Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لقد ابتَدأنا سِلْسِلَةً دِراسِيَّةً عنِ الرُّوحِ القُدُسِ بِدافِعِ حُزْني القَلْبِيِّ على الطُّرُقِ المُريعةِ الَّتي يُساءُ فيها إلى الروحِ القُدُسِ باسْمِ الكَنائِسِ الإنجيليَّةِ اليوم. والحَركةُ الخَمسينيَّةُ هِيَ الَّتي تَقودُ مَوْكِبَ الإساءةِ إلى الروحِ القدسِ، وإحْزانِ الروحِ القدسِ، وإهانةِ الروحِ القدسِ، وحَتَّى التَّجديفِ على الروحِ القدس. ويبدو أنَّ الإساءةَ إلى الروحِ القدسِ لا حُدودَ لَها ولا تَتَوَقَّفُ. وكما ذَكرتُ في وقتٍ مُبْكِرٍ مِنْ هذهِ السِّلْسِلَةِ، فإنَّ الخَطيئةَ الَّتي لا تُغْفَر الَّتي تَحَدَّثَ عنها يسوعُ في إنْجيل مَتَّى كانَتْ تَتَلَخَّصُ في نَسْبِ أعْمال الرُّوحِ القُدُسِ إلى الشَّيْطانِ. وأعتقدُ أنَّ ما يَحْدُثُ اليومَ هُوَ العَكْسُ تَمامًا إذْ إنَّ مَنْ يَفعلونَ ذلكَ يَنْسِبونَ أعْمالَ الشَّيْطانِ إلى الروحِ القدس. وهذا الأمْرُ مُسْتَفْحِل في عالَمِنا، والإساءاتُ واضِحَةٌ لَنا جَميعًا.

ومِنَ الشَّائِعِ جِدًّا اليوم أنْ تَقولَ أيَّ شيءٍ تَرْغَبُ في قَوْلِهِ عنِ الروحِ القدسِ، وأنْ تَنْسِبَ إلى الروحِ القدسِ مَا تُريد أنْ تَنْسِبَهُ إليهِ مِنْ أجْلِ السَّيطرةِ على النَّاس. وقد صارَتِ الإساءةُ إلى الرُّوحِ القُدُسِ رياضَةً مَفتوحَةً الآن. وهناكَ هَجَماتٌ على اللهِ الآبِ. وهُناكَ التَّوحيدُ المَفْتوحُ، وَهُوَ هُجومٌ لاهوتِيٌّ يقولُ إنَّ اللهَ ليسَ كُلِيَّ المَعرِفَةِ، أيْ أنَّهُ لا يَعْلَمُ كُلَّ شيءٍ، ولا يَعرِفُ المُستقبَل. وهذا هُجومٌ لاهوتِيٌّ. وهناكَ هُجومٌ على اللهِ الابْن. فهُناكَ رَأيٌ يُعْرَفُ بالنَّظرةِ البولُسِيَّة يُنْكِرُ الموتَ الكَفَّارِيَّ للمسيحِ على الصَّليب. إذًا، هُناكَ هُجومٌ على طَبيعَةَ اللهِ. وَهذا هُوَ ما يَفْعَلُهُ التَّوحيدُ المَفتوح. وَهُناكَ هُجومٌ على طبيعةَ عَمَلِ المسيح. وهذا هُوَ الرَّأيُ الَّذي يُعْرَفُ بالنَّظرةِ البولُسِيَّة. وَهُوَ رأيٌ يُهاجِمُ عقيدةَ الكَفَّارَةِ، والبِرِّ المَحْسوب، والتَّبرير.

وقد كانتْ هُناكَ دائمًا هَجَماتٌ لاهوتِيَّةٌ كهذهِ مِنْ داخلِ الكنيسةِ على الآبِ والابْنِ. ومعَ أنَّ الهَجَماتِ على الروحِ القدسِ هِيَ هَجَماتٌ عَقائديَّةٌ، فإنَّها لا تَبْدو أنَّها عَقائديَّة. فهيَ لا تَظْهَرُ وكأنَّها عَقائِدِيَّة. فهي تَبْدو وكأنَّها مُجَرَّد أشياءٍ مُتَعَنِّتَةٍ ذاتِ طَبيعَةٍ اخْتِبارِيَّةٍ تنْسَبُ إلى الروحِ القدس. إنَّهُمْ، ويا للأسَف، يُهاجِمونَ اللهَ ... اللهَ المَجيدَ الواحِدَ المُثَلَّثَ الأقانيم. والحقيقةُ هي أنَّ الحركةَ الخمسينيَّةَ رَفَضَتِ الهُوِيَّةَ الحقيقيَّةَ للروحِ القدسِ، ورَفَضَتِ العملَ الحقيقيَّ المَجيدَ الَّذي يَقومُ بهِ الروحُ القدسُ، واسْتَبْدَلَتْ ذلكَ بإلَهٍ زائِفٍ. فهُناكَ إلهٌ زائفٌ يُسَمَّى الروحُ القُدُس. ولكِنَّهُ ليسَ الروحَ القدسَ، بل هوَ إلهٌ مِنْ صُنْعِ البَشَرِ في الكنيسةِ اليوم. وَهُوَ عِجْلٌ ذَهَبِيٌّ. وَهذِهِ إسَاءَةٌ إلى اللهِ الرُّوح.

والحَرَكَةُ (الخمسينيَّةُ) تَتَجاهَلُ عَمْدًا الحَقَّ المُخْتَصَّ بالروحِ القدسِ، وَتَسْتَعيضُ عنهُ بروحٍ زائفٍ في بيتِ اللهِ، وَتُجَدِّفُ على الروحِ القدسِ دُوْنَ خَجَل. وهناكَ أمثلةٌ توضيحيَّةٌ كثيرةٌ على ذلكَ حَتَّى إنَّ المرءَ لا يَسْتَطيعُ أنْ يَتَذَكَّرَها جميعًا. وهناكَ كِتابٌ جديدٌ يَتَصَدَّرُ المَبيعاتِ حاليًّا. فَهُوَ في رأسِ لائِحَةِ الكُتبِ الأكثرِ مَبيعًا بحسبِ مَجلَّةِ النيويورك تايمز. وَهُوَ كِتابٌ صَدَرَ عَنِ العالَمِ المسيحيِّ بعُنوان: السَّماءُ حَقيقيَّة" (Heaven Is For Real). وَهُوَ كِتابٌ يَزْعُمُ أنَّهُ يَحْكي قِصَّةَ رِحْلَةِ طِفْلٍ في الرَّابعةِ مِنَ العُمْرِ إلى السَّماءِ أثناءَ خُضوعِهِ لعمليَّةِ استئصالِ الزَّائدةِ الدُّودِيَّة. فقد ذَهَبَ هذا الطِّفْلُ إلى السَّماءِ وَعادَ مِنْها. والحقيقةُ هي أنَّ هذا الكِتابَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُوْضَعَ على رُفوفِ المَكْتَباتِ. فَكَمْ بالحَرِيِّ أنْ يَشتريهِ أَحَدٌ. ولكِنَّ المَبيعاتِ وَصَلَتْ إلى خَمْسَة مَلايينِ نُسْخَةٍ خِلالَ الأشْهُرِ التِّسعةِ الأولى لإصْدارِه. خَمْسَةُ مَلايينِ نُسْخَةٍ مِنْ كِتابٍ يَحْكي ما رآهُ طِفْلٌ أثناءَ زيارَتهِ إلى السَّماءِ أثناءَ خُضوعِهِ لعمليَّةِ استئصالِ الزائدةِ الدُّودِيَّة.

ويقولُ الطِّفْلُ إنَّهُ رأى الآبَ، وإنَّ لَهُ أَجْنِحَة مِثْلَ جِبرائيل. وَقد رأى يَسوعَ. وكانَتْ عَيْنا يَسوعَ زَرْقاوَيْنِ. أمَّا طُولُهُ فهُوَ نِصْفُ طُولِ ميخائيل. وَهُوَ أقْصَرُ مِنْ جِبرائيل. ولكِنْ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّهُ قَصيرٌ جِدًّا، فإنَّهُ أقوى مِنْهُمْ جميعًا. وَهُوَ يَرْكَبُ على حِصانٍ مُلَوَّنٍ بألْوانِ قَوْسِ قُزَحْ. وَهُوَ حِصانٌ لا يُمْكِنُ لأحدٍ سِواه أنْ يَمْتَطيه. وقد رأى الروحَ القدسَ أيضًا. والروحُ القدسُ كانَ في هَيئةِ ضَبابٍ شَفَّافٍ أزْرَقِ اللَّوْنِ يَملأُ المَكانَ ويُعْطي طاقَةً للأرْضِ. وقد بِيْعَتْ خَمْسَةُ ملايين نُسْخَة مِنْ هذا الكِتابِ في تِسْعَةِ أشْهُر. ولكِنْ هَلْ هَذا هوَ المَصْدَرُ الَّذي نَسْتَقي مِنْهُ مَعلوماتِنا عنِ الروحِ القدسِ، واللهِ الابْنِ، واللهِ الآبِ، والسَّماء؟ مِنْ أُناسٍ مُخادِعينَ؟ ومِنْ أُناسٍ مُحْتالينَ؟ وَمِنْ طِفْلٍ عُمْرُهُ أرْبَعُ سَنَواتٍ تَلاعَبَ أبَواهُ في عَقْلِهِ وَمُخَيِّلَتِهِ دُوْنَ أدْنى شَكٍّ؟

لقد صارَ الروحُ القدسُ مُجَرَّدَ لُعْبَةٍ مُتَحَوِّلَةٍ أُخرى. فَهُوَ يَستطيعُ أنْ يَتَشَكَّلَ بالصُّورةِ الَّتي تُريدُها أنْت. فمَهما كانتِ الصُّورةُ الَّتي تُريدُ أنْ تَراهُ عليها، ومَهما كانتِ الصُّورةُ الَّتي تَرْتاحُ لها، ومهما كانَتِ الصُّورةُ الَّتي تَرْغَبُ فيها، ومَهما كانَتْ خُطَّتُكَ لِخِداعِ النَّاسِ لِمَنْفَعَتِكَ الشخصيَّةِ، يُمْكِنُكَ أنْ تَنْسِبَ ذلكَ إلى الروحِ القدس. وهذا نَوْعٌ مِنَ التَّجديفِ والإساءَةِ. وقد تَحدَّثنا عن ذلكَ في الأسابيعِ القليلةِ الماضيةِ. فلا يَجوزُ لأيِّ مَسيحيٍّ حقيقيٍّ أنْ يَفعلَ ذلك لأنَّهُ لا يَتَّفِقُ معَ ما يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ – سَواءٌ كانَ هَرْطَقَةً خَطيرةً عنِ الروحِ القدسِ أوْ مُجَرَّدَ كَلامٍ تافِهٍ لا مَعنى لَهُ. وعلى أيِّ حالٍ، أيًّا كانتِ الإساءَةُ، وأيًّا كانتِ الكِذْبَةُ، فإنَّها تُهينُ الروحَ القدسَ الَّذي يَستحِقُّ كُلَّ إكْرامٍ، وَكُلَّ تَسْبيحٍ، وكُلَّ تَمْجيد.

لذلكَ فقد كُنَّا نُحاوِلُ أنْ نَرى الصُّورةَ الحقيقيَّةَ للروحِ القدسِ، وأنْ نَعْرِفَ خِدمَتَهُ الحقيقيَّةَ لكي نَعْبُدَهُ بالروحِ والحَقّ. وكنُقطةِ بِداية في دِراسَتِنا، تأمَّلْنا في رُومية 8. لذلكَ، يُمكِنُكُم الآنَ أنْ تَفتحوا كُتُبَكُم المُقَدَّسَةَ على الأصْحاحِ الثَّامِنِ مِنْ رِسالَةِ رُومية. وقد تَشَجَّعْتُ كثيرًا بسببِ رُدودِ الفِعْلِ على هذهِ السِّلْسِلَة. فقد كانَتْ آراؤُكُمْ رائعةً، وقد قلْتُمْ إنَّكُمْ تَبارَكْتُمْ بها وإنَّكُمْ تَرَوْنَ الأمورَ بطريقةٍ مُختلفةٍ وجديدةٍ، وإنَّ هذهِ السِّلسلةَ قد غَيَّرْتْ نَظرَتَكُمْ إلى الروحِ القدسِ وطريقة عِبادَتِكُمْ لَهُ، وطريقة عِبادَتِكُمْ بِصورةٍ عامَّةٍ. وهذا مُهِمٌّ جدًّا جدًّا في حياتِنا المسيحيَّةِ.

والآنْ، نأتي إلى الأصحاحِ الثامنِ مِنْ رِسالةِ رُومية. ولا شَكَّ أنَّ رِسالةَ رُومية تَتحدَّثُ عنِ الإنْجيل. فالأصحاحاتُ الخَمسةُ الأولى تَتحدَّثُ عنِ الإنْجيل. فالأصْحاحانِ الأوَّلِ والثَّاني يَتحدَّثانِ عنِ الحاجةِ إلى الإنْجيل، وعَنْ خَطيئةِ الإنْسانِ. ثُمَّ ابْتِداءً مِنَ الأصْحاح 3: 21 إلى الأصحاحِ الخامِسِ (إلى نِهايةِ الأصحاحِ الخامِسِ والعدد 21)، فإنَّ الحديثَ هُوَ عنِ الخَلاصِ المُقَدَّمِ في المسيحِ لِتَلبيةِ تلكَ الحَاجَة. لذلكَ فإنَّهُ سِفْرٌ عنِ الإنْجيل. والأصحاحُ الافتتاحِيُّ يُقَدِّمُ إنْجيلَ اللهِ في الأعْداد 1-17. ثُمَّ يأتي الحَديثُ عَنْ خَطيئةِ الإنسانِ. ثُمَّ يأتي الحديثُ عنِ الحَلِّ الكامِنِ في الموتِ الكَفَّارِيِّ الرائعِ ليسوعَ المسيحِ وفي قِيامَتِهِ العَظيمَة. لذلكَ، ما أنْ نَصِلَ إلى نِهايةِ الأصحاحِ الخامسِ، نَكونُ قد عَرَفنا حقيقةَ أنَّ الخلاصَ هُوَ بالنِّعمةِ بالإيمانِ بالمسيح، وليسَ بالأعمال. وهذا مُبَيَّنٌ بوضوحٍ تامٍّ جدًّا جدًّا. لذلكَ فإنَّ طَريقَ الخَلاصِ مُبَيَّنٌ بوضوح.

وحينَ نَصِلُ إلى الأصحاحِ السادسِ مِنْ رِسالةِ رُومية، نَقرأُ عَنْ مَزايا الإنْجيل. وهذهِ المَزايا تَسْتَمِرُّ حَتَّى نِهايةِ العَدَد 39 مِنَ الأصحاحِ الثامِن. لذلكَ فإنَّ الأصحاحاتِ 6 و 7 و 8 تَتَحَدَّثُ عَنْ مَزايا الإنْجيل. وبالمَعنى العامِّ جِدًّا، يُمكِنُنا أنْ نَقولَ الآتي: الأصحاحان 6 و 7 يَتَحَدَّثانِ عَنِ المَزايا مُسْتَخْدِمًا صيغَةَ النَّفْيِ، والأصحاحُ الثَّامِنُ يَتحدَّثُ عنِ المَزايا مُسْتَخْدِمًا صِيغَةَ الإثْبات. فالأصْحاحان 6 و 7 يَتَحَدَّثانِ عَنِ المَزايا مُستخدِمًا صيغَةَ النَّفْيِ. بعبارةٍ أُخرى، فإنَّهُ مَقْطَعٌ يُمْكِنُ أنْ تُصاغَ عِباراتُهُ باستخدام العبارَة: "أنْتُمْ لَسْتُمْ". فمثلًا: "أنْتُمْ لَسْتُم تحتَ النَّاموسِ بعَد الآن"، أو: "أنْتُمْ لَسْتُمْ عَبيدًا للخطيَّةِ بعدَ الآن". أو: "أنْتُمْ لَسْتُم تَحْتَ اللَّعْنَةِ بعدَ الآن"، أو: "أنْتُمْ لَسْتُم أمْواتًا، بل أحْياء"، أو: "أنْتُمْ لَسْتُم عَبيدًا للجَسَدِ بعدَ الآن". إذًا، الأصحاحان 6 و 7 يُقَدِّمانِ الجوانِبَ الَّتي كانَتْ سَلْبِيَّةً، ولَكِنَّها صَارَتْ إيجابيَّةً في مَفْعولِها. ولكِنَّها صِيْغَتْ هُنا بصيغةِ النَّفْيِ للإشارةِ إلى الانْعِتاقِ مِنَ النَّاموسِ، والانْعِتاقِ مِنَ الخطيَّةِ، والانعِتاقِ مِنَ العِقابِ، والانْعِتاقِ مِنَ المَوْتِ.

وحينَ نأتي إلى الأصْحاحِ الثامنِ، نَجِدُ الجوانِبَ الَّتي اسْتُخْدِمَتْ فيها صِيْغَةُ الإثْباتِ إذْ نَجِدُ أنَّ الحَديثَ عَنْ عَمَلِ التَّقديسِ الَّذي يَقومُ بهِ الروحُ القدسُ هُوَ الفِكرةُ الرئيسيَّةُ للأصْحاحِ الثَّامِنِ. فهذا هُوَ العملُ الَّذي يَعْمَلُهُ الروحُ القدسُ فينا، ولأجْلِنا، ومَعَنا. ونحنُ نَجِدُ ذلكَ في الأصْحاحِ الثامِنِ. وَهُوَ ليسَ مُجَرَّدَ نَصٍّ في ذاتِهِ. فَهُوَ نُقْطَةُ انْطِلاقٍ تأخُذُنا في رِحْلَةٍ عَبْرَ العهدِ الجديدِ كُلِّهِ لِنَجِدَ آياتٍ مُشابِهَةً تَتَوَسَّعُ في كُلِّ شَيءٍ يَقولُهُ. ولكِنَّنا لَنْ نَفْعَلَ ذلكَ كثيرًا لأنَّنا نُحاوِلُ أنْ نَحْصُرَ أنْفُسَنا في الأصْحاحِ الثَّامِنِ فقط. وبالرَّغْمِ مِنْ ذلك، فإنَّنا نَرى كَثْرَةَ الأشياءِ المُعْلَنَةِ هُنا عنِ الروحِ القدسِ، وكيفَ أنَّها قد تَجِدُ تَفْسيرَها مِنْ خِلالِ مَقاطِعَ أُخرى في العهدِ الجديدِ تَحْديدًا.

لذلكَ فإنَّنا نَنْظُرَ إلى المَقْطَعِ الَّذي يُحَدِّثُنا عَنْ مَزايا الخَلاصِ بالنِّسبةِ إلينا. وهُنا، نَبْتَدِئُ حَقًّا في فَهْمِ عَمَلِ الروحِ القُدُس لأنَّ الصُّورةَ تَتَّضِحُ لَنا. فالآبُ وَضَعَ الخُطَّةَ، والابْنَ جَعَلَ الخُطَّةَ قابلةً للتَّطبيقِ، والروحُ القدسُ جَعَلَ الخُطَّةَ تَعْمَل. حسنًا؟ فالآبُ صَمَّمَها إذْ إنَّهُ هُوَ الَّذي بَادَرَ بالخَلاص. والابْنُ أَكَّدَ الخَلاصَ. والروحُ القدسُ طَبَّقَ وَاقِعَ الخَلاص. فالآبُ هُوَ الَّذي اخْتارَنا. والابْنُ هُوَ الَّذي فَدانا. والروحُ القدسُ هُوَ الَّذي يُقَدِّسُنا. فالاختيارُ هُوَ عَمَلُ الآبِ. والتَّبريرُ هُوَ عَمَلُ الابْنِ. والتَّقديسُ هُوَ عَمَلُ الروحِ القُدس. فالأقانيمُ الثَّلاثَةُ اشْتَرَكَتْ في واقِعِ الخَلاصِ العَجيبِ هذا.

لذلكَ، إذْ تأتونَ إلى الأصحاحِ الثامنِ، وتَنظرونَ إلى عَمَلِ الروحِ القدسِ في حَياةِ المُؤمِنِ، إذْ إنَّهُ يُقَدِّسُ المُؤمِنَ، فإنَّ الأمْرَ يَتَلَخَّصُ في الآتي: نَحْنُ نَنْتَقِلُ مِنَ النِّعْمَةِ إلى المَجْدِ. حَسَنًا؟ فنحنُ لَسْنا بَعْد تَحْتَ الدَّينونة. فهكذا يَبتدئُ العَدَدُ الأولُ. ونحنُ لسنا بَعْد تحتَ حُكْمِ الموتِ بواسِطَةِ النَّاموس. فقد أُعْتِقْنا مِنْ ناموسِ الخطيَّةِ والموتِ. وقد أُعْطينا حَياةً جديدةً. وقد تَمَّ تَجْديدُنا. وقد وُلِدْنا ثانِيَةً. وقدِ ابتدأنا الآنَ نَخْتَبِرُ خِدمةَ الروحِ القدسِ القويَّة والمُستمرَّة إذْ إنَّهُ يَنْقِلُنا مِنَ النِّعْمَةِ إلى المَجْد. ومِنَ المُهِمِّ جِدًّا أنْ نَفهمَ ذلكَ لأنَّنا نَحْيا هُنا.

إنَّ الفهمَ الصحيحَ لخِدمةِ الروحِ القدسِ هُوَ أمْرٌ مُهِمٌّ لكي نَعْبُدَ روحَ اللهِ على الأشياءِ الَّتي يَقومُ بها في هذا الوقتِ في حَياتِنا. فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَعبُدَ الروحَ القدسَ العِبادَةَ اللَّائِقَةَ الَّتي يَسْتَحِقُّها إلَّا إذا كُنْتَ تَفهمُ ما يَفْعَلُهُ وما يَجْعَلُهُ مُسْتَحِقًّا للعِبادَةِ.

لذلكَ فإنَّنا نَجِدُ هذا الأمْرَ في الأصحاحِ الثامِنِ. فنحنُ نَقرأُ في العَدَدَيْن 2 و 3 أنَّهُ يُعْتِقُنا مِنَ الموتِ – مِنَ الخَطيَّةِ والموتِ. ونَقرأُ في العدد 4 أنَّهُ يُمَكِّنُنا مِنْ تَتْميمِ النَّاموسِ. والحَديثُ هُنا هُوَ ليسَ عنِ الانْعِتاقِ مِنْ لَعْنَةِ النَّاموسِ، بَلْ هُوَ عَنْ إعْطائِنا القُدرة على تَتْميمِ النَّاموس. ونَقرأُ في الأعْداد 5-11 أنَّهُ يُغَيِّرُ طَبيعَتَنا. ونَقرأُ في العَدَدَيْن 12 و 13 أنَّهُ يُعْطينا القُوَّةَ دائمًا لكي نَسْلُكَ في البِرِّ. ونَقرأُ في الأعْداد 14-16 أنَّهُ يُؤكِّدُ تَبَنِّينا بِصِفَتِنا أولادًا للهِ. وهذا يَقودُنا الآنَ إلى العدد 17 حَيْثُ نَجِدُ الخِدمةَ الأخيرةَ للروحِ القدسِ وَفْقًا لما جاءَ في هذا الأصْحاح. فَهُوَ يَضْمَنُ ويؤكِّدُ مَجْدَنا المُستقبليَّ الأبديَّ. فَهُوَ يَضْمَنُ أوْ يُؤكِّدُ مَجْدَنا المُستقبليَّ الأبديَّ. وهذِهِ هِيَ، دُوْنَ شَكٍّ، العَطِيَّةُ الكُبْرى الَّتي وَهَبَها اللهُ لَنا إذْ إنَّهُ أَعْطانا خَلاصًا لا يُمْكِنُ أنْ يُنْقَض.

فنحنُ لدينا ضَمانَةٌ بالمجدِ الأبديِّ. وهذا أَفْضَلُ عَناصِرِ الخَلاصِ لأنَّهُ كيفَ سيكونُ الخَلاصُ لو كانَ قابلًا للخَسارَةِ والفُقْدان؟ وكما ذَكَرْتُ مِرارًا كَثيرَةً، لو كانَ الخَلاصُ قابلًا للخَسارةِ والفُقدانِ لَكُنَّا خَسِرْناهُ وَفَقَدْناه. ولو كانَ ذلكَ مُتَوَقِّفًا عَلينا بأيِّ طَريقَة، لَكُنَّا فَقَدْناهُ لأنَّهُ لا يُوْجَدُ شَخْصٌ واحِدٌ مِنَّا قادرٌ أنْ يَفعلَ أيَّ شَيءٍ لِضَمانِ حُصولِنا على الخَلاصِ مِنَ اللهِ بِجَدارَتِنا. لذلكَ فإنَّ الرَّجاءَ الوحيدَ الَّذي لَدينا للحُصولِ على المَجْدِ الأبديِّ، أيِ الجُزْءِ الأخيرِ مِنْ خَلاصِنا، أوِ الفَصْلِ الأخيرِ، هُوَ أنْ يَكونَ مَضْمونًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِ الإلهِ الَّذي اخْتارَنا، وَدَعانا، وَبَرَّرَنا، وَالذي سَيُمَجِّدُنا ذاتَ يَوْمٍ.

لذلكَ فإنَّ الروحَ القدسَ هُوَ الَّذي يُقَدِّسُنا وَيَضْمَنُنا في الوقتِ نَفْسِهِ. لذلكَ يُمْكِنُنا أنْ نَقولَ إنَّ العَمَلَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقومُ بهما الروحُ القدسُ هُمَا التَّقْديسُ والضَّمان. فَحَتَّى العَدَد 13، يُمْكِنُنا أنْ نَقولَ إنَّنا تَقَدَّسْنا بواسِطَةِ الروحِ القدسِ. وابتداءً بالعَدَد 14 (حَيْثُ نَقرأُ عَنْ تَبَنِّينا لِنَصيرَ أولادًا للهِ، وَهِيَ عَلاقَةٌ دائمةٌ)، يُمْكِنُنا أنْ نَقولَ إنَّ عَمَلَ الروحِ القدسِ يَتَلَخَّصُ في ضَمانِنا. فَهُوَ يُشَكِّلُنا تَدريجيًّا وَفْقًا لِمِعْيارِ البِرِّ المُتَمَثِّلِ بصورةٍ كاملةٍ في يَسوع. وقد رَأيْنا ذلكَ مِنْ قَبْل. وَهُوَ يَضْمَنُنا وَيَحْفَظُنا. وهذا هُوَ المَقصودُ بالآيَة أَفَسُسْ 1: 13 الَّتي تَقولُ إنَّنا خُتِمْنا بِرُوحِ المَوْعِدِ القُدُّوس. فالخَتْمُ لا يُمْكِنُ أنْ يُكْسَر. ونحنُ لَدينا خَتْمُ الروحِ القدس. ونحنُ لدينا عَرْبونُ الروحِ القدس. ونحنُ لَدينا ضَمانَةَ الروحِ القدس. أوْ كَما نَقرأُ هُنا في العَدَد 23، فإنَّ لدينا باكورةَ الروحِ – أيْ إنَّ اللهَ يُعْطينا باكورَةَ المَحْصولِ كُلِّهِ الَّذي سَنَحْصُلُ عليهِ في المَجْد. وهذهِ هِيَ ضَمانَتُنا بالمَجْدِ المُستقبليِّ.

إذًا فإنَّ الروحَ القدسَ يَقومُ بهذا العملِ المُزْدَوَجِ فينا. فَهُوَ يُقَدِّسُنا، أيْ يَجْعَلُنا مُشابِهينَ للمسيحِ الَّذي هُوَ المِثال. وَلَعَلَّكُمْ تَذكرونَ أنَّنا قُلْنا إنَّ المسيحَ عاشَ ثَلاثَةً وثلاثينَ سَنَةً لكي يُؤسِّسَ نَموذَجَ القَداسَةِ الَّذي يَنْبَغي أنْ نَنْظُرَ إليهِ وَنَصيرَ مُشابِهينَ لَهُ تَحْتَ سُلْطانِ الروحِ القدس. لذلكَ فإنَّهُ يَعْمَلُ على تَشْكيلِنا على صُورَةِ المسيحِ. وَهُوَ أمْرٌ لن يَكْتَمِلَ إلَّا عندما نَراهُ وَجْهًا لِوَجْهٍ. أمَّا هُنا فإنَّنا نَرى أنَّهُ يَضْمَنُ تَمْجيدَنا المُستقبليَّ.

لذلكَ فإنَّ أيَّ شَخصٍ يَقولُ لَكُمْ إنَّكُمْ قد تَفْقِدونَ خَلاصَكُمْ هُوَ شَخصٌ لا يَفْهَمُ الخَلاص. فأيُّ شَخْصٍ يَقولُ إنَّ الشَّخصَ المُخَلَّصَ قَدْ يَفْقِدُ خَلاصَهُ هُوَ شَخْصٌ لا يَفْهَمُ الخَلاصَ. فالخَلاصُ هِبَة أَعْطانا اللهُ إيَّاها قَبْلَ تأسيسِ العالمِ. وسوفَ نَقرأُ بعدَ قَليلٍ أنَّ أيَّ شَخْصٍ مِنْ فِئَةِ الأشخاصِ الذينَ اخْتارَهُمُ اللهُ سَيَتَمَجَّدونَ لأنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا. وقد قالَ يَسوعُ: "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ. ... كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (يوحَنَّا 6). لذلكَ فإنَّنا مَدينونَ للروحِ القدسِ المُبارَكِ لأنَّهُ يُجَدِّدُنا، ويُعْطينا حَياةً، ثُمَّ يُقَدِّسُنا ويَضْمَنُنا إلى اليومِ الَّذي سيَقومُ فيهِ بِتَغْييرِنا. فسوفَ نُقامُ مِنَ الأمواتِ إلى الحَياةِ الأبديَّةِ بِقُوَّةِ نَفْسِ الروحِ القُدُسِ الَّذي جَدَّدَنا عندَ اهْتِدائِنا. فالآبُ هُوَ الَّذي أعَدَّ خُطَّةَ الخَلاصِ، والابْنُ هُوَ الَّذي صَادَقَ عليها، والروحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يُفَعِّلُها في حَياتِنا.

والآنْ، انْظُروا إلى العدد 17 وما يَليه. فقد وَصَلْنا إلى القِسْمِ الَّذي يَتحدَّثُ عنِ خِدْمَةِ الضَّمانِ الَّتي يَقومُ بها الروحُ القدسُ والتي يُمْكِنُنا مِنْ خِلالِها أنْ نَكونَ واثِقينَ مِنْ أنَّنا سَنَبْلُغُ المَجْدَ الأبديَّ. واسْمَحوا لي أنْ أَقْرَأَ هذا المَقْطَعَ على مَسامِعِكُمْ ابْتداءً مِنَ العدد 17: "فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ". وبِنهايَةِ هذا السَّطْرِ الأخيرِ، فإنَّ بُولُسَ يُقَدِّمُ فِكْرَةَ المَجْدِ الأبَدِيِّ. "فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا. لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا. لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟ وَلكِنْ إِنْ كُنَّا نَرْجُو مَا لَسْنَا نَنْظُرُهُ فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِالصَّبْرِ. وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا. وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ".

إنَّ هَذا الحَديثَ كُلَّهُ هُوَ عنِ المَجْدِ المُستقبليِّ. وَقَدِ ابتدأَ الحديثُ بالجُملةِ الأخيرةِ مِنَ العدد 17، وَهُوَ عَدَدٌ تأمَّلْنا فيهِ للتَّوّ: "لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ". والعَدَد 18 يَتَحَدَّثُ عنِ المجدِ الَّذي سَيُسْتَعْلَنْ فينا. والعدد 19 يَتحدَّثُ أيضًا عَنِ اسْتِعلانِ أولادِ اللهِ في المَجْد. ونَقرأُ في العَدد 21 (في نِهايةِ العَدَد) عَنْ حُرِّيَّةِ مَجْدِ أولادِ اللهِ. ونَقرأُ في نِهايةِ العدد 23 أنَّنا نَنْتَظِرُ فِداءَ أجْسادِنا. ونَقرأُ في العَدَدَيْن 24 و 25 عَنْ رَجائِنا في المجدِ الَّذي سَيَأتي والذي نَنْتَظِرُهُ بِشَوْقٍ.

لذلكَ فإنَّنا نَتَعَرَّفُ الآنَ على خِدْمَةٍ يَقومُ بها الروحُ القدسُ إذْ إنَّهُ يَحْرُسُنا إلى أنْ يَحينَ وَقْتُ تَمْجيدِنا في المُستقبَل. فالعَدَد 23 يُشيرُ إلى أنَّ أساسَ ذلكَ هُوَ عَطِيَّة الروح القُدُس إذْ إنَّهُ العَرْبونُ على المَجْدِ المُستقبليِّ. ونَعْلَمُ مِنْ خِلالِ العَدَدَيْن 26 و 27 أنَّ الروحَ القدسَ يَشْفَعُ فينا. وهذا أيْضًا عَمَلُهُ لِضَمانِنا. فَهُوَ يَشْفَعُ فينا دائمًا.

وهُناكَ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ تَلْفِتُ انْتِباهَكَ حينَ تَقرأُ هذا المَقْطَعَ، وَهِيَ الكَلِمَة "تَئِنُّ". فَهُناكَ الكَثيرُ مِنَ الأنينِ في هذا المَقطَعِ. فالخَليقَةُ تَئِنُّ في هذا المَقْطَعِ في العدد 19. فَمِنَ الجائِزِ أنْ نُتَرْجِمَ هذهِ العِبارَة بهذهِ الطَّريقَة: أيْ أنَّ "الخَليقَةَ تَئِنٌّ". فهذهِ التَّرجمةُ تَقولُ "لأنَّ انْتِظارَ الخَليقَةِ يَتَوَقَّعُ استِعلانَ أبناءِ اللهِ". ولكِنَّ التَّرجمةَ المُعتمدةَ تَقولُ إنَّ الخَليقَةَ تَئِنُّ. ثُمَّ نَجِدُ في العَدَد 23 أنَّنا نَحْنُ أنْفُسُنا (الَّذينَ لنا باكورَةُ الرُّوحِ) "نَئِنُّ". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 26 عَنْ أَنينِ الرُّوحِ القُدُسِ. وهذا يُشيرُ إلى أنَّ الخَليقَةَ، وَنَحْنُ، والروحَ القُدُسَ نَئِنُّ بِطَريقَةٍ أوْ بأُخرى، ونَتألَّمُ بِطَريقَةٍ أوْ بأُخرى، إلى أنْ يَتَحَقَّقَ تَمْجيدُنا تَمامًا. فهذِهِ هيَ النُّقطةُ الرئيسيَّةُ في هذا المَقطَعِ. فالروحُ القدسُ يَسكُنُ فينا كَعَرْبونٍ على تَمْجيدِنا المُستقبليِّ. والروحُ القدسُ هُوَ الَّذي يأخُذُنا إلى ذلكَ المَجْدِ المُستقبليِّ. فهذهِ هِيَ خِدْمَتُهُ. ولا تُوْجَدُ عَطِيَّةٌ أكْبَرُ مِنْ هَذِهِ يُمْكِنُ للهِ أنْ يُعْطينا إيَّاها. وكما ذَكَرْتُ، ما قِيمةُ الخلاصِ إنْ كانَ قابِلًا للفُقْدانِ أوِ الخَسارَةِ؟ فمِنَ المؤكَّدِ أنَّنا كُنَّا سَنَخْسَرُهُ لأنَّنا لا نَمْلِكُ القُدرةَ في أنْفُسِنا على ضَمانِ خَلاصِنا بأيِّ شَكْلٍ مِنَ الأشْكال.

لذلكَ فإنَّنا نَقرأُ هُنا أنَّ الخليقَةَ تَئِنُّ (في الأعْداد 19-22)، وأنَّ المُؤمِنَ يَئِنُّ (في الأعداد 23-25)، وأنَّ الروحَ القدسَ يَئِنُّ (في العَدَدَيْن 26 و 27). وكُلُّ هذا الأنين يَدُلُّ على واقِعٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْد. فالخَليقَةُ كُلُّها تَشْعُرُ بِعَدَمِ تَحْقيقِ ذلك. والمُؤمِنونَ يَشْعُرونَ بِعَدَمِ تَحْقيقِ ذلك. وَحَتَّى إنَّ الروحَ القدسَ المُبارَكَ يَخْتَبِرُ عَدَمَ التَّحْقيقِ هذا. وهذا حَقٌّ رائِعٌ. وهُناكَ الكَثيرَ لأقولَهُ هُنا. وَكَمْ كُنْتُ أَتَمَنَّى لو كانَ بِمَقدورِنا أنْ نُغَطِّي هذا المَقْطَعَ كُلَّهُ في هذا الصَّباح، ولكِنَّنا لَنْ نَتمكَّنَ مِنْ ذلك. لذلكَ سوفَ أُحاوِلُ أنْ أُشارِكَ مَعَكُمْ الأشياءَ الَّتي شارَكْتُها معَ الحاضِرينَ في الخِدْمَةِ الأولى. فَهَذا هُوَ ما نَفْعَلُهُ دائمًا لأجْلِكُمْ أيُّها الأحِبَّاء.

لِنَتأمَّلْ في أنينِ الخَليقَة. ... لِنَتأمَّلْ في أنينِ الخَليقَة. فنحنُ نَقرأُ في العدد 19: "لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ". فالخليقةُ تَئِنُّ في العدد 19. والخليقةُ مَذكورَةٌ في العدد 20. والخليقةُ مَذكورةٌ مَرَّة أُخرى في العدد 21. والخَليقةُ مَذكورةٌ أيضًا في العدد 22. لذلكَ في هذهِ الأعدادِ الأربعَةِ، الخَليقَةُ هِيَ المَوضوع. فالخَليقَةُ تَئِنُّ. وما المَقصودُ بذلك؟ وبأيِّ مَعْنَى مِنَ المَعاني تَئِنُّ الخَليقَةُ؟

أعْتَقِدُ أنَّهُ لو كانَ القُرَّاءُ يَهُودًا لَفَهِموا المَعْنى إلى حَدٍّ ما. فهذا هُوَ أنينُ التَّرَقُّب. وَهُوَ أنينٌ نابِعٌ مِنْ عَدَمِ حُدوثِ شَيءٍ ما بَعْد. وَهُو نَوْعٌ مِنَ الألمِ النَّاجِمِ عَنِ انْتِظارِ تَحْقيقِ الوَعْد. ومِنَ المُؤكَّدِ أنَّ اليهودَ يَعْرِفونَ ذلكَ جيِّدًا لأنَّ هذهِ الأعْدادَ تَتحدَّثُ عَنْ حِقْبَتَيْنِ مِنْ تاريخِ الفِداء: الدَّهْرِ الحاضِرِ، والدَّهْرِ الَّذي سَيأتي. فالأمْرُ بَسيطٌ جِدًّا. فقد كانَ هُناكَ الدَّهْرُ الحاضِرُ آنَذاك، والدَّهْرُ الَّذي سيَأتي. وقد كانَ الدَّهْرُ الحاضِرُ هُوَ دَهْرُ الخَطِيَّةِ، والألمِ، والفَسادِ، والشَّرِّ، والسُّقوطِ، والإثْمِ. أمَّا الدَّهْرُ الَّذي سَيأتي فسيكونُ دَهْرَ السَّماءِ الجديدةِ، والأرْضِ الجَديدَةِ، والبِرِّ، والطُّهْرِ، والقَداسَةِ، والفَضيلَةِ، والمَجْدِ، وغِيابِ المَوْتِ، والفَسادِ، والأمراضِ. وقد كانَ هذا مُطابِقًا لِما جاءَ في إشَعْياء 65: 17: "لأَنِّي هأَنَذَا خَالِقٌ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً".

فالأشخاصُ الذينَ عَرَفوا كلمةَ اللهِ وكانُوا يَنتظرونَ تَحْقيقَ ذلكَ فَهِموا مَعْنى أنْ يَعيشوا في عالَمٍ يَئِنُّ. فَحَتَّى الطَّبيعَة تُرى بأنَّها تَئِنُّ. وقَدْ تَمَّ تَجْسيدُ الطَّبيعَةِ هُنا. فنحنُ نَقرأُ في العدد 19: "لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ [أوْ أنينَ الخَليقَةِ كَما جاءَ في تَرْجَماتٍ أُخرى] يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ".

والآنْ، ما الَّذي نَعْنيه حينَ نَتحدَّثُ عَنِ الخَليقَةِ هُنا؟ وبأيِّ مَعْنَى تَئِنُّ الخَليقَةُ؟ وكما ذَكَرْتُ، فإنَّ هَذا مَذكورٌ في هذا المَقْطَعِ حَتَّى العَدَد 22. ولكِنْ أيُّ جُزْءٍ مِنَ الخَليقَةِ؟ المَلائِكَة؟ فَهِيَ كائِناتٌ مَخلوقَة؟ لا. فَهِيَ لا تَئِنُّ. فالملائِكَةُ لا تَئِنُّ لأنَّ ذلكَ لَنْ يُحَسِّنَ مِنْ حَالَتِها. أليسَ كذلك؟ فَهِيَ مَوْجودَةٌ حَوْلَ عَرْشِ اللهِ الآن. وَهِيَ في كَمالٍ أبَدِيٍّ وقَداسَةٍ أبديَّة. وهَيَ ليسَتْ مُعَرَّضَة للفَساد. أجل، إنَّها لم تَكُنْ يومًا مُعَرَّضة للفَساد. لذلك فإنَّها لا تَرْجو شيئًا لأنَّها لن تَحْصُلَ على ما هُوَ أفْضَل.

وماذا عنِ الشَّياطين؟ فهل هُوَ يَتحدَّثُ عَنِ الملائكةِ المَخلوقَةِ الَّتي سَقَطَتْ وصارَتْ شَياطين؟ لا. فَهِيَ لا تَئِنُّ على رَجاءِ التَّحَرُّرِ لأنَّها لَنْ تُعْتَقَ يومًا، وَلَنْ تَخْلُصَ يومًا، وَلَنْ تَتَحَرَّرَ يومًا، ولَنْ يُغْفَرَ لها يومًا. فلَنْ يَكونَ هُناكَ مُستقبلٌ أفضَلْ للشَّياطين، بَلْ بُحيرَة النَّارِ فقط.

إذًا، رُبَّما يَتَحَدَّثُ عَنِ المُؤمِنين؟ لا. إنَّهُ لا يَتحدثُ عنِ المؤمنينَ لأنَّهُ فَرَّقَ بينَ الخليقةِ والمُؤمِنين. أرْجو أنْ تُلاحِظوا أنَّ العدد 19 يَقول إنَّ الخَليقَةَ تَنْتَظِرُ استِعلانَ أولادِ اللهِ. لذلكَ فإنَّ الخليقَة تَخْتَلِفُ عنْ أولادِ اللهِ. ونَقرأُ في العدد 21 أنَّ الخليقةَ تَرْجو أنْ تُعْتَقَ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. لذلكَ فإنَّ الخليقةَ الَّتي تَتَمَخَّضُ، وَتَئِنُّ، وتَنْتَظِرُ، وَتَتَرَقَّبُ بِشَوْقٍ تَخْتَلِفُ عَنِ المُؤمِنين.

إذًا، رُبَّما الإشارَةُ هُنا هِيَ إلى غَيْرِ المُؤمِنين. أليسَ كذلك؟ هَلْ هُمْ غيرُ المُؤمِنين؟ لا. لأنَّ غيرَ المُؤمِنينَ لا يَرْجُونَ شَيئًا في المَسيح، ولا يَرْجُونَ المَجْدَ، ولا يَرْجُونَ أوْ يَتوقَّعونَ شيئًا أفْضَلَ مِنَ السَّماءِ. وَهُمْ لا يَمْلِكونَ أيَّ مَعلوماتٍ عَنْ ذلك، ولا يَرْغَبونَ في ذلك. فَضْلًا عنْ ذلك، إذا نَظَرْتُمْ إلى العدد 20، فإنَّهُمْ لم يُخْضَعوا للبُطْلِ رُغْمًا عَنْهُمْ. لا، فهذا لا يَصُحُّ على غيرِ المُؤمِنين. فَهُمْ خُطاةٌ باخْتيارِهِمْ. وَهُمُ الذينَ اخْتاروا بِمَحْضِ إرادَتِهِمْ أنْ يُغَذُّوا فَسادَهُمْ.

الخُلاصَةُ هِيَ أنَّ الخَليقَةَ الَّتي تَئِنُّ هيَ ليسَتْ جُزءًا مِنَ الخَليقةِ العاقِلَةِ ... ليسَتْ جُزْءًا مِنَ الخَليقَةِ العاقِلَةِ. فما تَبَقَّى هُوَ الخَليقَةُ غير العَاقِلَة، أيِ الأشياءِ الحَيَّةِ والجَماداتُ. لذلكَ فإنَّ ما لَدَيْنا هُنا هُوَ تَجْسيدٌ للخَليقَةِ، والسَّماواتِ المادِّيَّةِ، والأرْضِ المادِّيَّةِ، وكُلِّ شيءٍ فيهِما: السَّماءِ وكُلِّ الأَجْرامِ الَّتي فيها، والأرْضِ، والمِياهِ، واليابِسَةِ، والعُشْبِ، والأزْهارِ، والحَيَواناتِ، والحَشَراتِ، والأسْماكِ، والأنْهارِ، والجَداوِلِ، وكُلِّ شَيءٍ في الخليقةِ الحَيَّةِ والجَماداتِ غيرِ الشَّخصيَّةِ وغيرِ العاقِلَةِ. فالخليقةُ قَدْ أُعْطِيَتْ هُوِيَّةً هُنا. وَقَدْ تَمَّ تَجْسيدُها بِذاتِ الطَّريقةِ الَّتي يَسْتَخْدِمُها الشُّعَراءُ.

فمثلًا، في إشَعْياء 35: 1، يَقولُ إشَعْياءُ: "تَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ". ولكِنْ كيفَ يُمْكِنُ للبَرِّيَّةِ والأرْضِ اليابسةِ أنْ تُدْرِكَ أيَّ شَيءٍ بِوَعْيٍ؟ ولكِنَّ هذا تَجْسيدٌ. وهُناكَ كَلِماتٌ أكْثَر عُمْقًا ورَوْعَةً، وَهِيَ كَلِماتٌ مألوفةٌ وَرَدَتْ في إشَعْياء 55: 12 إذْ نَقرأُ: "الْجِبَالُ وَالآكَامُ تُشِيدُ أَمَامَكُمْ تَرَنُّمًا، وَكُلُّ شَجَرِ الْحَقْلِ تُصَفِّقُ بِالأَيَادِي". وأنا أُؤكِّدُ لَكُمْ أنَّكُمْ إذا سَمِعْتُمْ يومًا الجِبالَ تُرَنِّمُ والأشْجارَ تُصَفِّقُ بالأيادي، فإنَّ النَّاسَ سَيَتِّهُمونَكُمْ بالجُنون. فالحَديثُ هُنا هُوَ ليسَ عَنْ شَيءٍ حَقيقيٍّ، بل إنَّهُ أُسْلوبٌ تَجْسيدِيٌّ شِعْرِيٌّ.

إنَّ الخَليقَةَ (الَّتي هِيَ غَيْرُ عاقِلَة، وغيرُ شَخصيَّة، وقد تَتألَّفُ مِنَ الأحياءِ أوِ الجَماداتِ، أيْ مِنَ الأشياءِ الحَيَّةِ أوِ الأشياءِ غَيْرِ الحَيَّةِ كالصُّخورِ والحَيَواناتِ)، إنَّ هذهِ الخَليقَة تَتوقُ بِشِدَّة، وتَنْتَظِرُ بِشَوْقٍ، وتَتَرَقَّبُ بِلَهْفَة. فهذا هُوَ المَقصودُ بِأنينِ الخَليقَةِ. واللُّغَةُ هُنا قَوِيَّةٌ جِدًّا. فالعِبارَةُ "انْتِظار الخَليقَة" هِيَ تَرْجَمَةٌ لِفِعْلٍ يُونانِيٍّ يُشيرُ حَرْفِيًّا إلى مَجموعَةٍ غَريبَةٍ مِنَ العَناصِرِ. فَهُوَ يَعْني أنْ تُراقِبَ شَيئًا مِنْ بَعيد. وَهُوَ يَعني أنْ تَمُدَّ رَأسَكَ، وَتَقِفَ على أطْرافِ أصَابِعِ قَدَمَيْكَ لِتَنْظُرَ إلى شَيءٍ بَعيدٍ، أيْ لِتَنْظُرَ إلى الأُفُقِ بَحْثًا عَنْ شَيءٍ لا يُمْكِنُكَ أنْ تَراهُ الآنَ. لذلكَ فإنَّكَ تَمُدُّ رَأسَكَ في مُحاوَلَةٍ لِرُؤيَةِ شَيءٍ تَنْتَظِرُهُ بِشَوْقٍ.

لذلكَ فإنَّ هذا الأنينَ هُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّرَقُّب. فكأنَّ الخليقةَ واقِفَةٌ على أطْرافِ أَصابِعِها وتَنْتَظِرُ بِتَرَقُّبٍ شَيئًا تَتوقُ إليهِ. وماذا يَكونُ هذا الشَّيء؟ إنَّهُ أشْخاصٌ. إنَّهُ اسْتِعْلانُ أبناءِ اللهِ ... والكَشْفُ عَنْ أبناءِ اللهِ. فهذا هوَ الوقتُ الَّذي سَنَتَمَجَّدُ فيهِ جَميعًا. وهذا سيَحدُثُ في نهايةِ التاريخِ البشريِّ كُلِّهِ، وفي نِهايةِ المُلْكِ الألْفِيِّ، عِنْدَ تأسيسِ السَّماواتِ الجديدةِ والأرضِ الجديدة. فالخليقةُ تَنْتَظِرُ ذلك. وفي العدد 21، يَتِمُّ التَّعبيرُ عَنْ ذلكَ بالكلماتِ التَّالية: "حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ". فعندما يَتَمَجَّدُ جَميعُ أولادِ اللهِ، فإنَّ الخليقةَ سَتَنْتَفِعُ مِمَّا سَيَحْدُثُ. أليسَ كذلك؟ لأنَّهُ ستكونُ هُناكَ سَماءٌ جديدةٌ وأرضٌ جَديدة.

إذًا، فقد تَمَّ تَصْويرُ الخَليقَةِ كُلِّها كما لو كانَتْ تَقِفُ على أطْرافِ أَصابِعِها، وَتَتَرَقَّبُ بِلَهْفَةٍ، وَتَنتظِرُ اسْتِعلانِ أولادِ اللهِ. ويا لها مِنْ جُمْلَةٍ مُدْهِشَةٍ وَكَوْنِيَّةٍ تَصِفُ وُقوفَ الخَليقَةِ العاقِلَةِ وغيرِ العاقِلَةِ على أطْرافِ أَصابِعِها لِرُؤيَةِ المَشْهَدِ الأوَّلِ للأشخاصِ الذينَ تَتُوقُ إلى رُؤيَتِهِمْ، وَتَنْتَظِرُ اسْتِعلانَهُمْ، وَظُهورَهُمْ إذْ إنَّها تَنْتَظِرُ استِعلانَ أولادِ اللهِ بِكُلِّ مَجْدِهِمْ. وَهَذا هُوَ ما سَيَحْدُث. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ دانيال 12: 3 أنَّ هَؤلاءِ سَيُضيئونَ كَضِيَاءِ النُّجومِ. ونَقرأُ في إنْجيل مَتَّى 13: 43 أنَّ الأبرارَ سَيُضيئونَ كالشَّمْسِ إذْ سَيَكونُ مَجْدَهُمْ سَاطِعًا. والخليقةُ كُلُّها تَنْتَظِرُ ذلكَ الحَدَث وَتَتَرَقَّبُهُ بِشَوْقٍ.

ولكِنْ لماذا؟ لِماذا تَفْعَلُ الخَليقةُ ذلك؟ لِنَرْجِعْ قليلًا إلى العدد 20. لأنَّ الخليقةَ أُخْضِعَتْ للبُطْلِ ... لأنَّ الخَليقَةَ أُخْضِعَتْ للبُطْلِ، أوِ الفَراغِ. فالكَلِمَةُ "ماتايوتيس" (mataiotes) تُشيرُ إلى انْعِدامِ الهَدَفِ، وإلى الفَراغِ، وَعَدَمِ النَّفْعِ، والعُقْمِ، وعَدَمِ القُدرةِ على تَحْقيقِ الهَدَفِ، وعدمِ القُدرةِ على تَحْقيقِ القَصْدِ. فَهِيَ عاجِزَةٌ عَنْ تَحْقيقِ ما تُريد. فقد كانتِ الخَليقَةُ كُلُّها حَسَنَة. أليسَ كذلك؟ فعندما قامَ اللهُ بعمليَّةِ الخَلْقِ في تَكوين 1، كانَ الكُلُّ حَسَنًا. أتَذْكُرون؟ فنحنُ نَقرأُ أنَّهُ رَأَى ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ، وأنَّهُ نَظَرَ إلى ذلكَ فإذْ هُوَ حَسَنٌ. ثُمَّ نَقرأُ في النِّهايةِ (في تَكوين 1: 31) أنَّهُ رَأَى كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ "حَسَنٌ جِدًّا". ولكِنَّ الخَليقَةَ أُخْضِعَتْ للبُطْلِ. فَهِيَ عاجِزَةٌ عَنْ تَحْقيقِ الغايَةِ مِنْها. وَهِيَ لَمْ تَعُدْ على الصُّورةِ الَّتي كانَ يَنْبَغي أنْ تَكونَ عَليها، ولا على الصُّورَةِ الَّتي كانَتْ مَطلوبَة مِنْها، ولا على الصُّورَةِ الَّتي كانَ يُمْكِنُها أنْ تَكونَ عليها.

وبالمُناسَبَة، حينَ نَقرأُ في العدد 20 أنَّها أُخْضِعَتْ، فإنَّ الفِعْلَ هُنا يُشيرُ إلى الزَّمَنِ الماضي. لذلكَ فإنَّ التَّرْجَمَةَ الأمريكيَّة القياسيَّة الجديدة صَحيحَة. فَقَدْ حَدَثَ ذلكَ في وَقْتٍ مَا. فَهذا حَدَثٌ مُحَدَّدٌ حَدَثَ في الزَّمانِ المَاضي مِنَ التَّاريخِ إذِ انْتَقَلَتِ الخَليقَةُ مِنْ حالَةِ النَّفْعِ والكَمالِ إلى حَالَةِ العَجْزِ والعُقْمِ. فقد أُخْضِعَتْ للانْحِلالِ، والفَسادِ، والإحْباطِ، والموتِ، والهَلاك، والدَّمار.

والآنْ، هل يُمْكِنُنا أنْ نَلومَ الخَليقَةَ؟ هَلْ ما حَدَثَ ... هَلْ ما حَدَثُ هُوَ أنَّ خَطَأً ما قَدْ حَدَثَ في دَورةِ نُشوئِها وَتَطَوُّرِها؟ هل هذا هُوَ ما حَدَث؟ ما الَّذي حَدَث؟

لِنَرْجِعْ إلى العدد 20 مَرَّةً أُخرى. فقد أُخْضِعَتْ للبُطْلِ ليسَ طَوْعًا ... ليسَ طَوْعًا. فالخَليقَةُ لَمْ تُخْطِئ في شَيءٍ. ولكِنَّ الشَّيءَ الَّذي أَخْضَعَ الخَليقَةَ للبُطْلِ وَجَعَلَها عَديمَةَ الهَدَفِ، والشَّيءَ الَّذي أَخْضَعَ الخَليقَةَ للفَسادِ وجَعَلَها غَيْرَ قادِرَةٍ على أنْ تَكونَ مَجيدَةً كَما كانَ الهَدَفُ مِنْها عِنْدَما خُلِقَتْ، إنَّ هذا الشَّيءَ ليسَ مُرْتَبِطًا بِخَطَأٍ اقْتَرَفَتْهُ الخَليقَة. فالخَليقَةُ ضَحِيَّةٌ لا يَدَ لَها في ما حَدَث. فهُناكَ شَيءٌ آخَرُ فَعَلَ ذلكَ بالخَليقَةِ. أو بالأحْرَى: هُناكَ شَخْصٌ آخَرُ فَعَلَ ذلكَ بالخَليقَةِ. مَنْ؟ تابِعوا القِراءَة: "لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا". وَمَنْ يَكونُ هذا؟ إنَّهُ اللهُ. فاللهُ هُوَ الَّذي أَخْضَعَ الخَليقَةَ للبُطْلِ. فبحسبِ ما جاءَ في سِفْرِ التَّكوين 3: 17 و 18 و 19، فإنَّ اللهَ أَعْلَنَ اللَّعْنَةَ على الخَليقَةِ. لِماذا؟ بسببِ خَطيئَةِ آدَمَ وَحَوَّاء.

فعندما أَخطأَ آدَمُ وَحَوَّاءُ، حَلَّتْ عَلَيْهِمْ لَعْنَةٌ، وَهِيَ لَعْنَةٌ مُميتَةٌ، وَلَعْنَةٌ مُعْدِيَةٌ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يُمْكِنُ لأيِّ إنْسانٍ يَسيرُ على هذا الكَوْكبِ أنْ يَنْجو مِنْها. وَهِيَ لَعْنَةٌ مُعْدِيَةٌ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يُمْكِنُ لأيِّ شَخْصٍ أنْ يَتَجَنَّبَها. فالحالُ يُشْبِهُ العَيْشَ في وَسَطِ مَدينَةٍ ابْتُلِيَتْ بالطَّاعونِ الأَسْودِ في العُصورِ الوُسْطَى. فالطَّاعونُ لم يَكُنْ يُصيبُ النَّاسَ فقط، بلْ إنَّهُ انْتَشَرَ في بِيئَتِهِمْ وَتَفَشَّى فيها. فالطَّاعونُ لم يَكُنْ يُصيبُ فقط الشَّخْصَ الَّذي يَرْقُدُ في السَّريرِ في البيتِ وَيَحْتَضِرُ، بل كانَ يَتَفَشَّى في كُلِّ مكانٍ في البيت. وَهُوَ لم يَكُنْ مُتَفَشِّيًا في كُلِّ مَكانٍ في البيتِ فقط، بل كانَ في كُلِّ مكانٍ في الشَّارِعِ، وفي كُلِّ مكانٍ في المدينةِ، وفي كُلِّ مكانٍ في البَلَدِ، ولا يُمْكِنُ النَّجاةُ مِنْهُ لأنَّ البيئةَ كُلَّها كانَتْ مَوْبُوءَةً. وقدْ كانتِ الحالُ هَكَذا أيضًا حينَ أَخْطَأَ آدَمُ. فاللَّعْنَةُ عَمَّتِ الأرْضَ كُلَّها. وَهِيَ مُسْتَمِرَّةٌ إلى يومِنا هذا. وهذا هُوَ سَبَبُ وُجودِ الفَسادِ، والكَوارِثِ، والتَّلَوُّثِ، والفَوضَى، والانْحِلالِ. فهذهِ الأشياءِ ليسَتْ نابِعَةً مِنْ عُيوبٍ في عمليَّةِ النُّشوءِ أوِ التَّطَوُّرِ. فَقَدْ كانَ يُفْتَرَضُ أنْ تَتَحَسَّنَ الأحْوالُ. ولَكِنَّ أَنْصارُ نَظَرِيَّةِ النُّشوءِ والارْتِقاء يَقولونَ إنَّ الأُمورِ تَراجَعَتْ إلى الوَراءِ بسببِ شَيءٍ خَرَجَ عَنِ المألوفِ، أوْ بِسَبَبِ طَفْرَةٍ سَيِّئَةٍ مَا. ولكِنَّ الأشياءَ في العالَمِ هي على الصُّورَةِ الَّتي عَليها لأنَّ اللهَ لَعَنَ الخَليقَةَ كُلَّها. لَقَدْ لَعَنَها. لذلكَ فقد تُرِكَ الإنْسانُ لِيُواجِهَ في كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ حَياتِهِ على الأرْضِ عَواقِبَ الخَطِيَّةِ المُميتَةِ، والمُدَمِّرَةِ، والمُفْسِدَةِ.

وكما جاءَ في إشَعْياء 24: 6، فإنَّ لَعْنَةً أَكَلَتِ الأرْضَ. وكَما جاءَ في إرْميا 12: 4، فإنَّ الأرْضَ تَنوحُ. فَمَصيرُ الطَّبيعةِ مُرْتَبِطٌ جِدًّا بمَصيرِ الإنْسانِ. ولأنَّ الإنسانَ أَخطأَ وسَقَطَ في حالةٍ فاسِدَةٍ، فإنَّ عَالَمَ الإنْسانِ صارَ مُسْتَعْبَدًا أوْ تَحْتَ عُبودِيَّةِ الفَساد. هَلْ لاحَظْتُمْ تلكَ العِبارَةِ الَّتي وَرَدَتْ في العدد 21؟ فالخَلِيقَةُ نَفْسُهَا تَحْتَ عُبُودِيَّةِ الفَسَاد. فهناكَ عَلاقَةٌ وَثيقَةٌ بينَ خَطيئةِ الإنْسانِ والفَسادِ الَّذي أُخْضِعَ لهُ الكَوْنُ كُلُّهُ.

ولَكِنَّ عَلَماءَ البيئَةِ لَنْ يَتَمَكَّنوا مِنْ عَكْسِ ما حَدَث. فَهُمْ لَنْ يَسْتَطيعوا أنْ يُغَيِّروا ذلك، وَلَنْ يَتَمَكَّنوا مِنَ التَّخْفيفِ مِنْ وَطْأةِ ذلك. إنَّها مُحاوَلَةٌ جَيِّدَةٌ، ولَكِنَّها لَنْ تُفْلِحْ. فالطَّاقةُ الشَّمسيَّةُ لَنْ تُصْلِحَ الأمْرَ. والحَدُّ مِنَ البَصْماتِ الكَرْبُونِيَّةِ لَنْ يُغَيِّرَ ذلك. والتَّخَلُّصُ مِنَ الوَقودِ الأُحْفورِيِّ لن يُغَيِّرَ ذلك. والتَّعليمُ لَنْ يُغَيِّرَ ذلك. فهذهِ لَعْنَةٌ إلَهِيَّةٌ. ونحنُ لَسْنَا نَسيرُ في طَريقٍ صَاعِدٍ، بل نَحْنُ في انْحِدارٍ مُسْتَمِرٍّ مُنْذُ أنْ كُنَّا كامِلين. اسْمَعوا: نحنُ في انْحِدارٍ مُسْتَمِرٍّ مِنْ حالةِ الكَمالِ إلى الدَّمارِ الكامِلِ. ولن تَكونَ هُناكَ نُقْطَةُ تَوَقُّف. فهذهِ هيَ النَّظرةُ الكِتابِيَّةُ إلى العالَمِ لأنَّهُ عندما أَخْطَأَ الإنْسانُ، عُوْقِبَ بِعَدَمِ السَّماحِ لَهُ بالتَّمَتُّعِ بالطُّهْرِ لأنَّهُ اخْتارَ الخَطِيَّةَ. وقد عُوْقِبَ بِعَدَمِ السَّماحِ لهُ بالتَّمَتُّعِ بمَزايا البيئةِ الكامِلَةِ بِصِفَتِهِ مَلِكَ الأرْضِ. فَهُو الآنَ مَلِكٌ فَقَدَ تَاجَهُ ويُحاوِلُ أنْ يَحْكُمَ خَليقَةً فَوْضَوِيَّةً، وفاسِدَةٍ، ومُنْحَلَّةً، ومَيِّتَةً. فاللهُ لَعَنَ بِيئَتَهُ بِأسْرِها.

ولِعِلْمِكُمْ، فإنَّ إشَعْياءَ تَحَدَّثَ كَثيرًا عَنْ هذا الموضوع. والحقيقةُ هيَ أنِّي عاجِزٌ عَنْ مُقاوَمَةِ قِراءَةِ أجْزاءٍ مِمَّا كَتَبَهُ. لذلكَ، إليكُمْ ما كَتَبَهُ في هذا المَقْطَعِ. وسوفَ أُحاوِلُ أنْ أُقاوِمَ قليلًا. إشَعْياء 24: 4: "نَاحَتْ ذَبُلَتِ الأَرْضُ. حَزِنَتْ ذَبُلَتِ الْمَسْكُونَةُ. حَزِنَ مُرْتَفِعُو شَعْبِ الأَرْضِ. وَالأَرْضُ تَدَنَّسَتْ تَحْتَ سُكَّانِهَا لأَنَّهُمْ تَعَدَّوْا الشَّرَائِعَ، غَيَّرُوا الْفَرِيضَةَ، نَكَثُوا الْعَهْدَ الأَبَدِيَّ. لِذلِكَ لَعْنَةٌ أَكَلَتِ الأَرْضَ وَعُوقِبَ السَّاكِنُونَ فِيهَا. لِذلِكَ احْتَرَقَ سُكَّانُ الأَرْضِ وَبَقِيَ أُنَاسٌ قَلاَئِلُ". ثُمَّ يَمْضي إشَعْياءُ للحديثِ عنْ عَناصِرِ أكثرَ خُطورة لمُحاولةِ العيشِ والنَّجاةِ في هذا العالَمِ. وَهُوَ يَقولُ المَزيدَ عَنْ ذلكَ في الأصحاحِ الرَّابِعِ والثَّلاثين مِنْ سِفْرِ إشَعْياء. وَهُوَ يَقولُ في الأصْحاح 33 إنَّ الخَليقَةَ كُلَّها واقِعَةٌ تَحْتَ اللَّعْنَة. لذلكَ فإنَّ مَبدأَ الفَسادِ مَوْجودٌ في كُلِّ مَكان. لذلكَ فإنَّ الخَليقَةَ تَئِنُّ لأنَّها أُخْضِعَتْ للبُطْلِ، ليسَ طَوْعًا، بَلْ كوسيلَةٍ للتَّكَيُّفِ، أو كوَسيلَةٍ لا مَفَرَّ مِنْها للتَّكَيُّفِ معَ لَعْنَةِ اللهِ على آدَمَ وحَوَّاءَ والبَشَرِيَّةِ كُلِّها. وهيَ لا تَستطيعُ أنْ تَفعلَ أيَّ شيءٍ لِعَكْسِ عُبودِيَّتِها للفَساد. فهذا هُوَ عَمَلُ اللهِ.

وقد تَقولُ: "ولكِنْ لماذا تَقِفُ الخَليقَةُ على أَطْرافِ أَصابِعِها؟" نَقرأُ في نِهايةِ العدد 20: "عَلَى الرَّجَاء" ... "على الرَّجاء" ... أيْ على رَجاءِ أَنَّ "الخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الفَسَادِ". ويا لَها مِنْ صُورَةٍ جَميلَة. فالخَليقَةُ كُلُّها تَقِفُ على أَطْرافِ أَصابِعِها، وَتَتوقُ أنْ تَرْجِعَ إلى حَالَتِها الَّتي خَلَقَها اللهُ عليها أَصْلًا لأنَّها تَعْلَمُ أنَّ هذا لَنْ يَحْدُثُ إلَّا بعدَ اسْتِعْلانِ أولادِ اللهِ، وَحُرِّيَّةِ مَجْد أولادِ اللهِ، أيْ إلى أنْ يَبْلُغوا الحَالةَ الأبديَّةَ الأخيرة. فهذا هُوَ ما تَتوقُ كُلُّ الخَليقَةِ إليهِ. فَهِيَ تَتوقُ إلى مُسْتَقبلٍ أفضَل.

هذا هُوَ نَوعُ العالمِ الَّذي نَعيشُ فيه. فنحنُ نَعيشُ في عالمٍ صَعبٍ جدًّا. وأنا أَكْتُبُ الآنَ كِتابًا سَيَصْدُرُ بعدَ شُهورٍ قليلة بعُنوان: "اثنا عَشَرَ بَطلًا مُسْتَبْعَدًا" (Twelve Unlikely Heroes). فيبدو أنَّ النَّاسَ يُحِبُّونَ أنْ يَشتروا كُتُبًا تَذْكُرُ الكلمة "اثنا عَشَر" في العُنوان. لذلكَ، سوفَ أستمرُّ في كِتابةِ كُتُبٍ تَحوي الكلمة "اثنا عَشَر" في العُنوان – "اثنا عَشَرَ رَجُلًا عادِيًّا"، "اثنَتا عَشرَةَ امرأة استِثنائيَّة". لذلكَ، أعتقدُ أنَّ النَّاسَ تُحبُّ الكلمة "اثنا عَشَر". لذلكَ، "اثنا عَشَرَ بَطَلًا مُسْتَبْعَدًا". وأحدُ الأبْطالِ هُوَ "أَخْنوخ". فإذا نَظَرتُم إلى أَخْنوخ، قد تَقولون: "مَهْلًا ِمِنْ فَضْلِك. فيجبُ أنْ يكونَ البَطَلُ شَخصًا تَرَكَ انطِباعًا على أُناسٍ آخَرين. ولكِنْ يبدو أنَّ أَخْنوخ كانَ شَخْصًا يَميلُ إلى الاعْتِكافِ والتَّنَسُّكِ". لقد سَارَ معَ اللهِ. هُما الاثنانِ فقط. فقد كانَ يَسيرُ. وذاتَ يَوْمٍ، سَارَ إلى السَّماء دُوْنَ أنْ يَموت. أتَذكرونَ ذلك؟ وأخْنوخُ يُشْبِهُ إيليَّا في أنَّهُ أُخِذَ في مَرْكَبَةٍ نارِيَّةٍ إلى السَّماءِ. وهذا مَوقِفٌ نادرٌ جِدًّا. ولكِنْ ما الَّذي يَجْعَلُ أَخْنوخ بَطلًا؟ ولماذا قد تُفَكِّرونَ في أَخْنوخ كَبَطَلْ؟ وما مُستوى تأثيرِهِ؟ وما نِطاقُ تَأثيرِهِ؟ وما الَّذي يُعَدُّ فيهِ بُطولِيًّا جِدًّا؟ لقد كانَ رَجُلًا بارًّا سَارَ في عَلاقَةٍ حَميمَةٍ معَ اللهِ حَتَّى إنَّ اللهَ أَخَذَهُ إلى السَّماءِ ذاتَ يَوْمٍ. وما الَّذي يَجعلُ هذا مُمَيَّزًا؟

سأُجيبُ عَنْ سُؤالِكُمْ. هل تُدركونَ أنَّ الجِيلَ كُلَّهُ الَّذي عاشَ فيهِ أَخْنوخ قد غَرِقَ في الطُّوفانِ باستِثناءِ ثَمانِيَةِ أشخاصٍ؟ وهل تَعلمونَ نُدْرَةَ رَجُلٍ كَأخْنوخ؟ وهل تَعرِفونَ مَعنى أنْ تَكونَ الشَّخصَ الوحيدَ في العالَمِ الَّذي سَارَ معَ اللهِ؟ فأنْتُمْ تَنْظُرونَ إلى بَطَلٍ وَلا كُلِّ الأبْطالِ. وأنْتُمْ تَنظرونَ إلى رَجُلٍ عاشَ ضِدَّ تَيَّارِ الثَّقافَةِ الَّتي كانَتْ فاسِدَةً جِدًّا. فقد أَهْلَكَ اللهُ ملايينَ مِنْهُمْ في ضَرْبَةٍ واحِدَةٍ. لذلكَ فإنَّ الأمْرَ بُطولِيٌّ. وبالنِّسبةِ إلى أَخْنوخ، كانَ ذلكَ يَعْني السَّيْرَ معَ اللهِ. وبالنِّسبةِ إلينا، كيفَ نَنْجو مِنْ هذا العالَمِ الفاسِدِ؟ اسْمَعوا: لا تَتَأمَّلوا كَثيرًا في العالَمِ. أَلا فَعَلْتُمْ ذلكَ، رَجاءً؟ لا تَتأمَّلوا كَثيرًا في العالَمِ. لا في التَّعليمِ الَّذي يُقَدِّمُهُ، ولا في السِّياسَةِ، ولا في البُنَى الاجتِماعِيَّةِ. لا تَتَأمَّلوا كَثيرًا. ضَعوا ذلكَ كُلَّهُ في مَكانٍ مُنْخَفِضٍ مِثْلَ أولئكَ الذينَ يَتَحَدَّثُ عنهم سِفْرُ التَّكوينِ حيثُ إنَّ اللهَ رأى أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ في ازْديادٍ مُسْتَمِرٍّ. ضَعوا هذا كُلَّهُ في ذلكَ المُستوى وسَتكونونَ بِخَيْر. ثُمَّ سِيروا معَ اللهِ.

لقد حَمَى اللهُ أَخْنوخَ في عالَمٍ فاسِدٍ. وهذا هُوَ عَمَلُ الروحِ القدسِ. واللهُ ما يَزالُ يَفعلُ ذلكَ، لا مِنْ خِلالِ السَّيْرِ مَعَنا، بَلْ مِنْ خِلالِ السَّكَنِ فينا. والروحُ القدسُ هُوَ الَّذي يُقَدِّسُنا في وَسَطِ هذا العالمِ الفاسِدِ. وحَتَّى إنَّ بولسَ يَدْعوهُ جِيْلًا مُعْوَجًّا ومُلْتَوِيًا. وهذهِ هيَ خِدمةُ الروحِ القدسِ. فالخليقةُ كُلُّها تَنْتَظِرُ التَّحرير، حُرِّيَّةَ مَجْدِ أبناءِ اللهِ حيثُ إنَّها ستُعْتَقُ أيضًا حينئذٍ مِنْ عُبوديَّةِ الفسادِ الَّتي لِحِقَتْ بِها نَتيجَةَ اللَّعْنَةِ.

وكيفَ سيَحدُثُ ذلك؟ كيفَ سيَحدثُ ذلك؟ حسنًا، لقد تَحَدَّثَ المُرَنِّمُ عَنْ ذلكَ في المَزمور 102. ورُبَّما أَغْفَلْتُمْ ذلكَ إنْ لَمْ تَنْظُروا جَيِّدًا، ولكِنَّنا نَقْرَأُ عِبارَةً رائعَةً في المَزمور 102: 25. فَالمُرَنِّمُ يَقولُ مُخاطِبًا اللهَ: "يا رَبُّ". ثُمَّ يَقولُ: "مِنْ قِدَمٍ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَأَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، كَرِدَاءٍ تُغَيِّرُهُنَّ فَتَتَغَيَّرُ. وَأَنْتَ هُوَ". أنْتَ خَلَقْتَها. وَهِيَ تَزولُ مِنَ الوُجودِ ويأتي شَيءٌ جَديدٌ. لقد جاءَ هذا في المَزمور 102. وَهَذا مَذكورٌ بتَفصيلٍ دَقيقٍ في 2بُطرس 3. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثالثِ مِنْ رِسالةِ بُطرسَ الثانية الكلماتِ التالية: "وَلكِنْ سَيَأتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، يَوْمُ الرَّبِّ، الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ (وَهَذا مُوافِقٌ تَمامًا لما قالَهُ المُرَنِّمُ)، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا". وهذا سيكونُ حَرفيًّا الانفجارَ النَّوَوِيَّ للكونِ المَخلوقِ المَصنوعِ مِنَ الذَّرَّاتِ.

ونَقْرَأُ المَزيدَ في العدد 12: "الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ". فالعالمُ والأرضُ والسَّماواتُ الَّتي نَعْرِفُها سَتَزولُ مِنَ الوُجود. ويُمْكِنُنا أنْ نُسَمِّي ذلكَ إبْطالُ الخَلْقِ. "وَلكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً". فهذا هُوَ ما يَقولُهُ بُطْرُسُ. ونَقرأُ ذلكَ في رُؤيا 20، وفي رُؤيا 21، وفي رُؤيا 22. لذلكَ فإنَّ الخَليقَةَ تَنْتَظِرُ تَجْديدًا كَوْنِيًّا.

والحقيقةُ هي أنَّنا إذا نَظرنا إلى المُستقبَلِ فإنَّنا لا نَرى أيَّ رَجاءٍ في حُدوثِ أيِّ تَغييرٍ في الخَليقَةٍ كَما هِيَ عليهِ الآن إلَّا بعدَ حُرِّيَّةِ مَجْدِ أولادِ اللهِ. اسْمَعوا: لقد سَقَطَتِ الخَليقَةُ بِسُقوطِ الإنْسان. والخَليقَةُ ستَعودُ ثانيةَ عندَ ارْتِفاعِ الإنْسان. حسنًا؟ ففي الأصحاحاتِ الثَّلاث الأولى مِنْ سِفْرِ التَّكوين، نَرى أنَّ الخَليقَةَ واقِعَةٌ تحتَ اللَّعْنَةِ. فَقد لُعِنَتْ لأنَّ الإنسانَ كانَ فاسِدًا. وفي الأصحاحاتِ الثَّلاثِ الأخيرةِ مِنْ سِفْرِ الرُّؤيا، نَرى الخَليقةَ الجديدةَ في حالَةِ كَمالٍ وبِرٍّ بسببِ تَمْجيدِ البَشَريَّةِ. وما بَيْنَ هذِهِ وتِلْكَ، هُناكَ التَّاريخُ المُحْزِنُ والطَّويلُ للخطيَّةِ والفَساد. فهُناكَ عَلاقَةٌ وَثيقَةٌ بينَ الاثْنَيْن. فما حَدَثَ للإنسانِ في جَنَّةِ عَدْنٍ حَدَثَ للخَليقَةِ. وما سيَحدثُ للإنسانِ في المجدِ سيَحدثُ للخليقةِ أيضًا إذْ إنَّها سَتُعْتَقُ. لذلكَ فإنَّ الخَليقَةَ كُلَّها تَئِنُّ بانْتِظارِ حُدوثِ ذلك.

والعَدَدُ 22 يُلَخِّصُ الأمْرَ: "فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ". والفِعْلُ "تَتَمَخَّضُ" يُشيرُ إلى آلامِ الوِلادَةِ. وآلامُ الوِلادَةِ هِيَ آلامٌ إيجابِيَّةٌ. أليسَ كذلك؟ وما أَعْنيهِ هُوَ أنَّ نَتائِجَها إيجابِيَّة. فهناكَ آلامٌ نَتائِجُها سَلبِيَّة. فالمَرْءُ يَشْعُرُ بِمَشاعِرَ سَيِّئَة، وَهُوَ يَشْعُرُ أنَّ الأمورَ سَتَسوءُ أكْثَر أوْ أنَّهُ رُبَّما سَيَموت. ولكِنَّ آلامَ الولادةِ هِيَ مِنَ النَّوْعِ الَّذي يَتَرَقَّبُ حُدوثَ شَيءٍ رائِعٍ أوْ حَدَثٍ عَظيمٍ أوْ شَيءٍ مُبارَكٍ. وهذا هُوَ الألمُ الَّذي تَشْعُرُ بِهِ الخَليقَة.

نحنُ لسنا في حاجةٍ إلى الاهتمامِ بالخليقةِ يا أحبَّائي. أَتُريدونَ أنْ أُعيدَ ذلك؟ لقد قُلْتُ ذلكَ سابقًا. دُوسوا على الأعْشابِ، واقْتُلوا الغُزْلانَ، وافعَلوا ما تُريدون. ولكِنِ اعْلَموا أنَّكُمْ لَسْتُمْ في حَاجَةٍ إلى حِمايَةِ الخَليقَة. فَهِيَ مَوْجودَةٌ لأجْلِكُمْ. ولا حَاجَةَ إلى التَّعامُلِ مَعَها بِحَماقَة، ولا أنْ تَكونوا أشْرارًا بهذا الخُصوصِ. ولكِنْ يجبْ أنْ تَفهموا أنَّ هذهِ الخَليقَةَ هيَ تَحْتَ اللَّعْنَةِ. ولَكِنَّها ما تَزالُ تُعْطي خِيْراتٍ وَبَركاتٍ لَنا. واللهُ هُوَ الَّذي يَعْتَني بِخَليقَتِهِ إلى أنْ يَأتي اليومُ الَّذي سَيُدَمِّرُ فيهِ كُلَّ شَيءٍ. حسنًا؟ لذلكَ، لا تَنْشَغِلوا بمحاولةِ الحِفاظِ على الخَليقَةِ وتَخْليصِها مِنْ حَالَتِها الَّتي هِيَ عليها. فسَوْفَ يَكونُ الأمْرُ في صَالِحِكُمْ حينَ تَزول. حسنًا؟ فأنْتُمْ لن تَتَمَكَّنوا مِنَ التَّعْجيلِ في هذا الأمْرِ أوْ إبْطائِهِ. فَهُوَ شَيءٌ في خُطَّةِ اللهِ.

وقد قالَ "ديفيد مارتن لويد-جونز" (David Martyn Lloyd Jones): "إنَّني أتساءَلُ إنْ كانَتْ ظاهِرَةُ الرَّبيعِ تُعْطينا جَوابًا جُزْئِيًّا. فالطَّبيعَةُ، كُلَّ سَنَة، كما هِيَ حالُها دائمًا، تُحاوِلُ أنْ تُجَدِّدَ نَفْسَها، وأنْ تُنْتِجَ شيئًا يَتَمَيَّزُ بالدَّيمومَة. فقد خَرَجَتْ مِنَ الموتِ والعَتْمَةِ وكُلِّ ما جَاءَ بِهِ فَصْلُ الشِّتاءِ. وفي الرَّبيعِ، يبدو أنَّها تُحاولُ أنْ تُنْتِجَ خَليقَةً كامِلَةً، وأنْ تَجْتازَ ما يُشْبِهُ آلامَ الوِلادَةِ سنةً بعدَ سَنة. ولكِنْ ويا للأسَف، فإنَّها لا تَنْجَح لأنَّ الرَّبيعَ يُفْضي فقط إلى الصَّيْف، والصَّيْفُ يُفْضي إلى الخَريف، والخَريفُ يُفْضي ثانِيَةً إلى الشِّتاء. والطبيعةُ القديمةُ المِسكينَةُ تُحاولُ كُلَّ سَنَةٍ أنْ تَتَغَلَّبَ على البُطْلِ، وعلى مَبْدأِ المَوْتِ والفَسادِ والانْحِلالِ الموجودِ فيها، ولكِنَّها تَعْجَزُ عن ذلك. فَهِيَ تُخْفِقُ في كُلِّ مَرَّة. وَهِيَ مُستمِرَّةٌ في المُحاولةِ كما لو كانَتْ تَشْعُرُ أنَّ الأمورَ ستكونُ مُخْتَلِفَة وأفْضَل، ولكِنَّها لا تَنْجَحُ البَتَّة. لذلكَ فإنَّها تَسْتَمِرُّ في الأنينِ وفي آلامِ المَخاضِ. وهي تَفْعَلُ ذلكَ مُنْذُ وقتٍ طويلٍ جدًّا".

إذًا فَهِيَ تَفْعَلُ ذلكَ منذُ وقتٍ طويلٍ جدًّا، ولكنَّها ما تَزالُ تُحاوِلُ أنْ تَرْفَعَ رَأسَها مِنْ جَديد وأنْ تُجَدِّدَ طَاقَتَها كُلَّ سَنة. لذلكَ، كونوا لُطَفاء. ولا تَلوموا العُشْبَ. ولا تَلوموا الأزْهارَ. فهذهِ هِيَ طَبيعَتُها. وكَما يَقولُ الكاتِبُ، فإنَّها تُحاوِلُ جاهِدَةً كُلَّ رَبيع. فالخَليقَةُ تَئِنُّ بانتْظارِ المَجْد.

ثانيًا، وفي عُجالَةٍ، في دَقيقَتَيْنِ فقط، فإنَّ المُؤمِنينَ يَئِنُّونَ بانتظارِ المَجْد (العدد 23): "وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ (أيْ: ليسَ الخَليقَة فقط)، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا".

انْظُروا، نحنُ نَفْهَمُ أَنينَ الخَليقَةِ بسببِ عَدَمِ كَمالِها لأنَّنا جُزءٌ مِنَ الخَليقَةِ ولأنَّنا نَعيشُ حَياةً بَعيدَةً جِدًّا عنِ الكَمال. ونحنُ نَئِنُّ في أنْفُسِنا، ونَرْثي لحَالَتِنا تَحْتَ اللَّعْنَةِ. وبولسُ يَقولُ: "وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟" (رومية 7: 24). ولَعَلَّكُمْ تَذكرونَ ما جاءَ في 2كورِنثوس 5: 4 إذْ يَقولُ بولُس: "فَإِنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ فِي الْخَيْمَةِ نَئِنُّ مُثْقَلِينَ، إِذْ لَسْنَا نُرِيدُ أَنْ نَخْلَعَهَا بَلْ أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا، لِكَيْ يُبْتَلَعَ الْمَائِتُ مِنَ الْحَيَاةِ". وقد كانَ داودُ يَئِنُّ في المَزمور 38: 9: "يَا رَبُّ، أَمَامَكَ كُلُّ تَأَوُّهِي، وَتَنَهُّدِي لَيْسَ بِمَسْتُورٍ عَنْكَ". لذلكَ فإنَّنا نَفْهَمُ مَعْنى الأنين. فنحنُ نَئِنُّ.

ولكِنْ ما الَّذي نَنْتَظِرُهُ؟ وما الَّذي نَئِنُّ بِشَأنِهِ؟ إنَّهُ يَقولُ في العدد 23: "مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ". وقد تَقولُ: "مَهْلًا مِنْ فَضْلِك! ولكِنَّنا أولاد بالتَّبَنِّي. فهذا هُوَ ما قُلْتَهُ لنا في الأعْداد 14-16 مِنْ هذا الأصْحاح ... إنَّنا أولادُ اللهِ بالتَّبَنِّي". هذا صَحيح. فقد تَمَّ تَبَنِّينا. ولكِنَّنا لَمْ نَحْصُل على مِيراثِنا بَعْد. أليسَ كذلك؟ وما الشَّيءُ الَّذي يَرْتَبِطُ بمِيراثِنا؟ نِهاية العدد 23: فِداءَ ماذا؟ أجسادِنا. فقد تَمَّ تَبَنِّينا سَابقًا في عائلةِ اللهِ. ونحنُ أولادُ اللهِ. والروحُ القدسُ هوَ الَّذي يَقودُنا الآن (كَما جاءَ في العدد 14). فالرُّوحُ القُدُس، رُوْحُ التَّبَنِّي، يَسْكُنُ فينا. وَهُوَ الَّذي بِهِ نَصْرُخُ: "يَا أَبَا الآبُ". فنحنُ نَشْعُرُ بهذهِ العَلاقَةِ الحَميمَةِ معَ اللهِ. والروحُ القدسُ يَشْهَدُ لأرواحِنا (كما جاءَ في العدد 16) أنَّنا أولادُ اللهِ. لذلكَ فقد تَمَّ تَبَنِّينا، ولكِنَّنا لَمْ نَحْصُلْ بعد على مِيراثِنا.

وهَلْ تَذكرونَ ما جاءَ في 1بُطرس 1: 3-4؟ فقد وُلِدْنا ثانِيَةً لِمِيرَاثٍ لاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِنا. ولكِنَّنا لم نَحْصُلْ عليهِ بَعْد، وَلَنْ نَحْصُلْ عليهِ إلَّا عندما نَخْتَبِرُ حُرِّيَّةَ مَجْدِ أولادِ اللهِ. لذلكَ فإنَّنا نَئِنُّ. فنحنُ نَئِنُّ بانتظارِ اليومِ الَّذي يَلْبَسُ فيهِ هذَا المائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، وَبانتِظارِ اليومِ الذي يَلْبَسُ فيهِ هذَا الفاسِدُ عَدَمَ فَسادٍ، وبانتظارِ اليومِ الَّذي يُبْتَلَعُ فيهِ المائِتُ مِنَ الحَياة. أليسَ كذلك؟ (فهذا هوَ ما جاءَ في 1كورِنثوس 15). فنحنُ نَئِنُّ بانتظارِ حُدوثِ ذلك. ونحنُ نُريدُ أنْ نَلْبَسَ أجْسادًا سَماويَّةً مِثْلَ جَسَدِهِ المُمَجَّدِ (كما جاءَ في فيلبِّي 3). وحَتَّى إنَّ بولسَ يُشيرُ إلى هذهِ الأجْسادِ السَّاقِطَةِ بكلماتٍ تُعَبِّرُ عَنْ دُنْيَوِيتنا، وسُقوطِنا، وبَشَرِيَّتِنا، وطبيعَتِنا الخاطِئَةِ. ونحنُ لا نُطيقُ الانتظار. صحيحٌ أنَّنا نَشْكُرُ اللهَ على نِعْمَتِهِ، ولكِنَّنا لا نُطيقُ الانْتِظارَ لأنَّنا مُتَلَهِّفونَ على الانتقالِ مِنَ النِّعمةِ إلى المَجْد ... مِنَ النِّعمةِ إلى المَجْد.

وهل سَنَنْجَحُ في ذلك؟ أجل. فنحنُ نَقرأُ في العدد 23 أنَّ لنا باكُورةَ الروحِ. وهذا لا يَعْني شَيئًا يَنْبُعُ مِنَ الروحِ. فَهُوَ ليسَ باكُورَةً مِنَ الرُّوحِ، بل باكورةُ الوعدِ المُستقبليِّ مِنَ اللهِ الَّذي هُوَ الرُّوح. فالروحُ القدسُ هُوَ الباكورَة ... باكُورةُ الروحِ القدس. فَهُوَ الدُّفعةُ المُسَبَّقَةُ. وقد كانَتِ الباكورةُ جُزْءًا صَغيرًا مِنَ المَحصولِ يَحْصُدُهُ المُزارِعُ أوَّلًا. فَهُوَ الجُزْءُ الَّذي يَحْصُدُهُ أوَّلًا إلى أنْ يَنْضُج باقي المَحصول. فَهُوَ يَحْصُدُ هذا الجُزءَ الأوَّلَ فَيَعْلَمُ كيفَ سيكونُ المَحصولُ مِنْ خِلالِ الباكُورَة. والروحُ القدسُ هُوَ باكورةُ المَحصولِ الكاملِ الَّذي أَعَدَّهُ اللهُ لِشَعْبِهِ. فَهُوَ الدًّفْعَةُ الأولى، أوِ الدُّفعةُ المُسَبَّقَةُ، أوِ العَرْبون، أوْ خاتَمُ الخِطْبَةِ، أوِ الخَتْم، أوِ الضَّمان. فهذهِ كُلُّها كَلِماتٌ نَجِدُها في كِتاباتِ بولُس. وَهُوَ رُوْحُ المَوْعِدِ. فهذا هُوَ رَجاءُ المَفْدِيِّينَ إذْ نَقرأُ في رِسالَةِ كولوسي 1: 27: "المَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ المَجْدِ".

إذًا، سَوْفَ نَسْتَمِرُّ في الأنين إلى أنْ يَتَحَقَّقَ ذلك. وكُلَّما زادَ عُمْرُكُمْ، زادَ أَنِيْنُكُمْ. أليسَ كذلك؟ حَقًّا ... زادَ أَنينُكُم. فأنْتُمْ تَئِنُّونَ أكْثَر بسببِ عَجْزِكُمْ عَنْ فِعْلِ المَزيد. وأنْتُمْ تَئِنُّونَ أكْثَر بسببِ وُجودِ مَزيدٍ مِنَ الأشياءِ الَّتي تَجْعَلُكُمْ تَئِنُّون – ليسَ فقط على الصَّعيدِ الشَخصيِّ المُخْتَصِّ بِصِحَّتِكُم الجَسَدِيَّة، بل أيضًا على صَعيدِ الأمورِ الَّتي تَحْدُثُ مِنْ حَوْلِكُمْ والتي تَجْعَلُكُمْ تَئِنُّون. فأنا لم أَكُنْ أَئِنُّ كَثيرًا على حالِ الأشياءِ الَّتي تَحْدُثُ في العالَمِ حينَ كُنْتُ شابًّا. وأنا لم أَكُنْ أَئِنُّ كثيرًا عندَ مَوْتِ أَحَدِ الأشخاصِ أوْ عِنْدَ ظُهورِ تَحَدِّياتٍ جديدة. ولكِنِّي جَلَسْتُ بينَ الخَدَماتِ وَصَلَّيْتُ مع "جون جيمس" الَّذي تَعَرَّضَتْ زَوْجَتُهُ لِسَكْتَة دِماغِيَّة. فبعدَ زَواجٍ دامَ 62 سَنَة، انْتَقَلَتْ إلى السَّماءِ في هذا الأسبوعِ على نَحْوٍ غَيْرِ مُتَوَقَّع. وقد جَلَسْتُ وشَعَرْتُ بالأنينِ والألمِ الَّذي يَعْتَصِرُ قَلْبَهُ حينَ كانَ يُحاوِلُ أنْ يَشْرَحَ لي مَعْنى أنْ يَخْسَرَ زَوْجَتَهُ. فقد كانَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ عُضْوَيْنِ في كَنيسَتِنا مُنْذُ سَنَة 1972. وقد كانتِ الكَنيسَةُ تَعْني الكَثيرَ لَهُما. لذلكَ فَهِيَ حَياةٌ مُمْتَلِئَةٌ أنينًا. وَكُلَّما عِشْنا أَكْثَر، زادَ أَنينُنا فيها. ونحنُ جَميعًا نَعيشُ بالرَّجاء. وَهَذا الرَّجاءُ يَتَّضِحُ أكْثَرَ فأكْثَر كُلَّما تَقَدَّمَ بِنا العُمْرُ واخْتَبَرنا حَقيقَةَ العَيْشِ في عالمٍ فاسِدٍ وسَاقِطٍ. وأنا لا أُحاوِلُ أنْ أُصْلِحَ العالم. ولكِنِّي أنْتَظِرُ اليومَ الَّذي سَيَضَعُ اللهُ فيهِ نِهايَةً لهذا العالَمِ ويَخْلِقُ سَماءً جديدةً وأرضًا جَديدةً. لذلكَ فإنَّنا نَعيشُ بالرَّجاءِ إذْ نَقرأُ في العدد 24: "لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟"

بعبارةٍ أُخرى، لقد نِلْنا الخَلاصَ بالإيمان. ولكِنَّنا نِلْنا الخَلاصَ أيضًا بالرَّجاء. أليسَ كذلك؟ لأنَّ خَلاصَنا لم يَكْتَمِلْ بعد. فَنَحنُ نَقرأُ في رُومية 13 أنَّ خَلاصَنا أَقْرَب الآن. فَخَلاصُكَ أَقْرَبُ الآنَ مِمَّا كانَ عليهِ حينَ آمَنْتَ. وهذا هُوَ الجانِبُ المُستقبليُّ المُخْتَصُّ بِهِ. لذلكَ فإنَّنا نَعيشُ على رَجاءِ ما لا نَراه. ولكِنْ إنْ كُنَّا نَرْجو ما لا نَراه، فإنَّنا نَتَرَقَّبُهُ بِصَبْرٍ.

وما الَّذي يُبْقي صَبْرَنا قَوِيًّا؟ وما الَّذي يُبْقي رَجاءَنا حَيًّا؟ إنَّها خِدمةُ رُوْحِ اللهِ فينا، باكورَةُ الرُّوحِ القُدُسِ. فَهُوَ الَّذي يَقودُنا. وَهُوَ الَّذي يُؤكِّدُ بَنَوِيَّتَنا. فَهُوَ رُوْحُ التَّبَنِّي الَّذي بِهِ نَصْرَخُ: "يَا أَبَا الآبُ". وَهُوَ الَّذي يَشْهَدُ لأرواحِنا أنَّنا أولادُ اللهِ. فَهُوَ يُمْسِكُنا، ويَضْمَنُنا، ويُعْطينا رَجاءً حَيًّا يُساعِدُنا على انْتِظارِ المَجيءِ الثَّاني للمسيح. ونحنُ نَنتظرُ تَمْجيدَنا المُستَقبليَّ. لذلكَ فإنَّ الخَليقةَ تَئِنُّ، والمُؤمِنينَ يَئِنُّونَ أيضًا.

وفي العَدَدَيْن 26 و 27، نَرى أنَّ الرُّوحَ القدسَ يَئِنُّ. ولكِنَّ هذا المَقْطَعَ عَظيمٌ جِدًّا. لذلكَ، سوفَ أُرْجِئُ التَّأمُّلَ في هذا المَقْطَعِ إلى المَرَّةِ القادِمَةِ لأنَّهُ يُفْضي إلى أنَّ كُلَّ الأشياءِ تَعْمَلُ مَعًا للخَيْرِ، وَهِيَ آيَةٌ مَعْروفَة – الآية 28. ويا لَهُ مِنْ أمْرٍ رائِعٍ أنْ نَنْظُرَ بأمانَةٍ وإخلاصٍ إلى خِدمةِ الرُّوحِ القُدُسِ المُبارَكِ في حَياتِنا، وأنْ نَتَجَنَّبَ كُلَّ الأفْكارِ الحَمْقاءِ وَالغَبِيَّةِ والطُّفولِيَّةِ الَّتي يُصَوَّرُ فيها الروحُ القُدُسُ المُبارَكُ والرَّائِعُ والعَظيمُ. فَمِنَ الحَماقَةِ أنْ يُصَوَّرَ كما لو كانَ ضَبابًا أزْرَقَ اللَّوْنِ. فهذا سُوْءُ تَمْثيلٍ للصُّورَةِ الَّتي يَنْبَغي أنْ نَراهُ عليها.

وأنا أَصِفُ ذلكَ بالعِجْلِ الذَّهَبِيِّ لأنَّهُ يُصَوِّرُ اللهَ بِطريقةٍ مَرئيَّةٍ. ولكِنْ لا يَجوزُ لَنا أنْ نُفَكِّرَ في الروحِ القدسِ بِطَريقَةٍ مَرئِيَّةٍ. ولا يَجوزُ لَنا أنْ نُفَكِّرَ في اللهِ بطريقةٍ مَرئيَّةٍ. فَمِنْ حَقِّكُمْ أنْ تُفَكِّروا في يَسوعَ بِوَصْفِهِ إنْسانًا. فالخَلاصُ يَضُمُّ الإيمانَ الَّذي يَجْعَلُنا نَنْظُرُ إلى الوَراء - إلى العَمَلِ الَّذي أَنْجَزَهُ المَسيحُ. وَهُوَ يَضُمُّ أيضًا الرَّجاءَ، وَهُوَ شَيءٌ يَتَطَلَّعُ إلى الأمام - إلى العَمَلِ الَّذي لم يُنْجِزْهُ المَسيحُ بَعْد. فَهُوَ سُلوكٌ بالإيمان. وَهُوَ سُلوكٌ بالرَّجاءِ أيضًا.

نَشكُرُكَ، يا أبانا، على الوقتِ الَّذي صَرَفْناهُ معًا في هذا اليوم، وعلى التَّرانيمِ الرَّائعةِ الَّتي اسْتَمْتَعْنا بها وشارَكْنا فيها، وعلى الشَّرِكَةِ الرائعةِ معَ المُؤمِنينَ الآخرينَ، وعلى كُلِّ ما يَجْري أثناءَ شَرِكَتِنا في هذا المَكانِ وما يَجري في أثناءِ اليوم. ونَشْكُرُكَ على الفُرصَةِ في أنْ نَعودَ إلى هذا المَكانِ مَساءَ هذا اليوم مِنْ أجْلِ خِدْمَةِ الكَلِمَة، ومِنْ أجْلِ العِبادَةِ، ومِنْ أجْلِ إكرامِكَ. ونحنُ نَشكُرُكُ، أيُّها الروحُ القدسُ المُبارَكُ، على كُلِّ ما تَفْعَلُهُ فينا لكي تُقَدِّسَنا وَتَضْمَنَ حُصولَنا على المَجْدِ الأبديِّ. ونحنُ نَشْكُرُكَ، أيُّها المَسيحُ، على التَّدبيرِ الَّذي صَنَعْتَهُ على الصَّليبِ والذي جَعَلَ هذا مُمْكِنًا. ونحنُ نَشْكُرُكَ، أيُّها الآبُ، على الخُطَّةِ العَجيبَةِ الَّتي وَضَعْتَها قَبْلَ تأسيسِ العالَم. ونحنُ نَشكُرُكَ باسْمِ مُخَلِّصِنا المُبارَكِ على إرْسالِ الروحِ القُدُسِ لكي يَقومَ بِعَمَلِهِ في تَقْديسِنا وَضَمانِنا إلى أنْ يَجيءَ اليومُ الَّذي نَتَمَجَّدُ فيهِ في السَّماءِ الجديدةِ والأرضِ الجديدةِ. فنحنُ نَتوقُ إلى ذلكَ الواقِعِ، لا فقط لأجْلِنا. بل نَتوقُ إلى ذلكَ الواقِعِ مِنْ أجْلِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ نَفْسِهِ الَّذي يَسْتَحِقُّ كُلَّ إكْرامٍ، وَمِنْ أجْلِ الروحِ القدسِ، ومِنْ أجْلِ اللهِ الآبِ الَّذي يَستحقُّ أنْ يُعْبَدَ إلى أبدِ الآبِدين. فهذا هُوَ ما سَنَفْعَلُهُ في السَّماءِ إذْ إنَّها سَتَكونُ مَكانَ العِبادَةِ الحَقيقيَّةِ للثَّالوثِ إلى أبدِ الآبِدين. ونحنُ سَنَبْقى عاجِزينَ عَنْ فَهْمِ ذلكَ تَمامًا، ولكِنَّنا نُصَلِّي، يا رَبّ، أنْ تُعْطينا أنْ نَبْقى أُمَناءَ في الرَّجاءِ بانتظارِ اليومِ الَّذي سَتُفاجِئُنا فيهِ كُل لَحظةٍ في الأبديَّةِ بِمَجْدِكَ وصَلاحِكَ. نَشْكُرُكَ لأنَّكَ دَعَوْتَنا. ونَشْكُرُكَ لأنَّكَ بَرَّرْتَنا. ونَشكُرُكَ لأنَّكَ وَعَدْتَ أنْ تُمَجِّدَنا. باسْمِ مُخَلِّصِنا نُصَلِّي. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize