Grace to You Resources
Grace to You - Resource

يا لها مِنْ فُرصةٍ رائعةٍ للحديثِ عنْ عَقيدةٍ رائعةٍ ألا وَهِيَ عقيدةُ وَحْيِ الكِتابِ المقدَّس. فسوفَ نتأمَّلُ في ذلكَ الفِرْعِ مِنَ اللاّهوتِ الَّذي يُعْرَفُ بعِلْمِ دراسةِ الكِتابِ المقدَّس (أوْ عِلْمِ دِراسةِ كلمةِ اللهِ). قبلَ سنواتٍ خَلَتْ، قَرأتُ نَصَّ مُقابلةٍ مُمْتعةٍ معَ واحدٍ مِنْ كُتَّابِ التَّرانيمِ المَشهورينَ الَّتي نَستمتعُ بترنيمها عادةً. وقد طُلِبَ منهُ أنْ يُوَضِّحَ الطَّريقةَ الَّتي كَتَبَ فيها تَرنيمة مُعَيَّنَة. وقد كانَ رَدُّهُ كالتالي: "فيما يَختصُّ بتلكَ التَّرنيمةِ، لقد خَطَرَتْ ببالي بِسُرعة ولم نُبالي حَتَّى بمناقشةِ صِحَّتِها العَقائديَّة. والحقيقةُ هي أنَّنا نَشعُرُ أنَّ تَغييرَ أيَّ شَيءٍ في هذهِ التَّرنيمة يَعني التَّلاعُب بوحيِ الرُّوحِ القُدُس الَّذي أَوْحى بهذهِ التَّرنيمة". نهايةُ الاقتباس.

أعتقدُ أنِّي أَفْهَمُ ما يَقْصِدُهُ كُتَّابُ تلكَ التَّرنيمة. ولكنَّ ما قالَهُ ذلكَ الشخصُ هُوَ ادِّعاءٌ صَاعِقٌ. فالقولُ إنَّهم لا يريدونَ أنْ يُناقشوا اللَّاهوتَ الكامِنَ وراءَ هذهِ التَّرنيمةِ ولا أنْ يُغَيِّروا كَلماتِ التَّرنيمةِ لأنَّ هذا يُعَدُّ تَلاعُبًا بالرُّوحِ القُدُسِ الَّذي أَوْحى بتلكَ الترنيمةِ ... إنَّ هذا القولَ قَدْ يَدُلُّ على أنَّهم لا يَفهمونَ تمامًا مَعْنى الوَحْي. ولكنَّنا نَستخدمُ هذهِ الكلمةَ كثيرًا دِفاعًا عن هؤلاء. ونحنُ نَستخدمها خصوصًا عندَ الحديثِ عنِ التَّرانيم. ولكِنْ يَجِبْ أنْ نُفَرِّقَ بينَ القَوْلِ إنَّ تلكَ التَّرنيمةَ كانَتْ "مُلْهِمَةً لنا"، وإنَّ التَّرنيمةَ "مُوْحَى بها". فيمكننا أنْ نَقولَ إنَّ التَّرنيمةَ تَرْفَعُنا، وتُشَجِّعُنا، وتُثيرُ فينا مَشاعِرَ جَميلة ورائعة حينَ نُرَنِّمُها أوْ حينَ نَسْمَعُها. وحتَّى إنَّهُ لا بأسَ أنْ يقولَ كاتِبُ التَّرنيمةِ إنَّ كِتابَتَهُ لتلكَ التَّرنيمة كانَتْ خِبْرَة مُلْهِمَة بالنِّسبةِ إليه.

ولكِنْ أنْ نَقولَ إنَّ إحدى التَّرانيمِ مُوْحى بها مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ وإنَّهُ لا يَجوزُ لنا أنْ نُناقِشَها أوْ نُغَيِّرَ فيها، فإنَّنا نُعْطي تلكَ التَّرنيمةَ مَكانَةً مُساويةً للكتابِ المقدَّسِ. فهل يجوزُ لنا أنْ نَقولَ إنَّ كاتِبَ التَّرانيمِ الَّذي كَتَبَ تَرنيمةً ما تَلَقَّى وَحْيًا مُشابهًا لما تَلَقَّاهُ لوقا حينَ كَتَبَ إنْجيل لوقا؟ أوْ مُشابهًا للوحيِ الَّذي تَلَقَّاهُ بولسُ حينَ كَتَبَ رِسالتهُ إلى أهْلِ رُومية؟ أوْ مُشابهًا للوحيِ الَّذي تَلَقَّاهُ إشَعْياءُ حينَ كَتَبَ نُبوءَتَهُ الَّتي نَقْرأُها في سِفْرِ إشَعْياء؟ وما الَّذي نَقْصِدُهُ بالقولِ إنَّ الكِتابَ المقدَّسَ مُوْحى بِهِ؟ هل نَعْني بذلكَ أنَّهُ كتابٌ مُلْهِمٌ لأنَّهُ يُضْرِمُ فينا الإيمانَ، والمشاعرَ الدينيَّةَ، والفهمَ؟ وهل ما زالَ النَّاسُ في وقتنا الحاضِرِ يَحْصُلونَ على الوَحْيِ عندما يَكْتُبونَ التَّرانيمَ – بذاتِ الطريقةِ الَّتي حَصَلَ فيها كُتَّابُ الكِتابِ المقدَّسِ على الوَحْيِ؟ وهلِ الكُتُبُ الَّتي تُكْتَبُ اليومَ مُوْحَى بها؟ وماذا عنِ العِظاتِ؟ هل هِيَ مُوْحَى بها؟

إنَّ المُصْطَلَح "وَحْي" مُشْتَقٌّ مِنْ فِعْلٍ لاتينيٍّ يَعْني "يَتَنَفَّس" ... يَتَنَفَّس. والحقيقةُ هي أنَّ هذا المُصْطَلَحَ قد يكونُ مُضَلِّلًا بعضَ الشَّيء. فنحنُ نَقرأُ في الرسالةِ الثانيةِ إلى تيموثاوس 3: 16: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ". وأعتقدُ أنَّنا أَوْجَدْنا مُشكلةً هُنا بسببِ الكلمةِ الإنجليزيَّةِ "إنْسباير" (inspire). فالمُصطلحُ اليونانيُّ يَعْني "تَنَفَّسَهُ اللهُ" ["ثيوبنيستوس" (theopneustos)] هوُ نفسُ المُصطلحِ الَّذي اشْتُقَّتْ مِنْهُ الكلماتُ المُختصَّةُ بالرِّئتين والتَّنَفُّس. ولكنَّ الكلمةَ الأصليَّةَ المُتَرْجَمَة "مُوْحى بِهِ" في 2تيموثاوس 3: 16: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ" تَعني في الأصْل: ""كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مِنْ أنْفاسِ اللهِ". وهذا المُصْطَلَحُ لا يُشيرُ إلى أنَّنا نَحْنُ الَّذينَ تَنَفَّسْنا كلمةَ اللهِ مِنْ خلالِ عمليَّةِ الشَّهيقِ، بل إنَّ اللهَ هُوَ الَّذي تَنَفَّسَ كَلِمَتَهُ مِنْ خلالِ عَمليَّةِ الزَّفير. فاللهُ هُوَ الَّذي "زَفَرَ كَلِمَتَهُ" ولم يَنْفُخ بِها فينا بطريقةٍ مُلْهِمَةٍ.

فنحنُ نُؤمِنُ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ وَصَلَ إلينا مِنْ فَمِ اللهِ مُباشَرَةً. فاللهُ زَفَرَ بكلماتِهِ. وَهُوَ الَّذي أعْطاها لنا. وَهُوَ الَّذي قالَها. لذلكَ، هل يَجوزُ لنا أنْ نَدَّعي الشَّيءَ نَفْسَهُ بخصوصِ تَرنيمة؟ وهل يَجوزُ لنا أنْ نَدَّعي الشيءَ نَفسهُ بخصوصِ كتابٍ، أوْ عِظَةٍ، أوْ فِكرةٍ، أوِ اقتراحٍ، أوْ خُطَّةٍ للخِدمة. وهل نحنُ نَحْصُلُ على إعلانٍ مُباشرٍ مِنْ فَمِ اللهِ؟ الحقيقةُ هي أنَّنا نَعْرِفُ أنَّنا لا نَفْعَل. أليسَ كذلك؟ فأنا لم أَعِظْ يومًا عِظَةً مِنْ فَمِ اللهِ. وبهذا المَعنى، فإنا لم أتَلَقَّ يومًا إعلانًا إلهيًّا بواسطةِ الوحيِ الإلهيِّ بِمَعنى أنَّ اللهَ زَفَرَ فِيَّ عِظَةً، ثُمَّ قُمْتُ أنا بإخْراجِها في شَكْلِ عِظَة على مَسامِعِكُم. وماذا عنِ التَّكَلُّمِ بالألسِنَة؟ وماذا عنِ الأشخاصِ الذينَ يَحصلونَ على النُّبوءاتِ، وكلامِ الحِكْمَةِ، وكلامِ المَعرفةِ؟ هل هذا إعْلانٌ زَفَرَهُ اللهُ وَخَرَجَ مِنْ فَمِهِ مُباشَرَةً؟ وهل هذا مُساوٍ لوَحْيِ أيِّ سِفْرٍ مِنْ أسْفارِ الكتابِ المقدَّس؟

حسنًا، قد يَقولُ أُناسٌ إنِّي أُبالِغُ في هذا الأمرِ قليلًا. ولكِنْ هُناكَ دَرَجاتٌ مِنَ الوَحْي. فقد يَحْصُلُ بعضُ الوُعَّاظِ على الإلهامِ، وقد يَحْصُلُ بعضُ كُتَّابِ التَّرانيمِ على الإلهامِ، وقد يَحْصُلُ بعضُ الناسِ على إعلاناتٍ وكلامِ حِكمةٍ وكلامِ مَعرفةٍ مِنَ اللهِ – وبالتالي فإنَّهُمْ يَحْصُلونَ على الإلهام. وقد خُضْتُ هذا النِّقاشَ مَعَ أُناسٍ كثيرينَ عَبْرَ السِّنين. فَهُمْ قد يَحصلونَ على الإلهامِ، ولكنَّ هذا الإلهامَ مُخْتَلِفٌ عَنِ الوَحْيِ الَّذي حَصَلَ عليهِ كُتَّابُ الكِتابِ المقدَّسِ. فما يَحْصُلُ النَّاسُ عليهِ الآنَ هُوَ وَحْيٌ بِدَرَجَةٍ أقَلّ. فهناكَ أُمورٌ مُوْحَى بها إلى أقْصى الحُدود. وهذا يَصحُّ على أسفارِ الكِتابِ المقدَّسِ. وهُناكَ أشخاصٌ يَحصُلونَ على وَحْيٍ بمُستوى أقَلّ. ولكنَّ الوَحْيَ يَعْني أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَتَنَفَّسُ ذلكَ الشَّيء. بعبارةٍ أُخرى فإنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يَقولُهُ. وفي هذهِ الحالَةِ، لا تُوْجَدُ دَرَجَة أوْ مُسْتَوى.

فَهُوَ إمَّا أنْ يَكونَ قد قالَ ذلكَ أوْ لَمْ يَقُلْهُ. لذلكَ يجبُ عليكم أنْ تَحْذَروا حينَ تقولونَ إنَّ اللهَ قالَ لَكُمْ كَذا وكَذا، أو إنَّ اللهَ أَخْبَرَكُمْ كذا وكذا. فعَبْرَ السِّنين، أَذْكُرُ نِقاشاتٍ عديدةً معَ أُناسٍ كانوا يَظُنُّونَ أنَّ الرَّبَّ قَدْ قالَ لَهُمْ أُمورًا مُعَيَّنة. وما زِلْتُ أَذْكُرُ حَتَّى الآنْ نِقاشًا معَ سَيِّدَةٍ قالتْ لي: "أنا لا يَهُمُّني ما يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ لأنِّي أعْلَمُ يَقينًا ما قالَهُ اللهُ لي". وهذا أمْرٌ مُرْعِبٌ حَقًّا! فلا توجدُ دَرَجَةٌ لما قالَهُ اللهُ. فَهُوَ إمَّا أنْ يكونَ قد قالَ ذلكَ أوْ لم يَقُلْهُ. وإمَّا أنْ يَكونَ قَدْ زَفَرَ تلكَ الأقوالَ أوْ لم يَزْفُرْها. وَهِيَ إمَّا أنْ تكونَ كلمات اللهِ أوْ ليسَتْ كلمات الله. فلا يمكنها أنْ تكونَ كلمات اللهِ إلى حَدٍّ ما.

ورُبَّما يُمكنكم أنْ تَفهموا ذلكَ مِنْ خلالِ التَّفكيرِ في حقيقةِ أنَّنا قد نُشيرُ إلى شيءٍ بأنَّهُ الأعلى، أوِ الأفضل، أوِ الأكثر. ونحنُ نُشيرُ إلى ذلكَ بِصيغَةِ التَّفضيل. فهذا هُوَ الأمْرُ الَّذي لا مَثيلَ لَهُ. فنحنُ نَقولُ مثلًا: هذا أعلى جَبَل، أوْ هذهِ أفْضَل مُشاهَدَة، أوْ هذا أكْبَرُ مَبْلَغٍ مِنَ المال. وإنْ كانَ هذا صحيحًا، فإنَّهُ يَعني أنَّهُ لا يوجدُ جَبَلٌ أعْلى مِنْهُ، وأنَّهُ لا تُوْجَدُ مُشاهَدَةٌ أفْضَل، وَأنَّهُ لا يُوْجَدُ شَخْصٌ لديهِ مَالٌ أكْثَر مِن ذلك. فلا وُجودَ لما هُوَ أَعلى مِنَ الأعلى، ولا ما هُوَ أفْضَلُ مِنَ الأفضَل، ولا ما هُو أكْثَر مِنَ الأكثر. لذلكَ، لا تُوْجَدُ كِتاباتٌ مُوْحَى بها أكْثَر مِنْ غَيرِها. فاللهُ مُطْلَقٌ. لذلكَ فإنَّ كلمةَ اللهِ مُطْلَقَة. واللهُ هُوَ صيغَةُ التَّفضيلِ. لذلكَ فإنَّهُ يَتَكَلَّمُ بأسْمَى شَيءٍ مُمكن. والوَحْيُ ليسَتْ لهُ دَرَجات. فَهُوَ إمَّا أنْ يكونَ قد قالَ ذلكَ الشَّيء، أوْ لَمْ يَقُلْهُ.

لذلكَ، لا توجدُ تَرانيم، ولا توجدُ كُتُب، ولا توجدُ رُؤى، ولا توجدُ إعلاناتٌ ولا عِظاتٌ مُوْحَى بِها مِنَ اللهِ مُباشَرَةً. والحقيقةُ هي أنَّ مُجَرَّدَ التَّفكيرِ في ذلكَ مُخيفٌ لأنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَنْتَهي بهذهِ الكلماتِ في سِفْرِ الرُّؤيا 22: 18: "لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ ..." - أيْ سِفْرِ الرُّؤيا. ولكِنَّ هَذا السِّفْرَ هُوَ خِتامُ إعلانِ اللهِ والأسفارِ المقدَّسَةِ القانونيَّةِ. لذلكَ فإنَّ هَذا الكَلامَ يَسْري على أيِّ شَيْءٍ يُضافُ إلى هذا السِّفْرِ وَإلى الكِتابِ المقدَّسِ بِمُجْمَلِهِ لأنَّ هَذا السِّفْرَ هُوَ السِّفْرُ الأخيرُ في الكِتابِ المقدَّس. ""لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ".

وهذا تَحذيرٌ واضحٌ جِدًّا جدًّا لأنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَنْتَهي بِهذا التَّحذير. لذلكَ، لا يَجوزُ لنا أنْ نُضيفَ إلى هذا الكِتابِ. فإضافةُ أيِّ شَيءٍ إلى هذا الكِتابِ هِيَ إضافةُ شَيءٍ إلى الأسفارِ المقدَّسَةِ القانونيَّةِ الَّتي اكْتَمَلَتْ بهذا السِّفْر. لذلكَ، إذا قُلْتَ إنَّ شَخْصًا قد أُوْحِيَ إليهِ بالمَعْنى الكِتابِيِّ للكلمةِ، فإنَّ هَذا الادِّعاءَ خَطيرٌ جِدًّا. فلا تُوْجَدُ عِظَةٌ وَعَظْتُها يومًا كانَتْ مُوْحى بِها مِنَ الله. صَحيحٌ أنِّي أقْرأُ الكلمةَ المُوْحى بها أصْلًا مِنَ اللهِ، والتي أعْطاها لي في هذهِ الصُّورةِ الكامِلَةِ. وأنا أُحاوِلُ أنْ أَجْعَلَ هذهِ الرِّسالةَ المُوْحى بها واضِحَة بالنِّسبة إليكم. ولكنَّ جُهْدي هُوَ جُهْدي. وأنا أُصَلِّي دائمًا أنْ يَكونَ جُهْدي هذا مُدَعَّمًا بعملِ الرُّوحِ القُدُسِ في ذِهْني. ولكنَّ الكلماتِ الَّتي أُقَدِّمُها لكم هي كَلِماتي. وكُلُّ ما أفْعَلُهُ هُوَ أنِّي أحاولُ أنْ أَشْرَحَ لكم مَعْنى ذلكَ الإعلانَ الَّذي أَعْطاهُ الله.

وأَذْكُرُ مُقابَلَةً أُجْرِيَتْ معَ وَاعِظَةٍ في إحدى المَحَطَّاتِ الإذاعيَّةِ. ولا أعتقدُ أنَّ مُقَدِّمَ البرنامجِ كانَ يَتوقَّعُ أنْ يُفْضي سُؤالُهُ إلى النَّتيجةِ الَّتي وَصَلَ إليها. ولكنَّهُ سَألها قائلًا: "كيفَ تُحَضِّرينَ عِظاتِكِ؟" ... كيفَ تُحَضِّرينَ عِظاتِكِ؟ فقالتْ بصوتٍ رَقيقٍ: "أنا لا أُحَضِّرُها، بل أسْتَلِمُها مِنْ فَوْق". وقد سألها عَنْ مَعنى كَلامِها هذا فاسْتَطْرَدَتْ في الحَديثِ قائلةً إنَّها تَحْصُلُ على تلكَ العِظاتِ مِنَ السَّماء. وكَمْ كُنْتُ أَتمنَّى لو كانَ هذا صحيحًا. فهذا سَيَجْعَلُ حَياتَكُمْ أسْهَل جِدًّا. ولكنَّ التَرانيمَ الَّتي تَكْتُبونَها هِيَ، بِبَساطَة، انْعِكاسٌ لما أَعْلَنَهُ اللهُ في كلِمَتِه. والعِظاتُ الَّتي تَعِظونَ بِها هِيَ، ببساطة، مُحاولاتٌ لتَفسيرِ كلمةِ اللهِ المُوحى بها أصْلًا وَجَعْلِها واضِحَةً للسَّامِعين. والكُتُبُ الَّتي تَكْتُبونَها تَتْبَعُ النَّهْجَ نَفْسَهُ.

ومِنَ الحَماقَةِ أنْ أدَّعي أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يُوْحي إلَيَّ بِعِظاتي، أوْ أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي أَوْحى إليَّ بأيِّ كِتابٍ قُمْتُ بتأليفِهِ، أوْ بأيِّ تَرْنيمَةٍ قَدْ أكْتُبُ كَلِماتِها. فجميعُ عِظاتي تَحْتاجُ إلى تَنْقيحٍ. أمَّا اللهُ فلا يَحْتاجُ إلى أيِّ تَنْقيحٍ. وهذهِ العِظاتُ تَبْقى عاجِزَةً في أفْضَلِ الأحوالِ عَنْ تَوصيلِ كُلِّ المَعاني الَّتي قَصَدَها اللهُ في كَلِمَتِهِ مِنْ خلالِ وَسيطٍ بَشَرِيٍّ. لذلكَ يجبُ علينا أنْ نَحْذَرَ وَأنْ نَسْعى جاهِدينَ لِحِمايَةِ وَحْيِ الكِتابِ المقدَّسِ. والآنْ، بعدَ هذهِ المُقَدِّمَةِ، لنتحدَّثْ عَنْ تَعريفِ الوَحْي. وسوفَ أكونُ مِثْلَ أُستاذٍ في كُلِّيَّةِ اللَّاهوتِ في هذا المَساءِ. ولكنِّي سأحاولُ أنْ أُبَسِّطَ الأمْرَ قَدْرَ الإمكانَ لكي تَفْهَموه. فقد قرأتُ قبلَ أيَّامٍ في صَحيفةِ "لوس أنجليس تايمز" (LA Times) أنِّي أمتلكُ القُدرةَ على وَضْعِ التِّبْنِ أمامَ الخِراف. وسوفَ أقومُ بهذهِ المسؤوليَّةِ. ولكنِّي لا أدري إنْ كُنْتُمْ لا تُمانِعونَ في أنْ تُسَموا خِرافًا. وعلى أيِّ حالٍ، لنبدأ:

فما هي عَقيدةُ الوَحْي؟ اسْمَحوا لي أوَّلًا أنْ أَذْكُرَ بِضْعَ مُصْطَلَحاتٍ لِتُفَكِّروا فيها. حسنًا؟ الإعلانُ ... الإعلانُ هُوَ المُحتوى. الإعلانُ هُوَ المُحتوى. فَهُوَ إعْلانُ اللهِ عَنْ حَقِّهِ. والوَحْيُ هُوَ الوَسيلَة. فالإعلانُ هُوَ المُحتوى، والوَحْيُ هُوَ الوَسيلةُ الَّتي اسْتَخْدَمها اللهُ للقيامِ بذلك. فعندما نَتحدَّثُ عَنِ الإعلانِ الإلهيِّ فإنَّنا نَتحدَّثُ عَنِ المُحْتَوى، وعنِ الرِّسالةِ، وعنِ الحَقِّ الَّذي أَعْلَنَهُ اللهُ أوْ كَشَفَ عَنْهُ. وعندما نَتحدَّثُ عنِ الوَحْيِ فإنَّنا نَتحدَّثُ عنِ الوسيلةِ الَّتي اسْتَخدمَها اللهُ، أيْ كَيْفَ عَبَّرَ عَنْ ذلك. ففي الإعلانِ، عَرَّفَنا اللهُ بِذاتِهِ. وفي الوَحْيِ، قامَ رُوحُ اللهِ بأخْذِ الإعلانِ وَوَضْعِهِ في أذْهانِ كُتَّابٍ بَشَرِيِّينَ في العهدِ القديمِ والعهدِ الجديدِ فَكَتَبوهُ كما انْسابَ مِنَ اللهِ الرُّوحِ القُدُسِ في أذْهانِهِم.

فما كَتبوهُ هُوَ ذاتُ كَلِماتِ اللهِ الصَّادِقَةِ الَّتي تُشَكِّلُ الرِّسَالةَ التي أرادَ اللهُ أنْ يَكْتُبَها. إذًا، الإعلانُ هُوَ الرِّسالةُ نَفْسُها، والوَحْيُ هُوَ الوَسيلةُ الَّتي أُعْطِيَ الإعلانُ بواسِطَتِها فَتَمَّ تَدوينُ هذا الإعلان في صَفحاتِ الكِتابِ المقدَّسِ. والآنْ، اسْمَحوا لي أنْ أتوسَّعَ قليلًا في هذا الموضوعِ وَأنْ أَجُوْلَ حَوْلَهُ قليلًا، وَأنْ أقْتَرِحَ بِضْعَ أُمورٍ لا تُعَدُّ وَحْيًا. فالوحْيُ الكِتابِيُّ ليسَ إنجازًا بَشَريًّا رَفيعَ المُستوى. إنَّهُ ليسَ إنجازًا بَشَريًّا رَفيعَ المُستوى. فعلى مَرِّ السِّنين، كانَ هُناكَ نُقَّادٌ يُهاجِمونَ عَقيدةَ الوَحْيِ ويَعترِضونَ على أنَّ اللهَ قَدْ أَوْحَى بكُلِّ كلمةٍ في أذهانِ الكُتَّابِ الَّذينَ دَوَّنوها. لذلكَ فقدِ اعترَضوا على أنَّ كُلَّ كلمةٍ هي نابِعَةٌ بالفِعْل مِنْ فِكْرِ اللهِ.

وهناكَ مَنْ يَقولونَ إنَّ هذا ليسَ صحيحًا. فَهُمْ يَدَّعونَ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ إنْجازٌ بَشَرِيٌّ رَفيعُ المُستوى وحَسْب. وهذا هُوَ ما يَنبغي أنْ تَقولَهُ إنْ كُنْتَ تُنْكِرُ أنَّ اللهَ هُوَ الكاتِبُ الحَقيقيُّ للكتابِ المقدَّسِ لأنَّكَ سَتَجِدُ نَفسكَ أمامَ هذا الكِتابِ المُدْهِشِ، وأمامَ هذا الكَمِّ الهائِلِ مِنَ الحِكمةِ. لذلكَ سوفَ تُضْطَرُّ إلى القولِ إنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَضُمُّ أشياءَ كَثيرة كَتَبَها أُناسٌ يَمتلكونَ عَبقريَّةً دينيَّةً رَفيعَةَ المُستوى. فَهُمْ عَباقِرَةٌ كَباقي العَباقِرَة. والكِتابُ المُقَدَّسُ كِتابٌ مِثْلَ أوديسَّة هوميروس، أوْ مِثْلَ الكوميديا الإلهيَّة لدانتي، أوْ مِثْلَ الأعمالِ التّراجيديَّةِ الَّتي كَتَبَها شِكْسبير. فَهُوَ فَنٌّ رَفيعُ المُستوى، وَأدَبٌ رَفيعٌ كَباقي الأعمالِ الأدبيَّةِ الشَّهيرة. فالكتابُ المقدَّسُ، في نَظَرِ هؤلاء، هُوَ عَمَلٌ إبداعِيٌّ لأُناسٍ عَبْقَرِيِّين. ولكنَّهُ بَشَرِيٌّ وليسَ مَعْصومًا مِنَ الخطأ. وهذا الرَّأيُ يَرْفَعُ مِنْ شأنِ الإنْتاجِ البَشَرِيِّ إلى مُستوى العَبقريَّةِ، ولكنَّهُ يُنْكِرُ الوَحْيَ الإلهيَّ جُمْلَةً وتَفصيلًا.

ولكنَّ هذا المَنْطِقَ لا يَصْلُح لشيء. وَهُوَ ليسَ مُقْنِعًا لأسبابٍ عديدة. ولكنِّي أوَدُّ أنْ أَذْكُرَ بِضْعَ نِقاطٍ. فَشَخْصُ يَسوعَ المَسيحِ والطَّريقةُ الَّتي يُوْصَفُ بها تَفوقُ أيَّ شيءٍ يُمْكِنُ أنْ يُفَكِّرَ بهِ العَقْلُ البشريُّ. فَمَنْ يَسْتَطيعُ أنْ يَخْتَرِعَ شَخصيَّةً كشخصيَّةِ يَسوعَ المسيح؟ لا أَحَدَ يَستطيعُ أنْ يَخْتَرِعَ شَخصيَّةً كشخصيَّتِهِ. فَهُوَ أَسْمى [في طَهارَتِهِ، وفي مَحَبَّتِهِ، وَفي كَمالِهِ، وفي بِرِّهِ] مِنْ أيّ شَيءٍ مَوجودٍ في أيِّ شَخصيَّةٍ في كُلِّ الأدبِ البشريِّ. فلا أَحَدَ يُشْبِهُهُ في كُلِّ الأدبِ البشريِّ – البَتَّة. وَهُوَ أعْظَمُ مِنْ أنْ يَخْتَرِعَهُ إنْسانٌ.

وحينَ تُدركونَ أنَّهُ الشخصيَّةُ الرَّئيسيَّةُ في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ، وتُدركونَ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ كُتِبَ على مَدى نَحْوِ ألْفٍ وخَمْسِمِئَةِ سَنَةٍ، ومِنْ قِبَلِ أكْثَرِ مِنْ أرْبَعينَ كاتِبًا طَوالَ تلكَ الفَترةِ الزمنيَّةِ الَّتي دامَتْ نَحْوَ ألْفٍ وخَمسِمئةِ سَنَةٍ، وأنَّ كُلَّ ما ذَكَروهُ عَنْهُ كانَ مُتوافِقًا تمامًا، ومُنْسَجِمًا تمامًا، وفائقًا، فإنكم ستُدركونَ أنهُ لا يمكنُ لأيِّ عباقرةٍ بشريِّينَ عاشوا في أزْمِنَةٍ مُختلفةٍ أنْ يَخْتَرِعوا شخصًا واحدًا كهذا لأنَّهُ يَفوقُ في صِفاتِهِ أيَّ تَصَوُّرٍ بَشَرِيٍّ. فَضْلًا عن ذلك، مَنْ سَيَكْتُبُ كِتابًا يَدينُ الجِنْسَ البشريَّ كُلَّهُ؟ ومَنْ سَيَكْتُبُ كِتابًا ... مَنْ هُمْ هَؤلاءِ العَباقِرَة البشريُّونَ الَّذينَ كَتَبوا كِتابًا يَقولُ إنَّهُ لا يوجدُ رَجاءٌ بِمَعْزِلٍ عنْ هذا الشَّخْصِ الَّذي يُدْعى يَسوع المسيح؟ فجميعُ الكُتُبِ الدينيَّةِ الأخرى الَّتي كَتَبها جَميعُ العَباقرةُ الدينيُّونَ كُتِبَتْ بِمعونةٍ وإشرافٍ مِنْ عباقرةٍ خارقينَ للطَّبيعيةِ نَعْرِفُهُمْ باسْمِ الشَّياطين. وهؤلاءِ جميعًا يقولونَ إنَّ الخلاصَ بالأعمال. فَهُمْ يَنْحَنونَ أمامَ الكِبرياءِ البشريِّ.

فلا يوجدُ مَثيلٌ ليسوعَ المسيحِ في أيِّ ديانةٍ في العالم. والعبقريَّةُ تُمَجِّدُ ذاتَها دائمًا. لذلكَ لو كانَ كُتَّابُ الكِتابِ المقدَّسِ عباقرة دينيِّينَ بشريِّينَ مِمَّنِ امْتَلكوا أرْفَعَ مُستوياتِ النُّبوغِ، لماذا لم يَكْتُب هؤلاءِ كِتاباتٍ أُخرى تُوازي تلكَ المكتوبة في الكِتابِ المقدَّس؟ فالحقيقةُ هي أنهم لو تُرِكوا لذواتِهم لأنتَجوا كِتاباتٍ جَيِّدة، ولكنَّها لن تكونَ أسْفارًا مُوْحى بها. فقد كَتَب بولسُ رَسائِلَ كَثيرة. وقد كَتَبَ ثلاثَ عَشْرَةَ رسالةٍ في العهدِ الجديد. ولكنَّهُ كَتَبَ أكْثَرَ مِنْ ذلكَ بِكَثير مِمَّا هُوَ ليسَ جُزْءًا مِنَ العهدِ الجديد.

فقد كانتْ تلكَ كِتابات بولس، بولسَ العَظيم، ولا أحدَ غيرَ بولس. والحقيقةُ هي أنَّهُ كَتَبَ رِسالَتَيْنِ إلى أهْلِ كورِنثوس بالإضافةِ إلى الرِّسالتينِ المُدَوَّنَتَيْنِ في الكِتابِ المقدَّسِ، ولكنَّهما لم تكونا رِسالَتَيْنِ مُوْحَى بهما مِنَ الله. فقد كانَ أيضًا راعِيًا كأيِّ راعٍ آخَر، وكانَ مُبَشِّرًا كأيِّ مُبَشِّرٍ آخَر إذْ إنَّهُ كانَ يَقولُ أُمورًا صَحيحَةٍ، ولكنَّها ليسَتْ مُوْحَى بها مُباشرةً مِنْ فَمِ اللهِ. فالوَحْيُ ليسَ مُستوىً عالٍ مِنَ العَبقريَّةِ البشريَّة. فلا يُمكنُ للبشرِ أنْ يَخْتَرِعوا يَسوعَ، ولا يُمكنهم أنْ يَدينوا الجِنْسَ البَشريَّ كُلَّهُ ويَتركوهُمْ بِلا رَجاءٍ آخَرَ سِوى يسوعَ الكامِلَ هذا.

وقد قالَ شخصٌ آخَر إنَّ الوحيَ يَمْتَدُّ إلى أفْكارِ الكُتَّابِ؛ أيْ أنَّ اللهَ أعْطاهُمْ أفكارًا نَبيلةً في عُقولهم وَغَرَسَها هُناك. إنَّ النَّوعَ الأوَّلَ مِنَ الوَحْيِ يُعْرَفُ باسْمِ الوَحْيِ الطَّبيعيِّ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ إلى عَبقريَّةِ الإنْسان. والنَّوعُ الثاني يُعْرَفُ بِوَحْي الأفْكار. وهذا الرَّأيُ يَقولُ إنَّ اللهَ جاءَ في وَقْتٍ ما وأعْطى الكُتَّابَ فِكرةً، فِكرةً دينيَّةً، أو فِكرةً روحيَّةً، وتَرَكَ لَهُمُ الحُرِّيَّةَ للتَّعبيرِ عنْ أنفسهِم كما يَشاؤون. وهَذا الرَّأيُ يُنْكِرُ الوَحْيَ اللَّفْظِيَّ. ولو كانَ هذا صحيحًا، لكُنَّا نَهْدُرُ وَقْتَنا في تَفسيرِ النَّصِّ لأنَّ الكلماتَ ليستِ المُشكلة. وهذا يُذَكِّرُني بالرَّجُلِ الَّذي قالَ لي في برنامَج "لاري كِنغ" (Larry King) ذاتَ ليلة، وقد ذَكَرْتُ ذلكَ مِنْ قَبل: "أنْتَ تُرَكِّزُ كثيرًا على كَلِماتِ الكِتابِ المقدَّسِ حَتَّى إنَّكَ ضَيَّعْتَ مَعنى رِسالةِ الكِتابِ المقدَّس". وهذا رَأيٌ مُريحٌ – أنْ تكونَ هُناكَ فِكرةٌ أوْ أنْ يكونَ هُناكَ مَفهومٌ أوْ قَوْلٌ دينيٌّ قد يكونُ أو قد لا يكونُ وَثيقَ الصِّلَةِ بالكلمات. ولكنَّ الكتابَ المقدَّسَ يَقولُ عَنْ نَفسِهِ إنَّهُ ذاتُ كلماتِ اللهِ.

فنحنُ نَقرأُ في رسالةِ كورِنثوسَ الأولى 2: 13: "الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ". فبولسُ يَقولُ: "عندما أُقَدِّمُ إعلانَ اللهِ، وعندما أكْتُبُ ما أَوْحى بِهِ اللهُ إليَّ، فإنَّ هذهِ الكلماتِ هي ليستْ كَلِماتٍ نابعةٍ مِنْ حِكْمَةٍ بشريَّةٍ، بل هي ما يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ القُدُس". وقد قالَ يسوعُ في إنْجيل يوحنَّا 17: 8: "لأَنَّ الْكَلاَمَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ". فقد كانتِ الرِّسالةُ في الكلمات. فلا توجدُ رِسالة بمَعزِلٍ عنِ الكلمات. ولا يوجدٌ وَحْيٌ بمَعزِلٍ عنِ الكلمات. وقد وَرَدَتْ في العهدِ القديمِ أكْثَرَ مِنْ 3800 مَرَّة عِباراتٌ مِثْل: "هكذا يَقولُ الرَّبُّ" أو "وكانت كَلِمَةُ الرَّبِّ" أو "وقالَ اللهُ". فالأمْرُ مُخْتَصٌّ بالكلمات. فلا وُجودَ لما يُسَمَّى بالمفاهيمِ الخالية مِنَ الكَلمات.

وعندما أرادَ مُوْسى أنْ يَتَنَصَّلَ مِنْ خِدْمَةِ الرَّبِ، قال: "ينبغي أنْ أفعلَ شيئًا آخَرَ لأنِّي لستُ فَصيحَ اللِّسان". ولكنَّ اللهَ لم يَقُلْ: "سوفَ أُعطيكَ أفكارًا عَظيمةً كثيرةً، وأنْتَ تَجِدُ طَريقةً لتَوصيلِها". واللهُ لم يَقُلْ: "سوفَ أكونُ مَعَ عَقْلِكَ". بل إنَّ اللهَ قالَ لَهُ: "أَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَأُعَلِّمُكَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ". وهذا يُفَسِّرُ سَبَبَ قَوْلِ مُوسى لبَني إسرائيلَ بعدَ أربَعينَ سَنَة (وَفقًا لما جاءَ في سِفْرِ التَّثنية 4: 2): "لاَ تَزِيدُوا عَلَى الْكَلاَمِ الَّذِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهِ وَلاَ تُنَقِّصُوا مِنْهُ، لِتَحْفَظُوا وَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا". بعبارةٍ أُخرى، لا تَعْبَثوا بأيِّ شيءٍ أوْصَيْتُكُمْ بِهِ لأنَّ هَذا مِنَ اللهِ.

والحقيقةُ هي أنَّ العَكْسَ صَحيحٌ. فكُتَّابُ الكتابِ المقدَّسِ كَتَبوا كلماتٍ لم يَفهموها. ففي رسالةِ بُطرسَ الأولى والأصحاح الأوَّل، نَقرأُ أنَّ الأنبياءَ كَتبوا الكلماتِ ولم يَفهموا مَعناها. فنحنُ نَقرأُ عنهُم في 1بُطرس 1: 10: "الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا". فَقَدْ كانوا يَكتُبونَ عَنْ آلامِ المسيَّا الَّذي سيأتي، ويكتبونَ عنِ الأمْجادِ الَّتي ستأتي بعدَ آلامِ المسيَّا. ثُمَّ كانوا يَبحثونَ عَنْ مَعْنى ما يَكتُبوه. وكانوا يَتساءلونَ عَنْ مَعاني الكلماتِ الَّتي أُوْحِيَ إليهم أنْ يَكتبوها لكي يَفهموا المَزيدَ عَنِ الشَّخْصِ والزَّمانِ المَقْصودَيْن. ولكنَّهُم عَجِزوا حَتَّى عنْ تَفسيرِ مَعاني الكلماتِ الَّتي كَتَبوها بأنفسهِم. فاللهُ لم يُعْطِ أفكارًا مِنْ دونَ كلمات. ولكِنْ في بِضْعِ حالاتٍ، أَعْطى كَلِماتٍ دُوْنَ أفكارٍ كامِلَة.

وفي إنْجيل مَتَّى 24: 35، نَرى أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ واضحٌ تمامًا: "اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلكِنَّ كَلاَمِي" – كَلامي – "لاَ يَزُولُ". فعندما يَتكلَّمُ اللهُ فإنَّهُ يَتَكَلَّمُ بكلماتٍ. والكتابُ المقدَّسُ يُعَبِّرُ بالكِتابةِ عَنِ الكلماتِ الَّتي خَرَجَتْ مِنْ فَمِ الله – أيِ الكلماتِ الَّتي نَطَقَ اللهُ بها. فالأفكارُ تَرْتَبِطُ بالكلماتِ كَما تَرتبطُ النَّفْسُ بالجَسَد. ويقولُ أحدُ الكُتَّابِ: "إنَّ القولَ بأنَّ الأفكارَ مُوْحَى بها بِمَعزِلٍ عنِ الكلماتِ الَّتي هِيَ وَسيلةُ التَّعبيرِ عَنْها يُشْبِهُ القولَ بوجودِ لَحْنٍ مِنْ دونِ نَغَماتٍ، أوْ بوجودِ مَبْلَغٍ مِنْ دونِ أرْقامٍ". فلا وُجودَ لِعِلْمِ طَبقاتِ الأرْضِ مِنْ دونِ صُخور، ولا وجودَ لِعِلْمِ الإنْسانِ مِنْ دونِ إنْسان. ولا يُمكننا أنْ نَحْصُلَ على لَحْنٍ مِنْ دونِ مُوسيقا، ولا يمكننا أنْ نَحْصُلَ على سِجِلٍّ إلَهِيٍّ بكلامِ اللهِ مِنْ دُونِ كلماتٍ". فالأفكارُ تُنْقَلُ بواسِطةِ الكلماتِ. وأفكارُ اللهِ نُقِلَتْ بواسِطَةِ كلماتِ اللهِ، ووَصلتْ إلينا حِيْنَ قامَ اللهُ بِزَفْرِ هذهِ الكلماتِ في أذْهانِ الكُتَّابِ لكي يَكتُبوا تَمامًا ما يُريدُهم أنْ يَكتُبوا، وأنْ يَجمعوا تلكَ الأقوالَ في الكِتابِ المقدَّسِ.

وهناكَ أشخاصٌ آخرونَ يُفَكِّرونَ بعقيدةِ الوَحْيِ بطريقةٍ مُختلفة. فالبعضُ يَقولُ إنَّ الوحْيَ يُشيرُ فقط إلى التَّعليمِ الرُّوحِيِّ والأخلاقِيِّ. وهذا يُسَمَّى بالوَحْيِ الجُزْئِيٍّ – أيْ إنَّ الوَحْيَ يَخْتَصُّ فقط بجُزْءٍ مِنَ الكِتابِ المقدَّس وَهُوَ الجُزْءُ الرُّوحِيُّ والجُزءُ الأخلاقيُّ. فهذانِ الجُزءانِ فقط هُما المُوْحَى بهما. أمَّا الجُزْءُ التاريخيُّ فلا حَاجَةَ للقلقِ بشأنِهِ. وأمَّا الجُزءُ الجُغرافِيُّ، فلا حاجةَ للقلقِ بشأنِهِ. وأمَّا الجُزءُ العِلميُّ، فلا حاجةَ للقلقِ بشأنِهِ. فليسَ هُناكَ ما يَدعو أنْ يكونَ الكتابُ المقدَّسُ صَحيحًا في كُلِّ شَيءٍ، بل يَنْبغي فقط أنْ يكونَ صحيحًا عندما يَتحدَّثُ عنِ الأمورِ الروحيَّةِ والأخلاقيَّةِ. وهذا يُفَسِّرُ الأخطاءَ الموجودةَ في الكتابِ المقدَّسِ، والأساطيرَ الموجودةَ في الكِتابِ المقدَّسِ، وجميعَ الأقوالِ الخاطئةِ في الكتابِ المقدَّسِ. فالوَحْيُ، في نَظَرِ هؤلاءِ، يَضْمَنُ صِحَّةَ الأمورِ المُقَدَّسَةِ، ولكنَّهُ لا يَضْمَنُ صِحَّةَ الأشياءِ الأُخرى.

ولكِنَّ هذا الرَّأيَ يَضَعُنا أمامَ مُشكلةٍ لأنَّهُ إمَّا أنْ يكونَ اللهُ هُوَ الكاتِبُ أَوْ لا. وإنْ لم يَكُنْ بِمَقدورِنا أنْ نَثِقَ في اللهِ فيما يَختصُّ بالأحداثِ التاريخيَّةِ، ولم يَكُنْ بمَقدورِنا أنْ نَثِقَ بهِ في الأمورِ الجُغرافيَّةِ، ولم يَكُنْ بمَقدورِنا أنْ نَثِقَ بهِ في الأمورِ العِلميَّةِ، مَا الَّذي يَدعونا إلى الثِّقَةِ بهِ في الأمورِ الروحيَّةِ؟ وإنْ لم يَكُنْ بمَقدورِنا أنْ نَثِقَ بهِ في الأمورِ التاريخيَّةِ وفي الأمورِ المختصَّةِ بالعالمِ المادِّيِّ الَّذي نَعيشُ فيه، مَا الَّذي يَدْفَعُنا إلى ائْتِمانِهِ على أرواحِنا الأبديَّةِ، وكيفَ نَعلمُ أنَّنا نَستطيعُ أنْ نَثِقَ بِه؟ ولِمَاذا نَثِقُ بالأمورِ الروحيَّةِ الَّتي لا يُمكنُ التَّحَقُّقُ منها إنْ لم نَكْن نُؤمِنُ بالأمورِ التاريخيَّةِ، والفيزيائيَّةِ، والماديَّةِ الَّتي يُمْكِنُ التَّحَقُّقُ مِنها؟ ومِنَ المهمِّ أنْ نَعلمَ أنَّنا حينَ نَسْمَحُ لأنفسِنا بأنْ نَشُكَّ في مِصداقيَّةِ الكتابِ المقدَّسِ ولو قليلًا، فإنَّنا سَنَنْتَهي إلى رَفْضِهِ بِمُجْمَلِهِ. فما الَّذي سيَدفَعُكَ إلى الثِّقَةِ في اللهِ في الأمورِ الَّتي لا تُرى والتي لا يُمْكِنُ إثباتُها إنْ كانَ يَكْذِبُ في الأشياءِ الَّتي يُمْكِنُكَ أنْ تَراها وَأنْ تُثْبِتَها؟

لذلكَ، لا حاجةَ إلى قَبولِ هذا الرَّأيِ لأنَّهُ عندما يَتحدَّثُ الكتابُ المقدَّسُ عنْ شيءٍ تاريخيٍّ فإنَّهُ صَحيحٌ. وقد تَمَّ التَّحَقُّقُ مِن ذلك. فلم يَعْثُرْ أَحَدٌ قَطّ على أيِّ خَطأٍ تاريخيٍّ مُثْبَتٍ في الكتابِ المقدَّسِ، ولا على خَطأِ عِلْمِيٍّ أوْ جُغرافِيّ. والآنْ، هُناكَ رأيٌ آخَرُ بخصوصِ الوَحْي. ويَقولُ هذا الرَّأيُ إنَّ الوَحْيَ عَمَلٌ يَقومُ بهِ اللهِ معَ القارِئ. فَالكِتابُ المقدَّسُ كِتابٌ كَتَبَهُ بَشَرٌ أوْ عَباقِرَةٌ دينيُّون. وقد تكونُ بعضُ الأفكارِ المَذكورةِ فيه قد نَزَلَتْ مِنْ عندِ اللهِ. ويُمكنُكَ أنْ تَجْمَعَ كُلَّ هذِهِ الآراءِ السَّابقةِ في رأيٍ واحدٍ. ولكِنْ ما فَعَلَهُ اللهُ هُوَ أنَّهُ يَتَحَرَّكُ وُجودِيًّا في حَياةِ القارِئ. فحينَ تَقرأُ هذا الكِتابَ المَيِّتَ، يَصيرُ حَيًّا فجأةً بالنِّسبةِ إليكَ لأنَّ روحَ اللهِ يُلْهِمُكَ ويُنْهِضُكَ. والحقيقةُ هيَ أنَّ هذا لاهوتٌ وُجودِيٌّ. وَهُوَ يُعْرَفُ أحيانًا بالأرثوذكسيَّةِ المُحْدَثَة. والكِتابُ المقدَّسُ (في نَظَرِ هؤلاءِ) ليسَ كَلِمَةَ اللهِ المَعصومَة مِنَ الخطأ، وهُوَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ فَمِ اللهِ مُباشَرَةً.

ولكنَّ اللهَ يَفعلُ شيئًا جيِّدًا حقًّا. فحينَ تَقرأونَ كلمةَ اللهِ، وتَرونَها أمامَ أعْيُنِكمُ وأمامَ قُلوبِكُم، فإنَّ اللهَ يَفْتَحُها، أيْ يَفْتَحُ الكلمة لأنَّهُ يُعْطيكُم خِبْرةً تَصَوُّفيَّةً مِنْ نَوْعٍ مَا. فَهُوَ يُعطيكُم لَحْظَةَ تَواصُلٍ معَ هذا الواقِعِ الإلهيِّ. وحينئذٍ ستَشعرونَ بحضورِ اللهَ بينَ السُّطور. وبالمُناسَبَة، فإنَّ هؤلاءِ لا يُؤمِنونَ بسُلْطانِ كلمةِ اللهِ، بل يُؤمِنونَ فقط بِقُشَعْريرَة روْحِيَّة يَشْعُرُ المَرْءُ بها حينَ يَقرأُ الكِتابَ المقدَّسَ. وقد تَشْعُرُ بذلكَ بطريقةٍ تَختلفُ جِدًّا عَمَّا يَشعُرُ بهِ الآخرون. وهذا يَحْدُثُ لنا جميعًا. فنحنُ جَميعًا نَعيشُ في اللَّحظة، في اللَّحظةِ الوجودِيَّةِ، في هذهِ اللَّحظةِ تحديدًا. وفي تلكَ اللَّحظة فإنَّ شيئًا ما يَقْفِزُ فَجأةً مِنْ صَفَحاتِ الكِتابِ المقدَّسِ فَنُدْرِكُ وُجودَ شَيءٍ عَجيبٍ. هذا هُوَ الوَحْيُ (في نَظَرِ هؤلاء). وَهُمْ أنْفُسُهُمْ يقولون: "ولكِنْ لا تَظُنُّوا لَحْظَةً واحدةً أنَّ الكتابَ المقَّدسَ يَسْرِدُ حَقائقَ تاريخيَّة". والحقيقةُ هي أنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يؤمنونَ بالوحيِ الوُجودِيِّ يُؤمِنونَ أيضًا بإسْقاطِ الأساطيرِ مِنَ الكِتابِ المقدَّس.

إسْقاطِ الأساطيرِ مِنَ الكتابِ المقدَّس؟ أجل، فهذه حَرَكَة تَحريريَّة ضَخْمَة اسْتَمَرَّتْ سِنينَ طويلة، بل مِئاتِ السِّنين. وإسْقاطُ الأساطيرِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ يَعْني أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَحْوي أساطيرَ يَنبغي التَّخَلُّصُ مِنها. وما هي هذهِ الأساطير؟ الثَّالوث، ووجودُ المَسيحِ مُنْذُ الأزَل، والولادةُ مِنْ عَذراء، ولاهوتُ المسيح، ومُعجزاتُ المسيح، والموتُ البَدَلِيُّ للمسيح، وقيامةُ المسيح، وصُعودُ المسيح، والمجيءُ الثاني للمسيح، والدينونةُ الأخيرة. فَهُمْ يَقولونَ إنَّهُ يَنبغي لنا أنْ نَتَخَلَّصَ مِنَ الأساطيرِ الموجودةِ في الكتابِ المقدَّسِ ... أجَلْ، يَنبغي أنْ نَتخلَّصَ مِنها كُلَّها. وهُمْ يَقولونَ إنَّكَ تَستطيعُ أنْ تَقْبَلَ الأجزاءَ المُتَبَقِّيَةَ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ، وأنْ تَأمَلَ أثناءَ قِراءَتِكَ لَهُ أنَّ اللهَ سيَصْعَقُكَ ويَجْعَلُكَ تَمُرُّ بِخِبرةٍ روحيَّةٍ ما. وهذا هُوَ ما اعْتادَ "فرانسيس شيفر" (Francis Schaeffer) أنْ يَدعوهُ "قَفْزَةَ الإيمان". فَهِيَ قَفْزَةٌ إلى مَكانٍ مَا.

وقد قالَ أحدُ الكُتَّابِ: "إنَّ هؤلاءِ الأشخاصِ يَرفضونَ أنْ يُؤمِنوا بأنَّ اللهَ قد عَمِلَ مُعْجِزَةً حينَ أعْطانا بواسطةِ الوَحْيِ كِتابًا مُقدَّسًا مَعصومًا، ولكنَّهُمْ على استعدادٍ أنْ يُؤمنوا بأنَّ اللهَ يَقومُ كُلَّ يومٍ بمُعجزةٍ أكْبَر وَهِيَ أنَّهُ يُمَكِّنُ البَشَرَ مِنْ إدْراكِ أنَّ كلامَ البَشَرِ غيرِ المَعصومِ يَحْوي كَلامًا غيرَ مَعْصومٍ مِنَ اللهِ". ولكِنْ كيفَ يمكنُنا أنْ نَحْصُلَ على اخْتبارٍ رُوحِيٍّ صَحيحٍ مِنْ خِلالِ كِتابٍ بشريٍّ خاطئٍ؟ فحُدوثُ ذلكَ يَعني أنَّ اللهَ يُوافِقُ على الكَذِب وأنَّهُ يُوافِقُ على الخِداع. إنَّ الكِتابَ نَفْسَهُ (أيِ الكِتابَ المقدَّسَ) ليسَ بِمَنأى عنِ الشَّكِّ؛ فهوَ يَزْعُمُ أنَّهُ كلمةُ الله. ولكِنْ إمَّا أنْ يكونَ كلمة اللهِ، أوْ أنْ يكونَ أكْبَر خِدْعَة في التَّاريخ. وهل يَقْصِدُ هؤلاءِ أنَّ اللهَ قد يُعطينا اختبارًا روحيًّا مَشروعًا مِنْ خِلالِ خِدْعَة؟ لكِنْ لماذا يَفعلُ شيئًا كهذا؟

ولكِنْ مِنَ التَّكَلُّفِ جِدًّا أنْ يَقولَ فلاسِفَةٌ مِثْل "كييركيغارد" (Kierkegaard) عباراتٍ مِثلَ هذهِ: "إنَّ الحَقَّ الَّذي يَبْني هُوَ الحَقُّ الوَحيدُ بالنِّسبةِ إليك". وقد كانَ هذا واحدًا مِنْ فلاسِفَةِ ما بعدِ الحَداثَةِ المُعاصِرين. ولكِنْ إنْ كانَ السِّجِلُّ الكِتابِيُّ بمُجْمَلِهِ كِذْبَةً، كيفَ نَقبلُ صِدْقَ بعضِ الخِبراتِ الروحيَّةِ النَاجِمَةِ عَنْ قِراءةِ هذا الكِتاب؟ وكما نَرى، هناكَ آراءٌ كَثيرةٌ خاطئة. وهناكَ رأيٌ أخيرٌ خاطئٌ، وهُوَ الرَّأيُ الخامِسُ في لائِحَتي الصَّغيرة. ويُعْرَفُ هذا الرَّأيُ بالإملاءِ الآلِيّ. وهذا الرَّأيُ يَتَطَرَّفُ في الاتِّجاهِ المُعاكِسِ إذْ يَقولُ إنَّ كُلَّ كلمةٍ قد خَرَجَتْ مِنْ فَمِ اللهِ، وإنَّ كُتَّابَ الكِتابِ المقدَّسِ كانُوا مُجَرَّدَ رِجالٍ آلِيِّين. ومِنْ هُنا جاءتِ التَّسميةُ "الإملاءُ الآلِيُّ" للإشارةِ إلى الوَحْيِ الإملائِيِّ. فلأنَّنا نقولُ إنَّ اللهَ كَتَبَ كُلَّ كلمة، فإنَّ المُتَحَرِّرينَ يُحِبُّونَ أنْ يَقولوا: "هذا رائعٌ ... هذا رائعٌ ... أنْتُمْ تُؤمِنونَ بالوَحْيِ الإملائِيِّ – أيْ أنَّ الكُتَّابَ كانوا في حالةٍ شبيهةٍ بالغَيبوبةِ، وأنَّهُمْ دَخَلوا في حالةٍ رُؤيويَّةٍ ما فصاروا مُجَرَّدَ آلاتٍ بَشريَّةٍ تَكْتُبُ الكَلماتِ الَّتي يأمُرُهُمُ اللهُ بِكتابَتِها".

وهذا صحيحٌ. فقد كانَ بِمَقدورِ اللهِ أنْ يَستخدمَ طريقةَ الإملاءِ. ولو أنَّهُ فَعَلَ ذلكَ لكانَ لدينا نَصٌّ مُوْحَى بِهِ. ولكنَّهُ لم يَفعل ذلك. فهناكَ اختلافاتٌ كثيرةٌ في الأسلوبِ بينَ كاتِبٍ وآخَر. وهناكَ اختلافاتٌ كثيرةٌ في طريقةِ استخدامِ اللُّغَةِ بينَ كاتبٍ وآخر. والشخصيَّاتُ المُتَمايِزَةُ واضحة تمامًا. والمشاعِرُ تَنسابُ مِنَ الكُتَّابِ وَهُمْ يَكتُبون. والعهدُ الجديدُ يَقولُ إنَّ اللهَ استَخدمَ كُتَّابًا مَسوقينَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، أيْ مُنْقادينَ بالرُّوحِ القُدُس. فَهُمْ لم يكونوا خارِجَ العَمليَّةِ، بل كانُوا في وَسَطِ العمليَّة. وقد كانوا مُنْخَرِطينَ جِدًّا في عمليَّةِ الكِتابَةِ. والحقيقةُ هي أنَّهُمْ كانوا يَكْتَبونَ مواقِفَهُمُ القَلبيَّةَ، وأفكارَهُمْ، وتأمُلاتِهِم، وخبراتِهم، ومفاهيمَهُم تحتَ هَيْمَنَةِ اللهِ الكامِلَة.

ويَتَّضِحُ هذا في العَديدِ مِنَ المَقاطِعِ المُهِمَّةِ لِفَهْمِنا. واسمحوا لي أنْ أُرِيَكُمْ ثلاثَةً مِنْها. وسوفَ نَبتدئُ بالرسالةِ إلى العِبرانيِّين، وتحديدًا عبرانِيِّين 1: 1 و 2. وما يُمْكِنُنا أنْ نَقولَهُ عَنْ هذهِ المَقاطِعِ هُوَ أكْثَرُ بكثير مِمَّا سنَقولُهُ اللَّيلة. ولكِنْ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين 1: 1 و 2، لدينا إشارة واضحة إلى أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي كَتَبَ الكِتابَ المقدَّسَ: "اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ". فأوَّلًا، اللهُ تَكَلَّمَ. وهذا هُوَ المِفْتاحُ الرَّئيسيُّ للفهمِ الكِتابِيِّ للوَحْي. فاللهُ تَكَلَّمَ. الخالِقُ نَفْسُهُ أَزالَ العَوائِقَ أمامَ فَهْمِنا لَهُ مِنْ خِلالِ الإعلانِ عَنْ نَفْسِهِ.

"اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا" [أيْ بواسِطَةِ كُتَّابِ الأسفارِ المقدَّسَةِ] "بِأَنْوَاعٍ" [والكلمة "أنواع" هي تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "بولوميروس" (Polumeros)، وهيَ تُشيرُ إلى الأسفارِ السِتَّة والسِتِّين: 39 في العهدِ القديم، و 27 في العهدِ الجديد]. فقد تَحَدَّثَ "بأنواعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ" [والكلمة "طُرُق" هي تَرجمة للكلمة اليونانيَّة "بولوتروبوس" (polutropos)]. ولكن ما المَقصودُ بذلك؟ المَقصودُ هُوَ: مِنْ خِلالِ الرُّؤى، والنُّبوءاتِ، والأمثالِ، والتَّشبيهاتِ، والرَّموزِ، والطُّقوسِ، والظُّهوراتِ الإلهيَّةِ، والأصواتِ المَسموعةِ. وقد تَمَّ تَدوينُ كُلِّ ذلكَ في العهدِ القديم. ففي كُلِّ الأوقاتِ الَّتي تَكَلَّمَ اللهُ فيها وأرادَ أنْ يُدَوِّنَ ما قال، تَمَّ تَدوينُ ذلك. فاللهُ هُوَ الَّذي كَلَّمَ الآباءَ بالأنبياءِ بأنواعٍ (أيْ مَقاطِعَ وأجزاءٍ وأسْفارٍ) وطُرُقٍ كثيرةٍ فَتَمَّ جَمْعُ ذلكَ في العهدِ القديم. ثُمَّ نَقرأُ: "كَلَّمَنَا [مَرَّةً أُخرى] فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ". وهذهِ إشارة إلى العهدِ الجديد. فاللهُ يَتكلَّمُ ثانيةً. واللهُ يُعْلِنُ عن ذاتِهِ.

فالعهدُ القديمُ هو ليسَ مَجموعة مِنَ الحِكَمِ الَّتي قالها أُناسٌ مُسِنُّون، بل هو صوتُ الله. ومِنْ خلالِ جميعِ الوسائلِ الَّتي تَكَلَّمَ بها، فإنَّ ما قالَهُ وأرادَ أنْ يُكْتَبَ قد كُتِبَ بواسطةِ كُتَّابِ العهدِ القديم. وفي العهدِ الجديد، فَعَلَ اللهُ الشَّيءَ نَفسَهُ. وما أرادَ أنْ يُكْتَبَ كُتِبَ بواسطةِ كُتَّابِ العهدِ الجديد. وهناكَ نَصَّانِ آخَرانِ أوَدُّ أنْ أذْكُرهُما لَكُمْ: 2بُطرس 1 ... 2بُطرس 1: 20: "عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". والكلمةُ المِفتاحيَّةُ الَّتي أُريدُ مِنْكُمْ أنْ تَنظروا إليها هنا هي الكلمة "مَسوقين" ... "مَسوقين". فهي تُخْبِرُنا في نهاية العدد 21 أنَّ هَؤلاءِ الرِّجال كانُوا مَسوقينَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، أوْ مَحمولينَ كَما تُحْمَلُ وَرَقَةُ الشَّجَرِ على سَطْحِ ماءِ نَهْرٍ جَارٍ. فقد كانوا أثناءَ قِيامِهِمْ بالكِتابَةِ: مَسُوقِيْن.

ويَكْتُبُ بولسُ في رسالتهِ الأولى إلى أهلِ كورِنثوس 2: 10: "فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ" - أيْ أنَّهُ أعْلَنَ الحَقائقَ المَجيدةَ لنا. "فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟ هكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ. وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ، الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ". والمقصودُ بذلكَ، ببساطة، هو أنَّهم تَعَلَّموا أمورًا بواسطةِ الرُّوحِ القُدُس. وقد كَتَبوا الأشياءَ الَّتي تَعلَّموها. وهذا هُوَ المَقصودُ بالكلمة "مَسُوقين" – أيْ أنَّهُمْ كانوا مَسوقينَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ لكتابةِ تلكَ الأشياء.

ونحنُ نَقرأُ في العدد 21: "لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ". والكلمة "نُبوءة" هُنا تَضُمُّ ببساطة كُلَّ الكِتابِ المقدَّسِ، وتُشيرُ إلى الكِتابِ المقدَّسِ كُلِّهِ، وليس فقط إلى النُّبوءاتِ (الَّتي نَظُنُّها في أغلبِ الأحيانِ مُجَرَّدَ تَخميناتٍ). فَالمَقصودُ بالنُّبوءةُ أنْ يَتَكَلَّمَ الإنسانُ بشيءٍ "بروفيتيا" (propheteia)، أيْ قَبْلَ حُدوثِهِ. أيْ أنْ يُعْلِنَهُ لآخرينَ ويُنْبِئَ بِحُدوثِ كُلِّ ما تَكَلَّمَ بهِ اللهُ، وكُلِّ ما قالَ اللهُ إنَّهُ سيَحْدُث، وكُلِّ ما ذَكَرَهُ اللهُ في الكِتابِ المقدَّسِ. "لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". لذلكَ، إذا عُدْتُمْ ثانيةً إلى العدد 20: "عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ".

والآنْ، أرْجو أنْ تَسمحوا لي أنْ أُخْبِرَكُم المَزيدَ عنِ الكلمة "تَفسير". في عُجالَةٍ، إنَّها الكلمة "إيبيلوسيس" ... "إيبيلوسيس" (epilusis). وهيَ يُمكنُ أنْ تتَرْجَمَ: "تَفْسير" ... "تَفسير". والكلمة هُنا تأتي تَحديدًا بمعنى: "مِنْ تَفْسيرٍ خَاصّ". وصيغةُ الجارِّ والمَجرورِ تُشيرُ إلى المَصْدَر. لذلكَ فإنَّ الفِكرة هنا هي أنَّهُ لا توجدُ نُبوءةٌ في الكِتابِ المقدَّسِ تَجِدُ تَفسيرَها أوْ تَجِدُ مَصْدَرَها في شخصٍ واحدٍ فقط. بعبارة أخرى، لا توجدُ نُبوءة ناشِئَة عَنْ فِعْلٍ إرادِيٍّ للإنسان. فكُلُّ الكِتابِ المقدَّسِ نابِعٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، ولكنَّ النَّاسَ الَّذينَ كَتبوهُ كانوا مَسوقينَ (أيْ مَحمولينَ كَما تُحْمَلُ السَّفينَةُ الَّتي تَرْفَعُ أَشْرِعَتَها) ومَملوئينَ بالروحِ القُدُسِ إذْ إنَّهُمْ حُمِلوا في الاتِّجاهِ الَّذي يَرْغَبُ الرُّوحُ القُدُسُ فيهِ لكي يَكْتُبوا ما تَكَلَّمَ اللهُ بِهِ.

وهُناكَ آية أُخرى سنتأمَّلُ فيها سريعًا وَهي آية مَعروفة جدًّا وَرَدَتْ في رِسالة تيموثاوس الثانية 3: 16 إذْ نَقرأ: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ". وقد ابتدأنا حديثَنا بهذهِ الآية. "كُلُّ الْكِتَابِ" "باسا غرافي ثيوبنوستوس" (Pasa graphe theopneustos) "كُلُّ الكِتابِ، أيِ الأسفارِ المقدَّسَةِ، مُوْحى بِهِ مِنَ اللهِ. فَهُوَ ذاتُ أنْفاسِ اللهِ. لذلكَ فإنَّنا نَقرأُ في رُومية 3: 2 أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ أقوالُ اللهِ ... أقوالُ الله. فاللهُ هُوَ الكاتبُ الحَقيقيُّ لكُلِّ ما يَقولهُ الكِتابُ المقدَّسُ. ومِنَ الواضِحِ أنَّ كُتَّابًا عَديدينَ مِمَّنْ كَتَبوا الكِتابَ المقدَّسَ شَهِدوا بهذهِ الحقيقة. فنحنُ نَقرأُ ذلكَ في العهدِ القديمِ مِرارًا وتَكرارًا. وعلى سَبيلِ التَّمرينِ، اقرأوا في سِفْرِ إرْميا مِنَ الأصحاحِ الأوَّلِ إلى الأصحاحِ الثالثِ ولاحظوا عددَ المَرَّاتِ الَّتي يَقولُ فيها إرْميا: "وَقَالَ الرَّبُّ" ... "وقالَ الرَّبُّ".

وهُوَ يَبتدئُ نُبوءَتَهُ في الأصحاحِ الأوَّلِ والعَددِ الرَّابعِ بالقول: "فَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَيَّ قَائِلاً". فقد تَلَقَّى الكلماتِ الَّتي خَرَجَتْ مِنْ فمِ اللهِ. لذلكَ، يجبُ علينا أنْ نَفهمَ الوَحْيَ بأنَّهُ إعلانُ اللهِ المُعْطَى لنا كِتابَةً مِنْ خِلالِ رُوحِ اللهِ الَّذي وَضَعَ تلكَ الرِّسالةَ في ذِهْنِ الكاتِبِ ومَزَجَها بطريقةٍ خارقةً للطَّبيعةِ بمُقتَضَى سِيادَتِهِ الإلهيَّةِ بخِبراتِهِ الشخصيَّةِ، ومُفْرَداتِهِ لِيُعْطينا كُلَّ كلمةٍ يُريدُ اللهُ أنْ تَكونَ مَكْتوبَة. واللهُ قادرٌ أنْ يَستخدِمَ أيَّ شيءٍ أوْ شخصٍ خَلَقَهُ لتحقيقِ مَقاصِدِهِ. والكِتابُ المقدَّسُ يَشْهَدُ مِرارًا أنَّهُ كَلِمَةُ الله.

ومعَ أنَّ لَدَيَّ الكَثيرَ لأقولَهُ عنْ هذا الموضوعِ، فإنِّي أوَدُّ أنْ أَخْتِمَ حَديثي في هذهِ اللَّيلةِ بأهَمِّ شَهادَةٍ على الإطلاقِ، في رأيي، وَهِيَ شَهادَةُ يَسوعَ المسيح ... شَهادةُ يَسوعَ المسيح. فما هُوَ رأيُ يَسوعَ المسيحِ بخصوصِ الكِتابِ المقدَّسِ؟ وما نَظْرَتُه إلى الكِتاب المقدَّسِ؟ سوفَ أَذْكُرُ لَكُمْ لائحةً قَصِيرةً: أوَّلًا، لقد قالَ إنَّهُ هُوَ ذاتُهُ الفِكْرَة الرَّئيسيَّة مِنْ جَميعِ الأسفارِ المقدَّسَةِ. فَهُوَ يَقولُ في إنجيل يوحنَّا 5: 39: "فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي".

فقد كانَ المَسيحُ يَفْهَمُ أنَّهُ هُوَ الفِكرةُ الرئيسيَّةُ مِنْ جَميعِ الأسفارِ المقدَّسَةِ، وَأنَّ الأسفارَ المقدَّسَةَ تَتحدَّثُ عَنْهُ بِدِقَّة. فالكِتابُ المقدَّسُ يَتَحَدَّثُ عَنْهُ بِدِقَّة مِنْ بِدايَتِهِ إلى نِهايَتِهِ. فنحنُ نَقرأُ في إنْجيل لوقا 24: 44 أنَّ يَسوعَ فَتَحَ أسْفارَ العهدِ القَديمِ. ونَقرأُ أيضًا أنَّهُ عَلَّمَ تِلْميذَيْ عِمْواس كُلَّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ في أسفارِ العهدِ القَديم. لذلكَ فإنَّ لِسانَ حَالِهِ هُوَ: "فيما يَخْتَصُّ بأسفارِ الكِتابِ المقدَّسِ، فإنَّها تُمَثِّلُني تَمْثيلًا صَحيحًا ودقيقًا، وأنا في الحقيقةِ هُوَ الفِكرةُ الرئيسيَّةُ مِنْها جَميعًا".

ثانيًا، لقد جاءَ يَسوعُ لِيُكَمِّلَ الكُتُبَ. أيْ أنَّهُ لم يَأتِ لِتَصحيحِها، ولم يأتِ لِتَنْقيحِها، ولم يأتِ لِتَغييرِها، بل جاءَ لِيُكَمِّلَهُ: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ". فلا يُوجدُ شَيءٌ يُمْكِنُ التَّلاعُبُ بِهِ، ولا يوجدُ شَيءٌ يُمكنُ تَغييرُهُ، ولا يوجدُ شَيءٌ يُمْكِنُ حَذْفُهُ. "مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ". وفي إنْجيل مَتَّى 26: 24، يَقولُ يَسوع: "إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ". فأنا قد جِئْتُ في مُهِمَّةٍ إلهيَّةِ، وأنا سأفعلُ تَمامًا ما هُوَ مَكْتوبٌ. وقد أَمَرَ يَسوعُ بُطْرُسَ أنْ يَرُدَّ سَيْفَهُ إلى مَكانِهِ في الأصحاحِ نَفْسِهِ (أيْ في مَتَّى 26) لأنَّهُ قالَ: "بُطْرُس! فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ؟" فقد كانَ يُكَمِّلُ الكُتُبَ في كُلِّ ما فَعَل.

لذلكَ، فقد قالَ يسوعُ إنَّهُ الفِكرةُ الرئيسيَّةُ للكِتابِ المقدَّسِ كُلِّهِ لأنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يُمَثِّلُهُ تَمثيلًا صَحيحًا. وقد قالَ إنَّهُ جاءَ لِيُكَمِّلَ الكُتُبَ، وَإنَّهُ لا يوجدُ شَيءٌ في تلكَ الكُتُبِ يَنْبَغي أنْ يُنْقَض. مِنْ جِهَةٍ أُخرى، فإنَّ كُلَّ جُزءٍ فيهِ يَنْبَغي أنْ يَتِمَّ. وقد قالَ: "لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ". فبالنِّسبةِ إليهِ، كانَ الكِتابُ المقدَّسُ بِمُجْمَلِهِ إعلانَ اللهِ. لذلكَ فإنَّهُ يقولُ في إنجيل يوحنَّا 10: 35: "لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ". فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَقْطَعَهُ مِنْ أيِّ مَكانٍ. ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَكْسِرَهُ مِنْ أيِّ مَكانٍ. فَهُوَ وِحْدَةٌ واحِدَة شامِلَة، وكامِلَة، ومُتَكامِلَة. وقد شَبَّهَ دَيْمومَةَ الكِتابِ المقدَّسِ بِدَيمومَةِ الكَوْنِ. ونحنَ جَميعُنا نَعلمُ أنَّ الموتَ يَأتي حينَ تَسودُ الخطيَّة. فحيثُ تُوْجَدُ خطيَّة، يُوجدُ مَوتٌ. وكلمةُ اللهِ طاهِرَة وَهِيَ تَثْبُتُ إلى الأبد. وَلا يُمْكِنُ للخطيَّةِ أنْ تَمَسَّها. وهذا يَعني أنَّها كامِلَة.

وقد رَكَّزَ يَسوعُ على أهميَّةِ كُلِّ كلمة – بَلْ على أهميَّةِ كُلِّ كلمةٍ وحَرْفٍ إذْ قال: "لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ". وقد قالَ في إنجيل لوقا 18: 31: "وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ". وحتَّى إنهُ بَنَى تَفسيرَهُ للعهدِ القديمِ على كلمةٍ واحِدَةٍ – على كلمة واحِدَة. فالكلمةُ مُهِمَّةٌ جِدًّا. فعندما رَدَّ يَسوعُ على الصَدُّوقِيِّينَ في الأصحاح 22 مِنْ إنجيل مَتَّى، قالَ لَهُم: "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ. لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ [وَهُوَ يُشيرُ هُنا إلى المُؤمِنينَ] لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ، أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ الْقَائِلِ: أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ؟ لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ". ودَليلُهُ على ذلكُ هوَ أنَّ اللهَ قالَ عَنْ نَفْسِهِ: "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ" – أيْ أنَّهُ اللهُ الحَيُّ السَّرْمَدِيَّ. فَضْلًا عنْ ذلك، فَهُوَ ليسَ اللهَ الحَيَّ الأبديَّ فقط، بل إنَّ الجَميعَ سيَحْيَوْنَ إلى الأبدِ أيضًا. فَالصَّدُّوقيِّونَ لم يكونوا يُؤمنونَ بالقيامة. وقد أَثْبَتَ يَسوعُ نُقْطَتَهُ (بالنِّسبةِ إلينا على الأقل) مِنْ خلالِ الحديثِ عَنْ سَرْمَدِيَّةِ اللهِ حينَ استَخْدَمَ الفِعْل "الكائِن" بصيغةِ المُضارع البسيط.

وقد وَضَعَ يَسوعُ الكِتابَ المقدَّسَ في مَرْتَبَةِ كَلِماتِهِ هُوَ شخصيًّا. لذلكَ، يجبُ عليكم أنْ تَحْتَرِسوا حينَ تَقرأونَ الكُتُبَ المقدَّسَةَ الَّتي تَحوي أقوالَ يَسوعَ بالخَطِّ الأحْمَرِ لأنَّها قَدْ تَجْعَلُكُمْ تَظُنُّونَ أنَّ الكَلِماتِ المَطبوعة بِخَطٍّ أحْمَر (والَّتي تُشيرُ إلى أقوالِ يَسوعَ) هي أكْثَرُ أهميَّةً مِنَ الأجزاءِ الأُخرى. ولكنَّها ليسَتْ أكثرَ أهميَّةً مِنها. ومعَ ذلكَ، فإنَّ كَلِماتِهِ على نَفْسِ القَدْرِ مِنَ الأهميَّة. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 24: 35: "اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ". فالكتابُ المقدَّسُ لَنْ يَزول، وكلامي لَنْ يَزول. فَهُما مُتَساويان. فكلامُهُ ليسَ أكْثَرَ أهميَّةً، بلْ هُما مُتَساوِيان ولَنْ يَزولَ أيٌّ مِنْهُما. وقد تَحَدَّثَ يَسوعُ عَنْ قُوَّةِ كلمةِ اللهِ في التَّجربة – في الأصْحاحِ الرابعِ مِنْ إنجيلِ مَتَّى. فحينَ جُرِّبَ، وَاجَهَ التَّجْرِبَةَ بآياتٍ مِنَ الكِتابِ المقدَّس.

وقد أَشارَ يَسوعُ إلى الكِتابِ المقدَّسِ مِرارًا بالقول: "أَمَا قَرَأْتُمْ" ... "أما سَمِعْتُم" ... وَ "أما قَرأتُم" ... وَ "أليسَ مَكتوبًا" ... وَ "مَكْتوبٌ". وعلى الصَّليبِ، أَكْمَلَ يَسوعُ شَخصيًّا نُبوءاتِ العهدِ القديمِ حينَ قال: "أَنَا عَطْشَانُ" لأنَّ هذا هُوَ بالضَّبْط ما جَاءَ في المَزمور 22 أنَّهُ سَيَقولُهُ. وقد أَكَّدَ مِنْ خِلالِ كَلِماتِهِ القِصَصَ التَّاليةَ الَّتي وَرَدَتْ في العهدِ القَديم: خَلْقَ آدَمَ وحَوَّاء، وَقَتْلَ هابيل، ونُوْح والطُّوفان، وَدَوْرَ إبراهيم، وَالخِتان، ودمارَ سَدوم، وهَلاكَ امْرأةِ لُوْط، وخَلاصَ لُوْط، ودَعْوَةَ مُوسى، وناموسَ مُوسَى، والمَنَّ مِنَ السَّماء، والحَيَّةَ النُّحاسِيَّةَ، والمَزيدَ والمَزيد. وبهذا فقد أَكَّدَ صِدْقَ العَهْدِ القَديم.

وقد أَكَّدَ يَسوعُ قُدْرَةَ الكِتابِ المقدَّسِ على أنْ يُخَلِّصَ السَّامِعينَ بأنْ قالَ في إنْجيلِ لوقا 16: 29: "عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ". فهذا هُوَ كُلُّ ما يَحْتاجونَ إليهِ لِحِمايةِ أنْفُسِهِمْ مِنْ جَهَنَّم. وقد بَيَّنَ لهم أنَّ مَصْدَرَ كُلِّ خَطَأٍ هُوَ الجَهْلُ بالكِتابِ المقدَّسِ. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَرْقُس 12: "أَلَيْسَ لِهذَا تَضِلُّونَ، إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ" ... "فَأَنْتُمْ إِذًا تَضِلُّونَ كَثِيرًا". فَعُشْرُ الكلماتِ الَّتي خَرَجَتْ مِنْ فَمِ يَسوعَ والمُدَوَّنة في الكِتابِ المقدَّسِ هِيَ مِنَ العهدِ القديم. فقدِ اقْتَبَسَ آياتِ العهدِ القديمِ 180 مَرَّة مِنْ أصْلِ 1800 آية تَرْوي مَا قالَهُ. فَعُشْرُ المَرَّاتِ أشارَ فيها إلى العهدِ القديم. وقد قالَ إنَّهُ الحَقّ، وَإنَّهُ الكَلِمَةُ الأزَلِيُّ، وإنَّهُ قُدْوَتُنا في كيفيَّةِ النَّظَرِ إلى الكِتابِ المقدَّسِ.

وأخيرًا، فإنَّ هذا يُشيرُ إلى وُجودِ احتمالٍ واحِدٍ صَحيحٍ مِنْ ثلاثَةِ احتمالاتٍ: الأوَّلُ هُوَ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ لا يَحْوي أيَّ أخْطاءٍ – بِناءً على شَهادَةِ يَسوع. والاحتمالُ الثَّاني هوَ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَحوي أخْطاءً، ولكِنَّ يَسوعَ لم يَكُنْ يَعْرِفُ عنها شَيئًا. والاحتمالُ الثالثُ هُوَ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يَحوي أخْطاءً، وأنَّ يَسوعَ كانَ يَعْرِفُ عنها ولكنَّهُ أَخْفاها عَنِ النَّاسِ. ولكِنْ هُناكَ احتمالٌ واحدٌ صَحيحٌ فقط. فلو كانَتْ هُناكَ أخطاءٌ في الكِتابِ المقدَّسِ ولم يَعْرِفْ عنها، فإنَّهُ ليسَ الله. وإنْ كانتْ هُناكَ أخْطاءٌ في الكِتابِ المقدَّسِ وكانَ يَعْرِفُ عنها ولكنَّهُ أَخْفاها عنِ النَّاسِ فَهُوَ الشَّيْطان.

ولكنَّهُ الله. وَهُوَ ليسَ الشَّيطان. ولا توجدُ أخْطاءٌ في الكتابِ المقدَّسِ. وسُلْطانُ المَسيحِ يَحْسِمُ حَقًّا موضوعَ النَّصِّ المُوْحَى بِهِ. لذلكَ فإنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ كَلِمَةُ المَسيحِ المُلْزِمَة. "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً". فالكتابُ المقدَّسُ هُوَ كَلِمَةُ المسيح. وهُوَ صَاحِبُ الكِتابَ بِأسْرِه. ونحنُ نَقرأُ في 1كورِنثوس 2: 16: "وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ". لذلكَ، عِنْدَما تَفْتَكِرونَ بكلمةِ اللهِ فإنَّكُمْ تَسْتأسِرُونَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ (كَما جاءَ في 2كورِنثوس 10: 5). فالمسيحُ هُوَ صَاحِبُ الكِتابِ المقدَّسِ كُلِّهِ. وكذلكَ ينبغي لنا أنْ نَكونَ جميعًا إذْ يَجِبُ علينا أنْ نَكونَ وَاثِقينَ فيهِ كُلَّ الثِّقَةِ بِناءً على شَهادَتِهِ. وهُناكَ المَزيدُ لأقولَهُ، ولكنَّنا سنَكتَفي بهذا القَدْرِ في هذا المَساء. أرْجو أنْ تَحْنوا رُؤوسَكُمْ مَعي في الصَّلاة:

نَشُكُرُكَ، يا أبانا، على الثِّقَةِ الَّتي يَضَعُها الكِتابُ المقدَّسُ في قُلوبِنا مِنْ تَلْقاءِ ذاتِهِ لأنَّهُ أَفْضَلُ مُحامٍ عَنْ نَفْسِهِ إذْ إنَّكَ أنْتَ الَّذي تَتَكَلَّمُ. ومعَ أنَّنا لا نَعْلَمُ تَمامًا كيفَ حَدَثَتْ مُعْجِزَةُ الوَحْيِ، وأنَّنا لا نَسْتَطيعُ أنْ نَفْهَمُ تَفاصيلَ ذلك، ولا الطَريقةَ الرُّوحيَّةَ الَّتي حَدَثَ بها ذلك، فإنَّنا نَعْلَمُ أنَّهُ صَحيحٌ. فنحنُ نَعْلَمُ أنَّ الكُتَّابَ كَتَبوا خِبْراتِهِمْ، وأفكارَهُمْ، ووُجْهاتِ نَظَرِهِمْ؛ ولكنَّكَ حَرَصْتَ على أنْ تكونَ كُلُّ كَلِمَة نابِعَة مِنْ فِكْرِكَ لكي يَكونَ ما نَحْصُلُ عليهِ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ حَقًّا. وليتَنا نَعْلَمُ يَقينًا أنَّ هذهِ الكلمةَ تُعْطينا حَياةً، وتُحافِظُ على حياتِنا، وَأنَّها ستأخُذُنا يومًا إلى الحَياةِ الأبديَّةِ الَّتي تَنْتَظِرُنا في حَضْرَتِكَ. فَفَتْحُ كَلامِكَ يُنير. وهذا النُّورُ هُوَ حَياتُنا. لذلكَ فإنَّنا نَشْكُرُكَ على كَلِمَتِكَ، ونَشْكُرُكَ على العَمَلِ الَّذي تَقومُ بِهِ كَلِمَتُكَ. وليتَها تَقومُ بِعَمَلِها العَظيمِ فينا دائمًا إذْ نَسْمَحُ لها بأنْ تَسْكُنَ فينا بِغِنًى. نُصَلِّي هذا باسْمِ مُخَلِّصِنا. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize