Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لِنَفْتَحِ على الأصْحاحِ الثَّامِنِ مِنْ رِسالةِ رُومية مَرَّة أخرى في هذا الصَّباح ... رومية، الأصْحاح 8. وقد صَرَفنا وقتًا في دراسةٍ عميقةٍ لخدمةِ الروحِ القدسِ في هذا الأصحاح. وقد اغْتَنَيْنا حَقًّا بما قَدَّمَهُ لنا بولسُ هُنا مِنَ أفْكارٍ إلهيَّةٍ عنْ عملِ الروحِ القدس. والشيءُ الَّذي دَفَعني إلى عَقْدِ هذهِ السلسلةِ الَّتي تُركِّزُ على الروحِ القدسِ هُوَ أنِّي شَعرتُ في قلبي (وَهُوَ شُعورٌ أَعْلَمُ أنَّهُ صَحيحٌ) بأنَّ هُناكَ أُقْنومًا في الثَّالوثِ مَنْسِيٌّ مِنَ العِبادةِ المسيحيَّةِ والنقاشاتِ المسيحيَّةِ والتعليمِ المسيحيِّ والحياةِ المسيحيَّةِ. ولكِنَّ هذا الأقنومَ هُوَ أَحَدُ أقانيمِ الثالوثِ الَّذي نَدينُ لَهُ مِنْ جِهَةِ خَبْراتِنا المسيحيَّةِ، وَهُوَ: الرُّوحُ القُدُس.

وبصُورةٍ عامَّةٍ، فإنَّ العبادةَ المسيحيَّةَ اليومَ تُرَكِّزُ على الأسلوبِ أكْثَر مِنَ الجَوْهَر. وَهيَ تُرَكِّزُ على المشاعرِ أكْثَرَ مِنَ الحَقيقَة. وهيَ تُرَكِّزُ على الذَّاتِ أكْثرَ مِنَ المُخَلِّص. وهيَ تُرَكِّزُ على العِلاجِ أكْثَرَ مِنَ اللَّاهوتِ. وهيَ تُركِّزُ على الأمورِ العالميَّةِ أكثرَ مِنَ الأمورِ المقدَّسَةِ. وهيَ تُرَكِّزُ على المشاعرِ الطَّيِّبة أكثرَ مِنْ مَجْدِ اللهِ. وإذْ نَنْظُرُ إلى الحالةِ المُزْرِيَةِ للعبادةِ المسيحيَّةِ اليوم، لا يَسَعُنا إلَّا أنْ نُلاحظَ أننا بالرَّغمِ مِنْ تركيزِنا على اللهِ الآبِ والتَّرَنُّمِ بِصِفاتِهِ، وبالرَّغمِ مِنْ تركيزِنا الكَبيرِ على المسيحِ والتَّرَنُّمِ بشَخْصِهِ وعَمَلِهِ، فإنَّنا لا نُعْطي الرُّوحَ القُدُسَ حَقَّهُ. ولكِنْ إنْ أردنا أنْ نَعبُدَ اللهَ عِبادةً صَحيحةً ولائقةً، يجبُ علينا أنْ نَعبُدَ اللهَ الآبَ، والابْنَ، والروحَ القدس.

ولكِنَّ مَسيحيِّينَ كثيرينَ لا يَعرفونَ سِوى القليلِ عنْ خِدمةِ الروحِ القدس. وهناكَ أخطاءٌ كثيرةٌ بخصوصِ الروحِ القدسِ حَتَّى إنَّ النَّاسَ يَتجنَّبونَ قَوْلَ أيِّ شيءٍ عنِ الروحِ القدسِ خَشْيَةَ أنْ يُناقِضوا التَّفكيرَ السَّائِدَ في زَمانِهِمْ. ولكِنْ يجبُ علينا أنْ نَعبُدَ اللهَ الآبَ، واللهَ الابْنَ، واللهَ الروحَ القدسَ بالمَعنى الحَقيقيِّ للعبادَةِ، وبمَعرفةٍ كاملةٍ عَنِ الإعلانِ المُخْتَصِّ بكُلِّ أُقنومٍ في الثَّالوثِ. لذلكَ فقد انْطَلَقنا في رِحلةٍ لفهمِ الخِدمةِ الرائعةِ والمُباركةِ لِروحِ اللهِ. وقد لَخَّصْنا الأمْرَ بالقولِ إنَّ الآب وَضَعَ خُطَّةَ الفِداءِ، وأنَّ الابْنَ دَبَّرَ وَسيلةَ الفِداءِ مِنْ خِلالِ مَوتِهِ وقيامَتِهِ، وأنَّ الروحَ القدسَ أَنْشَأَ عَمَلَ الفِداءِ فينا. فَهُوَ العامِلُ الَّذي يُفَعِّلُ حَقيقةَ الخُطَّةِ الَّتي وَضَعَها اللهُ وَصَادَقَ عليها الابْنُ. فَهُوَ الَّذي يُفَعِّلُها.

ويجبُ علينا أنْ نَفهمَ خِدمةَ الروحِ القدسِ بحسبِ تَعليمِ الكِتابِ المقدَّسِ. وهناكَ تَحذيرٌ لنا بألَّا نُحْزِنَ الروحَ، وألَّا نُطْفِئَ الروحَ، وألَّا نُهينَ الروحَ، وألَّا نُجَدِّفَ على الروحِ. ولا عَجَبَ أنْ نَجِدَ تَحذيرًا كَهَذا بخصوصِ مِثْلِ هذهِ الأشياءِ الَّتي تَبدو بَديهيَّةً جِدًّا. لذلكَ فقد كُنَّا نحاولُ أنْ نُعيدَ رَبْطَ الأشياءِ المُعلنة بوضوح في الكِتابِ المقدَّسِ والتي رُبَّما أَهْمَلْناها وقتًا طويلًا فيما يَختصُّ بالروحِ القدسِ. وقد تَعَلَّمنا أنَّ الروحَ القدسَ هوَ الَّذي يُجَدِّدُنا. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 3 أنَّنا نُوْلَدُ مِنَ الرُّوح. فالروحُ القدسُ هوَ الَّذي يُبَكِّتُنا على خَطِيَّة وبِرّ ودَينونَة (كما جاءَ في يوحنَّا 16). وحَتَّى إنَّ الروحَ القدسَ يَشتركُ في تَبريرِنا. فنحنُ نَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوسَ الأولى 6: 11: "بَلْ تَبَرَّرْتُمْ ... بِرُوحِ إِلهِنَا". ونَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوس الثانية 3 أنَّ الروحَ القدسَ هوَ الَّذي يُقَدِّسُنا، ويَأخُذُنا مِنْ مُستوى مِنَ المجدِ إلى الَّذي يَليه ويُشَكِّلَنا على صُورةِ المسيح.

وقد تَعَلَّمْنا مِنْ رُومية 8 أنَّ الروحَ القدسَ هوَ الَّذي يُؤكِّدُ تَبَنِّينا بِصِفَتِنا أولادًا للهِ. والروحُ يَسكنُ فينا. وَهُوَ يُعْطينا اليَقينَ بأنْ يَشْهَدَ لأرْواحِنا بأنَّنا أولادُ اللهِ. ونَقرأُ في رِسالةِ كورِنثوس الأولى 12 أنَّ الروحَ القدسَ يُعَمِّدُنا في جسدِ المسيحِ فَنَتَّحِدُ بكُلِّ مُؤمِنٍ آخَر. وفي الأصْحاحِ نَفْسِهِ، نَقرأُ أنَّ الروحَ يُعْطينا مواهبَ روحيَّةً نَخْدِمُ بها المسيحَ ونَخْدِمُ بها الجسد. والروحُ هوَ الَّذي يُعينُنا في الصَّلاة. ونَقرأُ في رِسالةِ يهوذا 1: 20 عنِ الصَّلاةِ في الرُّوح. والروحُ هوَ الَّذي يُقويِّنا في الإنسانِ البَاطِنِ (كما جاءَ في رِسالَة أفَسُس 3: 16). والروحُ هوَ الَّذي يَقودُنا لأنَّ الذينَ يَسْكُنُ الروحُ القدسُ فيهم يَنقادونَ بالروحِ (كما رأينا في رُومية 8). والروحُ هوَ الَّذي يُنْشِئُ فينا ثَمَرًا، أيْ ثَمَرًا سُلوكِيًّا يَتَمَثَّلُ في المحبَّةِ، والفرحِ، والسَّلامِ، واللُّطْفِ، والصَّلاحِ، والإيمانِ، والوَداعَة، والتَّعَفُّف، وكُلِّ الأعْمالِ البارَّةِ أيضًا. والروحُ هوَ الَّذي يُعْتِقُنا مِنَ الخَطِيَّةِ ويُعْطينا القُدرة على أنْ نُطيعَ اللهَ. والروحُ هوَ الَّذي يُنيرُ الكلمة لنا، وَهُوَ مُعَلِّمُ الحَقِّ الَّذي يَسْكُنُ فيها.

وفَضْلًا عَنْ ذلكَ ... وَعلاوة على ذلك، فإنَّ الروحَ القدسَ هوَ الَّذي يَضْمَنُ مَجْدَنا الأبديَّ. فالروحُ هوَ الَّذي يَضْمَنُ مَجْدَنا الأبديَّ. وهذهِ الخِدمةُ العظيمةُ الَّتي يَقومُ بها الروحُ القدسُ هيَ الفِكرةُ الَّتي وَجَّهْتُكُمْ إليها حينَ قَرأتُ الآيات رُومية 8: 18-39. فهذا المَقطَعُ بِمُجْمَلِهِ يُرَكِّزُ على هذهِ الحقيقةِ المجيدةِ القائلةِ إنَّ الخَلاصَ أبَدِيٌّ ... إنَّ الخَلاصَ أبديٌّ. فنحنُ مَحروسونَ بقوَّةِ اللهِ إلى لَحظةِ التَّمجيدِ النِّهائِيِّ تلكَ، وإلى لَحظةِ حُصولِنا على المِيراثِ المُعَدِّ لنا والذي لا يَفْنى ولا يَتَدَنَّس، بل هُوَ مَحْفوظٌ في السَّماء لأجْلِنا. فالروحُ يَضْمَنُ مَجْدَنا الأبديَّ. ونَقرأُ في الكِتابِ المقدَّسِ أنَّهُ يَخْتِمُنا إلى يومِ الفِداء. فَهُوَ الضَّمانَةُ، والدُّفعةُ الأولى، والعَربونُ، وخاتَمُ الخُطوبَةِ، والباكورَة. وَهُوَ قُوَّةُ اللهِ. وَهُوَ حَامي كُلِّ مُؤمِنٍ إلى اليومِ الَّذي سيُقيمُنا فيهِ إلى المجدِ الأبديِّ كَما أقامَ يَسوعَ مِنَ الأمواتِ.

ولا شَكَّ أنَّ هذا كُلَّهُ يَدْفَعُنا بِكُلِّ تأكيدٍ إلى عِبادةِ الروحِ القدس. وهذهِ هيَ العقيدةُ السَّليمةُ عنِ الروحِ القدسِ والتي تُناقِضُ كُلَّ ما نَراهُ في وقتِنا الحاضِرِ مِنْ تَفسيراتٍ خاطئةٍ وتَجديفٍ على الروحِ القدسِ.

لذلكَ، فقد كَتَبَ بولسُ هذهِ الآياتِ. وَهُوَ يَذكُرُ التَّمْجيدَ في العدد 17. ثُمَّ إنَّهُ يَتَحَدَّثُ ابتداءً مِنَ العدد 18 إلى العدد 30 حَديثًا رائعًا ومَجيدًا عَنْ أَبَدِيَّةِ خَلاصِنا. بعبارةٍ أُخرى، إذا نَلْتَ الخَلاصَ يومًا فإنَّ خَلاصَكَ أبَدِيٌّ ... إنَّهُ أبَدِيٌّ. ونَجِدُ خُلاصَةَ الكَلامِ في العدد 30 بأنَّ الَّذينَ سَبَقَ أنْ عَيَّنَهُمُ اللهُ ليكونوا على صُورةِ ابْنِهِ، فإنَّهُ يَدعوهُمْ في الوقتِ المُعَيَّنِ دَعْوَةً حَقيقيَّةً فاعِلَةً للخَلاص. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا. لذلكَ فإنَّ النَّاسَ الذينَ سَيُمَجَّدونَ هُمْ أنْفُسُهُمْ النَّاس المُعَيَّنونَ سَابِقًا. فلا أَحَدَ يُفْقَد في الطَّريق. وهذا هُوَ ما يَقولُهُ بولسُ لنا. وهذا هوَ قَصْدُ اللهِ. وهذا هوَ عملُ الروحِ القدسِ. لذلكَ فإنَّ بولسَ يَقولُ لنا إنَّ اللهَ يَجْعَلُ كُلَّ الأشياءِ الموجودةِ في حياتِنا، أيًّا كانَتْ، تَعملُ معًا لِخَيْرِنا وَمَجْدِنا الأبديِّ لأنَّنا دُعْينا حَسَبَ قَصْدِهِ ولأنَّنا نَتَمَتَّعُ بعلاقَةِ مَحَبَّةٍ مَعَهُ.

لقد عَلَّمْتُ هذهِ العَقيدةَ طَوالَ حياتي. وأنا أُعَلِّمُها بِشَغَفٍ لأنَّها واضحةٌ حدًّا في الكتابِ المقدَّس. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فقد اضْطُرِرْتُ طَوالَ حياتي وخِدْمَتي إلى الدُّخولِ في مُجادلاتٍ معَ النَّاسِ الرَّافِضينَ لِفِكرةِ أنَّ الخلاصَ أبَدِيٌّ. وقد ذَهَبْتُ يومًا لزيارةِ القاعدةِ العسكريَّةِ السَّابقةِ في رُوسيا البيضاء (في ضَواحي مَدينةِ مِيْنسك) حيثُ كانَ الجُنودُ الشُّيوعِيُّونَ مُتَمَرْكِزين في عَصْرِ الإمبراطوريَّةِ الروسيَّةِ العظيمة. وقد تَمَّ تَحويلُ تلكَ القاعدة إلى ما يُشْبِهُ المُعَسْكَر. وقد ذَهَبْتُ لزيارةِ ذلكَ المُعَسْكَر بِرِفْقةِ مَجموعةٍ مِنَ الرُّعاة. وأثناءَ العِظَةِ، أَشَرْتُ إلى حقيقةِ أنَّ الخَلاصَ أبديٌّ، وَأنَّهُ حالَما تَتَجَدَّدْ فإنَّ ذلكَ سيدومُ إلى الأبد، وأنَّهُ بِإمْكانِكَ أنْ تكونَ واثقًا كُلَّ الثِّقة برجاءِ المَجْدِ الأبديِّ. وبعدَ العِظَة، تَقَدَّمَ إليَّ جَميعُ الوُعَّاظِ القادِمينَ مِنْ رُوسيا البيضاء ورُوسيا وقالوا لي: "نَعْتَقِدُ أنَّ ذلكَ خَطَأ". فقلتُ: "حسنًا، يجبُ أنْ تُعْطوني وقتًا في الصَّباحِ للإجابةِ على كُلِّ اعْتِراضاتِكُمْ".

لذلكَ، فقد نَهَضْتُ في الصَّباحِ، وَتَناوَلْتُ شَيئًا على الإفْطارِ لا زِلْتُ حَتَّى اليوم لا أَعْلَمُ مَا هُوَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إلى الاجتماع. وقد كانُوا يَفْرُكونَ أعْيُنَهُمْ لأنَّهُمْ كانُوا سَاهِرينَ طَوالَ اللَّيل. فقد سَهِروا طَوالَ اللَّيْلِ لِجَمْعِ الأدلَّةِ الَّتي تُبَيِّنُ أنِّي عَلى خَطَأ. وقدِ ابتدأتُ بالرَّدِّ على الاعتراضاتِ الواحِدَ تِلْوَ الآخَرِ، تِلْوَ الآخَرِ، تِلْوَ الآخَرِ، تِلْوَ الآخَرِ. وأنا أَتَفَهَّمُ ذلك. فلم يَكُنْ هَدَفي هُوَ أنْ أَدْخُلَ في مُجادلاتٍ معهم، بل أرَدْتُ أنْ يَتَمَتَّعوا بخلاصِهم. وقد أردتُ أنْ أُحَرِّرَهُمْ مِنَ الخَوْفِ مِنْ فُقدانِهِ. وقد أرَدْتُ أنْ يَبتهِجوا بالرَّجاءِ المَضْمون. وقد كانَتْ تلكَ عَطِيَّةٌ حاولتُ أنْ أُقَدِّمَها لَهُمْ، ولكنَّهُمْ اسْتَمَرُّوا في رَفْضِها. وقد اضْطُرِرْتُ إلى تَقديمِها المَرَّةَ تِلْوَ الأُخرى، تِلْوَ الأُخرى، تِلْوَ الأُخرى، وَأنْ أُفَنِّدَ كُلَّ اعْتِراضٍ وكُلَّ حُجَّةٍ طَوالَ اليوم. وأنا أَتفهَّمُ ذلك. وقد كانَ بولسُ يَتفَهَّمُ ذلك.

لذلكَ، حينَ تَأتونَ إلى العدد 30، فإنَّ بولسَ يَتوقَّعُ مُعارَضاتٍ. فَقد كانَ يَعْلَمُ أنَّ هُناكَ أشخاصًا في مَكانٍ ما سيَسْهَرونَ اللَّيْلَ كُلَّهُ بَحْثًا عَنْ نِقاطٍ يَعْتَرِضونَ عليها. وقد كانَ يَعلمُ طَبيعةَ تلكَ الاعتراضاتِ لأنَّ هُناكَ نِقاطًا مُعَيَّنةً يُمْكِنُ للنَّاسِ أنْ يُجادِلوا بِشأنِها. وقد كانَ بولسُ يَعلَمُ بوجودِ احْتِمالَيْنِ فقط: أمَّا أنْ تَفقدَ خَلاصَكَ بسببِ شخصٍ ما، أوْ أنْ تَفْقِدَهُ بسببِ ظَرْفٍ ما. فهذانِ هُما الاحتمالانِ الوَحيدان. وهَذِهِ هِيَ خُلاصَةُ الأمْر. وهذا هُوَ كُلُّ ما في الأمْر. لذلكَ فإنَّ السُّؤالَ الَّذي يَطْرَحُ نَفْسَهُ هُنا هُوَ: هل يُمْكِنُ لأيِّ شَخْصٍ أنْ يَجْعَلَكَ تَفْقِدُ خَلاصَكَ بالرَّغْمِ مِنْ عملِ الروحِ القدسِ، وبالرَّغْمِ مِمَّا فَعَلَهُ المسيحُ، وبالرَّغمِ مِنْ قَصْدِ اللهِ؟ وإنْ لم يَكُنْ ذلكَ شَخْصًا، هل يُمْكِنُ لِظَرْفٍ ما أنْ يُفْقِدَكَ خَلاصَكَ؟ هَلْ يُمكنُ لأيِّ ظَرْفٍ مَهْما كانَ صَعْبًا أوْ قَوِيًّا أنْ يُفْقِدَكَ خَلاصَكَ؟ هذا هُوَ مَوضوعُ الأعداد 31-39.

إنَّ الجُزءَ الأوَّلَ المَشْمول في الآيات 31-34 يُجيبُ عنِ السُّؤال: هَلْ يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يُفْقِدَكَ خَلاصَكَ؟ والآيات 35-37 تُجيبُ عنِ السُّؤال: هل يُمكنُ لأيِّ ظَرْفٍ أنْ يُفْقِدَكَ خَلاصَكَ؟ ثُمَّ تَأتي الخُلاصَةُ المَجيدةُ في نِهايةِ الأصْحاح.

والآنْ، يَتَطَرَّقُ بولسُ إلى هذا الموضوع. وسوفَ نَتَحَدَّثُ عَنِ النُّقطةِ الأولى المُختصَّةِ بالأشخاص. وَهُوَ يَتحدَّثُ عنْ ذلكَ في العدد 31: "فَمَاذَا نَقُولُ لِهذَا؟" ... "فَمَاذَا نَقُولُ لِهذَا؟" وما المَقْصودُ بالكلمة "هَذا"؟ هَذا الأمْر المُخْتَصّ بالخلاصِ الأبديِّ؟ فالموضوعُ ابتداءً مِنَ العدد 18 هوَ عنْ أَبَدِيَّةِ الخَلاص، وأنَّ اللهَ ضَمِنَنا في قَصْدِهِ، وأنَّ الروحَ القدسَ يَشْفَعُ فينا، وأنَّ اللهَ يَجعلُ كُلَّ الأشياءِ تَعملُ معًا لِخَيْرِنا الأبديِّ، وأنَّهُ إنْ كانَ اللهُ قد سَبَقَ فَعَرَفَنا وعَيَّنَنا لنكونَ مُشَابِهِينَ صُورَةَ يَسوعَ المسيحِ، فإنَّنا سَنَصِلُ إلى هُناكَ وَلَنْ يَهْلِكَ أَحَدٌ مِنَّا، وأنَّ جَميعَ الذينَ دَعاهُمْ بَرَّرَهُمْ وَمَجَّدَهُمْ، وكُلَّ هذهِ الأشياءِ المُختصَّةِ بالخَلاصِ الأبديِّ الَّذي لا يُمْكِنُ أنْ يُفْقَد. "فماذا نَقولُ لِهذا؟" وما هُوَ رَدُّكُمْ؟ هذا هُوَ السُّؤال. فما هيَ الخُلاصَةُ الَّتي تَرْغَبونَ في اسْتِخْلاصِها؟

حسنًا، لقد كانَ بولسُ يَعلمُ أنَّ بعضَ الأشخاصِ سيَعترضونَ على ذلك. فَهُمْ سيقولونَ إنَّ الخَلاصَ يُمْكِنُ أنْ يُفْقَد. فَهُوَ أمْرٌ رائعٌ، ولكنَّهُ يُمكنُ أنْ يُفقَدَ لأنَّ هُناكَ أشخاصًا مُعَيَّنينَ وظُروفًا مُعيَّنةً يمكنُ أنْ تَجْعَلَنا نَتَخَلَّى عنهُ أوْ يُمْكِنُ أنْ تَحْرِمَنا مِنْهُ. لذلكَ فإنَّ بولسَ يَقولُ: "حسنًا، لِنَتَطَرَّقْ إلى الأشخاص". فهل هُناكَ شَخصٌ أوْ أشْخاصٌ يَقدِرونَ أنْ يَحْرِمُونا خَلاصَنا؟ وهلْ يَمْلِكُ أيُّ شخصٍ القُدرة على القيامِ بذلك؟ وهل يَملكُ أيُّ شخصٍ هذا التَّأثيرِ علينا حَتَّى إنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يُزيلَ شَيئًا أعْطانا اللهُ إيَّاه؟ والجَوابُ يَكْمُنُ في نِهايةِ العدد 31 إذْ نَقرأُ: "إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟" والكَلِمَةْ "مَنْ" هُنا تُشيرُ إلى أشْخاصٍ أوْ أُناسٍ. فَهَلْ يُوجدُ شَخصٌ يَقدرُ أنْ يَحْرِمَنا خَلاصَنا؟ وقد تَقولُ: "وَمَنْ يُبالي بالقيامِ بذلك؟" أُناسٌ كَثيرونَ مِمَّنْ يَسْتاءونَ مِنْ مَسيحيَّتِنا. وقد يكونُ هذا الشَّخصُ شَريكَ حَياتِكَ. وقد يَتَمَنَّى أحدُ الأبناءِ أنَّكَ لَمْ تَخْلُصْ. وقد يُبدي استِعدادَهُ لِعَمَلِ أيِّ شيءٍ لإبعادِكَ عَنْ ذلك. وقد يَفعلُ ذلكَ أيُّ شَخْصٍ غَيْر مُخَلَّصٍ في العائلة.

فقد قالَ يسوعُ في إنْجيل مَتَّى 10 إنَّهُ جاءَ ليُلْقي سَيْفًا ويَجْعَلَ النَّاسَ يَنْقَلِبونَ على أفرادِ عائِلَتِهِم، ويُلاقُوْنَ البُغْضَ مِنَ الأبِ، والأُمِّ، والأُخْتِ، وَالأخِ. وماذا عَنِ المُعَلِّمينَ العِلْمانِيِّين؟ فأنْتَ تُرْسِلُ ابْنَكَ إلى الجامعةِ. ولكِنْ هل تَظُنُّ أنَّ المُعَلِّمينَ هُناكَ يُريدونَ أنْ يُرَسِّخوا إيمانَ الطَّلَبَة المَسيحيِّين؟ لا أظُنُّ ذلك. بل أعتقدُ أنَّهُمْ مُستَعِدُّونَ لعملِ أيِّ شيءٍ في مَقدورِهِمْ لِتَدْميرِ إيمانِ الطَّلَبَة. وماذا عنِ الفَسادِ الأخلاقِيِّ الشَّنيعِ المُتَفَشِّي في مُجْتَمَعِنا؟ فهل تَعتقدونَ أنَّ الثَّقافَةَ وَالمُجتمعَ اللَّذَيْنِ نَعيشُ فيهِما يَرْمِيانِ إلى تَرْسيخِ قَناعاتِنا بيسوعَ المسيح؟ أَمْ أنَّهُمْا يَسْعَيانِ إلى تَدْميرِها؟ وهل تَعتقدونَ أنَّهُما يَرْمِيانِ إلى تَعزيزِ إيمانِكَ بالكِتابِ المقدَّسِ؟ أوْ بِقِصَّةِ الخَلْقِ؟ أوْ بِقَناعَتِكَ المُخْتَصَّةِ بنهايةِ الدَّهْرِ؟ أوْ برأيكِ في الأبديَّةِ أوِ السَّماءِ أوْ جَهَنَّم؟ أَمْ هَلْ يَرْمِيانِ إلى هَدْمِ ذلك؟ وَإلى عَزْلِكَ عَنْ ذلك؟ وَإلى إثارَةِ الشُّكوكِ في عَقْلِك؟

إنَّ الثَّقافةَ بأسْرِها تَشُنُّ حَرْبًا عليكُم. فهناكَ كُلُّ أصنافِ النَّاسِ الذينَ يَعْمَلونَ في مَملكةِ الظُّلمةِ ويُبْدُونَ استِعدادَهُمْ لعملِ أيِّ شَيءٍ في مَقدورِهِمْ لإبعادِكُمْ عنِ إيمانِكُمْ وخَلاصِكُم. والمُتَدَيِّنونَ الزَّائِفونَ يَسْعَوْنَ إلى ذلك. وقادَةُ البِدَعِ يَسْعَوْنَ إلى ذلك. والمُعَلِّمونَ الزائفونَ يَسْعَوْنَ إلى ذلك. وهناكَ أشخاصٌ كَثيرونَ مُستعِدُّونَ لعملِ ذلكَ. والكَثيرونَ مِنْهُمْ يَملكونَ نُفوذًا وقُوَّةً وتأثيرًا ودَهاءً. ولكِنَّ بولسَ يَقولُ: "إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟"

وما الَّذي يَقْصِدُهُ بذلك؟ إنَّها جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ في اللُّغةِ اليونانيَّةِ تَبتدئُ بالأداة "إنْ"، وَهِيَ أداةُ شَرْطٍ يَنْبَغي أنْ تُتَرْجَمَ "مَا دامَ" لأنَّها لا تُشيرُ إلى احْتِمالٍ، بل إلى حَقيقَة مُؤكَّدة. فَهِيَ حَقيقةُ مُؤكَّدَةٌ مُصَاغَةٌ في عِبارةٍ شَرْطِيَّةٍ. لذلكَ، مِنَ الأفْضَلِ أنْ تُقرأَ هَكَذا: "مَا دامَ اللهُ مَعَنا، فَمَنْ بِوِسْعِهِ أنْ يَتَغَلَّبَ عَلَيْنا؟" وَهِيَ حُجَّةٌ بَسيطةٌ جِدًّا. أليسَ كذلك؟ فَهَلْ هُناكَ مَنْ هُوَ أقوى مِنَ الله؟ فاللهُ عَيَّنَ سابِقًا مَصيرَنا الأبَدِيَّ في أنْ نَصيرَ على صُورةِ ابْنِهِ لِكَيْ يَكونَ ابْنَهُ بِكْرًا بينَ إخوةٍ كَثيرين. وقد عَيَّنَ اللهُ سابقًا النِّهايةَ مُنْذُ البِدايَة. فاللهُ دَعانا، وبَرَّرَنا، ووَعَدَنا بأنَّهُ سَيُمَجِّدُنا. فهذا هُوَ قَصْدُهُ. وابْنُهُ يَشْفَعُ فينا، وكذلكَ يَفعلُ الروحُ القُدُس. وقد تَحَدَّثْنا عَنْ هَذَيْنِ الشَّفيعَيْنِ سابِقًا.

ونحنُ نَعلمُ ما يُريدُهُ اللهُ. أليسَ كذلك؟ فنحنُ نَعلمُ أنَّ خُطَّةَ اللهِ وقَصْدَ اللهِ هُوَ أنْ يَأتي بِنا جميعًا إلى المَجْدِ، وأنَّهُ لَنْ يَفْقِدَ أحدًا مِنَّا، وَأنَّهُ سيُعْطينا حياةً أبديَّةً. ونحنُ لَنْ نَهْلِكَ أبدًا. فقد قالَ يسوع: "وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي". فهذا هُوَ وَعْدُ اللهِ. وهذا هُوَ تَعَهُّدُ اللهِ. وما دامَ اللهُ مَعَنا، فَمَنْ هُوَ الشَّخصُ الأقوى مِنْه؟ وقد حَذَّرَ بولسُ مِنْ أنَّكَ قد تَكونُ في كَنيسَة، أوْ في مُؤسَّسَةٍ دينيَّةٍ تَدَّعي أنَّها مَسيحيَّة، فيقول: "اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ ... لأَنِّي أَعْلَمُ هذَا: أَنَّهُ بَعْدَ ذِهَابِي سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لاَ تُشْفِقُ عَلَى الرَّعِيَّةِ. وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ". لِماذا؟ "لِيَجْتَذِبُوا التَّلاَمِيذَ وَرَاءَهُمْ". فهناكَ أُناسٌ في الكنائِسِ يَرْتَدونَ مَلابِسَ دينيَّة، ويَقفونَ على المَنابِرِ، ويُعَلِّمونَ في كُلِّيَّاتِ اللَّاهوتِ، ولكِنَّهُمْ يَسْعَوْنَ إلى إبعادِكُمْ عَنْ قَناعاتِكُمْ وَإيمانِكُمْ. وَهُمْ يَسْعَوْنَ إلى سَرِقَةِ خَلاصِكُمْ. ولكِنْ إنْ كانَ اللهُ مَعَكُمْ فَهَلْ هَؤلاءِ أَقْوى مِنَ الله؟

وحينُ تُفَكِّرونَ في ذلك، ارْجِعُوا (كَما أفعلُ أنا) إلى العهدِ القديم. فالمؤمنونَ في العهدِ القديمِ كانُوا يَعلمونَ أنَّ اللهَ هُوَ ضَمانُهُمْ. وأنا أُحِبُّ كلماتِ المَزمور 27 إذْ يَقولُ داوُد: "اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟" أليسَ كذلك؟ فَما دامَ الربُّ خَلاصِي، مِمَّنْ أَخاف؟ "الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟ عِنْدَمَا اقْتَرَبَ إِلَيَّ الأَشْرَارُ لِيَأْكُلُوا لَحْمِي، مُضَايِقِيَّ وَأَعْدَائِي عَثَرُوا وَسَقَطُوا. إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ". ولَكِنْ ما الشَّيءُ الَّذي تَشْعُرُ بالطُّمأنينَةِ تُجاهَهُ؟ "وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ". فَكُلُّ ما أَطْلُبُهُ هُوَ أنْ أكونَ مَعَهُ إلى الأبد. "لأَنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ. يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي. وَالآنَ يَرْتَفِعُ رَأسِي عَلَى أَعْدَائِي حَوْلِي، فَأَذْبَحُ فِي خَيْمَتِهِ ذَبَائِحَ الْهُتَافِ. أُغَنِّي وَأُرَنِّمُ لِلرَّبِّ".

فلا يَهُمُّ مَنْ عَلينا لأنَّ اللهَ مَعَنا ... لأنَّ اللهَ مَعَنا. ونحنُ نَقرأُ في تَكوين 15: 1: "لاَ تَخَفْ ... أَنَا تُرْسٌ لَكَ" (يَقولُ الرَّبُّ). ونَقرأُ في سِفْرِ العَدَد 14: 9: "الرَّبُّ مَعَنَا. لاَ تَخَافُوهُمْ". والكلماتُ هُنا مُرَتَّبة بِعَكْسِ العَدَد 28. فاللهُ يَجْعَلُ كُلَّ الأشياءِ تَعملُ معًا لِخَيْرِنا الأبديِّ. وهذا أمْرٌ إيجابِيٌّ بالنِّسبةِ إلينا. وَمِنْ جِهَةٍ أُخرى، لا يُمْكِنُ لأيِّ شَخصٍ أنْ يُلْغي ذلك. فإنْ كانَ اللهُ يَجْعَلُ كُلَّ الأشياءِ تَعمل مَعًا لِخَيْرِنا، لا يُمكنُ لأيِّ شَخصٍ أنْ يَجْعَلَ أيَّ شَيءٍ يَعْمَلُ لِشَرِّنا. ولا يُمكنُ لأيِّ شَخصٍ أنْ يُزيلَ عَنَّا صِفَةَ عَدَمِ الدَّينونةِ المَذكورة في الأصْحاح 8 والعَدَد 1. لذلكَ ليسَتْ هُناكَ دينونَة على الَّذينَ هُمْ في المسيحِ يَسوع. لا أَحَد .. لا شَخْص ... لا إنْسان. فنحنُ نَتحدَّثُ عَنِ البَشَر. وهذهِ هيَ النُّقطةُ الأولى: فلا أَحَدَ مِنَ البَشَر يَستطيعُ أنْ يَفعلَ ذلكَ لأنَّ اللهَ أَعْظَمُ مِنْ أيِّ بَشَرٍ وَمِنْ جَميعِ البَشَر. لذلكَ فإنَّ الاعتراضَ بشأنِ البَشَرِ يَسْقُطُ أمامَ الجُملةِ البسيطةِ المَذكورة في نهاية العدد 31: "إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا [أوْ: مَا دامَ اللهُ مَعَنا]، فَمَنْ عَلَيْنَا؟

ولكِنْ هُناكَ احْتِمالٌ آخَر. اللهُ نَفْسُهُ. فهلْ يُمكنُ للهِ نَفْسِهِ أنْ يَحْرِمَنا خَلاصَنا؟ فالربُّ أَعْطى، والربُّ أَخَذ، فليَكُنِ اسْمُ الربِّ مُبارَكًا. هل يُمْكِنُ أنْ يأخُذَ الربُّ خَلاصَنا مِنَّا؟ وهل يُمْكِنُ أنْ يُغَيِّرَ رَأيَهُ بهذا الخُصوص؟ وهل يُمْكِنُ أنْ يَشْعُرَ بخيبةِ الأملِ مِنَّا؟ وهل يُمْكِنُنا أنْ نَنْجَرِفَ وَراءَ الخَطيَّةِ إلى حَدٍّ يَدْفَعُهُ إلى أَخْذِ مَا أَعْطانا إيَّاه؟ وهل يُمْكِنُ أنْ يَرانا نُخْطِئ وَيَرانَا نَعْصي وَصاياه فَيَأخُذُ مِنَّا الحَياةَ الَّتي وَهَبَها لَنا؟ فهل يُمْكِنُ أنْ يَقْتُلَنا؟ فَهُوَ الَّذي أَعْطانا حَياةً. وَهُوَ الَّذي جَدَّدَنا. فقد وُلِدْنا ثانيةً. وقد أُعْطينا حَياةً جَديدة. ولكِنْ هل يُمْكِنُ أنْ يَقتُلَنا فَنَصيرَ أمْواتًا ثانيةً؟ وهلِ الحِفاظُ على خَلاصِنا مُشْكِلَة عَويصَة؟

يُجيبُ بولسُ عَنْ هذهِ الأسئلةِ في العدد 32 إذْ يَقول: "اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟" واسْمَحوا لي أنْ أقولَ لَكُمْ إنَّ هَذِهِ آيَة بَسيطَة. أنا أَعْلَمُ أنَّكُمْ قَرأتُموها، وأنَّها تبْدو مُحَيِّرَةً قَليلًا لأنَّكُمْ لا تَفْهَمونَ مَعْناها تَمامًا، ولكنَّها آية بَسيطَة جِدًّا. فهيَ تَعْتَمِدُ على الحُجَّةِ اليهوديَّةِ التَّقليديَّةِ القائمةِ على التَّدَرُّجِ مِنَ الأكْبَرِ إلى الأصْغَر. وَهِيَ حُجَّة بسيطَة. فَهُوَ لَمْ يُشْفِقْ على ابْنِهِ، بل بَذَلَهُ لأجْلِنا أَجْمَعين. لذلكَ ألا تَعْتَقِدونَ أنَّهُ ما دامَ قَدْ بَذَلَ ابْنَهُ ليُخَلِّصَنا فإنَّهُ سَيُعْطينا الأشياءَ الأقَلَّ مِنْ ذلكَ لِلْحِفاظِ علينا؟ هذهِ هيَ الحُجَّة. فهي الحُجَّة القائمة على التَّدَرُّجِ مِنَ الأكْبَرِ إلى الأصْغَر. فمَحَبَّةُ اللهِ قويَّة جِدًّا لأولئكَ الذينَ اخْتارَ أنْ يَفْدِيَهُم حَتَّى إنَّهُ بَذَلَ ابْنَهُ لأجْلِهِم. وبذلكَ فقد قَدَّمَ أَفْضَلَ ما لَدَيه، وَأغلى ما لَديه، وَأَطْهَرَ ما لَديه، وَأقْدَسَ ما لَديه، وَأثْمَنَ ما لَديه، وَأعْظَمَ ما لَدَيْه إذْ إنَّهُ بَذَلَ ابْنَهُ الحَبيبَ لِيُخَلِّصَنا. لذلكَ ألا تَظُنُّونَ أنَّهُ سيَفعلُ شَيئًا أقَلَّ مِنْ ذلكَ لِيَحْفَظَنا؟

ويُمكنكُم أنْ تُفَكِّروا في الأمرِ هكذا ... افْتَحوا على رُومية 5. فحينَ نِلْتُم الخَلاصَ، نِلْتُموهُ بالنِّعمةِ فقط. فأنْتُمْ لم تَعلموا أيَّ شَيءٍ جَعَلَكُمْ جَديرينَ بِهِ. فنحنُ نَقرأُ في رُومية 5: 6: فقد كُنْتُمْ ضُعَفاءَ وَفُجَّارًا. لذلكَ فقد بَذَلَ اللهُ ابْنَهُ (المَسيحَ) ليموتَ عنِ الضُّعَفاءِ والفُجَّارِ. ويُمكِنُنا أنْ نَقولَ أيضًا إنَّهُ ماتَ عنِ الأمواتِ روحيًّا، وعنِ العُمْيِ والجُهَّالِ والأشرار. وكما تَعلمونَ فإنَّ النَّاسَ لا يَفعلونَ ذلك. فنحنُ نَقرأُ في العدد 7: "فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضًا أَنْ يَمُوتَ". وما أَعْنيهِ هُوَ أنَّنا قد نَرى بينَ الحينِ والآخَرِ أنَّ شخصًا بَذَلَ حَياتَهُ لأجْلِ شخصٍ صَالحٍ، ولكِنَّ هذا الأمْرَ نادِرُ الحُدوثِ جِدًّا. ولكِنْ إنْ كانَ الإنْسانُ مُستعدًّا لِبَذْلِ حَياتِهِ، مَعَ أنَّ هذا يَحْدُثُ نادِرًا، فإنَّ الشَّخصَ الَّذي سيَبْذِلُ حَياتَهُ لأجْلِهِ لا بُدَّ أنْ يَكونَ شخصًا صَالِحًا. أليسَ كذلك؟ أوْ شَخْصًا مُعْجَبًا بِهِ جِدًّا، أوْ يَحْتَرِمُهُ جِدًّا، أوْ يُحِبُّهُ جِدًّا. فهُوَ لن يَبْذِلَ حَياتَهُ لأجْلِ شَخْصٍ سَيِّئٍ، أوْ لأجْلِ مُجْرِمٍ، أوْ لأجْلِ عَدُوٍّ.

"ولَكِنَّ اللهَ (في العدد 8) ، بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنا [أيْ: "مَحَبَّتَهُ مِنْ نَحْوِنا"]، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا". فقد كُنَّا خُطاةً. وقد كُنَّا ضالِّينَ، وضائِعينَ، وعُمْيانًا، وأمواتًا، وأشرارًا، وضُعَفاءَ. ولكِنَّهُ بَذَلَ ابْنَهُ للموتِ مِنْ أجْلِنا. "فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ [أيْ: "بِذَبيحَتِه"] نَخْلُصُ بِهِ [أوْ: "نَبْقى مُخَلَّصينَ بِهِ] مِنَ الْغَضَبِ! اسْمَعُوا: ما دامَ اللهُ قد بَذَلَ ابْنَهُ للموتِ لكي يَجْعَلَ تَبريرَنا مُمْكِنًا، ألا تَظُنُّونَ أنَّ حَياةَ الابْنِ سَتَضْمَنُ تَمْجيدَنا؟ هذا هُوَ المَعْنى المَقصودُ هُنا.

ثُمَّ نَقرأُ في العدد 10: "لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ!" فقدِ افْتُدينا حَرفيًّا بأغلى ثَمَنٍ مُمْكِنٍ، بموتِ المسيحِ. وسوفَ نَبقى مَحْفوظينَ بواسِطَةِ شَفاعةِ المَسيحِ الحَيِّ. فَحَتَّى إنَّ المَسيحَ قَدَّمَ أعْظَمَ هِبَة لكي يُخَلِّصَنا، وَأَصْغَرَ هِبَة لكي يَحْفَظَنا. فقد ماتَ لكي يُخَلِّصَنا. وقد عَاشَ لكي يَحْفَظَنا. وإنْ كانَ الآبُ قد بَذَلَ ابنَهُ لكي يُخلِّصَنا بالرَّغْمِ مِنْ كَوْنِنا خُطاةً إذْ إنَّهُ بَذَلَ ابْنَهُ للموتِ لكي يُخَلِّصَنا، ألا يُقَدِّم ابْنَهُ الحَيَّ ورُوْحَهُ مِنْ أجْلِ ضَمانِنا؟ وما أعْنيهِ هُوَ أنَّ الفِكرة بَسيطَة. فاللهُ فَعَلَ الشَّيءَ الأعْظَمَ لكي يُبَرِّرَنا معَ أنَّنا كُنَّا خُطاةً غيرَ مُسْتَحِقِّينَ وَهالِكين. لذلكَ، أَلا يَقومُ الآنَ بَعْدَ أنْ صِرْنا نَنْتَمي إليهِ، وبعدَ أنْ تَغَيَّرْنا وصِرْنا خَليقةً جديدةً، وبعدَ أنْ صارَتْ أشواقُنا وَمَشاعِرُنا مُقَدَّسَةً، ألا يقومُ الآنَ بكُلِّ ما يَلْزَم لكي يَحْفَظَنا، ولا سِيَّما أنَّ ذلكَ أقَلّ بكثير مِنْ بَذْلِ ابْنِهِ ذَبيحَةً وَمِنْ كُلِّ أهْوالِ الصَّليب؟

وهُناكَ عَناصِرُ عَديدَة في تلكَ الآيَة. فلنَرْجِعْ إلى رُومية 8. فيا لها مِنْ عناصِرَ رائعة وعميقة حَقًّا. فنحنُ نَقرأُ في العدد 32: "اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ". فَهُوَ لَمْ يُمْسِك ابْنَهُ. والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في إشَعْياء 53: 10: "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ". فَهُوَ لَمْ يُشْفِقْ على ابْنِهِ. وكَمْ أُحِبُّ هذهِ الكلمة: "ابْنِهِ" – "إيديوس" (idios) في اليونانيَّة. وَهِيَ تُشيرُ إلى الملْكِيَّة الخاصَّة والمُحَدَّدَة والشَّخصيَّة. فَهُوَ الابْنُ الَّذي يَنْتَمي إليهِ، والابْنُ الَّذي يُحِبُّهُ. وقد أَبْدى اللهُ اسْتِعْدادَهُ للقيامِ بذلكَ لأجْلِنا. فما دامَ اللهُ قد قَدَّمَ أعْظَمَ هِبَة على الإطْلاق لكي يُخَلِّصَنا، فإنَّهُ سيَفعلُ كُلَّ شَيءٍ أقَلَّ مِنْ ذلكَ لِيَحْفَظَنا.

ولاحِظوا اللُّغَة: "بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟" فقد "بَذَلَهُ" ... وهذا لَفْظٌ مُعَبِّرٌ جِدًّا. فقد كانَ هذا اللَّفْظُ يُسْتَخْدَمُ للتَّعبيرِ عَنْ تَسليمِ شَخْصٍ لِمُنَفِّذِ حُكْمَ الإعْدام. فَهُوَ لَفْظٌ اصْطِلاحِيٌّ. وحيثُ إنَّ الآبَّ سَلَّمَ الابْنَ للموتِ والدَّينونَةِ والعِقابِ مِنْ أجْلِ دَفْعِ أُجْرَةِ الخطيَّة، فإنَّ الجُزءَ الباقي مِنَ الآيَةِ يَقول: "كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟" – أيْ كُلَّ ما يَلْزَمُ لِضَمانِ خَلاصِنا.

فَمَنِ الَّذي بَذَلَ يَسوعَ للموتِ؟ إنَّهُ لم يَكُنْ يَهوذا لأجْلِ المالِ. وَهُوَ لم يَكُنْ بيلاطُسُ بسببِ الخَوْفِ. وَهُوَ لم يَكُنِ اليَهودُ بسببِ الحَسَدِ. بلْ كانَ الآبُ بسببِ مَحَبَّتِهِ لنا. ولأجْلِنا أَجْمَعين ... لأجْلِنا أَجْمَعين. والعبارة "لأجْلِنا أَجْمَعين" في العدد 32 هِيَ نَفْسُ الكلمة "مَعَنا" في العدد 31: "إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟" وهاتانِ الكَلِمتان ("مَعَنا" و "لأجْلِنا") هُما نَفْسُ الكلمة "الَّذين" الوارِدَة في العدد 30: "وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا". فجَميعُ المَشمولينَ في الخُطَّةِ يَسْري عَلَيْهِمْ هذا التَّدْبير. واللهُ سَيُضيفُ إلى ذلكَ التَّدْبيرِ المُتَمَثِّلِ في عَطِيَّةِ ابْنِهِ أيَّ شيءٍ آخَرَ يَلْزَمُ لِوُصولِهِمْ إلى المَجْد. وأنا أُحِبُّ حَقيقةَ أنَّ الآيَةَ تَقول: "كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ". فَالأَمْرُ كُلُّهُ يَستمرُّ بالنِّعمَة. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ يَستمرُّ بالنِّعمَة. فنحنُ لا نَحْصُلُ عليهِ بِجَدارَتِنا، ولا نَسْتَحِقُّهُ، بل نَأخُذُهُ مَجَّانًا.

وقد يَقولُ قائلٌ: "حسنًا، إنْ لم يكُنْ بمقدورِ الأشخاصِ أنْ يَحْرِمونا خَلاصَنا، وإنْ لم يَكُنْ بمقدورِ اللهِ أنْ يَحْرِمَنا خَلاصَنا لأنَّهُ تَعَهَّدَ بإعْطائِنا أعْظَمَ هِبَة، ولأنَّ الهِباتِ الأقَلَّ قيمَةً تَأتي بسهولة بعدَ ذلك، قد يكونُ هُناكَ شَخصٌ آخَر. فماذا عنِ الشَّيْطان؟ فقد يَفعلُ الشَّيطانُ ذلك". إنَّ الشَّيطانَ يُسَرُّ بأنْ يَفعلَ ذلكَ. فقد أرادَ أنْ يُدَمِّرَ إيمانَ أيُّوب. أليسَ كذلك؟ وقد أرادَ أنْ يُدَمِّرَ إيمانَ بُطْرُس. فقد قالَ يسوع: "سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ!" وقد وَقَفَ الشَّيطانُ أمامَ اللهِ (في سِفْرِ أيُّوب) وَقَالَ: "هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ ... بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ. ... وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ". فقد أرادَ أنْ يُدَمِّرَ إيمانَهُ.

وقد سَمَحَ اللهُ للشَّيْطانِ أنْ يُجَرِّبَ أيُّوبَ إذْ قالَ لَهُ: "هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ". وقدِ ابتدأَ الشَّيطانُ بالعمل فَقَتَلَ كُلَّ مَواشي أيُّوب، وكُلَّ أولادِهِ. ثُمَّ مَرِضَ أيُّوب. ثُمَّ جَاءَ عَدَدٌ مِنَ المُشيرينَ الفاشِلينَ إلى أيُّوب وراحُوا يَنْصَحونَهُ بشَتَّى أنواعِ النَّصائحِ غيرِ الصَّحيحَة. وقدْ شَعَرَ أيُّوبُ بالعُزلةِ والألمِ والتَّشويشِ لأنَّهُ لم يَكُنْ يَعلمُ بشأنِ الحَديثِ الَّذي دارَ بينَ اللهِ والشَّيْطان. وَهُوَ لم يَكُنْ يَعلمُ في تلكَ الأثناءِ سَبَبَ ما يَحْدُثُ لَهُ، وَالدَّافِعَ وَراءَ ذلك، والسَّببَ الحقيقيَّ. ولكِنْ في وَسَطِ ذلكَ كُلِّهِ، هل تَمَكَّنَ الشَّيطانُ مِنْ هَدْمِ إيمانِ أيُّوب بالرَّغْمِ مِنْ أنَّهُ قَتَلَ أولادَهُ وَتَرَكَ لَهُ زَوْجَةً قالَتْ لَهُ أُمورًا لم يَجْدُرْ بِها أنْ تَتَفَوَّهَ بِها، وعَجِزَتْ عَنْ مُساعَدَتِهِ؟ وَهَلْ نَجَحَ الشَّيْطانُ في ذلكَ حَتَّى عندما حَرَمَ أيُّوبَ أبناءَهُ ومُمْتَلَكاتِهِ، وعندما أصابَهُ بالمَرَضِ وَضَرَبَهُ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ حَتَّى إنَّهُ أَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً مِنَ الفَخَّارِ لِيَحْتَكَّ بِهَا؟ فرُبَّما كانَتْ هذهِ هِيَ المِحْنَةُ القاسيةُ الَّتي تَجْعَلُ المَرْءَ يَقولُ: "إنْ كانَ المَرْءُ سَيَفْقِدُ إيمانَهُ فإنَّهُ سَيَفْقِدُهُ في مِحْنَةٍ كهَذِهِ".

وقد كانَ الشَّيطانُ المُعَذِّبَ الرَّئيسيَّ طَوالَ هذهِ المِحْنَة. وفي وَسَطِ ذلكَ كُلِّهِ، ماذا قالَ أيُّوب؟ "هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ". فلا يُمْكِنُكَ أنْ تَقْتُلَ إيمانًا كهذا لأنَّ اللهَ يَحْفَظهُ في وَسَطِ كُلِّ الظُّروف. ولا يُمْكِنُ للشَّيطانِ أنْ يَفعلَ ذلك. فالشَّيطانُ هُوَ المُشْتَكي على الإخْوَة. أليسَ كذلك؟ كَما جاءَ في رُؤيا 12. فَهُوَ المُشْتَكي على الإخْوَة نَهَارًا وَلَيْلاً أمامَ عَرْشِ اللهِ، مُتَّهِمًا الإخْوَة. وقد فَعَلَ ذلكَ معَ أيُّوب. وقد فَعَلَ ذلكَ معَ رَئيسِ الكَهَنَةِ في الأصْحاحِ الثَّالثِ مِنْ سِفْرِ زَكَرِيَّا. وقَدْ جاءَ بِشَكْواه إلى يَسوعَ بشأنِ بُطْرُس. وَهُوَ يَسْعَى وراءَ بولُس في 2كورِنثوس 12 في هَيئةِ مَلاكٍ شَيْطانِيٍّ أَعْطاهُ شَوْكَةً في الجَسَد. فالشَّيطانُ هُوَ المُشتكي على الإخوة. وَهُوَ المُعَذِّب. وفي ضَوْءِ هذهِ الخَلفيَّةِ، نَأتي إلى العَدَد 33: "مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ؟" إنَّ الَّذي يُحاولُ دائمًا أنْ يَفعلَ ذلكَ هُوَ الشَّيْطان. أوْ نَقرأُ في بِدايةِ العدد 34: "مَنْ هُوَ الَّذِي يَدِينُ؟" الَّذي يَفعلُ ذلكَ هُوَ الشَّيْطان.

وهذانِ السُّؤالانِ هُما في الحَقيقَةِ سُؤالٌ واحدٌ. فَهُوَ يُريدُ أنْ يَتَّهِمَ المؤمِنينَ بِتُهْمَةٍ تُفْضي إلى إدانَتِهِمْ. وَهُوَ يَذهبُ إلى اللهِ قائلًا: "لا تَتْرُكْ هذا الشَّخْصَ يَنْجو. دَعْني أُعَذِّبُ هذا الشَّخْصَ وَأُدَمِّرُ إيمانَهُ. فَهُوَ شَخْصٌ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ. وَهُوَ يَعْبُدُكَ لأنَّ كُلَّ شَيءٍ يَسيرُ على مَا يُرام. ولكِنْ إنْ جَعَلْنا الحَياةَ قاسِيَةً عليهِ، فإنَّهُ سَيُجَدِّفُ عليكَ. وبِمَقْدوري أنْ أُبَيِّنَ لكَ حَقيقَتَهُ".

هذا هوَ ما يَفعلُهُ الشَّيطانُ، في رَأيي، طَوالَ الوقتِ. فَهُوَ ماثِلٌ نهارًا وليلًا أمامَ عَرْشِ اللهِ مُتَّهِمًا القِدِّيسين. ولكَنْ هَلْ يَنْجَحُ في ذلك؟ إنَّ الجَوابَ مَذكورٌ في العدد 33: "اَللهُ هُوَ الَّذِي يُبَرِّرُ". وَحَرْفِيًّا: "اللهُ هُوَ الوَحيدُ الَّذي يُبَرِّرُ". فاللهُ وَحْدُهُ يَدينُ، واللهُ وَحْدُهُ يُعْلِنُ البِرَّ. وإنْ كانَ اللهُ يُعْلِنُ أنَّنا أبرارٌ في المَسيحِ، فإنَّهُ لا يَقْدِرُ في الوقتِ نَفسِهِ أنْ يُعْلِنَ أنَّنا مُذْنِبون. أليسَ كذلك؟ وليسَ هُناكَ دَيَّانٌ أَعْلى مِنَ اللهِ. والمُؤمِنونَ مُعَرَّضونَ دائمًا للاتِّهامِ. وأعتقدُ أنَّ هذا يَجْري في السَّماءِ طَوالَ الوقتِ. فالشَّيطانُ يُحاولُ دائمًا أنْ يُشَكِّكَ في خَلاصِنا، وأنْ يُشَكِّكَ في مَحَبَّةِ اللهِ لَنا، وأنْ يُشَكِّكَ في إعلانِ اللهِ لِبِرِّنا. ولكِنَّ اللهَ أَصْدَرَ حُكْمَهُ النِّهائِيَّ. والحُكْم النِّهائِيّ القائم على قَصْدِهِ، وَسِيادَتِهِ، وَعَمَلِ التَّجْديدِ الَّذي يَقومُ بهِ الروحُ القدسُ، وما فَعَلَهُ المسيحُ مِنْ خِلالِ مَوتِهِ وقِيامَتِهِ، وإيمانِنا، هُوَ أنَّهُ حَكَمَ بِأنَّنا أَبْرارٌ. فَقَدْ حَكَمَ بِبَراءَتِنا. وهذا يَحْسِمُ الأمْرَ تَمامًا.

ولا تُوجدُ مَحكمةٌ أعلى. وهذهِ هِيَ الخُلاصَةُ. فلا تُوجدُ مَحْكَمَةُ اسْتِئْنافٍ أَعلى مِنَ الله. فاللهُ هُوَ المَحْكَمَةُ الوَحيدَةُ. فَهُوَ المَحكمةُ الوحيدةُ في الكَوْنِ فيما يَخْتَصُّ بالخطيَّةِ والدَّينونةِ والتَّبرير. فلا تُوْجَدُ مَحكمةٌ أُخرى. واللهُ هوَ الَّذي يُبَرِّرُ شَعْبَهُ. ولا يُمْكِنُ لأيِّ اتهامٍ مِنْ إبليسَ أنْ يَصْمُد. ولا يُمْكِنُ لأيِّ جُهْدٍ يَقومُ بِهِ إبليسُ بهدفِ تَدْميرِ حَياتِنا أنْ يَصْمُد.

واللهُ لا يَمْنَعُ ذلكَ دائمًا. وأنا أَعلمُ أنَّكُمْ تَسْمَعونَ وُعَّاظَ إنْجيلِ الرَّخاءِ والازْدِهارِ يَقولونَ إنَّ يَسوعَ يُريدُ أنْ يُعْطِيَكُمْ صِحَّةَ وسَعادةً وَكَمالًا بالمَعنى الشَّامِلِ، ولكِنَّ ذلكَ يَخْتَلِفُ عَمَّا حدَثَ معَ أيُّوب. وَهُوَ يَختلفُ عَمَّا حدثَ معَ بُطْرُس. فبُطْرُسُ اخْتَبَرَ الغَرْبَلَةَ كالحِنْطَةِ في تلكَ اللَّيلَة وَهُوَ وَاقِفُ حَوْلَ نِيرانِ التَّجربةِ أثناءَ مُحاكَمَةِ يَسوعَ. وقدْ أَنْكَرَ يَسوعَ المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّة. وبولسُ حَصَلَ على تلكَ الشَّوكةِ في الجَسَدِ واخْتَبَرَ قَدْرًا هائلًا مِنَ الألم. وقَدْ فَعَلَ الشَّيطانُ كُلَّ ما في وُسْعِهِ في حياةِ هؤلاءِ الأشخاصِ وفي حياةِ مُؤمِنينَ آخَرينَ سَمَحَ اللهُ لَهُ بأنْ يَخْتَبِرَهُمْ مِنْ أجْلِ تَحْقيقِ مَقاصِدِهِ. ولكِنَّ كُلَّ ذلكَ لَمْ يُغَيِّرْ مِنْ مَقامِنا أمامَ اللهِ لأنَّ اللهَ أَعْلَنَ أنَّنا أَبْرارٌ. لذلكَ فقد قالَ "تشارلز ويسلي" (Charles Wesley): "سوفَ أَقِفُ بشجاعةٍ في ذلكَ اليومِ العَظيمِ لأنَّهُ مَنْ سَيُوَجِّهُ إلَيَّ الاتِّهامات؟ فأنا فيكَ مُعْتَقٌ مِنَ الخَطِيَّةِ والخَوْفِ، وَمِنَ الذَّنْبِ والعَار".

وأرجو أنْ تُلاحِظُوا (في العَدَد 33) أنَّ السَّبَبَ في هذا هُوَ أنَّنا مُخْتارو الله. وَمَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ الذينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ وَعَيَّنَهُمْ؟ فاللهُ أَصْدَرَ حُكْمًا بِبَراءَتِهِمْ. لذلكَ عندما يُحاولُ الشَّيطانُ أنْ يَأتي بِنا أمامَ مَحكمةِ اللهِ، فإنَّنا لا نَقِفُ هُناكَ كَخارِجينَ عنِ القانونِ، ولا كَمُجْرِمينَ، بلْ نَقِفُ هُناكَ بِوَصْفِنا مُخْتاري اللهِ الذينَ أُعْلِنَتْ بَراءَتُهُم.

وقد بَقِيَ هُناكَ شَخْصٌ واحِدٌ مُحْتَمَلٌ (غَيْرَنا نَحْنُ) قَدْ يُقَرِّرُ أنْ يَتْركَنا وَيَحْرِمَنا الخَلاصَ. وَهَذا الشَّخْصُ هُوَ المَسيح. فَماذا عنِ المسيح؟ هَلْ يُمْكِنُ أنْ يَتَخَلَّى عَنَّا؟ فَهُوَ الَّذي اجْتَذَبَنا إليه. لذلكَ، أَيُعْقَلُ أنْ يُخْرِجَنا خارِجًا؟ العَدَد 34. أَيُعْقَلُ أنَّ المَسيحَ يَسوعَ يَديننا؟ فقدْ ماتَ، وَقامَ، وَهُوَ جَالِسٌ عَنْ يَمينِ اللهِ، وَهُوَ يَشْفَعُ فينا. لذلكَ، لا يُمْكِنُ أنْ يَفْعَلَ ذلكَ لأنَّنا نَجِدُ هُنا أَرْبَعَ حَقائِقَ، أوْ نَجِدُ حِمايَةً رُباعِيَّةً. هَلْ يُعْقَلُ أنْ يَفْعَلَ ذلكَ المَسيحُ الَّذي مَاتَ؟ فَهُوَ الَّذي مَاتَ. وهذهِ هِيَ النُّقطةُ الواضِحَةُ. فعندما ماتَ، دَفَعَ أُجْرَةَ جَميعِ خَطايانا بالكامِلِ. فقد ماتَ لِهَذا السَّبَب. فَقَدْ كانَ بِلا خَطِيَّة. وَقَدْ كانَ بِلا ذَنْبٍ. وَقَدْ ماتَ عِوَضًا عَنَّا وَحَمَلَ العِقابَ عَنَّا. لذلكَ فإنَّهُ لَنْ يَدينَنا لأنَّهُ أَخَذَ الدَّينونَةَ عَنَّا.

ثانيًا، إنَّهُ لَمْ يَمُتْ فحسب، بَلْ قامَ أيضًا. بعبارةٍ أُخرى، فإنَّ كَفَّارَتَهُ كانَتْ كافِيَةً إذْ إنَّهُ اسْتَوْفى مَطالِبَ العَدْلِ الإلهيَّةِ. واللهُ أكَّدَ مَا عَمِلَهُ على الصَّليبِ بأنْ أَقامَهُ مِنَ الأمواتِ. وقِيامَتُهُ هِيَ التَّأكيدُ على صِحَّةِ عَمَلِهِ الكَفَّارِيِّ على الصَّليب. فموتُ المسيحِ دَفَعَ بالكامِلِ أُجْرَةَ كُلِّ خَطايا النَّاسِ الَّذينَ آمَنوا وسَيُؤمِنونَ طَوالَ التَّاريخِ البشريِّ. والدَّليلُ على ذلكَ هُوَ أنَّ اللهَ أَقامَهُ مِنَ الأمواتِ.

والأمْرُ لا يَتَوَقَّفُ هُنا. فَهُناكَ عُنصرٌ ثالثٌ. إذًا، فقد دَفَعَ المَسيحُ أُجْرَةَ خَطايانا بالكامِلِ. والآبُ أَكَّدَ حَقيقَةَ أنَّهُ دَفَعَ أُجْرَةَ خَطايانا بالكامِلِ بأنْ أَقامَهُ مِنَ الأمواتِ. ثُمَّ ثالثًا، فإنَّهُ جَالِسٌ عَنْ يَمينِ اللهِ، كَما جاءَ في المَزمور 110: 1 إذْ نَقرأُ: "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي". فاللهُ رَفَّعَهُ بسببِ مَا عَمِلَهُ على الصَّليبِ، وَأعْطاهُ اسْمًا فوقَ كُلِّ اسْمٍ، وأَجْلَسَهُ عَنْ يَمينِهِ. وَكُلُّ رُكْبَةٍ سَتَنْحَني لَهُ. وقد صَعِدَ وَجَلَسَ عَنْ يَمينِ عَرْشِ اللهِ لأنَّهُ أَكْمَلَ تَمامًا خَلاصَنا الأبديَّ.

لذلكَ إذا وَضَعْتُ كُلَّ هذهِ العَناصِرِ مَعًا (أيْ: عَمَلَ المَسيحِ الكامِل على الصَّليبِ، وقِيامَتَهُ، وصُعودَهُ وَجُلوسَهُ عَنْ يَمينِ الآبِ) فإنَّها تُشيرُ جَميعُها إلى أنَّ ثَمَنَ خَلاصَنا قَدْ دُفِعَ بالكامِلِ، وَأنَّ اللهَ رَاضٍ تَمامًا. وكَما لو أنَّ هذا كُلَّهُ ليسَ كافِيًا، فإنَّنا نَقرأُ في نِهايةِ العَدَد 34: "الَّذِي أَيْضًا يَشْفَعُ فِينَا". فَهُوَ أيضًا يَشْفَعُ فينا. وهذهِ هِيَ النُّقطةُ المُهِمَّةُ. فَهُوَ مُسْتَمِرٌّ في الشَّفاعَةِ دائِمًا ... مُسْتَمِرٌّ في الشَّفاعَةِ. ونَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ أنَّهُ رَئيسُ كَهَنَتِنا العَظيم. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِينا ... إنَّهُ حَيٌّ في كُلِّ حينٍ لِيَشْفَعَ فينا. وَهُوَ يَقِفُ عِنْدَ عَرْشِ اللهِ، عَنْ يَمينِ اللهِ، وَيَشْفَعُ فينا. وحينَ تُوَجَّهُ إلينا أيَّةُ تُهْمَة، فإنَّهُ الَّذي يُحامي عَنَّا قائلًا: "لَقَدْ دَفَعْتُ شَخصيًّا الثَّمَنَ كامِلًا". فَهُوَ رَئيسُ كَهَنَتِنا إلى الأبَد، كَما نَقرأُ في عِبرانِيِّين 6 ... رَئيسُ كَهَنَتِنا إلى الأبَد. وَهُوَ لَنَا كَمِرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ مُؤْتَمَنَةٍ وَثَابِتَةٍ، تَدْخُلُ إِلَى مَا دَاخِلَ الْحِجَابِ.

إذًا، هَلْ هُناكَ أشخاصٌ قادِرونَ عَلى حِرْمانِنا إيمانَنا؟ لا يُمْكِنُ لأيِّ إنْسانٍ أنْ يَفعلَ ذلك، ولا الله، وَلا الشَّيْطان، ولا المَسيح. وَقَدْ بَقِيَ هُناكَ احْتِمالٌ أخير. فماذا عَنَّا نَحْنُ؟ فقد تَقولُ: "أنا أَعرِفُ أُناسًا فَعَلوا ذلك. فأنا لا ألومُ اللهَ. وأنا لا ألومُ حَتَّى الشَّيطانَ. فقد كانوا في الكنيسةِ. وقد كانُوا مُؤمِنينَ، وكانُوا يُرَنِّمونَ، وَيَحْضُرونَ دُروسَ الكِتابِ المقدَّسِ، وَيَقولونَ إنَّهُمْ يُؤمِنونَ. ثُمَّ تَرَكوا، وَأنْكَروا المسيحَ، وَذَهَبوا دُوْنَ عَوْدَة. لَقَدْ فَقَدوا خَلاصَهُمْ". هَلْ فَقَدوا خَلاصَهُمْ حَقًّا؟ هَلْ هذا هُوَ ما حَدَث؟ لَقَدْ بَدَوْا مُخَلَّصينَ في نَظَرِنا. وقد يَكونُ بَعْضٌ مِنْهُمْ أفرادًا في عائِلَتِكُمْ. وقد يَكونُ بَعْضٌ مِنْهُمْ مُقَرَّبينَ، أوْ رُبَّما أبناؤُكُمْ. فَهَلْ تَسْألونَ أنْفُسَكُمْ عَمَّا حَدَث؟ فماذا عَنِ الأشخاصِ الذينَ آمَنوا، أوْ بَدا أنَّهُمْ آمَنوا، ثُمَّ تَرَكوا؟

نَقرأُ في رِسالةِ يُوحَنَّا الأولى 2: 19 إجابةً شافِيَةً عَنْ هذا السُّؤال ... رِسالة يوحنَّا الأولى 2: 19. فنحنُ جَميعًا نَعْرِفُ أُناسًا كَهَؤلاء. وقد عَرَفْتُ أُناسًا كهؤلاءِ طَوالَ حَياتي. والكَثيرُ مِنْ هَؤلاءِ كانُوا في هذهِ الكَنيسَة. فَهَلْ فَقَدوا خَلاصَهُمْ؟ وَهَلْ تَخَلَّوْا عَنْهُ بأنْفُسِهِمْ؟ اسْتَمِعوا إلى ما جاءَ في رِسالةِ يوحنَّا الأولى 2: 19: "مِنَّا خَرَجُوا". ونحنُ جَميعًا نَعرفُ أُناسًا فَعَلوا ذلكَ. "لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا". فَخلاصُهُمْ لم يَكُنْ حَقيقيًّا يومًا. فَهُمْ زَوانٌ بَيْنَ الحِنْطَة. وَهُمْ تُرْبَةُ صَخْرِيَّةٌ. فَمَظاهِرُ الحَياةِ تَبْدأُ بالظُّهورِ قليلًا، ولكِنَّها بِلا ثَمَرٍ، ثُمَّ يَذْبُلونَ وَيَموتون. وَهُمْ كالتُّربةِ الَّتي تَكْثُرُ فيها الأشواكُ والأعشابُ الضَّارَةُ إذْ إنَّهُمْ يَخْتَنِقونَ بسببِ مَحَبَّتِهِمْ للعالَمِ، وَبسببِ الغِنَى وَهُمومِ هذَهِ الحَياة. ونحنُ جَميعًا الْتَقَيْنا أُناسًا كهؤلاء. ولكِنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَّا لأنَّهُمْ لم يَكونُوا مِنَّا حَقًّا.

أمَّا بالنِّسبةِ إلى المُؤمِنينَ الحَقيقِيِّينَ والصَّادِقين، فإنَّ لدينا شَهادةَ الرُّوحِ في قُلوبِنا بهذا الخُصوص. وقد رَأينا ثَمَرَهُ واضِحًا في حَياتِنا. فَهُناكَ مَحَبَّتُنا للربِّ، ومَحَبَّتُنا للحَقِّ، ومَحَبَّتُنا للكَلِمَة، ومَحَبَّتُنا للمؤمنينَ الآخرينَ، وَكُلُّ هذهِ الأشياءِ، وَمَحَبَّتُنا لِكُلِّ ما هُوَ مُقَدَّسٌ وَطاهِرٌ وَصالِحٌ. وَخَلاصُنا مَضْمونٌ إلى الأبد. وهذهِ هِيَ أَهَمُّ خِدْمةٍ للرُّوحِ القُدُسِ المُبارَك. فإنْ لم تَكُنْ تُؤمِنُ بذلك، فهذهِ إهانةٌ للرُّوحِ القُدُس. فَمِنَ الإهانَةِ أنْ يَفعلَ الرُّوحُ القُدُسُ شَيئًا في حَياةِ المُؤمِنِ الحَقيقيِّ، وَأنْ يُنْكِرَ المُؤمِنُ ذَلِكَ الشَّيءَ وَيَرْفُضَهُ. فالآبُ خَطَّطَ لخَلاصِنا الأبديِّ، والابْنُ دَبَّرَ وَاشْتَرى خَلاصَنا الأبديَّ، والرُّوحُ القُدُسُ يُنْشِئُ وَيُتَمِّمُ خَلاصَنا الأبَدِيَّ.

وهذا ليسَ بِمُسْتَطاعِ البَشَر. فلا يُوْجَدْ شَخْصٌ يَقْدِرُ أنْ يَأخُذَ خَلاصَنا مِنَّا. ونَجِدُ في إرْميا 31: 3 مُلَخَّصًا للأمْرِ كُلِّه. فاللهُ يَقولُ: "مَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ". وَأنا أتَّكِلُ في خَلاصي على هَذِهِ الثِّقَة. لِنَحْنِ رُؤوسَنا مَعًا للصَّلاة.

سَوْفَ نَرْفَعُ صَلاةً، ثُمَّ نَتأمَّلُ بهدوءٍ فيما يَعْزِفُ "ستيف" على الأوْرغن. وهذا الوقتُ القَصيرُ الَّذي نَصْرِفُهُ في التَّأمُّلِ هُوَ وَقْتٌ مُفيدٌ لَنا لكي نُفَكِّرَ في ما سَمِعْناه وَنَسْمَحُ لكلمةِ اللهِ بالاسْتِقرارِ في قُلوبِنا. وسوفَ تَكونُ غُرفةُ الصَّلاةِ مَفتوحَة عَنْ يَميني. وسوفَ يَكونُ مَرْكِزُ الأعْضاءِ مَفتوحًا. وسوفَ يَكونُ مَرْكِزُ الزُّوَّارِ مَفتوحًا. وإذا كُنْتَ في حاجةٍ إلى مُساعدةٍ رُوحيَّةٍ، أوْ في حاجةٍ إلى التَّحَقُّقِ مِنْ مَصيرِكَ الأبديِّ، فإنَّ غُرفةَ الصَّلاةِ في المُقَدِّمَةِ عَنْ يَميني مَفْتوحَة. لذلكَ، يُمْكِنُكَ أنْ تَأتي إليها. فهُناكَ أشخاصٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَحَدَّثوا إليكَ بِكُلِّ لُطْفٍ وَحِكْمَة.

نَشْكُرُكَ، يا أبانا، على الوَليمَةِ الدَّائمةِ الَّتي نَتَمَتَّعُ بها إذْ نَسْتَمِعُ إلى كَلِمَتِكَ الَّتي تُغَذِّي نُفوسَنا، وتُعْطينا القُوَّةَ، وَتُنْشِئُ فينا فَرَحًا ورَجاءً حَتَّى في وَجْهِ تَحَدِّياتِ الحَياة. ونَشْكُرُكَ على العَمَلِ العَظيمِ الَّذي يَقومُ بهِ الرُّوحُ القُدُسُ في ضَمانِ مَجْدِنا الأبديِّ. ونحنُ نَعلمُ أنَّهُ إنْ كُنَّا نَنْتَمي إليكَ حَقًّا، فإنَّنا لَنْ نَفْقِدْ خَلاصَنا يومًا. فلو كُنَّا سَنَخْسَرُ خَلاصَنا فإنَّ هذا يَعني أنَّهُ يَنْبَغي للرُّوحِ القُدُسِ أنْ يَبْتَدِئَ العَمَلَ مَرَّةً أُخرى، وَأُخرى، وَرُبَّما أُخرى، وَأُخرى، وأُخرى. ولكِنْ لا يُوْجَدُ في الكِتابِ المقدَّسِ آيَة واحِدة تُوْحي بأنَّ ذلكَ الأمْرَ مَوْجودٌ. بَلْ إنَّ هذا العَمَلَ هُوَ عَمَلُكَ الَّذي تَعَهَّدْتَ أنْتَ أنْ تَقومَ بِهِ، والذي تَقومُ بِهِ، وسَتَسْتَمِرُّ في القِيامِ بِهِ. ونحنُ نُكْرِمُكَ أيُّها الآبُ، وَنُكْرِمُكَ أيُّها الابْنُ المُبارَكُ. ونحنُ نُكْرِمُكَ أيُّها الرُّوحُ القُدُسُ على كُلِّ ما صَنَعْتَهُ لأجْلِنا بالرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ اسْتِحْقاقِنا لأنَّ الكُلَّ بالنِّعْمَة. امْلأنا مِنْ فَضْلِكَ بالفَرَحِ، والرَّجاءِ، والتَّوْقِ إلى كُلِّ مَا تَخْتَزِنُهُ لأجْلِنا طَالَما نَحْنُ نَعيشُ على هذهِ الأرْضِ، وَإلى مَا أَعْدَدْتَهُ لَنا حينَ نَدْخُلُ إلى حَضْرَتِكَ. اجْلِبْ الأشْخاصَ الَّذينَ لا يَعْرِفوكَ، ولَمْ يَقْبَلوا بَعْد هِبَةَ الخَلاصِ هَذِهِ. ولَيْتَهُمْ يُؤمِنونَ وَيَقْبَلونَ المَسيحَ مُخَلِّصًا وَرَبًّا. نُصَلِّي هَذا باسْمِهِ.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize