Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لقد صَرَفنا العَديدَ مِنَ الأَشْهُرِ في دراسةِ بعضِ الأفكارِ العقائديَّةِ مساءَ أيَّامِ الأحَد، أيِ المواضيعِ الَّتي يُناقشها الكتابُ المقدَّسُ، والتي تَحَدَّثَ اللهُ عنها لأنَّها مُهِمَّةٌ جدًّا لإيمانِنا وحياتِنا. وابتداءً مِنَ الليلةِ، سنَصْرِفُ الأسابيعَ القليلةَ القادمةَ في التحدُّثِ عنْ وَحْيِ الكِتابِ المقدَّسِ وسُلْطانِهِ. فنحنُ نَفْتَحُ كَلمةَ اللهِ في كُلِّ مَرَّةٍ نَجتمعُ فيها معًا، وفي الخَدَماتِ في يومِ الرَّبِّ، وَفي الصُّفوفِ الَّتي تُعْقَدُ في مَباني هذا الحَرَمِ الكَنَسِيِّ صَباحَ ومَساءَ أيَّامِ الأحد، وفي الصُّفوفِ الَّتي تُعْقَدُ خِلالَ الأسبوعِ، وفي دروسِ الكِتابِ المُقَدَّسِ الَّتي تُعْقَدُ في المُجتمعاتِ في كُلِّ مَكانٍ إذْ تَجْتَمِعونَ في مجموعاتٍ صغيرةٍ وتَفْتَحونَ كلمةَ اللهِ في بُيوتِكُم. والكثيرونَ مِنكُم يَقرأونَ الكِتابَ المقدَّسَ بانتظامٍ يومًا بعدَ يوم.

إنَّ الكتابَ المقدَّسَ هوَ موضوعُ حَديثِنا. وَهُوَ في نَظَرِنا: السَّبيلُ (كَما يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ نَفْسُهُ): "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي". فنحنُ نُؤمِنُ بكلمةِ اللهِ. ونحنُ نُؤمِنُ أنَّها مُوْحَى بها. ونحنُ نُؤمِنُ أنَّها مَعصومَةٌ مِنَ الخطأِ في المَخطوطاتِ الأصليَّةِ، وأنَّ اللهَ حَماها وَحَفِظَها حَتَّى هذا اليوم. لذلكَ فإنَّها مُطابِقَة بصورة أساسيَّة للإعلانِ الأصليِّ. ونحنُ نؤمنُ أنهُ عندما يَتحدَّثُ الكِتابُ المقدَّسُ، ينبغي لنا أنْ نُصغي. لذلكَ فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ هوَ أَسَاسُ كُلِّ ما نَفْعَل. فنحنُ نَرى الحياةَ والخِدمةَ بالمَعنى الكِتابِيِّ. فَهُوَ ما نُؤمِنُ بهِ، وهُوَ مِعْيارُ سُلوكِنا، وهُوَ الرِّسالةُ الَّتي نُنادي بها. والكِتابُ المقدَّسُ يَقولُ إنَّهُ كلمةُ اللهِ. وَهُوَ يَقولُ ذلكَ بطريقةٍ جازِمَةٍ لا غُموضَ فيها.

فعلى سبيلِ المِثالِ، فإنَّ كُتَّابَ العهدِ القديمِ يُشيرونَ إلى ما كَتَبوهُ ويَصِفونَهُ بأنَّهُ ذاتُ كَلامِ اللهِ أكْثَرَ مِنْ 3800 مَرَّة. وكُتَّابُ العهدِ الجديدِ يَقْتَبسونَ العهدَ القديمَ بِصِفَتِهِ كلمةَ اللهِ 320 مَرَّة ويُشيرونَ إليهِ ما لا يَقِلُّ عَنْ ألْفِ مَرَّة. وقد تَحَدَّثَ كُتَّابُ العهدِ الجديدِ مِرارًا عَنْ الوَحْيِ الإلهِيِّ كما فَعَلَ كُتَّابُ العهدِ القديم. وقد قالَ يَسوعُ نَفْسُهُ إنَّ كُلًّا مِنَ العهدِ القديمِ والعهدِ الجديدِ مُوْحَى بهما مِنَ اللهِ.

وهناكَ مَقْطَعانِ مُحَدَّدَانِ في العهدِ الجديدِ يَتحدَّثانِ عَنِ الكِتابَ المقدَّسَ كُلَّهُ مِنْ جِهَةِ طَبيعةِ الوَحْيِ. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ بُطرسَ الثانية 1: 20: "عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ".

فالكِتابُ المقدَّسُ كَتَبَهُ أُناسٌ. ولكنَّهم لم يَكتبوهُ بمشيئتِهِم البشريَّة، ولم يُفَسِّروا نُبوءاتِهِ تَفسيرًا شخصيًّا، بل كانوا مَسوقينَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ لتدوينِ ما تَكَلَّمَ بِهِ اللهُ. وهناكَ مَقْطَعٌ مَعروفٌ جدًّا في الكتابِ المقدَّسِ يَتحدَّثُ عن هذا الموضوعِ، وهُوَ موجودٌ في رسالةِ بولسَ الرَّسول الثَّانية إلى تيموثاوس 3: 16 إذْ نَقرأُ: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ". وحَرْفِيًّا: "ثيوبَنوستَس" (theopneustos)، ومَعْناها: "تَنَفَّسَهُ اللهُ".

فَقد حَصَلْنا عليهِ مِنَ اللهِ، وَهُوَ: "نَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلاً، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ". فكُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ. وهذا الوَحْيُ يَعني أنهُ جاءَ مِنْ عندِ اللهِ بواسطةِ الكُتَّابِ الذينَ سَاقَهُمُ الرُّوحُ القُدُسُ ليكتُبوا ما قالَهُ اللهُ، وليسَ ما أرادوا أنْ يَكْتُبوه. فَهُوَ ذاتُ كلمةِ اللهِ. هذانِ هُما المَقْطَعانِ المُحَدَّدان. وهُناكَ، دونَ شَكٍّ آياتٌ أُخرى. وسوفَ نَنْظُرَ إليها خِلالَ دِراسَتِنا هذا الأسبوع.

والآنْ، مِنَ الواضحِ أنَّ كُلَّ ما ينبغي لنا أنْ نَعرفَهُ عنِ اللهِ، وعَنَّا، وعنِ الخلاصِ، وعنِ المستقبلِ والأزمنةِ والأبديَّةِ مَوجودٌ في الكتابِ المقدَّس. فكُلُّ ذلكَ موجودٌ فيه ... كُلُّ ما يُريدُنا اللهُ أنْ نَعرفَهُ موجودٌ فيه. لذلكَ نَقرأُ في نهايةِ السِّفْرِ الأخيرِ، أيْ في سِفْرِ الرُّؤيا، أنَّ رُوْحَ اللهِ قالَ ليوحنَّا أنْ يَكْتُبَ مُحَذِّرًا الجَميعَ مِنْ إضَافَةِ أيِّ شيءٍ إلى هذا الكِتابِ أوْ إلى حَذْفِ أيِّ شيءٍ منهُ. فَهُوَ كِتابٌ مُكْتَمِلٌ. وَهُوَ كِتابٌ كامِلٌ.

وحَتَّى إنَّ يَهوذا يُشيرُ إليهِ بِصِفَتِهِ الإِيمَانَ الْمُسَلَّمَ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ. فَهُوَ الحَقُّ المُسَلَّمُ مَرَّةً والذي لا يَجوزُ الحَذْفُ مِنْهُ أوِ الإضَافَةُ عليهِ. فكُلُّ ما نَحتاجُ إلى مَعرفتِهِ موجودٌ في هذا الكِتابِ فيما يَختصُّ بفَهْمِنا للكَوْنِ، واللهِ، وعلاقَتِنا بِهِ، وجميعِ العلاقاتِ الأُخرى.

ولأنَّ كُلَّ ما نَحتاجُ إليهِ موجودٌ في الكِتابِ المقدَّسِ، ولأنَّنا نَخْلُصُ بكلمةِ الحَقِّ، ولأنَّنا نَتَقَدَّسُ بالحَقِّ (أيْ: بكلمةِ اللهِ)، ولأنَّنا نَجِدُ رَجاءَ مَجْدِنا في كلمةِ اللهِ، ولأنَّ جميعَ التَّعليماتِ الَّتي تَلْزَمُنا في الحياةِ موجودة هُنا، فقد صارَ الكِتابُ المقدَّسُ هَدَفَ هَجَماتِ الأعْداءِ الدَّائمة والمُتكرِّرة. ولا ينبغي لنا أنْ نُدْهَشَ لذلكَ ولو قليلًا.

لنَرْجِع إلى الأصْحاحِ الثَّالثِ مِنْ سِفْرِ التَّكوين ونَبْتَدِئُ مِنَ البِدايَة. سِفْر التَّكوين، الأصْحاح 3. ووما أُريدُ أنْ نَفْعَلَهُ الآنْ هوَ أنْ نَنظرَ بسرعةٍ إلى الأعدادِ الافتتاحيَّةِ الخمسةِ الأولى في هذا الأصحاحِ المُهِمِّ جدًّا. فالأصحاحانِ الأوَّلُ والثَّاني يَصِفانِ عَمليَّة الخَلْقِ. ونحنُ نَرى آدَمَ وحَوَّاءَ يَعيشانِ في عالمٍ كُلُّهُ نَعيمٌ، وفي بيئةٍ تَخلو تَمامًا مِنَ الخطيَّةِ، ويَتمتَّعانِ بعلاقةٍ وشَرِكَةٍ رائعةٍ معَ اللهِ. ونَجِدُ تَلخيصًا لذلكَ كُلِّهِ في نهايةِ الأصحاحِ الثَّاني: "وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ، آدَمُ وَامْرَأَتُهُ، وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ". فلم يَكُنِ الخَجَلُ موجودًا لأنَّ الخطيَّة لم تَكُنْ موجودة.

ولكنَّ كُلَّ شيءٍ يَتَغَيَّرُ في الأصحاحِ الثالثِ. وأريدُكُمْ أنْ تَرَوْا طَبيعَةَ ذلك. "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا».

فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ»". ومِنَ المؤكَّدِ أنَّكم تَذكرونَ بَقِيَّةَ القِصَّة. فقد صَدَّقَتِ الشَّيطان وأَكَلَتْ وسَقَطَتْ، وَأَسْقَطَتْ مَعَها كُلَّ الجِنْسِ البشريِّ، ولَطَّخَتِ الكَوْنَ كُلَّهُ بالعارِ بسببِ ذلكَ العَمَلِ الواحِدِ الَّذي قامَتْ بِهِ.

إنَّ الشَّيطانَ كَذَّابٌ. بل هُوَ "أبو الكَذِب" كَما قالَ يَسوعُ في إنجيل يوحنَّا 8: 44. وَهُوَ يَقومُ هُنا بأوَّلِ خِدْعَةٍ كَبيرَةٍ لَهُ. وقد نَجَحَ فيها نَجاحًا باهِرًا. فلنَعُدْ إلى العَدَدِ الأوَّلِ لِلَحْظَة. فالحيَّةُ (أيِ الشَّيْطانُ المُتَنَكِّرُ في هَيْئَةِ حَيَّة) جاءَ إلى المَرأةِ وقالَ لها: "أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟"

والحقيقةُ هيَ أنَّنا نَعلمُ أنَّ اللهَ قالَ لَهُما ألَّا يأكُلا مِنْ شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ في الجَنَّةِ إذْ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني والعدد 16: "مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ". إذًا فقد جاءَ الشَّيطانُ إلى المَرأةِ وقال: "أحَقًّا قالَ اللهُ؟"

وقد تَسْألون: لماذا جاءَ إلى المرأةِ ولم يأتِ لآدَم؟ رُبَّما نَجِدُ الإجابَةَ عَنْ هذا السُّؤالِ في رِسالةِ بُطرسَ الأولى 3: 7. فَهِيَ الإناءُ الأَضْعَفُ. وزوَجْهُا هُوَ الَّذي يَحْميها والذي يَنبغي أنْ تَخْضَعَ لَهُ وأنْ تَجِدَ الأمانَ في حِمايَتِهِ. لذلكَ فقد جاءَ إليها الشَّيطانُ في لحظةِ كانَتْ فيها ضَعيفةً وبدونِ حِمايةٍ. وقد جاءَتْ خُطَّتُهُ الخَبيثَة جِدًّا جِدًّا مُتَدَرِّجَةً. فقدِ ابْتدأتِ الخُطَّةُ بما يبدو أنَّهُ سُؤالٌ بَريءٌ: "أحَقًّا قالَ اللهُ؟" وهذا أوَّلُ سؤالٍ في الكِتابِ المقدَّسِ. ... أوَّلُ سؤالٍ في الكتابِ المقدَّس، وَأوَّلُ سُؤالٍ في التَّاريخِ البَشَرِيِّ.

فحتَّى هذا الوقت، لم تَكُنْ هُناكَ أيَّةُ أسئلةٍ، بل كانَتْ هُناكَ إجاباتٌ فقط. فلم تَكُنْ هُناكَ أيُّ أُمورٍ غامِضَة. ولم تَكُنْ هناكَ أيُّ مُعْضِلاتٍ إلى أنْ ظَهَرَتْ هذهِ المُعْضِلَةُ. والسُّؤالُ مُعَدٌّ مِنْ قِبَلِ الشَّيطانِ لِوَضْعِ حَوَّاء على طَريقِ إعْطائِها الحَقِّ في التَّشْكيكِ فيما قالَهُ الله. فهذهِ هي المسألةُ بِرُمَّتِها هُنا: دَفْعُها (هِيَ وَزَوْجُها) إلى التَّشْكيكِ في صِحَّةِ ما قالَهُ اللهُ. فهذا هُوَ ما يَفْعَلُهُ الشَّيطانُ. ويمكننا أنْ نُتَرْجِمَ هذا النَّصَّ كَما جاءَ في اللُّغَةِ العِبريَّةِ: "هذا هُوَ ما قالَهُ اللهُ، أليسَ كذلك؟" وللمرَّةِ الأولى مُنْذُ الخَلْقِ، انْطَلَقَتْ أكْثَرُ قُوَّةٍ مُميتَةٍ في هذا العَالَمِ، وزَحَفَتْ بطريقةٍ سِرِّيَّةٍ وبَريئةٍ (ظاهِرِيًّا) إلى العالَمِ، وَهِيَ القُوَّةُ المُميتَةُ الَّتي تَجْعَلُكَ تَظُنُّ (بِوَصْفِكَ مَخْلوقًا) أنَّكَ تَمْلِكُ الحَقَّ في الحُكْمِ على ما يَقولُهُ اللهُ.

وقد قادَ الشَّيطانُ حَوَّاءَ إلى التَّشكيكِ فيما قالهُ اللهُ. وقد كَرَّرَ ما قالَهُ اللهُ: "أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟" ولكنَّهُ قَلَبَ الأمْرَ مِنْ شَيءٍ إيجابيٍّ إلى شيءٍ سَلبيٍّ، ولم يَذْكُر أنَّهُ بإمْكانِهِما أنْ يَأكُلا مِنْ كُلِّ شَيءٍ آخَرَ. وبذلكَ فقد حَرَّفَ الحَقيقَةَ، وشَوَّهَها، وَقَلَبها رَأسًا على عَقِب، وَرَكَّزَ على ما لا يُمْكِنُهُما القيامُ بِهِ بَدَلًا مِنَ التَّركيزِ على كُلِّ ما يُمْكِنُهما القيامُ بِهِ. وبهذهِ الطريقةِ فقد رَكَّزَ على موضوعِ التَّحريمِ فقط. والسُّؤالُ الحقيقيُّ الَّذي أثارَهُ في ذِهْنِ حَوَّاءَ هُوَ: "لماذا يُريدُ اللهُ أنْ يَضَعَ قُيودًا عليكُما؟" وهذا هُوَ الهُجومُ الرَّئيسيُّ.

والمسألةُ هيَ: أنْتُما تَمتلكانِ الحَقَّ في الحُكْمِ على اللهِ وفي سُؤالِهِ عَنْ سَببِ حِرْمانِهِ لَكُما مِن بعضِ الأشياء. فهذهِ كلماتٌ سَلْبِيَّةٌ. وهذا نَهْيٌ. وهذا تَقْييدٌ، وتَضْييقٌ، وحَظْرٌ. والمَعنى المَقصودُ هُوَ: إنْ كانَ اللهُ صَالِحًا تمامًا، لماذا يَفْعَلُ ذلك؟ فالمعنى المقصودُ هوَ: هناكَ شيءٌ في شخصيَّةِ اللهِ يَجْعَلُهُ يَرْغَبُ في وَضْعٍ قُيودٍ على إرادَتِكُما الحُرَّة، ويَجعلُهُ يَرغبُ في الحَدِّ مِنْ مُتْعَتِكُما، وفَرَحِكُما، ورِضاكُما، وسُرورِكُما، وحُرِّيَّتِكُما.

فاللهُ يَتَلاعبُ بحقوقِكُما بطريقةٍ ما. وهُوَ يَحْرِمُكُما مِنْ عَدَدٍ مِنَ الخِياراتٍ المُتاحَةِ أمامَكُما. وهذا يَطْرَحُ السُّؤالَ عَنْ سَبَبِ قِيامِهِ بذلك. فما الَّذي يَدْفَعُهُ إلى القيامِ بذلك؟ هل هُوَ قاسٍ؟ هل هذا هوَ السَّبَب؟ وإنْ كانَ هُناكَ خَلَلٌ في شَخْصِيَّتِهِ يَجْعَلُهُ يَضَعُ هذا القَيْدَ عليكُما، فإنَّهُ ليسَ جَديرًا بِثِقَتِكُما الكامِلَة. لذلكَ فقد وَضَعَ الشَّيطانُ في ذِهْنِها فِكرةَ أنَّ هذا النَّهْيَ الواحِدَ (الَّذي كانَ، في الحقيقةِ، وسيلةً لإظْهارِ طاعَتِهِما)، قد صارَ الآنَ في ذِهْنِ حَوَّاءَ دليلًا على وجودٍ عِلَّةٍ ما في شخصيَّةِ اللهِ، وجَعَلَها تَشُكُّ في صِفاتِ اللهِ وتَحْكُمُ على ما قالَهُ اللهُ - كما لو أنَّها كانتْ تَملِكُ الحَقَّ في تَقريرِ ما إذ كانَ ما قالَهُ جَيِّدًا أَمْ سَيِّئًا، أوْ ما إذا كانَ صائبًا أَمْ خاطئًا.

وقد صارتِ الآنَ جاهزةً لِعَدَمِ تَصديقِ ما قالهُ اللهُ. وقد رَدَّتْ بطريقةٍ ضعيفةٍ جِدًّا إذْ نَقرأُ في العددِ الثَّاني: "فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ»". لقد كانَ ينبغي لها أنْ تأخذَ موقفًا حازمًا هناكَ في ضَوْءِ مَعْرِفَتِها الأكيدةِ باللهِ. فقد كانتْ تَعرفُ اللهَ. وقد كانتْ تَعلمُ أنَّ اللهَ صَادِقٌ، وأنَّهُ لا يَقولُ إلَّا الصِّدْقَ. وقد كانتْ تَعْلَمُ أنَّ اللهَ صَالِحٌ تمامًا. وقد كانَتْ لديها وَصِيَّةٌ واضحةٌ جِدًّا لا غُموضَ فيها البَتَّة. وقد كانَ ينبغي لها أنْ تَشُكَّ في أيِّ شخصٍ يَجْعَلُها تَشُكُّ في الله. والحقيقةُ هي أنَّهُ كانَ ينبغي لها أنْ تَشُكَّ في تلكَ الحَيِّةِ النَّاطِقَة.

ثُمَّ قامتْ بمحاولةٍ يائسةٍ للدِّفاعِ عنِ اللهِ فقالت في العدد 3: "وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: «لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ»". ثُمَّ أَضَافَتْ هذِه الكلماتِ: "«وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا»". لقد كانَ رَدُّها ضَعيفًا. وأنا أعتقدُ حَقًّا أنَّ السُّقوطَ حَدَثَ هُناكَ في ذلكَ المكانِ قبل حَتَّى أنْ تَأكُلَ أيَّ شيءٍ. ففي اللَّحظةِ الَّتي لم تَثِقْ فيها تَمامًا، وبكُلِّ قَلْبِها، ودونَ تَحَفُّظٍ، أنَّ كلمةَ اللهِ صحيحةٌ وصَالِحَةٌ، وأنَّها المَصْدَرُ الرَّئيسيُّ لفَرَحِهِما الأكْبَرِ وَشَبَعِهِما الأعْظَمِ، فإنَّها أَعْطَتْ مَوْطِئَ قَدَمٍ في حياتِها لانْعِدامِ الثِّقَةِ في اللهِ. وحينئذٍ دَخَلَتِ الخطيَّةُ إلى قَلْبِها وحَدَثَ السُّقوط.

والأمْرَ لم يَقْتَصِرْ على عَدَمِ دِفاعِها عنِ اللهِ، بل إنَّها أَضَافَتْ إلى ما قَالَهُ اللهُ لِجَعْلِهِ يَبْدو أكْثَرَ قَسوةً بأنْ قالت: "لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ". والحقيقةُ هي أنَّ اللهَ لم يَقُلْ ذلك. ولكنَّها الآنَ تَنْظُرُ إلى هذا الكلامِ كما لو كانَ حَظْرًا لا مُبَرِّرَ لَهُ. والحقيقةُ هِيَ أنَّها نَظَرَتْ إليهِ كما لو كانَ نَهْيًا قاسِيًا حَتَّى إنَّها جَعَلَتْهُ أكْثَرَ قَسْوَةً. فقد صَارَتْ مُنْزَعِجَةً الآنَ لأنَّ اللهَ وَضَعَ هذا الحَظْرَ عليها. وقد حَكَمَتْ أنَّ اللهَ قد أَعْطى وَصِيَّةً غيرَ مَقبولةٍ وليست جَديرةً بالثِّقة. وقد كانَ هذا هُوَ السُّقوط: أنْ تَشُكَّ في ما قالَهُ اللهُ. وقد كانَ كُلُّ ما حَدَثَ بعدَ ذلكَ هُوَ دَليلٌ على حُدوثِ ذلكَ السُقوط.

ثُمَّ نَقرأُ في العددِ الرَّابِعِ: "فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا»". فهُنا تَدَخَّلَ الشَّيطانُ لأنهُ عَرَفَ مَوْقِفَها. فقد أَدْرَكَ أنَّها لم تَعُدْ تَثِقُ بكلامِ اللهِ، وأنَّها لم تَعُدْ تُؤمِنُ أنَّ اللهَ جَديرٌ بالثِّقَةِ بالضَّرورة. فهناكَ عَيْبٌ في شَخْصِيَّتِهِ. فَهُوَ يَمْنَعُها دُوْنَ مُبَرِّرٍ مَعَ أنَّها يَنْبَغي أنْ تَكونَ حُرَّةً. لذلكَ فهيَ تَمْلِكُ الحَقَّ في الحُكْمِ على ما فَعَلَهُ اللهُ، بل وَحَتَّى أنْ تَتَحَدَّثَ عنْ ذلكَ النَّهْيِ بطريقةٍ مُبالَغٍ فيها لأنَّها صَدَّقَتْ تلكَ السَّلبيَّة. وقد عَرَفَ الشَّيْطانُ أنَّها سَقَطَتْ. لذلكَ فإنَّهُ يَنْتَقِلُ إلى الإنْكارِ التَّامِّ لكلمةِ اللهِ فيقولُ: "لَنْ تَمُوتَا". بعبارة أُخرى: "لَقَدْ كَذَبَ اللهُ عَليكُما! لقد كَذَبَ عَليكُما! فالحقيقةُ هي أنَّ اللهَ يَكْذِبُ. وَهَذا هُوَ الدَّليل".

"أمَّا أنا فأقولُ الحقيقة!" هذا هُوَ ما يَقولُهُ الشَّيطانُ. وهوَ ما يزالُ يَقولُ ذلكَ اليومَ بالرَّغمِ مِنْ أنَّهُ أبو الكَذِب. لن تَموتا. اللهُ ليسَ صادقًا. ولا يُمكنكُما أنْ تَثِقا بالكلامِ الَّذي قالَهُ. فَهُوَ لا يأخُذُ مَصْلَحَتَكُما في الحُسْبان. لذلكَ فقدِ اقتَنَعَتْ بأنَّ اللهَ ليسَ كاملًا، وبأنَّهُ مُخادِعٌ، وبأنَّهُ قامَ دونَ مُبَرِّرٍ بحرمانِهِما مِنْ تلكَ الشجرةِ، وبتقييدِ حُرِّيَّتِهِما، وبسَلْبِهِما جُزْءًا مِنْ فَرَحِهِما.

وقد قالَ الشَّيطانُ: "لن تَموتا. ... لن تَموتا. تَحَرَّرا مِنْ هذهِ القُيودِ، وافْعلا ما تَشاءانِ دونَ قُيودٍ، ودونَ عِقابٍ، ودونَ عَواقِب. وكونا حُرَّيْنِ. فإلَهٌ كهذا ليسَ مُحِبًّا. وإلَهٌ كهذا ليسَ لَطيفًا. بل هوَ إلَهٌ يُقَيِّدُ الحُرِّيَّةَ. إنَّهُ إلَهُ القَوانين. وهُوَ لا يُحِبُّكُما. أمَّا أنا فأُحِبُّكَما (يَقولُ الشَّيطانُ). وأنا أُعطيكُما الحُرِّيَّة. اتْبَعاني وافْعَلا ما تَشاءان".

ثُمَّ يَتَبادَرُ هذا السُّؤالُ تَلقائيًّا في ذِهْنِ حَوَّاء: "لماذا يَفْعَلُ ذلك؟ لماذا مَنَعَنا مِنَ القيامِ بذلك؟" وقد كانَ الجوابُ حاضِرًا عندَ الشَّيطان إذْ نَقرأُ في العددِ الخامِسِ: "بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ". فهوَ لا يريدُ أنْ تَصيرا مِثْلَهُ. إنَّهُ غَيورٌ. وَهُوَ حَسودٌ. وهوُ يُريدُ أنْ يَحمي نَفْسَهُ. وهو يُريدُ أنْ يَبقى مُهيمِنًا. وهوَ يَكذبُ لأنهُ يَكْرَهُ المُنافِسين. ومِنْ أيْنَ أتى الشَّيطانُ بهذا كُلِّه؟ لقد حاولَ الشَّيطانُ نَفْسُهُ أنْ يُنافِسَ اللهَ. أليسَ كذلك؟ وقد تَمَّ طَرْدُهُ مِنَ السَّماء.

إذا فَعَلْتُما ما تُريدانِ، ستَصيرانِ حُرَّيْنِ مِثْلَهُ. فَهُوَ يَفْعَلُ ما يُريد وَهُوَ حُرٌّ ولا تُوْجَدُ عليهِ قُيودٌ. ويجب أنْ تَعيشا أنْتُما بلا قُيود. والسَّبَبُ الوحيدُ الَّذي جَعَلَهُ يَضَعُ قُيودًا عليكما هو أنَّهُ يَكْرَهُ المُنافِسين". لذلكَ فقد خَدَعَ أبو الكَذِبِ الجِنْسَ البشريَّ كُلَّهُ بهذهِ الكِذْبَةِ الَّتي تَقولُ إنَّ كلمةَ اللهِ المُعْلَنَة ليستْ جَديرةً بِثِقَتِنا. فَهِيَ مُمتلئةٌ بالأكاذيبِ لأنَّ اللهَ غيرُ كامِلٍ إذْ إنَّهُ مُصابٌ بِداءِ الغَيْرَةِ. ومَا أبْعَدَ ذلكَ عَنْ ثِقَةِ يَسوعَ الكاملةِ في كلمةِ اللهِ. ... ثِقَتِهِ الكامِلة. فبالرَّغْمِ مِنْ آلامِهِ، وَأنَّهُ كانَ قَدْ أَخْلى نَفْسَهُ عِنْدَ تَجَسُّدِهِ، فَإنَّهُ كانَ يَثِقُ في كلمةِ اللهِ ثِقَةً كامِلَةً. ويَتَّضِحُ هذا بصورةٍ خاصَّةٍ عندَما جُرِّبَ إذْ قال: "لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ".

ومعَ أنَّنا لا نُريدُ أنْ نأخُذَ وَقْتًا طويلًا في تَتَبُّعِ كُلِّ ما قامَ بِهِ الشَّيْطانُ مِنْ هُجومٍ، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعْلِنُ التَّاريخَ الَّذي ابْتَدَأَ في ذلكَ اليومِ ويَستمرُّ حَتَّى نهايةِ سِفْرِ الرُّؤيا. وهُوَ تاريخُ الهُجومِ على كلمةِ اللهِ مِنْ خِلالِ الكَثيرِ مِنَ الأنْبياءِ الكَذَبَة، والمُعَلِّمينَ الزَّائِفينَ، والكَذَبَة، والرُّسُلِ الزَّائِفين، والمُضِلِّينَ - طَوالَ الرِّحْلَةِ المُمتدَّةِ مِنْ سِفْرِ التَّكوينِ إلى سِفْرِ الرُّؤيا. وما يَزالُ الهُجومُ مُستمرًّا حَتَّى هذا اليوم. وهُناكَ مَعركةُ للدِّفاعِ عَنْ سُلْطانِ الكِتابِ المقدَّسِ في كُلِّ جِيْلٍ وفي كُلِّ مكانٍ. فهناكَ دائمًا معركةٌ للدِّفاعِ عنِ الكتابِ المقدَّسِ. وهناكَ حاجةٌ دائمةٌ للنُّهوضِ والدِّفاعِ عنِ الكتابِ المقدَّسِ.

ويُمكنني أنْ أَصِفَ حَياتي الشخصيَّةَ في ضَوْءِ الجَبَهاتِ الَّتي خُضْتُها في هذهِ المعارِكِ. فإنْ جَزَّأتُ حَياتي وخِدمتي إلى فَتْراتٍ زَمنيَّةٍ مُدَّةُ كُلٍّ منها عَشْر سِنين، سأجِدُ أنَّهُ قد مَضى على وُجودي هُنا نحوَ أرْبَعينَ سَنة. وفي السَّنواتِ الباكِرَةِ، كانَتْ المَعْرَكَةُ تَدورُ حَوْلَ قَضايا عِصْمَةِ الكِتابِ المقدَّسِ وسُلْطانِهِ. وقد بَقيتُ عَشْرَ سِنينَ في مَجْلِسِ الدِّفاعِ عنْ عِصْمَةِ الكِتابِ المقدَّسِ، وَهُوَ مَجْلِسٌ كانَ يَرْأسُهُ الدُّكتور "جيم بويس" (Jim Boice)، ويَضُمُّ مِئَةَ باحِثٍ. وقد كُنَّا نَعملُ جاهِدينَ على كِتابةِ وإعْدادِ مَوادٍّ للدِّفاعِ عَنْ سُلْطانِ الكِتابِ المقدَّسِ وعِصْمَتِهِ. وقدِ صَدَرَ عَنْ ذلكَ المَجْلِسِ "بيانُ شيكاغو حَوْلَ عِصْمَةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ". وَهُوَ بَيانٌ مُهِمٌّ للكَنيسَةِ على الصَّعيدِ التَّاريخيِّ.

وحالما انْتَهينا مِنَ الهَجَماتِ الأماميَّةِ للنُّقَّادِ، ظَهَرَتِ الحَركةُ الخمسينيَّةُ والحركةُ التَّصَوُّفِيَّةُ فاضْطُرِرْنا إلى التَّصَدِّي لذلكَ أيضًا. وفي السَّنواتِ اللَّاحِقَةِ مِنْ خِدمتي، رُبَّما في العَقْدِ الثَّاني مِنْ خِدْمَتي هُنا، كانتْ هُناكَ مَعركةٌ للدِّفاعِ عَنِ الإيمانِ بالكِتابِ المقدَّسِ وَحْدَهُ لأنَّ كثيرينَ كانوا يُنادونَ بوجودِ إعْلانٍ جَديدٍ، وحِكْمَةٍ جَديدةٍ، ومَعْرِفَةٍ جَديدَة. وقدِ ادَّعى كثيرونَ أنَّهُمْ سَمِعوا كلامًا إضافيًّا مِنَ اللهِ، وكلامًا إضافيًّا مِنْ يَسوع. وقد كانَ النَّاسُ يَجْمَعونَ هذهِ الإعلاناتِ، وكُنَّا نَجْلِسُ للدِّفاعِ عَنْ إيمانِنا بالكِتابِ المُقَدَّسِ وَحْدَهُ في وَجْهِ هذا النَّوعِ مِنَ الهَجَمات.

ثُمَّ ابْتَدَأَ الكِتابُ المُقَدَّسُ يَتعرَّضُ لهجومٍ مِنْ عُلماءِ النَّفْسِ وأنْصارِ المَذْهَبِ الذَّرائِعِيِّ الَّذينَ أرادوا أنْ يَضَعوا الكتابَ المقدَّسَ جانبًا وأنْ يُثْبِتوا ضَرورةَ اللُّجوءِ إلى الحِكمةِ البشريَّةِ في نُقْطةٍ مُعَيَّنةٍ أوْ أُخرى لمعرفةِ الحَقِّ، معَ إمْكانيَّةِ استخدامِ الكتابِ المقدَّسِ أحْيانًا للحصولِ على بعضِ الاستنارةِ الروحيَّةِ. وفي الآونةِ الأخيرةِ، ظَهَرَ أمْرٌ جَديدٌ يَخْتَصُّ بالكتابِ المقدَّسِ وَهُوَ الهُجومُ على وُضوحِهِ – بِمَعنى أنَّهُ لا يُمْكِنُ فَهْمُهُ، وبأنَّهُ لا يُمكنُ استيعابُهُ، وبأنَّهُ لا يُمْكِنُ تَفسيرُهُ تَفسيرًا صحيحًا أوْ تَطبيقُهُ عمليًّا. وقد تَوالَتِ الهَجماتُ الواحدةَ تلوَ الأُخرى فكانتَ الأرْضُ أرْضَ مَعركةٍ. وهيَ ستَبقى دائمًا أرْضَ مَعركةٍ. بل وهكذا ينبغي أنْ تكونَ دائمًا لأنَّهُ كما قُلتُ في البدايةِ، فإنَّ كُلَّ شيءٍ نَحْتاجُ إليهِ موجودٌ في كلمةِ اللهِ.

والآنْ، اسْمَحوا لي أنْ أتحدَّثَ إليكُم قليلًا، وأنْ أُطْلِعَكُمْ (بِطَريقةٍ دِراسِيَّةٍ في هذهِ اللَّيلةِ) على بعضِ الأشياءِ الَّتي تُسيءُ إلى الكِتابِ المقدَّسِ، والتي يَنبغي أنْ تَعرفوا عنها. وقد نَنْظُرُ إلى بعضِ هذهِ الأشياءِ على أنَّها نيرانٌ مِنَ حُلَفائِنا لأنَّها تَصْدُرُ عَنْ أُناسٍ يَبْدو أنَّهُمْ مَسيحيُّون. وفي بعضِ حالاتٍ فإنَّها تَصْدُرُ فِعْلًا عَنْ مَسيحيِّينَ مَخدوعينَ في فَهْمِهِمْ للكتابِ المقدَّسِ. وإليكُمْ مَجموعة مِنَ الأمثلةِ على ذلك.

لقد نُشِرَت مَقالةٌ قبلَ بِضْعِ سنواتٍ، في ذِكرى الإصْدارِ العاشِرِ لمجلَّةِ الإصْلاحِ الحَديثِ (Modern Reformation Magazine)، وهي مجلَّةٌ بَقِيَتْ لسنواتٍ عديدةٍ تُدافِعُ عَنْ عَقيدةِ "الكِتابِ المُقَدَّسِ وَحْدَهُ". ولكنَّ هذهِ المقالةَ تَحديدًا كانتْ بعنوان: "عَدَمُ كِفايةِ الكِتابِ المقدَّس". وقد كَتَبَ هذهِ المقالةَ رَجُلٌ اسْمُه "غوردون" (Gordon)، وهوَ خادمٌ في الكنيسةِ المَشْيَخِيَّةِ في أمريكا، وهيَ طائفةٌ انْشَقَّتْ عنِ الكنيسةِ المَشيخيَّةِ في الولاياتِ المُتَّحِدَة الأمريكيَّةِ بسببِ تَحَرُّرِها وإنكارِها للكتابِ المقدَّسِ. وهُوَ يَقولُ في هذهِ المقالةِ إنَّ الكتابَ المقدَّسَ هو ليسَ دليلًا شاملًا للحياةِ كَما يَظُنُّ أغلبيَّةُ النَّاسِ التَّابعينَ للكنيسةِ المُصْلَحَة. وهوَ يقولُ تَحديدًا إنَّ المعلوماتِ المُعطاةَ لنا في الكتابِ المقدَّسِ ليست كافيةً لإخبارنا عنْ كيفيَّةِ النَّجاحِ في العلاقةِ الزَّوجيَّةِ. وهُوَ يُرَكِّزُ على موضوعِ الزَّواج.

وهُوَ يقولُ الآتي (وأنا أقْتَبِسُ كَلامَهُ هُنا): "معَ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُنا أنَّ الزواجَ هُوَ تَعَهُّدٌ يَدومُ مَدى الحياةِ، فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ لا يَكفي لتعليمَ النَّاسِ كيفَ يُحَقِّقونَ ذلك. صحيحٌ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَحوي مبادئَ عامَّةً مِثْلَ تلكَ المذكورة في أَفَسُس 5 أوْ في أمثال 29، ولكِنْ فيما يَختصُّ بكُلِّ ما يُقالُ في الأوساطِ الإنجيليَّةِ عنْ دورِ الرِّجالِ والنِّساءِ، مِنَ الواضِحِ أنَّ مِثْلَ هذهِ الأقوالِ لم تُنْتِجْ زيجاتٍ سعيدةً وناجحةً". (نهايةُ الاقتباس). ثُمَّ يُتابِعُ كلامَهُ قائلًا إنَّهُ أَكَّدَ قبلَ عَشْرِ سَنَواتٍ مَضَتْ كِفايةَ الكِتابِ المقدَّسِ الكاملةَ بما يَتوافَقُ مَعَ الموقفِ المُصْلَحِ المِعياريِّ فيما يَختصُّ بهذا الموضوع.

وهُوَ يَقولُ اليومَ إنَّ أولئكَ الَّذينَ صَاغُوا الفَصْلَ الأوَّلَ مِنْ "إقرارِ إيمانِ وِيسْتمنستر" (Westminster Confession of Faith) رُبَّما كانوا سيُعَبِّرونَ عن ذلكَ بصورةٍ أفضل لو أنَّهم رَاعُوا الدِّقَّةَ اللُّغويَّةَ أكْثَر قليلًا. فإقرارُ إيمانِ ويستمنستر يؤكِّدُ على كِفايةِ الكِتابِ المقدَّسِ. وإليكُمْ ما يَقولُهُ إقرارُ إيمانِ ويستمنستر: "إنَّ مَشورةَ اللهِ الكاملة المُختصَّة بكُلِّ الأشياءِ الضَّروريَّةِ لمَجْدِهِ هُوَ، ولخلاصِ الإنسانِ، وللإيمانِ والحياةِ، هي إمَّا مُدَوَّنَة صَراحةً في الكِتابِ المقدَّسِ أو بواسطةِ نَتيجةٍ صَالِحَةٍ ولازِمَةٍ يُمكنُ أنْ تُسْتَنْتَجَ مِنَ الكِتابِ المُقَدَّس". هذا هوَ إقرارُ إيمانِ ويستمنستر. وقد بَقِيَ هذا الإقرارُ أساسًا للاَّهوتِ المُصْلَحِ لِمئاتِ السِّنين.

ولكنَّ "غوردون" يَقول: "إنَّ الأمْرَ بِرُمَّتِهِ كانَ ليكونَ مُعَبِّرًا بطريقةٍ أفْضَل لو أنَّ مَنْ صَاغوهُ قد كَتَبوا عِباراتِهِ بطريقةٍ دَقيقةٍ تُشيرُ إلى أنَّ الأسفارَ المقدَّسَةَ هي دليلٌ كافٍ لمعرفةِ عهودِ اللهِ المختلفةِ الَّتي قَطَعَها معَ شُعوبِ العهدِ العَديدين". بعبارة أخرى، فإنَّهُ يُريدُ شَيئًا أكْثَرَ غُموضًا بكثير. فهوَ لا يُريدُنا أنْ نَتحدَّثَ عَنْ كِفايةِ الكِتابِ المقدَّسِ تحديدًا، بل يريدنا أنْ نَتحدَّثَ عنهُ بعباراتٍ عامَّةٍ وفَضْفاضة جِدًّا. وهوَ يَقْتَرِحُ تحديدًا أنْ يَتِمَّ تَفْسيرُ مُصْطَلَح "الإيمان والحياة" في الإطارِ الدِّينيِّ الضَّيِّق بمعنى أنَّهُ لا حاجةَ إلى أنْ يُشيرَ إلى الحياةِ خارِجَ علاقةِ المَرْءِ باللهِ، أيْ إلى حياتِهِ في علاقَتِهِ بالآخرين.

ويمكنكم أنْ تَطرحوا السُّؤالَ التَّالي: ما الَّذي يَجعلُ شخصًا كانَ يُؤمِنُ بعقيدةِ الكِتابِ المقدَّسِ وَحْدَهُ وبكفايةِ الكِتابِ المقدَّسِ، ما الَّذي جَعَلَ شخصًا كهذا يَرْتَدُّ عَنْ ذلك؟ وما الَّذي جَعَلَهُ يُغَيِّرَ رَأيَهُ الحازِمَ بأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَحْوي كُلَّ شيءٍ لازِمٍ لتمجيدِ اللهِ، ولخلاصِ الإنْسانِ، وللإيمانِ والحياةِ؟ إليكُمْ ما قالَهُ: لقد غَيَّرَ رَأيَهُ بخصوصِ كِفايةِ الكتابِ المقدَّسِ بَعْدَ أنِ اطَّلَعَ على دِراسَةٍ تُشيرُ إلى أنَّ مُعَدَّلَ الطَّلاقِ بينَ الإنجيلِيِّينَ لا يَقِلُّ، بل رُبَّما يَزيدُ، عَنْ مُعَدَّلِ الطَّلاقِ بينَ غَيْرِ المُؤمِنين. لذلكَ فقد غَيَّرَ رَأيَهُ في الكِتابِ المقدَّسِ لأنَّهُ اطَّلَعَ على تلكَ الدِّراسة.

فَقْد كَتَبَ قائلًا: "إنَّ الشَّيءَ الفِعْلِيَّ الكَبيرَ الَّذي أَثَّرَ في تَفكيري بخُصوصِ موضوعِ كِفايةِ الكِتابِ المقدَّسِ هُوَ دِراسَةٌ تَقولُ إنَّ مُعَدَّلَ الطَّلاقِ في الأوْساطِ الإنجيليَّةِ يُماثِلُ مُعَدَّلَ الطَّلاقِ في الأوساطِ العامَّةِ. وإنْ سَألنا لماذا تَتساوى نِسْبَةُ الطَّلاقِ عندَ الإنجيليِّينَ وأولئكَ الَّذينَ لا يَعْتَرِفونَ بالضَّرورة بالكتابِ المقدَّسِ بِوَصْفِهِ المَرْجِعَ الوَحيدَ لحياتهم، فإنَّ الجوابَ الَّذي نَحْصُلُ عليهِ سيكونُ شَبيهًا بهذا: ’مَعَ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يُعَلِّمُنا أنَّ الزَّواجَ هوَ تَعَهُّدٌ مَدى الحياةِ، فإنَّهُ مِنَ الواضِحِ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ ليسَ كافيًا لتعليمِ النَّاسِ كَيْفَ يُحَقِّقوا هذهِ الغايَة‘".

وَهُوَ يُتابِعُ قائلًا إنَّ الإيمانَ بكفايةِ الكتابِ المقدَّسِ قد يُعَطِّلُ نَجاحَ زِيجاتِ الإنجيليِّين. وهُوَ يَقولُ (وأنا أقْتَبِسُ كَلامَهُ هُنا): "في اعتقادي أنَّ جُزءًا مِنْ نجاحِ الأشخاصِ غير المؤمنين في الزَّواجِ، خِلافًا لَنا، يُعْزَى إلى عدمِ وقوعهم في فَخِّ سوءِ فهمِ كِفايةِ الكتابِ المقدَّس".

ولكِنْ ما الدِّراسةُ الَّتي يَتحدَّثُ عنها هُنا والتي جَعَلَتْهُ يَنْبُذُ لاهوتَهُ؟ إنَّها دراسةٌ نُشِرَتْ في شهر كانون الأوَّل/ديسمبر سنة 1999 بعدَ بَيانٍ صُحُفِيٍّ بعنوان: "المسيحيُّونَ عُرْضَة للطَّلاقِ أكْثَر مِنْ غيرِ المسيحيِّين". وأنا أَذْكُرُ الوقتَ الَّذي وَجَدْتُ فيهِ هذهِ الدِّراسةَ على مَكْتَبي. وقد صُعِقْتُ حَقًّا. فقد قالتِ الدِّراسةُ إنَّ 27 بالمئة مِنَ المسيحيِّينَ المولودينَ ثانيةً مُطَلَّقونَ، مُقابِلَ 24 بالمئة مِنْ غيرِ المسيحيِّينَ تَعَرَّضوا للطَّلاق.

ولكنَّ هَذهِ الإحصائيَّاتِ في ذاتِها لا تُثْبِتُ شيئًا. فهل تَطَلَّقَ هؤلاء قَبْلَ أنْ يَصيروا مَسيحيِّين؟ كذلكَ، تَقولُ الدِّراسةُ إنَّ مُعَدَّلاتِ الطَّلاقِ بينَ المُلْحِدينَ واللَّاأدْرِيِّينَ هي أدْنى مِنَ المُعَدَّلِ السَّائِدِ إذْ إنَّ 21 بالمئة فقط مِنَ المُلحِدينَ واللاأدْرِيِّينَ قد تَطَلَّقوا. إذًا فالنِّسبةُ هي 27 بالمئة عندَ المسيحِيِّينَ المولودينَ ثانيةً و21 بالمئة عندَ المُلْحِدينَ واللاأدْرِيِّين. وفجأةً، خَطَرَ ببالي هذا السُّؤال: ما المِعيارُ الَّذي اسْتُخْدِمَ لتَعريفِ المسيحِيِّينَ المولودينَ ثانِيَةً؟ إنَّهُ سؤالٌ مَنطقيٌّ، أليسَ كذلك؟ ما المِعيارُ الَّذي اسْتُخْدِمَ لتَعريفِ المسيحِيِّينَ المولودينَ ثانِيَةً؟ وحينَ تَعَمَّقْتُ أكثر في الدِّراسة، اتَّضَحَ لي أنَّهُ لا توجدُ طَريقة تُشيرُ حَتَّى إلى أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ صُنِّفوا بأنَّهم اختَبروا الولادةَ الثَّانيةَ يَذهبونَ إلى الكنيسة.

فقد تَقَرَّرَ أنهم اختبروا الولادةَ الثَّانيةَ بناءً على سُؤالَيْن: السُّؤالُ الأوَّلُ هُوَ: هل أخَذْتَ يومًا تَعَهُّدًا شخصيًّا فيما يَختصُّ بيسوعَ، وما يَزالُ هذا التَّعَهُّدِ يَعني شيئًا في حَياتِك؟ ولكِنْ ما مَعنى ذلك؟ هل أخَذْتَ يومًا قَرارًا شخصيًّا فيما يَختصُّ بيسوعَ، وما يَزالُ هذا التَّعَهُّدِ يَعني شيئًا في حَياتِك؟ فالكاثوليك قد يَدَّعونَ ذلك. والمورمون قد يَدَّعونَ ذلك. وشهود يَهوه قد يَدَّعونَ ذلك. وجميعُ النَّاسِ قد يَدَّعونَ ذلك. وقد كانَ هناكَ أيضًا سؤالٌ مُتَعَدِّد الإجابات. وواحِدٌ مِنَ الخياراتِ السَّبعة المَطروحة هُوَ: "عندما أموتُ سأذهبُ إلى السَّماءِ لأنِّي اعترفتُ بخطاياي وقَبِلْتُ يَسوعَ المسيحَ مُخَلِّصًا لحياتي".

إنَّ هذا يَبدو جَيِّدًا في الظَّاهر. ولكنَّ المسيحيِّينَ الكاثوليك قد يَدَّعونَ ذلك. والمورمون قد يَدَّعونَ ذلك. وجميعُ أصحابِ البِدَعِ والهَرْطَقاتِ قد يَدَّعونَ ذلكَ. والنَّاسُ الذيَ لا يَفهمونَ مَعنى موتِ المسيحِ قد يَدَّعونَ ذلك. فلا يوجدُ هُنا حديثٌ عنِ القيامَة. ولا يوجدُ هنا حَديثٌ عنْ طبيعةِ المسيحِ، وطبيعةِ اللهِ، وطبيعةِ الكَفَّارةِ. ولكِنْ إنْ أجابوا بالإيجابِ على السُّؤالِ الأوَّلِ (بأنَّهم أخذوا قرارًا شخصيًّا بخصوصِ يَسوعَ) واختاروا الخِيارَ الصَّحيحَ بالنِّسبةِ إلى السُّؤالِ الثَّاني، فقد حُسِبوا مولودينَ ثانيةً. ولكنَّنا نَعيشُ في مُجْتَمَعٍ صارَتْ فيهِ العِباراتُ المُستخدمةُ للتَّعبيرِ عَنْ قَبولِ يسوعَ المسيحِ كَمُخَلِّصٍ شَخْصِيٍّ مُجَرَّدَ عِباراتٍ مُبْتَذَلَة. لذلكَ، لا يُمْكِنُ لهَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ أنْ يُبَرْهِنا على أنَّ الشَّخصَ مولودٌ ثانِيَةً حَقًّا.

والحقيقةُ هي أنَّنا إذا قُمْنا بِدراسَةٍ مُعَمَّقَةٍ عَنِ الأشخاصِ المولودينَ ثانيةً، سنجدُ أنَّ 45 بالمئة مِنهم يَقولونَ إنَّ الشَّيطانَ ليسَ كائنًا حقيقيًّا، بل هُوَ رَمْزٌ للشَّرِّ. كذلكَ فإنَّ 34 بالمئة يَظُنُّونَ أنَّهُ إذا كانَ الإنسانُ صَالِحًا، فإنَّهُ سَيَذهبُ إلى السَّماء. لذلكَ، فإنَّ هؤلاءِ الأشخاصِ اخْتَبَروا الولادةَ الجديدةَ وَفْقًا لِمِعيارِهِم. وهناكَ نَحْو 28 بالمئة يُؤمِنونَ بأنَّ يَسوعَ اقْتَرَفَ الخطايا أثناءَ حياتِهِ على الأرْضِ كَأيِّ شخصٍ آخر. و 15 بالمئة مِنَ المؤمنينَ المولودينَ ثانيةً يَقولونَ إنَّهُ بعدَ صَلْبِهِ ومَوْتِهِ فإنَّهُ لم يَعُدْ إلى الحياةِ جَسَدِيًّا. و 26 بالمئة يُؤمِنونَ إنَّ الإيمانِ الَّذي يَعْتَنِقونَهُ ليسَ مُهِمًّا لأنَّ جميعَ أنْواعِ الإيمانِ تُعَلِّمُ الشَّيءَ نَفسَهُ.

لذلكَ فإنَّكَ تَجِدُ دِراسةً إحصائيَّةً تَقولُ إنَّ مُعَدَّلاتِ الطَّلاقِ عندَ المسيحيِّينَ المولودينَ ثانيةً هي أعلى مِنْ مُعَدَّلاتِ الطَّلاقِ عندَ المُلْحِدينَ واللاأدْرِيِّينَ. وهذا صَادِمٌ إلى أنْ تَعْلَمَ أنَّكَ تَقْرَأُ عَنْ أشْخاصٍ يَدَّعونَ أنَّهُمْ مَسيحيُّون. وفي بَلَدِنا، أظُنُّ أنَّ هذه النِّسبةَ قد وَصَلَتْ إلى 80 بالمئة أو أكثر. وقد أدَّى ذلكَ إلى دَفْعِ رَجُلٍ إلى التَّخَلِّي عَنْ إيمانِهِ بكفايةِ الكِتابِ المقدَّسِ. ومعَ أنَّ هذهِ الحوادِثَ غَريبةٌ، فإنَّها صارَتْ مألوفةً في أيَّامِنا هذهِ لأنَّ النَّاسَ يَتَخَلَّوْنَ عنِ العقيدةِ الصَّحيحةِ تاريخيًّا لأتْفَهِ الأسباب. ولأنَّنا فَقَدنا القُدرةَ على تَعريفِ مَعنى الإيمانِ المسيحيِّ الحَقيقيِّ، يمكنُنا، في نهايةِ المَطافِ، أنْ نَتجاهَلَ أيَّ دِراسةٍ تُحاوِلُ أنْ تُعَرِّفَ هؤلاء.

والآنْ، اسْمَحوا لي أنْ أتكلَّمَ عنْ بِضْعِ فِئاتٍ. فَمِنْ أينَ تأتي الهَجَمات؟ أوَّلًا، الهَجَماتُ تأتي مِنَ النُّقَّادِ. فهناكَ عُلَماءٌ ما زالوا يُهاجِمونَ الكِتابَ المقدَّسَ باستمرار. وَهِيَ تَنْبَثِقْ جَميعُها مِنَ اللِّيبراليَّة الألمانيَّةِ أوْ مِنْ نَظريَّةِ النَّقْدِ العالي المَعروفة بنظريَّة "جراف-فيلهوزن" (Graf-Wellhousen) الَّتي لها ارتباطٌ بالصَّحوةِ الَّتي حَدَثَتْ في الأرثوذكسيَّة المُحْدَثَة البارثِيَّة (Narthian Neo-Orthodoxy). وقد تَركتْ هذهِ النَّظريَّة إرْثًا اكْتَسَحَ الطَّوائِفَ الرَّئيسيَّةَ، واكْتَسَحَ الكُلِّيَّاتِ والجامِعاتِ وكُلِّيَّاتِ اللَّاهوتِ، وسَحَقَ ودَمَّرَ الوَحْيَ الكِتابِيَّ. ولكنَّ هذهِ النَّظريَّةَ وَجَدَتْ مَنْ يَتَصَدَّى لها. وقد تَمَّ التَّصَدِّي لها لسنواتٍ وسنواتٍ وسنواتٍ، وتَمَّتُ الإجابةُ عَنْ جَميعِ الجوانبِ المُختصَّةِ بإنكارِ أنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَأنَّهُ صَحيحٌ، وَأنَّهُ مَعْصومٌ، وَأنَّهُ مُوْحَى بِهِ، وَذو سُلْطانٍ.

وما يَزالُ هذا الهُجومُ مُستمرًّا حَتَّى اليوم بأغْرَبِ الطُّرُقِ وَأسْخَفِها. فأيْنَما أَدَرْتَ التِّلِفزيون تُشاهِدُ أناسًا يَنْتَقدونَ الكِتابَ المقدَّسَ، وتَسْمَعُ آراءَ هؤلاءِ النُّقَّادِ. وقد تَلَقَّيْتُ مُؤخَّرًا اتِّصالًا مِنْ مَحَطَّة "هيستوري" (History Channel) سَألوني فيه إنْ كنتُ على استعدادٍ للعملِ بِصِفَةِ خَبيرٍ دائمٍ ومُساهِمٍ دائمٍ في النِّقاشاتِ الَّتي تَجْري حولَ الكِتابِ المقدَّس. وقد رَفَضْتُ ذلكَ حالًا لأنِّي لا أريدُ أنْ أتَعَرَّضَ للقَرْصَنَةِ، ولا أنْ يَقْطَعوا أجْزاءَ مِنْ كَلامي، ولا أنْ يَتِمَّ تَعْديلُ أحاديثي، ولا أنْ أَعْلَقَ بينَ جميعِ هؤلاءِ النَّاسِ الَّذينَ يُنْكِرونَ الكِتابَ المقدَّسَ.

ولعلَّ المجموعةَ الَّتي تَتَقَدَّمُ الكُلَّ وَتُوافِقُ دائمًا وأبدًا على إجراءِ المُقابلاتِ والحِواراتِ المُختصَّةِ بالكتابِ المقدَّسِ هيَ المجموعةُ الَّتي تَنْتَمي لتلكِ الفئةِ الَّتي تُعْرَفُ باسْم "مُنْتَدى يَسوع" (Jesus Seminar). هل سَمِعْتُمْ بها؟ "مُنْتَدى يَسوع". فقد حَجَزوا لأنفسهم مكانًا في الصَّفحاتِ الدِّينيَّةِ السَّخيفةِ في الصُّحُفِ اليوميَّةِ الَّتي تُقَدِّمُ عادةً لائحةً بالأماكِنِ الَّتي ينبغي أنْ تَتَجَنَّبوها. وهؤلاءِ الأمواتِ وَالعُمْيانِ الَّذينَ عَيَّنوا أنْفُسَهُمْ بأنفُسِهِمْ هُمْ مَجموعةٌ مِنَ الباحِثينَ المَزعومينَ الَّذينَ يَزيدُ عَدَدُهُمْ عَنْ مِئَتَيْ باحِثٍ ... مِئَتَيْنِ مِنَ الباحِثينَ الَّذينَ يَدَّعونَ أنَّهُمْ حُكَماء. ولكنَّهُمْ جُهَّال. وهُمْ يَدَّعونَ أنَّهُمْ عُلَماءٌ ثِقاتٌ فيما يَختصُ بيَسوعَ والكِتابِ المقدَّسِ. وهُمْ يَأخُذونَ قراراتِهِمْ بخصوصِ الكِتابِ المقدَّسِ بِناءً على التَّصويتِ بالأغلبيَّة.

وهُمْ لديهم طريقة عجيبة في القيامِ بذلك. فَهُمْ يأخُذونَ مَقْطعًا مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ ويُصَوِّتونَ عليهِ بأنْ يَقومُ كُلُّ مُشارِكٍ بإسْقاطِ خَرَزَةٍ حَمْراءَ اللَّوْنِ في صُندوقِ اقْتِراعٍ كطريقةٍ للإدلاءِ برأيهم بأنَّ هذا المَقْطَعَ جَديرٌ بالثِّقَة على الأرْجَح. بعبارة أُخرى، فإنَّهُ صَحيحٌ على الأرْجَح. والخَرَزَاتُ الوَرْدِيَّةُ تُشيرُ إلى أنَّ المَقطَعَ رُبَّما كانَ صحيحًا. والخَرَزَاتُ الرَّماديَّةُ تُستخدَمُ للإشارةِ إلى أنَّهُمْ يَعتقدونَ أنَّ النَّصَّ قد تَعَرَّضَ للتَّغييرِ على يَدِ التَّلاميذِ أوِ المَسيحيِّينَ الأوائِل. أمَّا الخَرَزاتُ السَّوداءُ فهيَ الأقوى لأنَّها تُشيرُ إلى التَّصويتِ بـ "لا" إذْ إنَّها تُستخدَمُ للمقاطِعِ الَّتي يَعْتَقِدونَ أنَّها تَعَرَّضتْ للتَّغييرِ الكامِلِ أوْ أنَّها أُضيفَتْ مِنْ قِبَلِ شخصٍ آخَرَ غَيْرَ الشَّخصِ الَّذي يَقولُ الكِتابُ المُقَدَّسُ أنَّهُ قالَها.

أمَّا النَّتائِجُ فمُذهِلَة. فقد قَرَّرت هذهِ المجموعةُ أنَّ واحِدًا وثلاثينَ قَوْلًا فقط مِنْ مَجموعِ أقوالِ يَسوعَ (الَّتي يَزيدُ عَدَدُها عَنْ 700 قَوْلٍ في الأناجيل) هِيَ أقوال صحيحة. وَهُمْ يَقولونَ إنَّ 16 قَوْلاً فقط مِنْ هذهِ الأقوالِ الواحِدِ والثَّلاثين هِيَ نُسْخَةٌ طِبْقُ الأصْلِ مِنْ مَقاطِعَ مُشابِهَة. وَالحقيقةُ هي أنَّ أكثرَ مِنْ نِصْفِ أقوالِ يَسوعَ تَلَقَّتْ خَرَزاتٍ سَوْداء. وفي النِّهاية، رَفَضَتِ اللَّجْنَةُ 80 بالمئة مِنَ الكلماتِ الَّتي يَنْسِبُها الكتابُ المقدَّسُ إلى يَسوع. ومِنْ بينِ المَقاطِعِ الَّتي تَمَّ رَفْضُها ذلكَ المَقطعَ الوارِدَ في إنْجيل مَتَّى 5: 11: "طُوبَـى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِـي، كَاذِبِينَ". وكذلكَ أيضًا مَرْقُس 10: 32-34 الَّذي تَنَبَّأَ فيهِ يَسوعُ عَنْ صَلْبِهِ.

وقد رَفضوا جميعَ المقاطِعِ الرُّؤيويَّةِ (أيْ تِلْكَ المَقاطِعِ الَّتي تَتَحَدَّثُ عنِ المُستقبَل). وقد رَفضوا كُلَّ شيءٍ في إنْجيل يوحنَّا باستثناءِ آية واحدة فقط وَهِيَ الآية 44 مِنَ الأصْحاحِ الرَّابعِ إذْ حَصَلَتْ على خَرَزَة زَهريَّة اللَّون. وما الَّذي تَقولُهُ هذهِ الآية: "لَيْسَ لِنَبِيٍّ كَرَامَةٌ فِي وَطَنِهِ". ويَظُنُّ مُؤسِّسُ هذا المُنتَدى "روبرت فَنْك" (Robert Funk) أنَّ أغلبيَّةَ العُلَماءِ المَعروفينَ سيَتَّفقونَ مَعَ إنْكارِهِمْ لإنجيلِ يوحنَّا قائِلًا: "لقد تَحدَّثَ يسوعُ عادةً مِنْ خِلالِ حِكَمٍ أوْ أقوالٍ مَأثورَةٍ أوْ مِنْ خِلالِ أمْثالٍ أوْ أقوالٍ سَاخِرَةٍ اسْتَخْدَمَها للرَّدِّ أوِ الرَّدْعِ في سِياقِ حِوارٍ أوْ نِقاشٍ. فَمِنَ الواضِحِ أنَّهُ لم يَنْطِقْ بتلكَ الفَقَراتِ الطَّويلةِ الَّتي نَجِدُها في إنْجيلِ يوحنَّا". (نِهايةُ الاقتباس). ولا يَسَعُ المَرْءُ إلَّا أنْ يَتساءَلَ كَيْفَ عَرَفَ ذلك. لذلكَ فإنَّ البقايا المُتَعَفِّنةَ النَّاجمةَ عنْ حُطامٍ اللَّاهوتِ المُتَحَرِّرِ ما تَزالُ تَتَدَفَّقُ إلى الشَّاطِئ.

وبالمُناسَبَة، إنَّ ما اقْتَبَسْتَهُ لكم هو شيءٌ كنتُ قد كَتَبْتُهُ قبلَ فترةٍ ما. وكما تَعلمونَ فإنَّ المَرءَ يَقَعُ في وَرطة حينَ يَبتدئُ في اقتباسِ كَلامِهِ. فهذا سَيِّئٌ إذْ إنَّهُ يُشبهُ أنْ تُقَدِّمَ عِظَةً جَيِّدةً ثُمَّ تَقومُ بوَضْعِ تَوقيعِكَ على كِتابِكَ المُقَدَّسِ. فقد كانَ المُنْتَمونَ إلى مُنْتَدى يسوعَ، والمُنْتَمونَ إلى اللَّاهوتِ المُتَحَرِّرِ مُجَرَّدَ مُحْتَجِّينَ مُتَطَرِّفينَ في الحَرَمِ الجامِعِيِّ في فَترةِ السِّتِّينات. أمَّا الآن فَهُمْ يَشْغَلونَ مَناصِبَ إداريَّةً مُتَوَسِّطَةً ويَرْتَقونَ إلى أعلى المَناصِبِ الإداريَّةِ في الأنظمةِ الجامعيَّةِ. وقد صارَتْ مبادِئُهمُ الأيديولوجيَّةُ مِعْيارَ التَّعاليمِ القويمةِ في أغلبيَّةِ الأوساطِ الأكاديميَّةِ.

ويُتوقَّعُ مِنَ عُلَماءِ الكِتابِ المقدَّسِ أنْ يُوافِقوا هؤلاءِ الرَّأيَ. وأيُّ شخصٍ لا يَفعلُ ذلكَ قد يَفقدُ عَمَلَهُ في كُلِّيَّةِ الدِّينِ أوِ الفَلسفةِ، أوْ في كُلِّيَّةِ علمِ الاجتماعِ في الجامعة. وهناكَ عقائدُ مُقَدَّسة لهؤلاءِ المُتَحَرِّرين مِثْلَ مُساواةِ النِّساءِ بالرِّجال، والدِّفاعِ عنِ الجِنسيَّة المِثليَّة كأسلوبِ حَياةٍ بديل، والدِّفاع عنِ البيئة، والدِّفاع عن حقوقِ الحَيَوان، والدِّفاعِ عنْ حُقوقِ الأعراقِ الأخرى، وعقيدة التَّشَدُّد في مُناهضةِ الحربِ، وغيرِها. وهُمْ يَشْجُبونَ كُلَّ شخصٍ يُعارِضْ أيًّا مِنْ هذهِ العقائِدِ، ولا سِيَّما يَسوع ... ولا سِيَّما يَسوع. ويَكفي أنْ يَنظرَ المرءُ إلى قراراتِ اللَّجنةِ ليَفْهَمَ أهدافهم الحقيقيَّة. فأمثالُ السَّامِرِيِّ الصَّالحِ، ووَكيلِ الظُّلْمِ، وحَبَّةِ الخَرْدَلِ، والمقاطِعُ الَّتي تَنْتَقِدُ الأغنياءَ وتُوصي بإظْهارِ المحبَّةِ للأعداءِ، والآياتُ الَّتي تُوصي التَّلاميذَ بأنْ يُحِبُّوا بَعْضُهُمْ بعضًا، هي أمْثالُ ومَقاطِعُ تَحْصُلُ على خَرَزاتٍ حَمْراء.

وإذا كانَ المَقْطَعُ يَتَحَدَّثُ عَنْ مُساعَدَةِ الفُقَراءَ والمَساكينَ والمَقهورينَ فإنَّهم يَقْبَلونَ ذلك. أمَّا المقاطِعُ الَّتي تَتحدَّثُ عنِ التَّوبةِ، أوْ تؤكِّدُ لاهوتَ يَسوعَ، أوْ تُطالِبُ التَّلاميذَ بأمورٍ صَعبة، أو تتحدَّثُ عنِ الحاجةِ إلى الفِداءِ والولادةِ الجديدةِ، فإنَّها تَحصُلُ على خَرَزاتٍ سَوداء. وهُمْ لم يَنْتَهوا بعد. فَهُمْ سَيُتابِعونَ ما يَفعلون، وسَيَسْتَمِرُّونَ في مُهاجَمَةِ كلمةِ اللهِ وفي القيامِ بهذا الأمْرِ في كُلِّ مَكانٍ يَجِدونَ فيهِ شَخصًا يَستمعُ إليهم. وهذا مَثَلٌ واحدٌ فقط على هذا الهُجومِ على الكِتابِ المقدَّسِ مِنَ اللِّيبرالِيِّينَ (أوِ المُتَحَرِّرين). ويمكنني أنْ أذْكُرَ المَزيدَ عَنْ هؤلاءِ، ولكِنْ لِنَنْتَقِلْ إلى شيءٍ آخَر.

فيمكننا أن نَتحدَّثَ عنِ النَّظرةِ الجديدةِ لبولُس والتي تُهاجِمُ فَهْمَ العهدِ الجديدِ لعقيدةِ التَّبرير. ويمكننا أنْ نَتحدَّثَ عَنِ انْفِتاحِ اللهِ، وَهُوَ رَأيٌ يُهاجِمُ طَبيعَةَ اللهِ ذاتَها. ورُبَّما ينبغي أنْ أتحدَّثَ عن ذلكَ قليلًا. فالتَّوحيدُ المُنْفَتِحْ (open theism) هُوَ فِكْرٌ مُتَحَرِّرٌ جَديدٌ يُنادي بإنْكارِ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ كُلَّ شيءٍ عنِ المُستقبلِ ويَتَحَكَّمُ فيه. فالتَّوحيدُ المُنْفَتِحْ يُنادي بأنَّ اللهَ مُنْفَتِحٌ تُجاهَ المُستقبل. فَهُوَ لا يَعْلَمُ ما سيحدثُ في المُستقبل ... البَتَّة. فَهُوَ مِثْلي ومِثْلُكَ. وَهُوَ يُحاوِلُ أنْ يَتَصَرَّفَ وَفْقًا لما يَجري. ولكنَّهُ لا يَعْرِفُ أيَّ شيءٍ يَزيدُ عَمَّا نَعْرِفُهُ أنا وأنْتَ لأنَّ ذلكَ لم يَحْدُث بعد. لذلكَ فإنَّهُ لا يَعرفُ شيئًا عن ذلك.

وهُوَ لا يَعْرِفُ ما سيَحدثُ إلَّا حينَ يأخذُ النَّاسُ قَراراتٍ. وهُوَ لا يَعرفُ الخِياراتِ القائمةِ، بل يَتصرَّفُ مِثْلَما يَتصرَّفُ لاعبُ الشِّطْرَنْجِ البارعِ جِدًّا إذْ إنَّهُ يَبْذُلُ قُصَارى جُهْدِهِ لتحقيقِ مَشيئَتِهِ مِنْ خِلالِ التَّجاوُبِ مَعَ حَرَكاتِنا جَميعًا. وهذا رَأيٌ شائِعٌ جِدًّا جِدًّا، وُواسِعُ الانتشارِ، ويَجِدُ مُناصِرينَ لَهُ. وقدِ اقْتَحَمَ ما يُسَمَّى بالمُجتمعِ اللاهوتيِّ الإنجيليِّ الَّذي لم يَتمكَّن حَتَّى الآنَ مِنَ التَّحَرُّرِ مِنَ النَّاسِ الَّذينَ يَعْتَنِقونَ هذا الرَّأيَ. وَهُوَ يُهاجِمُ طبيعةَ اللهِ نَفْسِهِ، ولاهوتَ اللهِ.

فاللهُ هوَ ليسَ كما يَدَّعي. فَهُوَ لا يَتَكَلَّمُ بالصِّدْقِ عَنْ نَفسهِ عندما يَقولُ إنَّهُ يَعْلَمُ النِّهايَة منذُ البِداية. لذلكَ فإنَّ اللهَ كاذِبٌ. وهذا يُذَكِّرُنا تمامًا بما حَدَثَ في جَنَّةِ عَدْنٍ. فكُلُّ هُجومٍ يَشُنُّهُ هؤلاءِ النُّقاد الَّذينَ يُنْكِرونَ أيَّةَ أجْزاءٍ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ هُوَ مَعْرَكَةٌ ينبغي خَوْضُها، ونُقْطَةٌ يَنبغي أنْ نَتوقَّفَ عندها للدِّفاعِ عنْ سُلْطانِ الكِتابِ المقدَّسِ. ولكنَّ الهَجَماتِ لا تأتي فقط مِنَ النُّقَّادِ. فهناكَ هَجَماتٌ مِنْ أصْحابِ البِدَعِ ... مِنْ أصْحابِ البِدَع. والحقيقةُ هي أنِّي لن أتحدَّثَ كَثيرًا عنْ هذا الموضوع.

فهُناكَ المُورمون، وشهودُ يَهوه، وجماعةُ العِلْمِ المَسيحيِّ، وجماعةُ المَعْرِفَةِ الإشْراقِيَّةِ، وجماعةُ التَّوحيدِ، وجميعُ البِدَعِ الأخرى وُصولًا إلى البِدَعِ الصَّغيرةِ العَجيبة والغَريبة. فهؤلاءِ النَّاسِ الَّذينَ لا يَقبلونَ كلمةَ اللهِ وتَفسيرَها الصَّحيحِ، بل يريدونَ أنْ يُضيفوا إلى كلمةِ اللهِ كِتاباتِ بعضِ الأشْخاصِ، وبعضِ الأنبياءِ المَزعومينَ على غِرارِ "جوزيف سميث" أو "ماري بيكر إدي باترسون جلوفر فراي" ... الَّتي مِنَ الواضِحِ مِنْ خِلالِ اسْمِها أنَّها تَزَوَّجَتْ مِنْ أكْثَرِ مِنْ شَخْص، وهيَ مَنْ أَسَّسَ جَماعةَ العِلْمِ المَسيحيِّ. أوْ على غِرارِ القاضي "رذرفورد" أو "آني بيزانت" أو أيِّ شخصٍ آخر ساهَمُ في ظُهورِ هذهِ البِدَعِ والهَرطقاتِ. فَهُمْ يُسيئونَ إلى كلمةِ اللهِ دونَ كَلَلٍ أوْ مَلَلٍ مِنْ خلالِ هذهِ الوثائقِ الَّتي تُحَرِّفُ وَتُعَوِّجُ الكِتابَ المقدَّسَ لأنَّها مِنْ تَأليفِ الشَّيطانِ نَفْسِهِ.

ثُمَّ هُناكَ هَجَماتٌ يُمكنني أنْ أقولَ أنَّها تُشَنُّ مِنَ الكَنائِسِ الخَمسينيَّةِ. وأنا أقولُ هذا بالرَّغْمِ مِنْ أنِّي أَعلمُ أنَّ هذا الكَلامَ سيكونُ صَعبًا على البعضِ مِنَّا. ولكِنْ حينَ تَقولُ إنَّ الكِتابَ المقدَّسَ ليسَ خِتامَ الإعلانِ الإلهيِّ، وإنَّ هذا ليسَ كُلَّ ما قالَهُ اللهُ، بل إنَّهُ ما يَزالُ يَقولُ المَزيد، وَإنَّهُ يُعطي إعلاناتٍ جديدة، ورُؤى جَديدة، وأصواتٍ مِنَ السَّماءٍ، ورِحْلاتٍ إلى السَّماءِ، ورِحلاتٍ إلى جَهَنَّم، وتَفسيراتٍ تَصَوُّفِيَّة، وحَدْسِيَّة، وخارِقَة، وسِرِّيَّة، فإنَّكَ تُسيءُ إلى الكِتابِ المقدَّسِ. ... أنْتَ تُسيءُ إلى الكِتابِ المقدَّسِ.

ومِنَ المُهِمِّ جدًّا أنْ نَفهمَ أنَّهُ ليسَ لدينا إعلانات أُخرى مِنَ اللهِ غيرَ ذلكَ الإعلان المَكتوب في الكِتابِ المقدَّسِ. فلا يوجدُ لدينا إعلانٌ آخَرُ مِنَ اللهِ غيرَ ذاكَ المَكتوب في الكِتابِ المقدَّس. بل إنَّكُمْ قد تَسمعونَ النَّاسَ يَقولونَ اليوم: "اسْتَمِعْ إلى صَوْتِ اللهِ. اسْتَمِعْ لأنَّ اللهَ سَيُكَلِّمُكَ. دَرِّبْ نَفسكَ على سَماعِ صوتِ اللهِ". وهذا ليسَ سُخْفًا فحسب، بل هو أمْرٌ خَطير. فإنْ أردتَ أنْ تَسمعَ صوتَ اللهِ، افْتَحْ كِتابَكَ المُقَدَّسَ واقْرأ ما قالَهُ اللهُ.

وهُناكَ هُجومٌ رابِعٌ أوَدُّ فقط أنْ أذْكُرَهُ لكم لكي أُعْطيكُم فِكرة عَمَّا يَجري. وهذا الهُجومُ تَشُنُهُ الثُّقافَةُ. فهناكَ هُجومٌ مِنَ النُّقَّادِ، وهُجومٌ مِنَ البِدَعِ، وهُجومٌ مِنَ الجَماعاتِ الخَمسينيَّةِ، وهُجومٌ مِنَ الثَّقافَةِ. فنحنُ نَعيشُ في عَصْرٍ تَفْرِضُ فيهِ الثَّقافةُ على الكَنيسةِ ما يُسْمَحُ للكِتابِ المُقَدَّسِ أنْ يَقولَهُ. ومِنَ الأمثلةِ القويَّةِ على ذلكَ إصْدار "التَّرجمة الدَّوليَّة الحديثة العَصريَّة" المَعروفة باسم (TNIV). فقد نَشَرَتْ دارُ زوندرفان للنَّشر ترجمةً للكِتابِ المُقَدَّسِ تُعْرَفُ بـ (TNIV). وتُعْرَفُ هذه التَّرجمة بانْصِياعِها لحركة المساواة بينَ الجِنْسَيْن. فقد غَيَّرت هذهِ التَّرجمة كلمةَ اللهِ ... لقد غَيَّرت كلمةَ اللهِ فَجَعَلَتْها مُوافِقَةً للحركةِ المُعاصِرَةِ الدَّاعيةِ إلى المساواةِ بينَ الجِنْسَيْن.

وهذهِ ليستِ التَّرجمة الوحيدة الَّتي فَعلت ذلك. فهناكَ تَرجماتُ أُخرى فَعلت ذلكَ أيضًا. ولكِنْ لا يجوزُ البَتَّة أنْ تُستَخدمَ كلمةُ اللهِ بهذهِ الطريقةِ لإرضاءِ الأذواقِ الثَّقافيَّة. فلا يجوزُ أنْ تأخُذَ كلمةَ اللهِ، وأنْ تُحَرِّفَ كلمةَ اللهِ، وأنْ تُغَيِّرَ كلمةَ اللهِ، وأنْ تُبِدِّلَ كلمةَ اللهِ، وأنْ تُضيفَ إلى كلمةِ اللهِ، وأنْ تَحْذِفَ مِنْ كلمةِ اللهِ مِنْ أجلِ تَحقيقِ شيءٍ يُلائِمُ التَّوقُّعاتِ الثَّقافيَّة. ولكنَّ هذا هوَ ما حَدَث. وقد حَدَثَ هذا في الصَّميمِ عندما فَعَلوهُ في تَرْجَماتِ الكِتابِ المُقَدَّسِ.

فعندما تُتَرْجِمُ الكِتابَ المقدَّسَ، لديكَ مَسؤوليَّة واحدة وَهِيَ أنْ تأخُذَ كلمةَ اللهِ كما هِيَ في الأصْلِ العِبريِّ، أوِ الأصْلِ الآرامِيِّ في عَدَدٍ مِنَ المَواضِعِ الَّتي تُستَخْدَمُ فيها الآراميَّةُ في العهدِ القديمِ. وأنْتَ تأخُذُ كلمةَ اللهِ كما جاءتْ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ في العهدِ الجديدِ وَتُتَرْجِمُها. فمَسؤوليَّتُكَ هِيَ أنْ تَجِدَ أقْرَبَ تَرجمةٍ مُمكنةٍ في اللُّغَةِ الَّتي تُتَرْجِمُ إليها الكِتابَ المقدَّسَ فَتُتَرْجِمُها كذلك. ولكِنْ لا يَجوزُ لكَ أنْ تُغَيِّرَ كلمةَ اللهِ لأنَّكَ تَظُنُّ أنَّ الثَّقافةَ تُحِبُّ أنْ يُقالَ ذلكَ بطريقةٍ أُخرى. فهذهِ ليست تَرجمة صَحيحة وأمينة. ولا يمكنكَ - بصورة خاصَّة - أنْ تُعَدِّلَ الكِتابَ المقدَّسَ لِجَعْلِهِ مُتوافِقًا مَعَ مواقِفِ الثَّقافةِ الخاطِئَةِ، وتوقُّعاتِها، ومَطالِبِها. فهذا هُوَ أسْوَأُ الهَجَماتِ.

لذلكَ، لا يمكننا أنْ نَسْمَحَ للثَّقافةِ أنْ تُلْزِمَنا بطريقةِ تَرجمةِ الكِتابِ المقدَّسِ أوْ بطريقةِ تَفسيرِ الكِتابِ المقدَّس. فقد كنتُ أقرأُ كِتابًا لأحدِ أتباعِ الكَنيسةِ النَّاشِئَةِ. وقد طَرَحَ أحَدُ الأشخاصِ سؤالًا عليهِ يقول: "هل تَسْمَحونَ بوجودِ مِثْلِيِّينَ جِنْسِيِّينَ في كَنيسَتِكُمْ؟ وَهَلْ تَسْمَحونَ للمِثْلِيِّينَ الجِنْسِيِّينَ بأنْ يكونوا أعْضاء في كَنيسَتِكُمْ؟" وقد كانَ رَدُّهُ هُوَ: "بكُلِّ تأكيد. فنحنُ نَقبلُ أيضًا أصْحابَ الوزنِ الزَّائِدِ والأشخاصَ الَّذينَ يُحِبُّون الشُّوكولا". إذًا، فهؤلاءِ يَضَعونَ المِثليَّةَ الجِنسيَّةَ في نَفْسِ خانَةِ السُّمْنَةِ أوْ حُبِّ الشُّوكولا لأنَّهُمْ يُريدونَ أنْ يُعيدوا تَعريفَ الكَنيسَةِ والكِتابِ المقدَّسِ بطريقةٍ مَقبولةٍ لدى الثَّقافةِ السَّائِدَة.

إذًا، هُناكَ دائمًا مُحاولات لتَحويرِ وتَحريفِ وتَغييرِ الكِتابِ المقدَّسِ لأنَّ المُجتمعَ يَضْغَطُ علينا للقيامِ بذلك. وفي هذا السِّياقِ، أوَدُّ أنْ أُخبركم شيئًا شارَكْتُهُ مَعَ زُملائي في كُلِّيَّةِ اللَّاهوت. وقد تَحَدَّثتُ عن هذا الموضوعِ أيضًا أمامَ طلبةِ الكُلِّيَّةِ في السَّنة الماضية. والمسألةُ هي أنَّ أتباعَ الكنيسةِ النَّاشئةِ يَميلونَ إلى إرضاءِ الثَّقافةِ السَّائدةِ وَإلى القولِ إنَّ الكِتابَ المقدَّسَ ليسَ واضحًا.

ويا لها مِنْ نُقْطَةٍ نَتوقَّفُ عِنْدَها! فَهُمْ يَقولون: "نحنُ نُؤمِنُ بالكِتابِ المقدَّسِ. ونحنُ نُحِبُّ الكتابَ المقدَّسَ. ولكِنْ لِنَكُنْ صادِقينَ في أنَّهُ ليسَ واضحًا. فلا يمكننا أنْ نَعرفَ حَقًّا ما يَعنيه مِنْ خِلالِ ما يَقول. ولا يمكننا أنْ نَكونَ جازِمينَ بشأنِ العَقائِدِ. ولا يُمكننا أنْ نَعرفَ يَقينًا أنَّنا نَستطيعُ أنْ نُفَسِّرَهُ تَفسيرًا صَحيحًا. فَهُوَ حَقًّا كِتابٌ قَديمٌ. وهناكَ تَفسيراتٌ كَثيرة جِدًّا. ولا يمكننا أنْ نَقولَ إنَّنا فَهِمْناهُ فهمًا صحيحًا". وكما يَقولُ "بريان مكلارين" (Brian McClaren): "لا أحدَ فَهِمَ الكِتابَ المقدَّسَ فهمًا صحيحًا حتَّى الآنْ، ولا أنا أَفْهَمُهُ فهمًا صحيحًا أيضًا. لذلكَ يجبَ علينا ألَّا نَسمحَ لأيِّ شخصٍ أنْ يقولَ لنا إنَّهُ يَفْهَمُهُ فهمًا صحيحًا". إنَّ هذا هُوَ ما يَفعلونَهُ لإرْضاءِ الثَّقافةِ والمُجتمع.

فَهُمْ يَقولون: "إنَّ الكِتابَ المقدَّسَ صَحيحٌ. واللهُ هُوَ الَّذي أعطانا الكِتابَ المقدَّسَ. ولكنَّنا لا نَعْلَمُ حَقًّا ما يَعنيهِ الكِتابُ المقدَّسُ". لذلكَ فإنَّ لدينا أُناسًا يَقولونَ آراءً كهذهِ. وهُناكَ واعِظٌ إنْجيليٌّ مَشهورٌ غَيَّرَ رَأيَهُ فَصارَ يَقولُ (وأنا أقْتَبِسُ كَلامَهُ هُنا): "إنَّ المَعرفة اليَقينيَّة هي ضَرْبٌ مِنْ ضُروبِ الوَثَنِيَّة. وقد اضْطُرِرْتُ إلى التَّخَلِّي عنِ المَعرفةِ اليَقينيَّة. فإذا كانَ هُناكَ أساسٌ في اللَّاهوتِ المَسيحيِّ، فإنَّهُ ليسَ موجودًا في الكِتابِ المقدَّسِ. فاللَّاهوتُ يَجِبُ أنْ يكونَ محاولة بشريَّة مُتواضِعَة لسماعِ اللهِ، وليسَ طُرُقًا عَقلانيَّةً لِفَهْمِ النُّصوصِ". بعبارة أخرى، لا يمكنكَ أنْ تَدْرِسَ النَّصَّ وأنْ تَستخدمَ عَقلكَ لمعرفةِ الحقيقة. فيجب أنْ تكونَ مُتواضعًا أكثرَ مِن ذلك. فاللَّاهوتُ مُحاولة بشريَّة مُتواضِعَة. ولا يمكنكَ أنْ تَعثُرَ على أساسِ اللَّاهوتِ المسيحيِّ في الكِتابِ المقدَّسِ.

لماذا؟ لأنَّهُ غيرُ قابلٍ للاستيعاب. ويقولُ "بريان مكلارين": "الوضوحُ شَيءٌ مُبالغٌ فيهِ أحيانًا". ويقول "ليسلي نيوبيجن" (Lesslie Newbigin): "لا علاقة للكِتابِ المقدَّسِ باليَقينيَّاتِ". وهناكَ كُتَّابٌ مِثْلَ "ن. ت. رايت" (N.T. Wright) مِنْ إنجلترا كَتَبوا كَثيرًا عنِ الكتابِ المقدَّسِ وابتكروا طُرُقًا جديدةً لفهمِ كُلِّ شيءٍ كما لو أنَّ الجميعَ كانوا يَفهمونَهُ فهمًا خاطئًا حتَّى الآن. وهذا يَدفَعُنا إلى طَرْحِ هذا السُّؤال: "إنْ كانَ الجَميعُ مُخْطِئينَ، وإنْ كانَ الكُلُّ عَبْرَ التَّاريخِ قد أَخْطَأَ في فَهْمِهِ، ما الَّذي يَجْعَلُكُمْ على صَواب؟" وهذا يَعودُ بِنا إلى الرَّأيِ المَغلوطِ الَّذي يَقولُ إنَّنا لن نَستطيعَ يومًا أنْ نَفْهَمَ الكِتابَ المقدَّسَ فَهمًا صحيحًا.

عندما تُفَكِّرونَ في كلمةِ اللهِ، يجبُ عليكم أنْ تَفهموا أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَقولُ عن نَفسِهِ إنَّهُ واضِحٌ ... إنَّهُ واضِحٌ. وإليكم مَجموعةً مِنَ الأفكارِ عنْ هذا الأمْرِ قَبْلَ أنْ نأتي إلى الخاتِمَة. رومية 1: "إنْ كانَ الخاطَئٌ مَسؤولًا عَنْ إعلانِ اللهِ في الخليقةِ وإعلانِ اللهِ وشريعَتِهِ المَكتوبةِ في قَلْبِهِ وضَميرِهِ"، رومية 2: فإنَّ النَّاسَ "بِلا عُذْرٍ". بعبارةٍ أُخرى، إنْ كانَ الإنْسانُ مَسؤولًا أمامَ اللهِ، ومُذْنِبًا أمامَ اللهِ، ومَلومًا قُدَّامَ اللهِ بسببِ رَفْضِ ذلكَ الإعلانِ الظَّاهِرِ في الخليقةِ وفي ضَميرِهِ ... إنْ كانَ بِلا عُذْرٍ في ذلكَ الوقتِ فينبغي أنْ تُصَدِّقوني حينَ أقولُ إنَّهُ بلا عُذْرٍ لِرَفْضِهِ ذلكَ الإعلانَ الَّذي كَتَبَهُ اللهُ في كَلِمَتِهِ. فالخاطِئُ مَسؤولٌ. والكِتابُ المقدَّسُ واضحٌ.

لذلكَ، مِنَ المُحَتَّمِ أنْ يَكونَ الكِتابُ المقدَّسُ واضِحًا لأنَّ اللهَ (الَّذي هُوَ مُنْشِئُ الكِتابِ المُقَدَّسَ، والخالِقُ، والفادي، والدَّيَّان) يَتكلَّمُ بوضوحٍ. وإلَّا فإنَّهُ لا يَستطيعُ أنْ يُتَمِّمَ فِداءَهُ. فإنْ لم يَتكلَّم بوضوحٍ، لا يمكنُ للنَّاسِ أنْ يَعلموا ما يَنبغي لهم أنْ يُؤمِنوا بِهِ، وكيفَ يَنبغي لهم أنْ يَتجاوبوا مَعَ الكلمة. ولو لم يَتكلَّم اللهُ بوضوح، لا يمكنُ للنَّاسِ أنْ يَعرفوا شَيئًا عنِ الخَلاصَ، ولا أنْ يَعرفوا عَنِ الدَّينونةَ الَّتي ستأتي، ولا أنْ يَعرِفوا عَنِ السَّماءِ وَجَهَنَّم، ولا أنْ يَعرِفوا عَنِ الخَطِيَّةِ والبِرِّ. ولكِنْ يجب عليهم أنْ يَعرفوا. وَهُمْ مَسؤولونَ عنْ هذهِ المَعرفة.

إنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُفْهَمُ بالمَنْطِقِ العادِيِّ وبالمَعنى الحَرفِيِّ. فلا توجدُ نُصوصٌ تُخفي وَراءَها مَعانٍ سِرِّيَّة خَفِيَّة. بل إنَّهُ يُدْعى في كُلِّ مَكانٍ "النَّور". وحتَّى إنَّهُ النَّورُ لأولئكَ الَّذينَ يَرفُضونَهُ. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِنْ إنجيلِ يوحنَّا أنَّهُمْ يُبْغَضونَ النُّورَ ويَهْرُبونَ مِنَ النُّورِ لأنَّهُ نُوْرٌ. والكتابُ المقدَّسُ واضحٌ لا فقط لأنَّهُ يُعْلِنُ أنَّهُ واضحٌ في ذاتِهِ، ولا فقط لأنَّهُ واضحٌ للعقلِ البشريِّ، بل أيضًا لأنَّ رُوحَ اللهِ يُنيرُهُ. وبنِعمةِ اللهِ فإنَّ الرُّوحَ يَجْعَلُ ما يَسْتَعْصي على فَهْمِنا مَفهومًا للشَّخصِ الَّذي يَسْكُنُ فيهِ رُوحُ اللهِ.

وكَمَثَلٍ على وُضوحِ الكِتابِ المقدَّسِ، أوَدُّ أنْ أقولَ الآتي: إنَّ العهدَ القديمَ (الَّذي قد يبدو للبعضِ غيرَ واضحٍ تمامًا) هُوَ في الحقيقةِ واضحٌ جدًّا حَتَّى إنَّ اللهَ كانَ وما يَزالُ يُحَمِّلُ النَّاسَ مَسؤوليَّةَ ما أعْلَنَهُ في العهدِ القديم. فعلى سَبيلِ المثالِ، فإنَّ يَسوعَ نَفسَهُ لم يَقُلْ في تَعليمِهِ، ولا في أحاديثِهِ، ولا في حِواراتِهِ أو مُجادلاتِهِ أوْ مُناظَراتِهِ ... لم يَقُلْ يومًا (ولا حَتَّى مَرَّةً واحدةً) لليهودِ: "أنا أَفْهَمُ حَيْرَتَكُمْ. فالعهدُ القديمُ صَعْبٌ حَقًّا، إنَّهُ صَعْبٌ جِدًّا وغيرُ واضِحٍ في أغلبِ الأحيان". إنَّهُ لم يَقُلْ ذلكَ البَتَّة. ... البَتَّة.

وقد كانَ يَسوعُ يَتكَلَّمُ إلى أُناسٍ في القرنِ الميلاديِّ الأوَّل. وقد كانَتِ الفَترةُ الزَّمنيَّةُ الفاصِلَةُ بينهم وبينَ داود هي نَحْو ألْفِ سَنَة. وَبينهم وبينَ مُوسى نَحْو 1500 سنة. وبينهم وبينَ إبراهيم نحوَ ألْفَيْ سَنة. وبالرَّغمِ مِن ذلك، كانَ يَسوعُ يَفْتَرِضُ أنَّهُمْ قادرونَ على قراءةِ أسفارِ العهدِ القديمِ وتَفسيرِها تَفسيرًا صحيحًا. فلو كانَ مِنَ المستحيلِ على بعضِ النَّاسِ أنْ يَفهموا الكتابَ المقدَّسَ بسببِ وُجودِ فَجوةٍ زَمنيَّةٍ تُقَدَّرُ بنحوِ ألفِ سَنَةٍ أوْ رُبَّما ألْفَيْ سَنَةٍ (كما هي الحالُ بالنِّسبةِ إلينا الآنَ إذْ إنَّ أَلْفَيْ سَنَة تَفْصِلُنا عَنْ زَمَنِ كِتابةِ العهدِ الجديدِ)، لو كانَ ذلكَ صحيحًا لَتَوَقَّعنا مِنْ يَسوعَ أنْ يَقولُ شَيئًا مِثْل: "أنا أرى سَبَبَ المُشكلةِ الَّتي تُعانونَ مِنْها".

ولكنَّهُ لم يَقُل ذلكَ يومًا. وسواءٌ كانَ يَتكلَّمُ إلى عُلماءِ الكِتابِ المقدَّسِ (كالفَرِّيسيِّينَ والكَتَبَة)، أو إلى النَّاسِ العادِيِّينَ، فإنَّهُ كانَ يَفْتَرِضُ دائمًا أنَّ اللَّوْمَ يَقَعُ عليهم إنْ لم يَفْهَموا أيًّا مِنْ تَعاليمِ الكِتابِ المقدَّسِ. وَقَدْ قالَ مِرارًا وتَكرارًا: "أَمَا قَرَأْتُمْ" ... "أما قَرأتُم" ... "أما قَرأتُمِ الكِتابَ؟" وقد قالَ لهم: "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ". بعبارةٍ أُخرى: "إنَّ مُشْكِلَتَكُمْ تَكْمُنُ في أنَّكُمْ لا تُفَتِّشونَ الأسْفارَ المقدَّسَةَ مَعَ أنَّها هِيَ الَّتي تَشْهَدُ لي".

ويُمْكِنُنا أيضًا أنْ نَتَجَرَّأَ ونقولَ إنَّ الكِتابَ المقدَّسَ واضِحٌ حَتَّى للأُمَمِ المُبْتَدِئين. فبولسُ الرَّسولُ يَقولُ في الأصْحاحِ العاشِرِ مِنْ رِسَالتهِ الأولى إلى أهْلِ كورِنثوس إنَّ أسفارَ العهدِ الجديدِ كُتِبَتْ لإنذارِنا حَتَّى نحنُ الأُمَم. وعندما كانَ الرَّبُّ يَسيرُ في الطَّريقِ إلى عِمْواس (في لوقا 24)، فَتَحَ العهدَ القَديمَ (النَّاموسَ والأنبياءَ والأسفارَ المُقَدَّسَةَ) وابْتَدَأَ يُفَسِّرُ لتلميذَيْ عِمْواس الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ – والتي كانَ يَنبغي لهما أنْ يَفْهَماها مِنْ قَبْل.

كذلكَ، فَكِّروا في رسائلِ العهدِ الجديد. فقد تقولونَ إنَّ العهدَ الجديدَ صَعْبٌ جِدًّا. ولكِنْ هل هذا صحيح؟ فرسائلُ العهدِ الجديدِ لم تُكْتَبْ إلى أشْخاصٍ لاهوتِيِّينَ، ولم تُكْتَبْ إلى قادةِ الكنائِسِ، ولم تُكْتَبْ لعُلماءِ الكِتابِ المقدَّسِ. بل إنَّها كُتِبَتْ للرَّعيَّةِ: إلى الكنيسَةِ في كورِنثوس، وإلى الكنائسِ في غَلاطِيَّة، وإلى جميعِ القِدِّيسينَ في يسوعَ المسيحِ في فيلبِّي، وهَلُمَّ جَرَّا. فقد كُتِبَتْ دائمًا إلى كَنائِس، وإلى أقَلِّ النَّاسِ تَعليمًا، وإلى الشَّخصِ الَّذي كانَ مُؤمِنًا جديدًا بيسوعَ المسيح.

فبولسُ يَفْتَرِضُ في كُلِّ رسالةٍ (وكذلكَ هي الحالُ معَ بُطْرُس، ويَعقوب، ويوحنَّا، ويهوذا)، إنَّهُ يَفترضُ أنَّ سامِعيه سيَفهمونَ تمامًا ما كَتَب. فمثلًا، يَقولُ بولسُ في رسالةِ كولوسي 4: 16: "وَمَتَى قُرِئَتْ عِنْدَكُمْ هذِهِ الرِّسَالَةُ فَاجْعَلُوهَا تُقْرَأُ أَيْضًا فِي كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ، وَالَّتِي مِنْ لاَوُدِكِيَّةَ تَقْرَأُونَهَا أَنْتُمْ أَيْضًا". بعبارةٍ أُخرى، انْشُروا الرَّسالَتَيْنِ واقرأوهُما في كُلِّ كَنيسة. لذلك، يجب عليكم أنْ تَعلموا أنَّ المسيحيِّينَ في القرنِ الميلاديِّ الأوَّلِ كانوا مَسؤولينَ عَنْ فهمِ الكِتابِ المقدَّسِ.

أجل، إنَّ المسيحيِّينَ الأُمَمِيِّينَ في القرنِ الميلاديِّ الأوَّلِ كانوا مَسؤولينَ عَنْ فهمِ أسفارِ العهدِ الجَديدٍ بناءً على أسفارِ العهدِ القديم. وقد كُتِبَت رسائلُ العهدِ الجديدِ إلى كنائسَ تَضُمُّ في أغْلَبِها مؤمنينَ أُمَمِيِّينَ ليست لديهم مَعرفة بالعهدِ القديمِ لأنَّهم جاءوا مُباشَرَةً مِنْ خَلفيَّةٍ وَثنيَّةٍ ولم يكن لديهم أيُّ معرفةٍ بالعهدِ القديم. وقد كانوا مَسؤولينَ عَنْ فهمِ كلمةِ اللهِ وإطاعَتِها. ولكنَّ الكِتابَ المقدَّسَ سيبقى مُعَرَّضًا للهجومِ دائمًا وأبدًا مِنْ جَميعِ الجوانِبِ. وقد تأتي هذهِ الهجماتُ مِنَ النُّقَّادِ، أوْ مِنَ البِدَعِ، أوْ مِنَ الخَمسينِيِّينَ الذينَ يُريدوا أنْ يُضيفوا إليهِ، أوْ مِنَ الثَّقافة.

ويُمكنني أنْ أَذْكُرَ أيضًا الهَجَماتِ الخَبيثَةَ والسَّخيفَةَ والحَمْقاءَ الَّتي تُشَنُّ على الكِتابِ المُقَدَّسِ مِمَّنْ يُنادونَ بِوجودِ شيفراتٍ (أو رُموزٍ سِرِّيَّةٍ) في الكِتابِ المقدَّسِ. فقد كنتُ يومًا ضيفًا في برنامجٍ إذاعِيٍّ فسألني أحدُ الأشخاصِ: "ما رأيُكَ في شيفراتِ الكِتابِ المقدَّسِ؟" فقلتُ: "سوفَ أُخبركَ رأيي في شيفراتِ الكِتابِ المقدَّسِ. أعتقدُ أنَّهُ يَنبغي أنْ تَكونَ حَذِرًا عندما تَقولُ إنَّ اللهَ قالَ شيئًا لم يَقُلْهُ لأنَّ اللهَ يَدينُ المُعَلِّمينَ الكَذَبَة". فما قالهُ اللهُ في الكِتابِ المقدَّسِ واضِحٌ. ولكِنْ مِنَ السُّخْفِ أنْ يَدَّعي هؤلاءِ أنَّهُمْ وَجَدوا رُموزًا سِرِّيَّةً في الحَاسوبِ، وأنَّ ما قالَهُ اللهُ مَكْتوبٌ في رُموزٍ هُنا وَهُناكَ، وَأنَّ ما قَصَدَ اللهُ أنْ يَقولَهُ هُوَ أنَّ "غاندي" سيَموتُ في شهرِ تشرينَ الأوَّل/أكتوبر سنة 1984. فهذا بَعيدٌ كُلَّ البُعْدِ عَنْ إعلانِ اللهِ. والحقيقةُ هي أنَّ النَّاسَ قَدْ وَجَدوا رُموزًا مُشابِهَةً في قِصَّةِ "موبي ديك".

وأخيرًا، هُناكَ دائمًا هَجَماتٌ تُشَنُّ على الكِتابِ المقدَّسِ بسببِ سوءِ تَقديرِ الحِكمةِ البشريَّةِ. فالنَّاسُ يَنظرونَ إلى الكِتابِ المقدَّسِ ويقولون: "إنَّ هذا غير مَعقول. أنا لا أُحِبُّ عقيدةَ الاختيار. وأنا لا أُحِبُّ عقيدةَ الدَّينونة الأخيرة. فهذا افتراءٌ على الله". لذلكَ، هُناكَ هُجومٌ مِنَ الحِكمةِ البشريَّةِ: "لا يُمكنني أنْ أَقْبَلَ هذا". وهذا أمْرٌ خَطيرٌ! فنحنُ نَحْني رُكَبَنا تَمامًا لكلمةِ اللهِ. ونحنُ نَقِفُ دِفاعًا عَنْها بأنْ نَرْفَعَها وبأنْ نَجْعَلَها تُدافِعُ عَنْ نَفْسِها بِنَفْسِها. وهذا هُوَ ما سَنَفْعَلُهُ ابتداءً مِنَ مَساءِ يومِ الأحدِ القادِم. فسوفَ نَتَجاوَزُ هذا الكَلامَ كُلَّهُ لأنَّنا لن نَتحدَّثَ عَنِ الهَجَماتِ السَّلبيَّةِ الَّتي تَحَدَّثْنا عنها اليوم، بل إنَّنا سَنَرى كيفَ يَتَحَدَّثُ الكِتابُ المقدَّسُ نَفْسُهُ عَنْ سُلْطانِهِ. ونَكتَفي بهذا القَدْرِ في هذا المَساء. لِنُصَلِّ:

نَشْكُرُكَ، يا أبانا على كَلِمَتِكَ. فماذا عَسانا أنْ نَقول؟ فقد صَرَفْنا في دِراسَتِها سَنواتٍ وسنواتٍ وسنواتٍ وسنواتٍ. وهِيُ تُدافِعُ عَنْ نَفْسِها بنفسِها في كُلِّ مَرَّة. فهيَ حَيَّة، وفعَّالة، وطاهرة، وصادقة، وخارِقَة. وَهِيَ مُدَمِّرة لأولئكَ الذينَ يَرْفُضونَها. ولكنَّها تَبْني مَنْ يَقْبَلُها. فهيَ الكَلِمَة الحيَّة. ونحنُ نَشكُرُكَ على كَلِمَتِكَ. ونحنُ نَضَعُ رَجاءَنا كُلَّهُ فيها لأنَّ إيمانَنا كُلَّهُ يَقومُ على الحَقِّ المُعْلَنِ فيها. وليتنَا لا نَكْتَفي بالدِّفاعِ عنها فقط، بل أنْ نُنادي بِحَقِّها المَجيدِ وَأنْ نَكونُ مُطيعينَ لها.

وَنَشْكُرُكَ على أنَّها كَنْزٌ إذْ إنَّ كَنْزَها لا يَنْضُبْ، وغِناها لا حُدودَ لَهُ، ولأنَّها مُتاحة دائمًا لِمَنْ يَفْتَحُ صَفَحاتِ الكِتابِ المقدَّسِ بروحِ الصَّلاةِ وَلِمَنْ يَدْرُسُها بِعِنايَة. لذلكَ فإنَّنا نَشْكُرُكَ عليها. ونحنُ نُصَلِّي أنَّهُ في وَجْهِ الهَجَماتِ الكثيرةِ الَّتي تُشَنُّ على كَلِمَتِكَ في وقتنا الحاضِرِ، نُصَلِّي أنْ يَهُبَّ كَثيرونَ لِرَفْعِها عَالِيًا. فنحنُ نَقرأُ في المزمور 138: 2 أنَّكَ عَظَّمْتَ كَلِمَتَكَ وَاسْمَكَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ. ونحنُ نَفعلُ الأمْرَ نَفسَهُ. ونحنُ نَشْكُرُكَ عليها لأنَّنا نَعْرِفُ مِنْ خِلالِها كُلَّ ما تُريدُنا أنْ نَعْرِفَهُ، وكُلَّ ما نَحتاجُ إلى مَعْرِفَتِهِ لِكَيْ نُمَجِّدَكَ. لذلكَ فإنَّنا نُقَدِّمُ إليكَ تَسْبيحَ قُلوبِنا. باسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize