Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لقد انقَضَتْ نَحْوُ خَمسٍ وعِشرينَ سنة مِن حياتي مُنذُ أنْ طُلِبَ مِنِّي أنْ أكتبَ كُتَيِّبًا. وقد كانَ عُنوانُ الكُتَيِّبِ الأصليّ: "التَّركيزُ على الحَقيقة" (Focus on Fact). وربما لم تَرَوْا هذا الكتابَ لأنَّهُ لم يَدُمْ فترةً طويلةً جدًّا. فقد صَدَرَ في طبعة جديدة وبعنوانٍ جديد بعدَ ذلكَ بسنواتٍ قليلة، وكانَ العنوانُ الجديد هو: "سَبَبُ ثِقَتي بالكِتابِ المقدَّس" (Why I Trust The Bible). وكانَ ذلك في سنة 1983. وعندما كنتُ أستعدُّ لكتابةِ ذلكَ الكتاب عن سببِ ثِقَتي بالكتابِ المقدَّس (وهوَ موضوعُ الكِتابِ الأوَّلِ أيضًا)، كانَ ينبغي لي أنْ أُجيبَ عنِ السُّؤالِ المُختصِّ بسببِ ثقَتي بالكتابِ المقدَّس. وكانَ موضوعُ الكِتاب هو: ما الحَقُّ الكِتابِيُّ الَّذي جَعَلَهُ قابلًا للتَّصديقِ بالنِّسبةِ إليَّ؟ هل كنتُ أَذْكَى مِنَ الآخرين؟ أَمْ هل قُدِّمَتْ لي أدِلَّة أقوى على صِحَّةِ الكِتابِ المقدَّس؟ ولا شَكَّ أنَّ هناكَ أدلَّةً قويَّةً على صِحَّتِهِ. ولكِنْ ما سَبَبُ ثِقَتي الكَبيرة جِدًّا بالكتابِ المقدَّس؟

ما زِلْتُ أَذْكُرُ سنواتِ دِراسَتي الجامعيَّة حينَ كنتُ لا أجِدُ شيئًا مُمْتِعًا وذا قيمة سِوى المُباريات الرياضيَّة إذْ كنتُ أَشْعُرُ بسعادةٍ غامرةٍ في مَلْعَبِ كُرَةِ القَدَم. ولكِنْ حَتَّى في ذلكَ الوقتِ، كنتُ أثِقُ ثِقَةً كاملةً بكلمةِ اللهِ. والحقيقةُ هي أنِّي كنتُ أنتظرُ بفارغِ الصَّبْرِ اليومَ الَّذي سألْتَحِقُ فيهِ بكُلِّيَّةِ اللَّاهوت. وعندما قَرَّرتُ أنْ أتَخَلَّى عنْ مِهْنَةٍ مُستقبليَّةِ في عالمِ الرِّياضةِ، وعنْ فُرصةٍ للاحترافِ لكي أذْهَبَ إلى كُلِّيَّةِ اللَّاهوتِ، لم يَتمكَّنْ عددٌ مِنَ الرِّياضِيِّينَ والأصدقاءِ والمُدَرِّبينَ مِنْ فَهْمِ السَّبب. ولم يَكُنِ السَّبَبُ آنذاك هُوَ أنِّي كنتُ أُحِبُّ أنْ أكونَ واعظًا أوْ مُعَلِّمًا للكتابِ المقدَّس. بل إنِّي كنتُ أشعُرُ بهذا الشَّوْقِ العَميقِ للغَوْصِ في كلمةِ اللهِ وفَهْمِ مَعْناها لأنِّي كنتُ مُكَرَّسًا بالكامِلِ للحَقِّ الَّذي تُعَلِّمُه.

ولكِنْ مِنْ أيْنَ جاءَ هذا الشَّغَف؟ ولماذا كنتُ مُقتنعًا جِدًّا بحَقِّ الكتابِ المقدَّس؟ فأنا لم أدرسُ عِلْمِ الدِّفاعِ عنِ الكِتابِ المقدَّسِ. وأنا لم أقرأ الكَثيرَ عَنْ هذا الموضوع. ولكِنْ كُلَّ ما كانَ في قلبي هُوَ التَّكريسُ الكامِلُ لكلمةِ اللهِ. وحينَ جَلستُ للتَّفكيرِ في سببِ ثِقَتي بالكتابِ المقدَّسِ، نَظَرْتُ إلى عَدَدٍ مِنَ المَقاطِعِ الكِتابيَّةِ الوَثيقَةِ الصِّلَة. وقد تَذكَّرتُ أنَّ يسوعَ قالَ لبُطرس في إنْجيل مَتَّى 16: "إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". وهذا هُوَ السَّبَب في أنَّ بُطْرُس عَرَفَ أنَّ يَسوعَ هُوَ المَسِيَّا ابْنُ اللهِ. فقد حَدَثَ ذلكَ بسببِ الإعلانِ الإلهيِّ إذْ إنَّ اللهَ كَشَفَ لهُ هذا الحَقَّ.

ثُمَّ نَظرتُ إلى 1كورِنثوس 12: 3 إذْ نَقرأُ: "لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ". فَمِنَ المَنْطِقِيِّ بالنِّسبةِ إليَّ أنْ أقولَ إنَّ يَسوعَ هُوَ المَسيحُ ابْنُ اللهِ الحَيّ. ومِنَ المَنطقيِّ بالنسبةِ إليَّ أن أقولَ إنَّ يسوعَ رَبٌّ. ولكِنْ لا أحدَ يَستطيعُ أنْ يَقولَ ذلكَ (بالمَنْطِقِ الَّذي أتحدَّثُ بهِ الآن) إلَّا إذا أَعْلَنَ الآبُ ذلكَ لَهُ، وَإلَّا إذا كَشَفَ الرُّوحُ القُدُسُ لَهُ عن ذلك. وهذا يُذَكِّرُنا بما جاءَ في الأصحاحِ السَّادسِ مِنْ إنْجيلِ يوحنَّا إذْ نَقرأُ أنَّ يَسوعَ كانَ يَتكلَّمُ إلى عَدَدٍ كبيرٍ مِنْ تَلاميذِهِ فَتَرَكَهُ كَثيرونَ مِنْهُم. حينئذٍ قالَ يَسوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" فَأجابَ بُطْرُسُ بِلِسانِ بَقِيَّةِ التَّلاميذِ وقالَ هذهِ الكلمات: "إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ". وهذا تأكيدٌ كبيرٌ آخرُ بأنَّ ما يَقولُهُ الرَّبُّ يَسوعُ المسيحُ، وما يَقولُهُ اللهُ صَحيح.

ونَقرأُ أيضًا أنَّ يَسوعَ قال: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ أَبِي". وَهُوَ يَقولُ في المَقطَعِ نَفسِهِ: "أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ؟".

وحينئذٍ تَذكَّرْتُ (وأوَدُّ هُنا أنْ أَطلبَ منكم أن تَفتحوا على هذا المَقطعِ مِنْ رِسالةِ رُومية، الأصحاح 8). فنحنُ نَقرأُ هذهِ الكلماتِ الواضحةَ جِدًّا في العَدَدِ الخامِسِ: "فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ" ... أيِ الذينَ هُمْ مُنفَصِلونَ عنِ اللهِ، وليست لهم حَياة روحيَّة، بل هُمْ أمواتٌ روحيًّا، وعُمْيانٌ روحيًّا، ومُفْلِسونَ رُوحيًّا ... "فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ". فالإنسانُ إمَّا أنْ يَسْلُكُ حَسَبَ الرُّوحِ أوْ حَسَبَ الجَسَد".

ونَقرأُ في العدد 6: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ". العَدَد 7: "لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ"، ثُمَّ يَقولُ: "إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ. فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ". فإذا كُنْتَ تَسْلُكُ حَسَبَ الجسدِ، لا تَسْتَطيعُ أنْ تُرْضي اللهَ. فَاللهُ يُسَرُّ بأنْ تُؤمِنَ بالكتابِ المقدَّسِ. والحقيقةُ هي أنَّ هذا الأمرَ يأتي في رَأسِ لائحةِ الأشياءِ الَّتي تُرضي الله. واللهُ يُسَرُّ بإيمانِكَ بالإنجيل. وهذا أيضًا في رأسِ لائحةِ الأشياءِ الَّتي تَسُرُّ قَلْبَهُ. واللهُ يُسَرُّ بأنْ تُعْلِنَ إيمانَكَ بأنَّ الرَّبَّ يسوعَ المسيحَ رَبٌّ ومُخَلِّصٌ. فهذا أمْرٌ يُسَرُّ اللهُ بِهِ.

إنَّ هذهِ الأُمورَ الثَّلاثةَ هي في رأسِ لائحةِ الأشياءِ الَّتي يُسَرُّ اللهُ بها. والحقيقةُ هي أنَّكَ إذا كنتَ تَعيشُ حَسَبَ الجسد، لا تَسْتَطيعُ أنْ تُرضي الله. بل إنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تُرْضيهِ على أبْسَطِ المُستوياتِ، فَكَمْ بالحَرِيِّ في الأمورِ الكَبيرَة. إذًا كيفَ صِرْتُ أَثِقُ كُلَّ هذِهِ الثِّقَةِ بالكِتابِ المقدَّسِ؟ لقد تَذَكَّرتُ ثانيةً ما جاءَ في الأصحاحِ الرابعِ مِنْ رِسالةِ أَفَسُس لأنَّهُ يُشْبِهُ، في الجَوْهَرِ، ما جاءَ في رُومية 8، ولكِنَّ الصِّياغة مُختلفة. فنحنُ نَقرأُ في العَدَد 17 مِنَ الأصحاحِ الرابعِ: "فَأَقُولُ هذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ: أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضًا بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ".

إنَّ القَصْدَ مِنْ هذهِ الأوصافِ هُوَ أنْ تُعْطينا فِكرةً بأنَّ هذا أمْرٌ مُستحيلٌ بالنِّسبةِ إلى الشَّخصِ الَّذي لم يُوْلَد ثانيةً لأنَّهُ لا يمكنُ أنْ يَتِمَّ بدونِ تَدَخُّلٍ إلهِيٍّ. لذلكَ فقدِ استَنتجتُ أنَّهُ لا يُمكنني أنْ أَثِقَ بالكِتابِ المقدَّسِ بواسطةِ الوسائلِ الاعتياديَّةِ القائمةِ على التَّفكيرِ البشريِّ والفهمِ البشريِّ. فالأمْرُ الوحيدُ الَّذي مَكَّنَني مِنَ الثِّقَةِ بالكِتابِ المقدَّسِ هُوَ أنَّ اللهَ أعْطاني القُدرة على ذلكَ كَهِبَة، وَأنَّ اللهَ أعْطاني (بِمُقْتَضى سِيادَتِهِ) الإرادَةَ للإيمانِ بالإنجيل، وللإيمانِ بالمسيحِ، ولِقَبولِ صِدْقِ الكِتابِ المقدَّسِ، وسُلْطانِهِ، وصِحَّتِهِ.

لذلكَ، في سنة 1983، عندما كَتَبْتُ النُّسخةَ الثَّانيةَ مِنْ ذلكَ الكُتَيِّبِ الَّذي يَحملُ العُنوان "سَبَبُ ثِقَتي بالكِتابِ المقدَّسِ"، كَتَبْتُ هذهِ الكلمات: "لا يَستطيعُ غيرُ المؤمنينَ أنْ يَقبلوا البراهينَ المَشروعةَ لأنَّهُمْ عُمْيانٌ عنها. فالإنسانُ الطَّبِيعِيُّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا" (1كورِنثوس 2: 14). "ولكِنْ حينَ يَقومُ الرُّوحُ القُدُسُ بعملِ التَّجديدِ ويَفْتَحُ أذْهانَ النَّاسِ، ويُزيلُ القُشورَ عَنْ أعْيُنِهِم، ويُعطيهم حَياةً، ويَغْرِسُ فَهْمَ إعلانِ اللهِ في أذهانهم وقلوبهم، فإنَّهم يَصِيرونَ قادرينَ على الإيمانِ بالكتابِ المقدَّسِ بوَصْفِهِ كلمةَ اللهِ، وقادِرينَ على الثِّقَةِ بِهِ".

"وأنا أعرفُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ صَحيحٌ لأنَّ روحَ اللهِ أَقْنَعَني بذلك". وقد كَتبتُ ذلكَ قبلَ أكْثَرِ مِن 25 سنة. ثُمَّ قُلْتُ في الفقرة التَّالية: "في ضَوْءِ ذلك" (وكَما تَعلمونَ فإنَّ المَرءَ يَقَعُ في مَأزِقٍ حينَ يَستمرُّ في اقتباسِ أقوالِهِ). لقد قلتُ: "في ضَوْءِ ذلك، أَقترحُ إجراءَ تَغييرٍ في الأسلوب. فقد اعتَدنا على القولِ إنَّ النُّبوءاتِ قد تَحَقَّقت، وإنَّ الكِتابَ المقدَّسَ صَحيحٌ عِلْمِيًّا، وإنَّ المُعجزاتِ جَرَتْ أمامَ شُهودِ عِيانٍ، وإنَّ رِسالةَ الخلاصِ بالإيمانِ بيسوعَ المسيحِ (كَما هي مُعلنةٌ في الكِتابِ المقدَّسِ) تَقودُ إلى تَغييرٍ ثَوْرِيٍّ في حياةِ الأشخاصِ الذينَ يُؤمِنون. وبسببِ كُلِّ هذِهِ البراهينِ، فإنَّنا نُؤمِنُ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هوَ كلمةُ اللهِ".

ثُمَّ كَتبتُ: "عِوضًا عن ذلك، أقترحُ أنْ نُعْلِنَ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ كلمةُ اللهِ. لذلكَ فإنَّ النُّبوءاتِ قد تَحقَّقت، والمُعجزاتُ قد حَدَثَت، والمعلوماتُ العِلميَّةُ صَحيحة، وحياةُ النَّاسِ قد تَغيَّرت". فالثِّقةُ في الكِتابِ المقدَّسِ تَبتدئُ بعملِ الرُّوحِ. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ الكِتابَ المقدَّسَ كُتِبَ بواسطةِ إلَهِ الكَوْنِ لكي يُعْلِنَ عنْ ذاتِهِ للبشريَّةِ.

وأنا أُوْمِنُ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ الإعلانُ الوحيدُ الصَّحيحُ والجديرُ بالثِّقةِ مِنَ اللهِ فيما يَختصُّ بأصْلِ الإنسانِ، وتَحريرِهِ، وخَلاصِهِ، والمعاييرِ الأخلاقيَّةِ والروحيَّةِ الَّتي يَنبغي أنْ يَعيشَ وَفْقًا لها، ومَصيرِهِ الأبدِيِّ. وأنا أُوْمِنُ أيضًا أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ صَحيحٌ في كُلِّ تَفاصيلِهِ الدَّقيقةِ، بل وَحَتَّى في كُلِّ كَلِمَةٍ وَرَدَتْ في المَخطوطاتِ الأصليَّةِ. فاللهُ هُوَ الكاتِبُ الحَقيقيُّ. وقد خَتَمْتُ كلامي بالقول: "إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ الَّذي قادَني إلى هذِهِ الثِّقَةِ الَّتي يُمْكِنُ تَدْعيمُها بالبَراهين".

وبالنِّسبةِ إليَّ، كانَ هذا اكتشافا مُهِما حقًّا. وفي وقتٍ لاحِقٍ مِن حياتي، قَرأتُ بَعْضًا مِنْ مؤلَّفاتِ لاهوتِيٍّ مَعروفٍ يُدْعى "جون كالفِن". وإذْ كُنْتُ فُضولِيًّا بشأنِ ما كانَ يُؤمِنُ بهِ بخصوصِ هذا الموضوعِ نَفْسِهِ، ابتدأتُ في اكتشافِ أُمورٍ مُهِمَّةٍ جِدًّا. استَمِعوا إلى ما يَقولُهُ "جون كالفِن": "إنَّ الكِتابَ المقدَّسَ وَحْدَهُ هُوَ الوسيلةُ الَّتي سُرَّ اللهُ أنْ يَسْتَخْدِمَها لحِفْظِ حَقِّهِ إلى الأبد. والسُّلطانُ الكامِلُ الَّذي يُؤمِنُ بهِ المُؤمِنونَ فيما يَختصُّ بالأسفارِ المقدَّسَةِ لا يَنْبُعُ مِنْ أيِّ شَيءٍ آخَرَ سِوى أنَّهُمْ مُقتنعونَ بأنَّ كلماتِ الكِتابِ المقدَّسِ قد جاءَتْ مِنَ السَّماءِ كَما لو أنَّهُمْ سَمِعوا اللهَ يَنْطِقُ بها". هذا هوَ ما يَقولُهُ "كالفِن" في كِتابِهِ "الأُسُسُ المسيحيَّة" (Institutes).

وهُوَ يقولُ أيضًا: "إنَّ الأسفارَ المقدَّسَةَ تُعْلِنُ بوضوحٍ في ذاتِها أنَّ اللهَ هُوَ المُتكلِّم. فلا يُمكنُنا أنْ نَكونَ راسِخينَ في الإيمانِ بهذهِ العقيدةِ ما لم نَقْتَنِع تمامًا أنَّ اللهَ هُوَ الكاتِبُ الأصليُّ. ولأنَّنا اسْتَنَرْنا بِهِ (أيْ بواسطةِ الرُّوحِ القُدُسِ)، فإنَّنا لَمْ نَعُدْ نؤمنُ بِحُكْمِنا ولا بِحُكْمِ الآخرينَ بأنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ مِنْ عندِ اللهِ، بل إنَّنا نَثِقُ ثِقَةً كامِلَةً وبطريقةٍ تَفوقُ كُلَّ فِكْرٍ بَشَرِيٍّ أنَّهُ وَصَلَ إلينا بواسِطَةِ خِدْمَةِ أُناسٍ تَسَلَّموهُ مِنْ فَمِ اللهِ. ونحنُ نَشْعُرُ بأقوى قَناعَةٍ مُمْكِنَةِ أنَّنا نَمْتَلِكُ أقوى حَقٍّ. وهذا يَحْدُثُ بواسِطَةِ الرُّوحِ القُدُس".

لقد فَهِمَ "كالفِن" الأمْرَ فَهْمًا صحيحًا. ونحنُ لسنا مُنْدَهِشين. أليسَ كذلك؟ وقد قالَ "وليام نيزيل" (William Niesel) إنَّ كالفِن يَنْظُرُ إلى كلماتِ الكتابِ المقدَّسِ كشيءٍ مَيِّتٍ وعديمِ التَّأثيرِ بالنِّسبةِ إلينا لولا أنَّ اللهَ أعْطاها حَياةً. ولو أنَّها كانتْ مُنفصلةً عنهُ (أيْ عنِ المَسيحِ) لَصَارتْ مُجَرَّدَ حُروفٍ مَيِّتَةٍ لا رُوْحَ فيها". فقد فَهِمَ "كالفِن" أنَّ الإنسانَ يُؤمِنُ بالكِتابِ المقدَّسِ فقط حينَ يَهَبَهُ رُوحُ اللهِ ذلكَ الإيمانَ وتلكَ الثِّقَة. لذلكَ فإنَّ الثِّقةَ الكاملةَ بكلمةِ اللهِ والكتابِ المقدَّسِ لا تأتي نَتيجةَ مُناقَشاتٍ عَقلانِيَّةٍ ولا نتيجةَ ذَكاءٍ أوْ مَنْطِقٍ بَشَرِيٍّ أوْ عاطفةٍ بشريَّة. بل هي تأتي نَتيجةَ عملِ روحِ اللهِ في القلب.

ويقولُ "كالفِن" أيضًا: "فكما أنَّ اللهَ وَحْدَهُ شَاهِدٌ كَافٍ عنْ نَفسهِ في كَلِمَتِهِ، فإنَّ الكلمةَ لن تَحْظى يومًا بالمِصداقِيَّةِ في قلوبِ النَّاسِ إلَّا إذا خُتِمَتْ بشهادةِ الرُّوحِ القُدُسِ الداخليَّة. لذلكَ، مِنَ المُهِمِّ أنْ يَقومُ الرُّوحُ نَفْسُهُ الَّذي يَتَحَدَّثُ بِلِسَانِ الأنبياءِ باختراقِ القُلوبِ لكي يُقْنِعَنا أنَّهم قاموا بكُلِّ أمانةٍ بتوصيلِ ما اؤتِمُنوا عليه". لذلكَ فإنَّهُ يَقولُ: "مِنَ الثَّوابِتِ أنَّ أولئكَ الَّذينَ يُعَلِّمُهُمُ الرُّوحُ يَخْضَعونَ تمامًا للكتابِ المقدَّسِ". لذلكَ فإنَّ ثِقَتَنا في كلمةِ اللهِ تأتي مِنْ رُوحِ اللهِ. فَهِيَ عُنْصُرٌ مِنْ عَناصِرِ التَّجديدِ الَّذي يُنْعِمُ اللهُ بِهِ علينا بِمُقْتَضى سِيادَتِهِ.

إنَّ الطُّرُقَ التَّقليديَّةَ تُحاوِلُ أنْ تُبَرهنَ على صِحَّةِ الكِتابِ المقدَّسِ لغيرِ المؤمنينَ مِنْ خِلالِ ذِكْرِ مُخْتَلَفِ أنواعِ الأدِلَّةِ الَّتي يُمكنهم أنْ يُحَلِّلوها بِعُقولهم السَّاقطةِ، وبأذهانهم العَقيمَةِ، وبالجَهْلِ الَّذي لَديهم، وبالظَّلامِ الَّذي يُخَيِّمُ على عُقولِهم، وبالقَساوةِ الموجودةِ في قُلوبهم، وبالعِنادِ وَالمُيولِ الشَّهوانِيَّةِ الموجودةِ في نُفوسِهم. فقد نَتمكَّنُ مِنْ جَمْعِ كُلِّ الأدلَّةِ النَّبويَّةِ، والبَراهينِ العِلميَّةِ، والأدلَّةِ القائمةِ على المُعجزاتِ، والتَّاريخِ، وعِلْمِ الآثارِ، والنَّاسِ الَّذينَ تَغَيَّرتْ حياتُهم.

وفي نِهايةِ المَطَافِ، معَ أنَّهُ مِنَ المؤكَّدِ أنَّ كُلَّ هذهِ الأدلَّةِ مَنطقيَّةٌ وتُمَثِّلُ الكِتابَ المقدَّسَ تَمثيلًا صَادِقًا، فإنَّها تَبقى عاجِزَةً عَنْ إزالةِ القُشورِ عَنْ أعْيُنِ العُمْيِ، وعاجِزَةً عَنْ بَثِّ الحَياةِ في نُفوسِ الأموات. ولكنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُخْبِرُنا عَنْ كيفيَّةِ حُدوثِ ذلكَ في واحِدٍ مِنْ أعْظَمِ النُّصوصِ في الكِتابِ المقدَّسِ. افْتَحوا كُتُبُكم المقدَّسَةَ على الأصْحاحِ الأوَّلِ مِنْ رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى. وهُناكَ الكَثيرُ لأقولَهُ في عِظَةٍ واحِدَةٍ. ولكِنْ لأنِّي لن أتمكَّنَ مِنْ تَقديمِ عِظَةٍ ثانيةٍ عنْ هذا الموضوعِ، سأُحاوِلُ أنْ أُقَدِّمَ لَكُمُ الخُلاصَة. فأنا أَصْرِفُ وقتًا طويلًا في التَّأمُّلِ في آيةٍ واحدةٍ. فَما بالُكُمْ بأصْحاحَيْنِ كامِلَيْنِ أوْ بأجْزاءٍ مِنْ أصْحاحَيْن!

ولكنِّي أريدُ مِنْكُم أنْ تَنظروا إلى بِدايَةِ الأصْحاحِ الأوَّلِ، أوْ تَحْديدًا ابْتِداءً مِنَ العَدَد 18 إلى نِهايَةِ الأصْحاحِ الثَّاني. وسوفَ نَمُرُّ مُرورًا سَريعًا على هذهِ الحَقائِقِ معَ الاحتفاظِ بتَتابُعِ الأفكارِ والتَّركيزِ على النُّقطةِ الأساسيَّة. فالفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ لهذا المَقطعِ (الَّذي يَبتدئُ بالأصْحاحِ الأوَّلِ والعدد 18 ويَنتهي بنهايةِ الأصحاحِ الثَّاني) هي الحِكْمةُ الإلهيَّة ... الحِكمةُ الإلهيَّة. والكلمة "حَكيم" أوْ "حِكْمَة" تَرِدُ عِشرينَ مَرَّة أوْ أكْثَر هُنا – على النَّقيضِ مِنَ الكَلِمَة "جَهالة" الَّتي تَرِدُ نَحْوَ سِتِّ مَرَّات.

إذًا، الفِكْرَةُ الرَّئيسيَّةُ هُنا هيَ الحِكمة الإلهيَّة. والمَقطعُ كُلُّهُ يَشْرَحُ سَبَبَ رَفْضِ أُناسٍ لحِكْمَةِ اللهِ، وسَبَبَ قَبولِ أُناسٍ آخرينَ لحِكْمَةِ اللهِ. وَهُوَ يُوَضِّحُ سَبَبَ رَفْضِ أُناسٍ للكتابِ المقدَّسِ والإنجيلِ والصَّليبِ، وسبب قَبولِ أُناسٍ آخرينَ للكِتابِ المقدَّسِ والإنجيلِ والصَّليب. والحقيقةُ هي أنَّنا نَجِدُ في هذا النَّصِّ عِباراتٍ مِثْل: "حِكْمَة الله" وَ "كَلِمَة الصَّليب" وحَتَّى "شَهادَةُ الله". ولكِنْ سواءَ كانَ النَّصُّ يَتحدَّثُ عَنْ حِكمةِ اللهِ، أوْ كَلِمَةِ الصَّليبِ، أوْ شَهادةِ اللهِ، فإنَّهُ تَتحدَّثُ عَنِ الإعلانِ الإلهيِّ مِنْ خِلالِ الكِتابِ المقدَّسِ. فهذهِ هِيَ الفِكرة.

والطَّريقةُ البسيطةُ لتَجزئةِ النَّصِّ هِيَ أنْ نُقَسِّمَهُ إلى مَقْطَعَيْنِ يَتَداخَلانِ مَعًا، وَيَدورانِ، ويَشْرَحانِ الأمْرَ بطريقةٍ أو بأخرى. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ، فإنَّنا نَجِدُ هُنا مَقْطَعَيْنِ يُمْكِنُ تَمييزُهُما. المَقطعُ الأوَّلُ يَتَحَدَّثُ عَنْ سَبَبِ رَفْضِ غيرِ المَسيحيِّينَ للكِتابَ المقدَّسَ. والمَقطعُ الثاني يَتحدثُ عنْ سببِ قَبولِ المسيحيِّينَ للكتابِ المقدَّسِ. إذًا، سنقرأُ هنا عنْ سَبَبِ رَفْضِ غيرِ المَسيحيِّينَ للكِتابَ المقدَّسَ، وعَنْ سَبَبِ قَبولِ المسيحيِّينَ للكتابِ المقدَّسِ. وسوفَ أُخبركم منذُ البداية أنَّ النَّصَّ لا يَذْكُرُ أيَّ أدِلَّة. فلا ذِكْرَ للمنطقِ البشريِّ، ولا ذِكْرَ لكيفيَّةِ التَّحايُلِ على إرادةِ النَّاسِ أوْ عن كيفيَّةِ التَّأثيرِ على مَشاعِرِهِم. فالأمْرُ لا صِلَةَ لهُ بالبراهينِ. والأمرُ لا صِلَةَ لهُ بالمَنطقِ. والأمرُ لا صِلَةَ لهُ بالعَواطِفِ. بل إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ يَخْتَصُّ بالحالَةِ. فَالنَّصُّ يَتحدَّثُ عنْ حالةِ غيرِ المؤمنينَ، وعنْ حالةِ المؤمنين.

ولنَنْظُر أوَّلًا إلى سببِ عدمِ إيمانِ غيرِ المسيحيِّينَ بالكتابِ المقدَّسِ. وسوفَ أُقَدِّمُ لكم خمسةَ أسبابٍ ذُكِرَتْ في المَقطعِ الافتتاحِيِّ: أوَّلًا، الرِّسالةُ غيرُ مَعقولة. فهذا هوَ السببُ الأولُ لعدمِ إيمانهم. فالرسالةُ غيرُ مَعقولة إذْ نَقرأُ في العدد 18: "فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ (أوْ شَهادةُ اللهِ، أوْ كَلِمَةُ حِكْمَةِ اللهِ، أوْ إعلانُ اللهِ المُدَوَّن في الكِتابِ المقدَّس) عِنْدَ الْهَالِكِينَ (أيْ مِنْ جِهَةِ حَالَتِهِمْ) جَهَالَةٌ". إنَّها "جَهالَة".

وبطريقةٍ ساخِرَةٍ، تَتكرَّرُ الفِكرةُ في العدد 21 إذْ نَقرأُ: "اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 23: "وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً". ثُمَّ نَقرأُ بطريقةٍ ساخرةٍ أُخرى في العدد 25: "لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ". لذلكَ، مِنَ الواضحِ أنَّ هناكَ مَنْ يَظُنُّونَ أنَّ إعلانِ اللهِ في الكتابِ المقدَّسِ هُوَ جَهالة. فَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّ كلمةَ اللهِ هِيَ مُجَرَّدُ حَماقَة، وجهالة، وغَباوَة، وأنَّها عَديمةُ النَّفْعِ ولا تُناسِبُ المَنْطِقَ البشريَّ. وهُمْ يَنْظُرونَ إلى كلمةِ اللهِ نَظْرَةَ ازْدِراءٍ واحْتقار. وأنا لن أَدْخُلَ في تفاصيلِ ذلكَ كَثيرًا، ولكنَّ اللهَ المَصلوبَ كانَ مُحْتَقَرًا في أعْيُنِ الأُمَمِ، وكانَ مُحْتقرًا بالدَّرجةِ نَفْسِها (أوْ رُبَّما أكثر) في أعْيُنِ اليهود. والخلاصُ بالإيمانِ بإلهٍ مَصلوبٍ كانَ أمْرًا لاقى سُخْرِيَةً أكْبَر. فقد كانَ الأمْرُ كُلُّهُ غيرَ مَنْطِقِيٍّ البَتَّة.

ثانيًا، غيرُ المسيحيِّينَ لا يؤمنونَ بالكتابِ المقدسِ لا فقط لأنَّ رِسالَتَهُ غير مَنطقيَّة بالنِّسبةِ إليهم، بل أيضًا لأنَّها غَيْرُ مَفهومَة. فقد سَمِعْتُمْ بِضْعَ مَرَّات أُناسًا قالوا في أثناءَ المَعموديَّةِ في هذا المَساء: "لقد كنتُ أَعْلَمُ أنَّ يسوعَ ماتَ، ولكنِّي لم أكُنْ قادِرًا على فَهْمِ كَيفيَّةِ أوْ سببِ ارتباطِ ذلكَ بحياتي". أو رُبَّما سَمِعْتُم شخصًا يقول: "لقد نَشأتُ في الكنيسةِ وسَمِعْتُ كُلَّ هِذهِ القِصَصِ غيرِ المُترابِطَةِ، ولكنِّي لم أكُنْ أَعْلَمُ كيفَ أَرْبِطُ كُلَّ تلكَ القِصَصِ مَعًا". وهذهِ هي الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ هنا. فالأمْرُ ليسَ مَعقولًا بالنِّسبةِ إلى الهالِكين.

فنحنُ نَقرأُ في العدد 19: "أَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ». أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟ لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ ..." (أيْ إنَّ اللهَ جَعَلَ الأمْرَ كذلك) "لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ". فعندَ السُّقوطِ، وَضَعَ اللهُ الجِنسَ البشريَّ في حالةٍ يَستحيلُ عليهم فيها أنْ يَعرفوا اللهَ بواسِطَةِ الحِكمةِ البشريَّةِ. فلا يُمكنكُ أنْ تَعْرِفَ اللهَ مِنْ تِلْقاءِ نَفسِك.

لقد شاءَ اللهُ أنْ يكونَ الأمرُ هكذا. فَهُوَ يَقولُ: "سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ". بعبارة أُخرى، سوفَ أُحَوِّلُ حِكْمَةَ هذا العالَمِ في طَريقِ الحَماقَةِ. وسوفَ أفعلُ ذلكَ لأنَّ مَسَرَّتي هي أنْ لا يَتمكَّنَ أَحَدٌ، مَهْما كانَ حَكيمًا في أَعْيُنِ البَشَرِ، مِنْ مَعْرِفَتي بواسِطَةِ الحِكمةِ البشريَّةِ. وَهُوَ يَقْتَبسُ في العدد 19 مِنْ إشَعْياء 29: 14، مِنَ التَّرجمةِ السَّبعينيَّةِ، أيْ مِنَ النَّصِّ اليُونانِيِّ للعهدِ القَديم. فقد قالَ إشَعْياءُ آنذاك، في إشَعْياء 29، في الوقتِ الَّذي كانَ فيهِ سَنْحاريب يُهَدِّدُ يَهوذا، ويُهَدِّدُ بمُهاجَمَةِ وتَدْميرِ وَسَلْبِ يَهوذا، قالَ إشَعْياء إنَّ الخلاصَ سيأتي مِنَ اللهِ، وليسَ بواسِطَةِ حِكْمَةِ القادَةِ، ولا بواسِطَةِ حِكْمَةِ الحُكَماءِ. فمؤامَرَةُ الأعداءِ السِّرِّيَّةِ الشِّرِّيرةِ ضِدَّ يَهوذا ستَبيدُ لا بالحِكمةِ البشريَّةِ، بل بقوَّةِ اللهِ.

فسوفَ يَتدخَّلُ اللهُ ويُنْقِذُ شَعبَهُ. فحِكمةُ الحُكماءِ لن تُنْقِذَهُم. وذكاءُ الأذكياءِ لَنْ يُنْقِذَهُم. ولكنَّ اللهَ وَحْدَهُ هُوَ القادِرُ أنْ يَفعلَ ذلك. وكأنَّ اللهَ يَقولُ لهم: "أيْنَ هُمُ الحُكَماءُ عِنْدَما تَحْتاجونَ إليهم؟ أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ ادْعُوْهُم للاصْطِفافِ صَفًّا واحِدًا ... ادْعُوا المُتَعَلِّمينَ، والنُّخبةَ، والمُفَكِّرينَ، والفلاسِفَةَ". وبالمُناسَبَة، فإنَّ العَدَد 20 يُشيرُ إلى إشَعْياء 19: 12 وإشعياء 33: 18 – أيْ إلى مُشيري مِصْرَ الذينَ كانَ يَنْبَغي أنْ يَكونوا حُكَماءَ ولكنَّهُمْ أَثْبَتوا حَماقَتَهُم تمامًا في الأصحاحِ التَّاسع عَشَر مِنْ سِفْرِ إشعياء.

وَهُوَ يُشيرُ أيضًا إلى كَتَبَةِ الأشورِيِّينَ الذينَ كانوا جاهِزينَ لتَسجيلِ الغَنائِمِ الَّتي سيَحصلونَ عليها عندَ اقْتِحامِ المدينةِ، ولكنَّهُمْ ظَهَروا جميعًا بمَظهرِ الحَمْقى لأنَّ اللهَ تَدَخَّل. "أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ (أيِ الفَلاسِفَةُ المُغْرَمونُ بالمُجادَلاتِ)؟" اجْمَعوهُمْ جَميعًا. فاللهُ يُسَرُّ بأنْ يَعْجَزَ هؤلاءِ بكُلِّ ذَكائِهِمْ، وكُلِّ حَكمَتِهِم، وكُلِّ عِلْمِهِمْ، ... أنْ يَعْجَزوا عَنْ مَعْرِفَتِهِ. فقد شاءَ اللهُ، لِحِكْمَةٍ لديهِ، أنْ يَجْعَلَ الرِّجالَ والنِّساءَ عاجِزينَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ مِنْ تَلْقاءِ أنفُسهم. فلا يُمكِنُكَ أنْ تَصِلَ إلى هُناكَ مِنْ هُنا دونَ مَعونَة. ولا يُمكنكَ أنْ تَثِقَ وَحْدَكَ بكلمةِ اللهِ وأنْ تُؤمِنَ بالرِّسالةِ أوْ بكلمةِ الصَّليبِ أوْ بكلمةِ الشَّهادةِ الإلهيَّةِ. لذلكَ فإنَّ الناسَ لا يؤمنونَ بكلمةِ اللهِ لأنَّها في نَظَرِهِمْ جَهالَة وغيرُ واقعيَّة، ولأنَّها غيرُ مَفهومة.

ثالثًا، لأنَّها، بِصَراحَة، لا تُصَدَّق، أوْ أعْتِقِد أنَّهُ يُمكِنُكم أنْ تَقولوا إنَّها "سَخيفَة". فنحنُ نَقرأُ في العدد 22: "لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً". فاليهودُ كانوا يَبْحَثونَ عنْ آياتٍ. وقد تَقولُ: "مَهْلًا! ولكنَّ يَسوعَ قَدَّمَ لهم آياتٍ وَعَجائِبَ ومُعْجِزاتٍ كثيرة". أجل، ولكنَّهُمْ أرادوا آيَةً كَبيرَة (كَأنْ يَهْزِمَ الرُّومانِيِّينَ، وَأنْ يُؤسِّسَ المَلَكوتَ، وأنْ يَحْكُمَ كَمَلِكٍ تَحْقيقًا للعهدِ مَعَ إبراهيمَ وداود). وعندما ابتدأَ يَتحدَّثُ عنْ موتِهِ، تَمَّ صَلْبُهُ وانْتَهى الأمْر. فقد صُلِبَ الرَّبُّ يَسوعُ لأنَّهُ دَانَ دِيانَتَهُمْ وَرِياءَهُمْ، ولأنَّهُ لم يُظْهِرْ قُوَّتَهُ في مُواجَهَةِ الرُّومانِيِّينَ ولم يُحَقِّقْ خُطَّتَهُمْ الخاصَّةَ الَّتي وَضَعوها للمَسِيَّا. وحتَّى إنَّهُمْ قالوا وَهُوَ مُعَلَّقٌ على الصَّليب: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!" فرُبَّما كانَ رَجاؤُهُمُ الوَحيدُ هُوَ أنْ يَفْعَلَ الآيَةَ الَّتي كانوا يَنْتَظرونها. ولكِنْ أنْ يُصْلَبَ الله؟ وَأنْ يُصْلَبَ المَسِيَّا بأيدي الرُّومانِيِّين؟ إنَّهُ أمْرٌ لا يُصَدَّق.

مِنْ جِهَةٍ أخرى، فقد كانَ اليونانِيُّونَ يَطْلُبونَ حِكْمَةً. وما مَعنى ذلك؟ لقد كانوا يَبْحَثونَ عَنْ فَلْسَفاتٍ عَويصَةٍ ومُعَقَّدَةٍ وعَميقَةٍ، وعَنْ كلماتٍ مُزَخْرَفَةٍ ومَفاهيمَ سِرِّيَّة. وقد كانوا يَسْخَرونَ مِنْ بَساطَةِ الإنْجيلِ ومِنَ الفِكرةِ غيرِ المَعقولِة الَّتي تَقولُ إنَّ هُناكَ إلَهًا مَصلوبًا يَنْبَغي أنْ يُعْبَد. لذلكَ يوجدُ حَتَّى يومِنا هذا تِمْثالٌ في رُوما في هَيْئَةِ رَجُلٍ يَنْحَني أمامَ حِمارٍ. وهذا يَعْكِسُ نَظْرَتَهُم القَديمةَ للمسيحيَّةِ. وهُناكَ نَقْشٌ يَقولُ: "أليكامينوس يَعْبُدُ إلَهَهُ". والشيءُ العَجيبُ في هذا هُوَ أنَّ الحِمارَ مَصْلوبٌ. فَمَنْ يَعْبُدُ حِمارًا مَصلوبًا؟ إنَّهُ، بِصَراحَة، أمْرٌ لا يُعْقَل.

رابعًا، إنَّ شَخصيَّاتِ الكتابِ المقدَّس ليسَتْ مُمَيَّزة. إنَّ شَخصيَّاتَهُ ليست مُمَيَّزة. فاليَهُودُ كانوا يَسْأَلُونَ آيَةً، وَاليُونَانِيِّونَ كانوا يَطْلُبُونَ حِكْمَةً. ولكنَّ بولسَ كانَ يَكْرِزُ بالمسيحِ مَصْلوبًا. وقد عَثَرَ اليهودُ في هذا الأمر، والأُمَمُ قالوا إنَّ هذهِ جَهالَة. والعَدَد 26 لا يُساعِدُ في شَيء: "فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ". والمقصودُ هُنا هوَ أنَّنا لسنا جَذَّابين. فالمؤمنونَ المسيحيُّونَ لم يكونوا كذلكَ آنذاك، ونحنُ لسنا كذلكَ الآن. فأغلبيَّةُ المؤمنينَ ليسوا مُمَيَّزين. فَهُمْ لم يكونوا يومًا مُمَيَّزينَ في نَظَرِ العالمِ، ولا سِيَّما في نَظَرِ نُخبةِ العُقولِ في العالمِ إذْ إنَّهُمْ يَنظرونَ إلينا بازدراء.

فنحنُ لسنا الأذكى ولسنا الأشْرَف. والحقيقةُ هي أنَّ العدد 27 يَقول: "بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُود". فالأوصافُ هُنا تَسيرُ مِنْ سَيِّئٍ إلى أسْوأ. فَهُوَ لم يَخْتَرِ الحُكماء. وَهُوَ لم يَخْتَرِ الشُّرَفاء. أجل، إنَّهُ لم يَخْتَرِ الحُكماء، ولا النُّخبة الفِكريَّة، ولا الأقوياء، ولا العُظَماء، ولا أصحابَ النُّفوذِ، ولا أصْحابَ الشَّأنِ، ولا المُمَيَّزينَ، ولا ذَوي السُّلْطَة، ولا الشُّرَفاء. ويَستخدِمُ بولسُ هُنا كلمةً يونانيَّةً تُشيرُ إلى الأصْلِ الكَريمِ، والنُّبْلِ، والطَّبقةِ الاجتماعيَّةِ الرَّاقِيَةِ.

"بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ ... وَضُعَفَاءَ الْعَالَمِ ... وأَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ" (أغينيس: agenes - أيِ الذينَ لا أَصْلَ لَهُمْ، ولا حَسَب، ولا نَسَبْ، ولا أهميَّة) ... "وَالْمُزْدَرَى". ثُمَّ يَذْكُرُ فِئَةً أَدْنى مِنْ هَذِهِ الفِئاتِ فيقولُ "وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ". وَهُوَ يَستخدِمُ هُنا صِيغةَ اسْمِ المَفعولِ للكلمة "إيمي" (eimi) للإشارةِ إلى غيرِ الموجودينَ الَّذينَ اخْتارَهُمُ اللهُ. وبالمناسبة، فإنَّ العِبارَةَ الأخيرةَ الَّتي يَستخدمُها بولسُ حينَ يَقولُ "غَيْرَ المَوجودِ" في العدد 28 هِيَ أَحْقَرُ تَعْبيرٍ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ للحَطِّ مِنْ شَأنِ شَخْصٍ آخَر، أيْ أنْ تُعامِلَهُ كما لو أنَّهُ غيرُ موجودٍ. لذلكَ، فإنَّهُمْ لا يؤمنون. وحقيقةُ أنَّنا لسنا مُمَيَّزينَ تَزيدُ مِنْ مُقاوَمَتِهِم.

ثُمَّ نأتي للسَّببِ الخامِسِ. فالأمْرُ لا يَتوقَّفُ على أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَتَحَدَّثُ عنهُمْ هذا الكِتابُ ليسوا مُمَيَّزينَ، بل إنَّ مَنْ يَكْرِزونَ بِهِ ليسوا عَصْرِيِّين. وهُناكَ كلِماتُ كَثيرةٌ للتَّعبيرِ عن أنَّهُم ليسوا عَصْرِيِّين. فلنقرأ ما جاءَ في الأصحاحِ الثاني: "وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ". وقد كانتْ هذهِ مُشكلة لأنَّهم كانوا يُحِبُّونَ هذا النَّوعَ مِنَ الكَلامِ المُنَمَّقِ والمُعَقَّدِ، والتَّعليمِ العَويصِ الَّذي يُحَيِّرُ عُقولَهُمْ، ويُدْهِشُها، وَيَتَحَدَّاها. "وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ مُنَادِيًا لَكُمْ بِشَهَادَةِ اللهِ، لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا". ونَجِدُ مَرَّةً أُخرى أنَّ الرِّسالةَ كانَتْ مُنَفِّرَةً، وغيرَ قابلةٍ للتَّصديق، وبَسيطةً جِدًّا.

فَضْلًا عن ذلك، فإنَّهُ لم يُحاوِلْ أنْ يُساعِدَ في حَلِّ المُشكلةِ مِنْ خلالِ شَخْصِيَّتِهِ. ولعلَّكُمْ تَذكرونَ أنَّ أهْلَ كورِنثوس قالوا عنهُ صَراحَةً إنَّ حُضورَهُ كانَ ضَعيفًا، وإنَّ كَلامَهُ كانَ حَقيرًا. فقد كانَ عِنْدَهُمْ "في ضَعْفٍ، وَخَوْفٍ، وَرِعْدَةٍ كَثِيرَةٍ". "وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ". لذلكَ، لقد صارَتْ لديكُم فِكرة واضِحَة عَنْ سَبَبِ عَدَمِ إيمانِ النَّاسِ. فالنُّقطةُ الأولى هي أنَّهُم لا يَقْدِرونَ لأنَّهُمْ لا يَستطيعون ولأنَّهم لا يَمْلِكونَ حياةَ اللهِ. لذلكَ فَإنَّهُمْ لا يَقْدِرونَ أنْ يَهْرُبوا مِنْ طَبيعَتِهِم، ولا يَسْتَطيعونَ التَّمَلُّصَ مِنَ الجَسَد. والشَّخصُ المُسْتَعْبَدُ للجَسَد لا يَفْعَلُ إلَّا ما يُمْليهِ عليهِ الجَسَد. وَهُوَ لا يَقْدِرُ أنْ يَعْرِفَ الأشياءَ الرُّوحِيَّةَ لأنَّهُ لا يُمَيِّزُ رُوْحَ اللهِ.

وإذا أَضَفْتُمْ إلى ذلكَ جَميعَ الأسبابِ الَّتي ذَكَرْناها لِرَفْضِهِمْ، سَتُدركونَ شَيئًا عَنْ مُعْضِلَةِ غيرِ المُؤمِنين. فالرسالةُ نَفْسُها تُثيرُ حَفيظَتَهُمْ. وَهِيَ غيرُ مَنطقيَّة، وصَعْبَةُ التَّصْديقِ، وصَعْبَةُ الاستيعابِ. والنَّاسُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بها وَضيعونَ. والذينَ يَكْرِزونَ بها ضُعَفاءَ، وليسوا جَذَّابينَ، بلْ هُمْ يَأتونَ في خَوْفٍ ورِعْدَةٍ كَثيرة. ويُمْكِنُكُمْ أنْ تُضيفوا إلى ذلكَ الطَّبيعةَ السَّاقِطَةَ، والظَّلامَ، والعَمى الشَّيْطانِيَّ، والدَّينونةَ الإلهيَّةَ. لذلكَ، لا يُمْكِنُ لغيرِ المؤمنينَ أنْ يَقْبَلوا الحَقَّ مِنْ تِلْقاءِ أنْفُسِهِم.

في ضَوْءِ ذلكَ، فإنَّ البحثَ عنِ اللهِ، والبحثَ عنِ المسيحِ، والبحثَ عنِ الحَقِّ، والبحثَ عَمَّا إذا كانَ الكِتابُ المقدَّسُ صَادِقًا فيما يَقول، هُوَ بَحْثٌ لا يُمكنُ أنْ يَبْتَدِئَ وَيَنْتَهي بالمَنطقِ البشريِّ. لذلكَ، حينَ تَرَوْنَ تلكَ البَرامِجَ التِّلِفزيونيَّةِ الَّتي تَقول: "البحثُ عَنْ يَسوعَ الحَقيقيّ" أو "البحثُ عَنِ الحَقِّ"، فإنَّ النِّهايَةَ تَكونُ خاطِئَة دائمًا. فالعقلُ السَّاقِطُ لا يَستطيعُ أنْ يَصِلَ إلى هُناكَ بِمُفْرَدِهِ. لذلكَ فإنَّ غيرَ المؤمنينَ لا يُصَدِّقونَ الكِتابَ المقدَّسَ.

والآنْ، لِنَطْرَحِ السُّؤالَ الثَّاني: لماذا يُصَدِّقُ المَسيحيُّونَ الكِتابَ المقدَّسَ؟ فبالرَّغْمِ مِنْ هذا كُلِّهِ، افْتَحوا على العَدَدِ السَّادِسِ مِنَ الأصْحاحِ الثَّاني. فسوفَ نَصْرِفُ بِضْعَ دقائقَ في الحديثِ عَنْ هذا الجُزْءِ الأخير. "لكِنَّنَا" ... (وهذِهِ هيَ الكلمةُ المِفتاحِيَّةُ هُنا. لذلك، يُمْكِنُكُمْ أنْ تَضَعوا دائِرًةً حَوْلَها أوْ خَطًّا تَحْتَها): "لكِنَّنا [بالرَّغْمِ مِنْ رَأيِ العَالَمِ في هذا الموضوعِ، فإنَّنا] نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ ’تيليئويس‘ (teleiois)". وتَرِدُ هذِهِ الكلمةُ هُنا بصيغَةِ الجَمْعِ: "بَيْنَ تيليئويس". وما المَقصودُ بذلك؟ المَقصودُ هُنا: "بَيْنَ أولئكَ الَّذينَ جُعِلوا كامِلين". وَهِيَ كَلِمَة تُسْتَخْدَمُ لوصفِ المُؤمِنين. فنحنُ نَتكلَّمُ بحِكمةٍ يَفْهَمُها ويَستوعِبُها ويَقْبَلُها ويُؤمِنُ بها أولئكَ الَّذينَ جُعِلوا كامِلين. فقد جِئْنا إلى المسيحِ. أوْ كَما يَقولُ بولُسُ في رِسالَتِهِ إلى أهْلِ كولوسي: لقد جِئْنا إلى ذاكَ "الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ".

وهذا لا يَعني أنَّنا أَذْكى مِنَ الآخرين، ولا أنَّنا سَمِعْنا بَراهينَ أكْثَرَ مِنْهُم. بل إنَّنا صِرْنا كامِلينَ فيه. فهذا هُوَ ما يَقولُهُ بولُس: "أَنْتُمْ مَمْلُوؤُونَ فِيهِ". وإذْ صِرْتُمْ كامِلينَ فيهِ أوْ نَاضِجينَ فيهِ، أُعْطيتُمْ عَمَلَ التَّجديدِ والاهتداءِ والتَّغييرِ الإلهيّ - لا فقط لتؤمنوا بيسوعَ المسيحِ أوْ باللهِ الحَقيقيِّ المُحِبِّ، بل أيضًا لتَثِقوا بكلمةِ اللهِ. لذلكَ نَقرأُ في العددِ السَّادِسِ: "لكِنَّنا نَتَكَلَّمُ بحِكْمَةٍ". ويَستخدِمُ بولسُ هُنا صيغةَ الجَمْعِ "نَتَكَلَّمُ" إشارةً إلى الرُّسُل. "لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ".

فَهَذِهِ الحِكْمَةُ (كَما أَخْبَرْتُكُمْ) لا تَعْرِفُها أفْضَلُ العُقولِ في العالَمِ، ولا يَعْرِفُها أعْظَمُ قادَةِ العالَمِ. ثُمَّ يَقولُ في العدد 7: "بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ". ولكَنْ كَيْفَ تَسَنَّى لَنا أنْ نَعْرِفَها؟ اقْرَأوا بَقِيَّةَ العَدَد: "الَّتِي سَبَقَ اللهُ ..." ما الكَلِمَة التَّالية؟ "... فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا". إذًا، لماذا أَفْهَمُ الكِتابَ المقدَّسَ؟ لأنَّ اللهَ ماذا؟ عَيَّنَني لِفَهْمِهِ لِمَجْدي المُستقبليِّ. وقد تَقولونَ: "إذًا، هل تُؤْمِنُ بالتَّعيينِ السَّابِقِ؟" أنا أُوْمِنُ بالكِتابِ المقدَّسِ. والكِتابُ المقدَّسُ يُخْبِرُني أنَّ سَبَبَ فَهْمي لحِكمةِ اللهِ هُوَ أنَّ اللهَ عَيَّنَني سَابِقًا للمَجْدِ الأبدِيِّ، وَأنَّهُ أَعْطاني مِنْ خِلالِ التَّجديدِ والاهتداءِ أنْ أُوْمِنَ بابْنِهِ، وبالإنجيلِ، وبِكَلِمَتِهِ.

وهل هذا يَعني أنَّني الآنَ في وَضْعٍ يَجْعَلُني أُصَدِّقُ الكِتابَ المقدَّسَ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّهُ غيرُ مَنْطِقِيٍّ. لا! فكُلُّ شيءٍ فيهِ مَنْطِقِيٌّ. فَنُبوءاتُهُ قَدْ تَحَقَّقَتْ. ومُعْجِزاتُهُ صَحيحَةٌ ومَشْهودٌ لَها. وَهُوَ صَحيحٌ عِلْمِيًّا ويَخْلو مِنَ الأخْطاءِ العِلْمِيَّةِ. والتَّفاصيلُ المُخْتَصَّةُ بالتاريخِ وعِلْمِ الآثارِ يُمْكِنُ التَّحَقُّقُ مِنْها في أَدَقِّ تَفاصيلِها. ولكنَّ مَنْطِقي البشريَّ لا يَعْتَمِدُ على ذلكَ في المَقامِ الأوَّلِ. ولكِنْ لأنَّ اللهَ أَعْطاني إيمانًا بكلِمَتِهِ، فإنَّني أرى الآنَ أنَّ كُلَّ ذلكَ صَحيح. وهُناكَ طَريقَةٌ أُخرى للتَّعبيرِ عَنْ ذلكَ مِنْ خِلالِ النَّظَرِ إلى ما جاءَ في الأصْحاحِ الثَّاني مِنْ رِسالَةِ يُوحنَّا الأولى.

فهناكَ أشخاصٌ يَأتونَ إلى الكنيسةِ لفترةٍ ما، ولكنَّهُمْ لا يَبقونَ فيها. والعَدَد 19 يَصِفُ هؤلاء: "مِنَّا خَرَجُوا". وَهَذا يَصحُّ تمامًا على الخِبْرَةِ الدِّينيَّةِ لكُلِّ شخصٍ، وعلى الخِبرةِ المسيحيَّةِ. "مِنَّا خَرَجوا". أجل. فقد كانَ فُلانٌ يأتي إلى هُنا، ويُرَنِّمُ في فَريقِ التَّرنيمِ، ويَخْدِمُ هُنا وهُناك. ويأتي إلى الكنيسة. ولكنَّنا لم نَعُدْ نَراهُ الآن! ما الَّذي جَرى؟ "مِنَّا خَرَجوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا". فقد خَرَجوا. وقد تَرَكوا. وهذا يُثْبِتُ أنَّهُمْ لم يَكونوا يَنْتَمونَ إلى هذا المكان.

ثُمَّ نَقرأُ في العدد 20 هذهِ الكلماتِ المُحَبَّبة إلى قلبي: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ وَتَعْلَمُونَ كُلَّ شَيْءٍ". وما الَّذي تَعْرِفونَهُ؟ أنْتُمْ تَعْلَمونَ ما يَقولُهُ في العددِ التَّالي: "لَمْ أَكْتُبْ إِلَيْكُمْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ الْحَقَّ، بَلْ لأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَهُ، وَأَنَّ كُلَّ كَذِبٍ لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ". وهذا يَعني أنَّهُ لا يُمْكِنُ للكَذِبِ أنْ يُضِلَّكُمْ. ولا يُمْكِنُ للكَذِبِ أنْ يَجْعَلَكُمْ تَرْتَدُّونَ. لماذا؟ لأنَّكُمْ تَعرفونَ الحَقَّ. ولماذا تَعرفونَ الحَقَّ؟ لأنَّ لَكُمْ مسْحَة مِنَ اللهِ. وما هِيَ هَذِهِ المسْحَة؟ أوْ بالحَرِيِّ: مَنْ هُوَ هَذا المَسْحَة؟ إنَّهُ الرُّوحُ القُدُس.

إذًا أنا أُوْمِنُ بالكتابِ المقدَّسِ لأنَّ اللهَ أعْطاني ثِقَةً بكلمةِ اللهِ كَجُزْءٍ مِنْ خَلاصي وتَجديدي. وأنا باقٍ على الحَقِّ. وأنا أُوْمِنُ بالحَقِّ. وأنا أَقْبَلُ الحَقَّ. وأنا مُسْتَمِرٌّ في الحَقِّ. وأنا أَبْقى مُنْخَرِطًا في الحَقِّ لأنَّ رُوْحَ اللهِ أَراني الحَقَّ ولأنِّي أَعْرِفُ الكَذِبَ حينَ أراهُ. ثُمَّ نَقرأُ في نِهايَةِ هَذا الأصْحاحِ، أوْ بالقُرْبِ مِنْ نهايَتِهِ (وتَحديدًا في العدد 27): "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَالْمَسْحَةُ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ". ويا لِرَوعةِ ذلك! فهذا هُوَ سَبَبُ يَقينِنا وَضَمانِنا: الرُّوحُ القُدُسُ السَّاكِنُ فينا دائمًا لأنَّهُ مِرْساةُ الحَقِّ بالنِّسبةِ إلينا. فَهُوَ ثابِتٌ فيكُمْ "وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ. بَلْ كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هذِهِ الْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ حَقٌّ وَلَيْسَتْ كَذِبًا. كَمَا عَلَّمَتْكُمْ تَثْبُتُونَ فِيهِ".

إنَّ هذا موضوعٌ عميقٌ ينبغي فَهْمُه. فعندما نِلْتُم الخلاصَ صارتْ لديكُم ثِقَة بكلمةِ اللهِ. وقد بَقِيْتُمْ هُنا. ... لقد بَقيتُمْ هُنا. أمَّا الأشخاصُ الذينَ يَأتونَ إلى حِيْن ثُمَّ يَذهبون، فإنَّهُمْ يُبَرْهِنونَ على حقيقةِ أنَّهم لم يكونوا يومًا يَنْتَمونَ إلى اللهِ وأنَّ رُوْحَ اللهِ لم يَكُنْ يومًا فيهم. ولكنِّي أُوْمِنُ بالكِتابِ المقدَّسِ لأنَّ اللهَ أعْطاني هِبَةَ الإيمانِ بابْنِهِ، والإيمانِ بإنْجيلِهِ، والإيمانِ بِكَلِمَتِهِ. وَهَذا لِتَبريري. فأنا أُوْمِنُ بالكِتابِ المقدَّسِ لِتَقديسي لأنَّ رُوْحَ اللهِ الَّذي يَسْكُنُ فِيَّ مُسْتَمِرٌّ في إرْشادي إلى الحَقِّ وفي إبْعادي عَنِ الباطِلِ. هذا هُوَ سَبَبُ إيماني بالكِتابِ المقدَّسِ.

وأنا أُدْرِكُ (كَما يَقولُ العَدَد 6) أنَّ هَذا يَختلفُ عَنْ حِكْمَةِ هذا الدَّهْرِ، وحِكْمَةِ عُظَماءِ هذا الدَّهْرِ، والعُقولِ النَّابِغَةِ. فَكُلُّ ذلكَ "كاتارغَئو" (katargeo). فهذا كُلُّهُ باطِل. وهذا كُلُّهُ عَديمُ الفائِدَةِ. وهذا كُلُّهُ لا يَقودُ إلى أيِّ شَيءٍ. وهذا كُلُّهُ حَماقَة ... حَماقَة حَقيقيَّة. ولكنِّي أُوْمِنُ وأنْتُمْ تُؤمِنونَ لأنَّ اللهَ اخْتارَ قَبْلَ تأسيسِ العالَمِ أنْ نُؤمِنَ لِكَيْ نُمَجَّد. وكَما جاءَ في العدد 8، فإنَّنا نُؤمِنُ بِحِكْمَةٍ "لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ" وَلَما اسْتَمَرُّوا في رَفْضِ رَبِّ المجدِ الَّذي صُلِب.

ويُلَخِّصُ بولسُ الأمْرَ في العدد 9 فيقولُ شَيئًا مُشابِهًا لما جاءَ في سِفْرِ إشَعْياء: "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ". فنحنُ نَعْرِفُ كُلَّ الأشياءِ الَّتي أعَدَّها اللهُ لنا. نحنُ نَعْلَمُ ذلك. ونحنُ نَعلمُ ذلكَ مِنْ خِلالِ الإعلانِ الإلهيِّ. ولا توجدُ طريقةٌ أُخرى لمَعرفةِ ذلك. فالعينُ لا تَقْدرُ أنْ تَرى ذلكَ، والأُذُنُ لا تَقْدِرُ أنْ تَسْمَعَ ذلك. والبالُ (أيِ القَلْبُ) لا يَقْدِرُ أنْ يَسْتَوْعِبَ ذلك.

إنَّ حَقَّ اللهِ المُخْتَصَّ بالخلاصِ، وحَقَّ اللهِ المُخْتَصّ بالحياةِ الروحيَّةِ والأبديَّةِ هُوَ حَقٌّ لم يَرَهُ أَحَدٌ، ولم يَسْمَعْ بِهِ أَحَدٌ، ولم يَخْطُرْ على بَالِ أَحَد. فلا يُمْكِنُ لأحدٍ أنْ يَعْرِفَ ذلكَ مِنْ خِلالِ التَّجْرِبَةِ، ولا يُمْكِنُ لأحدٍ أنْ يَعرفَ ذلكَ بالتَّفكيرِ العَقلانِيِّ. فالطَّريقةُ الوحيدةُ لمعرفةِ ذلكَ هِيَ مِنْ خِلالِ الإعلانِ الإلهيِّ. وقد قالَ يَسوعُ ما يَلي في يوحنَّا 8 حينَ كانَ يَتكلَّمُ إلى الفَرِّيسيِّينَ العَنيدين. فَهُوَ يَقولُ لَهُمْ في الأصْحاحِ الثَّامِنِ وَالعدد 42: "لَوْ كَانَ اللهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي". عَجَبًا! ولكِنْ لأنَّ اللهَ ليسَ أباكُم، فإنَّكُمْ لا تُحِبُّونَني. "لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللهِ وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي". ثُمَّ اسْتَمِعُوا إلى هَذهِ الكلمات: "لِمَاذَا لاَ تَفْهَمُونَ كَلاَمِي؟"

لماذا لا يَفْهَمُ النَّاسُ؟ "لأَنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَسْمَعُوا قَوْلِي. أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ. وَأَمَّا أَنَا فَلأَنِّي أَقُولُ الْحَقَّ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي". بِعِبارَة أُخرى: أنْتُمْ لا تَقْدِرون. وَهُوَ يُلَخِّصُ الأمْرَ في العدد 46 فيقول: "فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟" لماذا لا يُؤمِنُ النَّاسُ بالحَقّ؟ "الَّذِي مِنَ اللهِ يَسْمَعُ كَلاَمَ اللهِ. لِذلِكَ أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَسْمَعُونَ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ اللهِ". إنَّ الأمْرَ واضِحٌ تمامًا. أليسَ كذلك؟ فَمَنْ يُؤمِنُ بالكتابِ المقدَّسِ؟ الذينَ هُمْ مِنَ اللهِ. فَالعَمَلُ هُوَ عَمَلُ اللهِ.

ارْجِعوا إلى رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى والأصْحاحِ الثَّاني. وسوفَ نَخْتِمُ الحَديثَ بِبِضْعِ مُلاحَظاتٍ على العَددِ العاشِرِ. 2كورِنثوس 2: 10: "فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا" – وَهَذِهِ نُقْطَةٌ رائِعَةٌ تُلَخِّصُ الأمْرَ بِمُجْمَلِه: "فَأعْلَنُهُ اللهُ لَنا". أَعْلَنَهُ؟ ما المَقصودُ بذلك؟ المَقْصودُ هُنا هُوَ: "مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" مِنْ خَلاصٍ، وَحَياةٍ رُوحِيَّةٍ وَأبديَّةٍ، ومَلَكوتٍ. بعبارةٍ أُخرى: كُلَّ حِكْمَةِ اللهِ، وكُلَّ كَلِمَةِ الصَّليبِ، وكُلَّ كَلِمَةِ شَهادَةِ اللهِ، وكُلَّ الحَقِّ المُدَوَّنِ في الكِتابِ المقدَّسِ. فبالنِّسبةِ إلينا، أَعْلَنَ اللهُ كُلَّ ذلكَ مِنْ خِلالِ الرُّوحِ. وهذا هُوَ الشَّيءُ الَّذي يَنْبَغي لنا أنْ نَفْهَمَهُ. فنحنُ نُؤمِنُ لأنَّ اللهَ اخْتارَنا مُسَبَّقًا لكي نَعْرِفَ ذلكَ مِنْ أَجْلِ تَمْجيدِنا في المُستقبل.

وفي خِتامِ هَذا الحَديثِ الشَّيِّقِ، دَعونا نَتَوَسَّعُ قليلًا في فِكْرَةِ أنَّنا نَعْلَمُ لأنَّ اللهَ اخْتارَ أنْ يُرينا، وَأنْ يُعْلِنَ لنا، وَأنْ يُجَدِّدَنا، وَأنْ يُعْطينا حَياةً، وَأنْ يُزيلَ القُشورَ عَنْ أعْيُنِنا، وَأنْ يُنْهِضَ قُلوبَنا، وَأنْ يَكْشِفَ السِّرَّ، وَأنْ يُعْلِنَ الحَقَّ الَّذي كانَ مَكْتومًا ولَكِنَّهُ كَشَفَهُ لَنا. ففي ضَوْءِ هذهِ الخَلفيَّةِ، لِنَقْرَأ النَّصَّ ثانِيَةً ابْتِداءً بالعَدَد 24: "وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ". وأيْنَما وَجَدْتُمْ المُصْطَلَحْ "المَدْعُوِّين" أوْ "الدَّعوة" في رسائلِ العهدِ الجديدِ، فإنَّها تُشيرُ إلى الدَّعوةِ إلى الخَلاص.

فنحنُ الذينَ دُعِيْنا، أيْ أنَّنا دُعِيْنا مِنَ الظُّلمةِ إلى النُّورِ، ودُعِيْنا مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ. وَهُوَ يَقولُ ذلكَ مَرَّةً أُخرى في العدد 26: "فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ" – أيْ دَعْوَتَكُمْ الإلهيَّة، وَالإحْياءَ، والدَّعوةَ الواهِبَةَ للحياة، والتَّجديدَ. ولماذا نَحْنُ؟ العَدَد 27: "بَلِ اخْتَارَ اللهُ" ... بَلِ اخْتارَ اللهُ. العَدَد 28: "وَاخْتَارَ اللهُ". العَدَد 30: "وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ". فلماذا أنْتُم في المَسيح يَسوع؟ هل لأنَّكُمْ رأيتُمْ سُهولَةَ استيعابِ ذلكَ والإيمانِ بذلكَ لأنَّكُمْ رأيتمُ الأدِلَّةَ؟ أو لأنَّ عُقولَكُمْ اسْتَوْعَبَتْ ذلك؟ لا، بل أنْتُمْ في المسيحِ لأنَّهُ هُوَ قامَ بذلك. فَهُوَ اخْتارَكُمْ مُسَبّقًا. وَهُوَ أَعْلَنَ ذلكَ لَكُمْ لأنَّهُ اخْتارَ ذلكَ. والذينَ اخْتارَهُمْ دَعاهُمْ. وكَما يَقولُ بولُس في رُومية 8: "وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا".

لذلكَ، لِنَرْجِعْ إلى العدد 30: "وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوع". فَبِفَضْلِ اللهِ، أنْتُمْ تُؤمِنون. وبِفَضْلِ اللهِ أنْتُمْ تَقبلونَ كلمةَ اللهِ لأجْلِ تَبريرِكُمْ وتَقديسِكُم. وبِفَضْلِ اللهِ، أنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ" (اسْتَمِعوا): "الَّذي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ". فَبِفَضْلِ اللهِ، صَارَ لَنا مَقَامٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. ثُمَّ صَارَ المَسيحُ لَنا (بواسِطَةِ حُضورِهِ وقُوَّتِهِ ورُوحِهِ وكَلِمَتِهِ) حِكْمَةً مِنَ اللهِ، وَبِرًّا، وَقَدَاسَةً، وَفِدَاءً.

ولكِنْ لماذا قامَ اللهُ بذلكَ بهذهِ الطريقة؟ لماذا قامَ اللهُ بذلكَ بهذهِ الطريقة؟ العَدَد 29: "لِكَيْ" ماذا؟ "لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 31: "حَتَّى كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ»". لذلكَ فإنَّنا نُذْهَلُ بالثِّقَةِ الَّتي لَدينا بكلمةِ اللهِ. وعندما يَسْألُكُمْ أيُّ شَخْصٍ: "مِنْ أيْنَ لَكُمْ هذهِ الثِّقَة؟" يُمْكِنُكُمْ أنْ تَقولوا إنَّ اللهَ هُوَ الَّذي فَعَلَ ذلك لأنَّهُ وَضَعَنا في المسيحِ، ولأنَّ المسيحَ صَارَ لَنا حِكْمَةً مِنَ اللهِ. ومَحَبَّتُنا للهِ في المسيحِ هِيَ الَّتي تُعْطينا الثِّقَةَ بكَلِمَتِهِ. ونحنُ نُؤمِنُ بالحَقِّ لأنَّنا مِنَ اللهِ.

وقد عَبَّرَ "مارتِن لوثر" عن ذلكَ بالقول: "الإنسانُ يُشْبِهُ عَمودَ مِلْحٍ مِثْلَ زَوْجَة لُوْط، ويُشْبِهُ جِذْعًا، أوْ حَجَرًا، أوْ يُشْبِهُ تِمْثالًا لا حَياةَ فيهِ ولا يَمْلِكَ عَيْنَيْنِ وَلا فَمًا، ولا إحْساسًا، ولا قَلْبًا، إلى أنْ يَسْتَنيرَ، ويَهْتَدي، ويَتَجَدَّدُ بالرُّوحِ القُدُس". لذلكَ فأنا لم أَخْتَرِعْ هذا الأمر. فَهُمْ يَقرأونَ الكِتابَ المقدَّسَ نَفْسَهُ الَّذي أنا أَقْرأُهُ والذي أنْتُمْ تَقرأونَهُ. وأنْتُمْ تُؤمِنونَ بالكِتابِ المقدَّسِ، يا أحبَّائي، وتَعيشونَ في نُورِ الحَقائِقِ المَجيدَةِ الَّتي يُعْلِنُها، وَحَياتُكُمْ مُفْعَمَةٌ بالفَرَحِ بسببِ عَجائِبِهِ لأنَّ اللهَ سُرَّ لأجْلِ مَجْدِهِ أنْ يَخْتارَكُمْ وأنْ يُبَرِّرَكُمْ وَأنْ يُقَدِّسَكُمْ مِنْ خِلالِ كَلِمَتِهِ. وحينَ أعْطاكُمُ المَسيحَ، أعْطاكُمْ في المَسيحِ حِكْمَتَهُ لأنَّهُ "الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ". لذلكَ، لا يُمكنني أنْ أَفْصِلَ مَحَبَّتي للمسيحِ عنْ مَحَبَّتي للكَلِمَة.

وفي الخِتام، لِنَنْتَقِلْ إلى العَدَد 16، إلى الجُملةِ الأخيرة: "وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ". ويا لَها مِنْ جُمْلَة! يا لَها مِنْ جُمْلَة! فمِنْ خِلالِ الثِّقَةِ في كلمةِ اللهِ، يَصيرُ لَنا فِكْرُ المَسيح. هَلْ فَهِمْتُمْ ذلك؟ فما يُفَكِّرُ اللهَ فيهِ أوْ ما يَرْغَبُ فيهِ ليسَ سِرًّا بالنِّسبةِ إليَّ. فَكُلُّ ما يُريدُ اللهُ مِنِّي أنْ أعْرِفَهُ مَوْجودٌ في هذا الكِتاب. فأنا لَدَيَّ في هذا الكِتاب فِكْرُ المَسيح. وأنا أعْرِفُ كيفَ يُفَكِّرُ المسيحُ، وما يُريدُهُ المَسيحُ، وما يُسِرُّ المَسيحَ، وما يُحِبُّهُ، وما يُبْغِضُهُ، وما يُوْصيني بِهِ، وما يَنْهاني عَنْهُ. وأنا أَفْهَمُ ذلكَ لأنَّهُ أعْطاني القُدرةَ على فَهْمِهِ. وأنا أَعيشُ حَياتي في قَبولٍ تامٍّ لهذهِ النِّعمةِ الرَّائعةِ والعَميقَةِ الَّتي يَعْجَزُ اللِّسانُ عَنْ وَصْفِها لِرَوْعَتِها. لِنَحْنِ رُؤوسَنا للصَّلاة:

نَحْنُ نَعْلَمُ، يا أبانا، أنَّ قُوَّةَ الكِرازَةِ للتَّبريرِ لا تَكْمُنُ في الأساليبِ الذَّكِيَّةِ، ولا في المُوسيقا، ولا في الأساليبِ التَّرفيهيَّةِ المُسْتَخْدَمَة، بل في الكِتابِ المقدَّسِ. وَقُوَّةُ البُنْيانِ والتَّقديسِ تَكْمُنُ أيضًا في الكِتابِ المقدَّسِ. ونحنُ يَنبغي لنا أنْ نَكْرِزَ بالكِتابِ المقدَّسِ، وبكلمةِ الصَّليبِ، وبحِكمةِ اللهِ، وبشَهادةِ اللهِ. ويَنبغي لنا أنْ نُقَدِّمَها، وأنْ نُنادي بها، وأنْ نُدافِعَ عنها لأنَّها الرَّجاءُ الوَحيدُ والوسيلةُ الوحيدةُ الَّتي تُبَرِّرُ وَتُقَدِّسُ بواسِطَتِها شَعْبَكَ. لذلكَ يجبُ علينا أنْ نَستخدمَ الكِتابَ المقدَّسَ دائمًا، لا لكي يَتمكَّنَ غيرُ المُؤمِنينَ مِنْ رُؤيَةِ مَعقولِيَّتِهِ، بل لكي تُنْهِضَ قُلوبَ خاصَّتِكَ مِنْ خِلالِ مُعْجِزَةِ النِّعْمَةِ الإلهيَّةِ بواسِطَةِ الكَلِمَة.

نَشْكُرُكُ، يا أبانا، لأنَّنا حَتَّى لو صَرَفْنا حياتَنا كُلَّها في دِراسَةِ الكِتابِ المقدَّسِ فإنَّنا سنَكْتَشِفُ أنَّهُ مَنْطِقِيٌّ، وَأنَّهُ قابِلٌ للاستيعابِ، وقابِلٌ للفَهْمِ، وقابلٌ للتَّصديقِ، وأنَّهُ يَصْمُدُ في وَجْهِ أيِّ اخْتِبارٍ. ونحنُ نَعلمُ ذلكَ لأنَّكَ أعْطَيْتَنا حَياةً وَفْهمًا. نَشْكُرُكَ لأنَّكَ سَمِعْتَ صَلاةَ المُرَنِّمِ في المَزمور 119: 18: "اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ". يا رَبّ، إنَّ هذهِ الصَّلاةَ قدِ اسْتُجيبَتْ لأجْلِنا. ونحنُ نُسَبِّحُكَ لأنَّ العَجائِبَ لَمْ ولَنْ تَتوقَّفَ يومًا. اسْتَخْدِمْنا، يا رَبُّ، كأدواتٍ لإعلانِ حَقِّكَ مِنْ أجْلِ إيقاظِ الخُطاةِ وَتَقديسِ القِدِّيسين. نَشْكُرُكَ على امتيازِ اسْتِخْدامِكَ لنا. باسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize