقيقة تَعويضًا. وقد دَبَّرَ في الحقيقة كَفَّارةً عن أولئكَ الَّذينَ يؤمنون.

ولكي نُعَبِّرَ عن ذلكَ على فَمِ المَلائكة، فإنَّها ستكونُ كالتَّالي إذْ إنَّ المَلاكَ قال: "يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. [ثُمَّ اسمَعوا ما يَقول] لأَنَّهُ يُخَلِّصُ [مَنْ؟] شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ". فالكتابُ المقدَّسُ لا يُعَلِّمُ في أيِّ مَوضِعٍ عنْ خَلاصٍ مُحتَمَل. فهو يُخَلِّصُ شَعبَهُ مِن خطاياهُم. فهذا هو ما سيفعلُهُ حينَ يأتي. فسوفَ يكونُ خلاصًا حقيقيًّا لِشَعبِه.

إنجيل يوحنَّا 10: 11: "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ". وأنا أَعرِفُ خِرافي. "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ. وأَعرِفُ خَاصَّتي. وخَاصَّتي تَعرِفُني. ...وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ".

ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 11: 50: "خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا!" فهذا هو ما قالَهُ قَيافا. "وَلَمْ يَقُلْ هذَا مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيسًا لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ". ثُمَّ استمعوا إلى ما جاءَ هُنا: "وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ اللهِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ". ويا لها مِن جُملة رائعة! هل فَهِمتُم ذلك؟ فقد ماتَ يسوع. لقد ماتَ يَسوعُ - لا عنِ اليهودِ فقط، بل لِيَجمَعَ إلى جَسَدٍ واحد أبناءَ اللهِ المُتَفَرِّقينَ في جَميعِ أنحاءِ العالَم. فهؤلاءِ هُمُ الَّذينَ ماتَ لأجلهم.

وفي رسالة أفسُس والأصحاح الخامس ... وسوفَ نَكتفي بِذِكرِ آيتينِ فقط: "أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا [مَنْ؟] الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً". فقد دَفَعَ الثَّمَنَ عَنْ عَروسِهِ؛ أيْ: كَنيسَتِه. فقد فَداها. وَهُوَ لم يَكُن فِداءً لأيِّ أُناسٍ وَحَسْب، بل كانَ فِداءً لكنيسَتِه المَفديَّة.

فقد كانَ فِداءً مُحَدَّدًا. فقدِ اختارَنا فيهِ قبلَ تأسيسِ العالَم. وقد عَيَّنَنا. "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ (أفسُس 1: 7)، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ الَّتِي أَجْزَلَهَا لَنَا". ونحنُ (وَكَمْ أُحِبُّ هذهِ الآية) – أفسُس 1: 14: "مُقْتَنى الله". فنحنُ نَقرأُ: "لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى". فقدِ افتَدى شَعبًا اقْتَناهُ أصلاً.

تِيْطُس 2: 13: ""مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ..." (وَكَمْ أُحِبُّ هذهِ الكلمات) "...الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا". وَمَنْ كانَ ذلكَ الشَّعب؟ الشَّعبُ الَّذي اختارهُ اللهُ قبلَ تأسيسِ العالَم وأعطاهُ لابنِهِ عَروسًا.

وبُطرسُ يَقولُ: "الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ" (رسالة بُطرس الأولى 2: 24). وبُطرسُ يَقولُ إنَّ المسيحَ: "تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ". فهو لم يَمُتْ على أَمَلِ أنْ يُقَرِّبَنا إلى اللهِ، بل ماتَ لكي يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ. فقد ماتَ لكي يُسَكِّنَ غَضَبَ اللهِ. وقد ماتَ لكي يَفدي زَرْعًا مُقَدَّسًا أوْ نَسْلاً مُقَدَّسًا.

وهناكَ آية أخرى في الخِتام. إنَّها الآية الأخيرة لأنَّني أَعلمُ أنَّكم ستسألونَني عَنها. عِبرانِيِّين 10: 29. وهي تَوضيحٌ في الحقيقة. عِبرانِيِّين 10: 29: "فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا؟" فهناكَ أُناسٌ يَقولون: "حسنًا! مَهلاً! إنَّ هذهِ الآية تقولُ إنَّ هناكَ أُناسًا سيُعاقَبونَ. وَهُمْ أُناسٌ دَاسُوا ابنَ اللهَ، وحَسِبوا دَمَ العهدِ دَنِسًا معَ أنَّ الآيةَ تَقولُ إنَّهُم قُدِّسوا بِهِ.

هل يُمكنني أنْ أُساعِدَكُم في فَهْمِ تلكَ الآية؟ أَمْسِكوا القَلَمَ وضَعُوا خَطًّا صغيرًا تحتَ الكلمة "بِهِ". فالآيةُ لا تُشيرُ إلى أنَّ الخُطاةَ هُمُ الَّذينَ تَقَدَّسوا، بل تُشيرُ إلى المسيح: "الَّذي قُدِّسَ بِهِ". "مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ [المَسيحُ] دَنِسًا".

وقد يَذكُرُ أحدُ الأشخاصِ آيةً مِثلَ رسالة بُطرس الثانية 2: 1 ويقول: "مَهلاً! إنَّ الآيةَ تَقولُ إنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ كانوا أنبياءَ كَذَبة أَنكروا الرَّبَّ الَّذي اشتراهُم". بِكُلِّ تأكيد. فالحديثُ هُنا يأتي بِلَهجة سَاخِرَة. فقد كانوا يَدَّعونَ أنَّهُم مؤمنونَ حقيقيُّون. وقد كانوا يَدَّعونَ أنَّهم مُعَلِّمونَ حقيقيُّون. وقد تَغَلغَلوا في الكنيسةِ معَ أنَّهم كانوا مُعَلِّمينَ زائفين. وبُطرسُ يَقول: "لقد أنكرتُمُ الآنَ الرَّبَّ الَّذي اشتَراكُم". ولكِنَّنا نَعلَمُ أنَّ الرَّبَّ لم يَدفع أُجرةَ خَطايا هَراطِقَة هَالِكين.

إذًا، كيفَ نُلَخِّصُ هذا؟ لقد كانَ موتُ المسيحِ حَقيقيًّا، وكانَ كَفَّارةً فِعليَّة لأجلِ تَحقيقِ العدالةِ الإلهيَّة. وكانَ دُفعةً حقيقيَّة وكَفَّارةً حقيقيَّة (بصورة كاملة وحقيقيَّة ليسَت مُحتملة) دَفَعَها المسيحُ إلى اللهِ لأجلِ كُلِّ الَّذينَ سيؤمنونَ بِهِ لأنَّهم كانوا مُختارينَ ومَفديِّينَ بقوَّةِ الله. لِذا فقد كانَ موتُ المسيحِ حَتميًّا، ودَقيقًا، ومُحَدَّدًا، وفِعليًّا عن شعبِ اللهِ المُختار، وكانَ مَحدودًا في نِطاقِهِ وَفْقًا للمقاصدِ الإلهيَّة، ولكِنَّهُ لم يَكُن مَحدودًا في مَفعولِهِ. فبالنِّسبة إلى جَميعِ الَّذينَ قَبلوهُ، كانَ موتُهُ كامِلَ التَّأثير أوْ سيكونُ كذلك في حياةِ كُلِّ فَرد.

إنَّهُ عَمَلُ اللهِ. وَهُوَ عَمَلُ المسيحِ الَّذي أَكْمَلَ الفِداءَ، لا لكي يَجعلَ الفِداءَ مُمْكِنًا ثُمَّ يُكْمَلُ في النِّهاية مِنْ قِبَلِ الخُطاة. فالمسيحُ قَدَّمَ خَلاصًا لِجَميعِ الَّذينَ دَعاهُمُ اللهُ وبَرَّرَهُم. فالخُطاةُ لا يَحِدُّونَ مِنَ الكَفَّارة، بل إنَّ اللهَ هو الَّذي يَفعلُ ذلك. ويسوعُ دَفَعَ فِعليًّا أُجرة الخطيَّة بالكامِل عن كُلِّ الَّذينَ سيؤمنونَ بِهِ يَومًا.

وما الَّذي يَعنيهِ ذلكَ بالنِّسبة إليكم؟ مِنْ جِهَة، يجب عليكم أنْ تَفرحوا لأنَّ أُجرةَ الخطيَّة دُفِعَتْ بالكامِلِ عنكم. فلا حاجةَ إلى أنْ تُفَعِّلوها. فأنتُم مَثَلٌ حَيٌّ على نِعمةِ اللهِ. ثانيًا، اذهبوا واكرِزوا بالإنجيلِ للخُطاةِ بفرحٍ عالِمينَ أنَّ هناكَ زَرْعًا مُقَدَّسًا لأنَّ المسيحَ دَفَعَ أصلاً أُجرةَ خطاياهُم. ويا لَهُ مِنْ فَرَحٍ وامتيازٍ لنا أنْ نَكونَ أدواتٍ في يَدِ اللهِ لِتَبشيرِ هؤلاء.

يا أبانا، نَشكُرُكَ على وقتِنا في هذا المساء. ويا لَيتَنا نَبتَهِجُ بِكُلِّ مَعنى الكلمة بِعَظَمَةِ خَلاصِنا. باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize