Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لقد ابتدأتُ يومَ الأحدِ الماضي سِلسلةً عَنْ خِدمةِ الروحِ القدس نَتأمَّلُ فيها في شَخْصِ الروحِ القدسِ وعملِ الروحِ القدسِ لكي نَعْبُدَهُ العِبادةَ الَّتي تَليقُ بِه. وعندما ابتدأتُ هذهِ السِّلسلةِ في الأسبوعِ الماضي، قُلتُ لكُم إنَّ الروحَ القدسَ هُوَ الأقنومُ الأكْثَرُ تَعَرُّضًا للإساءَةِ في الثَّالوثِ، في نَظَري على أَقَلِّ تَقدير. فهناكَ أُناسٌ كثيرونَ جدًّا يَلومونَ الروحَ القدسَ على سُلوكيَّاتِهم، وعلى كَلِماتِهِم، وعلى خِبراتِهم، مَعَ أنَّ الروحَ القدسَ بَريءٌ تَمامًا مِنْ هذا كُلِّه.

وبعدَ أنْ دَرَسْنا ما جاءَ في الأصْحاحات 14 و 15 و 16 مِنْ إنْجيل يوحنَّا عَنْ رُوْحِ الحَقِّ، مِنَ العَجيبِ أنْ نَرى كُلَّ هذا الضَّلالَ فيما يَخْتَصُّ بالروحِ القدس. فهناكَ الكَثيرُ مِنَ الأكاذيبِ، والكَثيرُ مِنَ المُخادِعينَ، والكَثيرُ مِنَ الضَّلالاتِ الَّتي تُنْسَبُ إلى الروحِ القدسِ مِنْ أجْلِ كَسْبِ اسْتِحْسانِ النَّاسِ عِنْدَ أصْحابِ الرَّغباتِ والأهدافِ غيرِ المَشروعة. لذلكَ فإنَّ أُمورًا مُريعَةً كَثيرةً جدًّا تُنْسَبُ إلى الروحِ القُدُس.

والكِتابُ المقدَّسُ يُحَذِّرُنا مِن ذلك. فهناكَ تَحْذيراتٌ مِنَ التَّجديفِ على الروحِ القدس. وبالرَّغْمِ مِن هذا التَّحذيرِ، فإنَّ التَّجديفَ مُستمرٌّ. وهناكَ تَحْذيرٌ آخَرُ سأتحدَّثُ عنهُ في الأسبوعِ القادِمِ، وَهُوَ تَحْذيرٌ مِنَ الإساءةِ إلى الروحِ القدس. وهناكَ تَحذيرٌ مِنْ مُقاومةِ الروحِ القدسِ، وتَحذيرٌ مِنْ إحْزانِ الروحِ القدس، وتحذيرٌ مِنْ إطْفاءِ الروحِ القدس. وهذهِ الأفعالُ جَميعُها تَخْتَصُّ بطريقةِ إشارَتِنا إلى الروحِ القدسِ نَفْسِهِ. ولكِنَّ الأمْرَ لا يتوقَّفُ على مُحاولةِ تَجَنُّبِ التَّجديفِ على الروحِ القدسِ، والإساءةِ إليهِ، وَنَسْبِ أمورٍ لا تَمُتُّ إليهِ بِصِلَة. فالأمْرُ أخْطَرُ مِن ذلك. فالأمْرُ لا يَتوقَّفُ على تَجَنُّبِ أخطاءٍ مُعَيَّنةٍ بخصوصِ الروحِ القدسِ، بل ينبغي لنا، بكُلِّ تأكيدٍ، أنْ نَعبُدَ الروحَ القدسَ على ما فَعَلَهُ لأجْلِنا، وعلى شَخْصِهِ.

وقد كنتُ أقرأُ في الأسبوعِ الماضي مقالةً يَعودُ تاريخُها إلى سَنَة 1657 كَتَبَها "جون أوين" (John Owen)، الطَّهورِيُّ الإنجليزيُّ العَظيمُ صاحِبُ الإنتاجِ الغَزيرِ، والذي كَتَبَ مُجَلَّداتٍ كَثيرةً تُثْري فَهْمَنا للكتابِ المقدَّسِ واللَّاهوت. وإحْدى الأُطروحاتِ المُهِمَّةِ الَّتي كَتَبها "جون أوين" هي تَحْليلُ مَعنى الشَّرِكَة معَ الله، أيْ مَعنى العلاقة الحقيقيَّة معَ الله. وقد كانَ عُنوانُ الأطروحةِ باللُّغة الطَّهوريَّة المعياريَّة الدَّارِجَة: "أطروحَة عنِ الشَّركةِ معَ اللهِ الآبِ، والابْنِ، والروحِ القدسِ، مَعَ كُلِّ أُقنومٍ على حِدَة في مَحَبَّة، ونِعمَة، وتَعْزِيَة". وهُوَ عُنْوانٌ طَهورِيٌّ نَموذَجِيٌّ. وقد قَدَّمَ أيضًا عُنوانًا بديلًا هُوَ: "كَشْفُ النِّقابِ عَنْ شَرِكَةِ القِدِّيسينَ معَ الآبِ، ومعَ الابْنِ، ومعَ الرُّوحِ القُدُس".

وفي هذهِ الأطروحةِ الَّتي كَتَبَها "جون أوين"، فإنَّهُ يَدعو إلى إدراكِ أنَّنا حَصَلْنا مِنْ كُلِّ أقنومٍ في الثَّالوثِ (بِمُفْرَدِهِ، وتَحْديدًا، وَعلى حِدَة) على مَزايا مُعَيَّنة ومُحَدَّدَة. وكما أنَّنا حَصَلْنا على هذهِ المَزايا مِنْ كُلِّ أقنومٍ مِنَ الأقانيمِ الثَّلاثةِ، فإنَّنا مُطالَبونَ بالتَّجاوُبِ مَعَ هذهِ العَطايا معَ كُلِّ أقنومٍ في الثَّالوثِ بحيث لا تكونُ عِبادَتُنا للثَّالوثِ مُمْتَزَجَة كَثيرًا ولا مُنْفَصِلَة كثيرًا. وهناكَ مَقْطَعٌ في الكتابِ المقدَّسِ قد يُساعِدُنا على إدراكِ هذا الأمْر. فإذا نَظَرْتُمْ إلى العَدَدِ الأخيرِ في الأصحاحِ الأخيرِ مِنْ رِسالةِ كورِنثوس الثانية، ستقرأونَ هذهِ الكلمات: "نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ". وهذه صَلاة تَذْكُرُ الأقانيمَ الثَّلاثةَ وتَذْكُرُ السِّماتِ الفَرديَّةِ لخِدْمَةِ الآبِ، والابْنِ، والروحِ القدس لنا نحنُ المؤمنين. فَنحنُ نَرى هُنا محبَّةَ اللهِ. فنحنُ نَحْصُلُ مِنَ اللهِ على تلكَ المحبَّةِ الإلهيَّةِ بِمُقْتَضى سِيادَتِهِ. ونَرى هُنا نِعْمَةَ الرَّبِّ يسوعَ المسيح. فالابْنُ هُوَ الَّذي يُعْطينا النِّعمةَ الإلهيَّةَ بمُقْتَضى سِيادَتِهِ. ونرى أيضًا شَرِكَةَ الروحِ القدسِ. فَمِنَ الآبِ تأتي المحبَّةُ الإلهيَّةُ. ومِنَ الابْنِ تأتي النِّعمةُ الإلهيَّةُ. ومِنَ الروحِ القُدُسُ تأتي الشَّرِكَةُ الإلهيَّة.

والرُّسولُ بولسُ يَفْصِلُ هذهِ الأقانيمَ الشَّخصيَّةَ في الثَّالوثِ ويَذْكُرُ جَوانِبَ خِدْمَتِهِمْ. فَشَرِكَتُنا تَنْبُعُ مِنْ مَحَبَّةِ الآبِ، وتَجِدُ المُصادَقَةَ عليها بِنِعْمَةِ الابْنِ، ويَتِمُّ توصيلُها لنا بواسِطَةِ شَرِكَةِ الروحِ القدس. ومعَ أنَّنا نَتَّفِقُ على أنَّنا نَجِدُ في الكِتابِ المقدَّسَ تَداخُلًا في عَمَلِ الثَّالوثِ، فإنَّ هُناكَ تَركيزًا على هذهِ الأعمالِ المحَدَّدَةِ الَّتي يَقومُ بها كُلُّ أُقنومٍ بطريقةٍ فريدة.

وأعتقدُ أنَّهُ في نَظَرِ الأغلبيَّةِ مِنَّا (مِمَّنْ يَعْبُدونَ اللهَ بالحَقِّ، عالِمينَ أنَّهُ إلَهٌ مُثَلَّثُ الأقانيمِ، وعالِمينَ أنَّهُ جَوْهَرٌ واحِدٌ مَوجودٌ في ثلاثةِ أقانيمَ هِيَ الآبُ، والابْنُ، والرُّوحُ القُدُس) فإنَّنا نَميلُ إلى خَلْطِ كُلِّ شَيءٍ معًا، وإلى عِبادَتِهِ بِوَصْفِهِ اللهَ المُثَلَّثَ الأقانيمِ. وهذِهِ، دُوْنَ شَكٍّ، طَريقةٌ مَشروعَةٌ لعِبادةِ الله. ولكِنَّ الشَّيءَ الَّذي يَدعو إليهِ "أوين" هُوَ أنْ نَبتدئَ في الفَصْلِ بينَ هذهِ الأقانيمِ الثَّلاثةِ مِنْ جِهَةِ الإقرارِ بِما فَعَلوهُ لأجْلِناِ، ومِنْ جِهَةِ ضَرورةِ التَّجاوُبِ تَحْديدًا معَ هذهِ الأعْمال. وفيما يَختصُّ بالروحِ القدس، يَكْتُبُ "جون أوين": "إنَّ خِدمةَ الرُّوحِ القُدُسِ تَشْتَمِلُ على تَذْكيرِنا بوعودِ المسيحِ، وتَمجيدِهِ في قُلوبِنا، وَنَشْرِ مَحَبَّةِ اللهِ فينا على نِطاقٍ واسِعٍ، والشَّهادَةِ فينا بأنَّنا نَنْتَمي إلى اللهِ مِنْ جِهَةِ مَقامِنا الرُّوحِيِّ وَحالَتِنا، وَخَتْمِنا إلى يومِ الفِداء، وضَمانِ ميراثِنا الأبديِّ، وَمَسْحِنا بِمَسْحَةٍ مُعَزِّيَةٍ، وتأكيدِ تَبَنِّينا، وإعانَتِنا في تَضَرُّعاتِنا".

ثُمَّ يَتَجاوَبُ "أوين" معَ عَمَلِ الروحِ القدسِ بأنْ يَقول: "إنَّ حِكْمَةَ الإيمانِ تَكْمُنُ في العُثورِ على المُعَزِّي في كُلِّ هذهِ الأشياءِ والتَّلامُسِ مَعَهُ، دونَ أنْ تَفْقِدَ هذهِ الأشياءُ حَلاوَتَها بسببِ مُكوثِها في الظَّلامِ كَما هِيَ حالُ مُنْشِئِها، ودونَ أنْ نَتجاهَلَ القيامَ بِما هوَ مَطلوبٌ مِنَّا". فكُلُّ أُقنومٍ في الثالوثِ يَقومُ بأمورٍ مُحَدَّدَةٍ لأجْلِنا. لذلكَ فإنَّهُ يَستحقُّ العبادةَ مِنْ خِلالِ التَّجاوبِ المحدَّدِ معَ العَمَلِ الَّذي قامَ بِهِ كُلُّ أقنوم.

فالأمرُ لا يَقتصرُ على أنَّهُ لا يَجوزُ لنا، بِوَصْفِنا مُؤمِنينَ، أنْ نُطفئَ الروحَ القدسَ (وَهُوَ أمْرٌ قد يَفْعَلُهُ المُؤمِنون). والأمرُ لا يَقتصرُ على عَدَمِ إحْزانِ الروحِ القدسِ (وَهُوَ أمْرٌ قد يَفعلُهُ المؤمنونَ أيضًا). والأمرُ لا يَقتصرُ على عَدَمِ مُقاومةِ الروحِ القدسِ، ولا على أيِّ شَيءٍ لا يَجوزُ لنا أنْ نَقومَ بِهِ. بل إنَّ الأمرَ يَخْتَصُّ بشرِكَتِنا الدَّائمةِ، وعبادَتِنا الدَّائمةِ، وتَسبيحِنا الدَّائمِ. فيجبُ علينا أنْ نَذْكُرَ الأقانيمَ الثَّلاثةَ في التَّأمُّلِ، وفي الصَّلاةِ، وفي التَّضَرُّعِ. ويجبُ علينا أنْ نَتَّكِلَ على الرَّحْمةِ الخاصَّةِ والخِدمةِ الخاصَّةِ الَّتي يُظْهِرُها كُلُّ أقنومٍ في الثَّالوثٍ مِنْ نَحْوِنا. ويجبُ علينا أنْ نَتجاوَبَ تَجاوُبًا مُحَدَّدًا قائمًا على المحبَّةِ، والخُضوعِ، والفَرَحِ، والامتنانِ لكُلِّ أقنومٍ على حِدَة في الثَّالوث. فهذهِ هي، كَما يَقولُ "جون أوين"، الشَّركةُ الكامِلَةُ معَ اللهِ.

ومِنَ الطَّهورِيِّينَ الآخَرينَ المُفَضَّلينَ لديَّ "توماس غودوين" (Thomas Goodwin). وقد كَتَبَ "توماس غودوين": "إنَّ عِبادَتَنا تكونُ أحيانًا معَ الآبِ، ثُمَّ معَ الابْنِ، ثُمُّ معَ الروحِ القُدُسِ. وأحيانًا تكونُ قُلوبُنا مُتَّجِهَةً إلى التَّفكيرِ في محبَّةِ اللهِ في اختيارِنا. وأحيانًا تكونُ قُلوبُنا مُتَّجِهَةً إلى التَّفكيرِ في مَحَبَّةِ المسيحِ في فِدائِنا. وأحيانًا تَكونُ قُلوبُنا مُتَّجِهَةً إلى التَّفكيرِ في الروحِ القدسِ الَّذي يَفْحَصُ أعماقَ الأشياءِ المُختصَّةِ باللهِ ويُعْلِنُها لنا". ثُمَّ يَقولُ هذهِ العِبارَةَ الَّتي أُحِبُّها: "ويَحْتَمِلُ كُلَّ الآلامِ مَعَنا". فهل فَكَّرْتُمْ يومًا في تَقديمِ الشُّكْرِ للروحِ القدسِ على احْتِمالِ كُلِّ الآلامِ النَّاجِمَةِ عَنْ تَقْديسِنا؟ "شُكْرًا لَكَ أيُّها الروحُ القدسُ ... شُكرًا لكَ أيُّها الروحُ القدسُ على تَعليمي. وشُكرًا لكَ على مُحارَبَتِكَ ضِدَّ الجَسَد. وشُكرًا لكَ لأنَّكَ تَشْفَعُ فِيَّ. وشُكرًا لكَ لأنَّكَ تَخْتِمُني وتَضْمَنُني. وشُكرًا لكَ لأنَّكَ تَقودُني بَعيدًا عَنْ دَرْبِ التَّجربةِ. وشُكرًا لكَ لأنَّكَ تَمْنَحُني القُوَّةَ لمُواجَهَةِ الخطيَّة".

هذا هُوَ مَا يَدْعو "توماس غودوين" إليهِ. وَهُوَ يَقولُ أيضًا: "عندما نَفْهَمُ عملَ كُلِّ أقنومٍ في الثَّالوثِ على حِدَة، سنَتمتَّعُ بالشَّركةِ الحقيقيَّةِ معَ الله". وَهُوَ يَقولُ: "يجبُ علينا ألَّا نَسْتَكينَ إلَّا عندما نُدْرِكُ وُجودَ الأقانيمِ الثَّلاثةِ فينا على نَحْوٍ مُتَساوٍ". ويا لها مِنْ طَريقةٍ جَميلةٍ لِقَوْلِ ذلك. فهذا يَعني أنْ نَجْلِسَ (إنْ جازَ التَّعبيرُ) في وَسَطِ هذهِ الأقانيمِ الثَّلاثةِ فيما هِيَ تُعْلِنُ عَنْ مَحَبَّتِها لنا. فهذا أَسْمَى اخْتبارٍ وَعَدَ بهِ المَسيحُ في هذهِ الحياةِ: أنْ نَجْلِسَ في وَسَطِ الأقانيمِ الثلاثةِ (إنْ جازَ القَوْلُ)، وأنْ نَتَلَقَّى كُلَّ الحُبِّ المُتَدَفِّقِ مِنَ الآبِ، وكُلَّ الحُبِّ المُتَدَفِّقِ مِنَ الابْنِ، وكُلَّ الحُبِّ المُتدفِّقِ مِنَ الروحِ القدسِ نِيابَةً عَنَّا. فهذهِ هيَ العِبادةُ الحقيقيَّةُ.

لقد صَرَفْنا، بِوَصْفِنا مُؤمِنينَ، وَقتًا طويلًا في التَّفكيرِ في محبَّةِ الآبِ، أيْ في مَحَبَّتِهِ في اختيارِنا بمُقْتَضى سِيادَتِه الإلهيَّةِ. وقد صَرَفْنا وقتًا طويلًا في التَّفكيرِ في ذبيحةِ الابْنِ، وفي النِّعمةِ المُعْطاةِ لنا. وهناكَ طُرُقٌ كثيرةٌ للنَّظرِ إلى ذلك. فالآبُ يُنْشِئُ خَلاصَنا، والابْنُ يُصَادِقُ على خَلاصِنا، والروحُ القدسُ يَعْمَلُ على تَوصيلِ خَلاصِنا إلينا. فالآبُ يَخْتارُنا للحَياةِ. والابْنُ يُدَبِّرُ الذبيحةَ الَّتي تَقودُ إلى الحَياةِ. والروحُ القدسُ يُعْطينا الحَياة. ولَمَّا كُنَّا قادِرينَ على تَمييزِ خِدْمَةِ كُلِّ أقنومٍ في الثَّالوثِ، يجبُ علينا أيْضًا أنْ نَكونَ قادرينَ على عِبادَةِ كُلِّ أُقنومٍ وعلى الشَّرِكَةِ مَعَهُ تمامًا.

لذلكَ، فإنَّ ما نُحاوِلُ القيامَ بهِ في هذهِ السِّلسلةِ القصيرةِ هُوَ أنْ نَفْهَمَ على نَحْوٍ أفْضَل عَمَلَ وخِدمةَ الروحِ القدسِ المبارَكِ لكي نُحَسِّنَ وَنُغْني ثَناءَنا وشُكْرَنا وعِبادَتَنا لَهُ. ورُبَّما كانَتْ واحِدَة مِنْ أعْظَمِ الآياتِ الَّتي نَطَقَ بها رَبُّنا يومًا أوْ دُوِّنَتْ على لِسانِهِ هيَ تلكَ المذكورة في إنجيل يوحنَّا 16. وقد قرأتُها لكُم سابقًا. فهي آيةٌ مُذهلةٌ حقًّا إذ تَوَقَّفْتُمْ وتأمَّلْتُمْ فيها. فهذا هُوَ ما قالَهُ رَبُّنا في إنْجيل يوحنَّا 16: 7: "لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ (كَما هِيَ حالُهُ دائمًا): إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ".

وسوفَ نَتوقَّفُ قليلًا هُنا ونَطْرَحُ السُّؤالَ التَّالي: "كيفَ استَقبلَ التَّلاميذُ هذا الأمر؟" فحيثُ إنَّهُم كانوا يُرافِقونَ الرَّبَّ على مَدارِ السَّاعَةِ طَوالَ ثلاثِ سِنين، فإنَّهُ كانَ كُلَّ شيءٍ بالنِّسبةِ إليهم ... كُلَّ شيءٍ بِمَعنى الكلمة. وذاتَ مَرَّة (وَفْقًا لما جاءَ في الأصحاحِ السَّادسِ مِنْ إنجيل يوحنَّا)، قالَ يسوعُ بعدَ مُغادَرَةِ مَجموعةٍ مِنَ النَّاسِ: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ عَنِ البَقِيَّةِ فقال: "إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ". بعبارةٍ أُخرى: نحنُ لَنْ نَذهبَ إلى أيِّ مكانٍ. فكُلُّ ما نُريدُ أنْ نَعْرِفَهُ، وكُلُّ ما نُريدُ أنْ نَراهُ، وكُلُّ ما نُريدُ أنْ نَمْلِكَهُ هُوَ أنْت. ولكِنْ كيفَ تَمَكَّنُوا مِنَ استيعابِ تلكَ الجُمْلَة: "إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ"؟ فَهَلْ مِنْ شَيءٍ أفْضَلُ مِنْ وُجودِهِ في وَسَطِهِمْ؟

وعندما تُفَكِّرونَ في حقيقةِ وُجودِ مُلْكٍ ألفيٍّ حَرفيٍّ ينبغي أنْ تَعلموا أنَّ الناسَ كانوا يَنتظرونَ مَجيءَ المسيَّا، وأنَّ كُلَّ جِيْلٍ مِنَ الشَّعْبِ اليهودِيِّ الذينَ كانوا يَعرفونَ أنَّ المسيَّا سَيأتي كانوا يَتَمَنُّونَ أنْ يكونوا أحْياءَ حينَ يأتي. ولكِنْ عندما جاءَ، رَفَضَهُ الناسُ في ذلكَ الزَّمانِ – كَما نَعلمُ جَميعُنا. ولكِنْ كانتْ هناكَ جَماعَةٌ مِنَ النَّاسِ الذينَ قَبِلوه، وَهُمْ أتباعُهُ وَتلاميذُهُ. وقد كانَ ذلكَ تَحْقيقًا لكُلِّ تاريخِ الفِداء إذْ إنَّ ذلكَ يَرْجِعُ إلى الوراءِ إلى وَقْتِ السُّقوطِ وإلى الوعدِ بأنَّ واحدًا سيأتي ويَسْحَقُ رَأسَ الحَيَّةِ. وما أرْوَعَ أنَّ المسيَّا جاءَ! وما أرْوَعَ أنَّهُ كانَ هُناك. ولكنَّ التَّلاميذَ لم يَرغَبوا في أنْ يَذهبَ إلى أيِّ مَكان. ولم يَرْغَبوا في أنْ يَتْرُكَهُمْ. بل أرادوا أنْ يَبقى وأنْ يُؤسِّسَ مَلكوتَهُ وأنْ تكونَ تلكَ هيَ النِّهايةُ، والذُّروةُ، وَتَحْقيقُ كُلِّ شيء.

ولكِنْ في اللَّيلةِ الأخيرةِ الَّتي اجْتَمعوا فيها معًا في العِلِّيَّةِ قَبْلَ أنْ يُقْبَضَ عليهِ وَيُصْلَب، قالَ لَهُمْ: "أنا سأمضي. وأنا سأترُكُكُم. وأنتُم لنْ تَتَمكَّنوا مِنَ اللَّحاقِ بي. ولكِنْ يَنبغي أنْ تَعْلَموا أنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ". وهذهِ جُمْلَةٌ مُدْهِشَةٌ. فكيفَ يُمْكِنُ أنْ يَكونَ هذا صَحيحًا؟ ولكنَّهُ قال: "لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ". فما هُوَ الشَّيءُ الأفْضَلُ مِنْ أنْ يَكونَ يَسوعُ مَعَهُمْ؟ أنْ يَكونَ الرُّوحُ القُدُسُ مَعَهُمْ ... أنْ يَكونَ الرُّوحُ القُدُسُ مَعَهُمْ. وهل هذا يَعني أنَّ الروحَ القدسَ لم يكنْ موجودًا؟ لا. وسوفَ أقرأُ لكُمْ أيضًا مِنْ نَفسِ المَقطعِ الكِتابِيِّ: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ" – أيْن؟ "فِيكُمْ". فالروحُ القدسُ مَوجودٌ دائمًا. فالروحُ القدسُ هوَ الخالِقُ. وَقد كانَ يَرِفُّ على وَجْهِ المِيَاهِ في سِفْرِ التَّكوينِ. وَهُوَ الَّذي قامَ بعمليَّةِ الخَلْقِ. والروحُ القدسُ هوَ دائمًا يُعْطي حَياةً. والروحُ القدسُ هُوَ دائمًا المُبَكِّت. وَهُوَ يُحاوِلُ معَ الإنْسانِ كَما نَقرأُ في تَكوين 6.

والروحُ القدسُ هُوَ دائمًا الَّذي يُعْطي حياةً للنَّاسِ الأمواتِ روحيًّا. والحقيقةُ هي أنَّ كُلَّ النَّاسِ أمواتٌ مُنْذُ السُّقوط. ولا يمكنُ أنْ يكونَ هُناكَ خلاصٌ في العهدِ القديمِ، ولا إيمانٌ مُخَلِّصٌ، ولا تَوْبَةٌ تُفْضِي إلى الفِداءِ، ولا اهْتِداءٌ حَقيقيٌّ بِمَعْزِلٍ عَنِ الروحِ القدس. والروحُ القدسُ موجودٌ دائمًا لِكَيْ يَقودَنا ويُرْشِدَنا. وخِدْمَةُ الروحِ القدسِ يُمْكِنُ أنْ تُرى في فترةِ العهدِ القديمِ إلى حَدٍّ ما. ويُمْكِنُ أنْ نَفْهَمَ عِبارَةَ أنَّهُ "مَاكِثٌ مَعَكُمْ" بِمَعْنى أنَّهُ كانَ مَوْجودًا للقيامِ بالأعمالِ الضروريَّةِ كالخَلاصِ والتَّقديس لأنَّها أُمورٌ تَقْتَضي وُجودَ الروحِ القدس.

ولكِنَّ الابْنَ جاء. أليسَ ذلكَ أفْضَل؟ أليسَ مِنَ الأرْوَعِ أنْ يَكونَ التَّلاميذُ في حَضْرَةِ ابْنِ اللهِ المُتَجَسِّد؟ هذا هُوَ ما قَدْ يَظُنُّهُ المَرْءُ. ورُبَّما كانَتْ تِلْكَ خُطْوَة مُتَقَدِّمَة عَمَّا كانَ مُتاحًا لَهُم في العهدِ القديم. فقد كانَ الروحُ موجودًا، وكانَ هُناكَ وَعْدٌ بمجيءِ الابْنِ. وكانَ الروحُ ما يَزالُ يَقومُ بِعَمَلِهِ. وكانَ الابْنُ موجودًا أيضًا. لذلك، كيفَ يَقولُ يسوع: "إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ"؟

إنَّ الجوابَ عَنْ هذا السؤالِ هُوَ أنَّ الرُّوحَ القدسَ يُقَدِّمُ للمؤمنينَ (مُنْذُ وقتِ تأسيسِ الكَنيسةِ فَصَاعِدًا) خِدمةً لم تَكُنْ مَعروفةً مِنْ قَبْل. وهذا لا يَعني أنَّ الروحَ القدسَ لم يَكُنْ حاضِرًا. فالمسألةُ ليسَتْ مَسألةَ غِيابٍ وَحُضور. بل هي مَسألةُ دَرَجَة أوْ مَدى. فأفضلُ شَيءٍ كانُ يُمْكِنُ أنْ يَحْدُثَ لأيِّ أُناسٍ (وَهُوَ أفْضَلُ حَتَّى مِنْ وُجودِ يَسوعَ المسيحِ في وَسَطِهِمْ) هُوَ أنْ يكونَ الروحُ القدسُ فيهم. وهذا يَصحُّ علينا. فنحنُ نَعيشُ في هذا العَصْرِ الرَّائعِ والعَظيمِ الَّذي تَحَقَّقَ فيهِ ذلك. "إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ لِكَيْ أُرْسِلَ إليكُمْ الرُّوحَ القُدُسَ".

وإنْ كانَ هذا صحيحًا، فإنَّ الروحَ القدسَ مُمَيَّزٌ جِدًّا جدًّا. وَهُوَ كذلكَ بالفِعْل. وَعِوَضًا عنِ الأشياءِ المُريعَةِ الَّتي تُنْسَبُ إلى الروحِ القدسِ، يجِبُ علينا أنْ نَنظُرَ إلى الخِدمةِ الحقيقيَّةِ للروحِ القدسِ لكي نَتَمَكَّنَ مِنْ عِبادَتِهِ، ولكي تَكونَ الأقانيمُ الثَّلاثَةُ (كَما قالَ "أوين") تَحْتَلُّ المَكانَةَ نَفْسَها في نُفوسِنا، ولِكَيْ تَلْقى مِنَّا التَّسْبيحَ نَفْسَهُ.

ولكِنْ أيْنَ يُمْكِنُنا أنْ نَذْهَبَ في كَلِمَةِ اللهِ للتَّلامُسِ مَعَ خِدمةِ الروحِ القُدُس؟ حسنًا، لقدِ اخْتَرْنا أنْ نَتأمَّلَ في رُومية 8. لذلكَ، بعدَ هذهِ المقدِّمةِ الموجَزَةِ، أرْجو أنْ تَفتحوا على رومية 8 إذْ سنُلقي نَظرةً على خِدمةِ الروحِ القدسِ كما هِيَ مُبَيَّنة في هذا الأصحاح. وأثناءَ قِيامِنا بذلكَ، قد نَخْرُجُ عنِ الموضوعِ قليلًا للتحدُّثِ عَنْ أمورٍ أُخرى، ولكِنَّنا لن نُحاوِلَ أنْ نَتطَرَّقَ إلى كُلِّ مَقطعٍ في العهدِ الجديدِ يَتحدَّثُ عَنِ الروحِ القدسِ، بل سنَكتفي بالتحدُّثِ عنِ الأشياءِ الأكثرِ أهميَّةً وضَرورَةً بالنِّسبةِ إلينا. ونَجِدُ في رُومية 8 نُقْطَةَ انْطِلاقٍ رائعة للحديثِ عَنْ هذا الموضوعِ لأنَّ خِدمةَ الروحِ القدسِ مُقَدَّمَة هُنا في ارْتِباطِها بالخَلاص.

ولعَلَّكُمْ تَذكرونَ أنَّ جَميعَ الأفكارِ في الأصحاحاتِ السَّبعةِ الأولى مِنْ رِسالةِ رُومية هِيَ خَلاصِيَّة. فَهِيَ جَميعُها تَخْتَصُّ بالخَلاص. وَهِيَ تَبْتَدِئُ في الأصحاحِ الأوَّلِ والعدد 16 بالإنجيل. فبولسُ لا يَسْتَحي بإنْجيلِ المَسيح، بَلْ هُوَ يَكْرِزُ بِهِ. فَهُوَ قُوَّةُ اللهِ للخَلاص. ثُمَّ يَبتدئُ في تَوْضيحِ جَوْهَرِ الإنجيلِ، ويَتحدَّثُ عنِ الخطيَّةِ والدَّينونةِ. ثُمَّ يَتحدَّثُ عنِ عَدَمِ جَدْوى مُحاوَلَةِ حُصولِنا على البِرِّ بأنْفُسِنا. وَهُوَ يَتحدَّثُ عَنِ النِّعمةِ والإيمانِ، ويَستَخْدِمُ إبراهيمَ كَمِثالٍ تَوضيحِيٍّ. وَهُوَ يَتحدَّثُ عَنْ مَعنى الصَّليبِ وَعَنِ اتِّحادِنا بالمسيح. والحَديثُ كُلُّهُ هُوَ عَنِ الخَلاصِ في كُلِّ هَذِهِ الأصْحاحاتِ إلى أنْ نَصِلَ إلى الأصحاحِ الثَّامِنِ. والآنْ، نأتي إلى الأصحاحِ الثامنِ فَنَجِدُ أنَّنا انْتَقَلْنا إلى قِسْمٍ آخَر يُلَخِّصُ مَجْدَ الخلاص. فَهُوَ الخُلاصَةُ النِّهائيَّةُ لمَعْنى أنْ نَكونَ مُخَلَّصين. ونَحْنُ نَجِدُ هُنا الخَبَرَ السَّارَّ العَظيم. وَهُوَ مَضْمونٌ لَنا بواسِطَةِ الروحِ القُدُس ... بواسِطَةِ الروحِ القدس.

وَدَعونا نَبتدئُ على الأقَلِّ بالعدَدَيْنِ الأوَّلِ والثَّاني لِنَرى ما يَفْعَلُهُ الروحُ القُدُسُ لأجْلِنا. وسوفَ أَذْكُرُ لكُمْ لائحةً بالأشياءِ الَّتي يَفْعَلُها الروحُ القُدُسُ والتي ذُكِرَتْ في هذا الأصْحاح. ولكِنْ يجب أنْ تَفهَموا نُقْطَةَ البِدايَة. رومية 8: 1: "إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". ولكِنْ كيفَ يُمْكِنُ أنْ لا تَكونَ هُناكَ دَينونةٌ على الخُطاة؟ كيفَ يُعْقَلُ ذلك؟ نَجِدُ الجَوابَ في العددِ الثاني: "لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ". فلا تُوجَدُ دَينونةٌ على الَّذينَ هُمْ في المسيحِ بسببِ شَيءٍ فَعَلَهُ رُوحُ الحَياة. وروحُ الحَياةِ هُوَ الروحُ القدس. لذلكَ فإنَّنا نَلتقي الروحَ القدسَ في العددِ الثاني، وإليكُم النُّقطةُ الأولى: الرُّوحُ القُدُسُ يُعْتِقُنا مِنَ الموتِ بأنْ يُعْطينا حَياةً. ... الرُّوحُ القُدُسُ يُعْتِقُنا مِنَ الموتِ بأنْ يُعْطينا حَياةً. فهذهِ هيَ السِّمَةُ الأولى للحياةِ الخالِيَةِ مِنَ الدَّينونَة.

ولكِنْ لنَرْجِعْ إلى العددِ الأوَّلِ ونَرى كيفَ أنَّ الكَلِمَة "إذًا" تَرْبُطُ هذا بِكُلِّ شَيءٍ يأتي قَبْلَها. فكُلُّ ما ذُكِرَ عنِ الخلاصِ بِكُلِّ مَجْدِهِ وبِكُلِّ جَمالِهِ – وَهُوَ لا يَرْجَعُ هُنا إلى العَدَدِ الخامِسِ والعِشرينَ مِنَ الأصحاحِ السَّابِعِ. إنَّهُ لا يَرْجِعُ إلى الأصحاحِ السَّابِعِ فحسب، بل يَرْجِعُ إلى الأصحاحِ الأوَّلِ والعدد 16 حيثُ ابْتَدَأَ يَتحَدَّثُ عنِ الإنجيل. فَكُلُّ ذلكَ التَّعليمِ عَنِ الإنجيلِ يَعني أنَّهُ لا تُوْجَدُ دَينونةٌ على أولئكَ الذينَ هُمْ في المسيحِ يَسوع. وهذِهِ هِيَ خُلاصَةُ الإنْجيل. وهذا هُوَ الخَبَرُ السَّارُّ. فيُمْكِنُكَ أنْ تَقِفَ أمامَ اللهِ القُدُّوسِ بِصِفَتِكَ شَخْصًا خاطئًا وفاسِدًا دُوْنَ أنْ تُدانَ البَتَّةَ لا في هذهِ الحَياةِ ولا في الحياةِ الآخِرَة. هذا هُوَ الخَبَرُ السَّارُّ.

ولكي تَفْهَمَ الخَبَرَ السَّارَّ، يجبُ عليكَ أنْ تَفهمَ الخَبَرَ السَّيِّئَ. فالخبرُ السيِّئُ هُوَ أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ يُعْلِنُ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يُوْلَدُ في هذا العالَمِ هُوَ ابْنُ الغَضَب ... ابْنُ الغَضَب (كَما جاءَ في رِسالَةِ أفَسُس 2: 3). فأنْتُمْ أبناءُ الغَضَب. أنْتُمْ جَميعًا أبناءُ الغَضَب. ويبدو أنَّ هذا التَّعبيرَ هُوَ مُصْطَلَحٌ عِبْرِيٌّ. بعبارةٍ أُخرى، لقد وَرَثْتُمْ طَبيعَةَ أولئكَ الذينَ سَيُدانون. فهذا هُوَ المَقصودُ هُنا. فإذا كُنْتَ ابْنًا للفَسادِ فإنَّ هذا يَعني ببساطةٍ أنَّ طَبيعَتَكَ فاسِدَة. وإذا كُنْتَ ابنًا للغَضَبِ، فهذا يَعني أنَّهُ مَحْكومٌ عليكَ بالدَّينونَة. وكُلُّ البَشَرِ هُمْ أبناءُ الغَضَبِ. وَهُمْ تحتَ الدَّينونَةِ. وَهذِهِ حَالَةٌ مُزْرِيَةٌ.

وما هِيَ عَناصِرُ هذهِ الحالَة؟ أنْ تُهَيْمِنَ علينا الخَطِيَّة. فنحنُ جَميعًا قَدْ أَعْوَزَنا مَجْدُ اللهِ. ونحنُ جميعًا أَخْطَأنا وَأعْوَزَنا مَجْدُ اللهِ. ونحنُ جَميعًا تَحْتَ اللَّعنَة. ونحنُ جَميعًا مُسَيْطَرٌ علينا لأنَّنا عَبيدٌ بالمَعْنى الحَرْفِيِّ للخَطيَّة. فالخطيَّةُ مَرَضٌ خَبيثٌ يَشُلُّ نَفْسَ كُلِّ إنْسانٍ، وَيَحُطُّ مِنْ شَأنِ كُلِّ شَخْصٍ، ويَستَحْوِذُ على كُلِّ إنْسانٍ، وَيَسْلِبُهُ السَّلامَ والفَرَحَ ويُعْطيهِ بَدَلًا مِنْهُما المَتاعِبَ، والألمَ، والخوفَ. فَهُوَ يَزْرَعُ في كُلِّ قَلْبٍ مَبْدَأَ الفَسادِ المُهْلِكِ الَّذي لا يَسْتَطيعُ أيُّ إنْسانٍ أنْ يَغْلِبَهُ، والذي لا يَستطيعُ أيُّ إنْسانٍ أنْ يَشْفيه.

بل إنْ الأمْرَ أسْوأُ مِنْ ذلك. فالأمْرُ لا يَقْتَصِرُ على أنَّنا خُطاةٌ لا عِلاجَ لَنا، وأنَّنا أشْرارٌ، بل إنَّنا عَبيدٌ للشَّيْطانِ الَّذي هُوَ مَلاكُ الشَّرِّ، والذي هُوَ إبليسُ نَفْسُهُ. فنحنُ أفْرادٌ في مَملَكَتِهِ. ونحنُ جُزْءٌ مِنْ عائِلَتِهِ. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 8: 44: "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ". فنحنُ أبناءُ إبليس. ونحنُ عَبيدٌ لدى رَئيسِ سُلْطانِ الهَواءِ (كَما جاءَ في رِسالةِ أفَسُس 2: 2) – "الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ". فَهُوَ يَعْمَلُ في كُلِّ الكائِناتِ البَشريَّةِ الفاسِدَة لا بِسَبَبِ طَبيعَتِهِم الفاسِدَةِ فحسب، بل أيضًا بسببِ عَمَلِ الشَّيطانِ فيهِمْ. لذلكَ فقد قالَ يَسوعُ: "وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا".

ونَتيجة لذلك، فإنَّنا مُخْضَعونَ للبُطْلِ (كَما جاءَ في رُومية 8: 20). والمَقصودُ بذلكَ هوَ أنَّهُ في تلكَ الحالةِ الَّتي نَكونُ فيها مُسْتَعْبَدينَ للخطيَّةِ وخاضِعينَ للشَّيْطانِ، فإنَّنا نَكونُ خاضِعينَ لكُلِّ ما هُوَ سَيِّئ، ولكُلِّ ما هُوَ مُريع. وهذا هُوَ بُطْلُ الحَياةِ، والفَراغُ، والمَرارَةُ، والحُزْنُ، والألم. فنحنُ مَولودينَ للمَشَقَّة. ونحنُ ليسَ لدينا سَلامٌ. ونحنُ نَخشى الموتَ. ونحنُ مَملوئينَ قَلقًا، ولا رَجاءَ لنا. لذلكَ فإنَّنا نَقرأُ في الرسالةِ إلى العبرانيِّين 10: 27 أنَّهُ لم يَبْقَ هُناكَ شَيءٌ سِوى انْتِظارِ الدَّينونةِ المُخيفَة. فكُلُّ البشريَّةِ تَنْتَظِرُ شيئًا واحدًا فقط هُوَ جَهَنَّم ... جَهَنَّم. فَالبَشريَّةُ واقِعَةٌ تحتَ الدَّينونةِ إلى الأبدِ - وفقًا لما جاءَ في رُؤيا 20: 14 مِنْ خِلالِ الموتِ الثَّاني وبُحيرةِ النَّار. وهذا هُوَ بُؤْسُ جَميعِ البَشَرِ.

وعندما تأتي الدَّينونَةُ، فإنَّها ستكونُ دَينونة عادلة ... ستكونُ دَينونة عادِلَة. وهذا هُوَ ما يَقولُهُ العَدَدَان 8 و 9 مِنْ رُومية 3. فَهِيَ دَينونَةٌ عادِلَةٌ. فقد كَسَرْنا ناموسَ اللهِ. ونَقرأُ في غلاطِيَّة 3 أنَّنا إنْ كَسَرْنا وصِيَّةً واحِدَةً فإنَّنا نُخْطِئُ في النَّاموسِ كُلِّهِ. ودينونَتُنا ستَكونُ عادِلَةً. وكَما هِيَ حالُ اللِّصِّ الَّذي كانَ مُعَلَّقًا على الصَّليبِ، فإنَّنا نَتألَّمُ بِعَدْلٍ. فهذا هُوَ ما قالَهُ.

ونَتيجة لذلك، يُمْكِنُكُمْ أنْ تُلَخِّصُوا ذلكَ كُلَّهُ وأنْ تَخْرُجوا بخُلاصَةٍ مَفادُها أنَّ الخاطِئَ هُوَ ابْنُ الغَضَبِ، وَتَحْتَ دَينونَةِ اللهِ القُدُّوسِ الَّذي تُمَّتِ الإساءَةُ إليهِ في كُلِّ خَطِيَّةٍ، والذي سَيُعاقِبُ الخاطِئَ عِقابًا عادِلًا. لذلكَ فإنَّ النِّهايةَ الَّتي لا مَفَرُّ مِنْها هِيَ جَهَنَّمُ الأبديَّة. وهذهِ هِيَ حالَةُ كُلِّ شَخْصٍ إلى أنْ يأتي الرُّوحُ القُدُسُ. وفي النَّصِّ الَّذي نَتأمَّلُ فيه، في وَسَطِ هَذِهِ الصُّورَةِ القاتِمَةِ، فإنَّ النَّصَّ يُسَلِّطُ ضَوْءًا مَجيدًا. "إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، ... لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ".

والحَقيقَةُ هي أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ هُوَ كِتابُ دَينونَة. فَهُوَ مُمْتَلِئٌ بإعلاناتِ الدَّينونَةِ. ففي الأصحاحِ الخامسِ مِنْ رِسالةِ رُومية، نَقرأُ أنَّهُ في آدَمَ، ماتَ الجَميعُ. وهذا يَعني أنَّنا جَميعًا وَرَثْنا الطبيعةَ الخاطئةَ مِنْ آدَم. ونَقرأُ ذلكَ في رُومية 5 مِرارًا وتَكرارًا. ونَجِدُ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِنْ رِسالةِ تسالونيكي الثانية صُورةً مُرَوِّعَةً عَنِ الدَّينونةِ المستقبليَّةِ الأخيرةِ الَّتي ستَقَعُ على جَميعِ الخُطاةِ إذْ نَقرأُ أنَّ الرَّبَّ يَسوعَ سَيُسْتَعْلَنُ "مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ".

وهُناكَ جانِبانِ للعَذابِ الأبديِّ. الأوَّلُ هُوَ الإحْساسُ، أيِ الألمُ الحَقيقيُّ. والثَّاني هُوَ الغِياب، أيْ غِيابُ حُضورِ الله. وهذا هُوَ العَذابُ الحَقيقيُّ. وقد تَقولُ: "ألَمْ يُرْسِلِ اللهُ ناموسَهُ لكي يُعْطينا مَعاييرَ نَعيش بِموجَبِها؟ فإنْ عِشْنا بحسبِ هذهِ المَعاييرِ فإنَّنا سنكونُ في مَأمَنٍ وسنَذْهَبُ إلى السَّماء؟" هذا هُوَ سُوْءُ الفَهْمِ الشَّائِعِ جِدًّا في العالَمِ. وَهُوَ سُوْءُ فَهْمٍ مُهْلِكٍ. صَحيحٌ أنَّ النَّاموسَ مُقَدَّسٌ. فَهُوَ مُقَدَّسٌ تَمامًا لأنَّهُ يَعْكِسُ صُورَةَ اللهِ. وَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْ طَبيعةِ اللهِ الأدبيَّةِ في صِيْغَةٍ مَكتوبَةٍ. وبالرَّغْمِ مِن ذلكَ فإنَّ النَّاموسَ لا يَستطيعُ أنْ يُقَدِّسَنا. فالنَّاموسُ لا يَستطيعُ أنْ يُعالِجَ خَطيئَتَنا. والنَّاموسُ لا يَستطيعُ أنْ يُقَدِّمَ لنا طَريقًا للنَّجاةِ مِنَ الدَّينونة.

ولنَستمِع إلى ما جاءَ في رُومية 3: وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُهُ النَّامُوسُ فَهُوَ يُكَلِّمُ بِهِ الَّذِينَ فِي النَّامُوسِ، لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ، وَيَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ". فَكُلُّ ما يَفْعَلُهُ النَّاموسُ هُوَ أنَّهُ يُغْلِقُ فَمَكَ حينَ تَدَّعي أنَّكَ صَالِحٌ. "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ". فكُلُّ ما يَفْعَلُهُ النَّاموسُ هُوَ أنَّهُ يُعَرِّفُكَ بالخطيَّةِ. فهذا هُوَ كُلُّ ما يَفْعَلُهُ ناموسُ اللهِ. فَهُوَ يُريكَ الخَطِيَّة. فَهُوَ ليسَ الطَّريقَ للانتصارِ على الخطيَّةِ. وهُوَ ليسَ الطَّريقَ للنَّجاةِ مِنَ الدَّينونةِ الَّتي تُنْتِجُها الخطيَّة. فَهُوَ عاجِزٌ عنِ القيامِ بذلك. وَهُوَ لا يَستطيعُ أنْ يُغَيِّرَ حالَتَكَ، بَلْ يَسْتَطيعُ فَقَطْ أنْ يَكْشِفَها. وَهُوَ لا يَسْتَطيعُ أنْ يُغَيِّرَ دَينونَتَكَ، بَلْ يَستطيعُ فقط أنْ يُعَزِّزَها.

والحقيقةُ هي أنَّ النَّاموسَ يَجْعَلُ كُلَّ شَيءٍ أكْثَرَ سُوْءًا لأنَّ النَّاموسَ يُوَسِّعُ التَّعَدِّيات. لذلكَ، لا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَتَبَرَّرَ أمامَ اللهِ بواسطةِ النَّاموس. بل إنَّهُ بواسِطَةِ النَّاموسِ فإنَّ ذَنْبَنا يَزْداد، وخَطيئَتُنا تَصيرُ أكْثَرَ شَناعَةً. لذلكَ، هُناكَ دَينونَةٌ، ولا شَيءَ غَيْرَ الدَّينونَةِ، على أولئكَ الذينَ هُمْ تحتَ النَّاموسِ لأنَّ النَّاموسَ لا يَقْدِرُ أنْ يُخَلِّص. والنَّاموسُ لا يَقْدِرُ أنْ يُزيلَ الدَّينونَةَ. والإشارةُ هُنا هِيَ إلى الشَّريعَةِ المَكتوبَة. فهذا هُوَ المَقصودُ بالعددِ الثالثِ حينَ يقول: "لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ". بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ النَّاموسَ لا يَستطيعُ أنْ يَعْمَلَ في البَشَرِ لأجْلِ تَخْليصِهِم. والكلمة "دينونة" هي الكلمة "كاتاكريما" (katakrima)، وَهِيَ تُرَكِّزُ على العِقابِ بعدَ الحُكْمِ، وليسَ فقط على الحُكْمِ نَفْسِهِ. وهُناكَ كلمة يونانيَّة أخرى تُشيرُ إلى الحُكْمِ أوِ القَرارِ نَفْسِهِ. أمَّا هذهِ الكلمة فَتُشيرُ إلى ما وَراءَ الحُكْمِ إلى العِقابِ الفِعْلِيِّ.

وإليكُمْ نَصَّ الآيَةِ: "إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ". فبالرَّغْمِ مِنْ جَميعِ الانتهاكاتِ، وبالرَّغْمِ مِنْ كَسْرِ ناموسِ اللهِ، وبالرغمِ مِنْ حالَتِنا الَّتي تَجْعَلُ الدَّينونَةَ عادِلَةً، وبارَّةً، ومُقَدَّسَةً، وصَالِحَةً، ومُسْتَحَقَّةً ... بالرغمِ مِنْ ذلكَ، وبالرغمِ مِنْ فَسادِنا، وبالرغمِ مِنَ انْتِمائِنا إلى مَملكةِ الظُّلمةِ والشَّيطانِ نَفسِهِ، يُمكننا أنْ نكونَ في حَالَةٍ مِنْ عَدَمِ الدَّينونَةِ بسببِ الخَلاص. فالعبارة "لا شَيء" هِيَ نَفْيٌ قَوِيٌّ وعبارةٌ قَوِيَّةٌ. وهناكَ العَديدُ مِنَ الطُّرُقِ لِقَوْلِ "لا" في اللُّغةِ اليونانيَّةِ، ولكنَّ هذهِ طَريقة قَوِيَّة جدًّا. وَهِيَ تَعْني: "لا شَيءَ البَتَّة مِنَ الدَّينونةِ".

والآنْ، اسْمَحوا لي أنْ أقولَ لَكُمْ إنَّ هذا هُوَ الخبر السَّارّ. فهذا هُوَ الإنجيل. فبالرَّغْمِ مِنْ حالَتِنا الخاطِئَةِ، يُمْكِنُنا أنْ نَكونَ في حَالَةٍ مِنْ عَدَمِ الدَّينونَةِ إذْ لا تأتي عَلينا الدَّينونَةُ البَتَّة. وما هِيَ هذهِ الحالَة؟ وما هوَ ذلكَ المكان؟ أنْ نَكونَ في المسيح. العَدَد 1: "الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ". أو العدد 2: "في المَسيح يَسوع". فالأمْرُ يَتوقَّفُ على الاتِّحادِ بالمسيح. وما مَعنى أنْ نَكونَ في المسيح؟ إنَّ ذلكَ يَعني أنْ نَكونَ فيهِ بِالمَعنى الحَقيقيِّ رُوحِيًّا. ارْجِعوا لَحْظَةً إلى الأصحاحِ السادسِ مِنْ رِسالةِ رومية والعددِ الثالث: "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ" (أوْ: غُطِّسَ). فالآيَةُ لا تَتحدَّثُ عَنْ مَعموديَّةِ الماءِ هُنا، بل تَستخدِمُ الكلمةَ لِتَعني "غُطِّسَ" بالمَعنى المَجازِيِّ. "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنْ [غُطِّسَ] لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ [غُطِّسْنا] لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ [بالتَّغْطيسِ] لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟" بعبارةٍ أُخرى، فقدِ وُضِعْنا حَرْفيًا في المسيحِ في مَوْتِهِ وفي المَسيحِ في قِيامَتِهِ. فنحنُ نَموتُ فيهِ ونَقومُ فيهِ.

العَدَد 5: "لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ. عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ. لأَنَّ الَّذِي مَاتَ قَدْ تَبَرَّأَ مِنَ الْخَطِيَّةِ. فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ. عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ. لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْحَيَاةُ الَّتِي يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا ِللهِ. كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا". ففي المَسيحِ نَموت، ثُمَّ نَقومُ ثانيةً. هذا هُوَ اتِّحادُنا معَ المسيح. وهذا هُوَ ما قِيْلَ هُنا.

وقد تَمَّ إعلانُ ذلكَ كُلّهُ والكَشْفُ عَنْهُ، كَما قَرَأتُ على مَسامِعِكُمْ للتَّوِّ مِنَ الأصحاحِ السَّادِسِ. ولكِنَّ هذا كُلَّهُ يَقودُ إلى هذهِ النُّقطةِ. لذلكَ فإنَّنا لا نَجِدُ هُنا تَعريفًا لمَعنى أنْ نَكونَ في المسيحِ لأنَّ هذا كُلَّهُ قَدْ شُرِحَ سابِقًا. فكُلُّ ما نَحْتاجُ إلى مَعْرِفَتِهِ هُوَ: بالنِّسبةِ إلى الأشخاصِ الذينَ هُمْ في المَسيح، لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ – البَتَّة. وحَرْفِيًّا، لقد وُضِعْنا بِمَنْأى عَنِ الدَّينونَةِ – بِمَنأى عَنِ الدَّينونَةِ. فهذهِ هِيَ الطَّريقةُ الَّتي يَبتدئُ فيها الأصحاحُ وَيَنْتَهي. فإذا نَظَرْتُمْ إلى نِهايةِ الأصحاحِ الثَّامِنِ، ما الَّذي تَقرأونَهُ؟ "مَنْ سَيَفْصِلُنَا (العَدَد 35) عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟" لا! العَدَد 38: "فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا".

بعبارةٍ أُخرى، اذْكُروا كُلَّ شَيءٍ حَقيقيٍّ وكُلَّ شَيءٍ يَخْطُرُ بِبالِكُمْ، أيْ كُلَّ الأشياءِ الكائِنَةِ وَالتي هِيَ مِنْ نَسْجِ الخيالِ فَتَجِدونَ أنَّ أيًّا مِنْها لا يَقْدِرُ أنْ يُغَيِّرَ حَالَتَنا. فلا شَيءَ مِنْ هذهِ يَقْدِرُ أنْ يُغَيِّرَ حَالَةَ عَدَمِ الدَّينونَةِ. فقد وُضِعْنا بِمَنْأى عَنِ الدَّينونَةِ. وهذا الأصحاحُ كُلُّهُ يَزْخُرُ بالأدلَّةِ القويَّةِ على أنَّ المُؤمِنينَ في مَأمَنٍ تامٍّ. فهذِهِ هِيَ الفِكرةُ الرئيسيَّةُ: الأمانُ والضَّمانُ اللَّذانِ يَتَمَتَّعُ بِهِما الأشخاصُ الذينَ هُمْ في المَسيح بَعيدًا عَنْ أيِّ دَينونَة الآنْ وَإلى الأبد. فحتَّى لو ظَهَرَ الشَّيْطانُ (كَما جَاءَ في جُزْءٍ لاحِقٍ مِنَ الأصْحاحِ)، مَنْ سَيَقْدِرُ أنْ يُقَدِّمَ تُهْمَةً مُثْبَتَةً ضِدَّنا أمامَ اللهِ؟ لا أحَدَ البَتَّة. فنحنُ بِمَنْأى عَنْ أيِّ دَينونَة. وهذا كُلُّهُ يُعْزَى بطريقةٍ جميلةٍ إلى الروحِ القدسِ الَّذي يَفْعَلُ ذلكَ لأجْلِنا. فالسَّبَبُ في أنَّنا بِمَنْأى عنِ الدَّينونَةِ هُوَ (كَما جاءَ في العددِ الثاني): "لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ [أَعْتَقَنا] مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ".

والكلمة "ناموس" هُنا هي ليسَتْ بالمَعنى الكِتابِيِّ، وليسَتْ بالمَعنى القانونِيِّ، بل هي تُستخدَمُ هُنا بمَعنى "مَبْدأ" أو "قُوَّة مُهَيْمِنَة". وبذلكَ فإنَّ المَعنى هُوَ أنَّ القُوَّةَ المُهَيْمِنَةَ لِروحِ الحَيَاةِ قَدْ أَعْتَقَتنا مِنَ القُوَّةِ المُهَيْمِنَةِ للخَطِيَّةِ الَّتي تَقودُ إلى المَوْت. وهذهِ جُمْلَة مُدْهِشَة وواضِحَة ومُحَدَّدَة عَنْ خِدمةِ الروحِ القُدُس. فالذينَ هُمْ في المسيح، هُمْ حَقًّا في المسيح. فنحنُ مُتَّحِدونَ بِهِ.

ولكِنْ كيفَ نَصيرُ في المسيح؟ لقد وُضِعْنا حَرْفِيًّا فيهِ مِنْ خِلالِ الروحِ القدسِ الَّذي أَعْتَقَنا مِنْ حالةِ الخطيَّةِ الَّتي تُفْضِي إلى الموتِ وأعْطانا حَياةً. لذلكَ فإنَّهُ يُدْعى رُوح الحَياةِ، والروح المُحْيِي، والروح الحَيُّ أوِ الَّذي يَهَبُ الحَياةَ. فكُلُّ هذهِ مُصْطَلَحاتٌ تُسْتَخْدَمُ لِوَصْفِ الروحِ القُدُس.

وقد قالَ "مارتن لوثر": "مِنَ المُستحيلِ أنْ يكونَ المَرْءُ مَسيحيًّا مِنْ دُونِ أنْ يَكونَ لَهُ المَسيحُ. وإنْ كانَ لَهُ المَسيحُ فَإنَّهُ يَمْلِكُ في الوقتِ نَفْسِهُ كُلَّ ما في المَسيح. وما يُعْطي الضَّميرَ سَلامًا هُوَ أنَّهُ بالإيمانِ فإنَّ خَطايانا لا تُحْسَبُ لَنا، بل للمسيحِ الَّذي وَضَعَها اللهُ عَليهِ جَميعًا. ومِنْ جِهَةٍ أُخرى فإنَّ كُلَّ بِرِّ المسيحِ يُحْسَبُ لنا إذْ إنَّ اللهَ حَسِبَ لنا ذلك. فالمسيحُ يَضَعُ يَدَهُ علينا فَنُشْفى. وَهُوَ يَطْرَحُ رِداءَهُ علينا فَنَكْتَسي لأنَّهُ مُخَلِّصُنا المَجيدُ والمُبارَكُ إلى الأبد". فهذا الاتِّحادُ الَّذي لنا الآنَ معَ المسيحِ هُوَ عَمَلُ الروحِ القُدُس. فَهُوَ يُخَلِّصُنا مِنْ حَالةِ الموتِ ويَضَعُنا في اتِّحادٍ مَعَ المسيح. لذلكَ فإنَّنا نَصيرُ أحْياءَ في المَسيح.

وهذا يَحْدُثُ بالإيمان. ونحنُ نَفهمُ ذلك. ويُتابِعُ "لوثَر" حَديثَهُ فيقول إنَّ الإيمانَ: "يُوَحِّدُ النَّفْسَ مَعَ المَسيحَ كَما تَتَّحِدُ العَروسُ مَعَ زَوْجِها. فكُلُّ ما للمَسيحِ صَارَ مِلْكًا للنَّفْسِ الَّتي آمَنَتْ، وكُلُّ ما للنَّفْسِ الَّتي آمَنَتْ صارَ مِلْكًا للمسيح. فالمسيحُ يَمْلِكُ كُلَّ البَرَكَةِ والحياةِ الأبديَّة. وهَذا صَارَ مِلْكًا للنَّفْسِ. والنَّفْسُ تِمْلِكُ كُلَّ إثْمٍ وَخَطِيَّةٍ فَيَصيرُ ذلكَ كُلُّهُ مِلْكًا للمسيح. وحينئذٍ يَحْدُثُ التَّبادُلُ المُبارَكُ. فالمسيحُ الَّذي هُوَ اللهُ والإنسانُ، والمسيحُ الَّذي لم يُخْطِئْ يومًا والذي هُوَ كُلِّيُّ القَداسَةِ، والمَسيحُ القَديرُ والأبديُّ يَحْمِلُ كُلَّ خَطايا الإنسانِ مِنْ خِلالِ إيمانِهِ. فتلكَ الخطايا تُمْحي وتَزولُ فيه لأنَّهُ لا يُمْكِنُ لأيِّ خَطِيَّةٍ أنْ تُوْجَدَ أمامَ بِرِّهِ الكامِلِ. لذلكَ فإنَّ نَفْسَ الإنسانِ المُؤمِنِ تَخْلُصُ بواسِطَةِ إيمانِهِ مِنَ الخَطِيَّةِ، وَتَكْتَسي بالبِرِّ الأبديِّ – بِرِّ عَريسِها المَسيح". ويا لَهُ مِنَ اتِّحادٍ سَعيد! ومَنِ الَّذي يَفْعَلُ ذلك؟ إنَّ هذا العَمَلَ هُوَ عَمَلُ رُوْح الحَياةِ الَّذي يُعْتِقُنا مِنَ اتِّحادِنا بالخطيَّةِ والشَّيطانِ (لأنَّ هذا الاتِّحادَ يُنْشِئُ مَوْتًا)، ويُعْطينا حَياةً. فهذا هُوَ عَمَلُ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يُجَدِّدُنا. وهذا هُوَ مَعنى العَدَدِ الثَّاني.

وأرْجو أنْ تَرْجِعوا مَرَّة أخرى إلى هذا العَدَد وأنْ تَنْظُروا إلى نِهايَتِهِ. فنحنُ قَدْ أُعْتِقْنا مِنْ هَيْمَنَةِ الخَطِيَّةِ الَّتي تُنْشِئُ مَوْتًا – أيْ مِنَ حالةِ الموتِ الروحيِّ النَّاجِمَةِ عَنِ الخطيَّةِ. وكيفَ نُعْتَقُ؟ بِسُلْطانِ روحِ الحَياةِ. وهذا لا يُمْكِنُ إلَّا أنْ يُشيرَ إلى الروحِ القدسِ المُبارَكِ. فَهُوَ رُوْحُ الحَياة. وَهُوَ مَذْكورٌ بوضوحٍ شديدٍ في 2كورِنثوس 3. ويُمْكِنُكُمْ أنْ تَقرأوا عَنْهُ هُناك. فالنَّاموسُ يَقْتُل. الحَرْفُ يَقْتُلُ. "لأنَّ الحَرْفَ يَقْتُلُ، وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي". ... ولكنَّ الرُّوحَ يَحْيي. (كما جاءَ في العدد 6، والعدد 17، والعدد 18). ونَقرأُ في غَلاطِيَّة 6: 8 أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ رُوْحٌ مُحْيٍ. فالروحُ القدسُ هُوَ الَّذي يُعْطينا حَياةً.

وإنْ كُنْتُمْ ما زِلْتُمْ تتساءلونَ عنْ ذلك، ما الَّذي قالَهُ يسوعُ لنيقوديموس؟ أتريدُ أنْ تَدْخُلَ مَلكوتَ اللهِ؟ يجبُ عليكَ أنْ تُوْلَدَ مِنَ الماءِ والرُّوح. يجبُ أنْ تُوْلَدَ مِنْ فَوْق. فالروحُ هُوَ مَصْدَرُ الحياةِ. وَهُوَ الَّذي يُعْطي الحياةَ. وَهُوَ الَّذي يُجَدِّدُنا.

انْظُروا لَحْظَةً إلى رِسالَةِ تِيْطُس. ففي الرِّسالةِ إلى تِيْطُس، هُناكَ جُمْلَة رائعة عَنِ الخلاصِ يُمْكِنُ أنْ تُؤكِّدَ ما قُلْتَهُ وَأنْ تَزيدَهُ وُضوحًا. ولكِنْ لاحِظوا أنَّنا كُنَّا "أغبياء" (كَما جاءَ في العدد 3 – تِيْطُس 3: 3). وكُنَّا "غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ وَالْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا". وهذا وَصْفٌ يَصحُّ على كُلِّ إنْسانٍ. وَهِيَ صُوْرَةٌ ليسَتْ جَميلَةً. "وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ" – لذلكَ فإنَّنا نَقرأُ هُنا عَنْ لُطْفِ اللهِ. فكُلُّ شَيءٍ يَبتدئُ بمحبَّةِ اللهِ العامِلَةِ مِنْ خِلالِ نِعْمَةِ المَسيحِ ويَنْتَهي بِشَرِكَةِ الروحِ القُدُس. "وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ خَلَّصَنَا".

وكيفَ خَلَّصَنا؟ وكيفَ أنْقَذَنا مِنْ حالةِ الفَسادِ واللَّعْنَةِ؟ وكيفَ أنْقَذَنا مِنْ سَيْطَرَةِ الشَّيْطان؟ وكيفَ أنْقَذَنا مِنْ هَيْمَنَةِ الخَطِيَّةِ؟ كيفَ فَعَلَ ذلك؟ لقد خَلَّصَنا "لاَ بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ" – حسنًا، فَهُوَ لَمْ يُخَلِّصْنا بمُقْتَضى النَّاموسِ إذًا. ولا بِمُقْتَضى صَلاحِنا. "بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ ... بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ" مَنْ؟ "الرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي سَكَبَهُ بِغِنًى عَلَيْنَا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَا". لا أعتقدُ أنَّنا نَعْلَمُ حَقًّا مِلْءَ غِنى الروحِ القُدُسِ، ولكنَّنا سَنَعْمَلُ مَعًا على فَهْمِ ذلك. فكيفَ حَدَثَ هذا التَّجديدُ؟ وكيفَ حَدَثَ هذا الغَسْلُ؟ وكيفَ تَمَّ هذا الميلاد الثَّاني؟ وكيفَ حَصَلْنا على هذهِ الحياةِ؟ كيفَ وَمَنِ الَّذي جَعَلَنا أحْياء؟ لا أَحَدَ سِوى رُوح الحَياة.

وكيفَ فَعَلَ ذلك؟ حسنًا، أولًا، لقد قَرَأتُ لَكُمْ في يوحنَّا 16 أنَّهُ يُبَكِّتُنا على خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ. فهذا هوَ عملُ الروحِ القدسِ إذْ إنَّهُ يُبَكِّتُ الخاطِئَ. ثُمَّ إنَّهُ يَجْذِبُنا إلى الإنْجيل. فالروحُ القدسُ هُوَ مُنْشِئُ الكِتابِ المقدَّسِ. فكُلَّ الكِتابِ المقدَّسِ مُعْطَى بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ. فاللهُ أَوْحى بِهِ (أوْ تَنَفَّسَهُ – "نُوما" [pneuma]) بِروحِهِ القُدُّوس. وكَما يَقولُ بُطْرُسُ، فإنَّ أُناسَ اللهِ القِدِّيسينَ كانُوا مَسُوقينَ مِنَ الروحِ القُدُسِ حينَ كَتَبوا الكِتابَ المقدَّسَ. لذلكَ فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ مُنْشِئُ الكِتابِ المقدَّس. إذًا أوَّلًا، الروحُ القدسُ يُبَكِّتُ الخَاطِئَ. ثانيًا، الروحُ القدسُ (الَّذي هُوَ مُنْشِئُ الإنْجيلِ) يُقَدِّمُ الإنجيلَ إلينا لكي نُوْلَدَ ثانيةً (كَما جاءَ في رِسالةِ يَعْقوب 1: 18) "بكلمةِ الحَقِّ". ونَقرأُ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِنْ رِسالةِ بُطرسَ الأولى الفِكرةَ نَفْسَها. فنحنُ وُلِدْنا بكلمةِ الحَقِّ. فالروحُ القدسُ هُوَ المُبَكِّتُ. والروحُ القدسُ هُوَ مُنْشِئُ الإنْجيل المُقَدَّم إلينا. والروحُ القُدُسُ يَصيرُ مُعَلِّمَنا ويَفْتَحُ أذهانَنا مِنْ خِلالِ قُدْرَتِهِ على تَجْديدِها. ونحنُ نُؤمِنُ بالإنجيلِ ونَتْرُكُ الخَطِيَّة. وهذا كُلُّهُ عَمَل الرُّوح القدس. فَهُوَ الرُّوحُ الَّذي يَهَبُ الحَياةَ لَنا، والرُّوحُ الَّذي يُعْطينا حَياةً. لذلكَ فإنَّهُ رُوْحُ الحَياة.

ولا أَدري إنْ كُنْتُمْ قد صَرَفْتُمْ وَقتًا يَومًا في التَّفكيرِ في الأشياءِ الَّتي وَهَبَها لَكُمْ الرُّوحُ القُدُس: على تَبْكيتِكُمْ على خَطِيَّةٍ وبِرٍّ ودَينونَةٍ، أوْ على كِتابَةِ الأسفارِ المقدَّسَةِ والإنجيلِ المَجيدِ وكلمةِ الحَقِّ. فَروحُ الحَقِّ هُوَ الَّذي قَدَّمَ لَكُمْ كَلِمَةَ الحَقِّ، وهُوَ الَّذي وَهَبَكُمْ حَياةً وفَهْمًا لكي تَسْمَعوا الحَقَّ، وتَصيروا أحْياءً، وتَتوبونَ، وتُؤمِنونَ بالحَقِّ إذْ أُعْتِقْتُمْ بالفِعْل مِنْ حالةِ الخَطيَّةِ والموتِ إلى حالةِ الحَياة. والآنْ، لقد باتَتْ حالَةُ حَياتِكُمْ لا حَالَةَ حَياةٍ فحسب، بل إنَّكُمْ كُسِيْتُمْ بِبِرِّ المَسيحِ شخْصِيًّا وَصِرْتُمْ بِمَنأى عَنْ أيِّ دَينونَةٍ – صِرْتُمْ بِمَنأى عَنْ ذلكَ الاحْتِمال.

ولَكِنْ كَيْفَ تَمَكَّنَ الرُّوحُ القُدُسُ مِنَ القيامِ بذلك؟ كيفَ فَعَلَ الروحُ القدسُ ذلك؟ لقد تَمَكَّنَ مِنَ القيامِ بذلكَ بسببِ ما ذُكِرَ في العَدَدِ الثَّالِثِ. وسوفَ نَتَحَدَّثُ عَنْ ذلكَ مُطَوَّلًا في المَرَّةِ القادِمَةِ. ولَكِنْ سأُعْطيكُمْ مُقَدِّمَةً عَنْ هذا العَدَدِ الآن. فالنَّاموسُ كانَ عاجِزًا عَنِ القيامِ بذلك. فقد كانَ ضَعيفًا لأنَّ النَّاموسَ لا يَسْتَطيعُ أنْ يُعْطي الجَسَدَ قُوَّةً. والنَّاموسُ لا يَستطيعُ أنْ يَجْعَلَ الإنْسانَ أَفْضَل. فَهُوَ قادِرٌ على وَضْعِ المَعاييرِ الكامِلَةِ، ولكنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يُعْطي الإنْسانَ القُدْرَةَ على تَطْبيقِ هذهِ المَعايير. لذلكَ فَقَدْ كانَ النَّاموسُ ضَعيفًا بالجَسَد. بعبارةٍ أُخرى، فَإنَّهُ ليسَ ضَعيفًا في ذاتِهِ، بل بِمَعنى أنَّ الجَسَدَ لا يَستطيعُ أنْ يُطَبِّقَ مَعاييرَ النَّاموس. ولكنَّ اللهَ فَعَلَ ما عَجِزَ النَّاموسُ عَنِ القيامِ بِهِ. وقد فَعَلَ ذلكَ مِنْ خلالِ الروحِ القدس. وقد فَعَلَ ذلكَ مِنْ خلالِ ذبيحةِ المسيح بأنْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَد.

واسْمَحوا لي أنْ أُبَيِّنَ لَكُمُ الفَرْقَ. هَلْ تَرَوْنَ العِبارَةَ الأخيرَةَ: "دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ"؟ وهَلْ تُدْرِكونَ ما يَقْدِرُ النَّاموسُ أنْ يَفْعَلَهُ؟ إنَّ النَّاموسَ قادِرٌ أنْ يَدينَ الخَاطِئَ. فالنَّاموسُ يَدينُ الخاطِئَ. أمَّا الصَّليبُ فَيَدينُ الخَطِيَّة. أتَرَوْنَ الفَرْقَ؟ فالنَّاموسُ لا يَقْدِرُ أنْ يَدينَ الخَطِيَّةَ. فالصَّليبُ فقط هُوَ الَّذي يَدينُ الخَطِيَّة. فالنَّاموسُ يُحْكُمُ على الخاطِئِ بالموتِ. أمَّا الصَّليبُ فيَحْكُمُ على الخَطِيَّةِ بالموت. فالخطيَّةُ هي الَّتي تَموتُ وتَتَوَقَّفُ عَنِ اسْتِعْبادِنا لأنَّ قُوَّتَها تُبْطَلُ ولا يَعودُ لها سُلْطانُ علينا. وَهِيَ لا تَسْتَطيعُ بَعْدَ ذلكَ أنْ تُطالِبَ بعِقابِنا وَإهلاكِنا. فالنَّاموسُ يَدينُ الخاطِئَ، أمَّا الصَّليبُ فَيَدينُ الخَطِيَّة.

وكيفَ يَفْعَلُ الصَّليبُ ذلكَ؟ لأنَّهُ على الصَّليبِ، دَفَعَ يَسوعُ أُجْرَةَ الخَطِيَّةِ كامِلَةً. فأُجْرَةُ الخَطيَّةِ الَّتي عَيَّنَها اللهُ نَفْسُهُ قَدْ دُفِعَتْ بالكامِلِ. وهذا هُوَ المَقصودُ بالقولِ إنَّنا اتَّحَدْنا مَعَهُ في مَوْتِهِ. فعندما ماتَ، كانَتْ كُلُّ خَطايانا ماثِلَةً هُناكَ فَدَفَعَ أُجْرَتَها بالكامِلِ. أمَّا النَّاموسُ فكانَ عاجِزًا عنِ القيامِ بذلك. وصَدِّقوني أنَّ النَّاموسَ يَدينُ كُلَّ خاطِئٍ. فالنَّاموسُ لا يَقْدِرُ أنْ يَدينَ الخَطِيَّةَ، ولكِنَّ الصَّليبَ يَدينُ خَطيَّةَ أولئكَ الذينَ هُمْ في المَسيح. وهذا هُوَ عَمَلُ الروحِ القدس.

وقد كُنْتُ أبْحَثُ خِلالَ هذا الأسبوعِ عَنْ تَرانيمَ عَنِ الرُّوحِ القُدُسِ لأنَّ هُناكَ تَرانيمَ قَليلَةً عَنِ الرُّوحِ القُدُس. وَهِيَ بالمُجْمَلِ تَرانيمٌ رَكيكَةٌ، وضَعيفَةٌ، وعاطِفِيَّة. ولكنِّي واصَلْتُ البَحْثَ. ثُمَّ خَطَرَ ببالي أنْ أبْحَثَ في كِتابِ التَّرانيمِ الخاصِّ بالكنيسةِ المَشْيَخِيَّةِ لأنَّ تَرانيمَهُمْ تُرَكِّزُ أكْثَرَ على الجانبِ اللَّاهوتِيِّ. وقد وَجَدْتُ هذهِ التَّرنيمةَ، وَهِيَ تَرنيمةٌ لم أَسْمَعْها مِنْ قَبْل ولا أَعْرِفُ كَيْفَ تُرَنَّمُ. وقد حاوَلْتُ أنْ أَرْتَجِلَ لَحْنًا مِنْ عِنْدي، ولكنَّ ذلكَ لم يُساعِدْ أَحَدًا على مَعْرِفَتِها. وعلى أيِّ حالٍ فقد وَجَدْتُ هذهِ التَّرنيمةَ القديمةَ عنِ الروحِ القدسِ، وَهِيَ الوَحيدة الَّتي عَثَرْتُ عليها. وَهِيَ تَقول: "يا رُوحَ اللهِ، نَحْنُ نَعْبُدُكَ. يا هِبَةَ القيامَةِ المُرسَلَة مِنْ عَرْشِكَ العَلِيِّ. يا مِلْءَ الثَّالوثِ الَّذي جِئْتَ لِتَجْعَلَ حَياتَكَ حَياتَنا". وهذا هُوَ تَمامًا ما فَعَلَهُ الروحُ القُدُسُ. فقد جاءَ ليُعْطينا ذاتَ حَياةِ اللهِ وَيَجْعَلَها حَياتَنا.

ثُمَّ إنَّ الكاتِبَةَ (وَهي بالمُناسَبَة: "مارغريت كلاركسون" [Margaret Clarkson]. ورُبَّما لا تَعْرِفونَ شَيئًا عنها) ... إنَّها تَمْضي وتقولُ الآتي (وقد أَجْرَيْتُ تَعْديلًا طَفيفًا على الكلماتِ، ولكنَّها تَتَحَدَّثُ مُخاطِبَةً الروحَ القُدُسَ): "يا مَنْ كُنْتَ مُنْذُ فَجْرِ الخَليقَةِ تَرِفُّ على وَجْهِ المياهِ العَميقَةِ الَّتي لا حَياةَ فيها. ويا مَنْ تَتَحَرَّكُ في وَسَطِ ظَلامِنا لِتُنْهِضَ نُفوسَنا مِنَ الموتِ. ويا مَنْ تَتَحَرَّكُ لِتُبَكِّتَنا وتَجْذِبَنا وتُنْهِضَنا وتُعْطينا أنْ نُدْرِكَ وُجودَ الخطيَّةِ، وتَلِدُنا ثانِيَةً وَتَخْتِمُنا وتَمْلأُنا لأنَّكَ المُحامي عَنَّا في داخِلِنا. أنْتَ نَفْسَكَ الَّذي أَنْشأتَ الكلمةَ المقدَّسَةَ وجَعْلَتها حَيَّةً، وأنتَ الَّذي تَقرأُ مَعَنا صَفَحاتِها المقدَّسَةَ وتُعْلِنُ مِنْ خِلالِها رَبَّنا المُقامَ. أنْتَ هُوَ الَّذي يَعْمَلُ فيها، وَأنْتَ الَّذي تُعَلِّمُ القُلوبَ المُتَمَرِّدَةَ أنْ تُصَلِّي. وأنتَ الَّذي تَعْمَلُ شَفاعَتُكَ المُقَدَّسَةَ فينا نَهارًا وليلًا". وهذا صَحيحٌ تمامًا. وهذا سَبَبٌ يَدْعونا إلى تَقديمِ الإكرامِ للرُّوحِ القُدُس. آمين؟

نَشكُرُكَ، يا أبانا، على هذا الوقتِ الَّذي وَهَبْتَهُ لنا في هذا الصَّباحِ للتَّأمُّلِ في هذهِ الأشياءِ. ونحنُ ما زِلْنا في المَرْحَلَةِ الأولى مِنَ اكتشافِ هذهِ الحقائقِ العَظيمةِ. ولكنَّنا نَعْلَمُ أنَّنا نَمْلِكُ مَزايا كَثيرةً جدًّا تَدْفَعُنا إلى إدراكِ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ المَسيحُ على الصَّليبِ قد أَتاحَ المَجالَ للروحِ القدسِ أنْ يُعْطينا حَياةً. فهُناكَ حَقيقةُ أنَّهُ حَمَلَ في جَسَدِهِ خَطايانا على الخَشَبَة، وحقيقةُ أنَّهُ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. وهُناكَ حَقيقَةُ أنَّهُ الَّذي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً قد جُعِلَ خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ. وهُناكَ حَقيقَةُ أنَّهُ صَارَ لَعْنَةً لأجْلِنا. فجَميعُ هذهِ الحقائقِ العظيمةِ لعملِ المسيحِ الكَفَّارِيِّ، وهذا التَّدبيرِ المُهِمِّ، وهذهِ المُصادَقَةِ الضَّروريَّةِ على المُبادَرَةِ الإلهيَّةِ قد أَفْسَحَتْ في المَجالِ أمامَ الروحِ القُدُسِ لكي يُعْطينا حياةً ويَهَبَنا حَياةً تَجْعَلُنا بِمَنأى عنِ الدَّينونَةِ – عالِمينَ أنَّ المسيحَ قَدْ أَخَذَ الدَّينونَةَ كامِلَةً عَنْ خَطايانا. فلا يُمْكِنُ لأيِّ شَيءٍ أنْ يَدينَنا البَتَّة. ويا لَهُ مِنْ خَبَرٍ عَظيمٍ حقًّا!

وكَمْ نَشْكُرُكَ، يا أبانا، على مُبادَرَةِ المَحَبَّةِ هذهِ! أجَلْ، نحنُ نَشكُرُكَ، أيُّها السيِّدُ المَسيحُ، على هذهِ الذَّبيحةِ الَّتي أَنْعَمْتَ بها عَلينا. ونحنُ نَشكُرُكُ أيُّها الرُّوح القُدُسُ، لأنَّكَ أعْطيتَنا حَياةً ولأنَّكَ تَضْمَنُ اسْتِمرارَ هذهِ الحياةِ إلى أنْ نَرى المسيحَ وَجْهًا لِوَجْهٍ ونَصيرَ مِثْلَهُ. ونَحْنُ نَعْبُدُكَ، أيُّها اللهُ المُثَلَّثُ الأقانيم بِفَرَحٍ وامْتِنان. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize

Currently Playing

Today's Radio Broadcast

Playlist

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Playlist
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize