Grace to You Resources
Grace to You - Resource

عندما تُتاحُ الفُرصةُ لي للوَعْظِ عنْ عقيدةِ كلمةِ اللهِ، فإنَّ هذا يُنْذِرُ بخَطرٍ كبيرٍ لأنِّي قد أَتَحَدَّثُ عنهُ لوقتٍ طويلٍ حَتَّى تَشعرونَ أنَّكُمْ تَشربونَ مِنْ خُرْطومٍ ضَخْمٍ يَضُخُّ الماءَ بِقُوَّةٍ هائلةٍ لأنَّ هذا الموضوعَ هُوَ شَغَفي كَما تَعلمونَ ... فأنا شَغوفٌ بكلمةِ اللهِ. وأنا أُحِبُّ الحَقَّ، وأعيشُ لأجْلِ الحَقِّ، وأُعلِنُ الحَقَّ. ولا يوجدُ شَيءٌ أكثرُ أهميةً مِنَ حَقِّ اللهِ المُعلنِ في الكتابِ المقدَّس. لذلكَ، لَمَّا كُنَّا قَدِ ابتدأنا يومَ الأحدِ الماضي في الحديثِ عنْ موضوعِ الكتابِ المقدَّسِ، فإنَّنا سنُتابِعُ على مَدى بِضْعِ أُمْسِياتِ أَحَدٍ في المجيءِ ... ولا أدري كَمْ سيَستغرقُ ذلك ... للحديثِ عنْ العقيدةِ الرائعةِ المُختصَّةِ بالكِتابِ المقدَّس.

واسَمحوا لي أنْ أَبتدئَ في هذا المَساءِ بتذكيركم بكلماتٍ مَعروفةٍ تَرِدُ ثلاثَ مَرَّاتٍ في الكِتابِ المقدَّسِ: الأولى في الأصْحاحِ الثَّامِنِ مِنْ سِفْرِ التَّثنية، والثَّانية في الأصْحاحِ الرَّابِعِ مِنْ إنْجيلِ مَتَّى، والثَّالثة في الأصْحاحِ الرَّابعِ مِنْ إنْجيلِ لوقا. أمَّا هذهِ الكلماتُ فَهِيَ: "لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ". وما نَوعُ الحَياةِ الَّذي نَتحدَّثُ عنهُ؟ وما نَوعُ الحياةِ المَقصود هُنا؟ إنَّ المقصودَ هُنا هُوَ الحياةُ بِمُختلفِ أشْكالِها بما في ذلكَ الحياة الرُّوحيَّة، والحياة الزَّمنيَّة (أيِ الجسديَّة).

إنَّ كُلَّ شيءٍ في الحياة، وكُلَّ إدْراكٍ في الحياةِ، وكُلَّ مَوقفٍ، وكُلَّ عَملٍ ينبغي أنْ يُفْهَمَ في ضَوْءِ كلمةِ اللهِ. وبالنِّسبةِ إلينا بِوَصْفِنا مُؤمِنين، فإنَّنا نَفهمُ أنَّ حياتَنا الروحيَّةَ الَّتي تُهَيْمِنُ على حَياتِنا الجسديَّةِ وجميعِ جوانِبِ الحياةِ تَتَغَذَّى فقط على كلمةِ اللهِ. فبالنِّسبةِ إلى المؤمنين، فإنَّ غِذاءَ الرُّوحِ الوحيد هُوَ كلمةُ الله. وهذا أمْرٌ يُذْكَرُ مِرارًا وتَكرارًا في الكِتابِ المقدَّسِ بِمُجْمَلِه. فنحنُ نَقرأُ في المَزمورِ الأوَّل: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ. لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلاً".

وفي المِزمورِ التَّاسِع عَشَر، نَقرأُ أنَّ الأسْفارَ المقدَّسَةَ وَالكَلِماتِ المُدَوَّنةَ فيها هي "أَشْهَى مِنَ الذَّهَبِ وَالإِبْرِيزِ الْكَثِيرِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقَطْرِ الشِّهَادِ". والكِتابُ المقدَّسُ يُوْصِينا بأنْ تَكونَ أَقْوَالُ أفْواهِنا وَأفكارُ قُلوبِنا "مَرْضِيَّةً أَمَامَكَ يَا رَبُّ، صَخْرَتِي وَوَلِيِّي". وهذا يَعني أنهُ لكي تكونَ أقوالُ أفواهِنا وأفكارُ قُلوبِنا مَقبولةً لدى اللهِ، يَجِبُ أنْ تَعْكِسَ كَلِمَتَهُ. وهذا واضحٌ أيضًا في سِفْرِ يَشوع 1: 8 إذْ نَقرأُ: "لاَ يَبْرَحْ سِفْرُ هذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَمِكَ، بَلْ تَلْهَجُ فِيهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ. لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تُصْلِحُ طَرِيقَكَ وَحِينَئِذٍ تُفْلِحُ". فالحياةُ كُلُّها تَتوقَّفُ على كلمةِ اللهِ. فَهِيَ الغِذاءُ الحَقيقيُّ الوحيدُ لأرواحِنا.

ونَقرأُ في المزمور 40: 8: "أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ". لماذا؟ لأنَّ "شَرِيعَتَكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي". بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ القَلْبَ مُكَرَّسٌ لشريعةِ اللهِ. والآنْ، أرجو أنْ تَفتحوا على المَزمور 119 قليلًا إذْ سَأُرْشِدُكُمْ إلى بِضْعِ آياتٍ مِنْ هذا المَزمورِ الَّذي يَتألَّفُ مِنْ 176 آيَة. المَزمور 119. فالمَزمور 119 هُوَ صَدَى للمَزمورِ الأوَّل. وهوَ يَبتدئُ بطريقةٍ مُشابهةٍ جدًّا: "طُوبَى لِلْكَامِلِينَ طَرِيقًا، السَّالِكِينَ فِي شَرِيعَةِ الرَّبِّ. طُوبَى لِحَافِظِي شَهَادَاتِهِ. مِنْ كُلِّ قُلُوبِهِمْ يَطْلُبُونَهُ. أَيْضًا لاَ يَرْتَكِبُونَ إِثْمًا. فِي طُرُقِهِ يَسْلُكُونَ. أَنْتَ أَوْصَيْتَ بِوَصَايَاكَ أَنْ تُحْفَظَ تَمَامًا. لَيْتَ طُرُقِي تُثَبَّتُ فِي حِفْظِ فَرَائِضِكَ".

إنَّ هَذا جُوْعٌ. وهذهِ صَرْخَةٌ نابِعَةٌ مِنْ قلبِ وَلَدٍ مِنْ أولادِ للهِ لأنَّ شريعةَ اللهِ هيَ في القلبِ. ونَقرأُ في العدد 15 مِنَ المَزمور 119: "بِوَصَايَاكَ أَلْهَجُ، وَأُلاَحِظُ سُبُلَكَ". العَدَد 16: "بِفَرَائِضِكَ أَتَلَذَّذُ. لاَ أَنْسَى كَلاَمَكَ". العَدَد 27: "طَرِيقَ وَصَايَاكَ فَهِّمْنِي، فَأُنَاجِيَ بِعَجَائِبِكَ". العَدَد 33: "عَلِّمْنِي يَا رَبُّ طَرِيقَ فَرَائِضِكَ، فَأَحْفَظَهَا إِلَى النِّهَايَةِ". العَدَد 35: "دَرِّبْنِي فِي سَبِيلِ وَصَايَاكَ، لأَنِّي بِهِ سُرِرْتُ". العَدد 40: "هأَنَذَا قَدِ اشْتَهَيْتُ وَصَايَاكَ. بِعَدْلِكَ أَحْيِنِي".

وإذْ نَنتقلُ إلى العدد 72، نَقرأُ بطريقةٍ مُشابهةٍ عَنْ أشْواقِ قلبِ أولادِ اللهِ: "شَرِيعَةُ فَمِكَ خَيْرٌ لِي مِنْ أُلُوفِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ". العَدَد 97: "كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ! الْيَوْمَ كُلَّهُ هِيَ لَهَجِي". العَدَد 113: "الْمُتَقَلِّبِينَ أَبْغَضْتُ، وَشَرِيعَتَكَ أَحْبَبْتُ". العَدَد 131: "فَغَرْتُ فَمي وَلَهَثْتُ، لأنِّي إلى وَصاياكَ اشْتَقْتُ". العدد 161: "رُؤَسَاءُ اضْطَهَدُونِي بِلاَ سَبَبٍ، وَمِنْ كَلاَمِكَ جَزِعَ قَلْبِي. أَبْتَهِجُ أَنَا بِكَلاَمِكَ كَمَنْ وَجَدَ غَنِيمَةً وَافِرَةً. أَبْغَضْتُ الْكَذِبَ وَكَرِهْتُهُ، أَمَّا شَرِيعَتُكَ فَأَحْبَبْتُهَا. سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي النَّهَارِ سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ. سَلاَمَةٌ جَزِيلَةٌ لِمُحِبِّي شَرِيعَتِكَ". العدد 167: "حَفِظَتْ نَفْسي شَهادَاتِكَ، وأُحِبُّها جِدًّا".

وهذا يُعَبِّرُ، دُوْنَ شَكٍّ، تَعبيرًا عَميقًا عَنْ محبَّةِ أولادِ اللهِ لكلمةِ اللهِ. والمُتَكَلِّمُ هُنا هوَ ليسَ شخصًا كاملًا. فالعَدَد 176 يَخْتِمُ المَزمورَ بشَهادَةٍ: "ضَلَلْتُ، كَشَاةٍ ضَالَّةٍ. اطْلُبْ عَبْدَكَ، لأَنِّي لَمْ أَنْسَ وَصَايَاكَ". فأنا أذْكُرُها. وأنا أُحِبُّها. وأنا أتُوقُ إليها. وأنا أشْتاقُ إليها. ولكنِّي لا أُطيعُها دائمًا. إذًا، الأمْرُ المُؤكَّدُ بخصوصِ أولادِ اللهِ هُوَ أنَّهم يُحِبُّونَ كلمةَ اللهِ. فالمؤمنُ الحقيقيُّ يُحِبُّ كلمةَ اللهِ. وفي العهدِ الجديدِ، نَجِدُ أنَّ هذا الكَلامَ يَتَكَرَّرُ مِرارًا وتَكرارًا مِنْ خِلالِ أقوالِ رَبِّنا. فَهُوَ يَقولُ، على سَبيلِ المِثالِ، في إنْجيل يوحنَّا 8: 31: "إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي" (أيْ: إنْ وَجُدْتُمْ مَكانَكُمْ، وَمَكانَ رَاحَتِكُمْ، وَمَكانَ إقامَتِكُمْ، ومَكانَ سُكْناكُمْ، ومَكانَ اسْتِقرارِكُمْ في كَلامي) "فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي".

فالتَّلاميذُ الحَقيقيُّون "ماثيتيساليثوس" (mathetesalethos) [أيِ التَّلاميذُ الأصْلِيُّونَ] يَعيشونَ ويَثْبُتونَ في الكَلِمَةِ لأنَّها طَعامُهُمُ الرُّوحِيُّ الوحيد. وقد قالَ يَسوعُ في إنْجيل يوحنَّا 14: 15: "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ". فالأمْرُ لا يَقْتَصِرُ على مَحَبَّةِ شريعةِ اللهِ، بل هُناكَ أيضًا إطاعَةُ تلكَ الشَّريعةِ مِنْ قَلْبٍ يَفيضُ فَرَحًا وشَوْقًا. ونَقرأُ في الأصْحاحِ الخامِسِ مِنْ رِسالةِ يوحنَّا الأولى: "كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نُحِبُّ أَوْلاَدَ اللهِ: إِذَا أَحْبَبْنَا اللهَ وَحَفِظْنَا وَصَايَاهُ". إذًا، كيفَ تَعْلَمُ أنَّكَ وَلَدٌ مِنْ أولادِ اللهِ؟ مِنْ خِلالِ مَحَبَّتِكَ لِشَريعَةِ اللهِ وطَاعَتِكَ لِوَصاياه.

ونَجِدُ نَقيضَ ذلكَ في رِسَالَةِ تَسالونيكي الثَّانية. فرِسالةُ تَسالونيكي الثَّانية تُذَكِّرُنا (في العَدَدِ العاشِرِ مِنَ الأصْحاحِ الثَّاني) أنَّ هُناكَ أشخاصًا يَهْلِكونَ "لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا مَحَبَّةَ الْحَقِّ حَتَّى يَخْلُصُوا". وهذا يَعني أنَّ الخَلاصَ يُساوي مَحَبَّةَ الحَقِّ. فإنْ كُنْتَ مُخَلَّصًا فإنَّكَ تُحِبُّ الحَقَّ. لذلكَ فإنَّنا نَقرأُ هُنا أنَّ أُناسًا سَيَهْلِكونَ لأنَّهُمْ لا يُحِبُّونَ الحَقَّ. ويَقولُ بُطرسُ في رِسالَتِهِ الأولى 2: 1-3 إنَّنا نُشْبِهُ الأطفالَ الَّذينَ يَشْتَهونَ حَليبَ الكَلِمَةِ الْعَدِيمَ الْغِشِّ كَما يَشْتَهي الطِّفْلُ الرَّضيعُ الحَليب. فالأطفالُ الرُّضَّعُ لا يَشْتَهونَ أمورًا أُخرى. بل إنَّ كُلَّ ما يُريدونَهُ هُوَ الحَليب .. الحَليب .. الحَليب .. الحَليب .. الحَليب. فَهُمْ لا يُريدونَ طَعامًا آخَرَ، بَلْ يُريدونَ الحَليب. ونحنُ لا نَخْتَلِفُ عنهم.

فالمؤمنُونَ الحقيقيُّونَ يَعلمونَ أنَّ كلمةَ اللهِ، بَلْ كَلِمَةَ اللهِ وَحْدها، هي الَّتي تَحْفَظُهُمْ أَحْياءَ وأقوياءَ، وأنَّها هي الَّتي تَمْنَحهمُ البَرَكَةَ، والفَرَحَ، والقُوَّةَ، والقُدرةَ، والفاعِلِيَّةَ. ونَقرأُ في الأصْحاحِ السَّادِسِ مِنْ إنْجيلِ يوحنَّا أنَّ مَجموعةً مِنَ التَّلاميذِ تَركوا يَسوعَ بعدَ أنْ قالَ أُمورًا لم يَحْتَمِلوها. وحينئذٍ، نَظَرَ يَسوعُ إلى الباقينَ وقال: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ بهذهِ الإجابةِ الرَّائعةِ على لِسانِ البَاقين: "يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ". فنحنُ نَجِدُ حَياتَنا في كَلِمَةِ اللهِ. فَهِيَ تُدْعَى "كَلِمَة الحياة". والذينَ هُمْ أحْياءٌ رُوحِيًّا يُحِبُّونَ الكَلِمَة، وَيُحِبُّونَ أنْ يَتَغَذُّوا على الكَلِمَة. وهُمْ يَجوعونَ لكلمةِ اللهِ لأنَّها وَحْدَها الَّتي تُقَدِّمُ الحَقَّ المُشْبِعَ لَهُم.

إنَّ عَدَمَ الاكتراثِ بالكِتابِ المقدَّسِ ليسَ عَلامةً مِنْ عَلاماتِ التَّجديد. وَعَدمُ الاكتراثِ بالكتابِ المقدَّسِ ليسَ علامَةً مِنْ علاماتِ الخَلاصِ. بل إنَّ عَدمَ الاكتراثِ بالكتابِ المقدَّسِ هُوَ عَلامَةٌ مِنْ علاماتِ الموتِ الرُّوحِيِّ. وأنا أرى أنَّهُ في جَميعِ الأجْيالِ، بما في ذلكَ هذا الجِيْل، فإنَّ كنيسةَ اللهِ الحَقيقيَّة، والمَفديِّينَ الحقيقيِّينَ، هُمْ في جُوْعٍ دائمٍ للحَقِّ. فَهُمْ يُريدونَ أنْ يَتَغَذُّوا على الكَلِمَة. وهُمْ يُريدونَ أنْ يُعَلِّمَها أَحَدٌ لَهُمْ، وَأنْ يَعِظَ بها أحَدٌ على مَسامِعِهِمْ. وهُمْ يُريدونَ أنْ يُفَسِّرَ أَحَدٌ الكلمةَ لهم بكُلِّ غِناها وعُمْقِها. ولكِنَّ هذا ليسَ ما يَحْصُلونَ عليهِ غالبًا لأنَّ ذلكَ يَتطلَّبُ دِراسةً جَادَّةً لكلمةِ اللهِ، وتَعَبًا وَكَدًّا في دِراسَةِ نُصُوصِ الكِتابِ المقدَّسِ باللُّغاتِ الأصليَّةِ، وانْكِبابًا على تَحليلِ الأسفارِ المقدَّسَةِ وَفَهْمِها في ضَوْءِ ما تَقولُهُ الأسفارُ السِتَّة والسِتُّونَ جَميعًا. ولكنَّ هذا الاجتهادَ المَطلوبَ لاكتشافِ الكُنوزِ الثَّمينةِ المَوجودَةِ في كَلِمَةِ اللهِ هوَ ليسَ مَوْضِعَ اهْتمامٍ مِنَ الوُعَّاظِ المَسيحيِّينَ الَّذينَ يَبْحَثونَ عنِ الشُّهرة فقط.

قبلَ سَنواتٍ طَويلَةٍ، وَصَفَ "جيم باكر" (Jim Packer) الحَرَكَةَ الإنجيليَّةَ وَصْفًا أَرى أنَّهُ يَنْطَبِقُ تَمامًا عليها في وقتنِا الحاضِرِ. فلم يَتغيَّرِ الكثيرُ بالرَّغْمِ مِنْ مُرورِ عُقودٍ عَديدَةٍ على كِتابَتِهِ لتلكَ الكَلِمات. وقد كَتَبَ هذهِ الكلماتِ في تَمْهيدِ إحْدى الطَّبْعاتِ الجديدةِ لمُعْجَمِ "ريتشارد باكستر" المسيحيّ. وإليكُمْ ما قالَهُ "باكر" في وَصْفِ الإنجيليَّة: إنَّ كُلَّ ما يَراهُ العالَمُ عندما يُشاهِدُ المَحَطَّاتِ الدينيَّةِ أوْ عندما يَنْظُرُ مُباشَرَةً إلى الفِئَةِ الإنجيليَّةِ الَّتي تَدَّعي الإيمانَ هي أنَّها فئةٌ أنانيَّةٌ، وبَلْهاء، وَسَاذَجَة، وفاسِدة، وتَفْعَلُ أُمورًا شَبيهَةً بِما يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ والمُشَعْوِذون". وَيا لَها مِنْ كلماتٍ قويَّةٍ مِنْ شَخْصٍ إنجيليٍّ.

وَهُوَ يَقولُ أيضًا: "إنَّ نَصائِحَنا العَمَلِيَّةَ السَّاذَجَةَ الَّتي نُقَدِّمُها للنَّاسِ لإرشادِهِمْ إلى كيفيَّةِ الحُصولِ على حَياةٍ عائليَّةٍ رائعةٍ، وكيفيَّةِ التَّمَتُّعِ بحياةٍ جِنسيَّة رائعة، وكيفيَّةِ تَحْقيقِ نَجاحٍ ماليٍّ بطريقةٍ مَسيحيَّةٍ، وكيفيَّةِ التَّعامُلِ مَعَ الحُزْنَ، والمَشاكِلَ الحَياتيَّةَ، والأزَماتِ، والخَوْفَ، والعلاقاتِ المُحْبِطَةِ، وغيرِها – هِيَ مُجَرَّدُ نَصائِحَ تُقَدِّمُ لنا وَصْفَةً يَنْبَغي أنْ نُطَبِّقَها بأنْفُسِنا مِنْ خِلالِ مَجموعةٍ مِنَ الخَطَواتِ المُرَقَّمَةِ بطريقةٍ تُوْحي بأنَّها سَهْلَة". وقد قالَ هَذا كُلَّهُ لأنَّهُ كانَ يُقارِنُ تلكَ النَّصائِحِ السَّاذَجَةِ بهذا المُجَلَّدِ الضَّخْمِ الَّذي كَتَبَهُ الطَّهورِيُّ "ريتشارد باكستر". فهُوَ يَحْوي على أكْثَرِ مِنْ مِليون كَلِمَة تُطَبِّقُ الكِتابَ المُقَدَّسَ على الحياةِ المسيحيَّةِ. وهُوَ يَقولُ أيضًا: "إنَّ مُعْجَمَ باكستر يَحْوي حِكْمَةً عاليةَ الذَّكاءِ، وقائمةً على تَعاليمِ الكِتابِ المُقَدَّسِ بِمُجْمَلِهِ، وَمُصاغَة صِياغَةً مُحْكَمَةً وَواضِحَةً جِدًّا تُذْهِلُ العَقْل".

وأيْنَ يُمْكِنُ للنَّاسِ أنْ يَذهبوا اليومَ للحُصولِ على تِعليمٍ في كلمةِ اللهِ يُذْهِلُ العَقْل؟ وأيْنَ عَساهُمْ يَذهبونَ للحُصولِ على تَعليمٍ لكلمةِ اللهِ يَتَمَيَّزُ بالدِّقَّةِ العالِيَةِ، والذَّكاءِ، والتَّحَدِّي، والإثْراءِ اللَّاهوتِيِّ، والصِحَّةِ، والشُّمولِ، والوُضوحِ، والأمانَةِ؟ يَقولُ "ر. سي. سبرول" (R.C. Sproul) في عَدَدٍ حَديثٍ مِنْ مَجَلَّةِ "تيبل توك" (Table Talk) إنَّ ثقافَتَنا غارقةٌ في وَسَطِيَّةٍ مُتَبَجِّحَة. فنحنُ وَسَطِيُّونَ، ونحنُ فَخورونُ بذلك. ولكِنْ ما يزالُ يُوْجَدُ عُلَماءٌ مُجْتَهِدونَ، وعُقول عِلْمِيَّةٌ مُجتهدةٌ في حُقولِ العِلْمِ والتِّكنولوجيا والبحثِ بِمُختلفِ مَجالاتِها. وما يزالُ هناكَ أشخاصٌ يُسْتَخْدَمونَ لإنْجازِ كُلِّ مُهِمَّةٍ ضَخْمَةٍ ولِحَلِّ كُلِّ مُشكلةٍ كبيرة. وهَؤلاءِ يَقومونَ بجُهْدٍ كَبيرٍ وطَويلِ الأمَد لِحَلِّ المُشْكِلاتِ أيًّا كانَتْ. ولكنَّهُمْ يَميلونَ أكْثَر فأكثر إلى أنْ يَصيروا الاستثناء.

ولكنَّنا لا نَقومُ بإعْدادِ أُناسٍ كهؤلاءِ بنفسِ المُعَدَّلِ الَّذي اعْتَدْنا عليهِ في نِظامِنا التَّعليميِّ لأنَّ ثقافَتَنا أَعادَتْ تَعريفَ التَّعليم. فالثَّقافةُ، عامَّةً، تُفَضِّلُ اللُّجوءَ إلى كُلِّ ما هُوَ سَريعٌ ورَخيصٌ مِنْ مُوسيقى تافِهَة، وفَنٍّ رَخيصٍ، وأَدَبٍ مُبْتَذَل، وتَفْكيرٍ سَطْحِيٍّ. وقد باتَ مِنَ السَّهْلِ جِدًّا إرْضاءُ النَّاسِ وَتَسْلِيَتهِمْ في ثَقافَتِنا. أمَّا ثالوثُ الفَضائِلِ البشريَّةِ الَّذي كانَ يَقومُ على الإبْداعِ والصِّدْقِ والجَمالِ فاسْتُبْدِلَ بثالوثِ الظَّرافَةِ، وخِفَّةِ الظِّلِّ، واللُّطْفِ. وقد صِرْنا وَسَطِيِّينَ بِكُلِّ مَعنى الكَلِمَة لأنَّنا نُريدُ ذلك. فبعدَ أنْ رَحَّبْنا بها بذِراعَيْنِ مَفتوحَتَيْنِ، لم نَعُدْ فقط نَقْبَلُ الوَسَطِيَّةَ، بل صِرْنا نَتوقُ إليها بِشِدَّة. وقد صَارَ هَدَفُ الكنيسةِ هُوَ إرْضاءُ المُجتَمَع.

إذا أرَدْتَ الوَسَطِيَّة فسَنُغَلِّفُها لَكَ ونُعْطيكَ وَسَطِيَّة. فسوفَ نُعطيكَ وَسَطِيَّة إنجيليَّة. فسوفَ نُزيلُ الأشياءَ السَّامِيَةَ، ونَتَخَلَّصُ مِنَ الأشياءِ الكِتابِيَّةِ، ونسْتأصِلُ الأمورَ اللَّاهوتِيَّةَ، ونُزيلُ الحَقَّ الكِتابِيَّ العَميقَ، ونُغَذِّي الجُموعَ الجائِعَةَ إلى الوَسَطِيَّةَ فنُعْطيها وَسَطِيَّةً. وبقيامِنا بذلكَ، فإنَّنا نُضْفي صِفَةَ المَشروعِيَّةِ على الوَسَطِيَّةِ والسَّطحيَّةِ اللَّتَيْنِ تُمَيِّزانِ ثَقافَتَنا. لذلكَ فقد باتَ لدينا أُناسٌ لا يأخذونَ أيَّ شيءٍ بِعُمْقٍ أوْ جِدِّيَّة. وهؤلاءِ وَجَدوا مكانًا لهم لا في المُجتمعِ فقط، بل أيضًا في الكنيسة.

وقد باتَ رُعاةُ الكنائسِ يَهْتَمُّونَ أكْثَرَ مِنْ ذي قَبْل بأنْ يَكونوا مُضْحِكينَ، وخَفيفي الظِّلِّ، وَمَقبولين. وقد باتوا يَبْحَثونَ بِجِدٍّ عَنْ طُرُقٍ ذَكِيَّةٍ وَخَلاَّقَةٍ تُواكِبُ المُوْضَة، ولم يعودوا يَهتمُّونَ بالجِدِّيَّةِ المَطلوبةِ للبحثِ في كلمةِ اللهِ وإعلانِ الحَقِّ العَميقِ المُعْلَنِ فيها لأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهه يَنبغي لهم أنْ يَفْعَلوا ما يُريدُهُ المُجتمعُ مِنْهُم. فَما عُمْقُ الهاوِيَةِ الَّتي سَقَطْنا فيها؟ وقد كَتَبَ "جي. آي. باكر" (J.I. Packer) مُقَدِّمَةً أُخرى (وَهُوَ يَكْتُبُ مُقَدِّماتٍ كَثيرة). وقد كانَتْ هذهِ مُقَدِّمَة كِتاب "اللَّاهوتُ الطَّهورِيُّ" (Puritan Theology).

وَهُوَ يَقولُ الآتي: "لا يَبدو أنَّهُ باستِطاعَتِنا أنْ نُنْكِرَ أنَّ الطَّهورِيِّينَ الَّذينَ كانوا الأقوى، في حينِ أنَّ المسيحيِّينَ الإنجيليِّينَ اليومَ هُم الأضْعَف. فقد كان هُناكَ رِجالٌ يَمْلِكونَ قُدْرَةً فِكريَّةً مُذْهِلَةً تَتَّحِدُ فيها العاداتُ الذِّهنيَّةُ بالعِلْمِ السَّليمِ في بُوْتَقَةِ الحَماسَةِ المُتَّقِدَةِ للهِ والمَعرفةِ الدَّقيقةِ بالقلبِ البشريِّ. فكُلُّ أعمالِهِمْ تَكْشِفُ عَنْ هذا الدَّفْقِ الفَريدِ مِنَ المَواهِبِ والنِّعْمَةِ. وفي حينِ أنَّ الطَّهورِيِّينَ كانوا يَدْعونَ إلى النِّظامِ، والانْضِباطِ، والعُمْقِ، والشُّمولِ، فإنَّ طَبْعَنا يَقومُ على التَّصَرُّفِ بطريقةٍ عاديَّةٍ واعْتِباطِيَّةٍ خالِيَةٍ مِنَ الصَّبْرِ. نحنُ نَتوقُ إلى الأعْمالِ المُثيرَةِ، والجَديدَةِ، والمُسَلِّيَةِ. ولم نَعُدْ نَهْتَمُّ للدِّراسةِ العَميقَةِ، ولا لفحصِ الذَّاتِ بتواضُعٍ، ولا للانْضِباطِ، ولا للتَّأمُّلِ، ولا للكَدِّ والتَّعَبِ في مَكاتِبِنا.

"ومَرَّة أخرى، في حينِ أنَّ الطَّهورِيِّينَ كانُوا يُرَكِّزونَ على اللهِ ومَجْدِهِ، فإنَّ تَفكيرَنا يَدورُ حَوْلَ أنْفُسِنا كما لو كُنَّا مِحْوَرَ الكَوْنِ". وَهُوَ يَكْتُبُ أيضًا: "وفي الكِرازَةِ فإنَّنا نُنادي بالإنْجيلِ دونَ النَّاموسِ، وبالإيمانِ دُوْنَ التَّوبَةِ، ونُرَكِّزُ على مَوْهِبَةِ الخَلاصِ ونُهْمِلُ نَفَقَةَ التَلمذة. لذلكَ لا عَجَبَ أنَّ كَثيرينَ مِمَّنْ يُعْلِنونَ إيمانَهُمْ يَرْتَدُّونَ عَنْهُ". ثُمَّ يَقولُ: "وفي التَعليمِ عنِ الحياةِ المسيحيَّةِ، صارَ العُرْفُ السَّائِدُ هُوَ أنْ نُصَوِّرَها كما لو كانَتْ رحْلَةً قائمةً على المَشاعِرِ لا على الإيمانِ العامِلِ، ورِحْلَةً قائمةً على المُفارَقاتِ الخارِقَةِ للطَّبيعَةِ لا على البِرِّ العَقلانِيِّ.

"وفي التَّعامُلِ مَعَ الخِبراتِ المسيحيَّةِ، نُرَكِّزُ كثيرًا على الفَرَحِ، والسَّلامِ، والسَّعادَةِ، والرِّضا، والرَّاحَةِ دونَ أنْ نُشيرَ بالمُقابِلِ إلى عَدَمِ الرِّضا المُقَدَّس في رُومية 7، أوْ إلى صِراعِ الإيمان في المَزمور 73، أو إلى أيٍّ مِنْ أعباءِ المَسؤوليَّةِ والتَّأديبِ المَوضوعَيْنِ على عَاتِقِ أولادِ اللهِ. وقد باتَ المَرَحُ العَفْوِيُّ النَابِعُ عَنْ عَدَمِ المُبالاةِ يُشَبَّهُ بالحياةِ المسيحيَّةِ السَّليمة. كذلكَ فإنَّ الأشخاصَ المُفْرِطينَ في المَرَحِ والانْفِتاحِ في كَنائِسِنا يُشَجَّعونَ على العَيْشِ حَسَبَ الجَسَدِ، في حينِ أنَّ الأشخاصَ القِدِّيسينَ الَّذينَ لا يملكونَ شَخْصِيَّةً مُنْفَتِحَةً كهؤلاءِ يُواجِهونَ ضُغوطًا تَدْفَعُهُمْ إلى الجُنونِ لأنَّهم لا يَستطيعونَ أنْ يَتَصَرَّفوا بتلكَ الطَّريقة". [نهاية الاقتباس]

نحنُ في وضعٍ صعْبٍ جِدًّا. فهؤلاءِ النَّاسُ الَّذينَ يَدَّعونَ أنَّهم مَسيحيُّون، والَّذينَ يَدَّعونَ أنهم إنجيليُّون، يُحاولونَ الوصولَ إلى هذا المجتمع، ويحاولونَ أنْ يُعْطوا هذِهِ الثَّقافةَ الوَسَطِيَّةَ الَّتي تَطْلُبُها مِنْ خلالِ الابتعادِ عَنْ كلمةِ اللهِ. ولكنَّهم إمَّا أنْ يكونوا غير مؤمنين، أوْ أنْ يكونوا مُؤمِنينَ جَسَدِيِّينَ جِدًّا. وهناكَ فَرْقٌ بينَ أنْ تكونَ جَسَدِيًّا ولكنَّكَ تَدْرُسُ كلمةَ اللهِ، وبينَ أنْ تكونَ جَسَدِيًّا وتَضَعَ الكِتابَ المقدَّسَ جانِبًا. والحقيقةُ هي أنِّي أرى أنَّ هذهِ الحالَةَ هِيَ دَينونةٌ مِنَ الله.

أتَذكرونَ أنَّا تَحَدَّثْنا قبلَ بِضْعَةِ أسابيعَ عَنْ رُومية 1، وقُلنا إنَّهُ عِنْدَما يَدينُ اللهُ النَّاسَ فإنَّ أَحَدَ أشكالِ الدَّينونةِ هي أنْ يَسْمَحَ للنَّاسِ بالانْغِماسِ في الخَطايا الَّتي اخْتاروها، وأنْ يَسْمَحَ لهم بأنْ يَعيشوا عَواقِبَ تلكَ الخِيارات؟ فنحنُ نَقرأُ في رُومية 1: "لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ" ... "لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ" ... "لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ". فهي تَتَكَرَّرُ ثلاثَ مَرَّاتٍ. فَهُمْ لم يريدوا كَلِمَتَهُ. وهُمْ لم يُريدوا الحَقَّ المُخْتَصَّ بِهِ. لذلكَ فقد أَسْلَمَهُمُ اللهُ إلى ما يَرْغَبونَ في فِعْلِه. وهذا هُوَ الغَضَبُ النَّاجِمُ عَنِ التَّخَلِّي عنِ اللهِ. وأعتقدُ أنَّ واحِدًا مِنْ أشْكالِ ذلكَ الغَضَب هُوَ الآتي: إذا لم يَرْغَبِ النَّاسُ في كلمةِ اللهِ فإنَّ اللهَ سَيُسْلِمُهُمْ إلى الطَّريقِ الآخَرِ الَّذي لا مَناصَ مِنْهُ لِمَنْ يَرْفُضُها.

وهُناكَ مَثَلٌ رائعٌ على ذلك. افْتَحوا العهدَ القَديمَ على الأصْحاحِ الثَّامِنِ مِنْ سِفْرِ عاموس (عاموس، الأصحاح 8). ويَبْتَدِئُ السِّفْرُ الحَديثَ عَنْ عاموسَ بِوَصْفِهِ راعِيًا عادِيًّا جِدًّا مِنْ بَلْدَةْ "تَقُوع". ولكنَّهُ صارَ نَبِيًّا عظيمًا بعدَ أنْ دَعاهُ اللهُ وأعْطاهُ إعْلانًا عَجيبًا. ونحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّامِنِ والعدد 11 جُزْءًا مُهِمًّا مِنْ رِسالَتِهِ ... جُزْءًا مُهِمًّا مِنْ رِسالَتِهِ لإسرائيل. عاموس 8: 11: "هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، أُرْسِلُ جُوعًا فِي الأَرْضِ، لاَ جُوعًا لِلْخُبْزِ، وَلاَ عَطَشًا لِلْمَاءِ، بَلْ لاسْتِمَاعِ كَلِمَاتِ الرَّبِّ. فَيَجُولُونَ مِنْ بَحْرٍ إِلَى بَحْرٍ، وَمِنَ الشِّمَالِ إِلَى الْمَشْرِقِ، يَتَطَوَّحُونَ لِيَطْلُبُوا كَلِمَةَ الرَّبِّ فَلاَ يَجِدُونَهَا".

ويا لَها مِنْ رِسالَةٍ وَثيقَةِ الصِّلَةِ بحياتِهِم! فسوفَ يكونُ هُناكَ جُوْعٌ لكلمةِ الرَّبِّ. فسوفَ يَبحثونَ عنْها ولا يَجِدونَها. وهذهِ دينونةٌ إلهيَّةٌ على النَّاسِ الذينَ يَرْفُضونَ أنْ يَسْمَعوها عندما كانَتْ لديهم. وقبلَ ثمانية قُرون مِنْ مَجيءِ المسيح، كانتِ مَملكةُ إسرائيلَ الشَّماليَّة واثقةً بنفسها، ومُعْتَدَّةً بنفسِها حَقًّا، وتَشْعُر أنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام. ولكنَّها كانتْ مُخطئةً في ذلك. فقد كانتِ أخلاقيَّاتُ النَّاسِ مُنْحَطَّة. ويَكفي أنْ تَقرأوا نُبوءةَ عاموسَ بكامِلِها لمعرفةِ ما كانَ يَجري آنذاك. فقد كانتِ الأخلاقيَّاتُ مُنْحَطَّةً، والصِّدْقُ لم يَعُدْ لَهُ وُجودٌ، وكانَتْ إساءَةُ مُعامَلَةِ الفُقَراءِ أمْرًا شائِعًا. وكانتِ الطَّبقةُ الغَنِيَّةُ فاسِدَةً. ولكنَّ المالَ كانَ وَفيرًا، والرَّخاءُ كانَ واسِعَ الانتشارِ، وكانَ النَّاسُ يَشْتَرِكونَ في العِبادَةِ.

ولكِنْ إذا أرَدْتُمْ أنْ تَعرفوا رأيَ اللهِ في عِبادَتِهم، انظروا إلى الأصحاحِ الخامِسِ: "بَغَضْتُ، كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُمْ" ... [أيْ: "أنا لا أُحِبُّ عِبادَتَكُمْ ولا أُحِبُّ اجْتِماعاتَكُمْ"] ... "إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لاَ أَرْتَضِي، وَذَبَائِحَ السَّلاَمَةِ مِنْ مُسَمَّنَاتِكُمْ لاَ أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. أَبْعِدْ عَنِّي ضَجَّةَ أَغَانِيكَ، وَنَغْمَةَ رَبَابِكَ لاَ أَسْمَعُ". بعبارةٍ أُخرى: "أنا لا أُطيقُ عِبادَتَكُمْ. وأنا لا اُحِبُّ أغانيكُمْ. وأنا لا أُحِبُّ مُوسيقاكُم، ولا أُحِبُّ تَقْدِماتِكُم. أنا لا أُحِبُّ أيًّا مِنْ هذهِ الأشياءِ".

وقد كانَ شَعْبُ إسرائيلَ يَظُنُّ أنَّ اللهَ إلى جانِبِهِمْ. فقد خُدِعوا بالرَّخاءِ في ذلكَ الخُصوص. وقد ظَنُّوا أنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام. ولكنَّهم كانوا خُطاةً إذْ كانتِ الخطيَّةُ والإثْمُ مُنتشرَيْنِ على نِطاقٍ واسِعٍ. ولكنَّهم حافَظوا على هذا المَظْهَرِ السَّطحِيِّ للعبادة. وقد ظَنُّوا أنَّ اللهَ إلى جانِبِهم، إلى أنْ أَسْقَطَ اللهُ تلكَ القُنْبُلَةَ على إسرائيل. وقد كانَ لتلكَ القُنبلة اسْمٌ وَهُوَ: "عاموس". فقد انْطَلَقَ في السَّامِرَةِ وراحَ يُنادي في أرْجاءِ السَّامِرَةِ كُلِّها بِوَصْفِهِ نَبِيًّا يُنْبِئُ بالدَّينونة. وقدِ ابْتَدأَ بالقولَ إنَّ اللهَ سَيَدينُهُم. فاللهُ سَيَدينُكُمْ. وسوفَ تكون دَينونَتُهُ قَوِيَّةً إذْ إنَّهُ سَيَحْكُمُ عليكُمْ حُكْمًا شَديدًا.

ونَقرأُ في الأصْحاحِ الثَّاني وَالعَدَدِ السَّادِسِ: "هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: «مِنْ أَجْلِ ذُنُوبِ إِسْرَائِيلَ الثَّلاَثَةِ وَالأَرْبَعَةِ لاَ أَرْجعُ عَنْهُ»". ونَقرأُ في الأصحاحِ الثالثِ والعددِ الأوَّل: "اِسْمَعُوا هذَا الْقَوْلَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ عَلَيْكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، عَلَى كُلِّ الْقَبِيلَةِ الَّتِي أَصْعَدْتُهَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ قَائِلاً: «إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ، لِذلِكَ أُعَاقِبُكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذُنُوبِكُمْ»". فامْتيازاتُكُمْ جَعَلَتْ دَيْنونَتَكُمْ أَقْسَى. ونَقرأُ الشَّيءَ نَفسَهُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعددِ الثاني عَشَر: "«لِذلِكَ هكَذَا أَصْنَعُ بِكَ يَا إِسْرَائِيلُ. فَمِنْ أَجْلِ أَنِّي أَصْنَعُ بِكَ هذَا (وهذِهِ كَلِماتٌ شَهيرَةٌ): فَاسْتَعِدَّ لِلِقَاءِ إِلهِكَ يَا إِسْرَائِيلُ»". بعبارةٍ أُخرى: "أنْتُمْ على وَشْكِ مُقابلةِ اللهِ الدَّيَّانِ وَجْهًا لِوَجْهٍ. فاسْتَعِدُّوا".

إنَّ هذا السِّفْرَ بمُجْمَلِهِ هُوَ إعْلانٌ للدَّينونةِ الإلهيَّةِ الَّتي تَحَقَّقتْ عندما جاءَ الأشورِيُّونَ في سنة 722 قبلَ الميلادِ ودَمَّروا المملكةَ الشَّماليَّةَ، وسَبَوْا شَعْبَها إلى غَيْرِ عَوْدَة. وبذلكَ هَلَكَ جِيْلُ المَملكةِ الشَّماليَّةِ. فعاموسُ يَقولُ في الأصحاحِ الخامسِ والعدد 27: "«فَأَسْبِيكُمْ إِلَى مَا وَرَاءَ دِمَشْقَ» قَالَ الرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ اسْمُهُ". فقدِ انْتَهى كُلُّ شَيءٍ ... لقدِ انْتَهى. ولكِنَّ الأسوأَ مِن هَذا كُلِّهِ هُوَ أنَّهُ في الوقتِ الَّذي ستَبتدئُ فيهِ الدَّينونة، ستُواجِهونَ مُشكلةً كبيرةً. وهذا يُعيدُنا إلى الأصحاحِ الثَّامِنِ. فسوفَ تَخْتَبِرونَ المَجاعَةَ، لا جُوْعًا للخُبْزِ ولا عَطَشًا للماءِ، بل لِسَماعِ كَلامِ الرَّبِّ. وسوفَ تَجُولُونَ في جَميعِ أرْجاءِ المَكانِ وتَرُوحُونَ وَتَجيئونَ في مُحاولةٍ للعُثورِ على كلمةٍ مِنَ الرَّبِّ، ولكنَّكُمْ لن تَجِدوها ... لن تَجِدوها.

وكم هَذا مَأساوِيٌّ! ولكنَّ هذهِ دَينونةٌ إلهيَّةٌ حينَ يَقولُ اللهُ: "أنْتُم لم تَسمَعوا كَلامي، لذلكَ لن أَتكلَّمَ مَعَكُمْ بعدَ الآن". وقد حَدَثَ ذلكَ، وَهُوَ يَحْدُثُ ثانِيَةً. وأنا أَخْشى أنَّهُ كما أنَّ النَّاسَ لم يَعُودوا يَسْمَعونَ في زَمَنِ عاموس، فإنَّهُ سيَأتي وقتٌ لا يَتَمَكَّنونَ فيهِ مِنَ العُثورِ على الحَقِّ. وهذا البَلَدُ (كَما هُوَ واضِحٌ مِنْ تاريخِهِ) شَهِدَ عَصْرًا عَظيمًا مِنَ الوَعْظِ الرَّائِعِ في بِدايَتِهِ، وشَهِدَ يَقَظَةً عَظيمَةً حَتَّى في الأزمنةِ الحديثةِ عندما كانَ هُناكَ تَوافُقٌ في الوعْظِ وكانَتْ هُناكَ كِرازَةٌ بالإنجيل. ولكنَّ الإنجيلَ لم يَجِدْ قَبولًا مِنَ النَّاسِ، ولم يُقابَلْ بالإيمانِ مِنَ النَّاسِ خارِجَ المَلَكوتِ، ولا حَتَّى مِنْ أولئكَ الذينَ هُمْ داخِلَ المَلَكوتِ ولكنَّهُمْ أساؤوا إليهِ وهاجَموهُ بالطُّرُقِ الَّتي أَشَرْتُ إليها في الأسبوعِ الماضي.

ولكنَّ النَّاسَ الذينَ يَرْفُضونَ الاستماعَ إلى كلمةِ الرَّبِّ سيجدونَ أنَّ الرَّبَّ لم يَعُدْ لديهِ كَلامٌ يَقولُهُ لَهُم. فكلمةُ اللهِ مُتاحَة. ولكِنْ عندما تأتي دينونةُ اللهِ، فإنَّها لَنْ تَعُدْ مُتاحَة. وما لدينا اليومَ حَتَّى في بَلَدِنا (وأنا لا أستطيعُ أنْ أتكلَّمَ عنِ اللهِ بشأنِ مَوْعِدِ الدَّينونةِ)، ولكِنْ يمكنني أنْ أقولَ لكمُ الآتي: هناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يَدَّعونَ أنهم يَتَكَلَّمونَ بِلِسَانِ اللهِ حَتَّى باتَ مِنَ المُستحيلِ على غيرِ المؤمنينَ أنْ يُمَيِّزوا هُوِيَّةِ الأشخاصِ الحقيقيِّينَ الذينَ يَتَكَلَّمونَ باسْمِ اللهِ. وقد صارَتْ كلمةُ اللهِ أكْثَرَ نُدْرَةً لغيرِ المؤمنين. بل إنَّ مَنْ يُؤمِنونَ بكلمةِ اللهِ يَخْشَوْنَ أنْ يُنادوا بها لأنَّها تُسيءُ إلى كَثيرين. لذلكَ فإنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ تلكَ استراتيجيَّة سَيِّئَة.

إنَّ هذا المُجتمعَ يُريدُ كُلَّ شيءٍ عَدا عَنِ الكِتابِ المقدَّسِ. والكنيسةُ راضِيَةٌ، على ما يَبدو، بإعْطائِهِمْ كُلّ شَيءٍ عَدا عنْ كلمةِ اللهِ. وأولئكَ الذينَ يَتَمَسَّكونَ بسُلْطانِ الكِتابِ المُقَدَّسِ وَصَدارَتِهِ ... والذينَ يَتمسَّكونَ بسُلْطانِ العَقيدةِ القويمةِ وصَدارَتِها، وأولئكَ المُتَعَقِّلونَ والجادُّونَ والمُجْتَهِدونَ في دِراسَةِ كلمةِ اللهِ والوَعْظِ بها يُواجَهونَ بالسُّخريةِ مِنَ العالمِ، ومِنَ المُجتمعِ، ومِنْ كَثيرينَ في الكَنيسةِ - بالرَّغمِ مِنْ قَناعتي بأنَّ المؤمنينَ الحقيقيِّينَ ... المُؤمِنينَ الحَقيقيِّينَ يَتوقونَ إلى مَعرفةِ الحَقِّ، وأنَّهم يَفعلونَ كُلَّ ما في استِطاعَتِهِمْ للعُثورِ على الأشخاصِ الَّذينَ يُقَدِّمونَ الحَقَّ لهم. وهذا يَقودُنا إلى سؤالٍ أريدُ أنْ أُجيبَ عَنهُ جُزْئِيًّا في هذهِ اللَّيلة: "كيفَ آمَنَّا بالكِتابِ المقدَّسِ؟" أوْ: "لِماذا نُؤمِنُ بالكِتابِ المُقَدَّسِ؟"

فلماذا نأتي إلى هُنا أسبوعًا بعدَ أسبوعٍ بعدَ أسبوع، وفي صَباحِ يومِ الأحد، وفي مَساءِ يومِ الأحد؟ ولماذا تَذهبونَ إلى اجتماعاتِ الشَّرِكَةِ في الصَّباحِ، وتَذهبونَ إلى دُروسِ الكِتابِ المقدَّسِ أثناء الأسبوعِ، وتأتونَ لتأخذوا دروسَ اللُّوغوس (Logos Class)، وتَذهبونَ إلى كُلِّيَّةِ المُعَلِّم (Master’s College) أو إلى كُلِّيَّةِ اللَّاهوتِ لدراسةِ الكِتابِ المقدَّسِ؟ ولماذا تَذهبونَ إلى المَكْتَباتِ وتَشترونَ مِئاتَ أوْ آلافَ الكُتُبِ والأشرطةِ والأقراصِ المَضغوطَةِ؟ ولماذا تَستمرُّونَ في الشُّرْبِ مِنْ ماءِ كَلِمَةِ اللهِ؟ وما الَّذي جاءَ بِكُمْ إلى هذا المُؤتَمَر؟

هل أنتم أَذكى مِنَ الآخرين؟ وهل أنْتُمُ النُّخبةُ الفِكْرِيَّةُ في العَالَمِ؟ أَمْ أنَّ هُناكَ شَخْصًا أَثارَ قَضِيَّةَ صِحَّةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ فوَجَدْتُمْ أنَّ ذلكَ المَوضوعَ عَميقٌ ويسْتَحِقُّ الدَّرْسَ؟ أو هل وَجَدْنا بعضَ البراهينِ المَنطقيَّةِ الَّتي جَعَلَتْنا نُؤمِنُ بالكِتابِ المقدَّسِ؟ وهل نحنُ أذْكى أُناسٍ أوْ أكْثَرُ أُناسٍ نُفَكِّرُ بعقلانيَّة؟ أَمْ أنَّنا سَمِعْنا أوْضَحَ وَأَدَقَّ وَأفْضَلَ تَفْسيرِ عَنْ صِحَّةِ الكِتابِ المقدَّسِ؟ هل نَحْنُ هُنا لِسَبَبٍ مِنْ هذِهِ الأسبابِ؟

لا أظُنُّ ذلك. فنحنُ لسنا الأكْثَرُ نُبْلًا أوْ قُوَّةً، بل نحنُ المُزْدَرى وغيرُ المَوجودِ واللَّاشيء. ونحنُ لسنا نُخْبَة العالم. إذًا، كيفَ وَصَلْنا إلى هذهِ القناعةِ بأنَّنا نَحْيا بِكُلِّ كَلمةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ؟ ولماذا نحنُ في هذهِ الكنيسةِ ولسنا في كنيسةٍ أخرى مِنَ الكَنائِسِ الَّتي تَجْري فيها أُمورٌ كَثيرَةٌ سَخيفَة؟ ولماذا أنْتُمْ في الكنيسةِ أصْلًا؟ ولماذا تَشْتَرونَ الكُتُبَ المُقَدَّسَةَ؟ لماذا تَشْتَرونَ الكُتُبَ المُقَدَّسَةَ الدِّراسِيَّةَ، وكُتُبَ التَّفسيرِ، وكُتُبَ التَّأمُّلاتِ، والخُطَطَ اليوميَّةَ لقراءةِ الكِتابِ المقدَّسِ، والكُتُبَ الأُخرى المُخْتَصَّةَ بالكِتابِ المقدَّسِ؟ لماذا؟ لماذا؟ ومِنْ أيْنَ لَكُمْ كُلُّ هذهِ الثِّقَة؟ ولماذا تَرْغَبونَ في دِراسَتِهِ؟ ولماذا يَعنيكُمْ كثيرًا أنْ تَسمعوا شَرْحًا لكلمةِ اللهِ؟

اسمَحوا لي أنْ أُقَدِّمَ لكم مَجموعةً مِنَ التَّعليقاتِ الَّتي صَدَرَتْ عَنْ أُناسٍ تَرَكوا تأثيرًا. فقد قالَ مارتن لوثر: "لا يمكنُكَ أنْ تَفهمَ الكِتابَ المقدَّسَ بمُجَرَّدِ الدِّراسةِ أوِ الموهبةِ. بل يجبُ عليكَ أنْ تَعْتَمِدَ على تَأثيرِ الرُّوحِ القُدُس". وقد قالَ "زوينغلي" (وَهُوَ مُصْلِحُ آخَر): "حَتَّى لو تَسَلَّمْتَ إنْجيلَ يَسوعَ المسيحِ مِنْ واحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ مُباشَرَةً، لا يمكنكَ أنْ تُطَبِّقَ ما جاءَ فيهِ إلَّا إذا عَلَّمَكَ أبوكَ السَّماوِيُّ ذلك".

وقد كانَ "جون كالفِن" مُقْتَنِعًا أيضًا بأنَّ الإنْسانَ يُؤمِنُ بكلمةِ اللهِ عندما يُجَدِّدُ اللهُ القَلْبَ. لذلكَ اسْتَمِعوا إلى ما كَتَبَهُ "كالفِن": "إنَّ شَهادةَ الرُّوحِ القُدُسِ تَسْمو على العَقْلِ". وهذِهِ جُمْلَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا. "إنَّ شَهادةَ الرُّوحِ القُدُسِ تَسْمو على العَقْلِ لأنَّ هذهِ الكلماتِ (أيْ كَلِماتِ الكِتابِ المُقَدَّسِ) لن تَحْظى بالقَبولِ الكامِلِ في قُلوبِ النَّاسِ إلَّا حينَ يُخْتَمونَ بِشَهادَةِ الرُّوحِ القُدُسِ الدَّاخِلِيَّةِ. ولأنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَشْهَدُ عَنْ نَفْسِهِ بنفسِهِ، فإنَّنا لا نُؤمِنُ بهِ بسببِ البراهينِ والمُجادَلاتِ، بل إنَّنا نَدينُ بالفَضْلِ فيما يَخْتَصُّ بِقَبولِنا التَّامِّ لَهُ لشَهادةِ الرُّوحِ القُدُسِ". وهذهِ كلماتٌ عَميقَةٌ وصَحيحةٌ تمامًا.

ويقولُ كالفِن أيضًا: "إنَّ مُوسى والأنْبياء شَهِدوا بشجاعةٍ ودونَ خَوْفٍ بالحَقِّ أنَّ فَمَ الرَّبِّ هُوَ الَّذي تَكَلَّم. والرُّوحُ نَفْسُهُ يَشْهَدُ الآنَ لقُلوبِنا أنَّهُ عَيَّنَهُمْ كَخُدَّامٍ لَهُ لِتَعليمِنا. لذلكَ، يجبُ ألَّا نَتَعَجَّبَ إنْ وَجَدْنا كَثيرينَ يَشُكُّونَ في كاتِبِ الأسفارِ المُقَدَّسَةِ لأنَّهُ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّ جَلالَ اللهِ ظاهِرٌ فيهِ، لا يمكنُ لأحدٍ غير أولئكَ الَّذينَ اسْتَناروا بواسِطَةِ الرُّوحِ القُدُسِ أنْ يَمْتَلِكوا عُيونًا لِرُؤيَةِ ما كانَ يَنْبَغي أنْ يَكونَ مَنْظورًا مِنَ الجَميعِ ولكنَّهُ ليسَ مَنْظورًا إلَّا مِنْ قِبَلِ المُخْتارينَ فقط".

لذلكَ، لا يُمكنُنا بأيِّ طَريقةٍ مِنَ الطُّرُقِ أنْ نُحْسَبَ أنَّنا النُّخبةُ الفِكْرِيَّةُ في العالم. والحقيقةُ هي أنَّهُ لكي تَدْخُلوا الملكوتَ، يجب أنْ تَصيروا صِغارًا كَمَنْ؟ كالأطفال. فنحنُ لَسْنا الشُّرفاءَ أوِ الأقوياءَ أوِ المُثَقَّفينَ أوِ النُّخبة. ونحنُ لسنا الفَلاسِفَة والحُكَماء. ولكنَّ هذا ليسَ ما يَجْعَلُكَ تَثِقُ بالكتابِ المقدَّسِ. وقد قالَ كالفِن ذلك. فالمَنْطِقُ ليسَ السَّبب، بل هِيَ شَهادَةُ الرُّوحِ القُدُسِ الَّتي تَسْمُو على العَقْلِ.

فأنا أُوْمِنُ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ كلمةُ اللهِ بِذاتِ الطريقةِ الَّتي أُوْمِنُ فيها أنَّ يسوعَ المسيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ، وبذاتِ الطريقةِ الَّتي أُوْمِنُ فيها أنَّ اللهَ هُوَ إلَهُ الكِتابِ المُقَدَّسِ وَأنَّهُ مُثَلَّثُ الأقانيمِ، وبذاتِ الطريقةِ الَّتي أُوْمِنُ فيها أنَّ الخلاصَ هُوَ بالنِّعْمَةِ فقط بالإيمان لأنَّ اللهَ وَضَعَ هذِهِ الثِّقَةَ في قَلبي. وَهل هذا يَصْمُدُ أمامَ امْتِحانِ المَنْطِقِ؟ أجَلْ. ولكِنَّ هذا ليسَ مَصْدَرَ هذِهِ القَناعَة. بل هِيَ الشَّهادةُ الداخليَّةُ للروحِ القُدُسِ في قُلوبِنا. فالرُّوحُ نَفْسُهُ هُوَ الَّذي يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. والرُّوحُ هُوَ الَّذي يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أنَّ كَلِمَةَ اللهِ صَحيحةٌ وجَديرَةٌ بالثِّقَة.

وفي رِسالةِ تسالونيكي الأولى 1: 4 و 5، يَقولُ بولسُ بخصوصِ كِرازَتِهِ والإعلانِ الَّذي أَعْطاهُ اللهُ مِنْ خِلالِهِ: "عَالِمِينَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ اللهِ اخْتِيَارَكُمْ، أَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِالْكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ بِالْقُوَّةِ أَيْضًا، وَبِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَبِيَقِينٍ شَدِيدٍ". ولكِنْ لماذا يَسْمَعُ أُناسٌ الكِرازَةَ بالإنْجيلِ فيأتي إليهم بالقوَّة، ويأتي بالرُّوحِ القُدُسِ، ويأتي بِيَقينٍ شَديدٍ (كَما يَقولُ بولُسُ) فَتَعْلَمونَ اخْتيارَكُمْ؟ لأنَّ اللهَ اخْتارَكُمْ لِتَفْهَموا هذا. فنحنُ نَقرأُ في رسالةِ كورِنثوسَ الأولى 2: 4 و 5: "وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ [فأنْتُمْ لا تَحْتاجونَ إلى ذلك]، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ".

ويا لَهُ مِنْ كَارِزٍ! فقد كانَ وَعْظُهُ واضِحًا ومُباشِرًا وبسيطًا، ليسَ بكلامِ الحِكمةِ البَشَرِيَّةِ. وقد كانَ يَكْرِزُ بالمسيحِ وبِهِ مَصْلوبًا. وقد حَافَظَ على أنْ تَكونَ الرِّسالةُ واضِحَةً جدًّا ومُباشِرَةً جِدًّا. وَهُوَ لم يَصِغْ وَعْظَهُ بِأسْلوبٍ ثَقافِيٍّ لكي يَجْعَلُهُ مُناسِبًا للمنطقِ البشريِّ. بل إنَّهُ يَقولُ إنَّهُ لم يَكُنْ يَكْرِزُ بكلامِ الحِكمةِ الإنسانيَّةِ المُقْنِع، بل بِبُرْهانِ الرُّوحِ والقُوَّة. فقد كانَتْ كِرازَتي مُباشِرَةٌ وبسيطَةٌ. وقد كانَ لها تأثيرٌ هائلٌ. وهذِهِ ليستْ شَهادَةٌ لِمَهاراتي كَخَطيبٍ، بل هِيَ شَهادةٌ عظيمةٌ للرُّوحِ القُدُسِ وقُوَّتِهِ. وهُوَ يَقولُ: "لِكَيْ لاَ يَكُونَ إِيمَانُكُمْ [أيْ إيمانُكُمْ بالحَقِّ] بِحِكْمَةِ النَّاسِ" ... أيْ ليسَ لأنَّ الكِرازَةَ كانَتْ عَقلانِيَّةً ومَنْطِقِيَّةً ... "بَلْ بِقُوَّةِ اللهِ".

والشَّيءُ نَفْسُهُ الَّذي يَصحُّ على كِرازَةِ بولسُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيضًا عَنْ كُلِّ إعلانِ اللهِ. فَهُوَ حَقٌّ مَوْضوعِيٌّ. وَهُوَ ذاتُ كَلِمَةِ اللهِ. وَهُوَ يَجْتازُ فَحْصَ العَقْلِ وفَحْصَ التَّدقيقِ والتَّمحيصِ والتَّاريخ. ولكِنَّ إيمانَكُمْ بِكلمةِ اللهِ يَتطلَّبُ عَمَلًا عظيمًا مِنَ الرُّوحِ القُدُس. فنحنُ نُؤمِنُ بكلِمَةِ اللهِ لأنَّنا حَصَلْنا على القُوَّةِ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ للذَّهابِ إلى أَبْعَدِ ما يُمْكِنُ للمَنْطِقِ أنْ يَصْحَبَنا.

وَأَذْكُرُ أنِّي كُنْتُ قبلَ سَنَواتٍ مَضَتْ أتَكَلَّمُ في كُلِّيَّةٍ، وتَحْديدًا في "كُليَّة ويتيير" (Whittier College). فقد طَلَبوا مِنِّي أنْ أذْهَبَ إلى هُناكَ على مَدارِ ثلاثِ لَيالٍ لإثباتِ صِحَّةِ الكِتابِ المقدَّسِ. وقد كنتُ صَغيرَ السِّنِّ فَظَنَنْتُ أنَّ ذلكَ سيكونُ رائعًا. فأنا أُوْمِنُ أنَّهُ صَحيحٌ وأنا أعْتَقِدُ أنِّي أستطيعُ أنْ أُقَدِّمَ بعضَ البَراهين. لذلكَ فقد كَتَبْتُ لائحةً طويلةً بالبَراهين. فالكِتابُ المقدَّسُ صَحيحٌ بسببِ وَحْدَتِهِ. فَهُوَ لا يُناقِضُ نَفْسَهُ. وَالكِتابُ المقدَّسُ صَحيحٌ بسببِ صِحَّتِهِ العِلميَّةِ. فَهُوَ يَقولُ إنَّ اللهَ يُعَلِّقُ العالَمَ على لا شَيء. وهذا أمْرٌ مُهِمٌّ جِدًّا. وهُوَ يَقولُ إنَّ الأرْضَ تَتَشَكَّلُ كَطِينٍ تَحْتَ الخَاتَمِ، وإنَّها تَدورُ حَوْلَ مِحْوَرٍ. فهذا هُوَ ما يَفْعَلونَهُ بالطِّينِ عندما يُريدونَ أنْ يَضَعوا تَوْقيعًا على الطِّينِ الطَّرِيِّ.

وَهُوَ يَتحدَّثُ عَنْ مَسارِ الشَّمْسِ الَّتي تَتَحَرَّكُ مِنْ أَقْصى الفَضاءِ إلى أقْصاه. كذلكَ فإنَّ دَورةَ المِياهِ مَذكورة في سِفْرِ إشَعْياء. فهناكَ أمورٌ عِلميَّةٌ كثيرةٌ يُمْكِنُنا أنْ نَذْكُرَها. فَهُناكَ الدِّقَّةُ العِلميَّةُ في عالَمٍ كانَ فيهِ العِلْمُ في بِدايَتِهِ عندما كُتِبَتْ هذهِ الأُمورُ. وهذهِ شَهادَةٌ لصِحَّةِ الكِتابِ المقدَّسِ. ثُمَّ تَحَدَّثْتُ عنْ دِقَّتِهِ التَّاريخيَّةِ، والاكتشافاتِ الأثريَّةِ، وكُلِّ هذهِ الأشياءِ. وقد ذَكَرْتُ جَميعَ التَّفاصيل.

وقد تَحَدَّثْتُ عنِ المُعجزاتِ. فهل مِنْ طريقةٍ أُخرى لتَفسيرِ المُعجزاتِ الَّتي رَآها مِئاتُ وآلافُ النَّاسِ؟ فالمُعجزاتُ الَّتي لا تَفسيرَ آخَرَ لها، والأحداثُ المُعْجِزِيَّةُ، والطَّبيعةُ المُعجِزيَّةُ، والتَّأكيدُ المُعْجِزِيُّ مِنْ خِلالِ حياةِ رَبِّنا ومِنْ خلالِ حياةِ الرُّسُلِ ورُفَقائِهمِ الذينَ كَتَبوا الأسْفارَ الكِتابِيَّة. فقد تَحَدَّثْتُ عَنْ هذا كُلِّهِ. وقد تَحَدَّثتُ أيضًا عن شَخصِ يَسوعَ المسيحِ الَّذي كانَ أَسْمى مِنَ البَشَرِ ولا يمكنُ لأحدٍ أنْ يَخْتَرِعَهُ. وقد طَرَحْتُ كُلَّ البَراهينِ بعِنايَة وظَنَنْتُ حَقًّا أنَّ البراهينَ كانَتْ دامِغَةً. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ، وَحَسَبَ عِلْمي، لم يَقْتَنِعْ أيُّ طالِبٍ مِنَ الطَّلَبَةِ بذلك.

وقد غادرْتُ وأنا أُفَكِّرُ بوجودِ شيءٍ آخَرَ هُنا غيرَ المَنْطِق. وحينئذٍ ابتدأتُ أُدْرِكُ مَعْنى ما جاءَ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 2: 14. أرجو أنْ تَفتحوا على هذهِ الرِّسالة. فقد كانتْ هذهِ هي المُقَدِّمة. والآن، سنَتأمَّلُ في النَّصِّ. رِسالةُ كورِنثوس الأولى 2: 14. وإليكُمْ تلخيصًا للمشكلة: "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ [أيْ: يُقَيَّمُ وَيُفْحَصُ] رُوحِيًّا". إذًا، هذهِ هيَ الإجابة. فذلكَ مُسْتَحيل.

إنَّ الأدِلَّةَ لن تَحُلُّ المَسألةَ مِنْ تِلقاءِ ذاتِها. والمَنْطِقُ البشريُّ لا يَقْدِرُ أنْ يُوْصِلَكَ إلى هُناك. فالإنسانُ الطَّبيعيُّ لا يَقْبَلُ ذلكَ لأنَّهُ لا يَقْدِر. وَهُوَ لا يُؤمِنُ لأنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يُؤمِن. وهُناكَ حَقيقَةٌ صارِخَةٌ بخُصوصِ العِبارة "لا يَقْدِر". فَهُوَ لا يَقْدِرُ لأنَّهُ طَبيعِيٌّ وليسَ رُوْحِيًّا. فَهُوَ لا يَمْلِكُ أيَّ مُقَوِّماتٍ رُوحِيَّةٍ. فَضْلًا عن ذلك، فإنَّهُ لا يَقْدِر ... انظروا إلى الأصحاحِ الرابعِ مِنْ رسالةِ كورِنثوس الثانية ... فهذا يَزيدُ مِنْ عَدَمِ قُدرَتِه. فبولسُ يقولُ في العدد 3: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُومًا" ... فنحنُ نَكْرِزُ بالإنجيلِ، ولكنَّ النَّاسَ لا يُؤمِنونَ جميعًا. ونحنُ نَعلمُ ذلك. "إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُومًا، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي الْهَالِكِينَ" ... "فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي الْهَالِكِينَ".

فَهُوَ مَكْتومٌ بالنِّسبةِ إلى الأشخاصِ المُتَّجِهينَ إلى جَهَنَّم. في أيِّ حالة؟ نَقرأُ في العدد 4: "الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ". فَهُمْ لا يُؤمِنونَ لأنَّهُمْ لا يَقْدِرون. وَهُمْ لا يَقدرونَ لأنهم طَبيعيُّونَ وليسوا روحِيِّين. وهُمْ لا يَقدرونَ لأنهم أمواتٌ وليسوا أحياء. وهُم لا يَقدرونَ لأنَّ إلَهَ هذا الدَّهْرِ أَعْمى أذْهانَهُمْ. وَإلَهُ هذا الدَّهْرِ هُوَ (كما تَعلمون): الشَّيطان.

ولكِنْ هُناكَ المَزيد. ارْجِعوا إلى مَتَّى، الأصحاح 11. فلكي أُريكُمْ مَدى اسْتِفْحالِ حالَتِهِمْ، وَمدى اسْتِفْحالِ الظَّلامِ في حَياتِهم، فإنَّ يَسوعَ يَقولُ في إنجيل مَتَّى 11: 25: "أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَحْمَدُكَ أَيُّـهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ»". عَجَبًا! فالسَّبَبُ لا يَرْجِعُ فقط إلى أنَّ الحَالةَ الطَّبيعيَّةَ هِيَ الَّتي تَجْعَلُ الإنْسانَ غيرَ قادِرٍ أنْ يُؤمِن. والسَّبَبُ لا يَرْجِعُ أيضًا إلى أنَّ الشَّيطانَ يَجْعَلُ الإنسانَ غيرَ قادرٍ أنْ يُؤمِن. بل هُناكَ أيضًا دينونةُ اللهِ إذْ إنَّ اللهَ أَخْفى هذِهِ الأشياءَ عَنِ الحُكَماءِ والفُهَماءِ.

لماذا؟ نَجِدُ الإجابةَ في العدد 26. وإليكُم الجوابَ الَّذي قَدَّمَهُ يَسوعُ في صَلاتِهِ إلى الآب: "نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ". هذا هوَ الجَوابُ الوحيد. هل أنْتُمْ مُستعدُّونَ لذلك؟ فلا يوجدُ جوابٌ آخر سِوى أنَّهُ سُرَّ بأنْ يَفعلَ ذلك ... سُرَّ بأنْ يَفعلَ ذلك. فقد سُرَّ اللهُ بأنْ يُخْفي هذهِ الأشياءِ عنِ الحُكَماءِ والفُهَماءِ. لذلكَ، لا يمكنكَ أنْ تَصِلَ إلى هُناكَ بواسطةِ المَنطقِ، ولا حَتَّى بواسِطَةِ المَنْطِقِ في أَسْمَى حالاتِهِ، ولا بالمَنْطِقِ في أَفْضَلِ حالاتِهِ. فكيفَ يُعْقلُ أنَّ "آينشتاين" (الَّذي يُزْعَمُ بأنَّهُ أذْكى رَجُلٍ عاشَ على الأرْضِ)، كيفَ يُعْقَلُ أنْ يَعيشَ حَياتَهُ دونَ أنْ يَفْهَمَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وُجودِ إلَهٍ، ودونَ أنْ يُدرِكَ بِعَقْلِهِ الكَبيرِ أنَّ إلَهَ الكِتابِ المقدَّسِ هُوَ ذلكَ الإله؟

وكيفَ يُعْقَلُ أنَّ يَنْكَبَّ عُلَماءٌ كَثيرونَ على دراسةِ الكتابِ المقدَّسِ وأنْ يَقوموا بدراساتٍ حولَ يسوعَ التَّاريخيِّ، وَأنْ يَدْرُسوا حياةَ المَسيحِ، وَأنْ يَنْكَبُّوا على دراسةِ العهدِ القديمِ ... فهناكَ آلافُ، بل مِئاتُ الآلافِ مِنْ عُلَماءِ الكِتابِ المقدَّسِ الَّذينَ قَرأوا الأسفارَ المقدَّسَةَ. وهُناكَ جَميعُ أنواعِ مَنْ يُطْلَقُ عليهم لَقَب "عُلَماءُ ومُعَلِّمو العهدِ الجديد" في الجامعاتِ وكُلِّيَّاتِ اللَّاهوتِ في كُلِّيَّاتِ التَّربيةِ الدينيَّةِ مِمَّنْ لا يَفْهَمونَ كلمةَ اللهِ مَعَ أنَّهُمْ يَمْتَلِكونَ عُقولًا كبيرةً؟

والجوابُ هُوَ التَّالي: إنَّ الإنسانَ الطبيعيَّ لا يَقْدِرُ أنْ يَفْهَمَ ذلكَ لأنَّهُ مَوْجودٌ في بُعْدٍ آخَر. والظَّلامُ الَّذي يَعيشُ فيهِ الإنسانُ الطبيعيُّ يَتَفاقَمُ بالعَمى الَّذي يُسَبِّبُهُ الشَّيطانُ. فالإنسانُ مُنْجَذِبٌ جِدًّا إلى مَملكةِ الإثْمِ حَتَّى إنهُ يَهربُ مِنَ الحَقِّ الَّذي يَكْشِفُ خَطيئَتَهُ. ثُمَّ إنَّ اللهَ نَفْسَهُ يَضَعُ حُدودًا للكَشْفِ عَنِ الحَقِّ فيُخْفيهِ عنِ الحُكَماءِ والفُهَماءِ، ويُعْلِنُهُ للأطفال. وقد كانَ هذا واضحًا تَمامَ الوضوحِ مِنْ خلالِ اختيارِ التَّلاميذِ الاثْنَيْ عَشَر. أليسَ كذلك؟ فقد كانَ هؤلاءِ الاثنا عَشَرَ تلميذًا أُناسًا مَغمورينَ، ولم يَكُنْ أَحَدٌ منهم مِنْ مُعَلِّمي اليهودِ، ولا مِنَ الوُعَّاظِ، ولا مِنْ رُؤساءِ المَجْمَعِ، ولا مِنَ الفَريسيِّينَ، ولا مِنَ الصَّدُّوقِيِّينَ، ولا مِنَ الكَتَبَة.

فقد تَجاهَلَ يَسوعُ جَميعَ العُلَماءِ وَجميعَ النُّخْبَةِ. فقد كانَ سَبْعَةٌ مِنْ تلاميذِهِ صَيَّادي سَمَك – أُناسًا يَعْمَلونَ بأيديهم. وكانَ واحِدٌ منهم جَابي ضَرائِبَ يَنْبُذُهُ المُجتَمَع. ولماذا فَعَلَ اللهُ ذلك؟ نَجِدُ الجوابَ في رسالةِ كورِنثوسَ الأولى 1: 26. وقد أَشَرْنا إلى ذلك. واسمَحوا لي أنْ أقرأَ هذهِ الآية لكُم: "فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ، لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ".

والآن، استَمِعوا إلى الآيَةِ التَّالية: "وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ". فَفَقَطْ مِنْ خِلالِ قِيامِ اللهِ بذلكَ، صَارَ بإمْكانِكُمْ أنْ تُؤمِنوا بالحَقِّ الَّذي أَعْلَنَهُ الله. "وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ". فالشيءُ الوحيدُ الَّذي يَجعلُ أيَّ شخصٍ يَقبلُ الحِكمةَ الإلهيَّةَ هُوَ عَمَلُ اللهِ في ذلكَ القلب. فالحِكْمَةُ الإلهيَّةُ، والبِرُّ، والتَّقديسُ، والفِداءُ هِيَ جَميعُها أُمورٌ نَحْصُلُ عليها مِنَ اللهِ لأنَّ اللهَ اختارَ أنْ يُعْطيها لنا حَتَّى كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ (في العَدَد 31): "مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ". فلا يُمكنكُ أنْ تُحَقِّقَ ذلكَ مِنْ خلالِ التَّفكيرِ البشريِّ العادِيِّ.

لذلكَ عندما تحاولُ أنْ تَتَعامَلَ معَ إنسانٍ غيرٍ مؤمنٍ، يمكنكَ أنْ تُكَدِّسَ وَتُراكِمَ كُلَّ أنواعِ البَراهينِ، وكُلَّ أنْواعِ الحُجَجِ المَنطقيَّةِ. وصَدِّقوني أنَّ الحَقَّ مَنْطِقِيٌّ وعَقلانِيٌّ. ولكنَّ هذا لَنْ يُوْصِلَ النَّاسَ إلى هُناك. فإنْ أردتُمْ أنْ تُبَرْهِنوا على صِحَّةِ الكِتابِ المقدَّسِ ... وأنا أُحِبُّ أنْ أقومَ بذلكَ كُلّ مَرَّةٍ أقفُ فيها على المِنْبر. ولكنِّي لا أَصْعَدُ إلى هُنا لأتحدَّثَ عَنْ جَميعِ البراهينِ العَقلانيَّةِ على أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ صحيح. بل إنِّي أفْتَحُ الكِتابَ المقدَّسَ لأنَّهُ أَمْضَى وَأقوى مِنْ أيِّ سِلاحٍ آخر. فَقُوَّتُهُ تَكْمُنُ فيه.

ارْجِعوا إلى الأصْحاحِ الحادي عَشَرَ مِنْ إنْجيل مَتَّى. صَحيحٌ أنَّنا تَحَدَّثْنا عَمَّا جاءَ في الأصْحاحِ الحادي عَشَر مِنْ إنْجيل مَتَّى، ولكنِّي تَذَكَّرْتُ مَقْطَعًا مُهِمًّا هُناك. فنحنُ نَقرأُ في العدد 25: "أَحْمَدُكَ أَيُّـهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ". لماذا؟ "لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ". والآن، انْظُروا إلى الآيَةِ الَّتي تَلي ذلك: "كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِـــي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ" [ثُمَّ اسْتَمِعوا إلى هذا]: "وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ ..." ماذا؟ "أنْ يُعْلِنَ لَهُ".

فالأشخاصُ الوحيدونَ الذينَ يُؤمِنونَ بالإنجيلِ، والأشخاصُ الوحيدونَ الذينَ يُؤمنونَ أنَّ الكتابَ المقدسَ هُوَ كلمةُ اللهِ هُمَ الأشخاصُ الذينَ اختارُهُمُ اللهُ، والأشخاصُ الذينَ أَعْلَنَ اللهُ لَهُمْ ذَاتَهُ، والأشخاصُ الذينَ يَشاءُ الابْنُ أنْ يُعْلِنَ الآبَ لَهُمْ. فَهُناكَ عَمَلِيَّةُ اخْتيارٍ دَقيقَة جِدًّا. ولَكِنْ ألا تُحِبُّونَ الآيَةَ التَّالية. فلأنَّ هذا الأمْرَ سِرِّيٌّ ولا أَحَدَ مِنَّا يَعرفُ مَنْ هُمْ هؤلاءِ الأشخاص، تَأتي الدَّعوةُ التَّالية: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ". وَهُنا نَجِدُ التَّوازُنَ. فنحنُ نَرى هُنا سِيادَةَ اللهِ ونَجِدُ هذهِ الدَّعوة.

والآنْ، أريدُ مِنْكُم أنْ تَفتَحوا على إنْجيل مَتَّى 13. وسوفَ نَتْرُكُ نَصَّنا الرَّئيسيَّ إلى الأسبوعِ القادِمِ. مَتَّى 13. وما نَزالُ حَتَّى الآن في المُقَدِّمة. العدد 11: "فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ". فقد طَرَحَ تلاميذُهُ هذا السُّؤالَ عليهِ: "لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال؟" والمَثَلُ هُوَ تَشْبيهٌ وصُورَةٌ تَوضيحيَّةٌ. ولكِنْ إنْ لم تُفَسِّرْ مَعْناهُ فإنَّهُ يَصيرُ أُحْجِيَةً. إذًا، "لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال؟" أيْ: "لِماذا تُكَلِّمُ الجُموعَ بأمْثالٍ؟" فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ (وَكَمْ أُحِبُّ جَوابَهُ): "لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا لأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ".

أتَشْعُرونَ بالامتياز؟ أتَشْعُرونَ بالامتياز؟ فأنْتُمْ جالِسونَ هُنا كنتيجةٍ مُباشِرَةٍ للاختيارِ الإلهيِّ إذْ إنَّهُ اخْتارَ مُنْذُ الأزَلِ السَّحيقِ أنْ يُعْلِنَ لَكُمْ حَقَّهُ. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 13: "مِنْ أَجْلِ هذَا أُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال، لأَنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ. فَقَدْ تَمَّتْ فِيهِمْ نُبُوَّةُ إِشَعْيَاءَ الْقَائِلَةُ (وَهَذا يُعيدُنا إلى إشَعْياء 6 إذْ قالَ اللهُ لإشعياء أنْ يَذْهَبَ وَيَكْرِز. ولكِنِ اعْلَموا هذا): "تَسْمَعُونَ سَمْعًا وَلاَ تَفْهَمُونَ، وَمُبْصِرِينَ تُبْصِرُونَ وَلاَ تَنْظُرُونَ. لأَنَّ قَلْبَ هذَا الشَّعْب قَدْ غَلُظَ، وَآذَانَهُمْ قَدْ ثَقُلَ سَمَاعُهَا. وَغَمَّضُوا عُيُونَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ، وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ. وَلكِنْ طُوبَـى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ، وَلآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ وَأَبْرَارًا كَثِيرِينَ اشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ وَلَمْ يَرَوْا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا".

وَيا لَهُ مِنَ امْتيازٍ عَظيمٍ لَنا! فَهُناكَ أُناسٌ كَثيرونَ مِنْ مُعَلِّمينَ، وَمَتَدَيِّنينَ، وعُلَماء، وباحِثينَ مُدَقِّقينَ يُحاولونَ أنْ يَفْهَموا ما يَقْرَأون. وهُناكَ أُناسٌ آخرونَ يَبحثونَ في كُلّ الفَلسفاتِ في مُحاولةٍ لتَفسيرِ الدِّينِ. والنَّتيجَةُ هي أنَّ الأشخاصَ غيرَ المَعروفينَ الذينَ لا قِيْمَةَ لَهُمْ في نَظَرِ العالَمِ يَفْهَمونَ كلمةَ اللهِ لأنَّهُ (كَما جاءَ في العدد 11): "قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ". إذًا، لماذا نَفْهَمُ الكِتابَ المقدَّسَ؟ لأنَّهُ قد أُعْطِيَ لنا أنْ نُؤمِنَ بِهِ.

هُناكَ رَجُلٌ تَرَكَ أَثَرًا عَظيمًا في حياتي مُنْذُ سَنواتٍ، وما زَالَ يُؤثِّرُ فِيَّ كُلَّما قَرأتُ مؤلَّفاتِهِ وَهُوَ كورنيليوس فان تيل" (Cornelius Van Til). وَهُوَ مُدافِعٌ عَظيمٌ عَنِ الإيمانِ المَسيحيِّ. وهُوَ مُدافعٌ يَعْتَمِدُ أُسلوبَ الفَرَضِيَّةِ المُسَبَّقَةِ. وقد كانَتْ فَرَضِيَّتُهُ المُسَبَّقَةُ هِيَ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ صَحيحٌ. وقد قالَ "فان تيل" هذهِ الكلماتِ في مُقَدِّمَةِ كِتابِ "اللَّاهوتِ النِّظامِيِّ"، المُجَلَّد الخامِس، الصَّفحة 130: "الإنسانُ يَتحدَّثُ غالبًا كما لو أنَّ الشَّيءَ الوحيدَ الَّذي يَحتاجُ إليهِ الخاطِئ هُوَ المَعلومات الصَّحيحة. ولكنَّ الحالَ ليست كذلك. فالإنسانُ يَحتاجُ إلى تَفْسيرٍ صَحيح. ولكنَّهُ يَحتاجُ أيضًا أنْ يَصيرَ خَليقَةً جَديدَةً. فالخطيَّةُ هيَ ليست مَعلوماتٍ خاطئة فقط، بل هي أيضًا قُوَّةً تَضليلِيَّةً تَعْمَلُ في الرُّوح". بعبارة أخرى، لا يمكنكَ أنْ تَكْتَفي بإعطاءِ الخاطِئِ مَعلوماتٍ فقط، ولا يمكنكَ أنْ تَكتفي بإعطائِهِ تَفسيرًا. بل يجب أنْ يَصيرَ خَليقةً جديدة.

وقد قالَ "فان تيل": "إنَّ المسيحيَّ يَعلمُ أنَّهُ قد يُفَسِّرُ الطَّبيعَةَ تَفسيرًا خاطئًا بسببِ وجودِ الخطيَّةِ فيه، ما لَمْ يَحْصُل على الاستنارَةِ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ والإرشادِ مِنَ الرُّوحِ القُدُس". ونحنُ نَعلمُ ذلك. وَهُوَ يَقولُ: "إنَّ عِلْمَ الدِّفاعِيَّاتِ يَنْطَوي على خِلافٍ بخصوصِ السُّلْطاتِ النِّهائيَّةِ، أيْ على خِلافٍ بخصوصِ افتراضاتِنا المُسَبَّقَةِ أوْ مِعْيارِنا النِّهائِيِّ". والآنْ، اسْمَحوا لي أنْ أُوَضِّحَ لَكُم المَعنى المَقصودَ هُنا. فأنْتُمْ إمَّا أنْ تُؤمِنوا بأنَّ الإنسانَ يَمْلِكُ في ذاتِهِ قُدرةً عَقليَّةً على فَهْمِ الحَقِّ المُختصِّ بكلمةِ اللهِ، أوْ أنْ تُؤمِنوا بأنَّهُ لا يَمْلِكُ هذهِ القُدرة. فإذا كُنْتُم تُؤمِنونَ أنَّهُ يَملِكُ القُدرة، فإنَّ نَظْرَتَكُمْ إلى الإنْسانِ ليست كِتابِيَّة. وإذا كُنْتُم تُؤمِنونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ، فإنَّكُمْ تُدركونَ أنَّ القُدْرَةَ لا تَكْمُنُ في العَقْلِ البشريِّ، بل إنَّ القُدْرَةَ تَكْمُنُ في إعْلانِ كلمةِ اللهِ.

وما تَرَوْنَهُ في الخِدْمَةِ اليومَ لا يَعْدُو عَنْ كَوْنِهِ مُحاولةً لإقناعِ النَّاسِ بواسِطَةِ الذَّكاءِ وَالعَقْلِ وأيِّ وَسائِلَ خَبيثَة أُخرى بأنَّ قَلْبَ الإنسانِ يَمْلِكُ القُدْرَةَ، بِطَريقةٍ ما، على القِيامِ مِنْ مَوْتِهِ الرُّوحِيِّ، وعلى القِيامِ مِنْ عَماهِ الرُّوحِيِّ، وعلى القِيامِ مِنْ العَمَى الَّذي أَصابَهُ بسببِ دَينونَةِ اللهِ القَضائِيَّةِ، وأنَّهُ قادِرٌ مِنْ تِلْقاءِ نَفسِهِ على الإيمانِ لأنَّكَ جَعَلْتَ الأمرَ بَسيطًا جِدًّا في نَظَرِهِ. وَمَعَ أنَّ هَذا سَخيفٌ ومُضْحِكٌ، فإنَّهُ الشَّيءُ الَّذي يُحَفِّزُ كَثيرينَ على القيامِ بِما يُسَمَّى "الكِرازَة". ولكنَّ موقِفَ الخاطِئِ مِنْ كلمةِ اللهِ، وموقف الخاطئِ مِنَ الحَقِّ الإلَهِيِّ المُقَدَّسِ، وموقف الخاطِئِ مِنَ الإنجيلِ لا يَنْجُمُ عَنْ قَضايا فِكْرِيَّة مَشروعة بخصوصِ الحَقِّ أوْ بخصوصِ صِحَّةِ الكِتابِ المقدَّسِ. بل يَنْجُمُ عَنْ تَمَرُّدِ النَّفسِ الخاطِئَةِ. ولأنَّهُ إنْسانٌ طَبيعيٌّ، فإنَّهُ لا يَقْدِرُ حَتَّى في أفْضَلِ مُستوياتِهِ العَقلانيَّةِ أنْ يَصِلَ إلى هذهِ المَعرفةِ الروحيَّةِ.

إنَّ الإنسانَ ليسَ مَحْكَمَةَ الاستئنافِ النِّهائيَّة. فلا يمكنكَ أنْ تَسْمَحَ للخاطِئِ أنْ يَظُنَّ أنَّ تَفكيرَهُ هُوَ العامِلُ الحاسِمُ في خَلاصِهِ. فبحسبِ كَلِمَةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ هُوَ مَحْكَمَةُ الاستئنافِ النِّهائيَّةِ. وإعلانُهُ هُوَ الَّذي يُقَرِّرُ الصَّوابَ، وليسَ المَنْطِقَ البشريَّ. فالخُطاةُ الَّذينَ اسْتَخْدَموا مَنْطِقَهُمْ لِقُرون طَويلة لِفَهْمِ الكِتابِ المقدَّسِ لم يَخْرُجوا إلَّا بُمخْتَلَفِ أنواعِ البِدَعِ البَغيضَةِ. ويَقولُ "فان تيل": "وَجَميعُ البَشَرِ يُعْمِلونَ تَفكيرَهُم على أساسِ مَوْقِفٍ يَقْبَلُهُ الإيمانُ. وإيمانُكَ إمَّا أنْ يَكونَ في اللهِ، أوْ في نَفْسِكَ وَمَنْطِقِكَ".

ولكنِّي لن أَعْتَمِدَ في إيماني على المَنْطِقِ البشريِّ. لذلكَ فإنِّي لا أَعِظُ بأيِّ شيءٍ يَتَلاعَبُ بالمَنْطِقِ البشريِّ، بل أَعِظُ بكلمةِ اللهِ لأنَّ إيماني قائِمٌ على قُوَّتِهِ وكَلِمَتِهِ. لذلكَ، إذا عَرَفَ الخاطِئُ الحَقَّ الإلهيَّ وَفَهِمَ الكِتابَ المقدَّسَ، يَنْبَغي أنْ يَدْفَعَهُ ذلكَ إلى طَلَبِ وَجْهِ اللهِ. فيجبُ أنْ يُغْمَرَ الخاطِئُ بالحَقِّ المُعْلَنِ في كلمةِ اللهِ. أمَّا إذا كنتَ تَعِظُ بأيِّ شيءٍ خِلافًا لكلمةِ اللهِ فإنَّكَ تَهْدُرُ وَقْتَكَ. ويجبُ على الخاطئِ أنْ يَفهمَ الحَقَّ. ويجبُ عليهِ أنْ يَحْصُلَ على هذهِ المَعلومَاتِ، وَأنْ يَحْصُلَ على ذلكَ التَّفسيرِ.

فنحنُ نُوْلَدُ ثانيةً بكلمةِ الحَقِّ. ولكِنْ يجبُ عليهِ أنْ يَصْرُخَ إلى اللهِ لكي يُخَلِّصَهُ، ولكي يُعْطيهِ حَياةً، ولكي يُزيلَ الغَشاوَةَ عَنْ عَيْنَيْهِ، ولكي يُحَرِّرَهُ مِنَ العَدُوِّ الَّذي أَعْمى ذِهْنَهُ، وَلكي يُزيلَ الأشياءَ الَّتي أَخْفاها اللهُ نَفْسُهُ عَنْهُ وأنْ يَأتي بِهِ إلى النُّورِ. ويجبُ على الخاطِئِ أنْ يُلْقي بِنَفْسِهِ أمامَ عَرْشِ اللهِ وَأنْ يَصْرُخَ مِنْ أعْماقِ نَفْسِهِ المُمْتَلِئَة خوفًا قائلًا: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ. واعْطِني فَهْمًا للحَقِّ". فَالكُلُّ يَتَوَقَّفُ على عَمَلِ اللهِ. وقد قالَ أُوغَسْطينوس: "أنا أُوْمِنُ لكي أَفْهَم". لِنُصَلِّ:

ماذا عَسَانا نَقولُ، يا رَبّ؟ فالكلماتُ تَخْذِلُنا في التَّعبيرِ عنِ المشاعرِ الَّتي نَشْعُرُ بها في قُلوبِنا إذْ نأتي إلى حَضْرَتِكَ ونَتوقُ إلى أنْ نَقولَ لَكَ: شُكْرًا لَكَ لأنَّكَ اخْتَرْتَ أنْ تُعْلِنَ نَفْسَكَ لنا، ولأنَّكَ أعْطيتنا القُدْرَةَ أنْ نُحِبَّكَ، وَأنْ نُحِبَّ ابْنَكَ، وَأنْ نُحِبَّ كَلِمَتَكَ، وأنْ يُحِبَّ بَعْضُنا بَعْضًا. فهذا كُلُّهُ شَهادَة – لا لقُدرتِنا على التَّفكيرِ، بل على قُدْرَتِكَ الإلهيَّةِ الخارِقَةِ للطَّبيعَةِ والقادِرَةِ أنْ تُعْطينا حياةً جديدةً. فنحنُ نُؤمِنُ فَنَفْهَم. وَحينئذٍ فإنَّ كَلِمَتَكَ تُفْتَحُ أمامَ أذْهانِنا فَنُرَدِّدُ مَعَ المُرَنِّمِ قائِلينَ إنَّنا نَتَلَذَّذُ بِشَريعَتِكَ. لذلكَ فإنَّنا نَلْهَجُ فِي نَامُوسِكَ نَهَارًا وَلَيْلاً. كَمْ أَحْبَبْنا شَرِيعَتَكَ! فنحنُ نَجِدُ فَرَحَنا وَسُرورَنا في وَصاياكَ. ونحنُ نَجوعُ وَنَعْطَشُ إلى حَقِّكَ. فَهُوَ الطَّعامُ الوَحيدُ لِنُفوسِنا.

ونحنُ نَعلمُ، يا رَبّ، أنَّ شَعْبَكَ في هذا البَلَدِ وفي العَديدِ مِنَ الأماكِنِ حَوْلَ العالَمِ يعانونَ مَجاعَةً في سَماعِ كَلِمَتِكَ. لذلكَ، ليتَ شَعْبَكَ الحَقيقيَّ يُعِدُّ مُعَلِّمينَ وكارِزينَ وكُتَّابًا يَعْمَلونَ على الوُصولِ إليهم وتَقديمِ الغِذاءِ لقُلوبِهِم. وليتَ هذا المُجتمعَ المُنْغَمِسَ في كُلِّ ما هُوَ غَبِيٌّ وسَخيفٌ يَبْتَدِئُ في الشُّعورِ بالعَطَشِ إلى شَيءٍ عَميقٍ وحقيقيٍّ. وليتَ كَنيسَتَكَ تَخْتَبِرُ بطريقةٍ ما تَغَيُّرًا بِفَضْلِ نِعْمَتِكَ وصَلاحِكَ لِتَرْجِعَ إلى إعْلانِ كَلِمَتِكَ بِكُلِّ مِلْئِها وغِناها. نُصَلِّي هذا مِنْ أجْلِ تَمْجيدِكَ وَإكْرامِكَ. نَسْألُ هذا باسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize