Grace to You Resources
Grace to You - Resource

لقد كُنَّا نَتحدَّثُ عن الإنْجيلِ بِحَسَبِ بولُس، وتأملنا في عددٍ مِنْ جوانبِ ذلكَ الإنجيل. وقد "صُلْنا" وَ "جُلْنا" كَما يَنْبَغي أنْ نَفعل. وهناكَ عُنصرٌ للإنجيلِ بحسبِ بولُس، والإنجيلِ بحسبِ الرُّسُلِ الآخَرينَ، والإنجيلِ بحسبِ يَسوعَ، وإنجيلِ اللهِ، وإنجيلِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ، وإنجيلِ الخلاصِ ... هُناكَ عُنصرٌ في هذا الإنجيلِ لا يُمكنُ التَّغاضي عنهُ. والحقيقةُ هي أنَّ بولسَ يركِّز كثيرًا على هذا الموضوعِ وَهُوَ أنَّ هذا الإنجيلَ هُوَ إنْجيلُ السِّيادَةِ الإلهيَّة. فقُوَّةُ الإنجيلِ وعَمَلُ الإنجيلِ المُخَلِّصِ قد أُعْطِيَ بمشيئةِ اللهِ. فالبِرُّ لا يَأتي مِنْ فَوْق إلى أسْفَل وحسب (كَما تَعلَّمنا)، بل إنَّ الإيمانَ يَأتي أيضًا مِنْ فوق إلى أسفل، والتَّبكيت يأتي مِن فوق إلى أسفل. فالرُّوحُ القُدُسُ هو الَّذي يُبَكِّتُ العالمَ على خَطِيَّة، وعلى بِرّ، وعلى دَينونة. والرُّوحُ القُدُس هو الَّذي يَمْنَحُ التَّوبَة كما يَقولُ بولُس. والإيمانُ نَفسُهُ عَطِيَّة مِنَ اللهِ. فجميعُ عَناصرِ الخلاصِ تَأتي مِنْ فَوْق إلى أسفَل. فلا يوجدُ عُنصرٌ مِن هذهِ العناصِرِ يَنْبُعُ مِنَّا، أو مِنْ إرادَتِنا، أو مِنْ أعمالِنا، أو مِنْ حَدْسِنا، أو مِنْ نَوايانا. بل نحنُ مُجَرَّد مُسْتَقْبِلينَ للخَلاصِ المَمنوحِ لَنا بِكُلِّ مَعنى الكَلِمَة بِفَضْلِ سِيادَةِ نِعْمَةِ اللهِ.

ويُوضِّحُ بولسُ هذا الأمرَ تمامًا في الأصحاحِ الأوَّلِ مِنْ رسالةِ أفَسُس. وسأبتَدِئُ مِنْ هُنا، أيْ مِنَ أفَسُس-الأصحاح الأوَّل. وسوفَ نَتأمَّلُ في عددٍ مِنَ المقاطِعِ لمساعدتكم على فهمِ موضوعِ سِيادَةِ اللهِ فيما يَختصُّ بالخلاصِ، وكيفيَّة ارتباطِ هذهِ السِّيادةِ بمسؤوليَّةِ الإنسان. وفي كُلِّ مَرَّةٍ أُشارِكُ فيها في مُؤتَمَرٍ حَوْلَ العالمِ، ونَعْقِدُ فيهِ جَلْسَةَ أسْئلةٍ وأجوبةٍ، فإنَّ واحدًا مِنَ الأسئلةِ الَّتي تُطْرَحُ دائمًا هو: كيفَ نُوَفِّقُ بينَ سِيادةِ اللهِ ومَسؤوليَّةِ الإنسانِ؟ أو كيفَ نَفهمُ أنَّ الخلاصَ هُوَ مَوضوعٌ مُختصٌّ بمشيئةِ اللهِ، وأنَّهُ يَتِمُّ باختيارِ اللهِ لتَحقيقِ قَصْدِ اللهِ في توقيتِ اللهِ، وأنَّهُ (في الوقتِ نَفسِهِ) يَجْعَلُ الإنْسانَ مَسؤولًا عَمَّا يَحْدُث؟ فهذا سؤالٌ لا مَفَرَّ مِنْهُ. واسمَحُوا لي أنْ أَنْصَحَكُمْ بأنْ تُريحُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ عَناءِ التَّفكيرِ في هذا السُّؤالِ لأنَّكُمْ لن تَتَمَكَّنُوا مِنَ الحُصولِ على جَوابٍ شَافٍ تَمامًا في هذهِ الحياة. لذلكَ، أرجُو أنْ تُريحُوا أنْفُسَكُمْ مِنْ عَناءِ هذا السُّؤال.

ولكِنْ إنْ كانَ بِمَقدوري أنْ أَفعلَ شيئًا لمساعدتكم قليلًا، فإنِّي سَأزيدُ حِيْرَتَكُمْ أكْثَرَ قليلًا. فإنْ سألتُكُمْ سؤالًا بسيطًا مِثْلَ هَذا: مَنْ كَتَبَ رِسالَةَ أَفَسُس؟ ماذا سيكونُ جَوابُكُم؟ لقد سَمِعْتُ جَوابَيْنِ: "اللهَ" و "بولُس". ولكِنْ مَنْ مِنْهُما الكاتِبُ؟ هذا سؤالٌ بَسيطُ يا أحبَّائي! مَنْ كَتَبَ رِسالَةَ أَفَسُس؟ لا يُمكنكم تقديمَ إجابةٍ بسيطةٍ عن هذا السُّؤال. فيمكنكم أن تقولوا: "بولُس"، ولكِنْ يجب أنْ تُوَضِّحوا الإجابة. فهلِ المُفْرَداتُ هِيَ مُفْرَداتُ بولُس؟ أجل. وَهَلِ الفِكْرُ هُوَ فِكْرُ بولُس؟ أجل. وهلِ المَنْطِقُ هُوَ مَنْطِقُ بولُس؟ أجل. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ، فإنَّ كُلَّ كلمةٍ هِيَ بِوَحْيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. لذلكَ، لا يُمكنكم حَتَّى أنْ تُجيبوا عن سؤالٍ بسيطٍ مِثْلَ: مَنْ كَتَبَ أَحَدَ أسْفارِ الكتابِ المقدَّس. فإن لم تَنْتَبِهُوا جيِّدًا لن تُجيبوا إجابةً صحيحة. فالرُّوحُ القُدُسُ لَمْ يُمْلي رِسالةَ أَفَسُسْ على بولسَ بطريقةٍ آلِيَّةٍ. بل إنَّ الرِّسالةَ تُعَبِّرُ عَنْ قلبِ بولسَ، وعَقْلِهِ، ورُوحِهِ، ومُفرداتِهِ، وخِبْراتِهِ. ومَعَ ذلكَ فإنَّ كُلَّ كلمةٍ هِيَ بِوَحْيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس.

وإذا طَرَحْتُ عَلَيكُم سؤالًا آخَرَ: مَنْ يَحْيا حَياتَكُم المَسيحيَّة؟ مَنْ؟ إنَّهُ سُؤالٌ بَسيطٌ. هَيَّا! إنَّكُمْ تَفعلونَ ذلكَ كُلَّ يوم. مَنْ يَفْعَلُ ذلك؟ حَسَنًا، سَوْفَ تَقولونَ: "نَحْنُ". وهذا جَوابٌ مُفْرِطٌ في البَساطَةِ. فإذا كُنْتُم تَحْيَوْنَ حياتَكُم المسيحيَّة، فَهَلْ أَنْتُمْ مَنْ تَحْيَوْنَها أَمِ الرُّوحُ القُدُس؟ وَقَبْلَ أنْ تُجيبوا، تَذَكَّروا أنَّهُ لا يَجوزُ لكُم أنْ تأخذُوا الفَضْلَ على الأمورِ الحَسَنَةِ الَّتي تَفعلونَها، وأنَّهُ لا يَجوزُ لكُم أنْ تَلوموا الرُّوحَ القُدُسَ على الأمورِ السَّيِّئَةِ. لذلكَ، مَنِ الَّذي يَحْياها؟ إذًا أنْتُمْ واقِعونَ في المُعضِلَةِ نَفْسِها. واسمُحوا لي أنْ أُساعِدَكُم. فالرَّسولُ بولسُ قالَ هَذِهِ الكلمات: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا". وهذا يَعني أنَّهُ لم يَكُنْ يَفْهَمُ ما يَجْري تَمامًا. فهذهِ هِيَ الحَقيقة.

وهذا يُشْبِهُ مُحاولةَ حَلِّ لُغْزٍ عَويصٍ. فلا يُمكنُكُم العُثورُ على حُلولٍ لهذهِ المواضيعِ العَويصَةِ المُختصَّةِ باللهِ. فإنْ تَحَدَّثْنا عَنْ عَقيدَةِ ضَمانِ المُؤمِنِ الأبديِّ (أيْ عَنْ أنَّ المَسيحَ يَضْمَنُ خَلاصَنا)، لا يُمْكِنُكُم التحدُّث عَنْ هذا الموضوعِ دونَ قَلْبِهِ رَأسًا على عَقِبٍ مِنْ خِلالِ التَّحَدُّثِ عَنْ صَبْرِ القِدِّيسين. فنحنُ لنْ نَدْخُلَ الأمْجادَ إلَّا إذا ثَبَتْنا في إيمانِنا. فكُلُّ عَقيدةٍ رَئيسيَّةٍ تَختصُّ بالخلاصِ في الكِتابِ المقدَّسِ (وبمواضيعَ عديدة أُخرى غيرِ الخَلاصِ) تَحْوي نَقيضًا ظاهِرِيًّا لا يُمْكِنُ للعقلِ البشريِّ أنْ يَستوعِبهُ تَمامًا. وهذا دَليلٌ ساطِعٌ على أنَّ اللهَ (وليسَ الإنسانَ) هوَ الكاتِبُ الحقيقيُّ للكتابِ المقدَّسِ. فلو كانَ العكسُ صحيحًا لقامَ البَشَرُ بالتَّخَلُّصِ مِنْ جَميعِ هذهِ التَّناقُضاتِ الظَّاهريَّةِ الَّتي لا حَلَّ لها.

لذلكَ فقد تَعَمَّدْتُ أنْ أَزيدَ التَّشويشَ قَليلًا لكي تُدركوا أنَّ الأمْرَ لا يَقْتَصِرُ على موضوعِ سِيادَةِ اللهِ وَمَسؤوليَّةِ الإنْسانِ. فسوفَ يَستمرُّ هذا التَّشويشُ إلى أنْ نَفْهَمَ الأمْرَ عندما نَعْرِفُ كَما عُرِفْنا عندما نَصيرُ في حَضْرَةِ اللهِ. أمَّا ما دُمْنا نَمتلكُ هذهِ العُقولَ الصَّغيرةَ، والمَحدودةَ، والقاصِرَةَ، وَالضِّيِّقَةَ، والعاجِزَةَ أثناءَ حَياتِنا في هذا العالَمِ، فإنَّ فَهْمَنا سَيَبقى مَحْدودًا جِدًّا. لذلكَ، يجبُ عليكُم أنْ تُريحُوا أنفُسَكُم مِنْ عَناءِ التَّفكيرِ في هذا السُّؤالِ. وأنا سأُساعِدُكُمْ وَأريحُكُمْ قليلًا في هذا الصَّباح.

لِنَقْرَأ ما جاءَ في الأصحاحِ الأوَّلِ مِنْ رِسالةِ أَفَسُس، ابتداءً مِنَ العَدَد 3: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوب". هل هذا واضحٌ؟ لماذا نِلْتُمُ الخَلاصَ؟ هل لأنَّكُمْ عاقِلونَ وتُريدونَ أنْ تُؤمِنوا بالإنجيل؟ لا. بل لأنَّ اللهَ اخْتارَكُمْ بِنِعْمَتِهِ قَبْلَ تَأسيسِ العالَمِ. والغايةُ الأساسيَّةُ لذلكَ الاخْتيارِ هِيَ أنْ تَكونوا قِدِّيسينَ وَبلا لَوْمٍ قُدَّامَهُ. فَقَدْ صِرْنا أبرارًا لأنَّهُ بَرَّرَنا. فِبِفَضْلِ مَحَبَّتِهِ (كَما رَأينا في رِسالةِ كورِنثوسَ الثَّانية وَالأصحاحِ الخامِس)، عَيَّنَنا للتَّبَنِّي فَصِرْنا أولادًا لَهُ. وَهَذا كُلُّهُ حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشيئَتِهِ لكي يَؤولَ كُلُّ التَّسْبيحِ وَكُلُّ المَجْدِ لَهُ هُوَ. وتَتكرَّرُ هذهِ الفِكرةُ طَوالَ هذهِ الجُمْلَةِ الطَّويلةِ الَّتي تَمْتَدُّ مِنَ العَدَد 3 إلى العَدَد 14. فَهِيَ جُملةٌ واحِدَةٌ، وَهِيَ أطْوَلُ جُملةٍ في كُلِّ الأعمالِ الأدبيَّةِ. فَكُلُّ هَذا (كَما جاءَ في العَدَد 12) هُوَ "لِمَدْحِ مَجْدِهِ". وَكُلُّ هَذا (كَما جاءَ في العَدد 14) هُوَ "لِمَدْحِ مَجْدِهِ". وَكُلُّ هذا (كما جاءَ في العدد 6) هُوَ "لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ".

لذلكَ، يجبُ علينا أنْ نَفهمَ أنَّ خُطَّةَ الخلاصِ بِأسْرِها هِيَ عَمَلُ القَصْدِ الإلَهِيِّ قبلَ تأسيسِ العالَم. فاللهُ عَيَّنَ الأشخاصَ الذينَ سيَخْلُصون. وأسماءُ هؤلاءِ كُتِبَتْ في سِفْرِ حَياةِ الخَروفِ ... الخَروفِ الَّذي ذُبِحَ قَبْلَ تأسيسِ العالَمِ بِمُقْتَضى القَصْدِ الإلَهِيِّ. وما أجْمَلَ ما كُتِبَ في إنجيل مَتَّى 25: 34 إذْ نَقْرَأُ: "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِـــي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأسِيسِ الْعَالَمِ".

والحقيقةُ هي أنَّ الرَّسولَ بولسَ فَهِمَ هذا الأمر. وقد فَهِمَ كلماتِ يَسوعُ في إنجيل يوحنَّا 15: "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ". وهذهِ هِيَ عَقيدةُ التَّعيينِ السَّابِقِ العَظيمَة، أوْ عَقيدَةُ الاخْتيار. ولكنَّ كَثيرينَ يُقاومونَها، وَكَثيرينَ يُبْغِضونَها وَيَرْفُضونَها. وَهِيَ واحدةٌ مِنَ العَقائدِ غَيْرِ المَقبولةِ لدى الأشخاصِ الَّذينَ اعْتادُوا العَيْشَ في بِلادٍ ديمُقراطيَّةٍ، والذينَ قِيْلَ لَهُمْ أنَّ الحَياةَ يَنْبَغي أنْ تُعاشَ بِمِلْءِ إرادَتِهِمْ واخْتيارِهِم. ولكنَّ النَّاسَ الَّذينَ نَشَأوا في بِلادٍ ذاتِ نِظامٍ مَلَكِيٍّ يَفْهَمونَ أكْثَر قَليلًا مَعْنى وُجودِ سُلْطَةٍ وَسِيادَةٍ أَعْلى مِنهُم. وأمَّا نحنُ الَّذينَ نَشَأنا في هذِهِ الجُمهوريَّةِ العَظيمَةِ، وهذِهِ التَّجربةِ الدِّيمقراطيَّةِ العَظيمَةِ الَّتي لَمْ يُوْجَدْ لَها مَثيلٌ في تاريخِ العالَمِ إلى أنْ وُجِدَتْ أُمَّتُنا، فإنَّنا نَظُنُّ أنَّهُ ينبغي أنْ نُعْطَى الحُرِّيَّةَ لِفِعْلِ مَا نَشاء. لذلكَ فنحنُ لَمْ نَعِشْ يَوْمًا تَحْتِ أيِّ سُلْطَة.

ولكنَّكُم تَعيشونَ تَحْتَ سُلْطَةٍ وَسِيادَةٍ أَعلى مِنْكُم عندما تَأتونَ إلى مَلكوتِ اللهِ. والسِّيادةُ الإلهيَّةُ هِيَ الَّتي عَيَّنَتْ كُلَّ شَيءٍ. ونحنُ سَنَصيرُ قِدِّيسينَ بِمَشيئَتِهِ وَبلا لَوْمٍ عندما نَقِفُ قُدَّامَهُ كامِلين ومُبَرَّرين. فبمُقتضَى قَصْدِهِ الإلَهِيِّ السَّابِقِ، نِلْنا التَّبَنِّي وصِرْنا أولادَهُ. وهذا كُلُّهُ حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشيئَتِهِ. واللُّغَةُ الَّتي يَتَحَدَّثُ بها بولسُ في الأعداد مِن 3 إلى 6 وَاضِحَةٌ تَمامًا. فنحنُ نَنالُ الفِداءَ بِمُقْتَضى مَشيئَتِهِ. وبِمُقتضى مَشيئَتِهِ أيْضًا نَنالُ غُفرانَ الخَطايا (كَما جاءَ في العَدَد 7). وبمشيئَتِهِ أَنْعَمَ عَلينا بِكُلِّ هَذِهِ الأشياءِ. وبمُقتضَى مَشيئَتِهِ (كَما جاءَ في العَدَد 9)، عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ لَنا في المُستقبَل. بعبارةٍ أُخرى، فقد أَعطانا في الكِتابِ المُقَدَّسِ فكرةً كاملةً عن رَجائِنا في المُستقبَل. فما يَنْتَظِرُنا (أوِ الميراثُ الَّذي يُشيرُ إليهِ في العَدَد 11) هُوَ نَتيجَةُ تَعْيينِهِ السَّابِقِ لنا حَسَبَ قَصْدِهِ. وَهَذا الكَلامُ يَتكرَّرُ حَتَّى نِهايَةِ العَدَد 14. فهُناكَ ميراثٌ يَنْتَظِرُنا في المُستقبَل.

فَكُلُ شَيءٍ، ابتداءً مِنَ الاختيارِ إلى التَّمجيدِ، وَكُلُّ الأشياءِ الَّتي بَيْنَهُما (مِنْ تَبْريرٍ وَتَقْديسٍ) هِيَ حَسَبَ قَصْدِهِ الإلهيِّ وَمَشيئَتِهِ الإلهيَّة. وهذا أمْرٌ واضِحٌ كُلَّ الوُضوحِ أيضًا في الأصحاحِ الثَّامِنِ مِنْ رِسالةِ رُومية. افْتَحُوا مِنْ فَضْلِكُم على الأصحاحِ الثَّامِنِ مِنْ رِسالةِ رُومية. وهذِهِ مُجَرَّدُ مُقَدِّمَة. فَهَدَفي هُوَ إطْلاعُكُمْ (في عُجالَةٍ) على مَجموعةٍ مِنَ الآياتِ الكِتابيَّةِ الَّتي رُبَّما لَمْ تَنْظُروا إليها مِنْ قَبْل بالطَّريقةِ الَّتي سَنَنْظُرُ إليها الآن.

فنحنُ نَقرأُ في رِسالة رومية 8: 29: "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ ...". والعِبارَةُ "سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ" هي ليسَتْ مُجَرَّدَ إشارةٍ إلى عِلْمِ اللهِ بِكُلِّ شَيءٍ، بَلْ هِيَ تُشيرُ إلى اخْتيارِ اللهِ السَّابِقِ: "... سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ". والكَلِمَة "عَرَفَهُمْ" يُمْكِنُ أنْ تُفْهَمَ بالمَعْنى الحَميم. "وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ". فالمَعنى هُنا هُوَ ليسَ أنَّهُ عَرَفَ مَنْ تَكون، بَلْ تَعْني أنَّهُ كانَتْ تَرْبطُهُما عَلاقَةٌ حَميمَة. وقد قالَ يَسوعُ: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا". وهذا لا يَعني أنَّهُ يَعْرِفُ مَنْ تَكونُ، بل يَعني أنَّهُ يَرْتَبِطُ مَعَها بِعلاقَةٍ حَميمَة. فهذهِ عَلاقَةٌ حَميمَةٌ عَيَّنَها اللهُ مُسَبَّقًا. وبسببها، عَيَّنَنا لنكونَ مُشابِهينَ صُوْرَةَ ابْنِهِ. فنحنُ نَقرأُ في العَدَد 30: "وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا". فَهُناكَ التَّعيينُ السَّابِقُ، ثُمَّ الدَّعْوَةُ إلى الخَلاصِ، والتَّبريرُ، والتَّمجيد.

وَفي الأصحاحِ السَّادِسِ مِن إنجيلِ يُوحنَّا، كَمَا ذَكَرْنا في يومٍ سابِقٍ: "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا". مَنْ يُقْبِلُ إليَّ أَقْبَلُهُ، وَأحْفَظُهُ، و "أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ ... لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا". فهذهِ هي الطَّريقةُ الَّتي يَنبغي أنْ نَفْهَمَ بِها عَقيدَةَ التَّعيينِ السَّابِقِ العَظيمَةِ هَذِهِ والتي هِيَ جُزْءٌ مِنْ لاهوتِ بولُس. وَهِيَ مَذكورةٌ في مَواضِعَ أُخرى أيضًا.

وَالآنْ، إنَ السُّؤالَ الَّذي أُريدُكُمْ أنْ تُفَكِّروا فيهِ مَعي قليلًا في هذا الصَّباحِ (حَسَبَ الوَقْتِ المُتاحِ لَنا) ... إنَّ السُّؤالَ هُوَ: هل عَقيدَةُ الاختيارِ السَّابِقِ والسِّيادةِ الإلهيَّةِ تُلْغي مَشيئةَ الإنْسانِ؟ هَلْ عَقيدَةُ النِّعمةِ الإلهيَّةِ، والتَّعيينِ الإلهيِّ السَّابِقِ، والاخْتيارِ السَّابِقِ (الَّتي يُعَلِّمُها الكِتابُ المُقَدَّسُ دُونَ أَدنى شَكٍّ) تُلْغي إرادَةَ الإنسان؟ إنَّ هَذا السُّؤالَ مُهِمٌّ جِدًّا.

وَالآنْ، لمساعَدَتِكُمْ على فَهْمِ مَا يَقولُهُ الرَّسولُ بولسُ عن هذا الموضوعِ، أرْجو أنْ تَرْجِعُوا إلى أَحَدِ الأسفارِ النَّبويَّةِ في العَهْدِ القَديمِ وَهُوَ سِفْرُ إشَعْياء. أرجو أنْ تَفتحوا على سِفْرِ إشَعْياء-الأصحاح العاشِر. إشَعْياء الأصحاح 10. وهُناكَ انتِقادٌ شَائِعٌ، دُوْنَ شَكٍّ، يُوَجَّهُ إلينا نَحْنُ الذينَ نُعَلِّمُ اللَّاهوتَ الكِتابِيَّ. فَالأشخاصُ الذينَ يَتَضايَقونَ مِنْ عَقيدَةِ التَّعيينِ السَّابِقِ وَالاخْتيارِ الإلَهِيِّ يَتَّهِمونَنا بأنَّنا لا نُؤمِنُ بحُرِّيَّةِ الإنسانِ وَلا بإرادَةِ البَشَر. وهُناكَ رُعاةٌ كَثيرونَ تَكَلَّمْتُ مَعَهُمْ على مَدى السَّنواتِ السَّابِقَةِ مِمَّنْ يَشْعُرونَ بأنَّهُمْ إنْ عَلَّمُوا هَذِهِ العَقيدَةَ فإنَّهُمْ يَقْضُونَ على عُنْصُرِ الشَّغَفِ المَوْجودِ في الكِرازَة، وَيَجْعَلونَ أَفْرادَ الرَّعيَّةَ غَيْرَ مُبالينَ بِمَصيرِ الخُطاةِ. ولكنَّنا تَعَلَّمنا مِنْ خِلالِ ما جاءَ في 2 كورِنثوس 5 ما قَالَهُ بولُسُ. فَهُوَ يَقولُ: "أنا أَحْيا حَياتي لِهَدَفٍ واحِدٍ. فَحَياتي مَحْصورَةٌ في مَحَبَّةِ المسيحِ لي. فَهُوَ لَمْ يَمُتْ لأجلي أنا فقط، بل ماتَ لأجْلِ جَميعِ الذينَ ماتُوا فيهِ. لذلكَ فأنا سَفيرٌ لهذا الإنجيلِ المَجيدِ، وَأنا أَكْرِزُ وَأُكَرِّسُ حَياتي لِخِدمةِ المُصالَحَةِ". لذلكَ، لم يَكُنْ لهذهِ العقيدةِ تأثيرٌ سَلْبِيٌّ في شَغَفِهِ. بلِ الحقيقَةُ هِيَ أنَّ شَغَفَهُ بالإنجيلِ وبالكِرازَةِ بِهِ للخُطاةِ هُوَ الَّذي جَعَلَهُ يَموتُ شَهيدًا.

ولكنَّ التُّهمةَ الَّتي تُنْسَبُ إلينا هِيَ أنَّ الكِرازَةَ سَتَصيرُ عَديمَةَ الحَياةِ إنْ قُلْنا إنَّ خَلاصَنا (مِنْ بِدايَتِهِ إلى نِهايَتِهِ) هُوَ عَمَلُ اللهِ. لذلكَ، لِنَبتدِئ بِفَهْمِ هذهِ النُّقطةِ مِنْ خلالِ الكَلِماتِ الَّتي قالَها إشَعْياءُ في ذلِكَ السِّياقِ الفَريد. إشَعْياء 10: 5: "وَيْلٌ لأَشُّور!" وَيْلٌ لأشور! فَهُناكَ دَينونَةٌ، وَسَخَطٌ، وَلَعْنَةٌ، وَغَضَبٌ إلَهِيٌّ سَيَقَعُ عليها. فاللهُ سَيَدينُ أَشور. "وَيْلٌ لأشور". ثُمَّ نَقرأُ هَذهِ الكَلِماتِ غيرِ المَألوفَة: "قَضِيبِ غَضَبِي، وَالْعَصَا فِي يَدِهِمْ هِيَ سَخَطِي". وهذِهِ كَلِماتٌ غَريبَةٌ وَغَيْرُ مَألوفَة البَتَّة! فأشورُ هُنا تُمَثِّلُ العَصَا التي سَيَستخدِمُها اللهُ لإحْلالِ سَخَطِهِ عَلى أُمَّةِ إسرائيلَ المُرْتَدَّة. فأشورُ هِيَ الأداةُ الَّتي كانَ اللهُ مُزْمِعًا أنْ يَستخدمِهَا لإدانَةِ إسرائيلَ المُرتدَّة. وفي هذا المَقطعِ، فإنَّ اللهَ يَأمُرُ أَشُور بِمُقتضَى سِيادَتِهِ أنْ تَعْمَلَ على إهْلاكِ إسرائيل.

ثُمَّ نَقرأُ في العَدَد 6: عَلَى أُمَّةٍ مُنَافِقَةٍ أُرْسِلُهُ ..." (أيْ على أُمَّةِ إسرائيل)، "... وَعَلَى شَعْبِ سَخَطِي أُوصِيهِ ..." (أيْ على اليَهودِ في إسرائيل)، "... لِيَغْتَنِمَ غَنِيمَةً وَيَنْهَبَ نَهْبًا، وَيَجْعَلَهُمْ مَدُوسِينَ كَطِينِ الأَزِقَّةِ". فَهَذا أَمْرٌ إلَهِيٌّ كانَ اللهُ مُزْمِعًا أنْ يُجْرِيَهُ مِنْ خِلالِ اجْتياحِ أَشور لمملكةِ إسرائيل. والآنْ، اسْمَحُوا لي أنْ أَقولَ لَكُم شيئًا. إنَّ هَذا لا يَخْتَصُّ البَتَّةَ بِنَوايا أَشور. فاللهُ لم يَسألْ أَشور إنْ كانُوا يَرْغَبونَ في القيامِ بذلك. وَأَشورُ لَمْ تَكُنْ تُخَطِّطُ لذلكَ في الأصْل. فنحنُ نَقرأُ في العَدَد 7: "أَمَّا هُوَ فَلاَ يَفْتَكِرُ هكَذَا". فأَشورُ لم تَكُنْ تَعْتَزِمُ أنْ تَكونَ أداةً بِيَدِ اللهِ لِتَدْميرِ إسرائيل. وأشورُ لَمْ تَكُنْ تَنوي أنْ تَكونَ أداةً بِيَدِ يَهْوَه. وَأشورُ لَمْ تَكُنْ تَتَمَتَّعُ بِعَلاقَةٍ مَعَ اللهِ الحَقيقيِّ الحَيِّ. وَهِيَ لَمْ تَكُنْ تَعْتَزِمُ تَنفيذَ هَذِهِ الخُطَّة في قَلْبِها – كَما جاءَ في العَدَد 7. بل إنَّ قَصْدَها كانَ هُوَ أنْ تُهْلِكَ وَتُبيدَ أُمَمًا كَثيرةً إذْ نَقْرَأُ: "فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَلَيْسَتْ رُؤَسَائِي جَمِيعًا مُلُوكًا؟ أَلَيْسَتْ كَلْنُو مِثْلَ كَرْكَمِيشَ؟ أَلَيْسَتْ حَمَاةُ مِثْلَ أَرْفَادَ؟ أَلَيْسَتِ السَّامِرَةُ مِثْلَ دِمَشْقَ؟" فقد كانَ الكُلُّ سِيَّانٌ عِنْدَها. وَهُمْ لَمْ يَكونُوا يُفَكِّرونَ في إبادَةِ إسرائيلَ، عَاصِمَةِ السَّامِرَةِ، أكْثَرَ مِنْ أيِّ أُمَّةٍ أُخرى. "كَمَا أَصَابَتْ يَدِي مَمَالِكَ الأَوْثَانِ، وَأَصْنَامُهَا الْمَنْحُوتَةُ هِيَ أَكْثَرُ مِنَ الَّتِي لأُورُشَلِيمَ وَلِلسَّامِرَةِ، أَفَلَيْسَ كَمَا صَنَعْتُ بِالسَّامِرَةِ وَبِأَوْثَانِهَا أَصْنَعُ بِأُورُشَلِيمَ وَأَصْنَامِهَا؟"

بعبارةٍ أُخرى، لم تَكُنْ أَشورُ تُمَيِّزُ بينَ أُمَّةٍ وَأُخرى. فقد كانُوا سُعَداءَ بِتَدْميرِ كُلِّ الأُمَمِ المُحيطَةِ بِهِم. وَهُمْ لم يَكونوا يَسْعُونَ إلى تَدْميرِ إسرائيلَ تَحْديدًا. ولكنَّ اللهَ سَيُهُيْمِنُ على أَشورَ وَيَسْتَخْدِمُها كَأداةِ دَيْنونَةٍ في يَدِهِ لإبادَةِ المملكةِ الشَّماليَّةِ الَّتي لَمْ تَتَعافى (بالمُناسَبَة) مِنْ تلكَ الضَّرْبَة. وبالرَّغْمِ مِن ذلكَ فإنَّ هذا لا يُعْطي أَشورَ أيَّ امْتيازٍ لدى اللهِ لأنَّنا قَرَأنا في العددِ الخامِسِ: "وَيْلٌ لأشور". فاللهُ يَستَخدِمُ حَرْفِيًّا أُمَّةً كَأداةٍ لإنزالِ دَينونَتِهِ، في حينِ أنَّ تلكَ الأُمَّةَ لا تَعْتَزِمُ في قَلْبِها القِيامَ بذلك. فَهِيَ تَخْدِمُ مَقاصِدَ اللهِ. ولكنَّها سَتُلْعَنُ، وَتُعاقَبُ، وَتُدانُ. تابِعُوا مَعي مَا جَاءَ في العَدَد 12: "فَيَكُونُ مَتَى أَكْمَلَ السَّيِّدُ كُلَّ عَمَلِهِ بِجَبَلِ صِهْيَوْنَ وَبِأُورُشَلِيمَ، أَنِّي أُعَاقِبُ ثَمَرَ عَظَمَةِ قَلْبِ مَلِكِ أَشُّورَ وَفَخْرَ رِفْعَةِ عَيْنَيْهِ". يا للعَجَب! فنحنُ نَرى هُنا سِيادَةَ اللهِ العامِلَة مِنْ خلالِ أَشور. ولَكِنْ بسببِ الأعمالِ الَّتي سَتَقومُ بها أَشور، فإنَّها سَتَتَحَمَّلُ المَسؤوليَّةَ كامِلَةً.

وهذا يَضَعُ جنبًا إلى جَنْبٍ السِّيادةَ الإلهيَّةَ والمَسؤوليَّةَ البشريَّةَ. فأشورُ كانَتْ مَزْهُوَّةً بنَفْسِها. لأنها قالَت: "بِقُدْرَةِ يَدِي صَنَعْتُ، وَبِحِكْمَتِي. لأَنِّي فَهِيمٌ. وَنَقَلْتُ تُخُومَ شُعُوبٍ، وَنَهَبْتُ ذَخَائِرَهُمْ، وَحَطَطْتُ الْمُلُوكَ كَبَطَل فَأَصَابَتْ يَدِي ثَرْوَةَ الشُّعُوبِ كَعُشٍّ، وَكَمَا يُجْمَعُ بَيْضٌ مَهْجُورٌ، جَمَعْتُ أَنَا كُلَّ الأَرْضِ، وَلَمْ يَكُنْ مُرَفْرِفُ جَنَاحٍ وَلاَ فَاتِحُ فَمٍ وَلاَ مُصَفْصِفٌ" (بعبارةٍ أُخرى: كَما لو أنِّي نَهَبْتُ أَعْشاشَ الطُّيورِ). "هَلْ تَفْتَخِرُ الْفَأسُ عَلَى الْقَاطِعِ بِهَا، أَوْ يَتَكَبَّرُ الْمِنْشَارُ عَلَى مُرَدِّدِهِ؟ كَأَنَّ الْقَضِيبَ يُحَرِّكُ رَافِعَهُ! كَأَنَّ الْعَصَا تَرْفَعُ مَنْ لَيْسَ هُوَ عُودًا!" (بعبارةٍ أُخرى: فإنَّ هَذا يَضَعُ القُوَّةَ في يَدِ العَصا وَلَيْسَ في يَدِ حَامِلِ العَصا). واللهُ يَقول: "سوفَ أُهْلِكُ أَشور. سَوْفُ أُهْلِكُهُمْ. وسوفَ أَحْرِقُهُمْ وَأُفْنِيُهُمْ". وفي العَدَد 18: وسوفَ أُفْنِي مَجْدَ وَعْرِهِ وَبُسْتانِهِ" ... وَهَلُمَّ جَرَّا.

وكيفَ تُفَسِّرونَ حقيقةَ أنَّ الأشورِيِّينَ لم يَكُنْ لديهِمْ خِيارٌ في ما سيَفعلونَهُ بإسرائيل، ولكنَّ اللهَ حَمَّلَهَمُ المسؤوليَّةَ كاملةً عَنِ الفَظائِعِ الَّتي فَعَلوها بإسرائيل؟ استَمِعُوا إلى ما سأقولُهُ لَكُم: يجبُ عليكُم أنْ تُسَلِّمُوا بهذهِ المُعْضِلَةِ. فالكِتابُ المقدَّسُ لا يُقَدِّمُ لنا تَفسيرًا، ولا يُعطينا دِفاعًا فَلسفيًّا. كيفَ، يا رَبُّ، ستَستخدِمُ هذهِ الأُمَّةَ كأداةٍ لتَنفيذِ عَدالَتِكَ المُقَدَّسَةِ، ثُمَّ تَستديرُ حالًا وَتُدَمِّرُهُمْ بسببِ الخَطايا الَّتي فَعَلوها أثناءَ تَنفيذِ ذلك؟

افتَحُوا على إنجيل يوحنَّا، الأصحاح الثَّالث. وبالمُناسَبَة، ألَسْنا نَعْلَمُ ذلكَ؟ "أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟" افتَحوا على إنجيل يوحنَّا، الأصحاح الثَّالث، إذْ أُريدُ أنْ أُرِيَكُمْ شَيئًا. وَهُوَ شَيءٌ مُهمٌّ جدًّا. فقد كانَ هُناكَ رَجُلٌ مِنْ جَماعَةِ الفَرِّيسيِّينَ يُدعى "نيقوديموس"، رَئيسٌ لليهود ... رَئيسٌ لليهود (وَهَذا يَعني أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا لليهود). فقد كانَ هذا الرَّجُلُ مُعَلِّمًا بارِزًا ومُعَلِّمًا مَعروفًا. فقد جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً وقالَ لَهُ: "يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ". لذلكَ فقد أكَّدَ حقيقةَ أنَّ الجَميعَ (أيِ الفَرِّيسيّينَ، والصَّدُّوقِيِّينَ، وجَميعَ قادَةِ إسرائيل) أكَّدُوا ذلكَ. فبالرَّغْمِ مِنْ رَفْضِهِمْ ليسوعَ وَصَلْبِهِمْ لَهُ، فإنَّهُمْ لم يُنْكِروا يومًا مُعجِزاتِهِ. حَسَنًا؟ البَتَّة! فَهُمْ لَمْ يُنكروا مُعجِزاتِهِ لأنَّه لا يُمْكِنُ إنْكارُها. فقد كانتْ تَحْدُثُ على نِطاقٍ واسِعٍ ومُنتشِرَة في كُلِّ مَكان. وكانَتْ تَحْدُثُ كُلَّ يومٍ. وكانَتْ وَاسِعَة الانْتِشار. وكانَ مِنَ الصَّعْبِ إنْكارُها. لذلكَ فإنَّهُمْ لم يُحاولوا يومًا إنكارَها. ولكنَّنا نَجِدُ هُنا شَهادةَ شخصٍ يَتَحَدَّثُ باسْمِ الجَميعِ ويقول: "لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ". فالأمْرُ وَاضِحٌ: مُعْجِزاتٌ، وسُلْطانٌ على الشَّياطينِ، وسُلْطانٌ على الأمراضِ، وسُلْطانٌ على الموتِ، وسُلطانٌ على الطَّبيعةِ. ولكنَّ يَسوعَ كانَ يَعلمُ أنَّ هُناكَ سُؤالًا في قلبِ نيقوديموسَ لم يُفْصِحْ عَنْهُ بَعْد. لذلكَ فقد خَاطَبَ قَلْبَهُ مُباشَرَةً وقالَ لَهُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ". قَالَ لَهُ نِيقُودِيمُوسُ: "كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟"

والآنْ، لقد فَهِمَ أنَّ يسوعَ يَتكلَّمُ مَجازِيًّا عَنِ الحَاجَةِ إلى الوِلادةِ الجَديدَة. فينبغي أنْ تَرْجِعَ إلى الوراءِ وَأنْ تَبتدئَ مِنْ جَديد مِنَ البِداية. فالأمْرُ لا يَختصُّ بالتَّقَدُّمِ الدِّينيِّ، بل بالولادة. لذلكَ فإنَّهُ يَطْرَحُ السُّؤال: "كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟ كَيْفَ أَفعلُ ذلك؟ كيفَ أرْجِعُ إلى البدايَة؟ فأنا رَجُلٌ مُسِنٌّ، وقد عِشْتُ عُمْري كُلَّهُ في هذِهِ النَّاموسِيَّةِ ... عُمري كُلَّهُ". فَهُوَ لا يَستطيعُ أنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ. أليسَ كذلك؟ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ مَجازيًّا. فَهُوَ يَعْلَمُ ذلكَ. فَهُوَ لا يَتَكَلَّمُ عنِ الولادَةِ الجَسَدِيَّةِ. وَهُوَ لا يَمْزَحُ. أَجَابَ يَسُوعُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ ..." وَهُوَ يَقْتَبِسُ هُنا مِنْ سِفْرِ حِزْقيال. أليسَ كذلك؟ - مِنَ المَقطَعِ الَّذي يَتحدَّثُ عَنِ العَهْدِ الجَديد (عَنِ الحاجَةِ إلى الاغتسالِ بالماءِ، والتَّطهيرِ، والحصولِ على قلبٍ جديدٍ بَدَلَ القلبِ الحَجَرِيِّ). لذلكَ فإنَّهُ يَقْتَبِسُ ما قالَهُ حِزْقيالُ وَيَقولُهُ لِواحِدٍ مِنْ مُعَلِّمي العهدِ القَديم: أنْتَ بِحاجَةٍ إلى اخْتبارِ العهدِ الجديد. وأنْتَ بحاجةٍ حَتَّى إلى ما يَتَحَدَّثُ عنهُ الأصحاح 31 مِن سِفْرِ إرْمِيا: فأنتَ بحاجةٍ إلى التَّطهيرِ، وأنتَ بحاجةٍ إلى قلبٍ جديدٍ، وأنتَ بحاجةٍ إلى الحُصولِ على الرُّوحِ القُدُسِ في داخِلِكَ قَبْلَ الدُّخولِ إلى مَلَكوتِ اللهِ. فهذا هوَ العهدُ الجديد. وأنتَ بحاجةٍ إلى التَّجديد. وأنتَ بحاجةٍ إلى التَّغيير لأنَّ "اَلْمَوْلُودَ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودَ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ". فَأنْتَ جَسَدٌ. وسوفَ تَستمرُّ في القيامِ بِأعمالِ الجَسَدِ إلى أنْ تَرْجِعَ إلى البِدايَة، وَتُوْلَدَ ثانِيَةً رُوحيًّا بِواسِطَةِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُس. وحينئذٍ فقط، يُمكنكَ أنْ تَدخُلَ ملكوتَ اللهِ. لذلكَ، "لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ".

والآن، في هذهِ النُّقطةِ تَحديدًا، ينبغي أنْ تَقولَ للشَّخصِ: "أنا أَقولُ لَكَ إنَّكَ بِحاجَةٍ إلى أنْ تُوْلَدَ ثانِيَةً". فإنْ قالَ الشَّخصُ لَكَ: "وكيفَ أَفْعَلُ ذلكَ؟" تَقولُ لَهُ: "حَسَنًا! صَلِّ هَذِهِ الصَّلاة". أليسَ كذلك؟ "أَعِدْ مَا أقول وَصَلِّ هذِهِ الصَّلاة. فكُلُّ ما يَنبغي لكَ أنْ تَفعلَهُ هُوَ أنْ تَتوبَ وتُؤمِن". ولَكِنْ مَا الَّذي قالَهُ يَسوعُ لنيقوديموس؟ إنَّهُ أمْرٌ عَجيبٌ حَقًّا. العَدَد 8: "اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ". ما هَذا؟ فإنْ جاءَ إليكَ شخصٌ وقالَ لكَ: "أعتقدُ أنِّي بحاجةٍ إلى الولادةِ ثانيةً، وأعتقدُ أنِّي بحاجةٍ إلى أنْ أتَخَلَّصَ مِنْ حَياةِ الجَسَدِ العَقِيمةِ هَذِهِ. فأنا بحاجةٍ إلى أنْ أُوْلَدَ ثانيةً. وأنا بحاجةٍ إلى قلبٍ جديد. وأنا بحاجةٍ إلى رُوْحِ جديد. فماذا يَنبغي أنْ أَفْعَل؟" فهل ستَقولُ لَهُ: "لا يُمكنُكَ أنْ تَفْعَلَ شيئًا. لا يُمكنُكَ أنْ تَفعلَ شيئًا. فهذا عَمَلُ الرُّوحِ القُدُسِ. وَهُوَ يَأتي وَيَذْهَبُ وَقْتَ يَشاء، وَيَحِلُّ على مَنْ يَشاء". ماذا؟ فنحنُ لا نَتحدَّثُ هنا عن صيغةٍ مُعَيَّنَةٍ للكِرازَةِ. ونحنُ لا نَتحدَّثُ هُنا عنْ صَلاةٍ مُعَيَّنَةٍ. بل نَتحدَّثُ هُنا عن يسوعَ. فهذا ليسَ شَخْصًا حَديثَ العَهْدِ بالكِرازَةِ ولا يَعْرِفُ تمامًا أساليبَ التَّبشير. بل إنَّنا نتحدَّثُ هُنا عن يَسوع. ولكِنَّ ما يَقولَهُ لنيقوديموس هُوَ: "يجب أنْ أُخْبِرَكَ أنَّهُ يَنبغي أنْ تُوْلَدَ ثانيةً. يجبُ أنْ تُوْلَدَ ’أنوثين‘ (anothen) – وَهِيَ كَلِمَة تَعني حَرْفِيًّا: مِنْ فَوْق. وأنْتَ لستَ مَسؤولًا عَنْ مَوْعِدِ حُدوثِ ذلك". يا لَها مِنْ كَلِمات!

أنا أُدْرِكُ ما تَحتاجُ إليهِ. وأنا أُدركُ أيضًا أنَّكَ لستَ مَسؤولًا عن حُدوثِ ذلكَ في حقيقةِ الأمرِ. عَجَبًا! فالرُّوحُ يَأتي وَيَذْهَبُ كَيْفَما يَشاء. وهذا هُوَ السَّبَبُ في أنَّ النَّاسَ يُوْلَدونَ مِنَ الرُّوحِ. وقد تَقولونَ: "إنَّ هَذِهِ أكْثَر جُمْلَةٍ يَفوتُنا أنْ نَلْتَفِتَ إليها في الكِتابِ المُقَدَّسِ عَنِ السِّيادةِ الإلهيَّةِ فيما يَختصُّ بالخلاص. يا للعَجَب! السِّيادَة الإلهيَّة! لا يُمْكِنُكُمْ أنْ تُجادِلُوا بهذا الخُصوص. ولكِنْ لِنَتَأمَّلْ بِعُمْقٍ أكْبَر في هذا الأصحاح. حَسَنًا؟ انتقلوا إلى العَدَد 27. فيوحنَّا المعمدانُ كانَ "كالفينِيًّا" (Calvinist) أيضًا. وَلَكِنَّهُ لم يَكُنْ يَعلمُ ذلكَ لأنَّ قِلَّةً قَليلَةً مِنَ المَعْمَدانِيِّينَ هُمْ كَذلك. استَمِعُوا إلى ما يَقولُهُ يوحنَّا في العَدَد 27: "لاَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ أَنْ ..." أنْ يَفْعَلَ ماذا؟ ما الكَلِمَة التَّالية؟ لا يَقْدِرُ أنْ "يَأخُذَ شَيْئًا إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ السَّمَاءِ". فلا يُمكنُكَ الحُصولُ على أيِّ شيءٍ ما لَمْ يُعْطَ لَكَ مِنَ السَّماءِ. وقد كانَ يوحنَّا (المَعمَدانُ) يَعلمُ ذلكَ. وقد كانَ يوحنَّا آخِرَ أنبياءِ العهدِ القديم. فالسِّيادَةُ الإلهيَّةُ فيما يَختصُّ بالخَلاصِ هِيَ بِكُلِّ تَأكيدٍ عَمَلٌ إلَهِيٌّ. إنَّهُ عَمَلٌ تَقومُ بِهِ السَّماء.

والآنْ، لِنَرْجِعْ إلى العَدَد 15. هل أنْتُم مُستعدُّونَ لذلك؟ "لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ". ماذا؟ ما الَّذي يَفْعَلُهُ الإنْسانُ هُنا؟ "كُلُّ مَنْ يُؤمِنُ بِهِ تَكونُ لَهُ الحَياةُ الأبديَّةُ". "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ".

لماذا يُدانُ النَّاسُ وَيَذْهَبونَ إلى جَهَنَّم؟ هل لأنَّهُمْ ليسوا مُخْتارين؟ لا، بل لأنَّهُمْ لا يُؤمِنون. "وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ."

ونَنْتَقِلُ الآن إلى العَدَد ... حَسَنًا، إلى العدد 36: "الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ". فغضَبُ اللهِ الأبَدِيِّ يَحِلُّ على النَّاسِ لأنَّهُم لا يَفعلونَ ماذا؟ لأنَّهُم لا يُؤمِنون. هل تُواجِهونَ صُعوبَةً في استيعابِ كُلِّ هَذِهِ الأُمور؟ هذا جَيِّد. لأنَّهُ مِنَ البَديهِيِّ أنْ تُواجِهُوا صُعوبَةً. فهذا يَعْني أنَّكُمْ تَفهمونَ كِلا الأمْرَيْنِ. لذلكَ لا تَبحثوا عَنْ حَلٍّ وَسَطٍ يَطْمِسُ كِلا هَذَيْنِ الحَقَّيْنِ.

ولنَنْظُر إلى ما جاءَ في الأصْحاحِ السَّادِسِ مِنْ إنجيل يوحنَّا. وقدِ انْتُقِدَ "سبيرجن" (Spurgeon) لأنَّهُ وَعَظَ عَنْ هذا الموضوعِ، فقالَ أحَدُ الأشخاصِ لَهُ: "لِمَ لا تَعِظُ للمُختارينَ فَقَط؟" فأجابَهُ قائلًا: "حَسَنًا، إذا رَفَعْتَ أَطْرافَ أقْمِصَتِهِمْ لِكَيْ أَرى إنْ كَانَ حَرْفُ (المِيْم: أيْ "مُخْتارين") مَخْتومًا على ظُهورِهِمْ، فإنِّي سَأفعَل". يوحنَّا 6. ونحنُ نَعودُ هُنا إلى الآيَةِ الَّتي عَلَّقْتُ عليها (يوحنَّا 6: 37): "كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ". فهذهِ جُملةٌ تَوكيديَّةٌ. أليسَت كذلك؟ وَنَجِدُ الحَقَّ مُعْلَنًا هُنا أيضًا. فالخَلاصُ يَأتي مِنَ السَّماء. فالعَمَلُ هُوَ عَمَلُ الرُّوحِ. والقَصْدُ هُوُ قَصْدُ الآبِ. وَ "كُلُّ ما يُعْطيني الآبُ فَإلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا". "لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي". لذلكَ إذا كانَتْ مَشيئَتُهُ هِيَ أنْ يُعْطيني هؤلاءِ الأشخاص، فإنِّي سأَقْبَلُهُمْ بِكُلِّ تَأكيد. "وَهذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ". لذلكَ، انْظُروا! أنا سأفعلُ ما يُريدُني الآبُ أنْ أفْعَلَهُ. وما يُريدُني أنْ أَفعلَهُ هُوَ أنْ أَقْبَلَ النَّاسَ الَّذين يُعطيني إيَّاهُم، وأنْ أُحافِظَ عليهِمْ، وَأنْ أُقيمَهُمْ للمَجْدِ الأبديِّ. وحيثُ إنِّي جِئْتُ لأفعلَ مَشيئةَ الآبِ، فإنَّ هَذا هُوَ ما سأفعَلُهُ تمامًا.

ثُمَّ نَقرأُ في العدد 44: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي". هل فَهِمْتُم هذا؟ "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ". وهُنا يَكْمُنُ ضَمانُنا الأبديُّ. أليسَ كذلك؟ فنحنُ مَحفوظونُ في المَسيحُ للمجدِ الأبديِّ. وَهُوَ لن يَفْقِدَ أحَدًا مِنْهُم. ارْجِعُوا إلى العَدَد 35، في مُنتَصَفِ هَذا المَقطَعِ، في مُنتَصَفِ المَقطعِ الَّذي قَرأتُهُ للتَّوِّ، أو بالقُرْبِ مِنَ المَقطعِ الَّذي قَرَأتُهُ. العَدَد 35: "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا". إذًا، مِنْ جانبٍ آخَر، لا يُمكنُ لأحدٍ أنْ يَخْلُصَ ما لَمْ يَأتي ذلكَ مِنَ السَّماءِ بمشيئةِ الآبِ، وما لم يَكُنْ هذا الشخصُ مُختارًا مِنَ الآبِ، ومُعَيَّنًا مِنَ الأزَلِ السَّحيقِ، واسْمُهُ مَكتوبٌ في سِفْرِ حَياةِ الخَروفِ، ومُعَيَّنًا سَابِقًا بِقَصْدِ اللهِ دُوْنَ أيِّ تَأثيرٍ مِنْ أيِّ سُلوكٍ أوْ أيِّ شَخْصٍ في أيِّ وقتٍ. فلا أَحَدَ سَيَخْلُصُ مِنْ دُوْنِ عَمَلِ اللهِ السِّيادِيِّ. وَمَعَ ذلكَ فإنَّ يَسوعَ يَقولُ: "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا". ثُمَّ في العَدَد 36: "وَلكِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمُونِي، وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ". ... "ولستُم تُؤمِنون!" ثُمَّ انظُروا إلى العدد 47: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ". ... "مَنْ يُؤمِنُ". ثُمَّ في العَدَد 57: "كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي".

وَنَجِدُ خُلاصَةَ ذَلِكَ في العَدَد 63: "«اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ، وَلكِنْ مِنْكُمْ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ». لأَنَّ يَسُوعَ مِنَ الْبَدْءِ عَلِمَ مَنْ هُمُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُهُ. فَقَالَ: «لِهذَا قُلْتُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأتِيَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ أَبِي»". فهذانِ الأمرانِ يَتَداخَلانِ مَعًا دُوْنَ أنْ نَجِدَ تَفسيرًا لَهُما.

"يجِبْ أنْ تُؤمِنوا، ويَنبغي أنْ تُؤمِنوا، ولكنَّكُمْ تُدانونَ لأنَّكُمْ لا تُؤمِنون. ولكنَّكُمْ لا تَستطيعونَ أنْ تُؤمِنوا إلَّا إذا دُعِيْتُمْ وَاجْتُذِبْتُمْ وَأُعطيتُمْ حَياةً مِنْ أبي". وبصراحةٍ تامَّةٍ، يا أحِبَّائي، لا يُمكنني أنْ أَفْعَلَ أفْضَلَ مِنْ ذلكَ لتوضيحِ ما يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ. فيمكنني أنْ أَعِظَ بِكُلِّ الشَّغَفِ الَّذي في قَلبي عَنْ أمْجادِ عَقيدَةِ الاختيارِ الإلهِيِّ والسِّيادةِ الإلهيَّةِ. ويُمكنني أنْ أَعِظَ بالشَّغَفِ نَفْسِهِ عن حقيقةِ عقيدةِ المسؤوليَّةِ البشريَّةِ. ويمكنني أن أُخبرَكُم أنَّهُ ما لم تُؤمِنوا فإنَّكُم ستموتونَ وَتَذهبونَ إلى جَهَنَّم. وأنكم إذا آمنتُم ستَقومونَ وَتَدخُلونَ السَّماءَ. ويمكنني أن أُخبركم أنَّهُ يَنبغي أنْ تَتوبوا، وأنَّهُ يَنبغي أنْ تُؤمِنوا. وهذا يَتَّفِقُ تَمامًا مَعَ ما يَقولهُ الكِتابُ المقدَّسُ. ولكنِّي أستطيعُ القولَ أيضًا أنَّ هَذا العَمَلَ كُلَّهُ قائمٌ على سِيادَةِ اللهِ.

وهناكَ مَقاطِعٌ أُخرى في الكتابِ المقدَّسِ تَفعلُ ذلكَ. وأنا أُحاولُ فقط أنْ أَلْفِتَ أنْظارَكُمْ إلى أنَّ الكِتابَ المقدَّسَ لا يُحاولُ أنْ يُفَسِّرَ ذلك، بَلْ يَمْزِجُ الأمْرَيْن معًا. وهُناكَ مَثَلٌ جَيِّدٌ على ذلكَ في الأصحاحِ الثَّاني مِنْ سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل. فهل تَرغبونَ في النَّظرِ إليهِ؟ هل تَظُنُّونَ أنَّ الشَّيطانَ كانَ يُريدُ أنْ يُصْلَبَ يَسوع؟ لا! فالشَّيطانُ لم يَكُنْ راغِبًا في أنْ يُصْلَب. بل إنَّ الشَّيطانَ جاءَ إليهِ وقالَ لَهُ: "يُمْكِنُكَ أنْ تَنْسى موضوعَ الصَّليبِ. فَإنْ سَجَدْتَ لي أُعْطيكَ مَمالِكَ العالَمِ". أليسَ كذلك؟ فالشَّيطانُ لم يَكُنْ يُريدُ أنْ يَتِمَّ صَلْبُ يَسوعَ على الصَّليب. بل إنَّهُ حَاوَلَ أنْ يُجَرِّبَهُ في البُستانِ. أليسَ كذلك؟ "إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأسُ". ولكِنْ مَنِ الَّذي أرادَ أكْثَرَ مِنْ أيِّ شَخْصٍ آخَرَ أنْ يَتِمَّ صَلْبُ يَسوع؟ إنَّهُ الله – لأنَّهُ كانَ حَمَلَ اللهِ. فقد كانَ حَمَلَ اللهِ. لذلكَ فقد قالَ بُطْرُسَ في يومِ الخَمسين مُعَبِّرًا عَنْ لاهوتِهِ الصَّحيحِ: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ. هذَا أَخَذْتُمُوهُ (اسْتَمِعُوا جَيِّدًا) مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ". فقد قامَ رِجالٌ أشرارٌ بِعَمَلِ اللهِ: "هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ".

فهل كانَ بَنو إسرائيلَ مُذْنِبين؟ يَنْبَغي أنْ تُؤمِنوا بذلك. ففي أسْبوعِ الآلامِ، نَظَرَ يَسوعُ إلى الهَيْكَلِ وقالَ: "لاَ يُتْرَكُ حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ". أليسَ كذلك؟ "هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا". وقد حَلَّتِ الدَّينونةُ على يَدِ الرُّومانِ في سَنَة 70 ميلاديَّة إذْ ذُبِحَ مِئاتُ الآلافِ مِنَ اليهود. وقد ذُبِحَ مِنْهُم مئاتُ الآلافِ في السَّنواتِ اللَّاحِقَةِ في 985 بَلْدَة في كُلِّ أرْضِ إسرائيل على يَدِ الرُّومانِ الذينَ قَتَلوا كَثيرينَ مِنهم. وقد جاءتِ الدَّينونةُ بطريقةٍ شاملةٍ. ويجبُ عليكم أن تَفهموا أنَّ الدَّينونةَ على إسرائيلَ وَرَفْضَهُمْ للمسيَّا مُستمرَّانِ حَتَّى اليوم.

ولا أعْلَمُ ما الَّذي تُفَكِّرونَ فيهِ عندما تَنظرونَ إلى أُمَّةِ إسرائيلَ اليوم. فَهِيَ ليسَتْ أُمَّةً مَرْضِيَّةً عندَ اللهِ، بل هي أُمَّةٌ تحتَ دينونةِ اللهِ. وهيَ ستَستمرُّ في البقاءِ تحتَ دينونةِ اللهِ إلى أنْ يَنْظُروا إلى الَّذي طَعَنوهُ وَيَنوحونَ عليهِ كَنائِحٍ على وَحيدٍ لَهُ. أو كَما قالَ زَكَرِيًّا: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ يَنْبُوعٌ مَفْتُوحًا" لإسرائيل. ولكِنْ إلى أنْ يَحدُثَ ذلك، ستبقى تلكَ الأُمَّة تحتَ الدَّينونة. ولكنَّها نفسُ الدَّينونةِ الَّتي يُلاقيها أيُّ خاطئٍ غيرِ مَفْدِيٍّ بسببِ رَفْضِهِ ليسوعَ المسيح. وفي حادِثَةِ صَلْبِ المسيح، فَعَلَ اليهودُ مَشيئَةَ اللهِ، ولكنَّهُمْ كانوا رِجالًا خُطاةً يَتَحَمَّلونَ المَسؤوليَّةَ الكامِلَةَ عَمَّا فَعَلوه.

وأنا مُرْتاحٌ جِدًّا للأسرارِ الإلهِيَّةِ لأنَّها تَعني أنَّ اللهَ أعْظَمُ جِدًّا مِنِّي، وَأنَّ طُرُقَهُ تَخْتَلِفُ عَنْ طُرُقي. ونَقرأُ في أعمالِ الرُّسُل 4: 27: "لأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ، الَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ". فجميعُ هؤلاءِ تَجَمَّعُوا لِقَتْلِ المَسيح. أليسَ كذلك؟ فالأمْرُ لم يَقْتَصِرْ فقط على اليهود. فنحنُ نَقرأُ هُنا عَنْ هيرودُس، وبيلاطُسَ البُنْطِيّ، والأُمَم، وَبَني إسرائيل. وَإنْ سَأَلَكُمْ أحَدٌ هَذا السُّؤالَ: "مَنِ المَسؤولُ عَنْ صَلْبِ المَسيحِ؟" اقْتَبِسوا لَهُ هذهِ الآية.

ولكِنِ انْظُروا إلى ما جاءَ في العَدَد 28 (وَهَذا الحَديثُ يُشيرُ إلى الله): لِيَفْعَلُوا كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيَّنَتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ". وَتَجِدونَ هُنا أيضًا المَسؤوليَّةَ الكامِلَةَ في حَالَةِ هيرودُس، وفي حالةِ بيلاطُسَ البُنْطِيَّ، وفي حالةِ الأُمَمِ، وفي حَالَةِ اليَهودِ (أيْ بَني إسرائيل). وبالرَّغمِ مِنْ ذلكَ فإنَّهُمْ كانُوا يَفْعَلونَ العَمَلَ الَّذي شَاءَ اللهُ أنْ يَكونَ بِمُقْتَضى سِيادَتِهِ الإلهيَّةِ.

وهذهِ نَماذِجُ على تَوافُقِ آياتِ الكِتابِ المُقَدَّسِ عندَ الحَديثِ عَنْ هذَيْنِ المَوضوعَيْنِ دونَ أيِّ مُحاوَلَةٍ لِتَفْسيرِ ما لا يُمْكِنُ تَفسيرُه. فهل تَذكرونَ قِصَّةَ يَهوذا؟ فهل كانَ مَسؤولًا عَمَّا فَعَل؟ وَهَلْ كانَتْ مَشيئَةُ اللهِ تَقْضي بأنْ يَفْعَلَ ذلك؟ فَحَتَّى إنَّ العَهْدَ القَديمَ يَحوي نُبوءَةً عَنْ ذلك. "أَيْضًا رَجُلُ سَلاَمَتِي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!" وقد قالَ يَسوعُ: "وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ!" وقد قالَ يَسوعُ إنَّهُ سَيَموتُ فَذَهَبَ إلى المَكانِ الَّذي كانَ مُزْمِعًا أنْ يَذْهَبَ إليهِ.

اسْتَمِعُوا جَيِّدًا. يجبُ علينا أنْ نَفهمَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَّا يَحْمِلُ المَسؤوليَّةَ في أنْ يُؤمِنَ. ونحنُ سَنُحاسَبُ على إيمانِنا أوْ عَدَمِ إيمانِنا. فَهُناكَ عَواقِبُ أبديَّة لذلك. وبِصِفَتِنا مُؤمِنين، فإنَّنا مَسؤولونَ عَنْ القَداسَةِ في حَياتِنا المسيحيَّةِ. ومَعَ ذلكَ فإنَّ الشَّيءَ الَّذي لا تَفسيرَ لَهُ هُوَ أنَّ أيَّ شَيءٍ صَالِحٍ فينا هُوَ عَمَلُ الرُّوحِ القُدُس، وَأنَّ أيَّ شَيءٍ رَديءٍ فينا هُوَ بِسَبَبِنا نحنُ. مِنْ جِهَةٍ أُخرى، يجبُ علينا أنْ نَثْبُتَ في إيمانِنا. ولكنَّنا في الوقتِ نَفْسِهِ مَحفوظونَ في يَدَيِ المَسيحِ بقوَّةِ اللهِ. وَهَذا حَقٌّ عَميقٌ. وَهُوَ حَقٌّ نَجِدُهُ في كُلِّ الكِتابِ المقدَّسِ. وأنا أَفْرَحُ بذلك. استَمِعُوا جَيِّدًا. فقد صَرَفْتُ وَقتًا طويلًا جِدًّا جِدًّا في دِراسَةِ هذهِ العَقائِدِ. وكُلَّما عِشْتُ أكْثَر، زادَ فَرَحي بهذهِ العقائدِ الَّتي لا أجِدُ تَفسيرًا لَها لأنَّها تُعْلِنُ عَظَمَةَ اللهِ.

حَسَنًا، لقد كانَتْ هذهِ هِيَ المُقدَّمة. وفي العِظَةِ القادِمَةِ، سأصْحَبُكُمْ في الأصْحاحات 9 و 10 و 11 مِنْ رِسالةِ رُومية. فيجبُ علينا أنْ نَرى ما يَقولُهُ بولُس. أليسَ كذلك؟ فهذا هُوَ ما يُفْتَرَضُ بِنا أنْ نَفعَلَهُ. فقد صَرَفْنا وقتًا طويلًا في التأمُّلِ في إنجيلِ يُوحَنَّا، وفي إنجيلِ لوقا، وفي سِفْرِ إشَعْياء. لذلكَ يجبُ علينا أنْ نُرَكِّزَ على بولُس في العِظَةِ القادِمَةِ. وسوفَ تَجِدونَ مُتْعَةً في التَّأمُّلِ في الأصحاحات 9 و 10 و 11 مِنْ رِسالةِ رُومية لأنَّها مِنْ أكْثَرِ الأجزاءِ المُثيرَةِ للجَدَلِ في الكِتابِ المُقَدَّس.

This sermon series includes the following messages:

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Donation:
Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Grace to You
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Minimize