Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نُتابِعُ دِراسَتَنا للأصْحاحِ الثَّالِثِ وَالخَمْسين مِنْ سِفْرِ إشَعْياء. وإشَعْياءُ نُبوءَةٌ في العَهْدِ القَديم. فَإنْ كانَ لَدَيْكُمْ كِتابٌ مُقَدَّسٌ، أرْجُو أنْ تَفْتَحوا على إشَعْياء - الأصْحاح 53، وَهُوَ الأصْحاحُ الَّذي نَتَأمَّلُ فيه. وَهُناكَ مَنْ يَرى أنَّ هَذا الأصْحاحَ هُوَ أعْظَمُ أصْحاحٍ في العَهْدِ القَديم. وَلا شَكَّ في صِحَّةِ أنَّ هَذِهِ النُّبوءَةَ هِيَ أكْثَرُ نُبوءَةٍ مُفَصَّلَةٍ عَنِ المَسِيَّا وَردَتْ في العَهْدِ القَديم. إنَّهُ أصْحاحٌ قَوِيٌّ وَعَميقٌ يَنْبَغي دِراسَتُهُ عِبارَةً عِبارَةً، بَلْ بالحَرِيِّ: كَلِمَةً كَلِمَةً بِسَبَبِ تَأثيرِهِ البَليغِ وَالحَقِّ العَظيمِ الَّذي يُعَلِّمُه.

وَأثْناءَ دِراسَتِنا مَعًا لِهَذا الأصْحاحِ الثَّالِثِ وَالخَمْسين، أوَدُّ أنْ نَعْرِفَهُ جَيِّدًا وَأنْ يَكونَ حَاضِرًا في أذْهانِكُمْ. لِذَلِكَ، سَنُتابِعُ دِراسَتَنا لِهَذا الأصْحاحِ في هَذِهِ العِظَةِ الرَّابِعَةِ اليوم، وسَنَتَأمَّلُ في العَدَدَيْن الثَّاني وَالثَّالِث. وَهَذا يَعْني أنَّنا سَنَحْتاجُ بَعْضَ الوَقْتِ للتَّأمُّلِ في هَذا الأصْحاحِ بِمُجْمَلِه. وَلَكِنْ في أثناءِ قِيامِنا بِذَلِك، أرْجُو أنْ يَصيرَ هَذا الأصْحاحُ مَألوفًا جِدًّا لَدَيْكُمْ وَأنْ يَصِيْرَ جُزْءًا مِنْ نَسيجِ حَياتِكُمْ لِكَيْ تَعْبُدوا الرَّبَّ بِطُرُقٍ مُنْعِشَةٍ وَجَديدَةٍ وَغَنِيَّةٍ تَتَبارَكونَ بِها. كَذَلِكَ، سَوْفَ تَتَمَكَّنونَ مِنْ مُشَارَكَةِ أمْجادِ مُخَلِّصِنا الوَارِدَةِ في هَذا الأصْحاحِ مَعَ كُلِّ مَنْ يَسْأل. لِذَلِكَ، أرْجُو أنْ تَسْتَمِعُوا إلى قِراءَةٍ لِهَذا الأصْحاح (إشَعْياء 53):

مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا.

كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟

وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ. أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا. لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ.

أوَدُّ أنْ أبْتَدِئَ بمَجموعَةٍ مِنَ الأسئلةِ وَأنْ أُقَدِّمَ لَكُمْ نَظْرَةً عَامَّةً لِهَذا الأصْحاح. فَسَوْفَ نَتَأمَّلُ فيهِ مِنْ خِلالِ المُقَدِّمَةِ بِطَريقَةٍ مُخْتَلِفَة. وَفي هَذا الصَّباحِ، هُناكَ مَجْموعَةٌ مِنَ الأسئلةِ الَّتي سَتُساعِدُنا في فَهْمِ الصُّورَةِ الكَبيرَةِ هُنا. فَما الفِكْرَةُ الرَّئيسيَّةُ لِهَذِهِ النُّبوءَة؟ وَما الفِكْرَةُ الرَّئيسيَّةُ لِهَذا الأصْحاحِ؟ إنَّ الفِكْرَةَ الرّئيسيَّةَ لِهَذا الأصْحاحِ هِيَ المُعاناةُ: المُعاناةُ الفَظيعَةُ، وَالمُعاناةُ المُريعَةُ، وَالمُعاناةُ القَاسِيَةُ، وَالمُعاناةُ الشَّديدَةُ، وَالمُعاناةُ المُؤلِمَةُ، وَالمُعاناةُ المُميتَةُ. المُعاناةُ هِيَ الفِكْرَةُ الرَّئيسيَّةُ بوضوح.

العَدَد 3: "رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ". العَدَد 4: "لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً". العَدَد 5: "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا". العَدَد 6: "وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا". العَدَد 7: "ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ". العَدَد 8: "مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. ... قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ". إنَّ هَذا الكَلامَ كُلَّهُ يُشيرُ إلى أنَّ هَذِهِ المُعاناةَ شَديدَة وَمُريعَة. وَالعَدَدُ العَاشِرُ يَقولُ مَرَّةً أُخرى إنَّهُ سُحِقَ وَحَزِنَ. وَالعَدَدُ الحادي عَشَر يَتَحَدَّثُ عَنْ أهْوالِ مُعاناتِهِ. فَمَنْ يَسْتَطيعُ أنْ يَتَحَمَّلَ مُعاناةً كَهَذِهِ – مُعاناةً شَديدَةً كَهَذِهِ؟

حَسَنًا، قَدْ يَقولُ أَحَدُكُمْ: "أظُنُّ أنَّهُ يُوْجَدُ في مَكانٍ مَا شَخْصٌ مَا اسْتَحَقَّ أنْ يَتَألَّمَ هَكَذا". وَلَكِنَّ هَذا يَقودُ إلى سُؤالٍ آخَر هُوَ: هَلْ كانَ هَذا الشَّخْصُ يَسْتَحِقُّ أنْ يَتَألَّمَ هَكَذا؟ هَلْ كانَ الشَّخْصُ المَوْصُوفُ هُنا يَسْتَحِقُّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الألَمِ المُبَرِّح؟ وَالجَوابُ عَنْ هَذا السُّؤالِ هُوَ: "لا!" لا، فالشَّخْصُ الَّذي عَانَى لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِقُّ هَذِهِ المُعاناة. ارْجِعُوا لَحْظَةً إلى العَدَدِ التَّاسِع، إلى نِهايَةِ العَدَد: "عَلى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ". وَما هُوَ في الفَمِ مَوْجودٌ في القَلْبِ لأنَّهُ "مِنْ فَضْلَةِ القَلْبِ يَتَكَلَّمُ الفَمُ". لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في فَمِهِ شَرٌّ أوْ غِشٌّ لأنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ في قَلْبِهِ.

وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّهُ فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ فإنَّنا نَقْرَأُ في العَدَدِ الحَادي عَشَر أنَّ هَذا الشَّخْصَ المُتَألِّمَ كَانَ هُوَ البَارّ. إنَّها نُبوءَةُ عَنْ شَخْصٍ مُتَـألِّمٍ عَانى ألَمًا مُبَرِّحًا وَفَظيعًا وَمُريعًا. وَلَكِنْ هَلْ كَانَ يَسْتَحِقُّ أنْ يَتَألَّمَ هَكَذا؟ "لا!" وَهَذا يَقودُ إلى سُؤالٍ ثَالِثٍ: هَلْ حَاوَلَ اللهُ، إذًا، أنْ يَحْمي المُتَألِّمَ البَارَّ؟ الجَوابُ هُوَ: "لا!" فالعَدَدُ العاشِرُ يَقول: "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ". إنَّها قِصَّةٌ مُدْهِشَةٌ، ومُعاناةٌ لا مَثيلَ لَها. وَهِيَ مُعاناةٌ دُوْنَ اسْتِحْقاقٍ مِنْ مُتَألِّمٍ بَارٍّ لَمْ يَحْظَ بالحِمايَةِ مِنَ اللهِ البارِّ. وَهذا يُفْضِي إلى سُؤالٍ رَابِعٍ إذًا: هَلْ كانَ هُناكَ تَقْصيرٌ مِنَ اللهِ؟ ألا يَتَعارَضُ هَذا الأمْرُ مَعَ طَبيعَةِ اللهِ البارِّ – أيْ ألَّا يَحْمي شَخْصًا بَارًّا مِنْ مُعاناةٍ كَهَذِهِ؟ أوْ هَلْ يَتعارَضُ هَذا الأمْرُ مَعَ طَبيعَةِ اللهِ البَارِّ في أنْ يَسْمَحَ لِهَذا الرَّجُلِ أنْ يَتَألَّم؟

وَالجَوابُ هُوَ: "أَجَل!" بِسَبَبِ مَا نَقْرَأُهُ ابْتِداءً بالعَدَدِ الخامِسِ: "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا". العَدَد 6: "... وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا". نِهايَةُ العَدَد 8: "... مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ". فَقَدْ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِهِمْ. العَدَد 11: "... وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا". العَدَد 12: "... وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ". فَهُوَ مُتَألِّمٌ كَفَّارِيٌّ. وَهُوَ مُتَألِّمٌ بَدَلِيٌّ. وَهُوَ مُتَألِّمٌ لا لأجْلِ خَطاياه، بَلْ لأجْلِ خَطايا الآخَرين.

وَهَذا يَقودُ إلى سُؤالٍ آخَر: مَا الَّذي يَدْفَعُ إنْسانًا إلى القِيامِ بِذَلِك؟ مَا الَّذي يَدْفَعُ أيَّ إنْسانٍ بَارٍّ إلى احْتِمالِ كُلِّ هَذا الألَمِ الشَّديد، وَإلى احْتِمالِ تَخَلِّي اللهِ عَنْهُ، وَإلى التَّألُّمِ بَدَلِيًّا عَنْ خَطايا لَمْ يَقْتَرِفْها، بَلِ اقْتَرَفَها آخَرون؟ إنَّ الجَوابَ هُوَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لأنَّهُ كانَ مُسْتَعِدًّا لِذَلِكَ وَيَرْغَبُ في القِيامِ بِذَلك. أَجَلْ! فَنَحْنُ نَقرأُ في العَدَدِ العَاشِر أنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ "ذَبِيحَةَ إِثْمٍ" وَأنَّهُ قَدَّمَ نَفْسَهُ "ذَبِيحَةَ إِثْمٍ" ... ذَبيحَةً مِنْ أجْلِ الخُطاةِ. أجَلْ! وَنَقْرَأُ في العَدَد 12 أنَّهُ "سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ". وَيا لَهُ مِنْ شَخْصٍ مُدْهِشٍ لِيَتَألَّمَ كُلَّ هَذا الألَمَ، وَلْيَتَألَّمَ دُوْنَ اسْتِحْقاقٍ، وَأنْ يَتَألَّمَ دُوْنَ أنْ يَحْظى بالحِمايَةِ مِنَ اللهِ البَارِّ بالرَّغْمِ مِنْ كَوْنِهِ بارًّا، وَأنْ يَتَألَّمَ نِيابِيًّا، وَأنْ يَتَألَّمَ طَوْعًا. لِماذا؟ هَذا هُوَ السُّؤالُ التَّالي. فَلِماذا فَعَلَ ذَلِكَ؟ وَما هِيَ النَّتيجَة؟

أوَّلًا، نَقْرَأُ في العَدَدِ الحَادي عَشَر أنَّهُ بِقيامِهِ بِذَلِكَ سَيُبَرِّرُ كَثيرين. وَهَذا يَعْني أنَّهُ سَيَقومُ مِنْ خِلالِ آلامِهِ بِتَبْريرِ كَثيرينَ، وَهُوَ سَيَتَسامَى. وَنَتيجَة لآلامِهِ (في العَدَد 11) فإنَّهُ سَيَرى نُوْرًا. فَهَذا هُوَ ... هَذا هُوَ مَا تَعْنيهِ الآيَة. فَهُوَ سَيَرى نُوْرًا، وَسَيَرى حَياةً، وَيَشْبَع. وَنَقْرَأُ في العَدَد 12 أنَّهُ سَيُوْهَبُ نَصِيْبًا بَيْنَ الأعِزَّاءِ، وَأنَّهُ يَقْسِمُ غَنيمَةً مَعَ العُظَماء. بِعِبارَةٍ أُخرى، فَإنَّهُ سَيُكافَأُ. وَيُرْفَعُ. كَيْفَ سَيُرْفَعُ؟ نَحْنُ نَتَذَكَّرُ. ألَيْسَ كَذَلِك؟ فَقَدْ قَرَأنا في الأصْحاح 52 وَالعَدَد 13: "هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ، يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا". وَفي العَدَد 15: "هكَذَا يَنْضِحُ [أوْ: يُذْهِلُ] أُمَمًا كَثِيرِينَ. مِنْ أَجْلِهِ يَسُدُّ مُلُوكٌ أَفْوَاهَهُمْ، لأَنَّهُمْ قَدْ أَبْصَرُوا مَا لَمْ يُخْبَرُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ فَهِمُوهُ".

مَنْ يَكونُ هَذا؟ مَنْ يَكونُ هَذا؟ حَسَنًا، إنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَصحُّ إلَّا عَلى شَخْصٍ وَاحِدٍ. مَنْ هُوَ؟ الرَّبُّ يَسوعُ المَسيح. ألا يَرى العَالَمُ ذَلِكَ؟ ألا يَرى العالَمُ ذَلِكَ؟ لَقَدْ كُتِبَتْ هَذِهِ النُّبَوَّةُ قَبْلَ نَحْوِ سَبْعِمِئَةِ سَنَةٍ مِنْ وِلادَةِ يَسوعَ. وَهَذا دَليلٌ كَافٍ على أنَّ اللهَ هُوَ الَّذي أَوْحى بالكِتابِ المُقَدَّسِ لأنَّ اللهَ وَحْدَهُ يَعْرِفُ المُسْتَقْبَلَ بِتَفاصِيلِهِ الدَّقيقَة. لِذَلِكَ، كَيْفَ يُمْكِنُ للعَالَمِ أنْ يُفَوِّتَ ذَلِك؟ فَهَذا (دُوْنَ شَكٍّ) يَسوعُ المَسيح. فَكُلُّ هَذِهِ التَّفاصيلِ تَحَقَّقَتْ فيه. وَبالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فإنَّ النَّاسَ لا يَقْتَنونَ الكِتابَ المُقَدَّسَ، وَلا يَقْرَأونَ الكِتابَ المُقَدَّسَ، وَلا يَعْرِفونَ الكِتابَ المُقَدَّس. لِذَلِكَ عِنْدَما نَنْظُرُ إلى الأُمَمِ مَثَلًا، إلى أُمَمِ العَالَمِ، يَجِبُ ألَّا نَتَوَقَّعَ بالضَّرورَةِ أنْ يُؤمِنوا بيسوعَ المَسيح. فَهُمْ لا يَعْرِفونَ عَنْ إشَعْياء، وَلا عَنْ إشَعْياء 53، وَلا عَنِ العَهْدِ القَديم، وَلا عَنِ الحَقِّ المُعْلَنِ في العَهْدِ الجَديد، وَلا عَنْ قِصَّةِ يَسوع.

وَلَكِنْ ماذا عَنِ اليَهود؟ مَاذا عَنِ اليَهود؟ فَهُمْ يَعْرِفونَ قِصَّةَ يَسوع. وَلَكِنَّهُمْ يَعْرِفونَها لِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَقَطْ وَهُوَ أنْ يَتَحَقَّقُوا مِنْ أنَّ الجَميعَ يَعْرِفُ رَفْضَهُمْ لَهُ. فَهَذا جُزْءٌ مِنْ كِيانِ اليَهودِ في العَالَمِ ... أنْ يَحْرِصُوا أنْ يُبَيِّنُوا للآخَرينَ أنَّ يَسوعَ لَيْسَ المَسِيَّا، وَأنَّ يَسوعَ لَيْسَ المُخَلِّص. وَلَكِنْ لِماذا لا يُؤمِنُ اليَهودُ بِهَذا؟ وَكَيْفَ يُعْقَلُ أنَّ اليَهودَ لا يَقْرَأونَ إشَعْياء 53؟ وَلا يُقارِنُونَ مَا جَاءَ فيهِ بِما جَاءَ في الأناجيلِ (مَتَّى وَمَرْقُس وَلُوقا وَيُوحَنَّا) وَلا يَقولونَ: "ليسَ هَذا إلَّا يَسُوعَ المَسيح"؟ لِماذا لا يَفْعَلونَ ذَلِك؟

هُناكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسوعَ وَيُدْعَى "مِيتش جليزر " (Mitch Glaser) لَدَيْهِ خِدْمَة تُدْعَى "خِدْمَةُ الشَّعْبِ المُخْتار" (Chosen People Ministry). وَقَدْ كَتَبَ مَقالًا في كِتابٍ حَديثٍ بعُنوان "الإنْجيلُ بِحَسَب إشَعْياء 53" (The Gospel According To Isaiah 53)، وَهُوَ كِتابٌ مُثيرٌ للاهْتِمامِ جِدًّا. وَالحَقيقَةُ هِيَ أنَّ عَشَرَةً بالمِئَةِ فَقَطْ مِنَ اليَهودِ في العَالَمِ (مِنْ أصْلِ أرْبَعَةَ عَشَرَ مِلْيونًا) ... عَشَرَةً بالمِئَةِ فَقَطْ قَويمُو العَقيدَةِ – أيْ أنَّهُمْ يَبْحَثونَ في الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَيَعْرِفونَ عَنِ الأسْفارِ المُقَدَّسَةِ. أمَّا التِّسْعونَ بالمِئَة الآخَرونَ فإنَّهُمْ عَلى دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ مِنْ عَدَمِ المُبالاةِ بالأسْفارِ المُقَدَّسَةِ وَالتَّفْسيرِ الصَّحيحِ للكِتابِ المُقَدَّس. لِذَلِكَ فإنَّ أغْلَبِيَّةَ اليَهودِ (وَفْقًا لِما يَقولُهُ "ميتش جليزر") ... فَإنَّ أغْلَبِيَّتَهُمْ لا يَعْرِفونَ شَيْئًا عَنِ العَهْدِ القَديمِ، وَلا عَنْ إشَعْياء، وَلا عَنْ إشَعْياء 53. فَهُمْ لا يَعْرِفونَ شَيْئًا عَنْهُ.

عَلاوَة على ذَلِكَ فَإنَّ "الأغْلَبِيَّةَ مِنْهُمْ لا يُؤمِنونَ بِنُبوءاتِ الكِتابِ المُقَدَّسِ، وَلا يُؤمِنونَ بالخَطيئَةِ، ولا يُؤمِنونَ بِفَسادِ الإنْسانِ – أيْ بالطَّبيعَةِ الخَاطِئَةِ المُتَوارَثَةِ عِنْدَ البَشَر. وَهُمْ لا يُؤمِنونَ بالكَفَّارَة. وَلا يُؤمِنونَ بالذَّبيحَة. وَلا يُؤمِنونَ بِسَفْكِ الدَّمِ لِغُفْرانِ الخَطِيَّة. وَلا يُؤمِنونَ بالتَّجَسُّدِ. وَلا يُؤمِنونَ بالرَّفْضِ. وَلا يُؤمِنونَ بالعَهْدِ الجَديدِ. لِذَلِكَ فإنَّهُمْ لا يُؤمِنونَ بيسوع". لهذا لا يُمكنُكم أنْ تَفْتَرِضُوا أنَّهُ حِيْنَ تُكَلِّمونَ اليَهودَ عَنِ الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ فإنَّهُمْ سيَعرفونَ أيَّ شيءٍ على الإطْلاق عن إشَعْياء 53. فالعناصِرُ المُدْهِشَةُ في هَذا الأصْحاحِ لا وُجودَ لَها في تَفكيرِهِم. لذلكَ فإنَّ الأصْحاحَ يَبْتَدِئُ بالقَوْلِ: "مَنْ صَدَّقَ الخَبَرَ الَّذي سَمِعْناه؟" فَهُمْ سَيَعْتَرِفونَ بأنَّهُمْ لَمْ يُؤمِنوا بِهِ.

وَهَذا شَيْءٌ صَاعِقٌ. فَالعالَمُ مُمْتَلِئٌ بأُناسٍ لا يُصَدِّقونَ ذَلِك. وَالأُمَمُ بِمُجْمَلِها لا تُؤمِنُ بِذَلِك. فَهُمْ لا يُؤمِنونَ بالرِّسالَةِ المُخْتَصَّةِ بيسوعَ المَسيح. والدِّياناتُ المَوْجودَةُ في العَالَمِ، مَا خَلا المَسيحيَّة، لا تُؤمِنُ بالرِّسالَةِ المُخْتَصَّةِ بالمَسيح. ويا لَها مِنْ رِسَالَة! فاليهودُ يَعْرِفونَها (وَهُوَ أَمْرٌ قَالَهُ بُولسُ في رُومية 10). فَالكَلِمَةُ في فَمِكُمْ. وَهِيَ قَريبَةٌ مِنْكُم. وَأنْتُمْ تَعْرِفونَ القِصَّةَ، وَتَعْرِفونَ مَا قَالَهُ المَسيحُ. وَلَكِنَّكُمْ لا تُؤمِنونَ بِذلك. تَخَيَّلُوا! إنَّهُمْ لا يُؤمِنونَ بالرِّسالَةِ، أوْ بالخَبَرِ السَّارِّ المُعْلَنِ مِنَ السَّماءِ بأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ حَرَّكَتْهُ لِيُنْقِذَ الخُطاةَ مِنْ جَهَنَّمَ بِواسِطَةِ مَوْتِ ابْنِهِ. وَلَكِنَّهُمْ لا يُؤمِنونَ بِذَلِك.

فَهُمْ لا يُؤمِنونَ بالرِّسالَةِ، أوْ بالخَبَرِ السَّارِّ القائِلِ إنَّ اللهَ الَّذي لا يُرَى أرْسَلَ مُخَلِّصًا لا يُرَى لِهَذا الجِيْلِ الَّذي لا يُرَى لِيُسْبِغَ بَرَكاتٍ لا تُرَى في سَماءٍ لا تُرَى فَيَنالونَها بإيمانٍ لا يُرَى! إنَّهُمْ لا يُؤمِنونَ بالخَبَرِ السَّارِّ الَّذي يُنادي بالخلاصِ وَالغُفْرانِ للخُطاةِ مِنَ الخَطِيَّةِ وَالغَضَبِ وَالدَّينونَة. وَهُمْ لا يُؤمِنونَ بالخبرِ السَّارِّ بوجودِ مُخَلِّصٍ مَصْلوبٍ يَتِمُّ الخَلاصُ بِواسِطَتِهِ. وَهُمْ لا يُؤمِنونَ بالخَبَرِ السَّارِّ بِوجودِ بِرٍّ إلَهِيٍّ مُتاحٍ يُمْكِنُ للخُطاةِ المُذْنِبينَ مِنْ خِلالِهِ أنْ يَقِفُوا دُوْنَ خَوْفٍ وَقِدِّيسينَ أمامَ اللهِ الكَامِلِ القَداسَة. وَهُمْ لا يُؤمِنونَ بالخَبَرِ السَّارِّ بوجودِ عَفْوٍ تَمْنَحُهُ السَّماءُ للخُطاةِ المُدانينَ وَالمَسْجُونينَ الَّذينَ يُمْكِنُهُمُ الحُصولُ على ذَلِكَ العَفْوِ مِنْ خِلالِ الإيمانِ بالمَسيح.

وَهُمْ لا يُؤمِنونَ بالخَبَرِ السَّارِّ بوجودِ طَبيبٍ وَاحِدٍ يَقْدِرُ أنْ يَشْفي كُلَّ مَنْ يَأتي إليهِ، دائِمًا وَأبَدًا، مِنْ كُلِّ أمْراضِ النَّفْسِ، وَأنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَجَّانًا ولا يَرْفُضُ أيَّ مَرْضَى. وَهُمْ لا يُؤمِنونَ بالخَبَرِ السَّارِّ بوجودِ وَليمَةٍ غَيْرِ مَحْدودَةٍ للنُّفوسِ الجَائِعَةِ مُعَدَّةٌ لِجَميعِ المَقْبولينَ إذْ إنَّ المَسيحَ نَفْسَهُ هُوَ المُضيفُ وَالوَليمَة. وَهُمْ لا يُؤمِنونَ بالخَبَرِ السَّارِّ بوجودِ كَنْزٍ ثَمينٍ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْتَرى لأنَّهُ قَدْ تَمَّ شِراؤُهُ أصْلًا وَقُدِّمَ هَدِيَّةً في شَكْلِ بَرَكَاتٍ لا حَصْرَ لَها وَأفْراحٍ لا تَتَوَقَّفُ في هَذا الزَّمانِ وَإلى الأبَد لِمَنْ يَحْصُلُ عَلَيْها. وَهُمْ لا يُؤمِنونَ بالخَبَرِ السَّارِّ بوجودِ نُصْرَةٍ حَقَّقَها يَسوعُ المَسيحُ على الشَّيْطانِ وَالمَوْتِ وَالعَالَمِ، وَهِيَ نُصْرَةٌ يُمْكِنُ لِجَميعِ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِهِ أنْ يَحْصُلوا عَلَيْها وَيَشْتَرِكُوا فيها. وَهُمْ لا يُؤمِنونَ بالخَبَرِ السَّارِّ بوجودِ سَلامٍ أبَدِيٍّ مَعَ اللهِ اشْتُرِيَ بِدَمِ المَسيحِ مِنْ أجْلِ خُطاةٍ غَيْرِ مُسْتَحِقِّينَ وَأشْرار.

وَيا لها مِنْ رِسالَةٍ لا يُؤمِنونَ بِها! وَلَكِنَّهُمْ لا يُصَدِّقونَها. وَتَجِدونَ في إشَعْياء 53 (كَما تَعْلَمونَ) اعْتِرافًا مِنَ اليَهودِ. فَكَلِماتُ إشَعْياء 53 حَتَّى الآيَةِ الأخيرَةِ هِيَ كَلِماتٌ سَيَنْطِقُ بِها جِيْلٌ مُسْتَقْبَلِيٌّ مِنَ الشَّعْبِ اليَهودِيِّ، أُمَّةِ إسْرائيلَ، إذْ إنَّهُمْ سَيُقَدِّمونَ هَذا الاعْتِرافَ قائِلين: "نَحْنُ لَمْ نُؤمِنْ بِها". فَمَنْ آمَنَ بِها؟ قِلَّةٌ قَليلَةٌ جِدًّا! قِلَّةٌ قَليلَةٌ جِدًّا! وَلَكِنَّ مَنْ آمَنَ بِها مِنَ اليَهودِ أوِ الأُمَمِ في أيِّ وَقْتٍ سَيَخْلُص. وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُؤمِنوا بِها. وَهُمْ سَيَعْتَرِفونَ بِذَلِك. أتَذْكُرونَ الآنَ أنَّنا نَتَحَدَّثُ عَنْ حَقيقَةِ أنَّ هَذا الأصْحاحَ يَرِدُ بِصِيْغَةِ المَاضي. فَجَميعُ الأفْعالِ تَرِدُ بِصِيْغَةِ المَاضي.

وَيَظُنُّ أغْلَبِيَّةُ النَّاسِ أنَّهُ يَتَنَبَّأُ عَمَّا سَيَحْدُثُ لِيَسُوع. وَالحَقيقَةُ أنَّهُ يَتَنَبَّأُ عَنْ ذَلِكَ لأنَّهُ يَصِفُ بالتَّفْصيل مُعاناته، وَمَوْته، وَقِيامَته، وَارْتِفاعه. وَلَكِنَّ جَميعَ الأفْعالِ تَرِدُ بِصيغَةِ المَاضي. وَهَذا يَعْني أنَّها تَتَجاوَزُ مَا يَحْدُثُ ليسوعَ وَتَنْظُرُ إليهِ نَظْرَةً إلى الوَراءِ مِنْ زَاوِيَةِ نِهايَةِ التَّاريخِ البَشَرِيِّ عِنْدَما يَنْظُرُ بَنو إسرائيلَ أخيرًا إلى الَّذي طَعَنوهُ، وَيَنوحونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ إذْ سَيُدْرِكونَ أنَّهُمْ رَفَضُوا مَسيحَهُمْ. وَسَوْفَ يُفْتَحُ يَنْبوعُ تَطْهيرٍ لَهُمْ وَيَأتي الخَلاصُ لأُمَّةِ إسرائيل. وفي تِلْكَ الأثناءِ، أيْ إلى أنْ تَحْدُثُ تِلْكَ التَّوْبَةُ القَوْمِيَّةُ، يُمْكِنُ لأيِّ شَخْصٍ أنْ يَأتي إلى المَسيحِ وَيَنالَ الخَلاصَ. وَلَكِنَّ الأُمَّةَ سَتَتوبُ في المُسْتَقْبَلِ وَتَخْلُص. وَعِنْدَما يُدْرِكونَ ذَلِكَ في وَقْتٍ مَا (كَما يَقولُ زَكَرِيَّا)، أيْ عِنْدَما تَجْتَمِعُ أُمَمُ العَالَمِ لِتَدْميرِ إسْرائيل، وَعِنْدَما يُحاصَرونَ وَيُوْشِكونَ عَلى الهَلاكِ، في تِلْكَ اللَّحْظَةِ سَيَأتي اللهُ لِيُدافِعَ عَنْهُمْ فَيَخْلُصون.

وَفي الأصْحاحِ التَّاسِعِ وَالخَمْسينَ مِنْ سِفْرِ إشَعْياء، تَرَوْنَ هَذِهِ الصُّورَة. وَسَوْفَ أُشيرُ إليها الآن. فَلَدَيْكُمْ صُوْرَةٌ عَنْ ذَلِكَ لأنَّ اليَهودَ سَيَقولون: "نَحْنُ في وَرْطَة! فَآثامُنا تَتَعاظَمُ وَلَمْ يَعُدْ هُناكَ عَدْلٌ في الأرْض. أيْنَ نَذْهَبُ؟ وَماذا عَسانَا أنْ نَفْعَل؟ وَهَذِهِ صُورَةٌ عَنْ إسْرائيلَ في المُسْتَقْبَل. أمَّا إسرائيلُ الآنَ فإنَّها تَقولُ: "كَيْفَ نَحْمي أنْفُسَنا؟ فالعَالَمُ ضِدَّنا. وَاللهُ لا يَأتي لِنَجْدَتِنا". ثُمَّ نَقْرَأُ في إشَعْياء 59 إنَّهُ لا يُوْجَدُ مَنْ يَقْدِرُ أنْ يُساعِدَهُمْ. فَلا يُوْجَدُ قائِدٌ بَشَرِيٌّ يُمْكِنُ أنْ يُنْقِذَ إسْرائيلَ مِنْ عِقابِها بِسَبَبِ رَفْضِها للمَسيح – وَهُوَ أمْرٌ مَا زَالَ يَحْدُثُ حَتَّى الآن.

إنَّ العَالَمَ يُهَدِّدُ وُجودَها مِنْ خِلالِ القُوَّةِ النَّوَوِيَّةِ. وَهِيَ تَقولُ إنَّ اللهَ رَأى (في إشَعْياء 59) أنَّهُ لَيْسَ إنْسانٌ. ثُمَّ نَقْرَأُ أَجْمَلَ لُغَةٍ إذْ إنَّ اللهَ يَرُدُّ على حَقيقَةِ أنَّهُ لا يُوْجَدُ مَنْ يُخَلِّصُ إسْرائيل. اسْتَمِعُوا إلى 59: 16: "فَرَأَى أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانٌ، وَتَحَيَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ شَفِيعٌ. فَخَلَّصَتْ ذِرَاعُهُ لِنَفْسِهِ". وَمَنْ ذِراعُهُ؟ إنَّهُ المَسِيَّا، ذِراعُ الرَّبِّ الَّتي اسْتُعْلِنَتْ. ثُمَّ ذِراعُهُ. وَهَذا مُؤثِّرٌ!

وَكَما تَرَوْنَ فإنَّ المَسِيَّا، الرَّبَّ يَسوعَ، يَلْبَسُ البِرَّ كَدِرْعٍ، وَخُوذَةَ الخَلاَصِ على رَأسِهِ. وَيَلْبَسُ ثِيَابَ الانْتِقَامِ كَلِبَاسٍ، وَيَكْتَسي بِالغَيْرَةِ كَرِدَاءٍ. وَهُوَ يَأتي ... يَأتي لِيُجازي مُبْغِضِي شَعْبِهِ سَخَطًا، وَأَعْدَاءَهُ عِقَابًا لِكَيْ يَتَّقُوا مِنَ المَغْرِبِ اسْمَ الرَّبِّ، وَيَخْشَوْنَ مَجْدَهُ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ. فالعَدُوُّ سَيَأتي كَنَهْرٍ مُتَدَفِّقٍ، وَلَكِنَّ رِيحَ الرَّبِّ تَدْفَعُهُ.

إذًا نَقْرَأُ هُنا أنَّ المَسيحَ سَيَأتي لِيُخَلِّصَ إسْرائيلَ مِنَ الفَناءِ في الوَقْتِ الَّذي سَيأتي فيهِ للدِّفاعِ عِنْهُمْ ضِدَّ الأعْداءِ الذينَ سَيَحْتَشِدونَ ضِدَّهُمْ. وَما سَيَحْدُثُ هُوَ أنَّهُ سَيُعاقِبُ الأشْرارَ. وَفي العَدَد 20: "وَيَأتِي الْفَادِي إِلَى صِهْيَوْنَ وَإِلَى التَّائِبِينَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فِي يَعْقُوبَ". وَسَتَكونُ تِلْكَ سَاعَة خَلاصِهِمْ. فَهُوَ سَيَكونُ ذَلِكَ الفادي. وَسَوْفَ يَحْدُثُ هَذا لأنَّ اللهَ وَعَدَ بِذَلِكَ في العَدَد 21: "أَمَّا أَنَا فَهذَا عَهْدِي مَعَهُمْ، قَالَ الرَّبُّ: رُوحِي الَّذِي عَلَيْكَ، وَكَلاَمِي الَّذِي وَضَعْتُهُ فِي فَمِكَ لاَ يَزُولُ مِنْ فَمِكَ، وَلاَ مِنْ فَمِ نَسْلِكَ، وَلاَ مِنْ فَمِ نَسْلِ نَسْلِكَ، قَالَ الرَّبُّ، مِنَ الآنَ وَإِلَى الأَبَدِ".

هَذا هُوَ خَلاصُ أُمَّةِ إسْرائيل، خَلاصُ العَهْدِ الجَديد. فَسَوْفَ يَنْظُرونَ إلى الَّذي طَعَنوه. وَسَوْفَ يَنوحونَ. وَسَوْفَ يَخْلُصون. وَالرَّبُّ نَفْسُهُ سَيَكونُ المُحارِبُ الَّذي يُحامي عَنْهُمْ في تِلْكَ السَّاعَةِ عِنْدَما يُرْسِلُ المَسِيَّا للدِّفاعِ عَنْهُمْ، وَأيْضًا لِتَخْليصِهِمْ. وَعِنْدَما يَأتي ذَلِكَ الوَقْتُ، في المُسْتَقْبَلِ، وَهَذا سَيَحْدُثُ عِنْدَما يَنْظُرونَ إلى الوَراءِ وَيَقولون: "نَحْنُ لَمْ نُصَدِّق. فَقَدِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ، وَجاءَ المَسِيَّا نَفْسُهُ، وَاسْتُعْلِنَتْ قُوَّةُ اللهِ مُمَثَّلَةً فيهِ. وَلَكِنَّا لَمْ نُؤمِن بِذَلِكْ وَلَمْ نُصَدِّق ذَلِك". فَهُمْ سَيَعْتَرِفونَ عَلَنًا بأهْوالِ أجْيالٍ مِنْ عَدَمِ الإيمان.

وَالسُّؤالُ الَّذي سَيُطْرَحُ آنَذاكَ هُوَ سُؤالٌ سَنَسْتَخْدِمُهُ كَمُقَدِّمَةٍ للنَّصِّ المَذْكورِ في إشَعْياء 53: لِماذا رَفَضُوا يَسوعَ المَسيح؟ لِماذا؟ سَوْفَ يَعْتَرِفونَ بِذَلِك. وَسَوْفَ ... سَوْفَ يَذْكُرونَ السَّبَبَ لَنا. وَسَيُخْبِرونَ اللهَ عَنِ السَّبَب. أمَّا الاعْتِرافُ الَّذي سَيُدْلُونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ (وَالذي يَنْبَغي لِأيِّ شَخْصٍ يَأتي إلى المَسيحِ الآنَ أنْ يُدْلي بِهِ) فَمَذْكُورٌ في العَدَدَيْنِ الثَّاني وَالثَّالِث: "نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ".

هَذا هُوَ التَّفْسيرُ. هَذا هُوَ سَبَبُ رَفْضِ اليَهودِ ليسوعَ المَسيحِ لأجْيالٍ طَويلَة. وهذا هُوَ الاعْتِرافُ الَّذي سَيُدْلي بِهِ جِيْلٌ مُسْتَقْبَلِيٌّ مِنْهُم عِنْدَ إيمانِهِمْ بِهِ. وَتَذَكَّرُوا أنَّ اللهَ سَيَعْزِلُ المُتَمَرِّدينَ عَلَيْهِ (كَما يَقولُ زَكَرِيَّا) وَأنَّ ثُلْثَ اليَهودِ في العَالَمِ في ذَلِكَ الوَقْتِ (أيْ نَحْوَ أرْبَعَة أوْ خَمْسَة مَلايينِ يَهودِيٍّ) سَيَعْتَرِفونَ بيسوعَ رَبًّا، وَأنَّهُمْ سَيَقولون: "هَذا هُوَ سَبَبُ رَفْضِنا لَهُ لأجْيالٍ عَديدَة).

وَهُناكَ ثَلاثَةُ أسْبابٍ مَذْكُورَة هُنا، ثَلاثَةُ أسْبابٍ. وَهِيَ الأسْبابُ الَّتي يُقِرُّونَ بِها. السَّبَبُ الأوَّلُ ... (وَيَقْتَضي التَّنويهُ هُنا إلى أنَّ جَميعَ هَذِهِ الأسْبابِ تَخْتَصُّ بازْدِرائِهِمْ بِهِ). السَّبَبُ الأوَّلُ هُوَ أنَّهُ مِنْ أصْلٍ وَضِيْعٍ ... أنَّهُ مِنْ أصْلٍ وَضِيْعٍ. فَقَدْ نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْقٍ مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ. وَلَكِنَّهُ نَما قُدَّامَهُ (أيْ قُدَّامَ اللهِ) كَبُرْعُمٍ إذْ كانَ دَائِمًا تَحْتَ عَيْنِ اللهِ الَّذي سُرَّ بِهِ كُلَّ السُّرور: "هَذا هُوَ ابْني الحَبيبُ الَّذي بِهِ سُرِرْتُ". فَقَدْ رَأى اللهُ كُلَّ لَحْظَةٍ مِنْ حَياتِهِ، وَراقَبَهُ وَهُوَ يَتَقَدَّمُ فِي الحِكْمَةِ وَالقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ (كَما نَقْرَأُ في لُوقا 2: 52). وَكانَ اللهُ يُلاحِظُ كُلَّ مَا يَجْري وَيُراقِبُ نُمُوَّ ابْنِهِ المُتَجَسِّدِ. لِذَلِكَ فَقَدْ كانَ يَنْمُو قُدَّامَ اللهِ. وَلَكِنْ عِنْدمَا نَظَرْنا إليهِ ... وَالعِبارَةُ "قُدَّامَ اللهِ" تَعْني "في مَسَرَّةِ اللهِ" وَفي الطَّريقِ الَّتي أرادَها اللهُ، وَوَفْقًا لِخُطَّةِ اللهِ. وَلَكِنْ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِنا كَانَ مِثْلَ بُرْعُمٍ طَرِيٍّ، وَكانِ مِثْلَ عِرْقٍ مِنْ أرْضٍ يَابِسَة.

ويَقْتَضي التَّنويهُ إلى أنَّ هَذا المُجْتَمَعَ كانَ مُجْتَمَعًا زِراعِيًّا. فَهَذا الشَّعْبُ كانَ يَعْمَلُ في الأرْضِ وَيَزْرَعُ المَحاصيلَ، وَلَدَيْهِ أشْجارٌ وَكُرومٌ، وَيُمارِسونَ الزِّراعَةَ. لِذَلكَ فإنَّ التَّشبيهاتِ الَّتي يَسْتَخْدِمونَها تَتَوافَقُ مَعَ تِلْكَ البيئَة. وَعِنْدَما يَقولونَ إنَّهُ كانَ كَفَرْخٍ (أوْ بُرْعُمٍ) فإنَّهُمْ يَقْصِدونَ بِذَلِكَ أنَّهُ كانَ غُصْنًا لا حَاجَةَ لَهُ. وَهُوَ في اللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ "يانيك" (yoneq) وَمَعْناهُ: غُصْنٌ لا لُزومَ لَهُ. والغُصونُ الزَّائِدَةُ تَظْهَرُ فَجْأةً دُوْنَ اسْتِنْباتٍ وَعَلى نَحْوٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ. وَالشَّيءُ الَّذي يَفْعَلُهُ المُزارِعونَ بِهَذِهِ الأغْصانِ الزَّائِدَةِ لِكَيْ لا تُؤثِّرَ سَلْبِيًّا في حَياةِ الأغْصانِ الأُخرى وَإثْمارِها هُوَ أنَّهُمْ يَقْطَعونَها. فَهِيَ أغْصانٌ زَائِدَةٌ، وَصَغيرَةٌ، وَغَيْرُ ضَرورِيَّةٍ، وَلا لُزومَ لَها، وَعَديمَةُ الأهَمِيَّةِ، وَعَشْوائِيَّة. فَهِيَ أغْصانُ تَظْهَرُ فَجْأةً دُوْنَ تَخْطيطٍ، وَدُوْنَ أنْ يَعْتَني بِها أحَدٌ، وَدُوْنَ أنْ يَتَوَقَّعَها أَحَدٌ. وَهِيَ أغْصانٌ لا لُزومَ لَها. لِذَلِكَ فإنَّها تُقْطَع.

وَهُناكَ مُفَسِّرونَ يَظُنُّونَ أنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتي نَما مِنْها هَذا البُرْعُم هِيَ اسْتِعارَةٌ مَجازِيَّةٌ أوْ تَعْبيرٌ مَجازِيٌّ يُشيرُ إلى شَيْءٍ مِثْلَ بَيْتِ دَاوُد أوْ مَا شَابَهَ ذَلِك. وَلَكِنَّ تَفْسيرًا كَهَذا يَتَوَسَّعُ في الشَّرْحِ دُوْنَ ضَرورَة. فَاللُّغَةُ هُنا بَسيطَةٌ جِدًّا. وَهَذِهِ، بِبِساطَة، طَريقَةٌ للقَوْلِ إنَّ نَشْأةَ يَسوعَ لَمْ تَكُنْ مُمَيَّزَة، وَلَمْ تَكُنْ مُهِمَّة، وَلَمْ تَكُنْ شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ. فَهِيَ بِدايَةٌ غَيْرُ مُهِمَّةٍ لأنَّهُ كانَ شَخْصًا نَكِرَةً وُلِدَ مِنْ أبَوَيْنِ نَكِرَتَيْنِ وَعَاشَ في بَلْدَةٍ وَضيعَةٍ. فَعِنْدَما نَظَرْنا إلى يَسوعَ مَا الَّذي رَأيناهُ؟ لَقَدْ رَأينا عَائِلَةً غَيْرَ مَعْروفَةٍ (أيْ: يُوْسُف وَمَرْيَم)، وَبَلْدَةً لَيْسَتْ مُهِمَّةً (أي النَّاصِرَة - لأنّها كانَتْ بَعيدَةً عَنِ الطَّريقِ الرَّئيسيَّة). وَقَدْ وُلِدَ في مَكانٍ حَقيرٍ، في فُنْدُقٍ وَضيعٍ وَفي حَظيرَةٍ للمَواشي، وَوُضِعَ عِنْدَ وِلادَتِهِ في مِذْوَدٍ لإطعامِ المَاشِيَة. وَقَدْ جَاءَ لِزِيارَتِهِ عِنْدَ وِلادَتِهِ مَجْموعَةٌ مِنَ الرُّعاةِ (وَهُمْ مِنْ أقَلِّ الطَّبَقاتِ الاجْتِماعِيَّةِ شَأنًا). فَهُوَ لَمْ يُوْلَد في قَصْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَبَقَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ رَاقِيَةٍ، وَلَا مِنْ عَائِلَةٍ نَبيلَةٍ، وَلَمْ يَتَلَقَّ تَعْليمًا رَسْمِيًّا عَالِيًا. وَقَدْ كانَ يَعْمَلُ نَجَّارًا طَوالَ ثَلاثينَ سَنَة. وَهُوَ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِفاقٌ مِنَ النُّخْبَةِ أوِ النَّاسِ المُهِمِّين.

إنَّهُ مُجَرَّدُ ... مُجَرَّدُ بُرْعُمٍ عَديمِ الشَّأنِ. أوْ هُوَ "كَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ". فَعِنْدَما تَغيبُ الشَّمْسُ في ذَلِكَ الجُزْءِ مِنَ العَالَمِ (في الشَّرْقِ الأوْسَطِ) تَصيرُ الأرْضُ ناشِفَةً وَجَافَّة. وَعِنْدَما تَنْكَمِشُ التُّرْبَةُ بِسَبَبِ تَبَخُّرِ المَاءِ مِنْها فإنَّ بَعْضًا مِنَ الجُذورِ تَبْتَدِئُ في الظُّهورِ على السَّطْحِ. وَهِيَ جُذورٌ بُنِّيَّةٌ مُتَّسِخَةٌ في أرْضٍ نَاشِفَةٍ دُوْنَ أنْ يَعْتَني بِها أَحَدٌ. وَهِيَ جُذورُ شَجَرَةٍ لا تَلْقى العِنايَةَ مِنْ أيِّ شَخْصٍ. فَلَوْ أنَّ أَحَدًا اهْتَمَّ بِها لَكانَ يَسْقيها. وَمَرَّةً أُخرى، فإنَّ هَذِهِ طَريقَة أُخرى للقَوْلِ إنَّ يَسوعَ كَانَ غَيْرَ ضَرورِيٍّ، وَغَيْرَ لازِمٍ، وَغَيْرَ مَرْغوبٍ فيهِ، وَغَيْرَ مُؤثِّرٍ، وَبِلا قِيْمَة. فَهُوَ مُجَرَّدُ بُرْعُمٍ أوْ غُصْنٍ جَافٍّ في أرْضٍ نَاشِفَةٍ لَمْ يَزْرَعْها أَحَدٌ، وَلَمْ يَعْتَني بِها أَحَدٌ، وَلَمْ يَسْقِها أَحَدٌ. إنَّها بِدايَةٌ مَأساوِيَّةٌ. وَكانَ اليَهودُ قَدْ قالُوا: "أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟"

وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَائِلَةٍ نَبيلَةٍ، وَلا يَنْتَمي إلى طَبَقَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ مَرْمُوقَةٍ، وَلا مِنْ عَائِلَةٍ غَنِيَّةٍ أوْ ثَرِيَّةٍ. وَهُوَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أتْباعٌ مُشَرِّفون. فَهُمْ لَمْ يَكونوا لامِعينَ، وَلا مُتَعَلِّمينَ، وَلا مُتَنَفِّذينَ، وَلا مِنْ أصْحابِ النُّفوذِ، وَلا مُهِمِّينَ. وَهُمْ لَمْ يَكونُوا مِنْ مُعَلِّمي اليَهودِ، وَلا مِنَ الفَرِّيسِيِّينَ، وَلا مِنَ الصَّدِّوقِيِّينَ، وَلا مِنَ الكَهَنَةِ، وَلا مِنَ الكَتَبَةِ. فَقَدْ كانُوا أشْخاصًا نَكِرَة. وَقَدْ كَانُوا مُجَرَّدَ جَماعَةٍ مِنَ الصَيَّادينَ الوَضيعين أَسَاسًا، مَعَ شَخْصَيْنِ غَريبَيِ الأطْوارِ أَحَدُهُما عَشَّارٌ وَالآخَرُ إرْهابِيٌّ. وَهُمْ لَمْ يَكونُوا مِنْ أصْحابِ المَناصِبِ. وَلَمْ يَكونوا مِنَ الأغْنياء. وَقَدِ انْضَمَّ هَؤلاءِ إليهِ في مَرْحَلَةٍ مُبَكِّرَةٍ ظَنًّا مِنْهُمْ أنَّهُمْ سَيَنالونَ مَناصِبَ رَفيعَةً في المَلَكوتِ وَأنَّهُمْ سَيَحْصُلونَ عَلى مُكافَأةٍ كَبيرَة.

وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ هَؤلاءِ صَاحِبَ إنْجازاتٍ يُعْتَدُّ بِها. وَقَدْ نَظَرَ اليَهودُ إلى ذَلِكَ وَقالوا: "مَهْلًا! لا يُمْكِنُ أنْ يَكونَ هَذا الشَّخْصُ هُوَ المَسِيَّا لأنَّ المَسِيَّا لَنْ يَأتي هَكَذا. فَهَذا لا يُطابِقُ الوَصْفَ الَّذي تَناقَلَهُ اليَهودُ عَبْرَ القُرونِ عَنِ المَجيءِ المَجيدِ للمَسِيَّا. فَنَحْنُ نَقْرَأُ في الأصْحاحِ السَّادِسِ مِنْ إنْجيلِ مَرْقُس أنَّهُ كانَ في النَّاصِرَةِ (في بَلْدَتِهِ الَّتي كَانُوا جَميعًا يَعْرِفونَهُ فيها). وَفي السَّبْتِ، ابْتَدَأَ يُعَلِّمُ في المَجْمَعِ فَبُهِتَ النَّاسُ مِمَّا قَالَهُ. وَقَدْ قالوا: "مِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ؟" وَاسْمَحُوا لي أنْ أُوَضِّحَ هَذِهِ الجُمْلَة بِطَريقَةٍ أُخرى. "مَنْ أيْنَ لِرَجُلٍ كَهَذا بِهَذِهِ الأشياء. فَهُوَ نَكِرَة. هَذا البُرْعُمُ ... هَذا الغُصْنُ النَّاشِفُ؟ مِنْ أيْنَ جَاءَ بِهَذِهِ الأشياءِ؟ وَما هَذِهِ الحِكْمَةُ الَّتي أُعْطِيَتْ لَهُ وَالمُعْجِزاتُ الَّتي يَصْنَعُها؟"

لَقَدْ كانُوا يُقِرُّونَ بِحِكْمَتِهِ. وَكانُوا يُقِرُّونَ بالأمورِ الَّتي يُعَلِّمُها. وَكانُوا يُقِرُّونَ بالمُعْجِزاتِ الَّتي صَنَعها. ثُمَّ إنَّهُمْ قَالُوا مَا يَلي: "أَلَيْسَ هذَا هُوَ النَّجَّارَ ابْنَ مَرْيَمَ، أَخُو يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَيَهُوذَا وَسِمْعَانَ؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ ههُنَا عِنْدَنَا؟ فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ". فَقَدْ كانُوا يَسْتَاءُونَ مِنْ كُلِّ شَيءٍ يَقولُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِخُصوصِ أنَّهَ المَسِيَّا الَّذي يَنْتَظِرونَهُ – بالرَّغْمِ مِنْ القُدْرَةِ ... القُدْرَةِ المُعْجِزِيَّةِ الَّتي كَانَ يُظْهِرُها. لِذَلِكَ فَقَدْ كَانُوا يَحْتَقِرونَ بِدايَتَهُ وَيَزْدَرونَ بِنَشْأتِهِ. ثانِيًا، كَانُوا يَزْدَرونَ بِحَياتِهِ وَبِما صَارَ عَلَيْهِ. فَقَدْ كَانَتْ حَياتُهُ (كَرَجُلٍ رَاشِدٍ) مَحْتَقَرَة ... وَكانُوا يَزْدَرونَ بِحَياتِهِ. ارْجِعُوا ثانِيَةً إلى العَدَدِ الثَّاني: "لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ".

فَقَدْ كانُوا مُغْرَمينَ بالمَظاهِرِ. لِذَلِكَ فَقَدِ اخْتارُوا شَاوُلَ لِيَكونَ أوَّلَ مَلِكٍ عَلَيْهِمْ. أليسَ كَذَلِك؟ فَقَدْ كَانَ يَفوقُ في وَسَامَتِهِ وَطُولِهِ جَميعَ الرِّجالِ. وَمَا يَزالُ كَثيرونَ يَظُنُّونَ أنَّ هَذِهِ هِيَ الوَصْفَةَ الصَّحيحَةَ للنَّجاح. وَلَكِنْ فيما يَخْتَصُّ بِهِ ... فيما يَخْتَصُّ بِيَسوع! وَلَكِنْ مَهْلًا! رُبَّما لَمْ يَكُنْ طَويلًا بِما يَكْفي، أوْ وَسيمًا بِما يَكْفي، أوْ مَهيبًا بِما يَكْفي، أوْ عَظيمًا بِما يَكْفي. وَلَكِنَّ هَذا لا يَخْتَلِفُ كَثيرًا عَمَّا جَاءَ في صَموئيلَ الأوَّل، الأصْحاح 9، عِنْدَما اخْتارُوا شَاوُل. فَلَمْ يَكُنْ هُناكَ مَظْهَرٌ مَلَكِيٌّ في يَسوع. وَلَمْ يَكُنْ هُناكَ مَظْهَرٌ مَهيبٌ في يَسوع. وَلَمْ يَكُنْ هُناكَ مَظْهَرٌ عَظيمٌ في يَسوع. بَلْ إنَّ فِكْرَةَ أنْ يَكونَ مَلِكًا كانَتْ فِكْرَةً غَريبَةً وَمُسْتَهْجَنَةً. وَقَدْ رَفَضَ اليَهودُ ذَلِكَ بِشِدَّة حَتَى إنَّهُمْ عِنْدَما ذَهَبُوا إلى بيلاطُسَ ابْتَزُّوهُ في هَذا الأمْرِ المُخْتَصِّ بِيَسوعَ وَهَدَّدوهُ بأنَّهُ إنْ لَمْ يَصْلِبْ يَسوعَ فإنَّهُمْ سَيَرْفَعونَ الأمْرَ إلى القَيْصَر، وَإنَّ رَفْعَ تَقْريرٍ آخَرَ إلى القَيْصَرِ لَنْ يَكونَ في مَصْلَحَتِهِ. وَقَدْ كانَ بيلاطُسُ يَعْلَمُ ذَلِك.

لَقَدِ ابْتَزُّوهُ. وَإذْ أرادَ أنْ يَرُدَّ الصَّفْعَةَ إلى اليَهودِ، وَأنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُمْ، وَأنْ يَزْدَري بِهِمْ، عَلَّقَ عَلى صَليبِ يَسوعَ لافِتَةً تَقولُ: "هذَا هُوَ يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ، مَلِكُ الْيَهُود". وَقَدْ كانَ هَذا هُوَ انْتِقامُ بيلاطُسَ لأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ هَذا أكْثَر ادِّعاءٍ ليسوعَ لاقى اعْتِراضًا. فَمَعَ أنَّهُ أظْهَرَ قُدْرَةً إلَهِيَّةً، وَحِكْمَةً إلَهِيَّةً، وَحَقًّا إلَهِيًّا، وَنِعْمَةً إلَهِيَّةً، وَقَداسَةً، فَإنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا شَيْئًا مِنَ الجَمالِ المَلَكِيِّ فيه. وَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا جَذَّابًا فيه. لِذَلِكَ فَقَدِ ازْدَروا بِنَشْأتِهِ مُنْذُ البِدايَة. وَقَدِ ازْدَروا بِحَياتِهِ في مُنْتَصَفِها.

وَثالِثًا، كانَتْ نِهايَتُهُ مُحْتَقَرَة أيضًا. لَقَدِ ازْدَروا بِنِهايَتِهِ. وَلِكَيْ تَرَوْا ذَلِكَ انْظُروا إلى العَدَدِ الثَّالِثِ: "مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ". وَهَذِهِ الكَلِماتُ الأولى تُشيرُ إلى نِهايَةِ حَياتِهِ. فَهُمْ لَمْ يَزْدَرُوا فَقَطْ بِنَشأتِهِ، وَلا فَقَطْ بِحَياتِهِ، بَلِ ازْدَروا تَحْديدًا بِمَوْتِهِ. وَالآنْ تَذَكَّرُوا أنَّهُمْ لَمْ يَكونوا يَظُنُّونَ أنَّهُمْ في حَاجَةٍ إلى شَخْصٍ يَموت عَنْ خَطاياهُمْ. فَقَدْ كَانُوا أبْرارًا في أعْيُنِ أنْفُسِهِمْ. وَكانُوا يُحاوِلونَ إرْضاءَ اللهِ مِنْ خِلالِ أعْمالِهِمِ الصَّالِحَةِ وَطُقوسِهِمِ الدِّينيَّةِ وَأفْعالِهِمْ. وَقَدْ جَاءَ المَسِيَّا، أوْ هَذا الشَّخْصُ الَّذي يَزْعُمُ أنَّهُ المَسِيَّا وَالمَلِك، وَبَدَلًا مِنْ أنْ يَكونَ مُنْتَصِرًا، وَبَدَلًا مِنْ أنْ تَنْتَهي خِدْمَتُهُ بالمَجْدِ، وَالعَظَمَةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالغَلَبَةِ، وَالرِّفْعَةِ، وَالسُّمُوِّ، فإنَّهُ كَانَ مُحْتَقَرًا وَمَخْذولًا مِنَ النَّاسِ. وَقَدِ انْتَهى كُلُّ شَيءٍ نِهايَةً مُحْزِنَةً وَمُؤلِمَةً.

لَقَدْ كانَ بِمَقْدورِهِمْ أنْ يَنْظُروا إلى مَوْتِ يَسوعَ بِكُلِّ أهْوالِهِ وَأنْ يَقولوا: "حَقًّا هَذا هُوَ الذَّبيحُ الَّذي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ. وَهَذِهِ هِيَ الذَّبيحَةُ التي تَمَّتِ الإشارَةُ إليها عِنْدَما عَثَرَ إبراهيمُ على الكَبْشِ العَالِقِ مِنْ قَرْنَيْهِ في شُجَيْرَةٍ لِيَكونَ البَديلَ عَنِ ابْنِهِ. وَحينئذٍ فإنَّهُ تَراجَعَ عَنْ ذَبْحِ ابْنِهِ إسْحاقَ وَذَبَحَ الكَبْشَ بَدَلًا عِنْهُ. وَهَذا هُوَ المَعْنى المَقْصُودُ مِنْ ذَبْحِ خَروفِ الفِصْحِ وَوَضْعِ دَمِهِ على قَائِمَتَيِ الأبْوابِ وَالعَتَبَةِ العُلْيا مِنْ أجْلِ النَّجاةِ مِنْ غَضَبِ اللهِ لأنَّ الخَروفَ مَاتَ عَوِضًا عَنِ الشَّعْبِ. وَهَذِهِ هِيَ ... هَذِهِ هِيَ الذَّبيحَةُ الأخيرَةُ، وَالذَّبيحَةُ الحَقيقيَّةُ الوَحيدَةُ القادِرَةُ أنْ تُخَلِّصَ وَالَّتي رَمَزَتْ إليها مَلايينُ الذَّبائِحِ الَّتي قَدَّمُوها يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ حِيْنَ كَانُوا يَذْبَحونَ الحَيَواناتِ طَوالَ تَاريخِهِمْ.

لَقَدْ كانَ بِمَقْدورِهِمْ أنْ يَفْعَلوا ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَظَنُّوا أنْفُسَهُمْ خُطاةً أوْ في حَاجَةٍ إلى ذَبيحَةٍ، وَلَمْ يَظُنُّوا أنَّهُمْ في حَاجَةٍ إلى كَفَّارَةٍ أوْ في حَاجَةٍ إلى مُخَلِّص. لِذَلِكَ عِنْدَما رَأَوْا هَذا الإنسانَ الَّذي يَزْعُمُ أنَّهُ المَسِيَّا رَجُلًا ذَا أوْجاعٍ وَأحْزانٍ، وَأنَّ حَياتَهُ انْتَهَتْ بِتِلْكَ الطَّريقَةِ، كانَ مُحْتَقَرًا في أعْيُنِهِمْ. لِذَلِكَ فَإنَّهُمْ يَرْفُضونَهُ الآنَ لأنَّهُمْ رَفَضُوهُ آنَذاك. فَهُمْ يَرْفُضونَ يَسوعَ الآنَ لأنَّهُمْ رَفَضُوا يَسوعَ آنَذاك. فَقَدْ كَانَ مُحْتَقَرًا ... وَهِيَ كَلِمَةٌ قَوِيَّةٌ تَعْني أنَّهُمْ عَامَلوهُ بازْدِراء. فَقَدْ عَامَلوهُ بازْدراءٍ آنَذاكَ وَمَا زَالوا يُعامِلونَهُ بازْدراءٍ. مَا زَالُوا يَفْعَلونَ ذَلِك. وَالكَلِمَةُ العِبْرِيَّةُ لِيَسوعَ هِيَ "يَشوع" ... "يَشوع". وَقَدْ قَامَ مُعَلِّمو اليَهودِ عَلى مَرِّ السِّنينَ بِتَغْييرِ اسْمِهِ مِنْ خِلالِ إسْقاطِ الحَرْفِ الأخيرِ (أيِ "العَيْن") فَيُسَمُّونَهُ "يَشُو". والكَلِمَةُ "يَشُو" هِيَ كَلِمَةٌ تَعْني حُروفُها: "لِيُمْحَ اسْمُهُ". لِذَلِكَ عِنْدَما تَجِدُ في كِتاباتِ مُعَلِّمي اليَهودِ الكَلِمَة "يَشُو" فإنَّها تَعْني: "لِيُمْحَ اسْمُهُ" - وَهِيَ صِيْغَةٌ أُخرى للقَوْلِ: "لا نُريدُ أنَّ هَذا [الرَّجُلَ] يَمْلِكُ عَلَيْنا". وَهَذا هُوَ مَا قَالوهُ عِنْدَما صَرَخُوا للمُطالَبَةِ بِصَلْبِهِ.

وَهُوَ يُسَمَّى في لُغَةِ مُعَلِّمي اليَهودِ "المُعْتَدي". وَهُمْ يُسَمُّونَهُ أيْضًا "تالُوِي" (Tolui) أي: "المُعَلَّق" لأنَّهُ "ملْعونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَة". وَرُبَّما كانَ الأمْرُ المُحْزِنُ أكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ هُوَ أنَّهُمْ يَقْرِنونَ اسْمَ يَسوعَ بِهَرْطَقاتٍ مِثْلَ هَرْطَقَةِ "ابْن ستادا" (ben Stada) و "ابْنْ بانديرا" (ben Pandira). وَهَذا مُهينٌ جِدًّا. فالقِصَّةُ الحَقيقيَّةُ (كَما يَقولُ مُعَلِّمُو اليَهودِ) هِيَ قِصَّةُ "يَشُو" (حَسَبَ قَوْلِهِمْ). وَهِيَ قِصَّةُ رَجُلٍ يُدْعى "ابْن بانديرا" وامْرَأةٍ تُدْعى "مِرْيام ابْنَة ستادا". وَبِحَسَبِ القِصَّة فإنَّ "ابن بانديرا" هُوَ أبوهُ، وَ "ابنة ستادا" هي أُمُّه. وكانَتْ أُمُّهُ الَّتي تُدْعَى "مِرْيَام ابْنَة ستادا" مُصَفِّفَةَ شَعْرٍ مَارَسَتِ الزِّنا مَعَ "يُوْسُف ابْن بانديرا" (وَهُوَ مُرْتَزَقَة رُومانِيّ) فَأنْجَبَتْ مِنْهُ "يَشُو". لِذلكَ فإنَّ "يَشُو" هُوَ الابْنُ غَيْرُ الشَّرْعِيّ لِمُصَفِّفَةِ شَعْرٍ وَمُرْتَزَقَةٍ رُومانِيٍّ، وَإنَّهُ (حَسَبَ أقْوالِ مُعَلِّمي اليَهودِ) ذَهَبَ إلى مِصْرَ لِكَيْ يَتَعَلَّمَ فُنونَ السِّحْرِ وَيُضِلَّ النَّاسَ. وَهَذا كُلُّهُ مَذْكورٌ في التَّلمود.

وَيُسَمِّي مُعَلِّمو الشَّريعَةِ إنْجيلَهُ "إيفون-غيلاجُون" (avon-gillajon). فبدلًا مِن أن يُسَمُّوها "الخَبَر السَّارّ" فإنَّهُمْ يُسَمِّونَها "الكِتاباتُ المُلَوَّثةُ بالخَطيئَة". فَهُمْ مَشْهورونَ على مَرِّ الأجْيالِ بالاسْتِهْزاءِ بيسوع ... بِدَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ دُوْنَ شَكٍّ. لِذَلِكَ فَقَدْ كانَ مُحْتَقَرًا. وَهَذا هوَ مَا يَقولونَهُ في بدايَةِ العَدَدِ الثَّالِث. وَهُوَ مَا يَقولونَهُ في نِهايَةِ العَدَدِ الثَّالِثِ - مَرَّتَيْن. فَقَدْ كَانَ مُحْتَقَرًا. وَهَذا مَا زَالَ مُسْتَمِرًّا. ثُمَّ نَقْرَأُ أنَّهُ كانَ مَخْذولًا مِنَ النَّاسِ. وَأوَدُّ أنْ تَنْظُروا إلى ذَلِك. فَهَذا لَيْسَ أمْرًا بَسيطًا كَما يَبْدو. فَهُوَ لَمْ يَكُنْ مَخْذولًا مِنَ النَّاسِ بالمَعْنى العَامِّ. فَلَوْ كانَ هَذا المَقْصودُ لَقالُوا "مِنْ بَني آدَم ... بَني آدَم". فَهَذا التَّعبيرُ يُشيرُ إلى النَّاسِ عَامَّةً. وَلَكِنَّهُمْ قالُوا "بَني إيش". وَالمَقْصودُ بِذَلِكَ الأسيادُ، والحُكَّامُ، وَالقادَةُ، وَالوُجَهاءُ. لِذَلِكَ ما الَّذي كانَ يَقولُهُ العامَّةُ؟ انْظُروا، إنَّهُ صَاحِبُ نَشْأةٍ مُحْتَقَرَةٍ، وَحَياةٍ مُحْتَقَرَةٍ، وَنِهايَةٍ مُحْتَقَرَةٍ حَتَّى إنَّ أَحَدًا مِنَ الأشخاصِ المُهِمِّينَ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ. وَقَدْ نَظَرْنا إلى قادَتِنا فَوَجْدَناهُمْ يَصْرُخونَ مُطالِبينَ بِقَتْلِه.

وَفي إنجيل يوحنَّا 7، هُناكَ شَهادَةٌ مُهِمَّةٌ على هَذا الحَدَث. فَفي يُوحَنَّا 7 (يُمْكِنُكُمْ أنْ تَفْتَحُوا كُتُبَكُمْ ... لِنَقُلْ على العَدَد 45): "فَجَاءَ الْخُدَّامُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ. فَقَالَ هؤُلاَءِ لَهُمْ: لِمَاذَا لَمْ تَأتُوا بِهِ؟ (فَقَدْ أرْسَلْناكُمْ للإمْساكِ بِهِ، والقَبْضِ عَلَيْهِ، وَإحْضارِهِ إلينا!)" أَجَابَ الْخُدَّامُ (أيْ شُرْطَةُ الهَيْكَلِ): "لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلَ هذَا الإِنْسَانِ!" (نَحْنُ لا نَعْلَمُ مَاذا نَفْعَلُ بِهِ. فَقَدْ ذُهِلْنا مِنْ تَعاليمِهِ). فَأَجَابَهُمُ الْفَرِّيسِيُّونَ: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا قَدْ ضَلَلْتُمْ؟" ثُمَّ لاحِظُوا هَذا: "أَلَعَلَّ أَحَدًا مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَوْ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ آمَنَ بِهِ؟" (يُوحَنَّا 7: 48) – أيْ "لا يُوْجَدُ شَخْصٌ مُهِمٌّ آمَنَ بِهِ".

لذلكَ عندما يَنْظُرُ اليهودُ إلى الوَراءِ في المُستقبَلِ، سَيَقولونَ: "انْظُروا، انْظُروا إلى بِدايَةِ حَياتِهِ، وَإلى مُنْتَصَفِ حَياتِهِ، وَإلى نِهايَةِ حَياتِهِ. فَلَمْ يَكُنْ فيها شَيْءٌ يَجْعَلُهُ جَذَّابًا. وَلَمْ يَكُنْ هُناكَ مَا يُوافِقُ الصُّورَةَ الَّتي تَخَيَّلْناها. ثُمَّ إنَّ مَوْتَهُ كَانَ مُرَوِّعًا. فَقَدْ كانَ مَرْفُوضًا، وَمَحْتَقَرًا، وَلا يُوْجَدُ أشْخاصٌ مُهِمُّونَ يُسانِدونَهُ. فَما الَّذي كانَ يُتَوَقَّعُ مِنَّا أنْ نَفْعَلَهُ؟ فَنَحْنُ نَتْبَعُ قَادَتَنا! فَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ النُّخْبَةِ الحَاكِمَةِ قَريبًا مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُناصِرُهُ، وَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنْهُمْ يُؤمِنُ بِهِ. وَالقِلَّةُ القَليلَةُ الَّذينَ يُفْتَرَضُ أنَّهُمْ آمَنُوا بِهِ تَراجَعُوا لأنَّ ثَمَنَ اتِّباعِهِ كَانَ باهِظًا جِدًّا. وَقَدْ كانَ هُناكَ عَدَدٌ مِنَ التَّلاميذِ السِّرِّيِّينَ الَّذينَ ظَهَروا لاحِقًا. وَلَكِنَّ النَّاسَ المَرْموقينَ لَمْ يَتَأثَّرُوا بِهِ. وَهَؤلاءِ هُمْ وُجَهاءُ أُمَّتِهِ وَالأشخاصُ الأعلى مِنَ الجُموعِ. فَهُناكَ تَسَلْسُلٌ هَرَمِيٌّ للسُّلْطَة. وَقَدْ كانَ هَذا التَّسَلْسُلُ جَامِدًا وَمُتَحَجِّرًا. وَكانَ النَّاسُ في القَاعِ. أمَّا القَادَةُ فَكَانُوا يَمْلِكونَ السُّلْطَةَ وَالنُّفوذَ. وَقَدِ ابْتَعَدَ الرِّجالُ العُظَماءُ عَنْهُ. فَلَمْ يَكُنْ هُناكَ أشْخاصٌ ذَوُو شَأنٍ إلى جَانِبِهِ.

وَما يَزالُ هَذا هُوَ الواقِعُ اليوم في العالَم. ما زَالَ هَذا يَحْدُث. فأعْمالُ يَسوعَ وَقُدْرَتهُ كانَتْ تُنْسَبُ إلى الشَّيْطانِ. وَكانَ القادَةُ هُمُ الَّذينَ قالُوا إنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَفْعَل بِواسِطَةِ قُوى الجَحيمِ، وَبَعْلَزَبُول، وَالشَّيطان. لِذَلِكَ فَقَدِ اضْطَهَدوا أتْباعَهُ وَقَتَلوهُم. وَقَدْ اتَّهَمُوا الرُّسُلَ بالارْتِدادِ وَقالُوا إنَّهُمْ أسْوَأُ مِنَ الوَثَنِيِّين. وَفي تِلْكَ السِّنين الباكِرَة، كانَ (اليَهودُ) يُصَلُّونَ صَلاةً يَقولونَ فيها: "لَيْتَ أتْباعَ يَسوعَ يَفْنَوْنَ فَجْأةً وَيَعْدَمونَ الرَّجاءَ وَيُمْحَوْنَ مِنْ سِفْرِ الحَياة". فَقَدْ كانَ هَذا هُوَ عُمْقُ الرَّفْضِ وَالسُّخْرِيَةِ. وَقَدِ انْتَهى الحَالُ بيسوعَ أنَّهُ رَجُلُ أوْجاعٍ (في العَدَدِ الثَّالِثِ) وَمُخْتَبِرُ الحَزَن. انْظُروا فَقَط إلى حَياتِهِ فَتَجِدونَ أنَّها حَزينَة. لِذَلِكَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكونَ هَذا هُوَ المَسِيَّا.

فبَدَلًا مِنَ التَّسَبُّبِ بالألَمِ وَالحُزْنِ لأعْداءِ إسرائيلَ وَللأُمَم، كَما تَقولُ النُّبوءاتُ إنَّهُ سَيَفْعَلُ، فإنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ رَجُل أَوْجاعٍ (أوْ حَرْفِيًّا: آلامٍ)، وَلَكِنْ لَيْسَتْ آلامًا خَارِجِيَّةً. فالكَلِمَةُ العِبْرِيَّةُ المُسْتَخْدَمَةُ هُنا تُشيرُ إلى حُزْنِ القَلْبِ بِجَميعِ صُوَرِهِ. وَهُوَ كَانَ أيْضًا مُخْتَبِرَ الحَزَنِ ... حُزْنَ النَّفْسِ. فَقَدْ كانَ رَجُلًا حَزينًا. لَقَدْ كانَ حَزينًا مِنَ الدَّاخِل. وَيُمْكِنُكُمْ أنْ تَنْظُروا إلى الأمْرِ هَكَذا: لَقَدْ رَأوْهُ شَخْصًا مُثيرًا للشَّفَقَة ... مُثيرًا للشَّفَقَة. فَقَدْ كانَ غَارِقًا في حُزْنٍ عَميق. وَكانَ يَصْرُخُ، وَيَبْكي. فَلا تُوْجَدُ قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ في العَهْدِ الجَديدِ تَقولُ إنَّهُ ضَحِك. فَأيْنَ قَائِدُهُمُ العَظيمُ، وَالمُنْتَصِرُ، وَالغَالِبُ، وَالمُفْعَمُ بالفَرَحِ وَالحَماسَةِ وَالتَّشويق؟

مَنْ يَكونُ هَذا الرَّجُلُ المَكْسورُ القَلْبِ، وَالباكي، وَالحَزين، وَالمُتألِّم؟ وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، دُوْنَ شَكٍّ، هُناكَ الألَمُ البَدَنِيُّ. وَقَدْ كانَ ذَلِكَ سَيِّئًا جِدًّا (كَما جَاءَ في العَدَدِ الثَّالِثِ) إذْ كانَ كَشَخْصٍ حَجَبَ النَّاسُ عَنْهُ وُجُوهَهُمْ. فَعِنْدَما رُفِعَ على الصَّليبِ، كانَ مَنْظَرُهُ قَدْ تَشَوَّهَ أكْثَرَ مِنْ أيِّ رَجُلٍ آخَر (كَما جَاءَ في العَدَد 14 مِنَ الأصْحاح 52). وَقَدْ غُرِزَ تَاجٌ مِنَ الشَّوْكِ في رَأسِهِ، وَكانَ الدَّمُ يَسيلُ عَلى جَسَدِهِ، وَالذُّبابُ يُغَطِّيهِ في عُرْيِهِ وَهُوَ مُعَلَّقٌ في العَراءِ تَحْتَ أشِعَّةِ الشَّمْسِ على الصَّليبِ، وَالمَساميرُ تَخْتَرِقُ يَدَيْهِ، وَآثارُ الضَّرْبِ وَالجَلْدِ، وَالبُصاقُ جَفَّ عَلى وَجْهِهِ وَجَسَدِهِ، وَالكَدَماتُ النَّاجِمَةُ عَنِ اللَّكْمِ في الوَجْهِ وَعَنِ الضَّرْبِ بالعِصِيِّ.

إنَّ وَاقِعَ آلامِهِ لا يُوافِقُ الصُّورَةَ الَّتي رَسَموها في أذْهانِهِمْ للمَسِيَّا. والآنْ تَذَكَّروا أنَّهُمْ لَمْ يَكونُوا في حَاجَةٍ (أوْ بالحَرِيِّ: لَمْ يَكونوا يَظُنُّونَ أنَّهُمْ في حَاجَةٍ) إلى مُخَلِّص. وَلَكِنَّ يَسوعَ قَالَ: "لا يُمْكِنُني أنْ أفْعَلَ لَكُمْ شَيْئًا لأنِّي لَمْ آتِ لأدْعُو أبْرارًا إلى التَّوْبَة". وَهَذا هُوَ مَا جَعَلَهُمْ يُبْغِضوهُ تَمامًا. لذلكَ كانَ كَشَخْصٍ حَجَبَ النَّاسُ عَنْهُ وُجُوهَهُمْ، وَكَشَخْصٍ قَبيحٍ جِدًّا، وَمُشَوَّهٍ جِدًّا، وَبَشِعٍ جِدًّا، وَمَرْفُوضٍ جِدًّا حَتَّى إنَّهُمْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ النَّظَرِ إليهِ. لَقَدْ كانَ الأمْرُ مُحْرِجًا جِدًّا، وَمُعيبًا جِدًّا، وَبَشِعًا جِدًّا، وَمُريعًا جِدًّا، وَلا يُنْسَى البَتَّة بالرَّغْمِ مِنْ أنَّهُمْ لَمْ يَرْغَبُوا في الاحْتِفاظِ بِصُورَتِهِ في أذْهانِهِمْ. لَقَدْ كانَ هَذا ... كَانَ هَذا هُوَ مَوْقِفُ بَني إسْرائيلَ الدَّائِمُ مِنْ يَسوع. فَهُوَ بَشِعٌ في نَظَرِهِمْ وَلا يَصْلُحُ أنْ يَكونَ المَسِيَّا. إنَّهُ مُحْتَقَرٌ.

لِذلكَ، في نِهايةِ العَدَدِ الثَّالِثِ، كانَ مُحْتَقَرًا فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. وَيا لَها مِنْ عِبارَةٍ لَطيفَةٍ تِلْكَ الأخيرَة! نَحْنُ "لَمْ نَعْتَدَّ بِهِ". وَالمَعْنى المَقْصودُ هُوَ أنَّنا نَظَرْنا إليهِ كَنَكِرَة، وَكَشَخْصٍ لا وُجودَ لَهُ. وَهَذِهِ أحَطُّ دَرَجاتِ السُّخْرِيَة. فَهُوَ نَكِرَة في نَظَرِنا. هَذِهِ هِيَ النَّظْرَةُ التَّاريخيَّةُ لِيَسوعَ عِنْدَ الشَّعْبِ اليَهودِيِّ. وَأنا أشْكُرُ الرَّبَّ لأنَّ يَهودًا كَثيرينَ يَأتونَ إلى المَسيحِ، وَاحِدًا وَاحِدًا، طَوالَ تَاريخِ الكَنيسَةِ، وَيَرَوْنَهُ على حَقيقَتِهِ. ألَيْسَ هَذا خَبَرًا سَارًّا أنْ نَعْلَمَ أنَّ الأُمَّةَ سَتَرْجِعُ يَوْمًا مَا وَتَراهُ وَتُقَدِّمُ هَذا الاعْتِراف؟ أنا أعْلَمُ أنَّ أُناسًا قَدْ يَقولون: "إنَّ هَذا تَحامُلٌ عَلى اليَهود". لا! فَهَذا ليسَ اعْتِرافًا سَتَقومُ بِهِ الأمُمَ، بَلْ هُوَ اعْتِرافٌ يُقَدِّمُهُ اليَهودُ في يَوْمٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ عِنْدَما يَنْظُرونَ إلى الوَراءِ وَيُدْرِكونَ مَا فَعَلُوه.

إنَّ هَذا لَيْسَ تَقْييمًا أُمَمِيًّا لِعَدَمِ إيمانِ اليَهود، بَلْ هُوَ تَقْييمٌ يَهودِيٌّ. وَهُوَ تَوْبَةٌ. فَهَذِهِ الكَلِماتُ الَّتي سَتَنْطِقُ بِها الأُمَّةُ هِيَ اعْتِرافٌ نَابِعٌ مِنْ قَلْبٍ مَكْسُورٍ للتَّعبيرِ عَنْ أسْوَأِ خَطيئَةٍ يُمْكِنُ تَخَيُّلُها وَهِيَ: رَفْضُ المَسيح. وَهَذِهِ هِيَ الكَلِماتُ الَّتي يَنْبَغي لَكَ أنْ تَقولَها إنْ كُنْتَ مَا تَزالُ تَرْفُضُ يَسوعَ المَسيح. فَيَنْبَغي لَكَ أنْ تَقولَ نَفْسَ هَذِهِ الكَلِماتِ الآن، يَهودِيًّا كُنْتَ أمْ غَيْرَ يَهودِيٍّ، أيًّا كُنْتَ، لِكَيْ يُفْتَحَ يَنْبوعُ التَّطْهيرِ لَكَ. وَإلى أنْ يَأتي الوَقْتُ الَّذي يُؤمِنونَ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وَرُبَّما في المُسْتَقْبَلِ القَريبِ، يَنْبَغي لَنا أنْ نُرَدِّدَ مَا جَاءَ في رُومية 1: 16: "لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ".

وَأوَدُّ أنْ أُنْهي في دَقيقَةٍ أوْ دَقيقَتَيْنِ بِأنْ أطْلُبَ مِنْكُمْ أنْ تَفْتَحُوا على أعْمال الرُّسُل 3، أعْمال الرُّسُل، الأصْحاح 3 وَالعَدَد 17. وَهَذِهِ هِيَ عِظَةُ بُطْرُس (بَعْدَ عِظَةِ يَوْمِ الخَمْسينِ في أيَّامِ الكَنيسَةِ البَاكِرَة). وَيا لَها مِنْ عِظَةٍ عَظيمَة! العَدَد 13، يَقولُ بُطْرُس: "إِنَّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إِلهَ آبَائِنَا، مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ، الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلاَطُسَ، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلاَقِهِ. وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ (أيْ: باراباس). وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ. وَبِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هذَا (أيِ الرَّجُلَ الَّذي شَفَياهُ للتَّوِّ) الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هذِهِ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ". إنَّهُ يَقولُ: "لَقَدْ رَفَضْتُمْ ... أنْتُمْ مَسؤولونَ عَنْ رَفْضِ وَقَتْلِ رَئيسِ الحَياةِ".

ثُمَّ يَقولُ في العَدَد 17 (وَهَذا مُهِمٌّ جِدًّا): "وَالآنَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ ..." (فَهُوَ يُخاطِبُ هَؤلاءِ اليَهودَ بِوَصْفِهِمْ إخْوَة) "... أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالَةٍ عَمِلْتُمْ، كَمَا رُؤَسَاؤُكُمْ أَيْضًا ..." (أنا أعْلَمُ). "... وَأَمَّا اللهُ فَمَا سَبَقَ وَأَنْبَأَ بِهِ بِأَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ، أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمَسِيحُ، قَدْ تَمَّمَهُ هكَذَا". وَفي رَأيِكُمْ، أيْنَ يُريدُ أنْ يَصِلَ مِنْ خِلالِ كَلامِهِ هَذا؟ إشَعْياء 53 على الأرْجَح. "فَتُوبُوا وَارْجِعُوا". ألَيْسَ هَذا هُوَ الخَبَر السَّارّ؟ فَقَدْ قَتَلْتُمْ رَئيسَ الحَياةِ. وَاللهُ يَقولُ لَكُمْ أنْ تَتوبُوا وَتَرْجِعُوا. وَعِنْدَما تَفْعَلونَ ذَلِكَ "تُمْحَى خَطَايَاكُمْ". وَهَذا هُوَ مَا قالَهُ يَسوعُ حَرْفِيًّا عِنْدَما كَانَ على وَشْكِ المَوْتِ عَلى الصَّليب: "يا أبَتاه ..." ماذا؟ "اغْفِرْ لَهُمْ، لأنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ". فَأنْتُمْ جَاهِلونَ، وَقَدْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ بِعَدَمِ إيمانٍ. "تُوبُوا وارْجِعُوا لِتُغْفَرَ خَطاياكُمْ". ثُمَّ ماذا سَيَحْدُثُ؟ عِنْدَما تَرْجِعونَ وَتَتوبونَ وَتُمْحَى خَطاياكُمْ، فإنَّ أوْقاتَ الفَرَجِ سَتأتي. وَهَذا هُوَ المَلَكوت. هَذا هُوَ المَلَكوت.

لأنَّهُ "يُرْسِلَ يَسُوعَ المَسِيحَ المُبَشَّرَ بِهِ لَكُمْ قَبْلُ". وَهَذِهِ إشارَةٌ إلى مَجيئِهِ الثَّاني لِتَأسيسِ مَلَكوتِهِ. "الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ السَّمَاءَ تَقْبَلُهُ، إِلَى أَزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ، الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا اللهُ بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ". وَهُوَ يَتَحَدَّثُ ثانِيَةً عَنِ المَلَكوتِ، وَعَنِ العَهْدِ الإبراهيميِّ، وَالعَهْدِ الدَّاوُدِيِّ، وَمَا قالَهُ الأنْبياءُ، وَالخَلاصِ، وَجَميعِ وُعودِ المَلَكوتِ. فَكُلُّ هَذا سَيَتَحَقَّقُ عِنْدَما يَأتي المَسيحُ ثانِيَةً. فالمَسيحُ سَيَأتي ثانِيَةً في أزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيءٍ، في أزْمِنَةِ الرَّدِّ، في أزْمِنَةِ الفَرَج، عِنْدَما تَتوبونَ ... عِنْدَما تَتوبون.

وَهُوَ يَقولُ في العَدَد 24: "وَجَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أَيْضًا مِنْ صَمُوئِيلَ فَمَا بَعْدَهُ، جَمِيعُ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا، سَبَقُوا وَأَنْبَأُوا بِهذِهِ الأَيَّامِ (أيَّامِ المَلَكوت). أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الأَنْبِيَاءِ، وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ بِهِ اللهُ آبَاءَنَا قَائِلاً لإِبْراهِيمَ: وَبِنَسْلِكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. إِلَيْكُمْ أَوَّلاً، إِذْ أَقَامَ اللهُ فَتَاهُ يَسُوعَ ..." (أيْ: "عَبْدَهُ" - كَما لُقِّبَ في إشَعْياء 53)، "... أَرْسَلَهُ يُبَارِكُكُمْ بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَنْ شُرُورِهِ". فَأنْتُمْ قَتَلْتُمُ المَسِيَّا، وَلَكِنَّ اللهَ لَمْ يَنْتَهِ مِنْكُمْ بَعْد. فَسَوْفَ يَأتي يَوْمٌ يَرُدُّكُمْ فيهِ عَنْ خَطاياكُمْ وَيُرْسِلُ ابْنَهُ لِيُؤسِّسَ مَمْلَكَتَهُ وَيُتَمِّمَ وَعْدَهُ. فاللهُ لَمْ يَنْتَهِ بَعْد مِنْ إسْرائيل، يا أحِبَّائي. لِذَلِكَ، ثَبِّتُوا أنْظارَكُمْ على إسْرائيل. فَخَلاصُهُمْ مَضْمونٌ بِوَعْدٍ مِنَ اللهِ. وَإلى أنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ، فإنَّ الخَلاصَ مُتاحٌ لِكُلِّ مَنْ يَدْعو باسْمِهِ.

يا أبانا، نَأتي إليكَ الآنَ (في خِتامِ هَذا الوَقْتِ الرَّائِعِ مِنَ العِبادَةِ) ... نأتي بِقُلوبٍ مُمْتَنَّةٍ. فَهُناكَ حَقٌّ عَظيمٌ في هَذا الأصْحاحِ. إنَّهُ ... إنَّهُ مَعينٌ لا يَنْضُبُ. وَلَكِنْ حَتَّى مِنْ خِلالِ آيَتَيْنِ فَقَطْ فإنَّنا نَفْهَمُ التَّاريخَ بِطَريقَةٍ جَديدَةٍ، وباسْتِيعابٍ شَديدٍ لِمِئاتِ السِّنينِ، وَأجيالٍ مِنَ الرَّفْضِ للمَسيح. وَالآنَ نَحْنُ نَفْهَمُ السَّبَب. وَلَكِنَّنا نَعْلَمُ أيْضًا أنَّ هُناكَ يَوْمًا مُسْتَقْبَلِيًّا سَتُحَقِّقُ فيهِ كُلَّ وُعودِكَ الَّتي قَطَعْتَها لإسرائيل في سَاعَةِ خَلاصِهِمْ، عِنْدَما تَصيرُ فَادِيًا لَهُمْ. وَنَحْنُ نَتَطَلَّعُ قُدُمًا إلى ذَلِكَ اليَوْم. وَلَكِنْ في تِلْكَ الأثناءِ، وَفي غُضونِ ذَلِكَ، فإنَّ رِسالَةَ الإنجيلِ الَّتي يُؤمِنُ بِها النَّاسُ تَصيرُ قُوَّةَ اللهِ للخَلاصِ، لليَهودِ وَالأُمَم. لِذَلِكَ، لَيْتَكَ تُنْعِمْ عَلَيْنا، يا رَبُّ، وَتَتَراءَفْ عَلَيْنا، وَتَجْذِبْ أُناسًا إلى قَلْبِكَ اليومَ .. بَلِ الآن!

وَبَيْنَما أنْتُمْ في رُوْحِ الصَّلاةِ، اعْلَمُوا أنَّ هَذا أهَمّ قَرارٍ تَأخُذونَهُ، وَأهَم تَعَهُّدٍ تَتَعَهَّدونَ بِهِ لأنَّ حَياتَكُم الأبديَّةَ عَلى المِحَكِّ. فَهُناكَ سَماءٌ تَنْتَظِرُكُمْ بَدَلًا مِنْ جَهَنَّم. وَلِكَيْ تَحْصُلوا على كُلِّ مَا فَعَلَهُ المَسيحُ لأجْلِكُمْ، أنْتُمْ في حَاجَةٍ إلى مُخَلِّص. فَأنْتُمْ لَسْتُمْ صَالِحونَ بالقَدْرِ الكَافي. وَأنْتُمْ لا تَقْدِرونَ أنْ تَدْخُلوا السَّماءَ بِصَلاحِكُمْ أوْ تَدَيُّنِكُمْ. فَسَوْفَ تُخْفِقُون. فَأنْتُمْ في حَاجَةٍ إلى مُخَلِّص. وَأنْتُمْ في حَاجَةٍ إلى شَخْصٍ يَدْفَعُ أُجْرَةَ خَطاياكُمْ. وَأنْتُمْ في حَاجَةٍ إلى قَبولِ الثَّمَنِ الَّذي دَفَعَهُ لِكَيْ يَحْسِبَهُ اللهُ لَكُمْ وَيَغْفِرَ لَكُمْ خَطاياكُمْ تَمامًا في تِلْكَ اللَّحْظَةِ فَيَكونُ لَكُمْ يَقينُ الحَياةِ الأبدِيَّة. يَا لَها مِنْ رِسالَة! فَهَلْ تُؤمِنونَ بِها؟ هَلْ تُؤمِنونَ بِها بالقَدْرِ الكَافي لِقَبولِ المَسيحِ رَبًّا؟ هَذا هُوَ السُّؤال.

نَشْكُرُكَ، يا أبانا، مَرَّةً أُخرى الآن عَلى العَمَلِ الَّذي سَتَعْمَلُهُ في قُلوبِنا لأنَّ كَلِمَتَكَ لا تَرْجِعُ إليكَ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ. وَصَلاتُنا هِيَ أنْ يَحْدُثَ ذَلِكَ اليَوْمَ لِمَجْدِكَ. باسْمِ المَسيحِ نُصَلِّي. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize