Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لقد انْقَضَتْ بِضْعَةُ أَشْهُرٍ على تَأمُّلِنا في إنْجيلِ مَرْقُس في بِدايةِ فَصْلِ الصَّيْفِ. فقد تَأمَّلْنا في نِهايةِ الأصحاحِ الثاني وبدايةِ الأصحاحِ الثالثِ ورأينا كيفَ أنَّ يَسوعَ نَقَضَ السَّبْتَ بِحَسَبِ مَعاييرِ اليهودِ. وعِندما واجَهوهُ، قالَ شَيْئَيْن. فقد قال: "السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ". بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ السَّبْتَ لَمْ يُعْطَ لَهُمْ ليكونَ عِبْئًا على النَّاسِ، بل إنَّهُ يَنْبَغي أنْ يَكونَ مُبْهِجًا لكي يَتمتَّع البَشَرُ بِهِ. ولكِنَّ اليهودِ جَعَلوهُ عِبْئًا لا يُطاق.

أمَّا الشَّيءُ الثاني الَّذي قالَهُ وكانَ صَادِمًا أكْثَرَ مِنَ السَّابِقِ فَهُوَ: "ابْنُ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ". وبذلكَ فقد أَعلنَ سِيادَتَهُ على السَّبْتِ.

ولكِنْ إنْ كانَتْ للسَّبْتِ مَكانَةٌ، كيفَ يُمْكِنُنا أنْ نَفهمَ مَكانةَ السَّبْتِ في حَياةِ شَعْبِ اللهِ؟ افْتَحُوا كُتُبَكُم المُقَدَّسَةَ على سِفْرِ الخُروج والأصْحاح 20. ونحنُ هُنا أمامَ الوَصايا العَشْر. وقَبْلَ مُنْتَصَفِ الوَصايا العَشْرِ بقليل، نَجِدُ الوَصِيَّةَ الرَّابعةَ. ونَبْتَدِئُ بالقراءةِ عَنْها في العددِ الثَّامِنِ: "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ [أيِ: الغَريبُ] الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ. لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ. لِذلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ".

ولا شَكَّ أنَّ الوَصايا التِّسعةَ الأُخرى هِيَ وَصايا دائِمَة ومُلْزِمَة. فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ لَنا آلِهَةٌ أُخرى. ولا يَجوزُ لَنا أنْ نَصْنَعَ صَنَمًا. بل يجبُ علينا أنْ نَعْبُدَ فقط اللهَ الحَقيقيَّ الحَيَّ. ولا يَجوزُ لنا أنْ نَنْطِقْ باسْمِ الربِّ باطِلًا. ولا يَجوزُ لنا أنْ نُهينَ أبانا أوْ أُمَّنا، بل أنْ نُكْرِمَهُما. ولا يَجوزُ لنا أنْ نَقتُلَ، ولا أنْ نَزني، ولا أنْ نَسْرِقَ، ولا أنْ نَكْذِبَ، ولا أنْ نَشْتَهي.

هذهِ هِيَ التَّعاليمُ الأخلاقيَّةُ، أوِ الوَصايا الأخلاقيَّةُ، باستثناءِ ما جاءَ في الأعْداد 8-11، أيْ باسْتِثناءِ الوصيَّةِ الرابعةِ المُختصَّةِ بالسَّبْت. والسُّؤالُ الَّذي يُطْرَحُ عادةً هوَ سُؤالٌ بَسيطٌ: إنْ كانتْ جَميعُ الوَصايا الأُخرى دائِمَة، أليسَتْ هذهِ الوَصِيَّة دائمَة أيضًا؟

هناكَ أُناسٌ يَعتقدونَ أنَّها كذلك. ويُمْكِنُنا أنْ نُسَمِّي هؤلاء "السَّبْتِيُّونَ المُتَشَدِّدون". وَهُمْ يَنْقَسِمونَ عادَةً إلى فِئَتَيْن: الأولى هُمْ جَماعَةُ الأدْفَنْتِسْت السَّبْتِيِّين (Seventh Day Adventists). وأعتقدُ أنَّكُمْ تَعْرِفونَ هذهِ الجَماعَة. وأعتقدُ أنَّهُ بإمْكانِنا أنْ نُصَنِّفَ جَماعةَ الأدْفَنْتِسْت السَّبْتِيِّينَ على أنَّهُمْ بِدْعَة لأنَّهُمْ يُؤمِنونَ بأنَّ كِتابات "إيلين ج. وايت" (Ellen G. White) مُوْحى بها مِنَ اللهِ ويُمْكِنُ أنْ تُوْضَعَ بِموازاةِ الكِتابِ المقدَّسِ. ولكِنَّهُمْ يَقولونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ إنَّهُمْ يُطيعونَ الوَصِيَّةَ الرَّابعةَ.

وهناكَ أيضًا "المَعْمدانِيُّونَ السَّبْتِيُّونَ" (Seventh Day Baptists)، وَهُمْ مَجموعةٌ أَصْغَرُ حَجْمًا، وَهِيَ تُفَسِّرُ هذهِ الوَصِيَّةَ بأنَّها مُلْزمَة دائمًا أيضًا. وهُناكَ جَماعةٌ أُخرى ليسَتْ مُتَشَدِّدةً كَثيرًا يُمْكِنُنا أنْ نُطْلِقَ عَليهُم اسْمَ "السَّبْتِيِّينَ المَسيحيِّينَ". وَقَدْ قَرَّرَ هؤلاءِ أنَّهُ يَنْبَغي للمَسيحيِّينَ أنْ يَحفظوا السَّبْتَ، ولكِنْ دُوْنَ الالْتِزامِ بيومِ السَّبْتِ، بَلْ بالالتزامِ باليومِ الأوَّلِ مِنَ الأسبوع. لذلكَ فقد غَيَّروا الوَصِيَّةَ الوارِدَةَ في سِفْرِ الخُروجِ مِنَ السَّبْتِ إلى الأحَد.

وهذهِ هيَ النَّظرةُ المُتَعارَفُ عليها بينَ عُلَماءِ اللَّاهوتِ المُصْلَح. وقد كانَ هذا هُوَ رَأيُ كَثيرٍ مِنَ الطَّهورِيِّينَ، إنْ لَمْ يَكُنْ رَأي الأغلبيَّةِ مِنْهُم. والحقيقةُ هي إنَّكُمْ إذا رَجَعْتُم إلى المُؤتمرِ المَعمدانِيِّ الَّذي عُقِدَ في سَنَةِ 1689، سَتَجِدونَ مَقالةً للسَّبْتِيِّينَ المَسيحيِّينَ تُقِرُّ بذلك، أيْ أنَّهُ يَنبغي للمسيحيِّينَ أنْ يُعاملوا الأحَدَ كما لو كانَ سَبْتًا جَديدًا، وَأنَّهُ يَجِبُ عليهم أنْ يَتْبَعوا، عامَّةً، الوَصايا والقُيودَ المُخْتَصَّة بالسَّبْتِ القَديم.

والسُّؤالُ المَطْروحُ أمامَنا في هذا المَساءِ هُوَ: "هَلْ هؤلاءِ على حَقّ؟" فَهَلْ مِنَ الصَّوابِ أنْ نَحْفَظَ السَّبْتَ (أيِ السَّبْتَ القَديمَ) أوْ رُبَّما الأَحَدَ (كَبَديلٍ جَديدٍ عَنِ السَّبْتِ) كَيَوْمٍ مُقَدَّسٍ يَختلفُ عنِ الأيَّامِ الأُخرى؟

حسنًا، للإجابةِ عَنْ هذا السُّؤالِ، يجبُ علينا أنْ نَرْجِعَ إلى سِفْرِ التَّكوين والأصْحاحِ الثَّاني. لذلكَ، لِنَفْتَحْ على سِفْرِ التَّكوين والأصْحاحِ الثَّاني. ويَبتدئُ هذا الأصْحاحُ بكلماتٍ تُشيرُ إلى أنَّ عَمليَّةَ الخَلْقِ قدِ اكْتَمَلَتْ. فنحنُ نَقرأُ الكَلِماتِ التَّالية: "فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا" (أيْ كُلُّ ما يَسْكُنُها). "وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا".

وسوفَ تُلاحِظونَ في العددِ الثالثِ الكلمة "قَدَّسَهُ". وهذهِ الكلمة مُشْتَقَّة مِنَ الكَلِمَة "مُقَدَّس". وهذهِ هيَ المَرَّةُ الأولى الَّتي تُستخدَمُ فيها الكلمة "مُقَدَّس" في الكِتابِ المقدَّس. وجَذْرُ الكَلِمَة يَعني: "يُفْرِزُ"، أوْ رُبَّما كانَ مِنَ الأفْضَلِ أنْ نُغَيَّرَ ذلكَ إلى مَفْهومٍ عَمودِيٍّ بِمَعْنى: "يَرْفَع". فَهُوَ فَرْزٌ يَجعلُ الشَّيءَ رَفيعًا أوْ سَامِيًا.

لذلكَ نَجِدُ هُنا، أوَّلَ مَرَّة، فِكرَةَ فَرْزِ شَيءٍ ما مِنْ خِلالِ رَفْعِهِ. وهذا يَعني أنَّ اللهَ عَيَّنَ هذا اليومَ السابعَ كيومٍ رَفيعِ الشَّأنِ، وكيومٍ يَسْمو على جَميعِ الأيَّامِ الأُخرى. وقد قَدَّسَهُ اللهُ وأَعْلَنَ أنَّهُ ينبغي أنْ يَكونَ مُقَدَّسًا لثلاثةِ أسْباب. والأسبابُ الثلاثةُ مُرتبطة أساسًا بالأفعالِ الثَّلاثةِ الَّتي يَتألَّفُ مِنْها النَّصُّ.

السَّبَبُ الأوَّلُ هُوَ أنَّهُ يومٌ فَريدٌ لأنَّ السَّماواتِ والأرضَ أُكْمِلَتْ وَكُلَّ جُنْدِها. وهذا هُوَ الفِعْلُ الأوَّلُ. فقد أُكْمِلَ كُلُّ عَمَلِ الخَليقَةِ. فقد أَكْمَلَ اللهُ عَمَلَ الخَلْقِ هذا في سِتَّةِ أيَّامٍ يَتألَّفُ كُلٌّ مِنْها مِنْ أربعةٍ وعِشرينَ ساعَة. وحيثُ إنَّ هذا هُوَ خِتامُ اليومِ السَّادِسِ، لم يَكُنْ هُناكَ أيُّ خَلْقٍ آخَرَ باستثناءِ تلكَ المُعجِزاتِ الَّتي نَقْرأُ عَنْها بينَ الحينِ والآخَر في العهدِ القديم، والمُعجزاتِ المُذهلةِ الَّتي قامَ بها الربُّ يَسوعُ المسيحُ والتي خَلَقَ فيها كَمالًا وَصِحَّةً في وَسَطِ خَليقَتِهِ الَّتي كانَتْ ساقِطَةٍ آنَذاك.

ولكِنْ بِمَعْزِلٍ عن ذلكَ، فقد تَوَقَّفتْ عمليَّةُ الخَلْقِ بعدَ اليومِ السَّادِسِ. وهذهِ العمليَّة لم تَدُمْ آلافَ السِّنين. وَهِيَ لَمْ تَدُمْ مَلايينَ أوْ مِلْياراتِ السِّنين. فبعدَ اليومِ السَّادِسِ انْتَهَتْ واكْتَمَلَتْ. لذلكَ، فإنَّ هذا اليومَ هوَ يومٌ خاصٌّ لأنَّهُ يُشيرُ إلى أنَّ خَليقَةَ اللهِ كُلَّها قدِ اكْتَمَلَت.

ثانيًا، الفِعْلُ "اسْتَراحَ". فنحنُ نَقرأُ في العددِ الثاني: وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ". ثُمَّ نَقرأُ في العددِ الثالثِ مَرَّة أُخرى أنَّهُ: "اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا". فهذا اليومُ فَريدٌ لأنَّ الخَليقةَ اكْتَمَلَتْ، فتوقَّفَ اللهُ واسْتَراحَ.

ولكِنَّ هذا لا يَعني أنَّ اللهَ تَعِبَ. فالربُّ لا يَتْعَب (كما جاءَ في إشَعْياء 40: 28). ويقولُ المُرَنِّمُ إنَّهُ لا يَنْعَسُ ولا يَنام. بل إنَّهُ اسْتَراحَ فقط بِمَعْنى أنَّهُ تَوَقَّفَ عَنِ العمل – لا أنَّهُ كانَ في حَاجَةٍ إلى تَجْديدِ طَاقَتِهِ. ولكِنَّ المَعنى المَقصودَ مِنْ أنَّهُ اسْتَراحَ هُوَ أنَّهُ كانَ رَاضِيًا. وهذا يُعيدُنا إلى الأصْحاحِ الأوَّلِ والعَدَد 31 إذْ نَقرأُ: "وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا". فقد كانَ عَمَلًا مُكتمِلًا. وقد كانَتِ تلكَ الاستِراحَةُ تَعْبيرًا عَنِ الرِّضا التَّامِّ.

وبالمُناسَبَة، لن تَكونَ هُناكَ عَمليَّةُ خَلْقٍ بعدَ ذلك. وَلَنْ يَقومَ اللهُ بأيِّ عَمَلٍ لبَعْضِ الوَقْتِ. فاللهُ لَمْ يَعُدْ إلى العملِ مَرَّةً أُخرى إلَّا في الأصحاحِ الثالثِ مِنْ سِفْرِ التَّكوين. وهذا لم يَكُنْ بَعْدَ وقتٍ طويلٍ لأنَّهُ عندما سَقَطَ آدَمُ وحَوَّاءُ، عادَ اللهُ إلى العَمَل. وما العملُ الأوَّلُ الَّذي قامَ بهِ اللهُ؟ نَقرأُ في تَكوين 3: 21: "وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا". ثُمَّ طَرَدَهُما مِنَ الجَنَّةِ.

إنَّ اللهَ لم يَعمَل في الوقتِ الفاصِلِ بينَ نِهايةِ الخَلْقِ وسُقوطِ الإنْسانِ. وبسقوطِ الإنسانِ، عادَ اللهُ للعملِ مَرَّةً أُخرى. فقد كانَ يَنْبَغي لَهُ أنْ يَحْفَظَ خَليقَتَهُ (كَما جاءَ في عِبرانِيِّين 1). فَهُوَ "حَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ" لأنَّ الخَليقَةَ صَارَتِ الآنَ مُعَرَّضَة للانْحِلال. لذلكَ فقد عادَ إلى العملِ لِكَيْ يَحْفَظَ الكَوْنَ الَّذي خَلَقَهُ. وقد عادَ للعملِ أيضًا لكي يُتَمِّمَ كُلَّ الجوانبِ الضروريَّةِ في فِداءِ تلكَ الخَليقَة.

والآنْ، أنْتُمْ لا تَسْمَعونَ في هذهِ الآياتِ الثَّلاثِ أيَّ شَيءٍ عنْ أنَّ النَّاسَ اسْتَراحُوا. فلا يوجدُ هُنا شَيءٌ عَنْ أنَّ الإنْسانَ اسْتَراحَ، ولا عَنْ أنَّ آدَمَ اسْتَراحَ. ولأنَّهُ كانَ بِلا خَطِيَّة، وإنسانًا كاملًا بِكُلِّ مَعنى الكلمة، لم تَكُنْ طاقَتُهُ تَتَبَدَّدُ عندما كانَ يَقومُ بِأيِّ عَمَلٍ بَسيطٍ يَنبغي أنْ يَقومَ بهِ للعِنايَةِ بالجَنَّةِ. فلم تَكُنْ هُناكَ حَاجَةٍ لأنْ يأخُذَ الإنْسانُ يَوْمَ راحَة. فَمِنْ ماذا سيَستريح؟ فَهُوَ يَعيشُ في جَنَّةٍ لا تَحْتاجُ إلى جُهْدٍ. ولم يَكُنْ هُناكَ عَرَقٌ، ولا طَاقَةٌ تُصْرَفُ وَتَضيع.

ولم يُعْطَ آدَمُ أيَّ وَصِيَّة البَتَّة فيما يَخْتَصُّ بيومِ الرَّاحَة. ولا نَقرأُ أيَّ شَيءٍ عَنْ أنَّ هذا اليومَ كانَ يَومَ عِبادَة. فنحنُ لا نَقرأُ شَيئًا عن هذا الأمر. ولا نَجِدُ ذِكْرًا لهذا الأمْرِ لأيِّ شخصٍ. فقد كانَ هذا الأمْرُ خاصًّا باللهِ فقط. فَقَدْ أَكْمَلَ خَليقَتَهُ، وَكانَ راضِيًا عَنْها، وَتَوَقَّفَ (أيِ اسْتَراحَ). ثُمَّ نَجِدُ الفِعْلَ الثالثَ في العددِ الثالثِ: "وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ".

فقد شاءَ اللهُ أنْ يكونَ اليومُ السابِعُ تَذكارًا خاصًّا عَنْ خَليقَتِهِ وعَنْ كَمالِها الأصْلِيِّ. وهذهُ نُقطةٌ مُهِمَّةٌ جدًّا ينبغي أنْ تَفهموها. فهذا هوَ اليومُ الَّذي يَنبغي أنْ يُرْفَعَ فوقَ كُلِّ الأيَّامِ الأُخرى كَتَذْكارٍ يَتَذَكَّرُ النَّاسُ فيهِ مَجْدَ كَمالِ اللهِ في الخَليقَة. فكُلُّ يومٍ سابعٍ مِنْ تِلْكَ اللَّحظةِ فصاعِدًا سيَكونُ تَذْكارًا بأنَّ اللهَ خَلَقَ الكونَ في سِتَّةِ أيَّامٍ في حَالَةِ كَمالٍ.

هل سألتَ نَفسكَ يومًا لماذا تَتألَّفُ التَّقاويمُ في العالمِ كُلِّهِ مِنْ وِحْداتٍ سُباعِيَّةٍ؟ إنَّهُ رَقْمٌ غَريبٌ، أليسَ كذلك؟ فلا يوجدُ سَبَبٌ مَنْطِقِيٌّ يُسَوِّغُ استخدامَ الرَّقْمِ "سَبْعَة"، وتَقْسيمَ الأسابيعِ، والأشْهُرِ، والسِّنين إلى وِحْداتٍ سُباعِيَّةٍ. فهذهِ في الحقيقةِ طَريقةٌ غَريبةٌ في عَمَلِ الأشياء. فرُبَّما كانَ مِنَ الأسْهَلِ أنْ تُقَسَّمَ إلى وِحْداتٍ يَتألَّفُ كُلٌّ مِنْها مِنْ عَشْرَةِ أيَّام. ولكِنَّ العالمَ كُلَّهُ يَتَبَنَّى النِّظامَ السُّباعِيَّ. وَهُوَ نِظامٌ فَريدٌ. وَهُوَ نِظامٌ مُعَدٌّ ليكونَ فَريدًا لأنَّ كُلَّ يومٍ سابعٍ يُذَكِّرُنا بقُدرةِ ومَجْدِ اللهِ المُمَثَّلَيْنِ في عَظَمَةِ الخَلْقِ في سِتَّةِ أيَّام.

وإذا كُنْتَ تَرفُضُ اللهَ بِوَصْفِهِ خالِقًا، أوْ تَرْفُضُ أنَّ اللهَ خَلَقَ العالمَ في سِتَّةِ أيَّامٍ، فإنَّكَ تُبْطِلُ بَرَكَةَ اليومِ السَّابِعِ. فإذا كنتَ تَقولُ إنَّ اللهَ احْتاجَ إلى آلافِ السِّنينِ، أوْ مَلايينِ السِّنينِ، أوْ مِلياراتِ السِّنينِ لِخَلْقِ العالمِ، فإنَّكَ تُدَنِّسُ اليومَ السَّابِعَ. فهناكَ سَبَبٌ مِنْ وَراءِ عَيْشِنا في وِحْداتٍ سُباعِيَّةٍ. وقد كانَ الإنْسانُ وما زالَ يَفعلُ ذلك. وَهذا لأنَّ كُلَّ يومٍ سابِعٍ يُذَكِّرُنا بأنَّ اللهَ هُوَ الخالِقُ الَّذي خَلَقَ في سِتَّةِ أيَّامٍ الكَوْنَ كُلَّهُ.

ونَجِدُ في الأصْحاحِ الرَّابِع عَشَر مِنْ سِفْرِ الرُّؤيا شَهادَةَ الإنْجيل. وَمَعَ أنِّي لَنْ أَقرأَ المَقطَعَ لكُمْ، فإنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ مَلائِكَةٍ تَطيرُ في وَسَطِ السَّمَاءِ وَمَعَها بِشَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ بأنَّ اللهَ هُوَ الخالِقُ. وهذهِ بِشارَةٌ أبديَّةٌ بأنَّ اللهَ هُوَ الخالِق. وكُلُّ يومٍ سابعٍ يَمُرُّ يَنبغي أنْ يَشْهَدَ للخَالِقِ.

وفي كُلِّ يومِ سَبْتٍ فإنَّ أمريكا والعالمَ الغَرْبِيَّ بِتأثيرِهِ المَسيحيِّ يَعْمَلُ في إطارِ أُسبوعِ عَمَلٍ يَتألَّفُ مِنْ خَمْسَةِ أيَّامٍ. وَجُزْءٌ مِنْ ذلكَ يَرْجِعُ إلى الشُّعورِ الكامِنِ بأنَّ يومَ السَّبْتِ كانَ يَوْمًا للتمتُّعِ بالخَليقَةِ. فيومُ السَّبْتِ هُوَ شَهادةٌ دائمةٌ بأنَّ اللهَ هُوَ الخالِق. ومِنْ جِهَةٍ أُخرى، فإنَّ يومَ الأحدِ يَشْهَدُ على أنَّ اللهَ هُوَ الفادي. وسوفَ نَتحدَّثُ عَنْ ذلكَ في المَرَّةِ القادمة.

لذلكَ، حينَ تَرْجِعونَ إلى الأصحاحِ الثَّاني مِنْ سِفْرِ التَّكوين، لا تَجِدونَ ذِكْرًا بأنَّ السَّبْتَ كانَ شَريعَةً، ولا بأنَّ السَّبْتَ كانَ يومَ عِبادَةٍ. والحَقيقَةُ هِيَ أنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا هذهِ الكَلِمَة إلَّا عِنْدَما تَصِلونَ إلى الأصْحاح 16 مِنْ سِفْرِ الخُروج. وقد انْقَضَتْ مِئاتُ السِّنين. فَقَدْ جاءَ الآباءُ الأوائِلُ وَمَضَوْا. وبِحَسَبِ عِلْمِنا، لَمْ يَعْبُدْ أيٌّ مِنْهُمْ اللهَ يَوْمَ السَّبْتِ لأنَّ اللهَ لم يَأمُرْهُمْ بذلك. فَلَمْ تَكُنْ هُناكَ أيَّةُ وَصِيَّة تأمُرُهُمْ بذلك. ولم يَكُنْ الأمْرُ مَفروضًا عليهم – لا بالنِّسبةِ إلى إبراهيمَ، ولا إسْحاقَ، ولا يَعْقوبَ، ولا يُوسُفَ، ولا بَقِيَّةَ شَعْبِ اللهِ.

وأوَّلُ مَرَّةٍ تَرِدُ فيها الكَلِمَة "سَبْت" بطريقةٍ مُهِمَّةٍ هِيَ في الأصْحاح 16 مِنْ سِفْرِ الخُروج، عِندَما أَطْعَمَ اللهُ الشَّعْبَ المَنَّ مِنَ السَّماءِ حينَ كانُوا تائِهينَ في البَرِّيَّةِ. وكانَ المَنُّ يُعْطَى لَهُمْ كُلَّ يومٍ ما عَدا يومَ السَّبْتِ. لذلكَ فقدْ كانُوا يَلْتَقِطونَ في اليومِ السَّابِقِ ما يَكْفيهِمْ لذلكَ اليوم كَيْلا يَعْمَلوا في ذلكَ اليوم. وقد كانَ ذلكَ يُعْطيهِمْ فِكْرَةً عَمَّا سَيَأتي لاحِقًا لأنَّنا نَجِدُ في الأصْحاحِ العِشْرينَ الوَصايا العَشْر. وفي الوَصايا العَشْر، كَما قَرَأتُ لَكُمْ قَبلَ قَليل، نَجِدُ تَفصيلًا لشريعةِ يومِ السَّبْتِ. وهذهِ هيَ المَرَّةُ الأولى الَّتي أَعْطى اللهُ فيها أيَّةْ شَرائِعَ مُشابِهَة.

وهذا مُهِمٌّ جدًّا لكي نَفهمَ أنَّ السَّبْتَ لَمْ يُعْطَ للإنْسانِ في سِفْرِ التَّكوين. بَلْ إنَّهُ أُعْطِيَ رَسْمِيًّا في سِفْرِ الخُروجِ في شَريعَةِ مُوسَى. ويُمْكِنُنا أنْ نَفْهَمَ ذلكَ فَهْمًا أوْضَحَ مِنْ خِلالِ ما جاءَ في الأصْحاح 31 مِنْ سِفْرِ الخُروج. ورُبَّما يَتَعَيَّنُ عَليكُمْ أنْ تَنْظُروا إلى هذا النَّصِّ قليلًا. فالربُّ يُكَلِّمُ مُوسى في العدد 12 ويقولُ لَهُ: "وَأَنْتَ تُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: سُبُوتِي تَحْفَظُونَهَا، لأَنَّهُ عَلاَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِي أَجْيَالِكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي يُقَدِّسُكُمْ، فَتَحْفَظُونَ السَّبْتَ لأَنَّهُ مُقَدَّسٌ لَكُمْ. مَنْ دَنَّسَهُ يُقْتَلُ قَتْلاً. إِنَّ كُلَّ مَنْ صَنَعَ فِيهِ عَمَلاً تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ بَيْنِ شَعْبِهَا. سِتَّةَ أَيَّامٍ يُصْنَعُ عَمَلٌ، وَأَمَّا الْيَوْمُ الْسَّايِعُ فَفِيهِ سَبْتُ عُطْلَةٍ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ. كُلُّ مَنْ صَنَعَ عَمَلاً فِي يَوْمِ السَّبْتِ يُقْتَلُ قَتْلاً. فَيَحْفَظُ بَنُو إِسْرَائِيلَ السَّبْتَ لِيَصْنَعُوا السَّبْتَ فِي أَجْيَالِهِمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا. هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلاَمَةٌ إِلَى الأَبَدِ". لماذا؟ "لأَنَّهُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ اسْتَرَاحَ وَتَنَفَّسَ".

نَجِدُ هُنا أنَّ السَّبْتَ عَلامَة. إنَّهُ عَلامَة. وهذا يَعني أنَّهُ يُشيرُ إلى شَيءٍ آخَر. فَهُوَ رَمْزٌ (إنْ شِئْتُمْ). وَهُوَ مَوْضوعٌ في الوَسَطِ، أوْ تَقريبًا في مُنْتَصَفِ الوَصايا العَشْرِ لأنَّهُ رَمْزٌ مُرْتَبِطٌ بالعَهْدِ المُوْسَوِيِّ.

وسوفَ أُحاوِلُ أنْ أُساعِدَكُمْ على فَهْمِ هذهِ النُّقْطَة. فعندما قَطَعَ اللهُ عَهْدًا معَ نُوْح، وَعَدَ نُوْحًا بأنَّهُ لَنْ يُهْلِكَ العالمَ ثانِيَةً بِطوفانٍ. وقد أعْطاهُ عَلامَةً. وماذا كانتِ عَلامَةُ عَهْدِهِ مَعَ نُوْح؟ قَوْسُ قُزَح. وعندما قَطَعَ اللهُ عَهْدًا معَ إبراهيم وَضَعَ عَلامَةً. وقد كانَتْ علامةُ العَهْدِ معَ إبراهيم، والتي يَنْبَغي لِكُلِّ بَني إسْرائيلَ أنْ يَشتركوا فيها هِيَ عَلامَةُ الخِتان.

وَنَجِدُ هُنا في العهدِ مَعَ مُوسى عَلامةً أُخرى. والعَلامَةُ في هذهِ المَرَّةِ هِيَ السَّبْت. فقد كانَ عَلامَةً وَحَسْب. لذلكَ لم يَكُنْ حِفْظُ هذهِ العَلامَةِ بقلبٍ مُزْدَوَجٍ يُكْسِبُ المَرْءَ أيَّ شَيءٍ. والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ إشَعْياء 1: 13: "لاَ تَعُودُوا تَأتُونَ بِتَقْدِمَةٍ بَاطِلَةٍ. الْبَخُورُ هُوَ مَكْرَهَةٌ لِي. رَأسُ الشَّهْرِ وَالسَّبْتُ".

وقد أَعْلَنَ النبيُّ هُوْشَع دَينونةً مُشابِهَةً على سُبوتِهِمْ المُمْتَلِئَة رِياءً إذْ نَقرأُ: "وَأُبَطِّلُ كُلَّ أَفْرَاحِهَا: أَعْيَادَهَا وَرُؤُوسَ شُهُورِهَا وَسُبُوتَهَا". فَحِفْظُ السَّبْتِ خارِجِيًّا فَقَطْ وَدُونَ قَلْبٍ مُحِبٍّ ومُكَرَّسٍ للهِ لم يَكُنْ يَعْني أيَّ شَيءٍ.

ولكِنْ ما الغايَةُ مِنَ الرَّمْزِ؟ وما الهَدَفُ مِنَ العَلامَة؟ ولماذا أَعْطاهُمْ تلكَ العَلامَة؟ أعتقدُ أنَّكُمْ سَتَفْهَمونَ ذلكَ حينَ أَشْرَحُهُ لَكُمْ. فالسَّبْتُ كانَ تَذكيرًا بعمليَّةِ الخَلْقِ. فقد كانَ الهَدَفُ مِنَ السَّبْتِ هُوَ تَذْكيرُ بَني إسرائيلَ بأنَّهُمْ قَدْ خَسِروا الفِرْدَوْسَ، أوْ بأنَّ الإنْسانَ قَدْ خَسِرَ الفِرْدَوْسَ. فقد كانَتِ الشَّريعةُ تَقولُ لهم: "أَطيعوا هذهِ الشَّريعَةَ فَتَنالونَ البَرَكَة". وقد قالَ اللهُ ذلكَ لَهُمْ مِرارًا: "أَطيعوا هذهِ الشَّريعَةَ فَتَنالونَ البَرَكَة"، لِكَيْ يُرِيَهُمْ أنَّ السُّلوكَ باستقامَةٍ سَيَجْعَلُهُمْ يَتَذَوَّقونَ ثانيةً طَعْمَ جَنَّةِ عَدْنٍ. كذلكَ فإنَّ السُّلوكَ في البِرِّ يُشيرُ إلى المُستقبلِ، أوْ إلى المَلَكوتِ المُستقبلِيِّ الَّذي سَتُرَدُّ فيهِ جَنَّةُ عَدْنٍ.

لذلكَ فإنَّ السَّبْتَ، أوْ بالأحْرى كُلَّ سَبْتٍ مَضَى واستَراحوا فيهِ ذَكَّرَهُمْ بالخليقةِ الكاملةِ، وبِفِرْدَوْسِ اللهِ الَّذي يَسودُهُ البِرُّ، والذي فُقِدَ بسببِ الخطيَّةِ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ إلَّا بالبِرِّ. فقد وَضَعَ اللهُ آنَذاكَ نِظامَ اليومِ السَّابِعِ – لا لأجْلِ كُلِّ شخصٍ في العالَمِ، بل في الحقيقةِ إنَّهُ وُضِعَ تَحْديدًا لِبَني إسرائيل. فنحنُ نَقرأُ في العدد 17: "هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلاَمَةٌ إِلَى الأَبَدِ". فقد كانَ كُلُّ يومٍ سابعٍ تَذْكارًا لَهُمْ بأنَّهُمْ يَعيشونَ في عَالَمٍ سَاقِطٍ. وقد كانَ كُلُّ يومٍ سابعٍ تَذْكارًا لهُمْ بأنَّهُمْ قَدْ خَسِروا الفِرْدَوْسَ. والطريقةُ الوحيدةُ لاسْتِعادةِ طَعْمِ الفِرْدَوْسِ هِيَ بِطاعَةِ اللهِ – أيْ: بالبِرِّ.

لذلكَ، كانَ يَنبغي لَهُمْ أنْ يُفَكِّروا في أهميَّةِ إطاعةِ الوصايا العَشْرِ. وكانَ ينبغي لهم أنْ يُفَكِّروا في أهميَّةِ أنْ يَقوموا في ذلكَ اليومِ السَّابِعِ بِفَحْصِ حَياتِهِمْ والنَّظَرِ إلى وَزْنِهِمْ في مِيزانِ شَريعَةِ اللهِ. فقدْ كانَ الهَدَفُ هُوَ تَمْييزُ الخَطِيَّةِ وَجَذْبِهِمْ إلى التَّوبَة.

إذًا فقد كانَ السَّبْتُ الأوَّلُ يَرْمي إلى التَّعريفِ بأنَّ اللهَ هُوَ الخالِق. ولكِنَّ تَعْيينَ السَّبْتِ في التَّدبيرِ المُوسَوِيِّ كانَ يَرْمي إلى التَّعريفِ باللهِ بِوَصْفِهِ مُعْطي الشَّريعَة. وقد كانتِ النَّظرةُ الأولى ترْمي إلى دَفْعِ النَّاسِ إلى التَّعبيرِ عَنْ شُكْرِهِمْ وامْتِنانِهِمْ على رَوْعَةِ الخَليقَةِ. أمَّا الثَّانية فكانَتْ تَرْمي إلى جَعْلِ النَّاسِ يَتوبونَ عَلى تَخَلِّيهم عَنْ كُلِّ ما هُوَ حَقّ. لذلكَ فقد صارَ للسَّبْتِ مَعْنًى جَديد. صَحيحٌ أنَّهُ ما يَزالُ يُذَكِّرُنا بأنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ، ولكِنَّهُ يُذَكِّرُنا أيضًا بأنَّ خَليقةَ اللهِ الَّتي كانَتْ في الأصْلِ كامِلَةً صَارَتْ مُلَطَّخَةً الآنَ، وصِرْنا نَحْنُ مُلَطَّخينَ، وصارَ العالَمُ المَخْلوقُ كُلُّهُ مُلَطَّخًا بالخَطِيَّةِ. ونحنُ مُلَطَّخونَ بالخطيَّةِ. والخَليقَةُ، كما قالَ بولسُ، تَئِنُّ. ونحنُ نَئِنُّ أيضًا.

وقَدْ كانَتْ عَلامَةُ الخِتانِ في وَسَطِ العَهْدِ معَ إبراهيمِ طَريقَةً للقولِ: "يَنْبَغي أنْ تَكونوا طاهِرينَ ... يَنْبَغي أنْ تَتَطَهَّروا". والعَلامَةُ هُنا، أيِ السَّبْتُ، في وَسَطِ الوَصايا العَشْرِ، تَقولُ الشَّيءَ نَفْسَهُ أَسَاسًا. فيجبُ عليكُمْ أنْ تُدركوا أنَّكُم تَخَيَّلْتُم عنِ الفِرْدَوْسِ. والطريقةُ الوحيدةُ لاستعادَتِها هِيَ بأنْ تَكونوا أبرارًا. ومِنَ الواضِحِ أنَّهُمْ كانوا عاجِزينَ عَنْ حِفْظِ النَّاموسِ، ولكِنَّهُمْ سَيَنْقادُونَ إلى التَّضَرُّعِ والتَّوبةِ إلى اللهِ لكي يَرْحَمَهُمْ بِوَصْفِهِمْ خُطاةً.

إذًا، نَفْهَمُ أنَّ السَّبْتَ كانَ أمْرًا خاصًّا بِبَنِي إسرائيل. وكما قُلْتُ في هذا الصَّباح، عندما جاءَ يسوعُ، تَغَيَّرَ كُلُّ شَيءٍ ... تَغَيَّرَ كُلُّ شيءٍ. ورُبَّما تَذكرونَ أنِّي قُلتُ لكم في هذا الصباحِ أنَّ ما فَعَلَهُ يَسوعُ لم يَكُنْ تَطهيرًا للهيكلِ، بل كانَ نَقْضًا للهيكلِ. فَهُوَ لم يَكُنْ يُريدُ فقط أنْ يُزيلَ الكَهَنَةَ الطَّالِحينَ وأنْ يُبْقي الكَهَنَةَ الصَّالِحينَ. بل إنَّهُ نَقَضَ الكَهَنوتَ بِمُجْمَلِه.

وَهُوَ لم يَكُنْ يَرْغَبُ في تَطْهيرِ مَواقفِ الناسِ أثناءَ تَقْديمِ الذَّبائحِ فقط، بل إنَّهُ نَقَضَ نِظامَ الذبائحِ بِرُمَّتِهِ لأنَّهُ أَنْهَى اليهوديَّةَ بِكُلِّ احْتِفالاتِها، وبِكُلِّ طُقوسِها، وبكُلِّ ذبائِحِها، وبكُلِّ مَظاهِرِها الخارجيَّةِ كالهيكلِ، وقُدْسِ الأقداسِ، وكُلِّ شَيءٍ، بما في ذلكَ السَّبْت ... بما في ذلكَ السَّبْت. فحِفْظُ السَّبْتِ زَالَ بِزَوالِ كُلِّ شَيءٍ يَنْتَمي إلى اليهوديَّةِ.

ويُمْكِنُنا أنْ نَبتدئَ في فَهْمِ هذا الأمْرِ مِنْ خِلالِ مُراقبةِ يَسوعَ ومُراقَبَةِ ما كانَ يَفْعَلُهُ في السَّبْتِ. فكيفَ كانَ يَسوعُ يَتَصَرَّفُ في السَّبْتِ؟ لقد قُلتُ ذلكَ مِنْ قَبْل. فقد كانَ يَفْعَلُ ما يَشاء ... كانَ يَفعلُ مَا يَشاء بِكُلِّ تَأكيد. فَهُوَ، كما نَعلمُ، وَسيطُ عَهْدٍ جَديدٍ ... عَهْدٍ أَفْضَل. ومِنَ المُهِمِّ أنْ نُلاحِظَ أنَّهُ حينَ أَبْطَلَ نِظامَ الذبائحِ فقدَ أَبْطَلَ نِظامَ السَّبْتِ.

والآنْ، رُبَّما تَذكرونَ أنَّنا تَأمَّلْنا في ذلكَ بالتَّفْصيلِ عِنْدَما تأمَّلنا في إنْجيلِ مَرْقُس. وبالرَّغْمِ مِنْ ذلكَ، دَعونا نُلقي نَظرةً على مَقاطِعَ أُخرى لكي نَتأمَّلَ في هذا الموضوعِ لأنَّ هذا الموضوعَ هُوَ جَوْهَرُ رِسالَتِنا إليكُمْ في هذا المَساء. انْظُروا إلى إنْجيل مَتَّى 12: 1: "فِي ذلِكَ الْوَقْتِ ذَهَبَ يَسُوعُ فِي السَّبْتِ بَيْنَ الزُّرُوعِ، فَجَاعَ تَلاَمِيذُهُ وَابْتَدَأُوا يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ وَيَأكُلُونَ". وبالمُناسبَة، لم تَكُنْ هُناكَ شَريعةٌ في العهدِ القديمِ تَنْهَاهُمْ عنِ القيامِ بذلك. فالحقيقةُ هيَ أنَّ ذلكَ كانَ مَسْموحًا. ولكِنَّ اليهودَ أضافُوا وَصايا لا حَصْرَ لها إلى العهدِ القديم.

"فَالْفَرِّيسِيُّونَ لَمَّا نَظَرُوا قَالُوا لَهُ: «هُوَذَا تَلاَمِيذُكَ يَفْعَلُونَ مَا لاَ يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي السَّبْتِ!» فَقَالَ لَهُمْ: «أَمَا قَرَأْتُمْ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ جَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ؟ كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللهِ وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لَهُ وَلاَ لِلَّذِينَ مَعَهُ، بَلْ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ؟".

سوفَ أُخْبِرُكُمْ بِما هُوَ أسْوَأُ مِنْ ذلك. فداودُ ورِجالُهُ أَكَلُوا خُبْزَ التَّقْدِمَة. "أَوَ مَا قَرَأتُمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الْكَهَنَةَ فِي السَّبْتِ فِي الْهَيْكَلِ يُدَنِّسُونَ السَّبْتَ وَهُمْ أَبْرِيَاءُ؟" فأنْتُمْ جَميعًا تُبالِغونَ في التَّركيزِ على عدَمِ العَمَلِ في السَّبْتِ. أتَعلمونَ شيئًا؟ معَ أنَّكُمْ لا تَعْمَلون، فإنَّ جَميعَ الكَهَنَةِ يَعْمَلون. فَهُمْ يَهْتَمُّونَ بجميعِ التَّقْدِماتِ وجَميعِ الذَّبائِحِ.

وهذا يُذَكِّرُنا بأنَّ هذا النَّاموسَ ليسَ ناموسًا أخلاقيًّا، بل رَمْزِيًّا. لذلكَ، بدلًا مِنْ أنْ يُذْعِنَ يسوعُ لِما قالوهُ لَهُ عَنْ كَسْرِ السَّبْتِ، فإنَّهُ يُشيرُ إلى انْتهاكاتٍ أُخرى للسَّبْت. فهوَ يقولُ في العدد 8: "ابْنُ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا". فهوَ قادرٌ أنْ يَفعلَ ما يُريد في السَّبْت. فهوَ قادرٌ أنْ يُؤسِّسَهُ. وَهُوَ قادِرٌ أنْ يَضَعَ نَواهي بِخُصوصِهِ. وهُوَ قادرٌ أنْ يأمُرَ بإعْدامِ مَنْ يَتَعَدَّى على هذهِ الوَصايا، كما هي الحالُ في شريعةِ مُوسى. وهُوَ قادرٌ أيضًا أنْ يَنْقُضَهُ تَمامًا. فَهُوَ قادرٌ أنْ يُلْغيه. وَهُوَ قادرٌ أنْ يُبْطِلَهُ. وهذا هُوَ التَّحَوُّلُ الَّذي حَدَثَ في العهدِ الجديد. فعندما جاءَ يسوعُ، كانَ كُلُّ شيءٍ يُعَدُّ جُزءًا مِنَ النِّظامِ اليهوديِّ يَقتربُ مِنْ نِهايَتِهِ.

انْظُروا إلى الأصْحاح 14 مِنْ إنْجيل لوقا (لوقا، الأصحاح 14). فنحنُ نَقرأُ ابتداءً مِنَ العدد 1: "وَإِذْ جَاءَ إِلَى بَيْتِ أَحَدِ رُؤَسَاءِ الْفَرِّيسِيِّينَ فِي السَّبْتِ لِيَأْكُلَ خُبْزًا، كَانُوا يُرَاقِبُونَهُ. وَإِذَا إِنْسَانٌ مُسْتَسْق كَانَ قُدَّامَهُ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَكَلَّمَ النَّامُوسِيِّينَ وَالْفَرِّيسِيِّينَ قِائِلاً: «هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السَّبْتِ؟» فَسَكَتُوا. فَأَمْسَكَهُ وَأَبْرَأَهُ وَأَطْلَقَهُ. ثُمَّ أجَابَهم وَقَالَ: «مَنْ مِنْكُمْ يَسْقُطُ حِمَارُهُ أَوْ ثَوْرُهُ فِي بِئْرٍ وَلاَ يَنْشُلُهُ حَالاً فِي يَوْمِ السَّبْتِ؟» فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُجِيبُوهُ عَنْ ذلِكَ".

لقد كانوا يَظُنُّونَ أنَّ شفاءَ إنْسانٍ هُوَ تَعَدٍّ على السَّبْت. ولكِنْ يَبْدو أنَّ يَسوعَ اخْتارَ عَنْ قَصْد أنْ يَشفي ذلكَ الإنسانَ في يومِ السَّبْتِ لأنَّ ذلكَ كانَ يُوَجِّهُ ضَربةً مؤلِمَةً إلى هَذا الرَّمْز. وبذلكَ فقد أعلنَ يسوعُ إبْطالَ السَّبْت. وبالمُناسبة، لم يَكُنْ شِفاءُ ذلكَ الرَّجُل نَقْضًا لشريعةِ السَّبْتِ لأنَّ العهدَ القديمَ لا يَنْهَى عَنْ ذلك. ولكِنَّهُمْ لم يَكونوا يُعالجونَ أحدًا في ذلكَ اليوم.

وفي الأصحاحِ الثاني مِنْ إنجيلِ مَرْقُس – لِنَرْجِعْ إلى هذا الأصحاحِ الَّذي ابتدأنا في النَّظرِ إليهِ قبلَ قليل. فقدِ اجْتَازَ يَسوعُ فِي السَّبْتِ بَيْنَ الزُّرُوعِ، فَابْتَدَأَ تَلاَمِيذُهُ يَقْطِفُونَ السَّنَابِلَ وَهُمْ سَائِرُونَ. ونَجِدُ هذهِ القِصَّة في إنْجيل مَتَّى أيضًا. فقالَ لهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: "هُوَذَا تَلاَمِيذُكَ يَفْعَلُونَ مَا لاَ يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي السَّبْتِ!". ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ يَسوعُ بِما فَعَلَهُ داودُ ... إلَخ. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 27 أنَّهُ قَالَ لَهُمُ: "السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ. إِذًا ابْنُ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا".

فقد أَعَدَّ اللهُ السَّبْتَ ليكونَ بَرَكَةً، ويَكونَ يَوْمَ راحَةٍ، ويكونَ يَوْمًا في الأسبوعِ يَشْكُرُ النَّاسُ فيهِ اللهِ على مَجْدِ خَليقَتِهِ ويُدركونَ فيهِ أيضًا أنَّ الفِرْدَوْسَ قَدْ ضَاع. فقد كانَ يومًا للتَّعبيرِ عنِ الامْتِنانِ على الخَليقَةِ، ويومًا للتَّوبةِ وَطَلَبِ المَغفرةِ. وقد جاءَتْ وَصِيَّةُ السَّبْتِ في وَسَطِ الشَّريعةِ تَقريبًا لأنَّهُمْ كانُوا يَعيشونَ حَياةً مُخالِفَةً للشَّريعَةِ – رُبَّما ليسَ في الظَّاهرِ، ولكِنْ في قُلوبِهِم. وهذا يَتَّفِقُ معَ ما قالَهُ يَسوعُ في العِظَةِ على الجَبَلِ بأنَّنا إذا افْتَكَرْنا في قُلوبِنا بأمورٍ خاطِئَةٍ، كَأنَّنا اقْتَرَفْنا تلكَ الخَطايا.

إذًا فقد أَعْطى الربُّ السَّبْتَ ليكونَ بَرَكَةً للإنسان، وليُعْطيهِ مُتَنَفَّسًا للرَّاحةِ مِنْ عَمَلِهِ، وَلكي يَجْعَلَهُ يَتذوَّق طَعْمَ جَنَّةِ عَدْنٍ حيثُ الرَّاحةُ التَّامَّةُ قبلَ السُّقوط، ولكي يُعطيهِ الفُرصةَ ليَشكُرَ اللهَ على خَليقَتِهِ، ولكي يَختبرَ حَياتَهُ في ظِلِّ تلكَ الشَّريعَة. فحينَ يُدركُ الإنسانُ أنَّهُ خاطِئٌ فإنَّهُ يَطْلُبُ الغُفرانَ والرَّحمةَ؛ وبالتَّالي فإنَّهُ سَيَخْتَبِرُ الفَرَحَ والسَّلامَ والخَلاص.

ومَرَّةً أُخرى، إنَّهُ رَبُّ السَّبْتِ. وَهُوَ أعْظَمُ مِنَ السَّبْتِ. فالسَّبْتُ سَيَكونُ كَما يَشاءُ هُوَ، وكَما خَطَّطَ لَهُ أنْ يَكون – لا أكْثَرَ، ولا أَقَلَّ. فَهُوَ ليسَ شَريعةً أخلاقيَّةً. وَهُوَ لم يُعْطَ حَتَّى إلَّا في زَمَنِ مُوسَى. وقدْ نُقِضَ في زَمَنِ يَسوع.

افْتَحوا على يوحنَّا 5. فقد كانتِ المُعارَضَةُ ليسوعَ ما تَزالُ مُبَطَّنَةً في هذا الوقتِ. ولكِنَّ حادِثَةَ الشِّفاءِ هَذِهِ تَحديدًا جَعَلَتِ المُعارَضَةَ تَطْفو للسَّطْحِ. فقد كانَ هُناكَ عِيْدٌ لليهود. ولا نَعلمُ يَقينًا ما هُوَ ذلكَ العِيْد، ولكِنَّهُ كانَ عِيْدًا أوْ سَبْتًا. "وَفِي أُورُشَلِيمَ عِنْدَ بَابِ الضَّأْنِ بِرْكَةٌ يُقَالُ لَهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ «بَيْتُ حِسْدَا» لَهَا خَمْسَةُ أَرْوِقَةٍ". ثُمَّ نَقرأُ: "فِي هذِهِ كَانَ مُضْطَجِعًا جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنْ مَرْضَى وَعُمْيٍ وَعُرْجٍ وَعُسْمٍ، يَتَوَقَّعُونَ تَحْرِيكَ الْمَاءِ". والبَعْضُ يُشَكِّكونَ في صِحَّةِ هذا الجُزْءِ هُنا. "لأَنَّ مَلاَكًا كَانَ يَنْزِلُ أَحْيَانًا فِي الْبِرْكَةِ وَيُحَرِّكُ الْمَاءَ ... إلَخ. وهُناكَ مَنْ يَقولُ إنَّ جُزءًا مِنَ العَدَد 3 والعَدَد 4 رُبَّما أُضيفَ لاحِقًا. لذلكَ، قَدْ نَجِدُ هذا الجُزْءَ أحيانًا بَيْنَ هِلالَيْن.

ولكِنَّنا نَعودُ إلى النَّصِّ الأصليِّ في العدد 5: "وَكَانَ هُنَاكَ إِنْسَانٌ بِهِ مَرَضٌ مُنْذُ ثَمَانٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً. هذَا رَآهُ يَسُوعُ مُضْطَجِعًا، وَعَلِمَ أَنَّ لَهُ زَمَانًا كَثِيرًا، فَقَالَ لَهُ: «أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟» أَجَابَهُ الْمَرِيضُ: «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ الْمَاءُ. بَلْ بَيْنَمَا أَنَا آتٍ، يَنْزِلُ قُدَّامِي آخَرُ»". ورُبَّما كانَتْ هُناكَ خُرافَةٌ تَقولُ إنَّ مَنْ يَنْزِلْ أوَّلًا في البِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ الماءُ فإنَّهُ يُشْفَى. "قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ»". فقد كانُوا يَضَعونَ تحتَ الأشخاصِ المَشلولينَ حَصيرةً خَفيفةَ الوَزْنِ جِدًا مَصنوعةً مِنَ القَشِّ يُمْكِنُ أنْ تلَفَّ وتُوْضَعَ تَحْتَ كَتِفَيِّ المَشلولِ عِنْدَ الضَّرورَة. "فَحَالاً بَرِئَ الإِنْسَانُ (في العَدَد 9) وَحَمَلَ سَرِيرَهُ وَمَشَى". ثُمَّ نَقرأُ هذهِ العِبارةَ الصَّاعِقَةَ: "وَكَانَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ سَبْتٌ".

لم تَكُن شَريعةُ السَّبْتِ في العهدِ القَديمِ تَنْهى عَنِ المَشْيِ، ولَمْ تَكُنْ تَنْهى عَنْ حَمْلِ الفِراشِ مِنْ مَكانٍ إلى آخَر. ولكِنَّ مُعَلِّمي اليهودِ وَضَعوا تَقليدًا بَشريًّا ضَمَّنوهُ (حَسَبَ قَوْلِ البعضِ) أربعينَ عَمَلًا لا يَجوزُ القيامُ بِها. ويُمْكِنُكَ أنْ تَقرأَ عَنْ هذهِ الأعْمالِ المَنْهي عَنْها في المِشْنَة، وقد كانَ حَمْلُ الفِراشِ واحِدًا مِنْها. لذلكَ فقد طَلَبَ مِنْهُ يَسوعُ أنْ يَكْسِرَ السَّبْتَ. وَلَمْ يَكُنْ يَسوعُ مُضْطَرًّا لِشِفاءِ الرَّجُلِ في السَّبْتِ. ولم يَكُنْ مُضْطَرًّا أنْ يأمُرَ الرَّجُلَ أنْ يَفعلَ شَيئًا قَدْ يُحْسَبُ تَعَدِّيًا على وَصايا السَّبْتِ الَّتي وَضَعَها مُعَلِّمو اليهودِ أنْفُسُهُمْ. ولكِنَّهُ فَعَلَ ذلك. وقد فَعَلَ ذلكَ عَنْ قَصْد. فنحنُ نَقرأُ في العدد 15: "فَمَضَى الإِنْسَانُ وَأَخْبَرَ الْيَهُودَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الَّذِي أَبْرَأَهُ. وَلِهذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَ يَسُوعَ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ عَمِلَ هذَا فِي سَبْتٍ".

لم يَكُنْ مِنَ المَعقولِ أنْ يَكْسِرَ يَسوعَ الوصايا العَشْر. فيسوعُ لا يَكْسِرُ ناموسَ اللهِ. فَهُوَ قُدُّوسٌ، ولا يُؤذي أحدًا. وَهُوَ طاهِرٌ، ومُنفَصِلٌ عنِ الخُطاةِ. ولكِنَّ يَسوعَ فَعَلَ شيئًا أرادَ أنْ يَفعَلَهُ يومَ السَّبْتِ على مَرأى مِنَ القادةِ لأنَّ ذلكَ كانَ جُزْءًا مِنْ نَقْضِ النِّظامِ كُلِّه.

وفي العدد 17، يَفْعَلُ يَسوعُ ما هُوَ أكْثَرُ مِنْ ذلكَ إذْ إنَّهُ يُدافِعُ عَنْ ما فَعَلَهُ قائلًا: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ". ويا للعَجَب! فكلامُهُ يُشيرُ إلى أنَّهُ الله. أبي وأنا نَقومُ بِعَمَلِنا أمامَ أعْيُنِكُمْ. فنحنُ نَعملُ. "فَمِنْ أَجْلِ هذَا (في العَدَد 18) كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللهِ". فقد كانَ يَقولُ عَنْ نَفْسِهِ، أوْ رُبَّما يَجِبُ أنْ أقولَ إنَّهُ كانَ يَقولُ إنَّ اللهَ أبوهُ. وكانَ دائمًا يَعْمَلُ أعمالًا تَنْتَهِكُ شَريعةَ السَّبْتِ.

وقدِ اتَّهَمَ الفَرِّيسيُّونَ يَسوعَ بأنَّهُ نَقَضَ شريعةَ السَّبْتِ، وَأنَّهُ قالَ إنَّهُ مُعادلٌ للهِ. وقد دَفَعَهُمْ ذلكَ إلى قَتلِهِ في نِهايَةِ المَطاف. ولكِنَّ يَسوعَ لم يُحاولِ البَتَّة أنْ يَجْعَلَ أعمْالَهُ مُتوافِقَةً معَ شَريعةِ السَّبْتِ في العهدِ القديم. بل إنَّهُ فَرَضَ سُلْطانَهُ بِوَصْفِهِ مُعادِلًا للهِ وبِوَصْفِهِ رَبَّ السَّبْتِ. وقد كانَ الفَرِّيسيُّونَ مُتَشَدِّدينَ جِدًّا في حِفْظِ السَّبْتِ. وقد كانوا يَتْبَعونَ العَهْدَ القَديمَ والوصايا حَرْفِيًّا.

وبالرَّغْمِ مِنْ ذلكَ فقد أَخْفَقوا في فَهْمِ الغَايَةِ مِنَ السَّبْتِ. فَهُمْ لم يَجِدوا راحَةً مِنْ أعْمالِهِمِ ومُحاوَلاتِهِمْ لِتَخليصِ أنْفُسِهِمْ بأنْفُسِهِم. وَهُمْ لم يَجِدوا تَوْبَةً صادِقَةً وَحَقيقيَّةً. فشرائِعُ السَّبْتِ كانَتْ مُجَرَّدَ ظِلالٍ للرَّجاءِ، وتَذكيرًا أسبوعيًّا لَهُمْ بأنَّ هناكَ فِرْدَوْسًا يَنْتَظِرُ الرَّدَّ مِنْ خِلالِ البِرِّ.

فَهُناكَ فُرصَةٌ للرَّاحةِ مِنَ الصِّراعِ الدَّائمِ والعِبْءِ الثَّقيلِ النَّاجِمِ عَنْ مُحاوَلَةِ كَسْبِ خَلاصِكَ بِنَفْسِك. فعندما جاءَ يَسوعُ، جَلَبَ رَاحَةً ... رَاحَةً حَقيقيَّةً. وقد صارَ المُؤمِنُ الحَقيقيُّ شخصًا جديدًا. ففي العهدِ الجديدِ، نِلْنا الشِّفاءَ، وَغُسِلْنا، وَوُجِدْنا، وَصِرْنا مَقبولين. وقد دَخَلْنا الرَّاحةَ معَ الخالِقِ نَفْسِهِ. وقد تَمَّ تَبريرُنا. ونحنُ نَفْرَحُ بهذهِ الهِبَة. ونحنُ نَتوقَّفُ عَنْ أيِّ مُحاولةٍ لِكَسْبِ خَلاصِنا. فيسوعُ أَبْطَلَ السَّبْتَ حَرْفِيًّا.

وماذا عَنْ راحَةِ العهدِ الجديد؟ وما الَّذي يَقولُهُ العهدُ الجديدُ عنِ الكنيسةِ بخصوصِ يومِ الرَّاحَة؟ لِنَنْظُر إلى عِبرانِيِّين 3. وهناكَ المَزيدُ عَنْ هذا الموضوع. ولكنِّي أحاولُ فقط أنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ رُؤوسَ أقْلامٍ. وسوفَ نَتَحَدَّثُ مَساءَ يومِ الأحدِ المُقبِلِ عَنْ يومِ الربِّ (أيْ يومِ الأحَدِ) ونَرى كيفَ أنَّ ذلكَ يُوافِقُ قَصْدَ اللهِ.

ولكِنْ هُناكَ مَقاطِعَ مُهِمَّة. ورُبَّما كانَتْ هذِهِ نُقْطَةُ بِدايَةٍ جَيِّدة إذْ نَقرأُ ابْتِداءً مِنْ عِبرانِيِّين 3: 7: "لِذلِكَ كَمَا يَقُولُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: «الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ، يَوْمَ التَّجْرِبَةِ فِي الْقَفْرِ حَيْثُ جَرَّبَنِي آبَاؤُكُمُ. اخْتَبَرُونِي وَأَبْصَرُوا أَعْمَالِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. لِذلِكَ مَقَتُّ ذلِكَ الْجِيلَ، وَقُلْتُ: إِنَّهُمْ دَائِمًا يَضِلُّونَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا سُبُلِي. حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي»".

فَرَاحَةُ اللهِ الحَقيقيَّة لم تأتِ مِنْ خِلالِ يَشوع. وراحةُ اللهِ الحَقيقيَّة لم تأتِ مِنْ خِلالِ مُوسَى. بل إنَّ راحَةَ اللهِ الحَقيقيَّة تأتي فقط مِنْ خِلالِ يَسوعَ المسيح. فيشوعُ قادَ بَني إسرائيلَ إلى أرْضِ المَوعِدِ والرَّاحةِ، ولكِنَّ تلكَ لم تَكُنْ سِوى راحَة أرضيَّة مُؤقَّتَة. وَهِيَ مُجَرَّدُ ظِلٍّ وَاهٍ للراحةِ السَّماويَّةِ الأخيرةِ والنِّهائيَّة.

"راحَتي". هذا هُوَ وَعْدُ الخَلاصِ الَّذي يُعْطيهِ اللهُ لأولئكَ الذينَ يَضَعونَ ثِقَتَهُمْ فيه. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 12: "اُنْظُرُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي أَحَدِكُمْ قَلْبٌ شِرِّيرٌ بِعَدَمِ إِيمَانٍ فِي الارْتِدَادِ عَنِ اللهِ الْحَيِّ. بَلْ عِظُوا أَنْفُسَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ، مَا دَامَ الْوَقْتُ يُدْعَى الْيَوْمَ، لِكَيْ لاَ يُقَسَّى أَحَدٌ مِنْكُمْ بِغُرُورِ الْخَطِيَّةِ. لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ، إِذْ قِيلَ: «الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ»".

"فَمَنْ هُمُ الَّذِينَ إِذْ سَمِعُوا أَسْخَطُوا؟ أَلَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ بِوَاسِطَةِ مُوسَى؟" فالجيلُ كُلُّهُ مَاتَ في البَرِّيَّةِ. "وَمَنْ مَقَتَ أَرْبَعِينَ سَنَةً؟ أَلَيْسَ الَّذِينَ أَخْطَأُوا، والَّذِينَ جُثَثُهُمْ سَقَطَتْ فِي الْقَفْرِ؟ وَلِمَنْ أَقْسَمَ: «لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتَهُ»، إِلاَّ لِلَّذِينَ لَمْ يُطِيعُوا؟ فَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا لِعَدَمِ الإِيمَانِ".

إنَّ الرَّاحةَ الَّتي تَعْنينا حَقًّا هيَ راحَةُ الخَلاصِ الَّتي نَحْصُلُ عليها بالإيمانِ ... بالإيمانِ اللهِ. فَعَدَمُ الإيمانِ يَحْرِمُنا الرَّاحَةَ. ولكِنَّ الرَّاحةَ الَّتي يُبالي بِها كُتَّابُ العهدِ الجديدِ، والتي تُرَكِّزُ عليها الرِّسالةُ إلى العِبرانِيِّينَ (الَّتي هِيَ رِسالَة يَهوديَّة أَصِيلَة) هيَ ليسَتْ راحَةً نابِعَةً مِنْ حِفْظِ السَّبْتِ، بل هِيَ الرَّاحَةُ الرُّوحِيَّةُ النَّاشِئَةُ عَنِ الخَلاص.

ثُمَّ نَقرأُ في عِبرانِيِّين 4: 1: "فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ!" فالرَّاحةُ الَّتي يُبالي بها العهدُ الجَديدُ هيَ ليسَتْ راحَةً ليومٍ واحدٍ في الأسبوع، بَلْ هِيَ الخَلاص. "لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا قَدْ بُشِّرْنَا كَمَا أُولئِكَ، لكِنْ لَمْ تَنْفَعْ كَلِمَةُ الْخَبَرِ أُولئِكَ. إِذْ لَمْ تَكُنْ مُمْتَزِجَةً بِالإِيمَانِ فِي الَّذِينَ سَمِعُوا. لأَنَّنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ نَدْخُلُ الرَّاحَةَ".

لا تُوجدُ أيُّ وَصِيَّةٍ في العهدِ الجديدِ عَنْ حِفْظِ السَّبْتِ. فجَميعُ الوَصايا العَشْرِ تَتَكَرَّرُ في العهدِ الجديدِ مَرَّاتٍ عَديدةٍ باسْتِثْناءِ الوصيَّةِ الرَّابعة. فَهِيَ لا تَتَكَرَّرُ في العهدِ الجَديدِ، ولا مَرَّةً واحِدَةً. فقد كانَتْ موجودَة في وَسَطِ الشَّريعةِ الأخلاقيَّةِ كَعَلامَةٍ وَرَمْزٍ لقيادةِ الشَّعْبِ إلى الرَّاحةِ والتَّوبة. ولكِنْ عندما نأتي إلى العهدِ الجديدِ فإنَّنا لا نَجِدُ البَتَّة تَكرارًا لهذهِ الوَصِيَّة.

فالرَّاحةُ الَّتي يَهْتَمُّ بها العهدُ الجديدُ هي الرَّاحةُ الَّتي تَحْصُلُ عليها النَّفْسُ مِنْ سَماعِ البِشارةِ والإيمانِ بها. فهذهِ هيَ الرَّاحةُ الَّتي يُقَدِّمُها العهدُ الجديد. ونَقرأُ في العَدَد 9: "إِذًا بَقِيَتْ رَاحَةٌ لِشَعْبِ اللهِ! لأَنَّ الَّذِي دَخَلَ رَاحَتَهُ اسْتَرَاحَ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَعْمَالِهِ، كَمَا اللهُ مِنْ أَعْمَالِهِ". وهذا أمْرٌ رائعٌ جِدًّا.

ولكِنْ ما مَعنى ذلك؟ هُناكَ مَفْهومانِ فَقَطْ عَنْ دُخولِ السَّماءِ: أنْ تَدْخُلها بأعْمالِكَ، أوْ أنْ تَحْصُل عليها كَعَطِيَّة. أليسَ كذلك؟ وبالنِّسبة إلى اليَهودِ، كانُوا يَتَّكِلونَ على أعْمالِهِم. ولكِنْ حينَ تَدْخُلُ راحَةَ النِّعْمَةِ وراحةَ الإيمانِ فإنَّ الأعمالَ تَتوقَّفُ. فعندما تأتي إلى يسوعَ المسيحِ، فإنَّكَ تَتوقَّفُ عَنْ مُحاولَةِ كَسْبِ خَلاصِكَ بنفسِك. أليسَ كذلك؟ فقد دَخَلْتَ الراحةَ الدَّائمةَ.

وهذهِ حَقيقةُ رائعةٌ يُرَكِّزُ عليها العهدُ الجديد. فالسَّبْتُ المُوْسَوِيُّ (الَّذي كانَ رَمْزًا وعلامةً) هُوَ ظِلٌّ وَاهٍ للرَّاحةِ الحقيقيَّةِ. انْظُروا إلى رِسالةِ رُومية والأصْحاح 14. فَما دامَتِ الرَّاحةُ الَّتي يَدعو إليها العهدُ الجديدُ هيَ راحةٌ رُوحيَّة، ورَاحَةُ خَلاصٍ مِنَ الاتِّكالِ على الأعْمالِ والاستِعاضَةِ عَنْ ذلكَ بالبِرِّ، لا يُمْكِنُكَ أنْ تَسْتَفيدَ أيَّ شَيءٍ مِنَ السَّبْتِ.

اسْتَمِعوا إلى ما جاءَ في رُومية 14: 5: "وَاحِدٌ يَعْتَبِرُ يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ، وَآخَرُ يَعْتَبِرُ كُلَّ يَوْمٍ. فَلْيَتَيَقَّنْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي عَقْلِهِ: الَّذِي يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ، فَلِلرَّبِّ يَهْتَمُّ". فقدْ كانَ هُناكَ يَهودٌ جاءوا للإيمانِ بالمسيحِ وواجَهوا صُعوبَةً كبرى في التَّحَرُّرِ مِنَ السَّبْتِ. فقد كانَ حِفْظُ السَّبْتِ مُتَأصِّلًا فيهم. وقد كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُمْ يُطيعونَ اللهِ مِنْ خِلالِ الحِفاظِ على شَريعةِ السَّبْتِ الَّتي كانَتْ موجودةً في العهدِ القديم. لذلكَ فقد كانُوا يَحْفَظونَهُ طَاعَةً للربِّ. "الَّذِي يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ، فَلِلرَّبِّ يَهْتَمُّ". ثُمَّ تَأتي شَريعَةُ الأكْلِ: "وَالَّذِي يَأكُلُ، فَلِلرَّبِّ يَأْكُلُ لأَنَّهُ يَشْكُرُ اللهَ. وَالَّذِي لاَ يَأكُلُ فَلِلرَّبِّ لاَ يَأكُلُ وَيَشْكُرُ اللهَ".

بعبارةٍ أُخرى، كَما يَقولُ العَدَد 5، يَنْبَغي لِكُلِّ شَخْصٍ أنْ يَتَيَقَّنَ في عَقْلِهِ وَأنْ يَفْعَلَ ما يَراهُ مُناسِبًا. فهذا ليسَ مُهِمًّا. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 8: "لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ". لذلكَ، لا تُبالِغُوا في الاهْتِمامِ بالسَّبْتِ.

وَكَما يَقولُ في العددِ الثَّاني، فإنَّ هُناكَ أشخاصًا يَهتمُّونَ بِالشَّرائِعِ المُختصَّةِ بالأطْعِمَةِ. وهناكَ أشْخاصٌ يَهتمُّونَ بِحِفْظِ السَّبْتِ. وهذهِ الأشياءُ هِيَ جُزْءٌ مِنْ نِظامٍ عَفَاهُ الزَّمَن. وهُناكَ تَعليمٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ العهدِ الجديدِ يَسْمَحُ لِهؤلاءِ المُؤمِنينَ أنْ يُطَوِّرُوا فَهْمَهُمْ لِحُرِّيَّتِهِمْ مِنْ خِلالِ هذهِ التَّعليماتِ. لذلكَ، لا تَفْرِضْ عَليهم شَيئًا يُعارِضُ ضَميرَهُمْ. فاليهودُ المُؤمِنونَ ما زالوا يَشعرونَ بِضَرورَةِ حِفْظِ شَريعَةِ السَّبْتِ وَشَرائِعِ الأكْلِ. لذلكَ، دَعُوْهُمْ يَفعلونَ ذلكَ إلى أنْ يَتَحَرَّروا تَمامًا.

والنُّقطةُ البارِزَةُ في هذا الخُصوصِ هِيَ أنَّهُ لا تُوْجَدُ وَصِيَّة بالقيامِ بذلك. فقد كانَ هذا المَوْضِعُ مُناسِبًا جِدًّا للقَوْلِ بأنَّ الذينَ لا يَفعلونَ ذلكَ يَنْبَغي أنْ يَفعلوهُ أوْ يَنْصَرِفُوا. ولكِنَّ النَّصَّ لا يَقولُ ذلك.

وَنَقْرَأُ في رِسالَةِ غَلاطِيَّة 4: 9: "وَأَمَّا الآنَ إِذْ عَرَفْتُمُ اللهَ، بَلْ بِالْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ اللهِ، فَكَيْفَ تَرْجِعُونَ أَيْضًا إِلَى الأَرْكَانِ الضَّعِيفَةِ الْفَقِيرَةِ الَّتِي تُرِيدُونَ أَنْ تُسْتَعْبَدُوا لَهَا مِنْ جَدِيدٍ؟ أَتَحْفَظُونَ أَيَّامًا وَشُهُورًا وَأَوْقَاتًا وَسِنِينَ؟ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَكُونَ قَدْ تَعِبْتُ فِيكُمْ عَبَثًا!" فأنْتُمْ لستُم تَحْتَ أيَّ الْتِزامٍ بالعودةِ إلى الوَراءِ وإلى حِفْظَ الأوقاتِ والأعْيادِ والسُّبوتِ بِحَسَبِ ما جاءَ في شَريعَةِ مُوْسَى.

افْتَحوا على الأصْحاحِ الثَّاني مِنْ رِسالةِ كُولوسي. ورُبَّما كانَ هذا النَّصُّ أَوْضَحَ نَصٍّ لأنَّهُ يَذْكُرُ العَلامَتَيْنِ مَعًا: عَلامَةَ العَهْدِ مَعَ إبراهيم (وَهِيَ الخِتان)، وَعَلامَةَ العَهْدِ مَعَ مُوسى (وَهِيَ السَّبْت). وَكَما نَعْلَمُ بِكُلِّ تَأكيدٍ مِنْ خِلالِ ما جاءَ في كولوسي 2، فإنَّ الخِتانَ أُبْطِلَ تَمامًا في العهدِ الجَديد ... أُبْطِلَ تَمامًا.

وَنَقرأُ في غَلاطِيَّة 5: 2: "إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لاَ يَنْفَعُكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا!" ... إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لاَ يَنْفَعُكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا! فهذا لا يَهُمُّ. "لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ".

لذلكَ فإنَّنا نَقرأُ هُنا (في كولوسي 2: 11): "وَبِهِ أَيْضًا [أيْ: في المَسيحِ] خُتِنْتُمْ خِتَانًا غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ الْمَسِيحِ". فَقَدْ خَضَعْتُمْ لِعَمليَّةٍ جِراحيَّةٍ أكْثَر أهميَّة لأنَّها داخِلِيَّة. "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا".

إذًا، ضَعُوا الخِتانَ جانِبًا. فإنْ تَمَسَّكْتُمْ بالخِتانِ فإنَّكُمْ تُبْطِلونَ عَمَلَ المَسيح. فَعلامَةُ العهدِ مَعَ إبراهيمَ قَدْ أُبْطِلَتْ. وذلكَ العَهْدُ قَدْ أُبْطِلَ لأنَّ ذلكَ العَهْدَ لا يَقْدِرُ أنْ يُخَلِّصَ.

ثُمَّ نَقرأُ في العدد 16: "فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلاَل أَوْ سَبْتٍ، الَّتِي هِيَ ظِلُّ الأُمُورِ الْعَتِيدَةِ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَلِلْمَسِيحِ". لا تَدَعُوا أَحَدًا يَحْكُمُ عليكُمْ في سَبْتٍ. وهذا يُشيرُ إلى السَّبْتِ الأُسْبوعِيِّ لأنَّ الاحتفالاتِ السَّبْتِيَّةَ الأُخرى يُشارُ إليها بالعبارة "عِيْدٍ أوْ هِلالٍ".

لا تَسْمَحُوا لأيِّ شَخْصٍ أنْ يَحْكُمْ عليكُمْ مِنْ جِهَةِ سَبْت. فقد كانَ ذلكَ جُزْءًا مِنَ النِّظامِ الَّذي يَشْمَلُ الهَيكلَ، والكَهَنوتَ، والذَّبائِحَ. وقد أُبْطِلَ ذلِكَ النِّظام. فقد كانَ ذلِكَ ظِلًّا فقط وليسَ الأصْل. فقد كانَ يُشيرُ فقط إلى حَقيقةِ أنَّ اللهَ هُوَ الخالِقُ، وأنَّ الفِرْدَوْسَ قَدْ فُقِدَ، وَأنَّكَ قَدْ صِرْتَ تَحْتَ الدَّينونةِ المُريعَةِ للنَّاموسِ وأنَّكَ تَحْتاجُ إلى التَّوبةِ والمَجيءِ إلى اللهِ وَطَلَبِ البِرِّ والرَّحمةِ والنِّعمةِ مِنْ يَدِهِ.

ولكِنَّهُ لَمْ يُوَفِّرْ ذلكَ. بلْ إنَّ الَّذي وَفَّرَ ذلكَ هُوَ يَسوعُ المَسيحُ. وبولُسُ يَقولُ إنَّكَ لَمْ تَعُدْ بِحاجةٍ إلى الظِّلِّ لأنَّ لديكَ الأصْلَ. فأنْتَ لديكَ الرَّاحةَ ... الرَّاحةَ الحَقيقيَّة.

وهُناكَ المَزيدُ عَنْ ذلك. ولكِنْ سأكْتَفي بِبِضْعَةِ أفْكارٍ خِتامِيَّةٍ ثُمَّ أُطْلِقُكُمْ. فلا تُوجدُ في العهدِ الجديدِ وَصِيَّة واحِدَة تأمُرُنا بِحِفْظِ السَّبْتِ. فجَميعُ الوَصايا العَشْرُ تَتَكَرَّرُ في العهدِ الجديدِ باسْتِثْناءِ الوصيَّةِ المُختصَّةِ بِحِفْظِ السَّبْتِ. وَهِيَ لا تُقْتَبَسُ في العهدِ الجديد. ولا يُوْجَدُ وَصْفٌ لأحكامِ السَّبْتِ في أيِّ مَكانٍ في العهدِ الجديد. ولا تُوجدُ تَعليماتٌ عَنِ السُّلوكِ في السَّبْتِ في أيِّ مَكانٍ في العهدِ الجديد.

في أعْمالِ الرُّسُل 15، عندما قَرَّرَ مَجْمَعُ أورُشَليمَ ما هُوَ مَطلوبٌ مِنَ المُؤمِنينَ الأُمَمِيِّينَ في الكَنيسَةِ، لم يَطْلُبوا مِنْهُمْ أنْ يَحفَظوا السَّبْتَ. والرُّسُلُ لَمْ يُوْصُوا أَحَدًا البَتَّة بِحِفْظِ السَّبْتِ. وَهُمْ لم يُوَبِّخُوا أحدًا لأنَّهُ لَمْ يَحْفَظِ السَّبْتَ. وَهُمْ لم يُحَذِّروا المُؤمِنينَ مِنَ انْتِهاكِ شَريعَةِ السَّبْتِ. وَهُمْ لم يُشَجِّعوا المُؤمِنينَ على حِفْظِ السَّبْتِ.

فقد أُبْطِلَ السَّبْتُ، ولكِنْ بَقِيَ اسْتِثْناءٌ واحِدٌ. ويُمْكِنُنا أنْ نَرْجِعَ إلى الأصْحاحِ الثَّاني مِنْ سِفْرِ التَكوين لِنَجِدَ التَّذْكيرَ بأنَّ كُلَّ يَوْمٍ سَابِعٍ يَأتي هُوَ فُرْصَةٌ لَنا للإقْرارِ بِعَظَمَةِ خَالِقِنا. ويُمْكِنُنا أنْ نُبارِكَ ذلكَ اليومَ مِنْ خِلالِ الاعْتِرافِ فيهِ بأنَّ اللهَ هُوَ الخَالِق.

وَكَما قُلْتُ (وَهذا سيكونُ للأسبوعِ القادِمِ) فإنَّ اليومَ الأوَّلَ في الأسبوعِ هُوَ الَّذي نَعْتَرِفُ فيهِ بأنَّ اللهَ هُوَ الفادي. فنحنُ لا نَحتفلُ بالسَّبْتِ بالمَعنى المُوسَوِيِّ لأنَّها خِدْمَةُ مَوْتٍ. ولكِنْ يُمْكِنُنا أنْ نَحتفلَ بالسَّبْتِ بالمَعنى المَذكورِ في سِفْرِ التَّكْوين بأنْ نُقِرَّ بأنَّ اللهَ خَالِقُنا. ويُمكِنُنا أنْ نَحْتَفِلَ بِهِ في اليومِ الأوَّلِ في الأسبوعِ بأنْ نُقِرَّ بأنَّهُ فادينا.

وبعدَ هذهِ النَّظرَةِ العَامَّة، سوفَ أنْتَقِلُ في مَساءِ الأحد المُقْبِلِ إلى الحَديثِ عَنْ نَظْرَتِنا إلى يومِ الأحَد. فَهَلْ هُناكَ شَيءٌ مُهِمٌّ بِشَأنِهِ؟ وهل هُناكَ شَيءٌ فَريدٌ بشأنِهِ، أوْ شَيءٌ خاصٌّ بِشأنِهِ؟ وما الَّذي يَقولُهُ الكِتابُ المُقدَّسُ؟ وأعتقدُ أنَّكُمْ سَتَسْتَمْتِعونَ بِمَعرفةِ ما يُريدُ اللهُ مِنَّا أنْ نَعرِفَهُ، وكيفَ يَنبغي أنْ نَتجاوَبَ معَ ذلكَ حينَ نَتأمَّلُ في هذا الموضوعِ في المَرَّةِ القادِمَة.

نَشْكُرُكَ، يا أبانا، على هذا اليومِ الرَّائِعِ. ونَشكركَ على ثَباتِ حَقِّكَ. ونَشكُركَ على الكَلِمَةِ الَّتي تَفْتَحُ مَدارِكَنا لِكُلِّ شَيءٍ. ونحنُ مُتَشَوِّقونَ جِدًّا للحَقِّ الكِتابِيِّ الَّذي يَصِلُ إلينا واضِحًا ودُونَ أَخْطاء. ونحنُ نَشكركَ لأننا نَحيا خارجَ نِطاقِ الظِلالِ والعَلاماتِ والرُّموز.

فنحنُ نَعيشُ في واقعِ الراحةِ. وقدِ اسْتَرَحْنَا إلى الأبدِ مِنْ البِرِّ القائمِ على الأعمالِ، ومِنْ مُحاولةِ تَخليصِ أنفُسِنا بأنفُسِنا. فقد دَخلنا إلى راحةِ الإنجيل. وقدِ ذُقْنا طَعْمَ الفِرْدَوْس حَتَّى هُنا في هذهِ الراحة. وفي يومٍ ما، سنَدخلُ إلى مَجْدِ ذلكَ الفِرْدَوْسِ السَّماوِيِّ. ولكنَّكَ جَعَلْتَنا نَتَذوَّقُ ذلكَ الآن. فكُلُّ يومٍ هُوَ سَبْتٌ بالنِّسبةِ إلينا لأنَّنا نَرتاحُ كُلَّ يومٍ في العملِ الَّذي أَكْمَلَهُ المسيحُ الَّذي يَسْتَحِقُّ كُلَّ تَسْبيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize