Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أرْجو أنْ تَفْتَحُوا كَلِمَةَ اللهِ عَلى الأصْحاحِ الثَّالِثِ وَالخَمْسينَ مِنْ سِفْرِ إشَعْياء. إشَعْياء الأصْحاح 53. فَقَدِ ابْتَدَأنا مُنْذُ أُسْبوعَيْنِ في دِراسَةٍ تَمهيديَّةٍ لهَذا الأصْحاحِ. فَقَبْلَ أُسْبوعَيْنِ اسْتَعْرَضْنا الأصْحاحَ اسْتِعْراضًا عَامًّا. وَفي الأسبوعِ المَاضي (وَتَحْديدًا يَوْمَ أَحَدِ القِيامَةِ)، اسْتَعْرَضْنا مُقَدِّمَةَ الأصْحاحِ الثَّالِثِ وَالخَمْسينَ الَّتي نَجِدُها في نِهايَةِ الأصْحاحِ الثَّاني وَالخَمْسين. وَهَذا يَأتي بِنا (اليَوْم) إلى هَذا الأصْحاحِ الرَّائِعِ، إشَعْياء 53.

إنَّ هَذا النَّصَّ هُوَ مَعِيْنٌ لا يَنْضُبُ مِنَ الحَقِّ الكِتابِيِّ وَالحَقيقَة. فَكُلَّما زَادَ بَحْثي فيهِ، زَادَ عُمْقًا. وَهُوَ، في نَظَري، لا مَثيلَ لَهُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ. وَلِكَيْ نَفْهَمَهُ فإنَّنا أَمامَ تَحَدٍّ قَدْ يَسْتَغْرِقُ العُمْرَ كُلَّهُ. فَهُوَ عَميقٌ، وعال، وَمُتَّسِع الأبْعاد. وسَوْفَ أبْذُلُ كُلَّ جُهْدٍ مُمْكِنٍ لاسْتِكْشافِ كُلِّ الكُنوزِ المُخَبَّئَةِ في هَذا النَّصِّ. وَبالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فإنِّي سَأتْرُكُ لَكُمُ الكَثيرَ لِتَكْتَشِفوهُ بأنْفُسِكُمْ في دِراسَتِكُمُ المُسْتَقْبَلِيَّة. وَلَكِنْ مِنْ أجْلِ تَرْسيخِ هَذا الأصْحاحِ في أذْهانِكُمْ، أوَدُّ أنْ أَقْرَأَهُ عَلى مَسامِعِكُمْ ... ابْتِداءً بالعَدَدِ الأوَّل:

مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا.

كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟

وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ. أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا. لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ.

مَعَ أنَّ هَذا الأصْحاحَ كانَ وَما يَزالُ في نَظَرِ المُؤمِنينَ عَبْرَ القُرونِ مَصْدَرَ انْتِصارٍ وَفَرَحٍ وَبَرَكَةٍ عَميقَةٍ لأنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنْ صَليبِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، فإنَّهُ في الحَقيقَةِ أُنشْودَةٌ حَزينَةٌ. إنَّهُ نَشيدٌ حَزينٌ. إنَّهُ مَرْثاةٌ. هُوَ نَشيدٌ يُعَبِّرُ عَنِ النَّدَم، وَعَنِ الحَسْرَة. وَهُوَ نَشيدٌ حَزينٌ يُعَبِّرُ عَنِ التَّوْبَةِ. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ هَذا الأصْحاحَ يُعَبِّرُ عَنْ أعْظَمِ اعْتِرافٍ سَتَقومُ بِهِ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ في تَاريخِ العَالَمِ بِأسْرِه. وَفيما يَخْتَصُّ بِما يُعَلِّمُهُ الكِتابُ المُقَدَّسُ، هُناكَ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ سَتَرْجِعُ (بِوَصْفِها أُمَّة) إلى المَسيحِ وَهِيَ أُمَّةُ إسْرائيل. فَهَذا هُوَ وَعْدُ اللهِ لَهُمْ في المُسْتَقْبَل.

وَعِنْدَما يَرْجِعونَ إلى المَسيحِ، سَيَكونُ هَذا هُوَ إقْرارُهُمْ. وَلَعَلَّكُمْ لاحَظْتُمْ مِنْ خِلالِ قِراءَتي للنَّصِّ أنَّ الأفْعالَ في الأعْدادِ حَتَّى العَاشِرِ تَرِدُ بِصيغَةِ المَاضي. إنَّ أغْلَبِيَّةَ النَّاسِ يَنْظُرونَ إلى هَذا الأصْحاحِ بِوَصْفِهِ نُبوءَةً مُسْتَقْبَلِيَّةً عَنِ المَسيحِ. وَهَذا صَحيح. فَهُوَ يُعْطينا تَفاصيلَ كَثيرَةً عَنِ المَسيحِ وَمَوْتِهِ، وَدَفْنِهِ، وَقِيامَتِهِ، وَارْتِفاعِهِ. لِذَلِكَ فإنَّهُ، دُوْنَ شَكٍّ، نُبوءَةٌ عَنْهُ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ بِصيغَةِ المُسْتَقْبَل. فَهُوَ لَيْسَ نُبوءَةً تَنَبَّأَ بِها نَبِيٌّ عَمَّا سَيَحْدُثُ لِيَسوع. بَلْ هُوَ نُبوءَةٌ تَنَبَّأَ بِها نَبِيٌّ عَنْ خَلاصِ إسْرائيلَ في المُسْتَقْبَلِ عِنْدَما يَنْظُرونَ إلى الوَراءِ وَيَقولونَ هَذا الكَلامَ عَنِ المَسِيَّا الَّذي رَفَضُوهُ وَصَلَبوه. فَهُوَ مَرْثاةُ بَني إسْرائيلَ عِنْدَما يَنْظُرونَ إلى الوَراءِ وَيَرَوْنَ المَسِيَّا الَّذي رَفَضُوهُ لِوَقْتٍ طَويل.

إنَّ هَذِهِ أعْظَم نُبوءَةٍ في العَهْدِ القَديمِ، وَأبْعَدها نِطاقًا، وَأكْثَر نُبوءاتِ العَهْدِ القَديمِ تَفْصيلًا عَنْ مَوْتِ المَسيَّا الكَفَّارِيِّ وَالفِدائيِّ وَالبَدَلِيِّ، أيْ عَنْ مَوْتِ عَبْدِ الرَّبِّ الَّذي هُوَ يَسوع. إنَّها كَذَلِك. فَهِيَ أرْوَعُ نَظْرَةٍ إلى الصَّليبِ في العَهْدِ القَديمِ، وَإلى مَوْتِ المَسيحِ الكَفَّارِيِّ. وَلَكِنَّ قَصْدَها الأسَاسِيَّ هُوَ أنْ تَقولَ لِبَني إسْرائيلَ إنَّهُمْ سَيَرْجِعونَ في يَوْمٍ مَا في المُسْتَقْبَلِ عَنْ رَفْضِهِمْ، وَإنَّهُمْ سَيَنْظُرونَ إلى الوَراءِ إلى الإنْجيلِ وَإلى المَسِيَّا وَيُدْرِكونَ أنَّهُمْ رَفَضُوا رَجاءَهُمُ الوَحيدَ، وَمُخَلِّصَهُمُ الوَحيدَ، وَالمَسِيَّا يَسوع، وَإنَّ هَذِهِ سَتَكونُ مَرْثاتَهُمْ. فَهَذا هُوَ مَا سَيَقولونَهُ في ذَلِكَ الجِيْلِ المُسْتَقْبَلِيّ.

أجَلْ! فَقَدْ قَرَأنا في هَذا الأصْحاحِ أنَّ المَسِيَّا، عِبْد الرَّبِّ، سَيَحْمِلُ خَطِيَّةَ الخُطاةِ، وَأنَّهُ سَتَقَعُ عَلَيْهِ دَيْنونَةُ اللهِ الَّذي سَيُسَرُّ أنْ يَسْحَقَهُ، وَأنْ يَجْعَلَهُ ذَبيحَةَ إثْمٍ، وَأنْ يَجْعَلَهُ يَحْمِلُ خَطايا كَثيرين. أَجَلْ! إنَّ هَذا الأصْحاحَ يَقولُ إنَّهُ حِيْنَ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ فَإِنَّهُ سَيَموتُ (وَهُوَ أمْرٌ لا بُدَّ مِنْ حُدوثِهِ لِتَوْفيرِ غُفْرانِ الخَطايا). وَلَكِنَّهُ لَنْ يَظَلَّ مَيْتًا، بَلْ إنَّنا نَقْرَأُ أنَّهُ يَرَى نَسْلَهُ وَتَطُولُ أَيَّامُهُ، وَتُفْلِحُ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ. فَهُوَ سَيَرى نُوْرًا (بالمَعْنى الحَرْفِيِّ) وَيَشْبَعُ. فالقِيامَةُ مَذْكورَةٌ هُنا، ثُمَّ إنَّهُ سَيُمَجَّدُ. فَكُلُّ شَيءٍ مَذْكورٌ هُنا.

وَلَكِنْ يَنْبَغي أنْ تُدْرِكُوا أنَّهُ بالرَّغْمِ مِنْ أنَّ هَذا الأصْحاحَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الصَّليبِ، فإنَّهُ يَنْظُرُ إلى أحْداثِ المَاضي مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ المُسْتَقْبَلِ – أيْ إلى الوَقْتِ الَّذي سَتَتوبُ فيهِ إسْرائيلُ عَنْ رَفْضِها الطَّويلِ ليسوعَ المَسيح. وَاليَهودُ يَنْزَعِجونَ جِدًّا (مُنْذُ زَمَنِ العَهْدِ الجَديدِ) مِنْ هَذا الأصْحاحِ. جِدًّا! وَبِسَبَبِ ذَلِكَ فإنَّ هَذا الأصْحاحَ لا يُقْرَأُ في العَديدِ مِنَ المَجامِعِ اليَهودِيَّةِ أثْناءَ القِراءَةِ العَادِيَّةِ للكِتابِ المُقَدَّسِ. فَهُمْ يَتَجَنَبونَهُ. أمَّا الَّذينَ قَرَّرُوا قِراءَتَهُ وَمُواجَهَتَهُ فَيَظُنُّونَ أنَّ العَبْدَ المُتَألِّمَ هُوَ لَيْسَ المَسِيَّا وَلَيْسَ يَسوعَ، بَلْ هُوَ إسْرائيل.

فَإسْرائيلُ هِيَ العَبْدُ البارُّ المُتألِّم. إسْرائيلُ هِيَ العَبْدُ البَارُّ المُتألِّمُ الَّذي سَيُكافَأُ ذاتَ يَوْمٍ على بِرِّهِ وَآلامِهِ وَمُعاناتِهِ بأنْ يَنالَ البَرَكَةَ وَيَصيرَ بَرَكَةً للعَالَم. فَهَذِهِ هِيَ نَظْرَةُ مُعَلِّمي اليَهودِ إلى هَذا الأصْحاحِ. وَهُمْ يَنْظُرونَ إليهِ هَكَذا لأنَّهُمْ لا يُريدونَ أنْ يَكونَ يَسوع هُوَ المَقْصود. لِذَلِكَ فَقَدْ رَاحُوا يَبْحَثونَ عَنْ تَفْسيرٍ لِمُعاناةِ اليَهودِ الشَّديدَة لِوَقْتٍ طَويل. وَلِكَيْ يَنْفُوا فِكْرَةَ أنَّهُمْ تَألَّمُوا باطِلًا، فَإنَّهُمْ يَنْظُرونَ إلى هَذا الأصْحاحِ كَما لَوْ كَانَ تَكْريمًا لأُمَّةِ إسرائيلَ عَلى بِرِّها وَآلامِها الَّتي سَيُكافِئُها اللهُ عَلَيْها، وَيُبارِكُها، وَيَجْعَلُها بَرَكَةً للعَالَمَ بِأسْرِه. وَهَذا يَعْني أنَّهُمْ لا يَرَوْنَ الحَقيقَة.

وَلَكِنَّ المَقْصودَ هُنا هُوَ لَيْسَ إسْرائيل. فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكونَ هَذا هُوَ المَقْصود. فَهُمْ لَمْ يَتألَّمُوا دُوْنَ ذَنْبٍ كَما هِيَ حَالُ العَبْدِ المَذْكورِ هُنا. وَهُمْ لَمْ يَتَألَّمُوا طَوْعًا. لِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقِرُّوا بِحاجَتِهِمْ إلى شَخْصٍ يَموتُ عَنْهُمْ لِيَدْفَعُ أُجْرَةَ خَطاياهُمْ. وَلَكِنَّهُمْ لا يُبْدُونَ أيَّ اسْتِعْدادٍ للإقرارِ بِذَلِك. فَهُمْ يُريدونَ مَلِكًا وَحَاكِمًا ... (إنْ كُنْتُمْ تَذْكُرونَ ما قُلْتُهُ لَكُمْ) ... لِيُخَلِّصَهُمْ مِنْ أعْدائِهِمْ، وَمِنْ أحْوالِهِمْ، وَمِنْ مُعاناتِهِمْ. وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ خَطاياهُمْ. وَلَكِنَّهُمْ لَيْسُوا العَبْدَ البارَّ المَذْكورَ هُنا وَالذي سَيَنالُ المُكافَأةَ مِنَ اللهِ. فَما يُفَكِّرونَ فيهِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ عَقيدَةِ البِرِّ الذَّاتِيِّ وَالأعْمال. لِذَلِكَ يَنْبَغي لَهُمْ أنْ يُدْرِكُوا أنَّهُمْ تَألَّمُوا طَوالَ هَذِهِ القُرونِ دُوْنَ أنْ يَكونُوا أبْرارًا.

فَقَدْ ذَاقُوا دَيْنونَةَ اللهِ بِسَبَبِ رَفْضِهِمْ للمَسيح. وَهُمْ مَا يَزالونُ يَذوقونَ الدَّيْنونَةَ نَفْسَها حَتَّى الآن. وَهُمْ سَيَسْتَمِرُّونَ في اخْتَبارِ دَيْنونَةِ اللهِ بِسَبَبِ رَفْضِهِمْ للمَسيحِ إلى أنْ يَأتي ذَلِكَ اليَوْمُ المُسْتَقْبَلِيُّ الَّذي يَرْجِعونَ فيهِ إليهِ كَأُمَّة. وَلَكِنْ في تِلْكَ الأثناءِ، يُمْكِنُ لأيِّ شَخْصٍ يَهودِيٍّ أنْ يُؤمِنَ بالمَسيحِ. وَقَدْ فَعَلَ كَثيرونَ ذَلِك. فَهُناكَ يَهودٌ كُثُرٌ آمَنُوا بالمَسيح. وَلَكِنَّهُمْ سَيَظَلُّونَ (كَأُمَّة) تَحْتَ دَيْنونَةِ اللهِ بانْتِظارِ الخَلاصِ الَّذي سَيَتَحَقَّقُ مُسْتَقْبَلًا مَصْحُوبًا بالبَرَكَةِ النَّاجِمَةِ عَنْ تَتْميمِ جَميعِ الوُعودِ الَّتي أَعْطَاها اللهُ لإبراهيمَ وَدَاوُدَ وَالأنْبياءِ عَنْ مَجْدِ المَلَكُوت.

إنَّ هَذا لَيْسَ إعْلانًا يُمَجِّدُ إسْرائيلَ على آلامِها على اعْتِبارِ أنَّها سَتَؤولُ للبَرَكَة. بَلْ هَذِهِ نُبوءَةٌ عَنْ تَوْبَةِ إسْرائيل. فَهِيَ مَرْثاةٌ لإسرائيلَ تُعَبِّرُ فيها عَنْ حَسْرَتِها. وَهِيَ اعْتِرافٌ سَيَصْدُرُ عَنْ جِيْلٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ مِنْ بَني إسْرائيل. وَبالمَعْنى الفَرْدِيِّ، يُمْكِنُ لكُلِّ شَخْصٍ يَهودِيٍّ يَأتي إلى المَسيحِ أنْ يَجْعَلَ هَذِهِ المَرْثاةَ صَلاةً لَهُ. أمَّا بالمَعْنى القَوْمِيِّ الجَماعِيِّ فَإنَّ ذَلِكَ سَيَحْدُثُ في المُسْتَقْبَل. وَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُ سَيَحْدُث. فَكَما قُلْتُ، فإنَّ الكِتابَ المُقَدَّسَ يَعِدُ بِخَلاصِ أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ بأسْرِها فَقَط. فالأفْرادُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، وَلِسانٍ، وَقَبيلَةٍ، وَشَعْبٍ يُمْكِنُ أنْ يَنالُوا الخَلاصَ. وَلَكِنْ هُناكَ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ سَتَخْلُصُ كُلُّها وَهِيَ إسْرائيل. فَهُمْ سَيَتوبونَ في المُسْتَقْبَلِ وَيَرْجِعونَ إلى المَسيح.

لِذَلِكَ، مَعَ أنَّ هَذِهِ النُّبوءَةَ تَنْظُرُ بِعَيْنِ المُسْتَقْبَلِ إلى مَوْتِ المَسيحِ، وَقِيامَتِهِ، وَحتَّى ارْتِفَاعِهِ، وَتُعْطينا تَفاصيلَ عَنْ تِلْكَ الحَقائِقِ العَجيبَةِ، فإنَّها تَنْظُرُ بالمَعْنى الأدَقِّ إلى مَا بَعْدَ الصَّليبِ – وَتَحْديدًا إلى اهْتِداءِ إسْرائيلَ وَإلى مَا سَيَنْطِقونَ بِهِ عِنْدَما يَنْظُرونَ إلى الوَراء. وَهُناكَ أُناسٌ فَطِنُونَ (مِنْ طَلَبَةِ اللَّاهوتِ وَاللَّاهُوتِيِّينَ وَالوُعَّاظِ وَالكُتَّابِ) لا يُؤمِنونَ بالخَلاصِ المُسْتَقْبَلِيِّ لإسرائيل. وَهُمْ لا يُؤمِنونَ بأنَّ المَلَكوتَ سَيَكونُ على الأرْضِ. فَهُمْ ليسوا قَبْلَ ألْفِيِّين. وفي رَأيي أنَّهُمْ لا يستطيعونَ أنْ يُفَسِّروا هذا الأصْحاحَ لأنَّ هَذِهِ هِيَ صَلاةُ اعترافِ أُمَّةِ إسرائيلَ في زَمَنِ اهْتِدائِهِمْ مُسْتَقْبَلًا.

والآنْ، لِنُقَدِّمْ إليكُمْ الصُّورَةَ الكَبيرَةَ مَرَّةً أُخرى. فأنا لا أريدُ أنْ أُقَدِّمَ الكَثيرَ مِنَ التَّفاصيل. ولكِنْ تَذَكَّروا الآنَ أنَّ إشَعْياءَ يَعيشُ في زَمَنٍ يَسْبِقُ زَمَنَ السَّبْيِ البابِلِيِّ – أيْ قَبْلَ أنْ يُؤخَذَ اليَهودُ أَسْرى على يَدِ البابليِّينَ الوَثَنِيِّين. فَقَدِ انْقَسَمَتِ المَمْلَكَةُ بَعْدَ سُلَيْمان إلى مَمْلَكَةٍ شَمالِيَّةٍ عُرِفَتْ بإسْرائيل، وَمَمْلَكَةٍ جَنوبيَّةِ عُرِفَتْ بِيَهوذا. وَفي سَنَة 722 قَبْلَ الميلاد، تَمَّ سَبْيُ المملكةِ الشَّماليَّةِ، وكانَتْ قَدِ انْتَهَتْ مُنْذُ وَقْتٌ طَويل. وَهَا هُوَ إشَعْياءُ يَأتي وَيَتَنَبَّأُ قَبْلَ نَحْوِ سَنَة 700 مِنْ مَجيءِ المَسيح، أوْ قَبْلَ 650 سَنَة مِنْ مَجيءِ المَسيحِ، وَيَقول: "سَتَذْهَبونَ إلى السَّبْيِ أنْتُمْ أيْضًا. سَتَذْهَبونَ إلى السَّبْيِ. وَلَكِنَّكُمْ تَرْجِعونَ مِنْهُ". فَإسْرائيلُ لَمْ تَرْجِعْ (أيِ المَمْلَكَةُ الشَّمالِيَّةُ)، أمَّا أنْتُمْ فَسَتَذْهَبونَ إلى السَّبْيِ في بابِل، وَسَتَرْجِعون. وَقَدْ تَحَقَّقَتْ هَذِهِ النُّبوءَة.

لَقَدْ تَحَقَّقَتْ بَعْدَ نَحْوِ ثَمانينَ سَنَة مِنْ مَوْتِ إشَعْياء. وَقَدْ تَمَّ أوَّلُ تَرْحيلٍ عِنْدَما جَاءَ البابليُّونَ في سَنَة 603 قَبْلَ الميلاد. ثُمَّ تَمَّ تَرْحيلُ الدُّفْعَة الثَّانِيَة في سَنَة 597. وَتَمَّ تَرْحيلُ الدُّفْعَة الأخيرَة في سَنَة 586. وَقَدْ تَمَّ تَدْميرُ أورُشَليمَ، وَذَبْحُ النَّاسِ، وَتَمَّ سَبْيُ اليَهودِ مِنْ قِبَلَ الوَثَنِيِّينَ فَعَلَّقُوا أعْوادَهُمْ على الصَّفْصَافِ وَبَكَوْا لأنَّهُمْ خَسِرُوا أرْضَ المَوْعِد. وَلَكِنَّ إشَعْياءَ يَقولُ لَهُمْ إنَّ هَذا سَيَحْدُثُ، وَلَكِنَّها لَيْسَتْ نِهايَة القِصَّة. فَسَوْفَ تُرَدُّونَ. وَسَوْفَ تَرْجِعونَ. وَسَوْفَ تَعُودونَ. لِذَلِكَ فإنَّ اللهَ سَيَسْمَحُ بِسَبْيِكُمْ تاريخيًّا، ثُمَّ سَيُعيدُكُمْ. فَسَوْفَ يُحَرِّرُكُمْ. وَسَوْفَ يُنْقِذُكُمْ. وَهَذا هُوَ مَا يُرَكِّزُ عليهِ القِسْمُ الأوَّلُ في النِّصْفِ الثَّاني (أيْ في الأصْحاحات مِنْ 40 إلى 66).

فالقِسْمُ الأوَّلُ يَتَحَدَّثُ عَنِ السَّبْيِ التَّاريخيِّ الَّذي نَعْلَمُ أنَّهُ حَدَث. فَقَدْ وَقَعُوا في السَّبْيِ وَبَقَوْا مَسْبِيِّينَ 70 سَنَة. ثُمَّ عَادُوا لاحِقًا وَأعادُوا بِناءَ أنْفُسِهِمْ وَتَثْبيتَ أنْفُسِهِمْ في الأرْضِ. وَهُمْ مَا زَالوا هُناك. إنَّهُمْ مَا زَالُوا هُناك. وَقَدْ تَحَقَّقَتْ تِلْكَ النُّبوءَةُ حَرْفِيًّا كَما قالَ اللهُ إنَّها سَتَحْدُثُ. فَقَدْ قَامَ البابِلِيُّونَ بِسَبْيِهِمْ، ثُمَّ عَادُوا وَاسْتَقَرُّوا في الأرْضِ. وَالأهمُّ مِنْ ذَلِكَ هُوَ أنَّهُ بَعْدَ تِلْكَ النُّبوءَةِ الوارِدَةِ في سِفْرِ إشَعْياء فإنَّهُ يَقولُ لَهُمْ إنَّهُ سَيَكونُ هُناكَ خَلاصٌ عَظيمٌ في المُستَقبَل، بَلْ خَلاصٌ أعْظَمُ بِكَثير. وَلَكِنَّهُ ليسَ خَلاصًا مِنَ بَابِل، بَلْ هُوَ خَلاصٌ مِنَ الخَطِيَّةِ ... خَلاصٌ مِنَ الخَطِيَّة. فَسَوْفَ تَخْلُصونَ كَأُمَّة. وَسَوْفَ تَخْلُصونَ مِنَ الخَطِيَّةِ بِواسِطَةِ عَمَلِ عَبْدِ الرَّبِّ.

لِذَلِكَ فَإنَّ المَسِيَّا هُوَ الفِكْرَةُ الرَئيسيَّةُ في هَذا المَقْطَعِ العَظيمِ مِنْ سِفْرِ إشَعْياء. وَنَحْنُ نُسَمِّي الأصْحاحات 42 و 49 و 50 و 53 أَناشيدَ العَبْدِ لأنَّ هَذِهِ الأصْحاحاتِ الأرْبَعَةَ جَميعَها تَتَحَدَّثُ عَنِ المَسِيَّا وَتَصِفُهُ بأنَّهُ عَبْدُ الرَّبِّ. فَهُناكَ مَا هُوَ أهَمُّ بِكَثير مِنْ خَلاصِكُمُ الزَّمَنِيِّ وَهُوَ خَلاصُكُمُ الرُّوحِيُّ. إنَّهُ أهَمُّ بِكَثير. فَسَوْفَ تَخْلُصونَ رُوْحِيًّا. وَسَوْفَ تَخْلُصونَ أبَدِيًّا مِنَ الخَطِيَّةِ وَالدَّيْنونَةِ وَجَهَنَّم. ثُمَّ يُنْهي إشَعْياءُ نُبوءَتَهُ في الأصْحاحاتِ الأخيرَةِ بالقَوْلِ إنَّ المَلَكوتَ سَيَأتي، وَإنَّ هَذا المَلَكوتَ سَيَكونُ هَكَذا: مَلَكوتُ المَسيحِ العَظيم.

لِذَلِكَ فإنَّ هَذا الأصْحاحَ (أي الأصْحاح 53 الَّذي يَتَوَسَّطُ القِسْمَ الأوْسَطَ وَيَقَعُ في مُنْتَصَفِهِ تَمامًا كَما أَشَرْنا سَابِقًا) يُخْبِرُنا أنَّ اليَهودَ سَيَرْجِعونَ في المُسْتَقْبَلِ وَيَتوبونَ، وَيَرْجِعونَ إلى المَسيحِ، وَيَخْلُصون. وَهَذِهِ حَقيقَةٌ مُذْهِلَةٌ. وَالآنْ، أوَدُّ أنْ أَقولَ إنَّ مَوْضوعَ هَذا الأصْحاحِ هُوَ الَّذي وَرَدَ الحَديثُ عَنْهُ في الأصْحاح 52 والعَدَد 13: "عَبْدي". وبالمُناسَبَة فإنَّ اللهَ هُوَ المُتَكَلِّمُ في الأعْداد مِنْ 13 إلى 15. فاللهُ يَتَكَلَّمُ مِنْ خِلالِ إشَعْياء. ثُمَّ يَعودُ اللهُ إلى التَّكَلُّمِ مُجَدَّدًا في نِهايَةِ الأصْحاح 53. فاللهُ هُوَ المُتَكَلِّم. أمَّا في الوَسَط، فإنَّ إسْرائيلَ هِيَ الَّتي تُقِرُّ وَتَعْتَرِفُ. فاللهُ يُقَدِّمُ عَبْدَهُ وَيَتَحَدَّثُ عَنْ كَيْفَ أنَّهُ سَيُشَوَّهُ وَيُهانُ في مَوْتِهِ، وَأنَّهُ سَيَتَسَامَى فَيَنْدَهِشُ مِنْهُ مُلوكُ العَالَمِ وَأُمَمُ العَالَمِ. فالحَديثُ هُنا هُوَ عَنْ ألَمِهِ وَمَجْدِهِ.

ثُمَّ يُعْطي اللهُ الكَلِمَةَ الأخيرَةَ إذْ يَتَكَلَّمُ ثانِيَةً عَنْ مَعْنى آلامِهِ وَالمَجْدِ الَّذي يَلي ذَلِك. وَلَكِنْ في المُنْتَصَف، نَجِدُ اعْتِرافَ إسْرائيلَ المُدْهش. وَأوَدُّ أنْ أتَحَدَّثَ قَليلًا عَنِ الكَلِمة "عَبْد" (أوْ: "عَبْدي"). رُبَّما يَتَذَكَّرُ بَعْضٌ مِنْكُمْ أنِّي كَتَبْتُ قَبْلَ بِضْعَةِ أشْهُر كِتابًا بِعُنْوان "العَبْد". وَقَدْ أشَرْتُ في مَوْضِعٍ مِنَ الكِتابِ إلى أنَّ الكَلِمَةَ العِبْرِيَّةَ الَّتي تُتَرْجَمُ "عَبْد" في العَهْدِ القَديمِ هِيَ "إيبيد" (ebed)، وَأنَّ هَذِهِ الكَلِمَة اسْتُخْدِمَتْ 800 مَرَّة في العَهْدِ القَديمِ وَأنَّها الكَلِمَةُ المُسْتَخْدَمَة للإشارَةِ إلى العَبْدِ الرَّقيق. لِذَلِكَ عِنْدَما يَتَحَدَّثُ اللهُ نَفْسُهُ (لأنَّهُ المُتَكَلِّمُ في الأصْحاح 52 وَالعَدَد 13)، فإنَّهُ يَقولُ عَنِ المَسِيَّا: "عَبْدي" .. "عَبْدي".

وَلَنَتَحَدَّثْ أكْثَر عَنْ ذَلِك. فالتَّرْكيزُ فيما يَخْتَصُّ بالكَلِمَة "عَبْد" ... إنَّ التَّرْكيزَ هُنا (وَما سَأقولُهُ هُوَ كَلامٌ مُقْتَبَسٌ عَنْ أفْضَلِ عَالِمٍ للعَهْدِ القَديم وَهُوَ الدُّكتور "والتر كايزر" [Walter Kaiser] الَّذي هُوَ تِلْميذٌ نَجيبٌ لأسْفارِ العَهْدِ القَديم). يَقولُ "والتر كايزر" ما يَلي: "إنَّ التَّرْكيزَ في اسْتِخْدامِ الكَلِمَة [عَبْد] لا يَنْصَبُّ على مَكانَةِ العَبْدِ المُتَواضِعَة، بَلْ عَلى المِلْكِيَّة". فَهَذا هُوَ مَعْنى أنْ يَكونَ المَرْءُ عَبْدًا. فالكَلِمَة "عَبْدي" تَعْني أنَّ المَسِيَّا هُوَ عَبْدُ اللهِ. وَلَكِنْ مَا المَقْصُودُ بِذَلِك؟ إنَّ المَقْصودَ هُنا هُوَ أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يُقَرِّرُ كُلَّ مَا يَفْعَل. فَهُوَ لَيْسَ لَدَيْهِ إرادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ خَاصَّةٌ بِهِ. بَلْ هُوَ يَخْدِمُ حَسَبَ مَشيئَةِ اللهِ وَيَفْعَلُ مَا يَسُرُّ اللهَ.

وبالمُناسَبَة، إذا كُنْتُمْ تَظُنُّونَ أنَّ الكَلِمَة "عَبْد" هِيَ كَلِمَة مُهِيْنَة، أرْجُو أنْ تُعيدوا النَّظَرَ في ذلك. فَفي العَهْدِ القَديمِ، يُدْعى الأنْبياءُ عَبيدَ اللهِ، وَيُدْعا المُلوكُ عَبيدَ اللهِ. فَمُوْسى، مَثَلًا، دُعِيَ عَبْد اللهِ 17 مَرَّة. وَهَذا يَعْني أنَّ الأشخاصَ المُمَيَّزينَ جِدًّا هُمُ الَّذينَ يَرْتَبِطونَ باللهِ بِعلاقَةٍ كَهَذِه. وَحَتَّى المَسِيَّا في فيلبِّي 2 (إذا كُنْتُمْ تَذْكُرون): "لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ". وَالكَلِمَةُ العِبْرِيَّةُ المُسْتَخْدَمَةُ هُنا هِيَ "دُولوس" (doulos). لِذَلِكَ فإنَّ المَسِيَّا يَفْعَلُ مَشيئَةَ الآبِ ... بَلْ مَشيئَةَ اللهِ فَقَط. وَهَذِهِ هِيَ شَهادَةُ يَسوع.

وَإنْ قَرَأتُمْ إنْجيلَ يُوحَنَّا سَتُلاحِظونَ عَدَدَ المَرَّاتِ الَّتي يَقولُ فيها يَسوعُ: "أنا لا أفعلُ إلَّا مَا يُريدُني الآبُ أنْ أَفْعَل" و "أنا لا أفْعَلُ إلَّا مَا يَقولُ لي الآبُ أنْ أفْعَل" و "أنا لا أفْعَلُ إلَّا ما يَفْعَلُهُ الآبُ" و "أنا لا أفْعَلُ إلَّا ما يَرْغَبُ الآبُ أنْ أفْعَل" و "أنا أفْعَلُ مَا أفْعَل لإرْضاءِ الآبِ". وَهُوَ يُتَوِّجُ ذَلِكَ في حَياتِهِ بِقَوْلِهِ: "لِتَكُنْ لا مَشيئَتي، بَلْ مَشيئَتُك". فَهَذا هُوَ كَلامُ العَبْد. لِذَلِكَ فإنَّ المَسِيَّا يُعَرَّفُ بأنَّهُ مِلْكٌ للهِ. لِذَلِكَ فإنَّنا نَجِدُ ضَميرَ المِلْكِيَّةِ في الكَلِمَة "عَبْدي" لأنَّ المَقْصودَ هُنا هُوَ أنَّ هَذا العَبْدَ لي. وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ هُنا عَنِ المَسِيَّا. لِذلكَ فإنَّ عَبْدَ الرَّبِّ هُوَ الشَّخْصُ الَّذي سَيَتَحَدَّثُ عَنْهُ الجِيْلُ المُسْتَقْبَلِيُّ مِنَ اليَهودِ في تِلْكَ المَرْثاةِ.

وَالآنْ، نَحْنُ نَعْلَمُ مَنْ يَكون. إنَّهُ يَسوع ... إنَّهُ يَسوع. وَيُمْكِنُكَ أنْ تُجَرِّبَ أنْ تَسْألَ شَخْصًا يَهوديًّا لا يُؤمِنُ بيسوعَ السُّؤالَ التَّالي: "أوَدُّ أنْ أقْرَأَ لَكَ شَيْئًا". وَلَكِنْ لا تُخْبِرْهُ ماذا سَتَقْرَأ. ثُمَّ اقْرَأ إشَعْياء 53 وَاسْألهُ: "مَنْ هُوَ الشَّخْصُ الَّذي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ هَذا النَّصُّ؟" لَقَدْ شَهِدَ كَثيرونَ أنَّ اليَهودَ يُجيبونَ قائِلين: "حَسَنًا، إنَّه عَنْ يَسوع". حَقًّا! "وَفي رَأيِكَ، أيْنَ وَرَدَ هَذا النَّصُّ في الكِتابِ المُقَدَّسِ؟" "آه .. في إنجيل مَتَّى أوْ إنْجيل مَرْقُس!" لا، إنَّهُ في سِفْرِ إشَعْياء ... سِفْرِ إشَعْياء. إنَّ هَذا النَّصَّ يَتَحَدَّثُ بوضوحٍ عَنْ يَسوعَ المَسيح. وَلا شَكَّ أنَّهُ يُوْجَدُ في العَهْدِ الجَديدِ ثلاثونَ شَاهِدًا (صَريحًا وَضِمْنِيًّا) في الأناجيلِ وَحْدِها تُشيرُ إلى هَذا الأصْحاح. وَفي العَهْدِ الجَديدِ، يُوْجَدُ خَمْسونَ شَاهِدًا تُشيرُ إلى هَذا الأصْحاحِ. لِذلكَ مِنَ الواضِحِ أنَّ هَذِهِ النُّبوءَةَ تَتَحَدَّثُ عَنْ مَوْتِ المَسِيَّا، وقيامَتِهِ، وَتَمْجيدِهِ المُسْتَقْبَلِيِّ – أيْ عَنْ يَسوع.

وَلَكِنَّ اليَهودَ لا يُريدونَ أنْ يُصَدِّقُوا ذَلِك. وَلَكِنَّهُمْ سَيَشْهَدونَ في ذَلِكَ الجِيْلِ المُستقبليِّ. وَلنَسْتَمِعْ إلى شَهادَتِهِمْ في العَدَد 1: "مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟" وَهَذا البُكاءُ النَّابِعُ مِنْ قَلْبٍ تَائِبٍ، وَهَذا الاعْتِرافُ الَّذي يُعَبِّرُ عَنِ انْكِسارِ القَلْبِ سَيَصْدُرانِ عَنْ جِيْلٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ مِنَ اليَهودِ. وَيَنْبَغي أنْ يَصْدُرا عَنْ أيِّ يَهودِيٍّ يَأتي إلى المَسيحِ في أيِّ وَقْتٍ مِنَ الأوقاتِ. فَيَنْبَغي لِكُلِّ يَهودِيٍّ نَالَ الخَلاصَ وَانْضَمَّ إلى الكَنيسَةِ أنْ يُقَدِّمَ هَذا الاعْتِرافَ بأنَّ اليَهودَ كَانُوا وَما يَزالونَ حَتَّى الآنَ مُخْطِئِينَ فيما يَخْتَصُّ بيسوع. وَلَكِنْ عِنْدَما يَنْظُرونَ إلى الوَراءِ، فإنَّ أوَّلَ شَيءٍ سَيَقولونَهُ هُوَ: "نَحْنُ لَمْ نُؤمِنْ بِذَلِك. وَنَحْنُ لَمْ نَفْهَمْ ذلِك". فالإعْلانُ المُخْتَصُّ بيسوعَ قُوْبِلَ بِعَدَمِ إيمان ... بِعَدَمِ إيمان. وَلَكِنْ في يَوْمٍ مَا في المُسْتَقْبَل، سَتَتَغَّيرُ الحَالُ تَمامًا. كُلُّ شَيْءٍ سَيَتَغَيَّر.

وَمَتى سَيَأتي ذَلِكَ اليَوْمُ المُسْتَقْبَلِيّ؟ حَسَنًا! يُمْكِنُني أنْ أقولَ لَكُمْ مَا يَقولُهُ الكِتابُ المُقَدَّسُ عَنْ ذَلِك. افْتَحوا عَلى زَكَرِيَّا 12. زَكَرِيَّا، الأصْحاح 12. فَقَدْ جَاءَ زَكَرِيَّا قَبْلَ 500 سَنَة مِنْ مَجيءِ المَسيح، وَرُبَّما بَعْدَ نَحْوِ 150 سَنَة مِنْ إشَعْياء. وَكانَ اليَهودُ قَدْ ذَهَبُوا إلى السَّبْيِ البابِلِيِّ وَرَجَعُوا مِنْهُ. وَكانُوا قَدْ أعادُوا البِناءَ وَأعادُوا تَثْبيتَ جُذورِهِمْ في الأرْض. وَقَدْ أَقامَ اللهُ هَذا النَّبِيَّ الَّذي يُدْعى زَكَرِيَّا. وَهُوَ يَتَطَلَّعُ إلى ذَلِكَ الحَدَثِ المُسْتَقْبَلِيِّ. الأصْحاح 12 وَالعَدَد 1: "وَحْيُ كَلاَمِ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ". إذًا سَوْفَ تَكونُ هَذِهِ نُبوءَة تَخْتَصُّ بِمُسْتَقْبَلِ إسْرائيل. وَهِيَ نُبوءَةٌ مَصْدَرُها ... إنَّها نُبوءَةٌ آتِيَةٌ مِنْ مَصْدَرٍ مَوْثوقٍ: "يَقُولُ الرَّبُّ بَاسِطُ السَّمَاوَاتِ وَمُؤَسِّسُ الأَرْضِ وَجَابِلُ رُوحِ الإِنْسَانِ فِي دَاخِلِهِ". حَسَنًا؟

إذًا نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ النُّبوءَةَ لَمْ تَأتِ مِنْ أيِّ مَصْدَرٍ بَشَرِيٍّ. حَسَنًا؟ فَهَذا كَلامُ اللهِ الخَالِق. "هأَنَذَا أَجْعَلُ أُورُشَلِيمَ كَأْسَ تَرَنُّحٍ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ حَوْلَهَا". ثُمَّ في العَدَد 3: "وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنِّي أَجْعَلُ أُورُشَلِيمَ حَجَرًا مِشْوَالاً (أيْ: ثَقيلًا) لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ، وَكُلُّ الَّذِينَ يَشِيلُونَهُ يَنْشَقُّونَ شَقًّا". بِعِبارَةٍ أُخرى، إنْ حَاوَلَ أَحَدٌ أنْ يُؤذِيَ أورُشَليمَ فَإنَّها سَتُؤذِيهُ. فَهُوَ سَيَتَأذَّى وَيَتَرَنَّحُ كالسَّكْرانِ إنْ حَاوَلَ إيذاءَ أورُشَليم. وَلَكِنْ ما الَّذي يَقْصِدُهُ الرَّبُّ هُنا؟ نِهايَةُ العَدَد 2: حِصارٌ عَلى أورُشَليم وَيَهوذا. فَيَهوذا هِيَ المُحيطُ الخَارِجِيُّ، وَأوُرُشَليمُ هِيَ المَدينَةُ الرَّئيسيَّة. وَمِنْ أيْنَ يَأتي هَذا الحِصار؟ نِهايَةُ العَدَد 3: "وَيَجْتَمِعُ عَلَيْهَا كُلُّ أُمَمِ الأَرْضِ".

يا للهَوْل! فَالعَالَمُ كُلهُ سَيُهاجِمُ إسْرائيل. هَلْ يَبْدو ذَلِكَ بَعيدَ الاحْتِمالِ أَمْ مُحْتَمَلٌ جِدًّا؟ وَعِنْدَما يَشُنُّونَ هُجومَهُمْ فإنَّ الرَّبَّ سَيَحْمي شَعْبَهُ. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُ يَقولُ في العَدَد 6: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَجْعَلُ أُمَرَاءَ يَهُوذَا كَمِصْبَاحِ نَارٍ بَيْنَ الْحَطَبِ ..." (وَهُوَ يَتَحَدَّثُ هُنا عَنِ الشَّعْبِ المَوْجودِ في المَناطِقِ الرِّيفِيَّةِ دُوْنَ حِمايَة) "وَكَمِشْعَلِ نَارٍ بَيْنَ الْحُزَمِ. فَيَأْكُلُونَ كُلَّ الشُّعُوبِ حَوْلَهُمْ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الْيَسَارِ، فَتَثْبُتُ أُورُشَلِيمُ أَيْضًا فِي مَكَانِهَا بِأُورُشَلِيمَ". لِذَلِكَ، عِنْدَما يَشُنُّ الأعْداءُ هُجومَهُمْ، سَيَأتونَ دُوْنَ شَكٍّ عَبْرَ الرِّيْفِ. وَحِيْنَ يَأتُونَ مِنَ الرِّيْفِ سَيَحْرِقُهُمُ الرَّبُّ وَهُمْ في طَريقِهِمْ إلى أورُشَليم.

ثُمَّ نَقْرَأُ في العَدَد 8: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَسْتُرُ الرَّبُّ سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ". ثُمَّ في العَدَد 9: "وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنِّي أَلْتَمِسُ هَلاَكَ كُلِّ الأُمَمِ الآتِينَ عَلَى أُورُشَلِيمَ". أتَسْمَعونَ هَذا أيُّها الأُمَم؟ هَلْ تُريدونَ أنْ تُوَجِّهُوا أسْلِحَتَكُم النَّوَوِيَّة إلى إسْرائيل؟ وَهَلْ تُريدونَ أنْ تُوَجِّهُوا صَواريخَكُمْ إلى أورُشَليم؟ سَوْفَ يَأتي وَقْتٌ يَتَّحِدُ فيهِ العَالَمُ ضِدَّ إسْرائيل. فَهُناكَ حَرَكَةٌ إسْلامِيَّةٌ ضَخْمَةٌ سَتَأتي مِنْ أوروبا وَتُحاصِرُ إسْرائيلَ مِنَ الشَّرْقِ، وَمِنَ الشَّمالِ، وَمِنَ الجَنوبِ. وَهِيَ خَطَرٌ لا يَسْتَوْعِبُهُ عَقْلٌ. فَإنْ حَلَّقْتَ في طَائِرَةٍ نَفَّاثَةٍ فَوْقَ البَحْرِ الأبْيَضِ المُتَوَسِّطِ وَوَصَلْتَ إلى إسْرائيل، يَنْبَغي لَكَ أنْ تَسْتَديرَ بَعْدَ دَقيقَتَيْنِ وَإلَّا فإنَّكَ سَتَصِلُ بِسُرْعَة إلى الحُدودِ الشَّرْقِيَّةِ لإسرائيلَ لأنَّها صَغيرَةٌ جِدًّا.

إنَّهُمْ تَحْتَ حِصارٍ مِنَ العَالَم. فالعَداءُ للصِّهْيُونيَّةِ مُسْتَفْحِلٌ. وَحَتَّى في أوروبا (حَيْثُ لا يُريدُ النَّاسُ أنْ يَكونوا مُعادِيْنَ للسَّامِيَّةِ لأنَّ هَذا ليسَ صَحيحًا سِياسِيًّا وَلأنَّ ذَلِكَ مُعادٍ لليَهودِ)، فإنَّهُمْ يَتوقونَ إلى أنْ يَكونُوا مُعادينَ للصَّهايِنَةِ ومُعارِضينَ لِدَوْلَةِ إسْرائيل. وَالعَالَمُ كُلُّهُ كَذَلِك. فالعالَمُ الشِّرِّيرُ يُرَكِّزُ عَداوَتَهُ على إسْرائيل. لِذَلِكَ، عِنْدَما تَزْدادُ حَالَةُ الإحْباطِ، مَنْ يَدْري كَيْفَ سَيَبْتَدِئُ الهُجومُ! فَقَدْ تُطْلِقُ إسْرائيلُ قُنْبُلَةً ذَرِّيَّةً عَلى إيرانِ تَحَسُّبًا. وَقَدْ تُطْلِقُ إيرانُ قُنْبُلَةً ذَرِّيَّةً على إسْرائيل. فَمَنْ يَدْري كَيْفَ سَيَكونُ السِّيناريو! وَلَكِنْ عِنْدَما تَشُنُّ تِلْكَ الأُمَمُ الحَرْبَ على إسْرائيل، فإنَّنا نَقْرَأُ في العَدَدِ العَاشِرِ إنَّها سَتَكونُ اللَّحْظَة الحَاسِمَة: "وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ ..." (وَهَذِهِ تَعْبيراتُ تُشيرُ إلى إسْرائيل) "... رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ ..." (في تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أوْ في تِلْكَ السَّاعاتِ، أوِ الأيَّامِ، أوْ أيَّا كَانَتْ، أوْ رُبَّما في تِلْكَ الأسابيع، أيًّا كانَتْ) " وَأُفِيضُ ... [رُوْحي] ... رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ. فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ ...".

وَحينئذٍ (يَقولُ الرَّبُّ) إنَّهُمْ سَيَنْظُرونَ "إلَيَّ" لأنِّي مُتَجَسِّدٌ في المَسيحِ. فَقَدْ طَعَنوهُ (أيْ: طَعَنوني). فَهُوَ يَقولُ أيْضًا: "فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ. وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ". ثُمَّ نَقْرَأُ في العَدَد 11 أنَّهُ سَيَكونُ هُناكَ نَوْحٌ عَظيمٌ لأنَّ الأرْضَ سَتَنوحُ. وَنَقْرَأُ في العَدَد 12 أنَّ العائِلاتِ وَالزَّوْجاتِ وَالأزْواجَ وَالجَميعَ سَيَنوحونَ مُنْفَرِدينَ وَمُجْتَمِعينَ. فالكُلُ سَيَبْكي وَيَنوحُ تَحْتَ الحِصارِ إذْ يَرَوْنَ أنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنْهُمْ مبْدَئِيًّا. ثُمَّ "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ ..." (الأصْحاح 13 والعَدَد 1) "... يَكُونُ يَنْبُوعٌ مَفْتُوحًا لِبَيْتِ دَاوُدَ وَلِسُكَّانِ أُورُشَلِيمَ لِلْخَطِيَّةِ وَلِلْنَجَاسَةِ". واليَنْبوعُ هُوَ لِتَطْهيرِهِمْ. والحَديثُ هُنا هُوَ عَنْ خَلاصِهِمْ.

وَمَتى سَيَحْدُثُ ذلك؟ في الأيَّامِ الأخيرةِ عندما تكونُ إسرائيلُ تحتَ حِصارٍ شَديدٍ مِنَ الأُمَم. في تلكَ السَّاعةِ سيكونونَ عاجِزينَ عَنِ الدِّفاعِ عَنْ أنفُسِهِم. وَلَنْ يكونَ لَدَيْهِمْ مَكانٌ يَهْرُبونَ إليهِ. فَسَوْفَ يَكونُ رَجاؤُهُمُ الوَحيدُ هُوَ الله. وَبِفَضْلِ النِّعْمَةِ الغَنِيَّةِ فإنَّ الرُّوحَ سَيَحِلُّ (وَهُوَ رُوْحُ النِّعْمَةِ الَّذي يَسْمَعُ التَّضَرُّعاتِ) فَيُغَيِّرُ قُلوبَهُمْ. وَحينئذٍ سيَنظرونَ إلى الوَراءِ، وَيُقَلِّبونَ صَفَحاتِ التَّاريخِ، وَيَنْظُرونَ إلى الَّذي طَعَنوهُ فَتَكونُ كَلِماتُ اعْتِرافِهِمْ هِيَ الكَلِماتُ الَّتي وَرَدَتْ في إشَعْياء 53. وَسَوْفَ يَنوحونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ على وَحيدِهِ. فَهُمْ سَيَنوحونَ على ابْنِ اللهِ الوَحيدِ، أيِ المَسِيَّا. وَلَكِنْ هَلْ سَتَنوحُ الأُمَّةُ كُلُّها؟ هَلْ سَيَنوحُ كُلُّ يَهودِيٍّ؟ لا! فَإنْ رَجَعْنا إلى العَدَدِ الثَّامِنِ مِنَ الأصْحاح 13، نَقْرَأُ: "وَيَكُونُ فِي كُلِّ الأَرْضِ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَنَّ ثُلْثَيْنِ مِنْهَا يُقْطَعَانِ وَيَمُوتَانِ ...".

فَعِنْدَما تَشُنُّ الأُمَمُ هُجومَها فإنَّ الثُّلْثَيْنِ سَيَموتانِ دُوْنَ أنْ يُؤمِنَا. "... وَالثُّلْثَ يَبْقَى فِيهَا. "وَأُدْخِلُ الثُّلْثَ فِي النَّارِ، وَأَمْحَصُهُمْ كَمَحْصِ الْفِضَّةِ، وَأَمْتَحِنُهُمُ امْتِحَانَ الذَّهَبِ. هُوَ يَدْعُو بِاسْمِي وَأَنَا أُجِيبُهُ. أَقُولُ: هُوَ شَعْبِي، وَهُوَ يَقُولُ: الرَّبُّ إِلهِي". هَذا هُوَ خَلاصُ إسْرائيل. وَهَذا الخَلاصُ سَيَأتي لأنَّهُمْ سَيَنْظُرونَ إلى الوَراءِ إلى الَّذي طَعَنوه. فَقَدْ ثَقَبُوا قَدَمَيْهِ، وَثَقَبُوا يَدَيْهِ، وَطَعَنوهُ في جَنْبِهِ. ولَكِنَّهُمْ يَبْتَدِئونَ في النَّظَرِ إلى اللهِ بِسَبَبِ يَأسِهِمْ. فَفي وَسَطِ الأهْوالِ النَّاجِمَةِ عَنِ الهُجومِ العَالَمِيِّ، سَيَحِلُّ الرُّوحُ عَلَيْهِمْ. وَسَوْفَ يُدْرِكُ ثُلْثُهُمْ أنَّهُمْ طَعَنوا المَسِيَّا. وَسَوْفَ يَنْظُرونَ إلى الوَراءِ إلى المَسيحِ فَيَرَوْنَهُ في كُلِّ جَمالِهِ وَيُدْرِكونَ حَقيقَةَ مَوْتِهِ وَقِيامَتِهِ. وَحينئذٍ سَيخْلُصون.

وَسَوْفَ يُفْتَحُ يَنْبوعٌ لِتَطْهيرِهِمْ مِنَ الخَطِيَّةِ وَمِنَ النَّجاسَةِ. وَسَوْفَ يَحْظَى ثُلْثُهُمْ بالحِمايَةِ في مَعْرَكَةِ هَرْمَجَدُّون العَظيمَة. وَسَيكونونَ الخِرافَ الَّتي سَتَدْخُلُ المَلَكوتَ - كَما قَالَ الرَّبُّ. وَحينئذٍ سَيُقيمُ الرَّبُّ المَلَكوتَ. ثُمَّ في الأصْحاح 14: "هُوَذَا يَوْمٌ لِلرَّبِّ يَأتِي ... (حِيْنَ يُقيمُ الرَّبُّ مَلَكوتَهُ) "... وَأَجْمَعُ كُلَّ الأُمَمِ عَلَى أُورُشَلِيمَ لِلْمُحَارَبَةِ ..." (إشارَةً إلى مَعْرَكَةِ هَرْمَجَدُّون حَيْثُ سَيَقْضي عَلى الأشْرارِ جَميعًا). ثُمَّ في العَدَد 3: "فَيَخْرُجُ الرَّبُّ وَيُحَارِبُ تِلْكَ الأُمَمَ ..." (إشارَةً إلى المَجيءِ الثَّاني). "وَتَقِفُ قَدَمَاهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ ... فَيَنْشَقُّ جَبَلُ الزَّيْتُونِ مِنْ وَسَطِهِ نَحْوَ الشَّرْقِ وَنَحْوَ الْغَرْبِ وَادِيًا عَظِيمًا جِدًّا" (إشَارَةً إلى تَأسيسِ مَلَكوتِهِ).

"وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ نُورٌ" (إذْ إنَّ نُوْرَ الكَواكِبِ سَيَتلاشَى). وَلَعَلَّكُمْ تَذْكُرونَ في سِفْرِ الرُّؤيا أنَّ الشَّمْسَ سَتَنْطَفِئ. وَنَقْرَأُ في سِفْرِ يُوئيل الشَّيءَ نَفْسَهُ. فالقَمَرُ سَيَنْطَفِئ، وَالنُّجومُ سَتَنْطَفِئُ. وَيَسوعُ سَيَظْهَرُ في مَجْدٍ عَظيمٍ في السَّماءِ. وَقَدْ تَحَدَّثَ الرَّبُّ عَنْ ذَلِكَ في إنْجيل مَتَّى 24 و 25 أيْضًا. إنَّهُ يَوْمٌ مُمَيَّزٌ لا يَعْرِفُ مَوْعِدَهُ إلَّا الرَّبُّ فَقَط. وَهُوَ لَنْ يَكونَ نَهارًا وَلا لَيْلًا. وَلَكِنَّهُ سَيَأتي. وَالرَّبُّ وَحْدُهُ يَعْرِفُ الوَقْتَ. فَلا أَحَدَ يَعْرِفُ اليَوْمَ أوِ السَّاعَة. أليسَ كَذَلِك؟ ثُمَّ نَقْرَأُ في العَدَد 9 تَلْخيصًا لِهَذا كُلِّهِ: "وَيَكُونُ الرَّبُّ مَلِكًا عَلَى كُلِّ الأَرْضِ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ الرَّبُّ وَحْدَهُ وَاسْمُهُ وَحْدَهُ". وَهَذا هُوَ المُلْكُ الألْفِيُّ الَّذي سَيَمْلِكُ فيهِ وَيَحْكُمُ بِعَظَمَةٍ.

وَقَدْ رَأى حِزْقِيالُ الشَّيءَ نَفْسَهُ. أرْجو أنْ تَفْتَحوا الكِتابَ المُقَدَّسَ عَلى هَذا السِّفْرِ قَليلًا. فَلا وَقْتَ لَدَيْنا للنَّظَرِ إلى كُلِّ مَا جَاءَ فيه. وَلَكِنْ افْتَحُوا على حِزْقِيَال 38. فالنَّبِيُّ حِزْقِيَال يَتَلَقَّى (في الأصْحاح 38) كَلِمَةً مِنَ الرَّبِّ. وَإنْ كَانَ لَدَيْكُمْ "تَفْسيرُ الكِتابِ المُقَدَّسِ" لـِ "جُوْن مَاك آرْثَر"، يُمْكِنُكُمْ أنْ تَقرأوا جَميعَ المُلاحَظاتِ التَّفسيريَّةِ وَأنْ تَجِدُوا كُلَّ هَذِهِ الآيات. وَلَكِنْ هُناكَ تَحالُفٌ للأُمَمِ الشَّرْقِ أوْسَطِيَّة ضِدَّ إسرائيل. وَهَذا هُوَ المَشْهَدُ نَفْسُهُ. وَإنْ بَحَثْتُمْ عَنْ خَلْفِيَّةِ الأحْداثِ سَتَجِدونَ أنَّ هَذِهِ أماكِنَ كَإيران، وَمِصْر، وليبيا، وَإثيوبيا، وأرْمينيا، وَالأجزاءُ الشَّرقيَّة والغَربيَّة مِنْ تُرْكيَّا. فَهَذِهِ الأُمَمُ جَميعُها سَتَتَّحِدُ مَعًا.

أَجَلْ، سَوْفَ يَتَّحِدُ الشَّرْقُ الأوْسَطُ كُلُّهُ ضِدَّ إسْرائيل. "وَتَصْعَدُ وَتَأتِي كَزَوْبَعَةٍ ..." (العَدَد 9)، "... وَتَكُونُ كَسَحَابَةٍ تُغَشِّي الأَرْضَ أَنْتَ وَكُلُّ جُيُوشِكَ وَشُعُوبٌ كَثِيرُونَ مَعَكَ". وَهَذا هُوَ نَفْسُ الحَدَثِ الَّذي تَحَدَّثَ عَنْهُ زَكَرِيَّا. فَسَوْفَ يَكونُ هُناكَ هُجومٌ عَالَمِيٌّ شَامِلٌ. وَسَوْفَ يَظُنُّ هَؤلاءِ أنَّهُمْ سَيَصْعَدونَ على أرْضٍ لا تُحيطُ قُراهَا أسْوارٌ (في العَدَد 11) لأنَّها أرْضٌ عَراءٌ. وَلَكِنَّ الرَّبَّ لَنْ يَسْمَحَ بِحُدوثِ ذَلِكَ. فالرَّبُّ سَيَحْمي شَعْبَهُ.

وَكَمْ كُنْتُ أَتَمَنَّى لَوْ نَسْتَطيعُ أنْ نَتَأمَّلَ في جَميعِ التَّفاصيلِ هُنا. وَلَكِنْ لأنَّنا لا نَمْلِكُ الوَقْتَ الكَافي، أرْجُو أنْ تَفْتَحوا على الأصْحاح 39 وَالعَدَد 29. فَهَذِهِ أقْرَبُ آيَةٍ لِفَهْمِ مَا يَجْري. وَلَكِنْ لِنَرْجِعْ إلى العَدَد 7 لأنِّي لا أسْتَطيعُ أنْ أُقاوِمَ ذَلِك. فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذي يَدينُ فيهِ الرَّبُّ جَميعَ هَذِهِ الأُمَم، نَقْرَأُ في العَدَد 4 أنَّهُمْ سَيَسْقُطونَ على جِبالِ إسْرائيل: "فَتَسْقُطُ عَلَى جِبَالِ إِسْرَائِيلَ أَنْتَ وَكُلُّ جَيْشِكَ وَالشُّعُوبُ الَّذِينَ مَعَكَ. أَبْذُلُكَ مَأْكَلاً لِلطُّيُورِ الْكَاسِرَةِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ وَلِوُحُوشِ الْحَقْلِ". فالرَّبُّ سَيُفْني هَذِهِ الأُمَم.

العَدَد 7: "وَأُعَرِّفُ بِاسْمِي الْمُقَدَّسِ فِي وَسْطِ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ ..." (وَهَذِهِ إشَارَةٌ أُخرى إلى خَلاصِهِمْ كَما تَرَوْنَ). "وَأُعَرِّفُ بِاسْمِي الْمُقَدَّسِ فِي وَسْطِ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ، وَلاَ أَدَعُ اسْمِي الْمُقَدَّسَ يُنَجَّسُ بَعْدُ، فَتَعْلَمُ الأُمَمُ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ. هَا هُوَ قَدْ أَتَى وَصَارَ". فَهَذا هُوَ مَا سَيَحْدُثُ. العَدَد 21: "وَأَجْعَلُ مَجْدِي فِي الأُمَمِ، وَجَمِيعُ الأُمَمِ يَرَوْنَ حُكْمِي الَّذِي أَجْرَيْتُهُ، وَيَدِي الَّتِي جَعَلْتُهَا عَلَيْهِمْ". ثُمَّ كَمْ أُحِبُّ مَا جَاءَ في العَدَد 22: "فَيَعْلَمُ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُهُمْ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِدًا". ثُمَّ نَقْرَأُ في العَدَد 29: "وَلاَ أَحْجُبُ وَجْهِي عَنْهُمْ بَعْدُ ...". يا للعَجَب! فاللهُ كَانَ يَحْجُبُ وَجْهَهُ عَنْهُمْ. "... لأَنِّي سَكَبْتُ رُوحِي ["رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ" كَما جَاءَ في زَكَرِيَّا 12: 10] عَلَى بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ".

لِذَلِكَ، هَلْ فَهِمْتُمْ مَا يَجْري؟ فَهَذِهِ نُبوءاتٌ عَمَّا سَيَجْري. وَالآنْ لِنَرْجِعْ إلى إشَعْياء 53. وَلَكِنْ هَلْ هَذا سَيَحْدُثُ قَريبًا؟ الحَقيقَةُ هِيَ أنَّ إسْرائيلَ هِيَ مَحَطُّ الأنْظارِ في الشَّرْقِ الأوْسَطِ. إنَّها الهَدَفُ. فالعَدُوُّ وَأُمَمُ العَالَمِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى مَا يَبْدو في السَّخَطِ على إسْرائيل. وَالأُمَمُ الَّتي كانَتْ ذَاتَ يَوْمٍ صَديقَةً عَظيمَةً لإسرائيلَ وَمُدافِعَةً عَنْها، يَبْدو أنَّها لَمْ تَعُدْ كَذَلِكَ. وَهذا يَشْمَلُ أُمَّتَنا أيْضًا. فَالعَالَمُ مُنْقادٌ وَراءَ الدَّعايَةِ الإسْلامِيَّةِ والتَّوسُّعِ الإسْلامِيِّ. وَالعَداءُ للصِّهْيونِيَّةِ يَتَعاظَمُ بِسُرْعُة. وَإسْرائيلُ تَخْسَرُ حِمايَةَ أنْصارِها. بَلْ إنَّها رُبَّما تَخْسَرُ حِمايَةَ بَلَدِنا. لِذَلِكَ فإنَّ الحَرْبَ ضِدَّ إسْرائيلَ (كَما يَراها النَّبِيُّ زَكَرِيَّا، وَكَما يَراها النَّبِيُّ حِزْقِيال) لَيْسَتْ أمْرًا مُسْتَبْعَدًا. وَكَثيرًا ما أُفَكِّرُ قائِلًا: "كَيْفَ نُغْمِضُ أعْيُنَنا عَنْ هَذِهِ الحَقيقَة؟" وَما أعْنيهِ هُوَ: إنْ كانَ العَالَمُ كُلُّهُ سَيَتَّحِدُ ضِدَّ الأرْجَنْتين فإنَّ هَذِهِ سَتَكونُ مُشْكِلَة! لأنَّ هَذا غَيْر مَذْكورٍ في الكِتابِ المُقَدَّس. وَلَكِنَّ هَذا الحَدَثَ مَذْكورٌ فيه. فَهَلْ هَذِهِ مُصادَفَةٌ غَريبَةٌ؟

وَلَكِنْ عِنْدَما يَأتي ذَلِكَ اليَوْم ... لِنَعُدْ إلى إشَعْياء 53 لِنُفَسِّر آيَةً وَاحِدَةً عَلى الأقَلّ! عِنْدَما يَأتي ذَلِكَ اليَوْم، سَيَكونُ هَذا ... سَيَكونُ هَذا هُوَ رَدُّهُمْ. العَدَد 1، وَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ رَائِعَةٌ: "مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟" فَأوَّلُ شَيءٍ سَيَقولونَهُ هُوَ: "نَحْنُ لَمْ نُصَدِّقْ ذَلِك. وَلَمْ نُؤْمِنْ بِذَلِك. خَبَر؟ ما الَّذي تَتَحَدَّثونَ عَنْهُ؟ أيُّ خَبَر؟" إنَّهُ الخَبَرُ المُخْتَصُّ بالمَسيحِ يَسُوع. إنَّهُ الخَبَرُ المُخْتَصُّ بِعَبْدِ الرَّبِّ، المَسيحِ يَسوع: اتِّضاعِهِ، وَمَوْتِهِ، وَدَفْنِهِ، وَقِيامَتِهِ، وَصُعودِهِ، وَشَفاعَتِهِ، وَتَمْجيدِهِ. إنَّها رِسالَةُ الإنْجيل.

وَلَكِنْ ما الَّذي يَقصدونَهُ بِـ "خَبَرِنا"؟ هَذا مُهِمٌّ جِدًّا. فالكَلِمَة في العِبْرِيَّة لا تُشيرُ إلى رِسَالةٍ قَدَّمْناها، مَعَ أنَّهُ كانَ هُناكَ يَهودٌ كَرَزُوا بِها. فالأنبياءُ جَميعًا كانُوا يَهودًا تَنَبَّأُوا بِها. وَقَدْ كانَ يُوحَنَّا المَعْمَدانُ يَهودِيًّا عَيَّنَ هُوِيَّةَ يَسوع. وَيَسوعُ كانَ يَهودِيًّا. وَجَميعُ الرُّسُلِ كانُوا يَهودًا. وَجميعُ كُتَّابِ الأناجيلِ كَانُوا يَهودًا. وَجَميعُ كُتابِ العَهْدِ الجَديدِ كَانُوا يَهودًا. لِذَلِكَ، فإنَّها في الأصْلِ رِسالَة مِنَ اليَهودِ إلى اليَهود.

وَلَكِنَّ هَذا ليسَ المَقْصودَ بالكَلِمَة "خَبَر" هُنا لأنَّ الضَّمير المُتَّصِل في الكَلِمَة "خَبَرَنا" لا يُشيرُ إلى ما قَدَّمْناهُ، بَلْ إلى مَا تَلَقَّيْناهُ. والجُمْلَةُ تَأتي في صِيْغَةِ المَبْني للمَجْهولِ إشارَةً إلى الرِّسالَةِ، وَهِيَ تَعْني حَرْفِيًّا: "مَنْ صَدَّقَ الخَبَرَ الَّذي سَمِعْناهُ نَحْنُ؟" هَذا هُوَ المَقْصودُ بِهَذِهِ الكَلِمَة. فالصِّيغَةُ تُشيرُ إلى ما سَمِعْناهُ. وَهَذا اعْتِرافٌ بأنَّنا سَمِعْناهُ. وَلَكِنَّنا لَمْ نُؤْمِنْ بِهِ. فالخَبَرُ يُنْظَرُ إليهِ هُنا لا مِنْ زَاوِيَةِ المُتَكَلِّمينَ، بَلْ مِنْ زَاوِيَةِ السَّامِعين. لِذَلِكَ فإنَّهُ الخَبَرُ المُخْتَصُّ بيسوعَ المَسيحِ، والَّذي سَمِعْناهُ مِنْ جِهَةِ آلامِهِ وَمَجْدِه.

والآنْ، أرْجُو أنْ تُصْغُوا جَيِّدًا. في نِهايَةِ المَطافِ فإنَّ كُلَّ يَهودِيٍّ في العَالَمِ مُنْذُ زَمَنِ العَهْدِ الجَديدِ قَدْ سَمِعَ رِسالَةَ يَسوعَ لِكَيْ يَرْفُضَها. أليسَ كَذَلِك؟ وَما أعْنيهِ هُوَ أنَّ المؤسَّسَةَ الدِّينيَّةَ اليَهودِيَّةَ كانَتْ وَما تَزالُ مُنْهَمِكَةً في تَكْذيبِ رِسالَةِ يَسوعَ، وَهِيَ تُنادي بالخَبَرِ لِكَيْ تُكَذِّبَهُ. فَرُبَّما لا تُوْجَدُ جَماعَةٌ أُخرى مِنَ النَّاسِ (أوْ مَجْموعَةٌ عِرْقِيَّةٌ أُخرى) سَمِعَتْ رِسالَةَ الإنْجيلِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ المُكَثَّفَةِ أكْثَرَ مِنَ اليَهودِ. وفي نِهايَةِ المَطافِ فَإنَّ كُلَّ يَهودِيٍّ يَعْرِفُ التَّاريخَ اليَهودِيَّ. وَهُمْ يَعْرِفونَ العَهْدَ القَديمَ وَالأنْبياء. وَهُمْ يَعْرِفونَ تَاريخَ العَهْدِ الجَديدِ المُخْتَصَّ بيسوع. وَهُمْ لَدَيْهِمْ رَأيٌ في ذَلِك. وَسَوْفَ أُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ في العِظَةِ القَادِمَة. فَهُمْ لَدَيْهِمْ رَأيٌ في مَنْ يَكونُ يَسوع. وَهُوَ لَيْسَ رَأيًا حَسَنًا أو جَيِّدًا.

لِذَلِكَ عِنْدَما تَنْظُرُ البَقِيَّةُ مِنْهُمْ في المُسْتَقْبَلِ إلى الوَراءِ، سَيَقولونَ: "مَنْ صَدَّقَ الخَبَرَ الَّذي سَمِعْناه؟" لأنَّهُمْ سَمِعُوهُ. وَالرَّسُولُ بولُسُ فَهِمَ مَعْنى هَذا الإقْرارِ لأنَّهُ يُشيرُ إليهِ في الأصْحاحِ العَاشِرِ مِنْ رِسالَتِهِ إلى أهْلِ رُومية. فَهُوَ يَكْتُبُ في رُومية 10: 11: "لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ: «كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى». لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ، لأَنَّ رَبًّا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ، غَنِيًّا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ. لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ»." ثُمَّ يَقولُ: "فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟"

لِذَلِكَ فإنَّنا أمامَ مُشْكِلَةٍ. فالنَّاسُ لا يُمْكِنُ أنْ يُؤمِنُوا مَا لَمْ يَسْمَعُوا. وَلا يُمْكِن أنْ يَسْمَعُوا مَا لَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ للكِرازَة. وَهُمْ لا يَذْهَبونَ للكِرازَةِ إنْ لَمْ يُرْسَلُوا. وَهَذا صَحيحٌ عَامَّةً. وَلَكِنَّنا نَقْرَأُ في العَدَد 16 إشارَةً إلى اليَهودِ: "لكِنْ لَيْسَ الْجَمِيعُ قَدْ أَطَاعُوا الإِنْجِيلَ، لأَنَّ إِشَعْيَاءَ يَقُولُ: «يَا رَبُّ مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟»" ثُمَّ يَقولُ: "إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ". ولكنَّهُمْ لَمْ يُؤمِنوا. فبولسُ يَقولُ حَرْفِيًّا إنَّ اليَهودَ لَمْ يُؤمِنوا تَمامًا بِما قالَهُ إشَعْياءُ. وَهُمْ لَمْ يُؤمِنُوا بِذَلِكَ عَبْرَ القُرون. وَلَكِنْ هُناكَ بَقِيَّة دُوْنَ شَكٍّ. فَفي (إشَعْياء 6: 13) هُناكَ دائِمًا "عُشْرٌ" أوْ "سَاقٌ أوْ "زَرْعٌ مُقَدَّسٌ" – يُمَثِّلُ البَقِيَّةَ الأمينَة. ثُمَّ نَقرأُ في العَدَد 21 مِنْ رُومية 10 (واللهُ هُوَ الَّذي يَتَكَلَّمُ في هَذا العَدَد – في العَدَد 21. إنَّها كَلِماتُهُ، وَهِيَ مُقْتَبَسَة مِنْ إشَعْياء 65: 2): "طُولَ النَّهَارِ بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِمٍ". فَهُمْ يَعْرِفونَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ لا يُؤمِنونَ بِهِ. لِذَلِكَ فإنَّ الكِلِماتِ الافْتِتاحِيَّةَ في هَذا الإقْرارِ تَتَلَخَّصُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ المُدْهِشَة: "لَقَدْ سَمِعْناها وَسَمِعْناها وَسَمِعْناها، وَلَكِنَّنا لَمْ نُؤمِنْ بِها ... لَمْ نُؤمِنْ بِها!"

وَلِكَيْ نَعودُ إلى النُّقْطَةِ الرَّئيسيَّةِ، هُناكَ سُؤالٌ ثَانٍ: "وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟" وَبِبَساطَةٍ، فإنَّ عِبارَةَ "ذِراعُ الرَّبِّ" تَرْمِزُ إلى القُوَّةِ الإلهيَّةِ. فالمَعْنى الحَرْفِيُّ لِذِراعِ الرَّبِّ هُوَ: قُدْرَةُ الرَّبِّ. فإشعياء 51: 9 وإشعياء 52: 10 تَتَحدَّثانِ عَنْ ذِراعِ الرَّبِّ كَرَمْزٍ للقُوَّة. وَبالمَعْنى الحَقيقيِّ فإنَّ المَسِيَّا هُوَ ذِراعُ الرَّبِّ. وَبِمَعْنى آخر، فإنَّ الإنْجيلَ هُوَ ذِراعُ الرَّبَّ لأنَّ الإنْجيلَ (كَما جَاءَ في رُومية 1: 16) هُوَ: "قُوَّةُ اللهِ للخَلاص". لِذَلِكَ فإنَّها طَريقَةٌ أُخرى للقَوْلِ إنَّ اللهَ مَدَّ ذِراعَهُ. فَقَدْ سَحَبَ ذِراعَةُ مِنْ رِدائِهِ وَأرانا إيَّاهُ – أيْ أرَانا قُوَّتَهُ، وَأرانا قُدْرَتَهُ على تَخْليصِنا، وَلَكِنَّنا لَمْ نَفْهُمْ. ... ولكنَّنا لم نَفْهَم.

إنَّ الإنْجيلَ هُوَ قُوَّةُ اللهِ للخَلاصِ، لِكُلِّ مَنْ يُؤمِن: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ. وَنَقْرَأُ في إنْجيل يُوحَنَّا 1: 11: "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ ..." – وَلَكِنْ ماذا؟ "... وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ". وَلَكِنْ لماذا لَمْ يُؤمِنوا؟ هُناكَ سَبَبٌ لاهُوتِيٌّ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ. ... سَبَبٌ لاهُوْتِيٌّ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ. وَهُوَ يُعيدُنا إلى رُومية 10. وَالإجابَةُ هِيَ أنَّهُمْ لَمْ يَشْعُروا بِالحاجَةِ إلى ذَبيحَة. فَهُمْ لَمْ يُؤمِنوا أنَّ يَسوعَ هُوَ المَسِيَّا لأنَّهُ كانَ مَيْتًا ... مَصْلُوبًا. وَهُمْ لَمْ يَكونُوا في حَاجَةٍ إلى ذَبيحَة.

وَما مَعْنى ذَلِك؟ يَقولُ بُولُسُ في رُومية 10 إنَّهُمْ كَانُوا: "يَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ". هَذا ... هَذا هُوَ السَّبَب. فَهُمْ لَمْ يَشْعُروا ... لَمْ يَشْعُروا بأيِّ نَقْصٍ. فَقَدْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ باسْتِطاعَتِهِمْ أنْ يُثْبِتُوا بِرَّهُمْ دُوْنَ أنْ يُحْسَبَ لَهُمْ ذَلِكَ البِرُّ "الدَّخيلُ" بواسِطَةِ المَسيح. وَهُوَ يَقولُ إنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا أنَّ المَسيحَ هُوَ غَايَةُ النَّاموسِ للبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ – أيْ أنَّ التَّبْريرَ بالإيمان. فَقَدْ كانَتْ لَدَيْهِمْ نَظْرَةٌ خَاطِئَةٌ إلى بِرِّ اللهِ. وَكانَتْ لَدَيْهِمْ نَظْرَةٌ مَغْلوطَةٌ إلى خَطيئَتِهِمْ لأنَّهُمْ كَانُوا يُحاوِلونَ أنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أنْفُسِهِم. لِذَلِكَ فإنَّهُمْ لَمْ يَخْضَعُوا لِبِرِّ اللهِ.

وَأنا أُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ دَائِمًا بالطَّريقةِ التَّالية: لَقَدْ كَانُوا يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ أَقَلّ بِرًّا مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَأنَّهُمْ أكْثَرُ بِرًّا مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ. لِذَلِكَ فَقَدْ ظَنُّوا أنَّهُ بإمْكانِهِمْ أنْ يَأتُوا إلى اللهِ بِشُروطِهِمِ الخَاصَّةِ. وَقَدْ رَفَضُوا يَسوعَ المَسيحَ لأنَّهُمْ، مَرَّةً أُخرى، كانُوا يَنْتَظِرونَ مَلِكًا وَحاكِمًا يُخَلِّصُهُمْ مِنْ أعْدائِهِمْ، وَمِنْ أحْوالِهِمْ، وَمِنْ مُعاناتِهِمْ ... وَلَيْسَ مِنْ خَطاياهُم. فَقَدْ كَانُوا أبْرارًا في أعْيُنِ أنْفُسِهِمْ. لِذَلِكَ عِنْدَما جَاءَ يَسوعُ، فإنَّ البَقِيَّةَ الَّتي نَالَتِ الخَلاصَ أثناءَ خِدْمَتِهِ كانَتْ مِنَ أقَلِّ النَّاسِ شَأنًا في المُجْتَمَع. وَقَدْ كانَتْ هَذِهِ تُهْمَة نَسَبوها إليهِ. فَقَدْ قالُوا إنَّهُ يُخالِطُ الزُّناةَ وَالخُطاةَ وَالسِّكِّيرينَ وَالنَّاسَ الذينَ كَانَ المَجْمَعُ يَطْرُدُهُمْ. وَقَدْ رَدَّ يَسوعُ عَلى ذَلِكَ قائِلًا: "لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ".

وَهَذِهِ هِيَ المُشْكِلَةُ. فَإنْ كانَتْ عَقيدَتُكَ عَنِ الخَطِيَّةِ مَغْلوطَةً، لَنْ تَفْهَمَ سَبَبَ مَوْتِ المُخَلِّص. لِذلكَ فإنَّ السَّببَ الرُّوحِيَّ (أوْ بالأحْرى: السَّببَ اللَّاهُوتِيَّ) لِرَفْضِ اليَهودِ للمَسيحِ هُوَ أنَّهُمْ يَظُنُّونَ أنْفُسَهُمْ أبْرارًا في ذَواتِهِمْ. وَلأنَّ نَظْرَتَهُمْ إلى الخَطِيَّةِ خَاطِئَةٌ، فإنَّ نَظْرَتَهُمْ إلى البِرِّ وَالكَفَّارَةِ خَاطِئَةٌ أيضًا. وَهُناكَ سَبَبٌ آخَرُ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ وَهُوَ بِسَبَبِ سِيادَةِ اللهِ. اسْتَمِعُوا جَيِّدًا: إنْ كانُوا يُؤْمِنونَ بالبِرِّ الذَّاتِيِّ، فإنَّ اللهَ سَيَمُدُّ يَدَيْهِ طَوالَ اليَوْمِ إلى أُناسٍ خُطاةٍ وَبَعيدينَ عَنْهُ. وَلَكِنْ سَيَأتي وَقْتٌ يُغْلِقُ فيهِ البَاب.

اسْتَمِعُوا إلى مَا جَاءَ في إنْجيل يُوحَنَّا 12. فَهَذا مَقْطَعٌ قَوِيٌّ في الكِتابِ المُقَدَّسِ. إنْجيل يُوحَنَّا – الأصْحاح 12. إنَّهُ مَقْطَعٌ طَويلٌ. لِذَلِكَ، لَنْ أقْرَأَهُ كُلَّهُ، بَلْ سَأكْتَفي بَهَذا المَقْطَعِ الَّذي يُشيرُ إلى إشَعْياء 53. يُوحَنَّا 12، لِنَقْرَأ ابْتِداءً بالعَدَد 32 إذْ يَقولُ يَسوعُ: "وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ". وَهُمْ يَعْرِفونَ مَا يَتَكَلَّمُ عَنْهُ. فَهُوَ سَيُصْلَبُ. فَقَدْ قَالَ ذَلِك. لَقَدْ تَحَدَّثَ عَنْ مَوْتِهِ. لِذَلِكَ فإنَّهُ يَقُولُ: "وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ. قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ". فَقَدْ كَانَ يَقولُ لَهُمْ: "سَوْفَ أُصْلَب. وَسَوْفَ أُرْفَعُ على صَليبٍ". لِذَلِكَ فإنَّ الجَمْعَ يَقولُ في العَدَد 34: "نَحْنُ سَمِعْنَا مِنَ النَّامُوسِ أَنَّ الْمَسِيحَ يَبْقَى إِلَى الأَبَد".

مَا الَّذي تَقولُه؟ أنْتَ سَتَكونُ المَسِيَّا وَتَموت؟ لا، لا! لا، لا، لا! فالمَسِيَّا سَيَبْقى إلى الأبَد. فَهُوَ رُبَّما سَيَكونُ مِثْلَ أَخْنُوخ، أوْ مِثْلَ إيليَّا إذْ إنَّهُ لَنْ يَموت. "فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ ابْنُ الإِنْسَانِ؟ مَنْ هُوَ هذَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟" فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: "النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ. مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ آمِنُوا بِالنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ". لَقَدْ قالَ: يَنْبَغي أنْ تُؤمِنوا. ... يَنْبَغي أنْ تُؤمِنُوا. فَقَدْ قُلْتُ لَكُمُ الحَقَّ. فَيَنْبَغي أنْ تُؤمِنوا. "تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهذَا ثُمَّ مَضَى وَاخْتَفَى عَنْهُمْ". يا للعَجَب!

ثُمَّ نَقْرَأُ في العَدَد 37: "وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، لِيَتِمَّ قَوْلُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الَذي قَالَهُ: «يَا رَبُّ، مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟ وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟»" ثُمَّ نَقْرَأُ: "لِهذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا. لأَنَّ إِشَعْيَاءَ قَالَ أَيْضًا (في إشَعْياء 6: 10): «قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ». قَالَ إِشَعْيَاءُ هذَا حِينَ رَأَى مَجْدَهُ وَتَكَلَّمَ عَنْهُ". ثُمَّ نَجِدُ في العَدَد 42 مُلاحَظَةً مُدْهِشَةً: "وَلكِنْ مَعَ ذلِكَ آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَيْضًا ..." (لأنَّهُ كانَ مُقْنِعًا جِدًّا) "... غَيْرَ أَنَّهُمْ لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، لِئَلاَّ يَصِيرُوا خَارِجَ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ أَحَبُّوا مَجْدَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ مَجْدِ اللهِ".

إذًا فَقَدْ دِيْنُوا لأنَّهُمْ أحَبُّوا مَجْدَ النَّاسِ. لِماذا لَمْ يُؤمِنوا؟ مِنْ وُجْهَةِ النَّظَرِ الرُّوحِيَّةِ، وَوُجْهَةِ النَّظَرِ اللَّاهُوتِيَّةِ، لَقَدْ ظَنُّوا أنَّهُمْ سَيَتَمَكَّنونَ مِنْ إثْباتِ بِرِّهِمْ بأنْفُسِهِمْ. وَمِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ سِيادَةِ اللهِ، فَقَدْ أَغْلَقَ اللهُ البَابَ أمامَهُمْ بِسِيادَتِهِ. وَهُناكَ وُجْهَةُ نَظَرٍ أُخرى عَنْ عَدَمِ إيمانِهِمْ وَهِيَ النَّظْرَةُ المُبَيَّنَةُ في إشَعْياء 53. فَابْتِداءً بالعَدَدِ الثَّاني وَحَتَّى نِهايَةِ العَدَدِ الثَّالِثِ، نَجِدُ تَفْسيرًا لِسَبَبِ عَدَمِ إيمانِهِمْ بيسوع. فَهَذانِ العَدَدانِ يُوَضِّحانَ السَّبَب. وَسَوْفَ نُرْجِئُ الحَديثَ عَنْ ذَلِكَ إلى المَرَّةِ القادِمَة. فَهُوَ كَلامٌ قَوِيٌّ لأنَّهُ يُفَسِّرُ سَبَبَ عَدَمِ إيمانِهِمْ. فَقَدْ نَظَرُوا إلى حَياتِهِ وَلَمْ يتأثَّروا بِبِدايَتِها، وَلَمْ يَتأثَّروا بِمُنْتَصَفِها، وَلَمْ يَتَأثَّرُوا بِنِهايَتِها. وَبِسَبَبِ تَراكُمِ كُلِّ عَدَمِ التَّأثيرِ هَذا في عُقولِهِمْ، نَجِدُ السَّبَبَ التَّاريخِيَّ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ. وَهَذا هُوَ مَا سَنَراهُ في المَرَّةِ القَادِمَة.

يا رَبّ، في خِتامِ وَقْتِ العِبادَةِ الرَّائِعَةِ هَذِهِ، نَوَدُّ أنْ نُنْهي عِبادَتَنا بالحَمْدِ وَالشُّكْرِ العَميقَيْنِ لَكَ على الفُرْصَةِ الَّتي مَنَحْتَنا إيَّاها للتَّأمُّلِ في أمْجادِ مُخَلِّصِنا، وَفي وَقائِعِ الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَإلى مَا وَراءِ ذَلِكَ لِنَرى الصُّورَةَ العَريضَةَ وَالمُتَّسِعَةَ وَالشَّامِلَةَ للأحْداثِ التَّاريخيَّةِ الَّتي سَتَبْلُغُ الذَّرْوَةَ وَتَنْتَهي كَما تُريدُها أنْتَ أنْ تَنْتَهي. وَأنا أُصَلِّي، يا أبانا، أنْ يُشْرِقَ مَجْدُ المَسيحِ في هَذِهِ السَّاعَةِ مِنْ خِلالِ التَّرانيمِ وَمِنْ خِلالِ الكَلِمَةِ حَتَّى إنَّ كُلَّ شَخْصٍ حَاضِرٍ هُنا وَلَمْ يَقْبَلْ بَعْد يَسوعَ المَسيحَ رَبًّا وَمُخَلِّصًا لِحَياتِهِ، يَقْبَلْهُ الآن.

وَأُصَلِّي أنْ يَأتي رُوْحُكَ القُدُّوسُ، رُوْحَ النِّعْمَةِ، وَأنْ تَقومُ في أَحَدِ الأيَّامِ المُستقبليَّةِ بِجَلْبِ نِعْمَتِكَ المُخَلِّصَةِ، وَنُوْرِكَ، وَتَجْديدِكَ، إلى أُمَةِ إسرائيل. وَلَيْتَكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ أيضًا للأفْرادِ الخُطاةِ (يَهودًا كَانُوا أَمْ أُمَمًا) في هَذا الصَّباح. افْتَحْ قُلوبَهُمْ لِكَيْ يَقْبَلُوا الحَقَّ. وَجَدِّدْنا في حَقِّ الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَفي قُوَّةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَفي صِحَّةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ وَعِصْمَتِهِ، وَفي مَجْدِ المَسيحِ، وَفي حَقائِقِ الإنْجيل.

سَاعِدْنا على أنْ نَكونَ شُهودًا أُمَناءَ، وَعلى أنْ نَشْهَدَ بِهَذِهِ الحَقائِقِ لليَهودِ وَالأُمَمِ على حَدٍّ سَواء – عَالِمينَ أنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو باسْمِ الرَّبِّ يَخْلُص. فَلا فَرْقَ بَيْنَ يَهودِيٍّ وَيُونانِيٍّ، بَلْ إنَّ الكُلَّ مُرَحَّبٌ بِهِ أنْ يَأتي إلى المَسيح. وَلَيْتَنا نَكونُ مَصْدَرَ إعْلانِ هَذِهِ الرِّسالَة. وَلَيْتَنا نَكونُ الأقْدامَ الجَميلَةَ الَّتي تَأتي بالخَبَرِ السَّارِّ وَبِكَلِمَةِ المَسيحِ الَّتي لا بُدَّ مِنْها لِتَفْعيلِ الإيمانِ المُخَلِّصِ بِواسِطَةِ رُوْحِكَ القُدُّوس.

ساعِدْنا في هَذِهِ اللَّحَظاتِ القَليلَةِ الهَادِئَةِ الآنَ على التَّأمُّلِ في كَيْفِيَّةِ تَرْسيخِ هَذِهِ الحَقائِقِ في قُلوبِنا بِطَريقَةٍ جَديدَةٍ، وَفي كَيفيَّةِ تَعْميقِ مَحَبَّتِنا للمَسيحِ، وَمَحَبَّتِنا لَكَ، وَاتِكالِنا عَلَيْكَ، وَثِقَتِنا بِكَ في وَسَطِ هَذا العَالَمِ المُضْطَرِبِ لِنَعيشَ في سَلامٍ تَامٍّ لأنَّكَ قُلْتَ لَنا إنَّكَ مُهَيْمِنٌ، وَلأنَّكَ أعْطَيْتَنا التَّفاصيلَ الَّتي تُؤكِّدُ ذَلِك.

انعِشْنا أيْضًا في شَرِكَتِنا بَعْضُنا مَع بَعْض، واجْعَلْنا مُسْتَعِدِّينَ في الأيَّامِ القادِمَةِ وَالأسابيعِ القادِمَةِ لِتَوصيلِ إنجيلِ المَسيحِ المَجيدِ إلى بَعْضِ الأشْخاصِ الَّذينَ هُمْ في حَاجَةٍ إلى سَماعِ البِشَارَة. وَالآنْ، نُصَلِّي أنْ تَحْفَظَ هَذِهِ الأمورَ في قُلوبِنا. آمين!

This sermon series includes the following messages:

< !--Study Guide -->

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize