Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نَأتي الآنَ إلى العِظَة الثَّالثة عَشْرَة. وأنا لم أَقْصِدْ أنْ تَطولَ السِّلْسِلَةُ هكذا. ولكِنَّنا وَصَلْنا إلى العِظَة رَقْم 13 في سِلسلةِ العِظاتِ مِنْ رُومية 8 عنِ الرُّوحِ القُدُس. ونحنُ نُرَحِّبُ بِكُلِّ تَأكيد بالزُّوَّارِ في كَنيسَتِنا في هذهِ العِظَةِ الَّتي نَخْتِمُ بها هذهِ السِّلْسِلَة. ومِنَ المُؤسِفِ أنَّ عَدَدًا مِنْكُمْ لم يَكُنْ حَاضِرًا مَعَنا في العِظاتِ السَّابقةِ. لذلكَ فإنَّكُمْ مُتَأخِّرونَ قليلًا، ولكِنْ لا بأس. أرْجو أنْ تَفتحوا على رُومية 8. وأثناءَ قِيامِكُمْ بذلك، أوَدُّ أنْ أُعَلِّقَ على كِتابِ العِبادَة.

وسَتَجِدونَ مُلاحَظَةً على ذلكَ في نَشْرَةِ "النِّعْمَة اليوم". فقد قُمْنا بِتعديلاتٍ دَقيقةٍ على ذلكَ الكِتاب جَمَعْناها على مَرِّ السِّنينَ الماضِيَة، وَأَضَفْنا إليهِ مادَّةً جديدةً لإثْرائِهِ وَتَحْديثِه. ورُبَّما كانَ الأمْرُ الأبْرَزُ هُوَ أنَّ الفَصْلَ الأخيرَ في الكِتابِ هُوَ عنِ المُوسيقى، وتَحْديدًا عَنِ المُوسيقى الَّتي يَليقُ اسْتِخْدامُها في العِبادَة. وهُناكَ أُمورٌ أُخرى تَجْعَلُ ذلكَ الفَصْلَ مُمَيَّزًا. لذلكَ فقد أرَدْتُ فقط أنْ أُحيطُكُمْ عِلْمًا بذلكَ لكي تَعلموا أنَّ ذلكَ الفَصْلَ الجَديدَ هُوَ الَّذي يُمَيِّزُ هذا الكِتابَ عَنِ الطَّبْعاتِ السَّابقة.

وبمُناسبةِ الحديثِ عنِ العبادةِ، فإنَّ السِّلْسِلَةَ الَّتي نَحْنُ فيها تُرَكِّزُ على هَدَفٍ واحدٍ هُوَ مُساعَدَتكُمْ على عِبادةِ الرُّوحِ القُدُسِ عِبادَةً لائِقَةً. عندما قَدَّمْتُ عِظَتي الأولى وَدَعَوْتُ إلى عِبادةِ الروحِ القدسِ، لَمْ أَخْطُ سِوى خُطُواتٍ قليلةً بعدَ نُزولي عَنِ المَنْبَرِ حَتَّى أَوْقَفَني شَخصٌ غاضبٌ جدًّا لأنِّي قُلْتُ إنَّهُ يَنبغي لنا أنْ نُقَدِّمَ العِبادةَ والتَّسبيحَ والصَّلاةَ إلى الروحِ القدس. وَهَذا يُؤكِّدُ أنَّنا نُعاني مُشكلةً. فينبغي لنا أنْ نَعبُدَ الروحَ القدسَ بذاتِ الطريقةِ الَّتي نَعبُدُ بها ابْنَ اللهِ واللهَ الآبَ نَفْسَهُ.

وفي رُؤيا 22: 9، قالَ المَلاكُ ليوحنَّا: "اسْجُدْ للهِ" ... "اسْجُدْ للهِ". وهذا مَذكورٌ في الأصحاحِ الأخيرِ مِنَ الكِتابِ المقدَّسِ: "اسْجُدْ للهِ". وهذا ليسَ بالشَيءِ الجَديد. فإذا رَجَعْتُمْ إلى بِدايةِ الكتابِ المقدَّسِ، وإلى التَّوراةِ الَّتي كَتَبَها مُوْسَى، ستَجدونَ دَعَواتٍ عَديدةً لعبادةِ اللهِ. وإذا ذَهَبْتُمْ إلى الأسْفارِ التاريخيَّةِ، والأسْفارِ الشِّعْرِيَّةِ، والأسْفارِ النَّبويَّةِ، وإلى جَميعِ الأسْفارِ المقدَّسَةِ الَّتي تُؤلِّفُ معًا العهدَ القديمَ، أيْنَما فَتَحْتُمُ سَتَقرأونَ الأمْرَ يَتَكَرَّرُ بطريقةٍ أوْ بأُخرى بأنْ نَعْبُدَ اللهَ. والحقيقةُ هي أنَّ يَسوعَ يَقولُ لنا في إنْجيل يوحنَّا والأصْحاحِ الرَّابعِ أنَّ الآبَ يُريدُ عَابِدينَ حَقيقيِّين. وفي الأصْحاحِ الثَّالثِ مِنْ رِسالةِ فيلبِّي، يَصِفُ بولسُ العابِدينَ الحَقيقيِّينَ بأنَّهُمْ أولئكَ الذينَ يَعبدونَ اللهَ بالرُّوح، رُوْحِ الله. فنحنُ نَعْبُدُ اللهَ. هذا هُوَ ما نَفْعَلُهُ. وَهَذا هُوَ سَبَبُ اجْتِماعِنا هُنا. فاللهُ هُوَ مَوضوعُ عِبادَتِنا. ونحنُ نُقَدِّمُ لهُ العِبادَةَ اللَّائقةَ كُلَّ يومٍ على الصَّعيدِ الفَرْدِيِّ في حياتِنا، وعلى الصَّعيدِ الجَماعِيِّ حينَ نَجْتَمِعُ مَعًا هَكذا.

وحينَ يَأمُرُنا الكِتابُ المقدَّسُ بعبادةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ الَّذي يَنبغي أنْ نَعْبُدَهُ مَوجودٌ في ثلاثةِ أقانيم: اللهُ الآبُ، والابْنُ، والرُّوحُ القُدُسُ – اللهُ الحَقيقيُّ الحَيُّ والوَحيدُ، والثَّلاثَةُ هُمْ واحِد. وعندما يأمُرُنا الكِتابُ المقدَّسُ بأنْ نَعْبُدَ اللهَ (وَهُوَ يَفعلُ ذلكَ كثيرًا)، مِنَ المؤكَّدِ أنَّ ذلكَ يَعني أنْ نَعْبُدَ جَميعَ أقانيمِ الثَّالوث. فليسَ مِنَ المَعقولِ أنْ نُقَدِّمَ لأيِّ أُقنومٍ في الثَّالوثِ عِبادَةً أَقَلَّ مِنْ تلكَ الَّتي نُقَدِّمُها لأيِّ أُقنومٍ آخَر في الثَّالوث. ولا يَجوزُ لنا أنْ نَفْتَرِضَ أنَّهُ عندما يَقولُ الكِتابُ المقدَّسُ أنَّهُ ينبغي أنْ نَعْبُدَ اللهَ فإنَّهُ يَجِبُ علينا أنْ نَعْبُدَ أُقنومًا مُعَيَّنًا مِنَ الثَّالوثِ وَألَّا نَعْبُدَ الأُقْنومَيْنِ الآخَرَيْن. بل ألا يَنْبَغي لنا أنْ نَفْتَرِضَ أنَّ كُلَّ أمْرٍ في الكِتابِ المقدَّسِ بأنْ نَعبُدَ اللهَ هُوَ أمْرٌ بعبادةِ الرُّوحِ القُدُسِ لأنَّهُ اللهُ بِكُلِّ مَعْنى الكَلِمَة؟ فحينَ نَرى وَمَضاتٍ مِنَ السَّماءِ في الأصحاحِ الرابعِ مِنْ سِفْرِ الرُّؤيا، ونَقرأُ في العَدَدَيْن 10 و 11 أنَّ الأرْبَعَةَ وَالعِشرينَ شَيْخًا، والمَخلوقاتِ الحَيَّةِ، خَرُّوا قُدَّامَ الْجَالِسِ على العَرْشِ، وَسَجَدُوا لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، هَلْ هذا يُعْطينا الحَقَّ في افتراضِ أنَّ العِبادَةَ مُوَجَّهَةٌ لأقنومٍ واحدٍ في الثَّالوثِ، أوْ لأُقنومَيْنِ دونَ الثَّالِثِ؟ فعندما سَنَعْبُدُ اللهَ عِبادَةً سَماويَّةً حَقيقيَّةً فإنَّنَا سَنَقول: "أَنْتَ مُسْتَحِق أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ". فَهَلْ هذا الكَلامُ يَسْتَثْني الرُّوحَ القُدُسَ؟ لا أَعْتَقِدُ ذلك.

فيجبُ علينا أنْ نَعبُدَ اللهَ على حَقيقَتِهِ. وقد أَعلنَ اللهُ عَنْ ذاتِهِ قائلًا: "أنا الكِائِنُ". واللهُ كائِنٌ في ثلاثةِ أقانيم – ثلاثَة في واحِد. وبالرَّغْمِ مِنْ ذلكَ، عندما نَتحدَّثُ عَنْ عِبادةِ الروحِ القدسِ، قَدْ يبدو الأمرُ جَديدًا، أوْ قَدْ يَبدو مُبْتَدَعًا، أوْ حَتَّى إنَّهُ قَدْ يبدو للبعضِ خَاطِئًا. والحُجَّةُ الَّتي تُقَدَّمُ عادَةً هِيَ: "لا، لا، إنَّ الرُّوحَ يُشيرُ إلى المَسيح". صَحيحٌ أنَّ الروحَ يُشيرُ إلى المسيح، ولكِنْ في إشارَتِهِ إلى المسيحِ فإنَّهُ لا يُلْغي هُوِيَّتَهُ الخاصَّةَ بِهِ. وَهُوَ لا يُقَلِّلُ مِنْ شَأنِ نَفْسِهِ. وَهُوَ لا يَرْمي إلى إلْغاءِ العِبادَةِ المُوَجَّهَةِ إليهِ. فَهُوَ يَقودُنا إلى المَسيحِ، ولكِنَّهُ يَبْقى الله. واللهُ تَليقُ بِهِ العِبادَة.

إنَّ الروحَ القدسَ هوَ اللهُ بِكُلِّ مَعنى الكلمة. فَهُوَ اللهُ المَجيدُ، واللهُ القُدُّوسُ، واللهُ السَّرْمَدِيُّ الَّذي يَستحقُّ أنْ يُعْبَد. والروحُ القدسُ يَملِكُ جميعَ الصِّفاتِ الإلهيَّةِ الَّتي يَمْلِكُها الآبُ والابْنُ. والروحُ القدسُ يَشتركُ بالقَدْرِ نَفسِهِ في كُلِّ الأعمالِ الإلهيَّةِ لأنَّهُ ليسَ مُنفصلًا عنِ الآبِ والابْنِ. والروحُ القدسُ يُشارِكُ في كُلِّ شَيءٍ مِنْ بِدايةِ الخَلْقِ إلى انْقِضاءِ الدَّهْر. لذلكَ فإنَّ كُلَّ عِبادَةٍ حَقيقيَّةٍ تَضُمُّ الرُّوحَ القُدُسَ وتَشْمَلُ الرُّوحَ القُدُسَ. فَلا يُمْكِنُ فَصْلُ الرُّوحِ القُدُسِ عنِ الثَّالوثِ الَّذي نَعْبُدُهُ وَنُسَبِّحُهُ.

ولماذا بَقِيَ هذا الأمْرُ غيرَ واضِحٍ بالنِّسبةِ إلينا؟ لأنَّهُ بالنِّسبةِ إلى فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ، فإنَّ النُّقطةَ الَّتي ذَكَرْتُها بخصوصِ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَشْهَدُ للمَسيح، وَهُوَ أَمْرٌ أَعْلَنَهُ يَسوعُ في لَيلَتِهِ الأخيرةِ معَ التَّلاميذِ في العِلِّيَّةِ – هذا الأمْرُ لَفَتَ نَظَرَ بعضِ الأشخاصِ وصارَ جُزءًا مِنَ التَّفكيرِ المسيحيِّ بأنَّ الروحَ القدسَ يَأمُرُنا بأنْ نُوَجِّهَ عِبادَتَنا إلى المسيح. ولكِنَّ الأمْرَ ليسَ كذلك. فَهُوَ يُرينا المَسيحَ لِقَصْدٍ مُحَدَّدٍ. وَقَدْ دَرَسْنا ذلكَ في الأسابيعِ الماضِيَة وقُلْنا إنَّ ذلكَ القَصْدَ هُوَ أنْ نَرى نَموذَجَ الإنسانِ الكامِلِ. وإذْ نَتَأمَّلُ في مَجْدِ الإنسانِ الكامِلِ، فإنَّهُ يُغَيِّرُنا وَيَجْعَلُنا على صُورَتِهِ. فإنْ كانَ الرُّوحُ القُدُسُ يَشْهَدُ للمَسيحِ فإنَّ هذا لا يَعني أنَّهُ يَمْنَعُنا مِنْ عِبادَتِهِ (أيِ: الرُّوحِ القُدُس). بَلْ هِيَ طَريقةٌ أُخرى يَنْبَغي فيها أنْ نَعْبُدَهُ وَنُكْرِمَهُ.

إنَّ هذا انْحِراف غَريب عَنِ الفَهْمِ التَّقليديِّ. ولكِنَّ الأسوأَ مِنْ ذلكَ هُوَ أنَّ كَثيرينَ لا يَنظُرونَ إلى الروحِ القدسِ في وقتِنا الحاضِرِ بذاتِ الطريقةِ الَّتي يَنظرونَ فيها إلى الابْنِ والآبِ لأنَّ فِكْرَتَنا عنِ الروحِ القدسِ تأتي مُنْذُ سَنَواتٍ طَويلةٍ مِنَ القُوَّةِ الثالثةِ، وَمِنَ العَمودِ الثالثِ في العالمِ المسيحيِّ. فالعَمودُ الأوَّلُ هُوَ البروتِستنتيَّة. والعَمودُ الثاني هُوَ كَنيسةُ الرُّومِ الكاثوليك. والعَمودُ الثالثُ هُوَ الحَرَكَة الخَمسينيَّة الكاريزماتيَّة. وقد تَسَبَّبَتْ هذهِ الحَرَكَةُ في تَشويشٍ مَأساوِيٍّ بخصوصِ الروحِ القدس إذْ إنَّها أَساءَتْ تَمْثيلَ الرُّوحِ القدسِ، وجَدَّفَتْ على الروحِ القدسِ، وأَهانَتِ الروحَ القدسَ إهانةً مُباشِرَةً. وهذه الإساءاتُ لا تَتَوَقَّفْ. وَهِيَ قَوِيَّة وَخَطيرة.

إنَّ فَهْمَ الكنيسةِ الإنجيليَّةِ للروحِ القدسِ قد صارَ مُشَوَّشًا. فالحَقُّ الكِتابِيُّ تَراجَعَ إلى الوَراء وَحَلَّتْ مَحَلهُ أشياءٌ غَريبَةٌ تُنْسَبُ إلى الروحِ القدسِ مِنْ أُناسٍ لا صِلَةَ لَهُمْ البَتَّة (في حالاتٍ كثيرةٍ) بالروحِ القُدُس. وهُناكَ هَجَماتٌ لا نِهايةَ لها تُشَنُّ على شَخْصِ الروحِ القدسِ وعَمَلِهِ مِنْ ذلكَ العَمودِ الثَّالِثِ. وقد خَطَفَتْ هذهِ الحَرَكَةُ الروحَ القدسَ واحْتَجَزَتْهُ رَهينَةً. وَهُمْ يُنْكِرونَ كُلَّ انْتِقاداتٍ تُوَجَّهُ إلى انْحِرافاتِهِمْ وَتَجْديفِهِمْ ويقولونَ عَنْ تلكَ الانتقاداتِ إنَّها تُعَبِّرُ عَنْ رُوْحِ انْقسامٍ، وعَدَمِ مَحَبَّةٍ، وعَدَمِ تَسامُحٍ.

ومِنَ الواضِحِ أنَّ التَّفكيرَ في كُلِّ هذهِ الأمورِ طَوالَ الأشْهُرِ الثَّلاثَةِ السَّابقةِ، وتَقْديم كُلِّ هذهِ العِظاتِ قَدْ حَرَّكَ قَلْبي وقُلوبَ النَّاسِ مِنْ حَوْلي مِمَّنْ يَقولون: "ينبغي أنْ نَكْتُبَ كِتابًا عَنْ هذا الموضوع. وينبغي أنْ نُسَلِّطَ الضَّوْءَ على هذا الموضوع. فقد مَضى وقتٌ طويلٌ على ظُهورِ التَّشويشِ الخَمْسينِيِّ. لذلكَ، يجبُ تَسليطُ الضَّوْءِ على ذلك". لذلكَ فقد قَرَّرْنا أنْ نَفعلَ ذلك. ولكِنَّ واحِدًا مِنَ الأسبابِ القويَّةِ الَّتي تَدفَعُنا إلى القيامِ بذلكَ هُوَ أنَّنا أَجَرْينا نِقاشًا قَبْلَ بِضعةِ أيَّامٍ فَتَناهَى إلى عِلْمِنا أنَّهُ في أثناءِ بَحْثِنا عَنِ الكُتُبِ الَّتي كُتِبَتْ عنِ الروحِ القدسِ، وعنِ الأشياءِ الَّتي تُنْسَبُ إلى الروحِ القدسِ اليومَ بالرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ صِحَّتِها بخصوصِهِ وَبخصوصِ أعْمالِهِ، فإنَّ عَقيدةَ الروحِ القدسِ قائِمَة مِنْ دُوْنِ حِمايَة (إنْ جازَ القَوْل). فالحَقُّ المُختصُّ بالروحِ القدسِ يَحْتاجُ إلى تَأكيدٍ وتَعْزيزٍ، ولا سِيَّما أنَّهُ مُنْذُ بِدايةِ أوْ مُنتصفِ التِّسعينيَّاتِ، لم يَصْدُرْ كِتابٌ مُحَدَّدٌ عَنْ شَخْصِ الروحِ القدسِ وعَمَلِهِ الحَقيقيِّ. فالإنجيليُّونَ صَامِتونَ بهذا الخُصوصِ خَوْفًا مِنَ العَمودِ الثَّالثِ. وهذا غيرُ مَقبولٍ. فلا يَجوزُ أنْ نَسْمَحَ لهذا الأمْرِ أنْ يَستمرَّ. فهُناكَ أُناسٌ يُحْزِنونَ الرُّوحَ القُدُسَ، وَيُطْفِئونَهُ، ويُهينونَهُ، وَيُجَدِّفُونَ عَليهِ.

ومِنَ المُدهشِ في نَظَري أنَّ العالمَ الإنجيليَّ لا يَحْتَمِلُ الهُجومَ على اللهِ الآبِ. فَقَدْ شُنَّ هُجومٌ قبلَ سَنَواتٍ في شَكْلِ لاهُوتٍ يُسَمَّى "اللَّاهوتُ المُنْفَتِحْ"، وَهُوَ لاهوتٌ يُنْكِرُ أنَّ اللهَ يَعْرِفُ المُستقبَل، ويُنْكِرُ عِلْمَهُ المُطْلَقَ. فَهُوَ لا يُنْكِرُ فقط أنَّهُ يَعرِفُ المُستقبَل، بل يُنْكِرُ أيضًا أنَّهُ قادِرٌ على التَّحَكُّمِ في المُستقبَل. وهذا هُجومٌ كَبيرٌ على طبيعةِ اللهِ. وقد هَبَّ الإنجيليُّونَ مَعًا وَشَجَبوا ذلكَ الهُجومَ الَّذي شَنَّهُ اللَّاهوتُ المُنْفَتِحُ. بل إنَّهُمْ كَتَبوا كُتُبًا كَثيرةً لِتَفْنيدِ تِلْكَ التُّهَم. وخِلالِ السَّنواتِ الخَمْسَ عَشْرَةَ أوِ العِشرينَ الماضِيَة، شُنَّتْ هَجَماتٌ على شَخْصِ المسيحِ، وهَجَماتٌ على طَبيعَتِهِ، ولكِنَّ أَعْنَفَ هَجَماتٍ كانَتْ على عَمَلِهِ على الصَّليب، وعلى عَقيدةِ التَّبرير بالرَّغْمِ مِنْ أنَّ عقيدةَ التَّبريرِ هِيَ في صَميمِ الإنْجيل. وقد جاءَ أَعْنَفُ هُجومٍ مِنْ حَرَكَةٍ تُدْعى "النَّظرةُ الجَديدةُ إلى بولُس". وقد أَنْكَرَتْ هذهِ الحَرَكَةُ عقيدةَ احْتِسابِ بِرِّ المسيحِ لَنا وعقيدةَ التَّبرير. وقد تَمَّ تأليفُ كُتُبٍ لا حَصْرَ لها ولا تُعَدُّ ولا تُحْصى للدِّفاعِ عَنْ عقيدةِ التَّبرير، وللدِّفاعِ عَنِ ابْنِ اللهِ ضِدَّ هذهِ الهَجَمات. ولكِنَّ الهَجَماتِ الَّتي شُنَّتْ على هذَيْنِ الأُقنومَيْنِ في هذهِ الفترةِ أقَلُّ بكثير مِنَ الهَجَماتِ الَّتي شُنَّتْ على الروحِ القدس. وأنا أقولُ لكُمْ إنَّهُ مُنْذُ نَحْوِ عَشْرِ سِنين، لم يُكْتَبْ أيُّ شيءٍ تقريبًا للدِّفاعِ عَنِ التَّعليمِ الكِتابِيِّ السَّليمِ عنِ الروحِ القدس. ونَتيجة لذلك، هناكَ تَشويشٌ أوْ رُبَّما عَدَمُ مُبالاةٍ تُجاهَ الروحِ القدسِ. وَهُوَ لا يُعْبَدُ العِبادَةَ الَّتي تَليقُ بِهِ مَعَ أنَّهُ يَنْبَغي أنْ يُعْبَدَ العِبادَةَ الَّتي يَسْتَحِقُّها.

ونحنُ نَتَفَهَّمُ وُجودَ تَجْديفٍ على الروحِ القدسِ مِنْ غيرِ المسيحيِّين. ونحنُ نَتَفَهَّمُ وُجودَ تَجْديفٍ على الروحِ القدسِ مِنَ المسيحيِّينَ الزَّائِفينَ والمُعَلِّمينَ الكَذَبَة. ومعَ أنَّنا، نَحْنُ المَسيحيُّونَ، لا نُجَدِّفُ على الروحِ القدسِ، فإنَّنا قد نكونُ مُذْنِبينَ في إحْزانِ الروحِ القدس. وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّ الروحَ القدسِ يَحْزَنُ حينَ نُخْطِئُ لأنَّنا نُخْطِئُ تُجَاهَهُ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّهُ سَاكِنٌ فينا. ولكِنَّ ما يُحْزِنُ الروحَ القدسَ أيضًا هُوَ أنْ نُفَكِّرَ فيهِ تَفكيرًا خاطئًا، وأنْ نُقَلِّلَ مِنْ شَأنِ عَمَلِهِ، وألَّا نَكونَ مُمْتَنِّينَ وَشاكِرين، وألَّا نَعْبُدَهُ عِبادَةً نابعةً مِنْ فَهْمِنا للنِّعمةِ الرائعةِ والقُوَّةِ العَظيمةِ الَّتي يُظْهِرُها دائمًا مِنْ خِلالِ عَمَلِهِ نيابةً عَنَّا إلى أنْ يَتِمَّ تَمْجيدُنا أبديًّا.

لذلكَ فقد تَأمَّلْنا في رُومية 8 لكي نُعيدَ التَّرْكيزَ على الروحِ القدسِ، ولكي نُعْطيهِ المَكانَةَ الَّتي يَسْتَحِقُّها تَمامًا في عِبادَتِنا. فنحنُ نَعلمُ أنَّ اللهَ الآبَ أنْشَأَ عَمَلَ الخلاصِ، وأنَّ اللهَ الابْنَ أكَّدَ صِحَّةَ هَذا العَمَلِ وَأَظْهَرَ عَمَلَ الخَلاصِ، وأنَّ الروحَ القدسَ يُفَعِّلُ وَيُكَمِّلُ عملَ الخلاصِ في المُؤمِن. وقدِ ابتدأنا حَرفيًّا في تَفْصيلِ عملِ الروحِ القدسِ لأجْلِنا نحنُ المُؤمِنين. فَهُوَ يُجَدِّدُنا، وَيُشارِكُ في تَبريرِنا، ويُقَدِّسُنا، وَيُؤكِّدُ حَقيقَةَ أنَّنا صِرْنا أولادًا للهِ بالتَّبَنِّي. وَهُوَ يَسْكُنُ فينا، ويُعَمِّدُنا، وَيَجْعَلُنا نَتَّحِدُ بالمؤمنينَ الآخَرينَ الَّذينَ يُدْعَوْنَ جَسَدَ المسيح. وَهُوَ يُعْطينا المواهبَ الروحيَّةَ الَّتي نَخْدِمُ بها بَعْضُنا بَعْضًا. وهُوَ يُقَوِّينا في الإنْسانِ الباطِنِ لِكي نَعْمَلَ كُلَّ بِرٍّ. وَهُوَ يَقودُنا، وَيُنْشِئُ فينا مَواقِفَ سَليمَة. وَهُوَ يُعتِقُنا مِنَ الخطيَّةِ. وَهُوَ يُنيرُ الكِتابَ المقدَّسَ لأذْهانِنا. وَلكِنَّ أعْظَمَ عَمَلٍ يَمْلأُ قُلوبَنا بِفَرَحٍ لا يُنْطَقُ بِهِ هُوَ أنَّهُ يَضْمَنُ مَجْدَنا الأبديَّ ... فَهُوَ يَضْمَنُ مَجْدَنا الأبديَّ. ولا شَكَّ أنَّ الحَرَكَةَ الخمسينيَّةَ/الكاريزماتيَّةَ تَشُنُّ على الروحِ القدسِ في هذا الوقتِ واحِدَةً مِنْ أَسْوَأِ الإساءاتِ على الإطْلاقِ مِنْ خلالِ إنْكارِ عَقيدةِ الضَّمانِ الأبديِّ، وَثَباتِ القِدِّيسينَ إذْ إنَّهُمْ يُهاجِمونَ أعْظَمَ عَمَلٍ يَقومُ بهِ مِنْ خلالِ الادِّعاءِ بأنَّهُ لا يَحْفَظُ المُؤمنينَ بالضَّرورة إلى أنْ يَتِمَّ تَمْجيدُهُمْ أبديًّا.

وفي هذا الأسبوعِ، كنتُ أقرأُ ما كَتَبَهُ "تشارلز فيني" (Charles Finney) الَّذي هَاجَمَ في خِدْمَتِهِ أُمورًا كثيرةً يُعَلِّمُها الكتابُ المقدَّسُ، وَمِنْ بَيْنِها هذهِ العقيدة. فقد كَتَبَ "فيني": "أنْتُمْ مَختومونَ بِخَتْمِ الروحِ القُدُس، ولكِنَّكُمْ قَدْ تَكْسِرونَ الخَتْمَ". ولكِنَّ شَهادةَ كلمةِ اللهِ لا تَتَّفِقُ معَ ذلكَ الخَطأ.

اسْتَمِعوا إلى كلماتِ رِسالةِ أَفَسُس 1: 13-14: "الَّذِي فِيهِ [أيْ: في المَسيحِ] أَيْضًا أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ، الَّذِي فِيهِ أَيْضًا إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ، الَّذِي هُوَ عُرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ". فنحنُ مِلْكٌ للهِ لأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي سَيَفْدينا لِمَدْحِ مَجْدِهِ. والروحُ القُدُسُ قَدْ أُعْطِيَ لنا ليكونَ عُرْبونًا لفدائِنا المُستقبليِّ الَّذي يُدْعى مِيراثَنا. لذلكَ فإنَّهُ يُسَمَّى رُوْح المَوْعِدِ لأنَّهُ الضَّمانةُ لوعدِ اللهِ لنا بالسَّماء.

وقد كَتَبَ بُطْرُسُ أيضًا: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ". فالروحُ القدسُ هُوَ الخَتْمُ، والضَّمانَةُ، والدَّفعةُ المُقَدَّمَةُ، والباكورةُ، والعُرْبونُ، والقُوَّةُ. وَهُوَ الَّذي يَحْمي كُلَّ مُؤمِنٍ حقيقيٍّ ويأتي بِنا إلى المجدِ الأبديِّ.

وهذهِ هيَ الفِكرةُ الرئيسيَّةُ لما جاءَ في رُومية 8 ابتداءً مِنَ العدد 17. ففي العدد 17، قَرأتُمْ أوَّلًا الكلمة "نَتَمَجَّد". وَمِنْ ذلكَ العَدَد إلى العدد 39، يُرَكِّزُ النَّصُّ كُلِّيًّا على مَجْدِنا المُستقبليِّ وعلى الخُطَطِ الَّتي وَضَعَها اللهُ لِضَمانِ تَحقيقِ تلكَ النَّتيجَة. وقد تَأمَّلْنا في ذلكَ كُلِّهِ بِتَفْصيلٍ شَديد. وقد عَرَفْنا مِنْ خِلالِ العَدَدَيْن 26 و 27 أنَّ الروحَ القدسَ الَّذي يَسْكُنُ دائمًا في كُلِّ مُؤمِنٍ حَقيقيٍّ يَشْفَعُ فينا بأنَّاتٍ لا يُنْطَقُ بها. فهيَ أنَّاتٌ أَعْمَقُ مِنْ أيِّ كَلِمات. وَهِيَ أنَّاتٌ مُتبادلةٌ بينَ الأقانيمِ يَقومُ الروحُ مِنْ خِلالِها بالتَّشَفُّعِ فينا ورَفْعِ الصَّلاةِ لأجْلِ مَجْدِنا المُستقبليِّ إلى اللهِ الَّذي يَعلمُ ما هِيَ خُطَطُهُ والذي لَدَيْهِ قَصْدٌ مِنْ تَمْجيدِنا. والروحُ أيضًا يَعْرِفُ خُطَطَ اللهِ وقلبَ اللهِ. لذلكَ فإنَّ لدى اللهِ خُطَّة. وقد جاءَ يَسوعُ لِتَنْفيذِ تلكَ الخُطَّة. والروحُ القدسُ يُصَلِّي لأجْلِ تَكْميلِ تلكَ الخُطَّةِ بما يَتَّفِقُ معَ مَشيئةِ اللهِ.

ونتيجة لذلك، كما جاءَ في العدد 28، فإنَّ "كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْر". فالأشياءُ الَّتي نَخْتَبِرُها في أثناءِ حَياتِنا هِيَ أُمورٌ جَعَلَ اللهُ لها قَصْدًا يَتَّفِقُ مَعَ مَجْدِهِ. ولكِنَّ هذا الحَديثَ يَختصُّ بالمجدِ النهائيِّ والمُستقبليِّ. فكُلُّ الأشياءِ تَعملُ معًا للخيرِ لأنَّنا مَحْبوبونَ مِنَ اللهِ، ولأنَّنا نُحِبُّهُ بالمُقابِلِ بِما يَتَّفِقُ معَ قَصْدِهِ.

لذلكَ فإنَّ الروحَ القدسَ يُفَعِّلُ نَوايا اللهِ الطَيِّبَةَ، وخُطَّةَ اللهِ، وَقَصْدَ اللهِ نِيابَةً عَنَّا. وَخُطَّةُ اللهِ تَتَلَخَّصُ في أنَّهُ عَرَفَنا سابقًا، وَعَيَّنَنا سابقًا، وَدَعانا، وَبَرَّرَنا، وأنَّهُ سيُمَجِّدُنا، وأنَّ تَمْجيدَنا يَعْني أنَّنا سنَصيرُ مُشابهينَ صُورةَ ابْنِهِ (كما جاءَ في العدد 29). وقد تَحَدَّثْنا عَنْ هذا كُلِّهِ بالتَّفْصيل. فاللهُ وَضَعَ خُطَّةً لاخْتيارِ النَّاسِ الذينَ سيُمَجِّدُهُمْ. والمسيحُ دَبَّرَ الذبيحةَ الَّتي تَدْفَعُ أُجْرَةَ خَطاياهُمْ لِكَيْ يَجْعَلَ الخُطَّةَ ناجِحَةً. والروحُ القدسُ هُوَ القُوَّةُ الفاعِلَةُ في تَنفيذِ الخُطَّةِ. فَهُوَ الَّذي يُجَدِّدُنا، ويُقَدِّسُنا، ويَحْمينا. وَهُوَ الَّذي سَيُقيمُنا ذاتَ يومٍ إلى المَجْد. ونحنُ نَسيرُ في تلكَ الخُطَّة. ونحنُ مَضْمونونَ في خُطَّةِ اللهِ لأنَّ ما شَاءَ اللهُ فَعَل. ونحنُ مَضْمونونَ بسببِ ما فَعَلَهُ الابْنُ. فالمسيحُ دَفَعَ فِعليًّا أُجرةَ خطايانا بالكامِلِ. وَهَذِهِ ليسَتْ دُفعةً مُحتَملةً، بل هِيَ دُفعة حقيقيَّة. وثالثًا، نحن مَضْمونونَ بسببِ قُوَّةِ الروحِ القدسِ الَّذي يَشْفَعُ فينا ويَحْفَظُنا إلى أنْ يَتِمَّ تَمْجيدُنا.

والآنْ، بعدَ أنْ قُلنا كُلَّ هذهِ العقائدِ اللاهوتيَّةِ العظيمةِ، نَأتي إلى العَدَد 31 حيثُ وَصَلْنا في المَرَّةِ السَّابقةِ. وقد كانَ بولسُ يَعلمُ أنَّهُ ستكونُ هناكَ اعتراضاتٌ. لذلكَ فهوَ يَفترضُ أنَّهُ ستكونُ هناكَ اعتراضاتٌ مِنْ أُناسٍ يَقولونَ: "رُبَّما يَمتلكُ أحدُ الأشخاصُ القُدرةَ على تَغييرِ ذلك. فرُبَّما يَمتلكُ أحدُ الأشخاصُ القُدرةَ على التَأثيرِ بقُوَّة في خُطَّةِ اللهِ". أو كما يَقولُ "فيني": "قَدْ تَكْسِرُ الخَتْمَ". وقد قرأتُ لكاتِبَيْنِ آخَرَيْنِ يُؤمِنانِ بالفِكْرِ نَفْسِهِ ويقولانِ الشَّيءَ نَفْسَهُ: "الرُّوحُ القدسُ يَخْتِمُكَ ما دُمْتَ لا تَكْسِرُ الخَتْمَ". ولكِنْ هل هذا مُمْكِنٌ؟ لذلك فإنَّنا نَطرحُ السُّؤالَ: "هل يوجدُ بَشَرٌ قادِرونَ على فِعْلِ ذلك؟" وماذا نقولُ عنْ هذِهِ الأشياء؟ فهل هُناكَ بَشَرُ قادِرونَ على القيامِ بذلك؟ إنَّ الجَوابَ موجودٌ في العدد 31: "إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟" فهل يُوجدُ بَشَرٌ أَقوى مِنَ اللهِ؟ وإنْ كانَ اللهُ مَعَنا، هل يَهُمُّنا حَقًّا مَنْ قَدْ يكونَ عَلينا؟ وهل يَهُمُّنا حَقًّا مَنْ قد يَرْغَبُ في تَحْطيمِ إيمانِنا؟ فإنْ كانَ اللهُ مَعَنا فهذا يَحْسِمُ القَضِيَّةَ لأنَّهُ لا توجدُ قُوَّة أقوى مِنَ الله. ولا يوجدُ إنسانٌ، أوْ نِظامٌ بَشريٌّ، أوْ ديانةٌ بشريَّةٌ، أوْ تأثيرٌ بشريٌّ، أوْ مُجتمعٌ بشريٌّ، أوْ نِظامٌ تَعليميٌّ بشريٌّ، أوْ ضَغْطٌ بَشَرِيٌّ أَعْظَمُ مِنَ الله.

وقد تَقولُ: "حسنًا. رُبَّما يَفعلُ اللهُ ذلك ... رُبَّما يَتْعَبُ اللهُ مِنَّا؟" الله؟ إنَّ العدد 32 يُجيبُ عَنْ ذلكَ إذْ نَقرأ: "اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِين". أتَعني أنَّ اللهَ قد يَفعلُ ذلكَ مَعَ أنَّهُ ونحنُ بَعْدُ أعْداء، قَدَّمَ لَنا أفْضَلَ عَطِيَّة مُمْكِنَة ألا وَهِيَ ابْنَهُ؟ أَيُعْقَلُ أنْ يَنْقَلِبَ عَلينا؟ نَقرأُ في نهايةِ العدد 32: "كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ [أيْ: مَعَ ابْنِهِ] كُلَّ شَيْءٍ؟" وهذهِ حُجَّة مُتَدَرِّجَة مِنَ الأكْبَر إلى الأصْغَر. فإنْ كانَ اللهُ قَدْ قَدَّمَ لنا أَفْضَلَ هِبَة لكي يُخَلِّصَنا حينَ كُنَّا أعْداءَهُ، ألَنْ يُقَدِّمَ لنا الآنَ، بعدَ أنْ صِرْنا أولادَهُ، هِباتٍ أَقَلَّ لكي يَحْفَظَنا؟ إنَّ هذِهِ حُجَّة مَنطقيَّة تمامًا. وهذهِ هيَ الحُجَّة المُتَدَرِّجَة مِنَ الأكْبَر إلى الأصْغَر. فاللهُ الَّذي فَعَلَ أكْبَرَ شَيءٍ لأجْلِنا وَقَدَّمَ لنا أفْضَلَ هِبَةٍ مُمْكِنَةٍ في الوقتِ الَّذي كُنَّا فيهِ أعْداءَ لَهُ سَيَفعلُ أيَّ شيءٍ أَقَلَّ مِنْ ذلكَ الآنَ، بعدَ أنْ صِرْنا أولادَهُ، لكي يَحْفَظَنا.

وقد يَقولُ قائلٌ: "حسنًا. ولكِنْ ماذا عنِ الشَّيطانِ؟ فرُبَّما يَقْدِرُ الشَّيطانُ أنْ يَنْتَزِعَنا مِنْ يَدِ اللهِ. فَهُوَ قَوِيٌّ". لقد حاولَ ذلكَ معَ أيُّوب. وقد حاولَ ذلكَ معَ بُطْرُس. وقد حاولَ ذلكَ معَ بُولُس. وقد حاولَ ذلكَ معَ رئيسِ الكهنةِ في الأصحاحِ الثالثِ مِنْ سِفْرِ زَكريَّا. فلديكَ أرْبَعَةُ أمثلةٍ على ذلكَ في الكِتابِ المقدَّسِ. وَهُوَ مَذكورٌ هُنا في العدد 33 إذْ نَقرأُ: "مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ؟" أوْ في العدد 34: "مَنْ هُوَ الَّذِي يَدِينُ؟" مَنْ هوَ الماثِلُ أمامَ اللهِ دائمًا لإدانَتِنا؟ وَمَنْ هُوَ المُشتكي على الإخْوَة (كما جاءَ في رُؤيا 12: 10)؟ إنَّ الشَّيطانَ وأَعْوانَهُ هُمُ الذينَ يَجْتَمِعونَ حَوْلَ عَرْشِ اللهِ ويُوَجِّهونَ تُهُمًا لا نِهايةَ لها إلى المؤمنينَ نهارًا وليلًا (كما يَقولُ الكِتابُ المقدَّسُ). ولكِنْ هَلْ يَنْجَحُ المُشْتَكي على الإخْوَة؟ وهل تَمَكَّنَ مِنْ تَحْطيمِ إيمانِ أيُّوب؟ لا. وهل نَجَحَ في تَحْطيمِ إيمانِ بُطْرُس حينَ حاوَلَ أنْ يُغَرْبِلَ بُطْرُس؟ وهل تَمَكَّنَ مِنْ تَحْطيمِ إيمانِ بولُس حينَ لَطَمَهُ مَلاكُ الشَّيْطانِ حَرفيًّا مُحاوِلًا هَدْمَ خِدْمَةِ بولُس؟ فهل كانَ ذلكَ كافيًا لتَحْطيمِ بولُس؟ وهل يُمْكِنُ أنْ يَنجحَ في تَوْجيهِ أيِّ تُهْمَةٍ قَدْ تَجْعَلُ اللهَ يَتَخَلَّى عَنَّا؟

إنَّ الشيءَ المؤكَّدَ هُوَ أنَّ الإيمانَ المُخَلِّصَ لا يُمْكِنُ أنْ يَفْشَلَ، وَأنَّ قَصْدَ اللهِ لا يُمْكِنُ أنْ يُخْفِق. وهُناكَ حَقيقةُ أُخرى وَهِيَ أنَّ المسيحَ قائمٌ عَنْ يمينِ الآبِ يَشْفَعُ فينا رَدًّا على كُلِّ التُّهَمِ إذْ إنَّهُ يَقولُ في كُلِّ مَرَّة: "لقد دَفَعْتُ ثَمَنَ هَذِهِ الخَطِيَّةِ بِمَوْتي".

والآنْ، قد يَقولُ أيُّ شَخصٍ: "ولكِنَّنا في وَرْطَةٍ إذا انْقَلَبَ المَسيحُ عَلينا. فماذا لو انْقَلَبَ المسيحُ علينا؟" نَقرأُ في العدد 34: ماذا؟ "اَلْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي مَاتَ، بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضًا، الَّذِي هُوَ أَيْضًا عَنْ يَمِينِ اللهِ". بعبارةٍ أُخرى، لَقَدْ ماتَ عَنَّا، وقد قامَ لأجْلِنا. وقد كانَ مَوْتُهُ وقيامَتُهُ مَرْضِيَّيْنِ تمامًا أمامَ اللهِ. لذلكَ فقد رَفَّعَهُ وأَجْلَسَهُ عَنْ يَمينِهِ بعدَ أنْ أَكْمَلَ فِداءَنا. وَهُوَ يَشْفَعُ فينا أيضًا. فَهُوَ رَئيسُ الكَهَنَةِ العَظيم الَّذي يَشْفَعُ فينا. وَهُوَ المُحامي السَّماويُّ العَظيمُ عَنَّا.

لذلكَ، لا يُمكنُ لأيِّ إنْسانٍ أنْ يَفعلَ ذلكَ لأنَّ اللهَ أقوى مِنَ البَشَر. ولا يُمكنُ للهِ أنْ يَفعلَ ذلكَ لأنَّهُ أعْطانا أَفْضَلَ ما لديهِ ونحنُ بَعْدُ أعْداء. ولا يُمكنُ أنْ يَفعلَ الشَّيطانُ ذلكَ لأنَّهُ لا يَستطيعُ أنْ يَأتي بِاتِّهامٍ واحدٍ ناجحٍ ضِدَّنا لأنَّ المسيحَ دَفَعَ أُجْرَةَ جَميعِ خَطايانا. ولا يُمْكِنُ أنْ يَفعلَ المسيحُ ذلكَ لأنَّهُ حَيٌّ ويَشْفَعُ فينا. وقد بَقِيَ احْتِمالٌ واحدٌ فقط وَهُوَ: نَحْنُ. فبإمْكانِكَ أنْتَ أنْ تَكْسِرَ الخَتْمَ. ... يُمْكِنُكَ أنْتَ أنْ تَكْسِرَ الخَتْمَ، كَما قالَ "فيني" (Finney). ولكِنْ هل أنْتَ قادرٌ على ذلك؟ ولماذا قد تَفعلُ ذلك؟ قَدْ تَقولُ: "بسببِ ظُروفُ الحياةِ. فالحياةُ قَدْ تَصيرُ صَعبةً جِدًّا". ولكِنْ طالما أنَّ كُلَّ شيءٍ يَسيرُ على ما يُرام – وقد كانَتْ هذهِ الحُجَّةُ الَّتي اسْتَخْدَمها الشَّيطانُ ضِدَّ أيُّوب. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ مُبارَكٌ، وَغَنِيٌّ، وَلَدَيْهُ كُلُّ شيءٍ. فَلَدَيْهِ عائلةٌ، ومَحْصولٌ، ومَواشِي، وغِنَى. لذلكَ، لا عَجَبَ أنَّهُ أمينٌ. ولكِنْ هل يُمْكِنُنا أنْ نَفْعَلَ أيَّ شيءٍ لِنَقْطَعَ علاقَتَنا بالربِّ حَرفيًّا؟ وهل يُمْكِنُ لإيمانِنا أنْ يَتَلاشى، ويَنْكَسِرَ، ويَزولُ تَحْتَ وَطْأةِ ظُروفٍ مُعَيَّنَةٍ؟

لذلكَ فإنَّنا نَنتقلُ مِنَ الأشخاصِ في الأعْداد 32-34 (أوْ بالحَرِيِّ في الأعْداد 31-34) إلى الظُّروفِ في الأعْداد 35-37. وأرْجُو أنْ تُرَكِّزوا مَعي لأنَّ الأمْرَ بَسيطٌ جِدًّا. فإليكُمْ أَسْوَأَ سيناريو مُحْتَمَل. والسُّؤالُ هُوَ: مَنْ أوْ ماذا؟ ولكِنْ مَنِ الفاعِل؟ فَمَنْ هُوَ الشَّخْصُ الَّذي سَيَفْعَلُ هذهِ الأشياء؟ فلا بُدَّ مِنْ فاعِلٍ. أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ فلا بُدَّ مِنْ وُجودِ شخصٍ مَسؤولِ عنْ ذلك. وهذهِ كُلُّها ظُروفٌ قاسِيَةٌ. فهل يُمكنُ للظروفِ القاسيةِ أنْ تَهْدِمَ إيمانَنا، أوْ أنْ تَجعَلَنا نَتَخَلَّى عنِ الروحِ القُدُس؟ فَمَنْ سَيَفصِلُنا عَنْ مَحَبَّةِ المسيح؟ وهذا مُجَرَّدُ تَذكيرٍ بأنَّ ما يُمْسِكُنا هُوَ مَحَبَّةُ المسيحِ لنا. فَهذا هُوَ ما يَجْعَلُنا مُتَماسِكين ... مَحَبَّةُ المسيحِ لَنا. وَبالمُناسَبَة، فإنَّها تَرِدُ في العدد 39 بأنَّها مَحَبَّةُ اللهِ ... مَحَبَّةُ اللهِ. ويُمْكِنُني أنْ أُضيفَ هُنا بأنَّ هذهِ المَحَبَّةَ تَضُمُّ أيضًا مَحَبَّةَ الروحِ القُدُس. فنحنُ مَحبوبونَ مِنَ الثَّالوثِ. وهل يُمْكِنُ لأيِّ شَيءٍ أنْ يَحْدُثَ وَأنْ يَكْسِرَ تلكَ المَحَبَّة؟

حسنًا، لِنَرْسمْ صُورةً لتلكَ الظُّروفِ القاسيةِ. فهناكَ سَبْعَةُ احْتِمالاتٍ تَصاعُدِيَّةٍ مُفْتَرَضَةٍ أوَّلُها: "الشِّدَّة"، وَهِيَ تُشيرُ إلى الظُّروفِ الخارجيَّةِ. فقد لا تَسيرُ الأُمورُ كَما يَنبغي خارِجِيًّا. وهذا الأمْرُ يَفْتَرِضُ أنَّنا سَنَتَعَرَّضُ لِهَجَماتٍ. والكلمة "ثِليبسيز" (thlipsis) تَعني ظَرْفًا ضَاغِطًا، أوْ صُعوبةً خارجيَّةً، أوْ رَفْضًا، أوْ مَتاعِبَ، أوْ أَذى. وَهِيَ تَعْني أنْ نَقَعَ تَحْتَ ضَغْطٍ مِنَ الخارِجِ. والكلمةُ الثانيةُ هِيَ "الضِّيْق". وَهِيَ كلمة تُشيرُ إلى الضَّغْطِ الداخليِّ. وهيَ تَرْجَمَة لِكَلِمَتَيْن تُشيرانِ إلى الحَشْرِ في مَكانٍ ضَيِّقٍ، ولَكِنَّها تُشيرُ إلى شَيءٍ يَحْدُثُ في الدَّاخِلِ. فعندما نَتَعَرَّضُ لضَغْطٍ خارجيٍّ فإنَّهُ يُؤثِّرُ فينا مِنَ الدَّاخِلِ أيضًا. أليسَ كذلك؟ وقد تَظْهَرُ رَدَّةُ فِعْلٍ على ذلكَ مِنْ خلالِ الخوفِ، والقلقِ، والشَّكِّ، وطَرْحِ الأسئلةِ، والرُّعْبِ. وقد تَقَعُ ضَحِيَّةَ الذُّعْرِ إلى حَدٍّ ما. وقد تَفقدُ شُعوركُ بالثِّقةِ لأنَّ الضَّغْطَ شَديدٌ جِدًّا.

فالضَّغطُ الآتي مِنَ الخارجِ قَدْ يَجْعَلُكَ مَضْغوطًا جِدًّا مِنَ الدَّاخلِ فَتَشْعُرُ حَرفيًّا بالخوفِ والقلقِ. ثُمَّ يَزْدادُ الأمْرُ سُوءًا؟ ثُمَّ هُناكَ الاضْطِهادُ. وهذهِ كلمةٌ تُشيرُ إلى سُوْءِ المُعاملةِ ... سُوْءِ المُعاملةِ. وفي سِياقِ حَديثِ بولسَ هُنا، فإنَّ هذهِ الكلمةَ تُشيرُ إلى إساءةِ مُعاملَةِ المَرْءِ بسببِ شَهادَتِهِ ليسوع. وقد يَنْطَوي ذلكَ على المُعاناةِ الجسديَّةِ والمُعاناةِ النفسيَّةِ. وإنْ كُنْتَ قَدْ وَصَلْتَ إلى هذا الحَدِّ فإنَّ الأُمورَ سَيِّئَةٌ جِدًّا بالنِّسبةِ إليكَ الآن. وهذا هُوَ أَسْوَأُ سِيْناريو مُحْتَمَل. فأنْتَ تَتَعَرَّضُ لِشَتَّى أنْواعِ الضُّغوطِ الخارجيَّةِ الَّتي تَسْحَقُكَ سَحْقًا. وَهِيَ تُؤثِّرُ فيكَ مِنَ الدَّاخلِ وتَجْعَلُكَ قَلِقًا، وخائفًا، ومُرْتَعِبًا. ثُمَّ يَزدادُ الأمرُ سُوءًا حينَ يأتي الاضْطِهادُ ["دِيُوْغْمُوس" (diogmos)] على أيدي رَافِضِي المَسيح. ثُمَّ يَزْدادُ الأمْرُ سُوءًا بسببِ الجُوْعِ. فأنتَ لا تَحصُلُ على الطَّعامِ. وأنْتَ مَحْرومٌ. ورُبَّما أنْتَ في السِّجْنِ ... رُبَّما أنْتَ مَسْجونٌ. ولكِنَّ الأمْرَ لا يَنْتَهي هُنا، بلْ يَزْدادُ سُوْءًا. فَثِيابُكَ مُمَزَّقَةٌ وليسَ لَدَيْكَ مَالٌ لِشِراءِ غَيْرِها. لذلكَ فإنَّكَ عُرْيانٌ وَبِحاجةٍ إلى مَلابِس. ثُمَّ يَزدادُ الأمرُ سُوءًا حينَ يأتي الخَطَرُ. فَحَياتُكَ مُعَرَّضَةٌ للخَطَر. وأخيرًا، تَسْمَعُ صَوْتَ أَحَدِهِمْ وَهُوَ يَسْتَلُّ سَيْفَهُ. إنَّها النِّهايَة.

هَلْ يُمْكِنُ لهذا كُلِّهِ أنْ يَنْجَحَ؟ فهذا هُوَ أسْوَأُ سيناريو مُمْكِن. فأنْتَ على وَشْكِ الاسْتِشْهادِ. وَهُمْ عَلى وَشْكِ أنْ يَقْطَعوا رَأسَكَ. وبالمُناسَبَة، هذا هُوَ اخْتبارُ بولُس شَخصيًّا. وقد حَدَثَ ذلكَ أكثرَ مِنْ مَرَّة إذْ إنَّ الخَطَرَ كانَ يُحْدِقُ بهِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ. وقد حَدَثَ ذلكَ أخيرًا إذْ إنَّهُ أُعْدِمَ بِقَطْعِ رَأسِهِ بالسَّيْف. ولكِنْ هل يُمْكِنُ لذلكَ أنْ يَقودَكَ إلى الشَّكِّ؟ وهل يُمكنُ لذلكَ أنْ يَقودكَ إلى رَفْضِ يَسوعَ المسيحِ؟ وهل يُمكنُ لذلكَ أنْ يَجْعَلَكَ تَتَخَلَّى عنِ المسيحِ؟ أوْ أنْ تَتَخَلَّى عنِ اللهِ؟ هَلْ يُمْكِنُ لذلكَ أنْ يَقودَ إلى أمْرٍ كَهَذا؟ وَيَقْتَبِسُ بولسُ مِنَ المزمور 44 قائلًا إنَّ هذهِ هِيَ خِبرةُ المُؤمِنينَ طَوالَ التَّاريخِ، وليسَ خِبْرَتَنا نحْنُ فقط. فَهُوَ يَقتبسُ مِنَ المَزمور 44. فَقَدْ كانَ شَعْبُ اللهِ يَتَضَرَّعُ إلى اللهِ في العهدِ القديمِ لكي يُنَجِّيهِمْ لأنَّهُمْ في ضِيْق. "إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ". فقد كانوا يُعانونَ في الماضي. وكَما تَعلمونَ، فإنَّ بَني إسرائيلَ عَانَوْا على أيدي أعْدائِهِمْ مَرَّاتٍ عَديدَة. فَعَلاقَتُهُمْ باللهِ كانَتْ تَضَعُهُمْ في مَواقِفَ خَطيرَة. وقد حَدَثَ ذلكَ آنَذاك. وَهذا ما زالَ يَحْدُثُ اليوم. وحينَ يَحْدُثُ، هَلْ هُوَ كافٍ لِهَدْمِ إيمانِنا؟ أوْ لِكَسْرِ الخَتْمِ؟

إنَّ وَاحِدَةً مِنَ الدُّرَرِ الرائعةِ الَّتي أمْتَلِكُها هِيَ نُسْخَةٌ أصليَّةٌ مِنْ كِتابِ "الشُّهداء" لِفوكس (Foxe’s Book of Martyrs) في ثلاثةِ مُجَلَّداتٍ. فإنْ وَضَعْتُموهُمْ الواحِدَ فوقَ الآخَرِ فإنَّهُمْ بهذا الثُّخْنِ وبهذهِ الضَّخامةِ. إنَّها مُجَلَّداتٌ ضَخْمَة. ويَحْوي كِتابُ الشُّهداءِ لِفوكس شَهاداتِ مِئاتِ ومِئاتِ وَمِئاتِ الأشخاصِ الَّذينَ اخْتَبَروا هذهِ العمليَّةَ الَّتي وَصَفَها بولسُ للتَّوِّ هُنا قَبْلَ أنْ يَسْتَشْهِدوا بالسَّيْفِ أوْ حَرْقًا إذْ كانُوا يُحْرَقونَ عَلى عَمودٍ أوْ يُعْدَمونَ بِطُرُقٍ شَتَّى. وهذهِ الكُتُبُ تَشْهَدُ على حقيقةِ أنَّ إيمانَ هؤلاءِ لم يَسْقُطْ، ولم يَكُنْ يُمْكِنُ أنْ يَسْقُطَ لأنَّ إيمانَهُمْ هُوَ مِنَ اللهِ. فَقَدْ كانُوا يَمْلِكونَ إيمانًا خارقًا للطَّبيعةِ عَلى غِرارِ إيمانِكُمْ.

وَيُواصِلُ بُطْرُسُ حَديثَهُ قائلًا: "الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ إِنْ كَانَ يَجِبُ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ". ثُمَّ يَقولُ: "الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ". فَحَتَّى آنَذاكَ فإنَّكُمْ تُحِبُّونَهُ. فأنْتُمْ لَنْ تَنْقَلِبوا عليه، وَلَنْ تُبْغِضوهُ، بَلْ تُحِبُّونَهُ. فأنْتُمْ تُحِبُّونَهُ حَتَّى المَوتِ.

والعَدَدُ 37 يُلَخِّصُ الأمْرَ بِرُمَّتِهِ: "وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا". فنحنُ نُحِبُّهُ لأنَّهُ ماذا؟ لأنَّهُ أَحَبَّنا أوَّلًا. لذلكَ لا يُوْجَدُ ظَرْفٌ يُمْكِنُ أنْ يُحَطِّمَ هذا. ولا يُوْجَدُ ظَرْفٌ يُمْكِنُ أنْ يَفْصِلَنا عَنْ مَحَبَّةِ المسيح. ولا يُوجدُ ظَرْفُ يُمْكِنُ أنْ يَفْصِلَنا عَنْ مَحبَّةِ اللهِ. ولا يُوجدُ شَخْصٌ يَقْدِرُ أنْ يَفصلَنا عَنْ تلكَ المحبَّةِ، عَنْ مَحَبَّةِ الثَّالوثِ. فهذا غَيْرُ مُمْكِنٍ. فلا تُوجدُ قُوَّةٌ يُمْكِنُها أنْ تَقْضي على إيمانِنا. ولا تُوجدُ قُوَّةٌ يُمْكِنُها أنْ تَكْسِرَ خَتْمَ الرُّوحِ. ولا توجدُ تُهْمَةٌ ضِدَّنا لَمْ يَدْفَعِ المَسيحُ ثَمَنها بالكامِلِ. ولا تُوجدُ مَحكمةُ أَعلى مِنَ اللهِ. ولا توجدُ قُوَّةُ أعْظَمُ مِنْ الضَّمانَةِ القويَّةِ الَّتي يُوَفِّرُهُا لنا الرُّوحُ القُدُسُ. لذلكَ فإنَّهُ يَعْظُمُ انْتِصارُنا. والكلمةُ المُستخدمةُ هُنا هيَ "هوبَرنيكومَن" (hupernikomen أوْ "هوبَرنيكو" (hupernikao). وَقَدِ اشْتُقَّ الاسْمُ "نايكي" (Nike) مِنَ فِعْلٍ يُونانِيٍّ مَعْناهُ: "يَغْلِبْ" أوْ "يَنْتَصِر"، أوْ يَكونُ غالِبًا عَظيمًا أوْ مُنْتَصِرًا عَظيمًا. فنحنُ أعْظَمُ مِنْ مُنْتَصِرين. وَنَحْنُ يَعْظُمُ انْتِصارُنا - لا بِقُوَّتِنا، بل بِذاكَ الَّذي أَحَبَّنا ... بِذاكَ الَّذي أَحَبَّنا.

فالتَّجارِبُ، مَهما كانتْ قويَّة، تَفْحَصُ إيمانَنا وَتُبَرْهِنُ على صِحَّتِهِ. لذلكَ، فإنَّ ذَلِكَ يَؤولُ إلى مَصْلَحَتِنا القُصْوى وَإلى فَرَحِنا العَظيم، حَتَّى في الآلامِ الشَّديدةِ جِدًّا. وَهِيَ تَؤولُ إلى شَيءٍ آخَر. فَخِفَّةُ ضِيقَتِنَا الوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا. فهذهِ الشَّدائدُ والضِّيقاتُ تَجْعَلُ المُؤمِنَ المَسيحيَّ أكْثَرَ نُبْلًا وقُوَّةً. فَهِيَ لا تَجْعَلُهُ مُؤمِنًا ضعيفًا، بل مُؤمِنًا يَمتلكُ إيمانًا راسخًا ويَقينًا لا يَتَزَعْزَع. وهذا هُوَ البُرْهانُ على إيمانِكُمْ عِنْدَما يَخْضَعُ إيمانُكُمْ للفَحْصِ. فهذا يُثْبِتُ أنَّ إيمانَكُمْ حَقيقيٌّ. وهذهِ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ نَفْرَحُ بها. وَهِيَ تَقودُ أيضًا إلى مُكافأةٍ أعْظَم.

وقد كَتَبَ بولسُ هذهِ الكلماتِ عندما كانَ في كورِنثوس في فَصْلِ الشِّتاء. ولم تَكُنْ لدى بولُس أيّ فِكْرَة، ولم تَكُنْ لدى الكنيسةِ في رُوما أيَّ فِكرة، بأنَّهُ بَعْدَ مُرورِ وَقْتٍ قَصيرٍ فإنَّهُمْ سَيَرَوْنَهُ في هذا الموقِفِ ذاتِهِ. فَهُوَ سَيَكونُ في حاجةٍ إلى نَفْسِ هذهِ الحقائقِ المُعَزِّيَةِ الَّتي كَتَبَها في هذا الأصْحاحِ لأنَّهُ سَيَخْتَبِرُ كُلَّ الأشياءِ المَكتوبةِ في هذهِ اللَّائحةِ. وَهُوَ سَيُعْدَمُ بالسَّيفِ هذهِ المَرَّة. وسوفَ يُلْقى القَبْضُ على المُؤمِنينَ في رُوما ويَتَعَرَّضونَ للاضْطهادِ. وسوفَ تَتَضَرَّجُ رِمالُ سَاحاتِ وَمُدَرَّجاتِ رُوما العَظيمةِ بِدِماءِ الرِّجالِ والنِّساءِ. ولكِنَّ إكْرامَ المَسيحِ وَمَحَبَّةَ المَسيحِ كانَتْ آمِنَةً في عُهْدَتِهِمْ لأنَّهُمْ كانُوا آمِنينَ في عُهْدَتِهِ. وَلَمْ يَكُنْ هُناكَ مُبَرِّرٌ للخوفِ مِنْ أيٍّ مِنْ هذهِ الأشياءِ بما في ذلكَ الموت. فَقَدْ تَمَّ تَقديمُهُمْ للحَيَواناتِ المُفترِسَةِ. وقد كانُوا يَصُبُّونَ القارَ عَليهِمْ وَيُضْرِمونَ النَّارَ فيهم كما لو كانُوا مَشاعِلَ. وقد تَصارَعوا مَعَ رِجالٍ، وَوُحوشٍ، وَمَعَ شَياطينِ الجَحيم. ولكِنَّهُمْ كانُوا آمِنينَ في مَحَبَّةِ المَسيح. وقد كانُوا آمِنينَ في مَحَبَّةِ اللهِ. وقدْ كانُوا آمِنينَ في مَحَبَّةِ وَحِمايةِ الروحِ القُدُس. وَهُمْ سَيَبْقَوْنَ في مَأمَنٍ إلى أنْ يَدْخُلوا إلى المَجْد.

وَيَخْتِمُ بولسُ كَلامَهُ قائلًا: "يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا". ثُمَّ هُناكَ هذهِ الخَاتِمَة الجَميلَة في العَدَدَيْن 38 و 39 والتي لا يَنْبَغي أنْ تُفَسَّر، بَلْ يَكْفي أنْ نَقْرَأَها أوْ نُرَنِّمَها: "فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ". وماذا عَنْكَ أنْتَ؟ فَهَلْ أنْتَ مُتَيَقِّنٌ مِنْ هذا الحَقِّ العَظيمِ؟ فأنا مُقْتَنِعٌ. وَأنا واثِقٌ. وَأنا قَدْ وَصَلْتُ إلى نَتيجةٍ حاسِمَةٍ بأنَّهُ "لاَ مَوْتَ" (وَهُوَ العَدُوُّ اللَّدودُ للإنْسانِ)، "وَلاَ حَيَاةَ" (بِكُلِّ أخْطارِها، وَصُعوباتِها، وَتَجارِبِها، وَمَشاكِلِها)، "وَلاَ مَلاَئِكَةَ" (أيِ المَلائِكَةَ المُقَدَّسينَ)، "وَلاَ رُؤَسَاءَ" (أيِ الشَّياطينَ)، وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً (أيِ الآنَ أوْ في المُستقبَل). والكَلِمَة "قُوَّات" تَرِدُ بصيغةِ الجَمْعِ في العهدِ الجديدِ. وعِنْدَما تُسْتَخْدَمُ بصيغةِ الجَمْعِ في العهدِ الجديدِ، في اللُّغةِ اليونانيَّةِ، فإنَّها تُشيرُ إلى المُعْجِزاتِ، والأعمالِ العَظيمةِ، والقُوى الخارقةِ للطَّبيعَةِ. فلا شَيءَ حَتَّى الآنْ، لا مَوْتَ، وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ مُقَدَّسينَ، وَلاَ مَلائَكَةَ سَاقِطَةَ، ولا شَيءَ يَحْدُثُ الآنَ أوْ قَدْ يَحدثُ في المُستقبلِ، ولا أيَّ قُوَّةٍ خارِقَةٍ للطبيعةِ أوْ عَظيمَةٍ أوْ مَهولَةٍ، وَلاَ عُلْوَ (وَهذا تَعْبيرٌ يُشيرُ إلى النَّجْمِ في أَعْلى نُقْطَةٍ في مَدارِهِ)، "ولا عُمْقَ" (وَهَذهِ تَرْجَمَة للكلمة "باثوس" (bathos)، وَهِيَ كَلِمَة تُشيرُ إلى النَّجْمِ في أدْنى نُقْطَةٍ في مَدارِهِ). فلا شَيءَ في أعلى نُقطةٍ في الكونِ أوْ في أدْنى نُقْطَةٍ في الكَوْنِ، لا شَيءَ البَتَّة، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى. فلا شَيءَ في الحَياةِ، ولا شَيءَ في الموتِ، ولا شيءَ في عالمِ الملائكةِ، ولا شيءَ في عالمِ الشَّياطينِ، ولا شيءَ في الزَّمَنِ، ولا شيءَ في الأبديَّةِ، ولا قُوَى خَارِقَة، ولا شيءَ على الأرْضِ، ولا شيءَ في السَّماءِ مِنْ أقْصاها إلى أقْصاها - لا شيءَ البَتَّة، لا مِنَ الأشياءِ المَخلوقةِ في العالمِ المَخلوقِ بِأسْرِهِ يَقْدِرُ أَنْ يَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.

واللهُ يَقولُ في سِفْرِ إرْميا 31: 3: "مَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ". وهذا، يا أحبَّائي، لأنَّنا مَحْفوظونَ بقوَّةِ الرُّوحِ القُدُس. لذلكَ، يَجِبُ علينا أنْ نَعْبُدَهُ عَلى هذا العَمَلِ العَظيم. لِنَحْنِ رُؤوسَنا للصَّلاة:

نَشْكُرُكَ، يا رَبُّ، لأنَّنا اسْتَطَعْنا أنْ نُلقي نَظرةً على مَجْدِ خَلاصِنا بهذهِ الطريقةِ الرائعةِ مِنْ خِلالِ خِدمةِ الرُّوحِ القُدُسِ تَحْديدًا. ونحنُ نَعلمُ أنَّ المسيحَ مَضَى إلى الصَّليبِ بقوَّةِ الرُّوحِ القُدُس. وإذْ نَتَذَكَّرُ مَوْتَهُ لأجْلِنا، فإنَّنا نُريدُ أنْ نَكونَ مُمْتَنِّينَ مِنْ أعْماقِ قُلوبِنا على عَمَلِ الخَلاصِ العَظيمِ هذا الَّذي ابْتَدَأَ مِنَ الأزلِ السَّحيقِ بالاخْتيارِ، ثُمَّ بالذَّهابِ إلى الصَّليبِ، والخُروجِ مِنَ القَبْرِ، والذي أَنْشَأتَهُ فينا بواسطةِ الخِدمةِ المُستمرَّةِ للرُّوحِ القُدُسِ الحَبيب. فنَحنُ نَعْبُدُكَ يا اللهُ الآبُ، والابْنُ، والرُّوحُ القُدُسُ على هذا العملِ العَظيمِ وهذهِ النِّعمةِ العَجيبَةِ. ونحنُ نَشْكُرُكَ عليهِ. وإذْ نَتَقَدَّمُ الآنَ لِنَتَذَكَّرَ صَليبَ المَسيحِ، طَهِّرْ قُلوبَنا، وامْلأنا تَسْبيحًا – تَسْبيحًا يَليقُ بِشَخْصِكَ، يا إلَهَنا العَظيم.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize